← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قلت: وهذا الذي قاله الجاحظ معارض لما نقله ابن أبي الدم عن صاحب كتاب العين، من كونها متولدة بين مأكولين، وما تمسك به ابن أبي الدم من الشبه بالإبل والبقر شبه بعيد، لما يشاهد من طول يديها وقصر رجليها، ولو كان الشبه البعيد كافيا لحل أكل الصرّارة لشبهها بالجرادة ولجاز أكله، لأن خفه يشبه خف الجمل. وقد ذكر في شرح المهذب، أن بعضهم عد الزرافة من المتولد بين مأكول وغير مأكول، واستدل به على تحريمها وكلام الجاحظ ينفي هذا، ويقتضي الحل وهو المختار في الفتاوى الحلبيات كما سبق، وهو مذهب الإمام أحمد ومقتضى مذهب مالك، وقواعد الحنفية تقتضيه وإذا تعارضت الأقوال، وتساقط اعتبار مدلولها، رجعنا إلى الإباحة الأصلية، والتحقت هذه بما لا نص فيه بالتحريم والتحليل. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر ما لا نص فيه بالتحريم والتحليل في باب الواو في الورل. ومن خواصها : أن لحمها غليظ سوداوي رديء الكيموس. التعبير : الزرافة في المنام تدل على الآفة في المال، وربما دلت على المرأة الجليلة أو الجميلة أو الوقوف على الأخبار الغريبة من الجهة المقبلة منها، ولا خير فيها إن دخلت البلد من غير فائدة، فإنها تدل على الآفة في المال، وما تأنس من ذلك كان صديقا أو زوجا أو ولدا لا تؤمن غائلته. وربما تعبر بالمرأة التي لا تثبت مع الزوج، لأنها خالفت المركوبات في ظهورها، والله أعلم. الزّرياب : قال في كتاب منطق الطير: إنه أبو زريق. قال: وحكي أن رجلا خرج من بغداد، ومعه أربعمائة درهم لا يملك غيرها، فوجد في طريقه أفراخ زرياب فاشتراها بالمبلغ الذي كان معه، ثم رجع إلى بغداد، فلما أصبح فتح دكانه وعلق الأفراخ عليها، فهبت ريح باردة فماتت كلها إلا فرخا واحدا، وكان أضعفها وأصغرها، فأيقن الرجل بالفقر ولم يزل يبتهل إلى الله تعالى بالدعاء ليله كله ويقول: يا غياث المستغيثين أغثني! فلما أصبح زال البرد، وجعل ذلك الفرخ ينفش ريشه ويصيح بصوت فصيح، يا غياث المستغيثين أغثني فاجتمع الناس عليه يستمعون صوته فاجتازت به أمة لأمير المؤمنين فاشترته بألف درهم انتهى. فانظر كيف فعل الصدق مع الله تعالى، والإقبال بكنه الهمة في التضرع بين يديه وحضور القلب وعدم الالتفات إلى غيره من الغنى من الجهة الميؤوس منها! فما ظنك بمن ترك الأسباب والوسايط، وأقبل على الله تعالى إقبالا لا يشغله عنه شاغل، ولا يحجبه حاجب، لأن حجابه نفسه وقد فني عنها فهناك لذ الخطاب وطاب الشراب، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، وهو العزيز الوهاب. الزّغبة : دويبة تشبه الفأرة، قاله ابن سيده قال: وقد سمت العرب زغبة، وأشار بذلك إلى عيسى بن حماد «١» البصري زغبة روى عن رشد بن سعد وعبد الله بن وهب والليث بن سعد وروى عنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ومات سنة ثمان وأربعين ومائتين. الزّغلول : بضم الزاي فرخ الحمام مادام يزق يقال: أزغل الطائر فرخه إذا زقه والزغلول

стр. 527

أيضا اللاهج بالرضاع من الغنم والإبل والزغلول أيضا الخفيف من الرجال. الزّغيم: طائر وقيل بالراء غير المعجمة، قاله ابن سيده. الزقة: طائر من طير الماء يمكث حتى يكاد يقبض عليه ثم يغوص في الماء فيخرج بعيدا قاله ابن سيده. الزّلال: بضم الزاي دود يتربّى في الثلج، وهو منقط بصفرة يقرب من الأصبع، يأخذه الناس من أماكنه ليشربوا ما في جوفه لشدة برده، ولذلك يشبه الناس الماء البارد بالزلال، لكن في الصحاح ماء زلال أي عذب. وقال أبو الفرج العجلي، في شرح الوجيز: الماء الذي في دود الثلج طهور، والذي قاله يوافق قول القاضي حسين فيما تقدم في الدود. والمشهور على الألسنة أن الزلال هو الماء البارد قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة الذي قال فيه النبي ﷺ «انه يبعث أمة وحده» : وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا وما أحسن قول أبي فراس بن حمدان واسمه الحارث «١» : قد كنت عدتي التي أسطو بها ... ويدي إذا خان الزمان وساعدي فرميت منك بضد ما أمّلته ... والمرء يشرق بالزلال البارد وقال الآخر: ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا «٢» وما أحسن قول «٣» وجيه الدولة أبي المطاع بن حمدان ويلقب بذي القرنين وكان شاعرا مجيدا ووفاته في سنة ثمان وعشرين وأربعمائة: قالت لطيف خيال زارني ومضى ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد «٤» فقال: أبصرته لو ما من ظمأ ... وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد قالت: صدقت الوفا في الحب عادته ... يا برد ذاك الذي قالت على كبدي ومن محاسن «٥» شعره: ترى الثياب من الكتّان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاصرها ... والبدر في كلّ وقت طالع فيها «٦»

стр. 528

وقال آخر: لا تعجبوا من بلا غلائله ... قد زر أزراره على القمر «١» وهذا وما قبله يستشهد بهما على أن نور القمر يبلى ثياب الكتان كما قاله حذاق الحكم اء، لا سيما إذا طرحت الثياب في الماء عند اجتماع النيرين الشمس والقمر، فإنها تبلى سريعا في غير وقتها واجتماعهما من الخامس والعشرين إلى الثلاثين. ومن هنا يقال: ثوب حام إذا تفصد سريعا وسببه ما ذكرناه، وقد أشار إلى ذلك الرئيس ابن سينا «٢» في أرجوزته بقوله: لا تغسلن ثيابك الكتانا ... ولا تصد فيها كذا الحيتانا عند اجتماع النيرين تبلى ... وذا صحيح فاتخذه أصلا فينبغي الاحتراس على ثياب الكتان من نور القمر ومن غسلها عند اجتماع النيرين كما ذكرناه. الحكم: قال أبو الفرج العجلي، في شرح الوجيز: الماء الذي في دود الثلج طهور، والذي قاله يوافق قول القاضي حسين فيما تقدم في الدود والمشهور على الألسنة أن الزلال الماء البارد كما تقدم عن الجوهري وغيره. الزّماج: كرمان طائر كان يقف بالمدينة في الجاهلية على أطم ويقول شيئا لا يفهم وقيل: كان يسقط في مربد، لبعض أهل المدينة، فيأكل ثمره فيرمونه فيقتلونه، ولم يأكل أحد من لحمه إلا مات. قال الشاعر: أعلى العهد أصبحت أم عمرو ... ليت شعري أم غالها الزماج قاله ابن سيده وغيره. الزّمّج: مثال الخرد طائر معروف يصيد به الملوك الطير وأهل البزدرة يعدونه من خفاف الجوارح، وذلك معروف في عينه وحركته وشدة وثبه، ويصفونه بالغدر وقلة الوفاء والألفة لكثافة طبعه، وهو يقبل التعليم لكن بعد بطء. ومن عادته أنه يصيد على وجه الأرض، والمحمود من خلقه أن يكون لونه أحمر وهو أحد نوعي العقاب. وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. قال الجواليقي: الزمج جنس من الطير يصاد به وقال أبو حاتم: إنه ذكر العقاب والجمع الزمامج. وقال الليث: الزمج طائر دون العقاب حمرته غالبة تسميه العجم دو برادران وترجمته أنه إذا عجز عن صيده أعانه أخوه على أخذه. وحكمه : تحريم الأكل كسائر الجوارح. الخواص : إدمان أكل لحم الزمج ينفع من خفقان القلب، ومرارته إذا جعلت في الأكحال

стр. 529

نفعت من الغشاوة، وظلمة البصر نفعا بليغا، وزبله يزيل الكلف والنمش طلاء. زمج الماء: وهو الطائر الذي يسمى بمصر النّورس وهو أبيض في حد الحمام أو أكبر، يعلو في الجو ثم يزج نفسه في الماء ويختلس منه السمك ولا يقع على الجيف ولا يأكل غير السمك. وحكمه : حل الأكل، لكن حكى الروياني عن الصيمري أن طير الماء الأبيض حرام، لخبث لحمه. قال الرافعي: والأصح أن جميع طير الماء حلال إلا اللقلق وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في باب اللام. الزنبور: الدبر وهي تؤنث والزنابير لغة فيها وربما سميت النحلة زنبورا، والجمع الزنابير. قال ابن خالويه، في كتاب ليس: ليس أحد سمعته يذكر كنية الزنبور إلا أبا عمر والزاهد فإنه قال: كنيته أبو علي وهو صنفان جبلي وسهلي: فالجبلي يأوي الجبال ويعشش في الشجر ولونه إلى السواد وبدء خلقه دود، ثم يصير كذلك، ويتخذ بيوتا من تراب كبيوت النحل، ويجعل لبيته أربعة أبواب لمهاب الرياح الأربع، وله حمة يلسع بها، وغذاؤه من الثمار والأزهار. ويتميز ذكورها من إناثها بكبر الجثة. والسهلي لونه أحمر ويتخذ عشه تحت الأرض، ويخرج منه التراب كما يفعل النمل ويختفي في الشتاء لأنه متى ظهر فيه هلك، فهو ينام من البرد طول الشتاء كالميتة ولا يدخر القوت للشتاء بخلاف النمل، فإذا جاء الربيع وقد صارت الزنابير من البرد وعدم القوت كالخشب اليابس، نفخ الله تعالى في تلك الجثث الحياة فتعيش مثل العام الأول، وذلك دأبها. ومن هذا النوع صنف مختلف اللون مستطيل الجسد، في طبعه الحرص والشره، يطلب المطابخ ويأكل ما فيها من اللحوم، ويطير منفردا ويسكن بطن الأرض والجدران، وهذا الحيوان بأسره مقسوم من وسطه ولذلك لا يتنفس من جوفه البتة ومتى غمس في الدهن سكنت حركته، وإنما ذلك لضيق منافذه، فإذا طرح في الخل عاش وطار. قال الزمخشري في تفسير سورة الأعراف: قد يجعل المتوقع الذي لا بد منه بمنزلة الواقع. ومنه ما روي أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري دخل على أبيه وهو يبكي، وهو إذ ذاك طفل، فقال له: ما يبكيك؟ فقال: لسعني طائر كأنه ملتف في بردي حبرة فقال حسان: يا بني قلت الشعر ورب الكعبة! أي ستقوله. فجعل المتوقع كالواقع. وما أحسن قول الأول «١» : وللزنبور والبازي جميعا ... لدى الطيران أجنحة وخفق ولكن بين ما يصطاد باز ... وما يصطاده الزنبور فرق وقد أجاد الشيخ زهير الدين بن عسكر «٢» قاضي السلامية بقوله: في زخرف القول تزيين لباطله ... والحقّ قد يعتريه سوء تغيير «٣»

стр. 530

تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن ذممت فقل قيء الزنابير مدحا وذما وما غيرت من صفة ... سحر البيان يرى الظلماء كالنور «١» وقال شرف الدولة» بن منقذ ملغزا في الزنبور والنحل: ومغردين ترنما في مجلس ... فنفاهما لأذاهما الأقوام هذا يجود بما يجود بعكسه ... هذا فيحمد ذا وذاك يلام روى ابن أبي الدنيا، عن أبي المختار التيمي، قال: حدثني رجل قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل يشتم أبا بكر وعمر ﵄ فنهيناه فلم ينته، فخرج يوما لبعض حاجاته فاجتمع عليه الزنابير فاستغاث فأغثناه فحملت علينا فتركناه فما أقلعت عنه حتى قطعته قطعا. وكذلك رواه ابن سبع في شفاء الصدور، وزاد: فحفرنا له قبرا فتصلبت الأرض فلم نقدر على حفرها فألقيناه على وجه الأرض، وألقينا عليه من ورق الشجرة والحجارة، وجلس رجل من أصحابنا يبول فوقع على ذكره زنبور من تلك الزنابير فلم يضره. فعلمنا أن تلك الزنابير كانت مأمورة. قال يحيى بن معين: كان يعلى بن منصور الرازي من كبار علماء بغداد، روى عن مالك والليث وغيرهما قال: فبينما هو يصلي يوما إذ وقع عليه كور الزنابير، فما التفت ولا تحرك حتى أتم صلاته، فنظروا فإذا رأسه قد صارت هكذا من شدة الانتفاخ. الحكم : يحرم أكله لاستخباثه، ويستحب قتله لما روى ابن عدي في ترجمة مسلمة بن علي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٣» : «من قتل زنبورا اكتسب ثلاث حسنات» . لكن يكره احراق بيوتها بالنار قاله الخطابي في معالم السنن. وسئل الامام أحمد عن تدخين بيوت الزنابير فقال: إذا خشي أذاها فلا بأس به وهو أحب إلي من تحريقها. ولا يصح بيعها لأنها من الحشرات. الخواص : إذا طرح الزنبور في الزيت مات، فإن طرح في الخل عاش كما تقدم. وفراخ الزنابير تؤخذ من أوكارها وتغلى في الزيت، ويطرح عليها سذاب وكراويا، وتؤكل تزيد في الباه وشهوة الجماع. وقال عبد الملك بن زهر: عصارة الملوخيا إذا طليت على لسعة الزنبور أبرأتها. التعبير : الزنبور في المنام عدو محارب، وربما دل على البناء والنقاب والمهندس وعلى قاطع الطريق وذي الكسب الحرام وعلى المطرب الخارج الضرب، وربما دلت رؤيته على أكل السموم أو شربها. وقيل: تدل رؤيته على رجل مخاصم مهيب ثابت في القتال، سفيه خبيث المأكل. والزنابير إذا دخلت مكانا فإنها جنود لهم هيبة وسرعة وشجاعة، يحاربون الناس جهارا. وقيل: الزنبور رجل مجادل بالباطل وهو من الممسوخ وقالت اليهود: الزنبور والغراب يدل على المقامرين وسفاكي

стр. 531

الدماء، وقيل الزنابير في المنام قوم لا رحمة لهم والله أعلم. الزندبيل : الفيل الكبير أنشد يحيى بن معين: وجاءت قريش البطاح ... إلينا هم الدول الجاليه يقودهم الفيل والزندبيل ... وذو الضّرس والشّفة العاليه الزندبيل كبير الفيلة وقال يحيى: أراد بالفيل والزندبيل عبد الملك وأبان ابني بشر بن مروان قتلا مع ابن هبيرة الأصغر وأراد بذي الضرس والشفة العالية خالد بن مسلمة المخزومي المعروف بالفأفاء الكوفي، روى له مسلم والأربعة وروى عن الشعبي وطبقته، وروى عنه شعبة بن الحجاج والسفيانان وكان مرجئا يبغض عليا رضي الله تعالى عنه، أخذ مع ابن هبيرة فقطع أبو جعفر المنصور لسانه ثم قتله. الزّهدم: زاي مفتوحة ثم هاء ساكنة ثم دال مهمة مفتوحة الصقر ويقال فرخ البازي وبه سمي زهدم بن مضرب الجرمي، روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. والزهدمان أخوان من بني عبس زهدم وكردم وفيهما يقول قيس بن زهير «١» : جزاني الزهدمان جزاء سوء ... وكنت المرء يجزى بالكرامة أبو زريق: القيق الآتي ذكره في باب القاف إن شاء الله تعالى. والزرياب المتقدم قبل بورقة، وهو ألوف للناس يقبل التعليم سريع الإدراك لما يعلم، وربما زاد على الببغاء وذلك أنه أنجب وإذا تعلم جاء بالحروف مبينة حتى لا يشك سامعه أنه إنسان وقد تقدم ذكره في الزرياب. وحكمه : حل الأكل لعدم استخباثه لكن قيل إنه متولد من الشقراق والغراب، فعلى هذا يتخرج فيه وجه بالتحريم ولم يذكروه. أبو زيدان: ضرب من الطير. أبو زياد : الحمار. قال الشاعر: زياد لست أدري من أبوه ... ولكن الحمار أبو زياد وأبو زياد أيضا الذكر قال الشاعر: تحاول أن تقيم أبا زياد ... ودون قيامه شيب الغراب وهو الزهد باج أيضا قاله في المرصع. باب السين المهملة سابوط: دابة من دواب البحر قاله ابن سيده وغيره.

стр. 532

ساق حر: هو بالسين المهملة وبالقاف بينهما ألف وحر بالحاء والراء المهملتين الورشان وهو ذكر القمارى لا يختلفون في ذلك قال الكميت «١» : تغريد ساق على ساق يجاوبها ... من الهواتف ذات الطوق والعطل عنى بالأول الورشان، وبالثاني ساق الشجرة وقال حميد بن ثور الهلالي «٢» : وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر نزهة وترنما «٣» مطوقة غراء تسجع كلما ... دنا الصيف وانحال الربيع فأنجما محلاة طوق لم تكن من تميمة ... ولا ضرب صواغ بكفيه درهما تغنت على غصن عشاء فلم تدع ... لنائحة من نوحها متألما «٤» إذا حركته الريح أو مال ميلة ... تغنت عليه مائلا ومقوما عجبت لها أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تثغر بمنطقها فما «٥» فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا هاجه صوت أعجما قال ابن سيده: إنما سمي ذكر القمارى ساق حر لحكاية صوته، فإنه يقول: ساق حر ساق حر، ولذلك لم يعرب ولو أعرب لصرف، فيقال ساق حران كان مضافا وساق حران كان مركبا فتصرفه لأنه نكرة، فترك إعرابه دليل على أنه حكى الصوت بعينه وهو صياحه، وقد يضاف أوله إلى آخره، وذلك كقولهم خاز باز لأنه في اللفظ أشبه بباب دار انتهى. والنزهة الشوق، والترنم الغناء وهما مصدران واقعان موقع الحال من الضمير الفاعل في دعت ساق حر الواقع في موضع الصفة لحمامة وسيأتي في باب القاف إن شاء الله تعالى في القمري. السالخ: الأسود من الحيات وقد تقدم ذكره في الأفعى في باب الهمزة. سامّ أبرص: بتشديد الميم قال أهل اللغة: وهو من كبار الوزغ وهو معرفة إلا أنه تعريف جنس وهما اسمان جعلا واحدا، ويجوز فيه وجهان أحدهما أن تبنيهما على الفتح كخمسة عشر، والثاني أن تعرب الأول وتضيفه إلى الثاني مفتوحا، لكونه لا ينصرف ولا ينثني ولا يجمع على هذا اللفظ، بل تقول في التثنية: هذان ساما أبرص وفي الجمع هؤلاء سوام أبرص، وإن شئت قلت: هؤلاء السوام ولا تذكر أبرص. وإن شئت قلت: هؤلاء البرصة والأبارص، ولا تذكر سام قال الشاعر: والله لو كنت لهذا خالصا ... ما كنت عبدا آكل الأبارصا «٦»

стр. 533

ولك على الثاني أن تقول: أبرصان وأبارص كما صنع الشاعر، فإنه جمع على الثاني وإنما سمي هذا النوع بسام أبرص لأنه سم أي جعل الله فيه السم، وجعله أبرص. وسيأتي في باب الواو إن شاء الله تعالى، في ذكر الوزغ. ومن شأن هذا الحيوان، أنه إذا تمكن من الملح، تمرغ فيه فيصير مادة لتولد البرص. وحكمه : تحريم الأكل لاستقذاره وللأمر بقتله، وعدم جواز بيعه كسائر الحيوانات التي لا منفعة لها والله أعلم. الخواص : دمه إذا طلي به داء الثعلب أنبت الشعر، وكبده يسكن وجع الضرس، ولحمه يوضع على لسعة العقرب ينفعها، وجلده يوضع موضع الفتق يذهبه، وهو لا يدخل بيتا فيه رائحة الزعفران. التعبير : سام أبرص والعظاية في التأويل: فاسقان يمشيان بالنميمة. وقال ارطاميدورس: سام أبرص يدل على فقر وهم والله أعلم. السانح: وما والاك ميامنه من ظبي أو طائر أو غيرهما تقول سنح الظبي لي سنوحا إذا مر من مياسرك إلى ميامنك. والعرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح. وفي المثل: «من لي بالسانح بعد البارح» «١» قال أبو عبيدة: سأل يونس رؤية عن السانح والبارح، فقال: السانح ما والاك ميامنة، والبارح ما والاك مياسرة، وكان ذلك يصد الناس عن مقاصدهم فنفاه النبي ﷺ بالنهي عن الطيرة وأخبر أنه لا تأثير له في جلب نفع ولا دفع ضر قال لبيد «٢» : لعمرك ما تدري الطوارق بالحصا ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع والطيرة سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، في الطير واللقحة، في بابي الطاء المهملة واللام. السّبد: بضم السين وفتح الباء طائر لين الريش، إذا قطرت عليه قطرة من ماء جرت عليه من لينه وجمعه سبدان قال الراجز: أكل يوم عرشها مقيلي ... حتى ترى المئزرذا الفضول مثل جناح السبد الغسيل والعرب تشبه الفرس به إذا عرق قال طفيل العامري «٣» : كأنه سبد بالماء مغسول ولم أر لأصحابنا في حكمه كلاما. السّبع: بضم الباء وإسكانها الحيوان المفترس والجمع أسبع وسباع وأرض مسبعة أي كثيرة السباع قرأ الحسن وابن حيوة وما أكل السبع بإسكان الباء، وهي لغة لأهل نجد قال حسان بن

стр. 534

ثابت رضي الله تعالى عنه في عتيبة بن أبي لهب: من يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع وقرأ ابن مسعود: وأكيلة السبع، وقرأ ابن عباس رضي تعالى عنهما: وأكيل السبع. قيل: سمي سبعا لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره. قال أبو عبد الله ياقوت الحموي، في كتاب المشترك، وضعا في باب الغين المعجمة والباء الموحدة: الغابة موضع، بينه وبين المدينة أربعة أميال من ناحية الشام، له ذكر في غزوات النبي ﷺ «وفدت إليه، فيه السباع تسأله أن يفرض لها ما تأكله» . وفي طبقات ابن سعد عن عبد الله بن حنطب قال: بينما النبي ﷺ جالس بالمدينة، إذ أقبل ذئب، فوقف بين يديه وعوى، فقال ﷺ : «هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحرزتم منه، فما أخذ فهو رزقه» . فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا بشيء، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أي خالسهم فولى. وقد تقدم في باب الذال المعجمة في لفظ الذئب طرف من ذلك. ووادي السباع بطريق الرقة مر به وائل بن قاسط على أسماء بنت رويم، فهم بها حين رآها منفردة في الخباء فقالت: والله لئن هممت بي لأدعون أسبعي! فقال: ما أرى في الوادي سواك! فصاحت ببنيها يا كلب يا ذئب يا فهد يا دب يا سرحان يا أسد يا سبع يا ضبع يا نمر فجاؤوا يتعادون بالسيوف، فقال: ما هذا إلا وادي السباع! وفي الصحيحين «١» «نهى رسول الله ﷺ أن يفترش المصلي ذراعيه افتراش السبع» . وروى الترمذي والحاكم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، يحدثه بما أحدث أهله من بعده» «٢» . ثم قال: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفاضل، وهو ثقة عند أهل الحديث وثقه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي. فائدة : سئل رسول الله ﷺ أنتوضأ بما أفضلت الحمر قال: «وبما أفضلت السباع» «٣» خرجه الدارقطني قال السهيلي: يريد «نعم وبما أفضلت السباع» قال: ومثله قوله تعالى: «سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ» «٤» قالوا: إنها واو الثمانية وليس كذلك بل تدل على تصديق القائلين بأنهم سبعة لأنها عاطفة على كلام مضمر مصدق تقديره نعم. وثامنهم كلبهم كما إذا قال قائل: زيد شاعر. فقلت له: وفقيه أيضا أي نعم وفقيه أيضا. وفي التنزيل «وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ» «٥» الآية قال الزمخشري: هذه الواو آذنت بأن الذين قالوا «سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ» «٦» قالوا ذلك عن ثبات علم وطمأنينة نفس، ولم يرجموا بالظن كغيرهم انتهى. وحكى القشيري، في أوائل الرسالة، عن بنان الجمال، وكان عظيم الشأن صاحب كرامات، أنه ألقي بين يدي سبع فجعل السبع يشمه ولا

стр. 535

يضره، فلما خرج قيل له: ما الذي كان في قلبك حين شمك السبع؟ قال: كنت أتفكر في اختلاف العلماء في سؤر السبع. قيل: حج سفيان الثوري مع شيبان الراعي رضي الله تعالى عنهما فعرض لهما سبع، فقال سفيان لشيبان: أما ترى هذا السبع؟ فقال: لا تخف، ثم أخذ شيبان أذنه فعركها فبصبص وحرك ذنبه، فقال سفيان: ما هذه الشهرة؟ فقال: لولا مخافة الشهرة لوضعت زادي على ظهره، حتى آتي مكة. وذكر الحافظ أبو نعيم في الحلية قال: كان شيبان الراعي إذا أجنب، وليس عنده ماء دعا ربه فتجيء سحابة فتظله، فيغتسل منها ثم تذهب، وكان إذا ذهب للجمعة، خط حول غنمه خطا فإذا جاء وجدها على حالها لم تتحرك، وذكر أبو الفرج بن الجوزي وغيره أن الإمام أحمد والشافعي مرا يوما بشيبان الراعي فقال الإمام أحمد: لأسألن هذا الراعي وأنظر جوابه، فقال له الشافعي: لا تتعرض له، فقال: لا بد من ذلك، فقال له: يا شيبان ما تقول فيمن صلى أربع ركعات فسها في أربع سجدات ماذا يلزمه؟ قال له: على مذهبنا أم على مذهبكم؟ قال: أهما مذهبان؟ قال: نعم، أما عندكم فيلزمه أن يصلي ركعتين ويسجد للسهو، وأما عندنا فهذا رجل مقسم القلب يجب أن يعاقب قلبه حتى لا يعود. قال: فما تقول فيمن ملك أربعين شاة وحال عليها الحول ماذا يلزمه؟ قال: يلزمه عندكم شاة وأما عندنا فالعبد لا يملك شيئا مع سيده. فغشي على الإمام أحمد فلما أفاق انصرفا انتهى. قلت: وقد ذهب جماعة من علماء الآخرة إلى من سها فسدت صلاته، أخذا بقوله ﷺ : «ليس للمرء من صلاته إلا ما عقله منها فعلا ولفظا» . قالوا: ولا تفسد الصلاة إلا بترك واجب، وإلا فأي معنى للركوع والسجود، والمقصود منهما التعظيم والحضور لا الغفلة والذهول؟! وهو حسن، وإنما أفتت العلماء رضي الله تعالى عنهم بصحة الصلاة بذلك لعجزهم عن الاطلاع على أسرار القلوب، وسلموها إلى أربابها ليستفتوا نفوسهم، ليدفع الفقهاء كيد الشيطان وشقشقته عمن يقول لا إله إلا الله، وليقيموا الصلاة، ولم يفتوا بأن ذلك نافع لهم في الآخرة، ما لم يطابق عليه القلب اللسان مع الإخلاص لله والإخلاص لله واجب في سائر الأعمال. والاخلاص هو ما صفا عن الكدر، وخلص من الشوائب. قال تعالى: «مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً» «١» فكما أن خلوص اللبن من الفرث والدم، فكذلك إخلاص الأعمال من الرياء وحظوظ النفس جميعا وقد تكلمت على ذلك كلاما طويلا في الجوهر الفريد فلينظر هناك وبالله التوفيق. ورأيت في بعض المجاميع أن الشافعي رضي الله تعالى عنه كان يجلس إلى شيبان الراعي ويسأله عن مسائل فقيل له: مثلك يسأل هذا البدوي فيقول لهم: هذا وفق لما علمناه. وكان شيبان أميا وإذا كان محل الأمي منهم من العلم هكذا فما ظنك بأئمتهم وقد كان الأئمة المجتهدون كالشافعي وغيره رضي الله تعالى عنهم يعترفون بوفور فضل علماء الباطن وقد قال الإمامان الجليلان الشافعي وأبو حنيفة ﵄: إذا لم يكن العلماء أولياء الله تعالى، فليس لله ولي. وقد حكى غير واحد من الحفاظ أن أبا العباس بن شريح، كان إذا أعجب الحاضرين ما يبديه لهم من العلوم، يقول لهم: أتدرون من أين لي هذا؟ إنما حصل من بركة مجالستي أبا القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه. وكان من دعاء شيبان: يا ودود يا ودود، يا ذا العرش المجيد،

стр. 536

يا مبدىء يا معيد، يا فعالا لما يريد، أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يزول، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، أن تكفيني شر الظالمين أجمعين. وقد ذكر بعضهم قصيدة ذكر فيها أسماء جماعة من الأولياء قدس الله أسرارهم فمنها: شيبان قد كان راعي ... وسر سره ما اختفى فاجهد وخلّ الدعاوى ... إن كان لك شيء بان وفي الرسالة، في باب كرامات الأولياء، أن سهل بن عبد الله التستري «١» ، كان في داره بيت تسميه الناس بيت السباع، كانت السباع تجيء إليه فيدخلهم ذلك البيت، ويضيفهم ويطعمهم اللحم ثم يخلي سبيلهم. وفي كفاية المعتقد في ذكر ما زوي لهم من الأرض من غير حركة، وهو أفضل من الطيران في الهواء، والمشي على الماء، عن سهل بن عبد الله التستري، قال: توضأت يوم جمعة ومضيت إلى الجامع، وذلك في أيام البداية، فوجدته قد امتلأ بالناس، وقد هم الخطيب أن يرقى المنبر، فأسأت الأدب ولم أزل أتخطى رقاب الناس حتى وصلت إلى الصف الأول فجلست، وإذا عن يميني شاب حسن المنظر طيب الرائحة عليه أطمار الصوف، فلما نظر إلي قال: كيف نجدك يا سهل قلت: بخير أصلحك الله وبقيت مفكرا في معرفته لي وأنا لم أعرفه، فبينما أنا كذلك إذ أخذني حرقان بول فأكربني، فبقيت على وجل خوفا أن أتخطى رقاب الناس، وإن جلست لم يكن لي صلاة فالتفت إلي وقال: يا سهل أخذك حرقان بول؟ فقلت: أجل فنزع حرامه عن منكبيه فغشاني به، ثم قال: اقض حاجتك وأسرع لتلحق الصلاة. قال: فأغمي علي فلما فتحت عيني، وإذا بباب مفتوح فسمعت قائلا يقول: لج الباب يرحمك الله، فولجت فإذا أنا بقصر مشيد عالي البنيان شامخ الأركان، وإذا بنخلة قائمة وإلى جانبها مطهرة مملوءة أحلى من الشهد ومنزل لإراقة الماء، ومنشفة معلقة وسواك، فحللت لباسي وأرقت الماء ثم اغتسلت وتنشفت بالمنشفة فسمعت مناديا: يا سهل إن كنت قضيت أربك فقل: نعم، فقلت: نعم. فنزع الحرام عني فإذا أنا جالس مكاني ولم يشعر بي أحد. فبقيت مفكرا في نفسي وأنا مكذب نفسي فيما جرى فقامت الصلاة فصليت ولم يكن لي شغل إلا الفتى لأعرفه، فلما فرغت تتبعت أثره، فإذا به قد دخل إلى درب، فالتفت إلي وقال: يا سهل كأنك ما أيقنت بما رأيت؟ قلت: كلا، قال: فلج الباب يرحمك الله، فنظرت الباب بعينه فولجت القصر فنظرت المطهرة والنخلة والحال بعينه، فمسحت عيني وفتحتهما، فلم أجد الفتى ولا القصر. وإنما ذكرت هذه الحكاية لأنها من جملة العجائب عند غير هذه الطائفة، ولا يكاد يؤمن بها كثير من الناس ولها احتمالات منها: أنه يحتمل أنه نقل من مكانه لما أغمي عليه إلى حيث شاء الله من غير شعور منه، ثم أعيد إلى مكانه لطفا من الله تعالى وكرامة لأوليائه.

стр. 537

قال شيخنا اليافعي ﵀: ومن المحكي عن سهل رضي الله تعالى عنه أيضا، أن أمير خراسان يعقوب بن الليث أصابته علة أعيت الأطباء، فقيل له: في ولايتك رجل صالح يقال له سهل بن عبد الله ولو استحضرته ليدعو لك رجونا لك العافية فأحضره وسأله الدعاء، فقال: كيف يستجاب دعائي لك وأنت مقيم على الظلم؟ فنوى يعقوب التوبة والرجوع عن المظالم وحسن السيرة في الرعية وأطلق من في سجنه من المظلومين فقال سهل: اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرّج عنه، فنهض كأنما نشط من عقال وعوفي من ساعته، فعرض على سهل مالا جزيلا فأبى قبوله فلما رجع إلى تستر قيل له بأثناء الطريق: لو قبلت المال الذي عرض عليك، وفرقته على الفقراء؟ فنظر إلى الحصباء فإذا هي جواهر، فقال: خذوا ما أردتم. ثم قال: من أعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث؟ ونظير ذلك من قلب الأعيان ما روي عن الشيخ عيسى الهتار وهو بكسر الهاء وتخفيف التاء المثناة فوق، أنه مر على امرأة بغي فقال لها: بعد العشاء آتيك ففرحت بذلك وتزينت، فلما كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلى ركعتين ثم خرج. فقالت: أراك خرجت؟ قال: حصل المقصود، فورد عليها واراد أزعجها عما كانت عليه فخرجت بعد الشيخ، وتابت على يده فزوجها بعض الفقراء. وقال: اعملوا الوليمة عصيدة ولا تشتروا لها إداما ففعلوا ذلك وأحضروه، وحضر الفقراء والشيخ كالمنتظر لشيء يؤتى به فوصل الخبر إلى أمير كان رفيقا لتلك المرأة فأخرج قارورتين مملوأتين خمرا وأرسل بهما إلى الشيخ وأراد بذلك الاستهزاء، وقال للرسول: قل للشيخ: قد سرني ما سمعت، وبلغني أن ما عندكم إدام، فخذوا هذا فائتدموا به. فلما أقبل الرسول قال له الشيخ: أبطأت. ثم تناول إحداهما فخضها ثم صب منها عسلا مصفى، ثم فعل كذلك بالأخرى وصب منها سمنا عربيا، وقال للرسول: اجلس فكل فأكل فطعم سمنا وعسلا لم ير مثلهما طعما ولونا وريحا. فرجع الرسول وأخبر الأمير بذلك فجاء الأمير فأكل وتحير مما رأى وتاب على يد الشيخ. ويشبه هذا ما حكي عن بعضهم، أنه قال: بينما أنا أسير في فلاة من الأرض، إذا برجل يدور بشجرة شوك، ويأكل منها رطبا جنيا فسلمت عليه فرد علي السلام، وقال: تقدم فكل، قال: فتقدمت إلى الشجرة، فصرت كلما أخذت منها رطبا عاد شوكا، فتبسم الرجل وقال: هيهات لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات. وحكاياتهم في مثل هذا كثيرة، وإنما نبهت على قطرة من بحار عميقة، وعلى الجملة فالدنيا تتصور لهم في صورة عجوز تخدمهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا في هذا الباب، والرجوع في ذلك كله إلى أصل يجب الإيمان به، وهو أن الله على كل شيء قدير، وليس الخرق للعوائد بمستحيل في العقل والله التوفيق. وحكى : عن الشيخ أبي الغيث اليمني رضي الله تعالى عنه، أنه خرج يوما يحتطب فبينما هو يجمع الحطب إذ جاء السبع وافترس حماره، فقال له: وعزة المعبود ما أحمل حطبي إلا على ظهرك، فخضع له السبع فحمل الحطب على ظهره، وساقه إلى البلد، ثم حط عنه وخلّاه. ونقل أن شعوانة رزقت ولدا فربته أحسن تربية، فلما كبر ونشأ قال لها: يا أماه سألتك بالله إلا ما وهبتني لله فقالت له: يا بني أنه لا يصلح أن يهدى للملوك إلا أهل الأدب والتقى وأنت يا ولدي غمر لا

стр. 538

تعرف ما يراد بك ولم يأن لك ذلك فأمسك عنها فلما كان ذات يوم، خرج إلى الجبل ليحتطب، ومعه دابة، فنزل عنها وربطها، وذهب فجمع الحطب ورجع، فوجد السبع قد افترسها، فجعل يده في رقبة السبع، وقال له: يا كلب الله تأكل دابتي وحق سيدي لأحملنك الحطب كما تعديت على دابتي، فحمل على ظهره الحطب وهو طائع لأمره حتى وصل به إلى دار أمه فقرع عليها الباب ففتحت له وقالت لما رأت ذلك: يا بني أما الآن فقد صلحت لخدمة الملك اذهب لله فودعها وذهب. روى صاحب مناقب الأبرار عن شاه الكرماني أنه خرج إلى الصيد وهو ملك كرمان، فأمعن في الطلب حتى وقع في برية مقفرة وحده فإذا شاب راكب على سبع وحوله سباع كثير فلما رأته السباع، ابتدرت نحوه فنحاها الشاب عنه فبينما هو كذلك، إذ أقبلت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيه إلى شاه فشرب وقال: ما شربت شيئا ألذ منه ولا أعذب، ثم غابت العجوز فقال الشاب: هذه الدنيا وكلها الله تعالى بخدمتي فما احتجت إلى شيء إلا أحضرته إلى حين يخطر ببالي، فعجب شاه من ذلك، فقال له: أبلغك أن الله تعالى لما خلق الدنيا قال لها: يا دنيا من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه. ثم وعظه وعظا حسنا، فكان ذلك سبب توبته. وفي الإحياء في عجائب القلب عن ابراهيم الرقي قال: قصدت أبا الخير الديلمي التيناني مسلما عليه فصلى صلاة المغرب، ولم يقرأ الفاتحة مستويا فقلت في نفسي: ضاعت سفرتي فلما أصبح الصباح خرجت إلى الطهارة فقصدني السبع فعدت إليه وقلت: إن السبع قد قصدني فخرج وصاح على الأسد وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لأضيافي؟ فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال: أنتم اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد، ونحن اشتغلنا بتقويم الباطن فخافنا الأسد وقد أنشدنا شيخنا الامام العلامة جمال الدين بن عبد الله بن أسد اليافعي لنفسه: هم الأسد ما الأسد الأسود تهابهم ... وما النمر ما أظفار فهد ونابه وما الرمي بالنشاب ما الطعن بالقنا ... وما الضرب بالماضي الكمي ما ذبابه لهم همم للقاطعات قواطع ... لهم قلب أعيان المراد انقلابه لهم كلّ شيء طائع ومسخّر ... فلا قط يعصيهم بل الطوع دابه من الله خافوا لا سواه فخافهم ... سواه جمادات الورى ودوابه لقد شمروا في نيل كلّ عزيزة ... ومكرمة مما يطول حسابه إلى أن جنوا ثمر الهوى بعد ما جنى ... عليهم وصار الحب يطول عذبا عذابه وفي الخبر قيل: أوحى الله ﵎ إلى داود ﵇ يا داود خفني كما تخاف السبع الضاري، معناه خفني لا وصفا في المخوفة من العزة والعظمة والكبرياء والجبروت والقهر وشدة البطش، ونفوذ الأمر، كما تخاف السبع الضاري لشدة بدنه وعبوسة وجهه، وشبوك أنيابه، وقوة براثنه، وجراءة قلبه، وسرعة غضبه، وبغتات وثبه، وفظيع بطشه، ودواعي ضراوته، لا أجلب عليه شرا ولا عصيت له أمرا، فيا أخي خف الله حق خوفه، واترك السوى فمن خاف الله حق

стр. 539

خوفه خافه كل شيء، ومن أطاع الله حق طاعته أطاعه كل شيء. وحكمه : تقدم في باب الهمزة لكن يكره ركوب السباع لما روى ابن عدي في ترجمة اسماعيل بن عياش عن بقية عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ركوب السباع» «١» . ولا يصح بيع السباع التي لا تنفع وقيل يجوز بيعها لأجل جلودها وأما التي تنفع كالفهد والفيل والقرد فيجوز بيعه. السبنتي والسبندي: النمر الجريء والأنثى سبنداة قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ناحت الجن على عمر رضي الله تعالى عنه قبل أن يموت بثلاثة أيام فقالت «٢» : أبعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتز العضاه بأسوق جزى الله خيرا من إمام وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائق في أكمامها لم تفتق وما كنت أخشى أن تكون وفاته ... بكفي سبنتي أزرق العين مطرق المطرق الحنق الذي أرخى عينيه إلى الأرض، وقد يمد السبنتي. ونسب الجوهري هذه الأبيات إلى الشماخ، وقال في الاستيعاب: لما مات عمر رضي الله تعالى عنه نحل الناس هذه الأبيات إلى الشماخ بن ضرار ولأخويه، وكانوا إخوة ثلاثة كلهم شعراء، وسيأتي ذكر النمر في باب النون إن شاء الله تعالى. السبيطر: بفتح السين وفتح الباء الموحدة والطاء المهملة، بينهما ياء مثناة من تحت، وبالراء المهملة في آخره، مثل العميثل: طائر طويل العنق جدا يرى أبدا في الماء الضحضاح، ويكنى بأبي العيزار. كذا قاله الجوهري وابن الأثير، والظاهر أنهما أرادا به مالكا الحزين، وقال في المحكم: الكركي يكنى أبا العيزار وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر العميثل في باب السين المهملة. السحلة: كالهمزة الأرنب الصغيرة التي قد ارتفعت عن الخرنق وفارقت أمها. السحلية: بضم السين العظاية. قال ابن الصلاح: هي دويبة أكبر من الوزغ وقد عد في الروضة العظاية من نوع الوزغ، وقال: إنها محرمة، وقال ابن قتيبة وصاحب الكفاية: وذكر العظاية يسمى العضرفوط بفتح العين المهملة وتسكين الضاد المعجمة وبالفاء والواو والطاء في آخره. وذكر الجاحظ أن العضرفوط بلغة قيس هي العظاية وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة قول الأزهري: هي دويبة ملساء تعدو وتتردد كثيرا تشبه سام أبرص إلا أنها لا تؤذي وهي أحسن منه. السحا: بفتح السين والحاء المهملتين الخفاش الواحدة سحاة مفتوحتان مقصورتان قاله

стр. 540

النضر بن شميل «١» وقد تقدم لفظ الخفاش في باب الخاء المعجمة. سحنون: بفتح السين وضمها طائر حديد الذهن يكون بالمغرب، يسمونه سحنونا لحدة ذهنه وذكائه وبه سمي سنون بن سعيد التنوخي القيرواني وهو لقب فرد واسمه عبد السلام، وهو تلميذ ابن القاسم وهو مصنف المدونة وكان قبل ذلك كتبها أسد بن الفرات عن ابن القاسم غير مرتبة ثم بخل بها ابن الفرات على سحنون فدعا عليه ابن القاسم أن لا ينفع الله بها ولا به وكذلك كان، فهي متروكة والعمل على مدونة سحنون ووفاته في شهر رجب سنة أربعين ومائتين وولد في شهر رمضان سنة ستين ومائة رحمة الله عليه. السخلة: ولد الشاة من الضأن أو المعز ذكرا كان أو أنثى والجمع سخل وسخلة وسخال قال «٢» الشاعر: فللموت تغدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن وهذه لام العاقبة كقول الآخر: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ولم يبنوها للخراب ولكن إليها مآلها كقول الآخر: فإن يكن الموت أفناهم ... فللموت ما تلد الوالده وقال تعالى «٣» : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً وقال «٤» تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية. فائدة : قال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة وضعها من الضأن والمعز جميعا ذكرا كانت أو أنثى سخلة، ثم هي بهمة بفتح الباء الموحدة للذكر والأنثى جميعا وجمعها بهم، فإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمها فما كان من أولاد المعز فهو جفار واحدها جفر، والأنثى جفرة فإذا رعى وقوي فهو عريض وعتود وجمعهما عرضان وعتدان، وهو في ذلك كله جدي والأنثى عناق ما لم يأت عليها الحول وجمعها عنوق. الذكر تيس إذا أتى عليه الحول، والأنثى عنز ثم تجزع في السنة الثانية، فالذكر جذع والأنثى جذعة. روى مالك عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «اعتد عليهم في الزكاة بالسخلة» . وبه استدل الشافعي وغيره على أن ما نتج من النصاب يزكى بحول الأصل، لأن الحول إنما اعتبر للنماء والسخال في نفسها نماء، حتى لو نتجت قبل الحول بلحظة تزكى بحول النصاب، وإن ماتت الأمهات كلها قبل انقضاء حولها، على الأصح. وقيل: يشترط بقاء نصاب من الأمهات، وقيل: يشترط بقاء شيء منها ولو واحدة. وروى الإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي، من حديث أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ مر بسخلة جرباء قد أخرجها

стр. 541

أهلها فقال: «والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله تعالى من هذه على أهلها» «١» . وروى البزار في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ مر بدمنة قوم، فيها سخلة ميتة، فقال «٢» ﷺ : «أما لأهلها فيها حاجة» ؟ فقالوا: يا نبي الله لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها! قال ﷺ «فو الله للدنيا أهون على الله من هذه السخلة على أهلها فلا ألفينها أهلكت أحدكم» . وفي سيرة ابن هشام أن النبي ﷺ ، لما خرج هو وأصحابه إلى غزوة بدر،.. لقوا رجلا من الأعراب فسألوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا، فقال له الناس: سلم على رسول الله ﷺ ، فقال: أو فيكم رسول الله؟ قالوا: نعم فسلم عليه. ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، وكان غلاما حدثا: لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك بذلك! ففي بطنها منك سخلة. فقال له رسول الله ﷺ : «مه» .. فخشيت على الرجل ثم أعرض عن سلمة. ورواه الحاكم في المستدرك من حديث ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بزيادة وهو أنه قال لقي رسول الله ﷺ رجلا من أهل البادية وهو متوجه إلى بدر، لقيه بالروحاء فسأله القوم عن خبر الناس، فلم يجدوا عنده خبرا، فقالوا له: سلم على رسول الله ﷺ فقال: أو فيكم رسول الله؟ قالوا: نعم فسلم عليه ثم قال: إن كنت رسول الله فأخبرني عما في بطن ناقتي هذه؟ فقال له سلمة بن سلامة بن وقش، وكان غلاما حدثا: لا تسأل رسول الله وأقبل علي فأنا أخبرك عن ذلك! نزوت عليها ففي بطنها سخلة منك فقال رسول الله ﷺ : «مه» . فخشيت على الرجل ثم أعرض عنه رسول الله ﷺ فلم يكلمه كلمة واحدة حتى قفلوا واستقبلهم المسلمون بالروحاء يهنونهم فقال سلمة: يا رسول الله ما الذي يهنئونك والله إن رأينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعتقلة فنحرناها فقال رسول الله ﷺ : «إن لكل قوم فراسة، وإنما يعرفها الأشراف» . ثم قال: هذا صحيح مرسل. ويتصل بذكر الفراسة ما رواه الحاكم عن ابن مسعود ﵁، أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرس في يوسف فقال لامرأته: أكرمي مثواه. والمرأة التي رأت موسى ﵇، فقالت لأبيها: يا أبت استأجره. وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما. قال الحاكم: فرضي الله تعالى عن ابن مسعود لقد أحسن في الجمع بينهم بهذا الإسناذ الصحيح. فرع : السخلة المرباة بلبن كلبة، لها حكم الجلالة، يكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح في الشرح الكبير، والروضة والمنهاج. وبه جزم الروياني والعراقيون. وقال أبو اسحاق المروزي والقفال: كراهة تحريم، ورجحه الإمام والغزالي والبغوي والرافعي في المحرر. والجلالة هي التي تأكل العذرة والنجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج أو الأرز أو السمك، أو غير ذلك من المأكول. وقد تقدم في باب الدال المهملة، في الدجاج، أن النبي ﷺ «كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك» «٣» . وروى الدارقطني والحاكم والبيهقي، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تحبس» «٤» .

стр. 542

قال الحاكم: صحيح الإسناد وقال البيهقي: ليس بالقوي. ثم إن لم يظهر بسبب ذلك تغير في لحمها، فلا تحريم ولا كراهة. واختلفوا فيما يناط به الحرمة والكراهة، فنقل الرافعي عن تتمة التتمة، أنه إن كان أكثر أكلها الطاهرات فليست بجلالة، والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة فإن كان يوجد في عرقها أو فيها أدنى ريح النجاسة وإن قل فالموضع موضع النهي، وإلا فلا. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن موضع النهي، ما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو كانت تقرب من الرائحة فأما إذا كانت الرائحة توجد يسيرة، فلا اعتبار بها. والصحيح الأول إلحاقا لها بالتغير اليسير بالنجاسة في المياه فإن علفت الجلالة علفا طاهرا مدة حتى طاب لحمها، وزالت النجاسة زالت الكراهة. ولا تقدر مدة العلف عندنا بزمن بل المعتبر زوال الرائحة بأي وجه كان. قال الرافعي، ﵀: وعن بعض العلماء تقدير العلف في الإبل والبقر بأربعين يوما، وفي الغنم بسبعة أيام وفي الدجاج بثلاثة أيام. قال: وهو محمول عندنا على الغالب اهـ. فإن لم تعلف لم يزل المنع بغسل اللحم بعد الذبح ولا بطبخه وشيه وتجفيفه في الهواء، وإن زالت الرائحة وكذا إن زالت الرائحة، بمرور الزمان عند صاحب التهذيب. وقيل: بخلافه وكما يمنع لحمها يمنع لبنها وبيضها ويكره الركوب عليها من غير حائل بين الراكب وبينها ويطهر جلدها بالدباغ والأصح أنه كاللحم ولا يطهر بالذكاة عند القائل بالتنجيس. وسئل: سحنون عن خروف أرضعته خنزيرة، فقال: لا بأس بأكله. قال الطبري: العلماء مجمعون على أن الجدي إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيرة، لا يكون حراما، ولا خلاف في أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة. وقال غيره: المعنى فيه أن لبن الخنزيرة لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم رائحة فقد نقله الله تعالى وأحاله كما يحيل الغذاء، وإنما حرّم الله تعالى أكل أعيان النجاسات المدركات بالحواس. كذا قاله أبو الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي في شرح البخاري. ووفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة وهو أحد شيوخ أبي عمر بن عبد البر رحمة الله تعالى عليه. السّرحان: بكسر السين الذئب. والجمع سراح وسراحين، والأنثى سرحانة بالهاء، والجمع كالجمع والسرحان الأسد بلغة هذيل قال أبو المثلم يرثي ميتا: هباط أودية حمال ألوية ... شهاد أندية سرحان فتيان وقال سيبويه: نون سرحان زائدة وهو فعلان والجمع سراحين. قال الكسائي: والأنثى سرحانة. حكى القزويني، عن بعض الرعاة، أنه نزل واديا بغنمه فسلب سرحان شاة من غنمه فقام ورفع صوته ونادى: يا عامر الوادي، فسمع صوتا: يا سرحان رد عليه شاته، فجاء الذئب بالشاة وتركها وذهب، وقد تقدم حكمه وخواصه وتعبيره. الأمثال : قالوا: «سقط العشاء به على سرحان» «١» . قال أبو عبيدة: أصله أن رجلا خرج يلتمس العشاء، فسقط على ذئب فأكله الذئب. وقال الأصمعي: أصله أن دابة خرجت تطلب

стр. 543

العشاء فلقيها ذئب فأكلها. وقال ابن الأعرابي: أصله أن رجلا يقال له سرحان، كان بطلا تتقيه الناس، فقال رجل يوما: والله لأرعين إبلي في هذا الوادي ولا أخاف سرحان بن هزلة فأتى إليه فقتله وأخذ إبله وقال: أبلغ نصيحة أن راعي إبلها ... سقط العشاء به على سرحان سقط العشاء به على متنمر ... طلق اليدين معاود لطعان يضرب في طلب الحاجة تؤدي صاحبها إلى التلف. السرطان: بفتح السين والراء المهملتين وبالنون في آخره، حيوان معروف ويسمى عقرب الماء، وكنيته أبو بحر وهو من خلق الماء وعيش في البر أيضا وهو جيد المشي سريع العدو، ذو فكين ومخاليب وأظفار حداد، كثير الأسنان صلب الظهر من رآه رأى حيوانا بلا رأس ولا ذنب، عيناه في كتفيه وفمه في صدره وفكاه مشقوقان من الجانبين، وله ثماني أرجل، وهو يمشي على جانب واحد، ويستنشق الماء والهواء معا، ويسلخ جلده في السنة ست مرات، ويتخذ لجحره بابين: أحدهما شارع في الماء، والآخر إلى اليبس، فإذا سلخ جلده سد عليه ما يلي الماء خوفا على نفسه من سباع السمك، وترك ما يلي اليبس مفتوحا ليصل إليه الريح فتجف رطوبته ويشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب معاشه. وقال ارسطاطاليس في النعوت: وزعموا أنه إذا وجد سرطان ميت في حفرة مستلقيا على ظهره في قرية أو أرض تأمن تلك البقعة من الآفات السماوية، وإذا علق على الأشجار يكثر ثمرها وفي وصفه قال الشاعر: في سرطان البحر أعجوبة ... ظاهرة للخلق لا تخفى مستضعف المشية لكنه ... أبطش من جاراته كفّا يسفر للناظر عن جملة ... متى مشى قدرها نصفا ويقال: إن ببحر الصين سرطانات متى خرجت إلى البر استحجرت، والأطباء يتخذون منها كحلا يجلو البياض، والسرطان لا يتخلق بتوالد ولا نتاج، إنما يتخلق في الصدف ثم يخرج منه ويتولد. وفي الحلية عن أبي الخير الديلمي أنه قال: كنت عند خير النساج فجاءته امرأة وطلبت أن ينسج لها منديلا، وقالت له: كم الأجرة؟ فقال لها: درهمان فقالت: ما معي الساعة شيء وغدا أتيك بهما إن شاء الله تعالى، فقال لها: إذا أتيتني ولم تريني فارمي بهما في الدجلة فإني إذا رجعت أخذتهما منها إن شاء الله تعالى، فقالت: حبا وكرامة. قال أبو الخير: فجاءت المرأة من الغد وخير غائب، فقعدت ساعة تنتظره ثم قامت وألقت خرقة في الدجلة، فيهما الدرهمان، فإذا سرطان قد تعلق بالخرقة، وغاص في الماء. ثم جاء خير بعد ساعة، ففتح باب حانوته وجلس على الشط يتوضأ، وإذا بسرطان خرج من الماء يسعى نحوه والخرقة على ظهره، فلما قرب من الشيخ أخذها وذهب السرطان إلى حال سبيله. فقلت له: رأيت كذا وكذا، فقال: أحب أن لا تبوح بهذا في حياتي فأجبته إلى ذلك. الحكم : يحرم أكله لاستخباثه كالصدف قال الرافعي: ولما فيه من الضرر، وفي قول انه

стр. 544

يحل أكله، وهو مذهب مالك رحمة الله تعالى عليه. الخواص : أكل السرطان ينفع وجع الظهر ويصلبه. قال في النعوت: من علق عليه رأس سرطان لم ينم إذا كان القمر محترقا، فإن كان غير محترق نام، وإن أحرق السرطان وحشي به البواسير كيف كانت أبرأها، وإن علقت رجله على شجرة مثمرة سقط ثمرها من غير علة ولحمه نافع للمسلولين جدا. وإذا وضع السرطان على الجراحات أخرج النصل وينفع من لسع الحيات والعقارب. التعبير : السرطان في المنام تدل رؤيته على رجل كثير الكيد، لكثرة سلاحه، عظيم الهمة بعيد المأخذ عسر الصحبة، ومن رأى أنه أكل لحم سرطان في منامه، فإنه يصيب خيرا من أرض بعيدة. وقال جاماسب: لحم السرطان في الرؤيا مال حرام والله أعلم. السرّعوب: بضم السين وسكون الراء وبالعين المهملة ابن عرس ويقال له: النمس قاله في كفاية المتحفظ. السرفوت: بفتح السين والراء المهملتين وضم الفاء دويبة تعشش في كور الزجاج في حال اضطرامه، وتبيض فيه وتفرخ، ولا تعمل بيتها إلا في موضع النار المستمرة الدائمة. كذا قاله «١» ابن خلكان، في ترجمة يعقوب بن صابر المنجنيقي. وهذه الدويبة تشارك السمندل في هذا الوصف كما سيأتي في موضعه. السّرفة: بضم السين واسكان الراء المهملتين وبالفاء الأرضة قال ابن السكيت: إنها دويبة سوداء الرأس وسائرها أحمر، تتخذ لنفسها بيتا مربعا من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها على مثال الناموس، ثم تدخل فيه وتموت. ويقال سرفت السرفة، وتسرفها بالكسر سرفا إذا أكلت ورقها، فهي شجرة مسروفة انتهى. وفي الحديث أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لرجل: إذا أتيت إلى منى، وانتهيت إلى موضع كذا وكذا، فإن هناك شجرة لم تعبل ولم تجرد ولم تسرف ولم تسرح، قد نزل تحتها سبعون نبيا فأنزل تحتها. ومعنى لم تعبل لم يسقط ورقها، ولم تجرد لم يصبها الجراد، ولم تسرف لم تصبها السرفة، ولم تسرح لم يصبها السرح أي الابل والغنم السارحة. الحكم : يحرم أكلها لأنها من الحشرات. الأمثال : قالوا: «أصنع من سرفة» «٢» وقد تقدم الكلام عليها في باب الهمزة. السرمان: دويبة كالحجر والسرمان أيضا ضرب من الزنابير أصفر وأسود ومجزع. السروة: الجرادة أول ما تكون وهي دودة وأصله الهمز والسروة لغة فيها.

стр. 545

السرماح: الجراد. قاله ابن سيده. السعدانة: الحمامة. السعلاة: أخبث الغيلان وكذلك السعلاء تمد وتقصر، والجمع السعالي. واستسعلت المرأة، أي صارت سعلاة أي صارت صخابة وبذية، قال «١» الشاعر: لقد رأيت عجبا مذ أمسا ... عجائزا مثل السعالي خمسا يأكلن ما أصنع همسا همسا ... لا ترك الله لهن ضرسا وأنشد «٢» أبو عمر: يا قبّح الله بني السعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النات ليسوا أعفاء ولا أكيات قلب السين تاء وهي لغة بعض العرب. قال الجاحظ: يقال إن عمرو بن يربوع كان متولدا من السعلاة، والإنسان. قال: وذكروا أن جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم ﵇. قال: وكان الملك من الملائكة إذا عصى ربه في السماء أهبط إلى الأرض في صورة رجل، كما صنع بهاروت وماروت فوقع بعض الملائكة على بعض بنات آدم ﵇ فولدت جرهما ولذلك قال شاعرهم «٣» : لا هم أن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا قال: ومن هذا الضرب كانت بلقيس ملكة سبا. وكذلك كان ذو القرنين، كانت أمه آدمية وأبوه من الملائكة ولذلك لما سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا ينادي رجلا: يا ذا القرنين، قال: أفرغتم من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟ انتهى. والحق في ذلك أن الملائكة معصومون من الصغائر والكبائر كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قاله القاضي عياض وغيره. وأما ما ذكروه من أن جرهما كان من نتاج الملائكة وبنات آدم، وكذلك ذو القرنين وبلقيس فممنوع، واستدلالهم بقصة هاروت وماروت ليس بشيء، فإنها لم تثبت على الوجه الذي أوردوه، بل قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هما رجلان ساحران كانا ببابل. وقال الحسن: كانا علجين يحكمان بين الناس ويعلمان الناس السحر ولم يكونا من الملائكة لأن الملائكة لا يعلمون السحر. وقرأ ابن عباس والحسن البصري وما أنزل على الملكين بكسر اللام. وسيأتي ذكرهما، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف في الكلب. وقد اختلف في ذي القرنين ونسبه واسمه، فقال صاحب ابتلاء الأخيار: اسم ذي القرنين

стр. 546

الاسكندر، قال: وكان أبوه أعلم أهل الأرض بعلم النجوم، ولم يراقب أحد الفلك ما راقبه، وكان قد مد الله تعالى له في الأجل فقال ذات ليلة لزوجته: قد قتلني السهر، فدعيني أرقد ساعة وانظري إلى السماء، فإذا رأيت قد طلع في هذا المكان نجم وأشار بيده إلى موضع طلوعه فنبهيني حتى أطأك فتعلقي بولد يعيش إلى آخر الدهر، وكانت أختها تسمع كلامه ثم نام أبو الاسكندر فجعلت أخت زوجته تراقب النجم فلما طلع النجم أعلمت زوجها بالقصة فوطئها فعلقت منه بالخضر فكان الخضر بن خالد الإسكندر ووزيره فلما استيقظ أبو الاسكندر، رأى النجم قد نزل في غير البرج الذي كان يرقبه، فقال لزوجته: لم لم تنبهيني؟ فقالت: استحييت والله فقال لها: أما تعلمين أني أراقب هذا النجم منذ أربعين سنة والله لقد ضيعت عمري في غير شيء. ولكن الساعة يطلع في أثره نجم فأطؤك فتعلقين بولد يملك قرني الشمس فما لبث أن طلع، فواقعها فعلقت بالاسكندر، وولد الاسكندر وابن خالته الخضر في ليلة واحدة. ثم إن الاسكندر فتح الله عليه، بتمكينه في الأرض، وفتح البلاد وكان من أمره ما كان. وروي عن وهب بن منبه أنه قال: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم، ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الاسكندر وكان عبدا صالحا، فلما بلغ أشده، قال الله تعالى: يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض وهم أمم مختلفة وهم أصناف منهم أمتان بينهما طول الأرض ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض وأمم في وسط الأرض فقال ذو القرنين: إلهي إنك قد ندبتني لأمر عظيم، لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي ندبتني إليها بأي قوة أكاثرهم؟ وبأي صبر أقاسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي أن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع قولهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي قلب وحكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم لهم ويقوى عليهم ويطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم الذي لا يكلف نفسا إلا وسعها ولا يحملها إلا طاقتها. قال الله : إني سأطوقك وأحملك وأشرح لك صدرك، فتسمع كل شيء، وأقوي لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد بصرك فتنقد كل شيء، وأشد لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأقوي لك قلبك فلا يروعك شيء، واحفظ لك عقلك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك ما بين يديك فتسطو فوق كل شيء، وأشد لك وطأتك فتهد كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يهولنك شيء، وأسخر لك النور والظلمة وأجعلهما جندا من جنودك، يهديك النور من أمامك، وتحفظك الظلمة من ورائك، وذلك قوله تعالى: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً «١» وقال ابن هشام: ذو القرنين هو الصعب بن ذي مرثد الحميري من ولد وائل بن حمير. وقال ابن إسحاق: اسمه مرزبان بن مردويه، كذا وقع في السيرة له، وذكر انه الاسكندر. وقيل: إنه رجل من ولد يونان بن يافث، واسمه هرمس ويقال له هرديس، والظاهر من

стр. 547

علم الأخبار والسير أنهما اثنان أحدهما كان على عهد ابراهيم ويقال إنه الذي قضى لإبراهيم حين خاصم إليه في بئر السبع بالشام، والثاني كان قريبا من عهد عيسى ﵇ وقيل إنه افريدون الذي قتل الملك الطاغي الذي كان على عهد ابراهيم أو قبله بزمن. واختلف في سبب تلقيبه بذي القرنين، فقال بعضهم: لأنه ملك فارس والروم، وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقيل: لأنه رأى في المنام كأنه آخذ بقرني الشمس، وكان تأويل رؤياه أنه طاف المشرق والمغرب، وقيل: إنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن، ثم دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر، وقيل: إنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه، وقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي، وقيل: لأنه كان إذا حارب قاتل بيديه وركابيه جميعا، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسنتان والذؤابة تسمى قرنا. قال الراعي «١» : فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج «٢» وقيل: لأنه أعطى علمي الظاهر والباطن. وهو رجل من الاسكندرية يقال له اسكندر بن فيلبش الرومي وكان في الفترة بعد عيسى ﵊. قال مجاهد: ملك الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر، وسيملكها من هذه الأمة خامس وهو المهدي. واختلف في نبوته فقال بعضهم: كان نبيا لقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ «٣» وقال آخرون: كان ملكا صالحا عادلا، ولعله الأصح. فالقائلون بنبوته قالوا: إن الملك الذي كان ينزل عليه، اسمه رقيائيل وهو ملك الأرض الذي يطوي الأرض يوم القيامة وينقصها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة. قاله ابن أبي خيثمة. قال السهيلي: وهذا يشاكل توكله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها، كما أن قصة خالد بن سنان العبسي وهو نبي بين عيسى ومحمد ﵉، في تسخير النار، مشاكلة لحال الملك الموكل به، وهو مالك خازن النار. وسيأتي ذكر خالد ونبوته في باب العين المهملة في العنقاء، إن شاء الله تعالى. قال «٤» الجاحظ: وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس لقوله تعالى: وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «٥» وهذا ظاهر، وذلك أن الجنيات إنما تتعرض لصرع رجال الإنس على جهة العشق في طلب السفاد، وكذلك رجال الجن لنساء الإنس، ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال والنساء للنساء، قال تعالى: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ* «٦» ولو كان الجان لا يفتض الآدميات، ولم يكن ذلك في تركيبه لما قال الله تعالى هذا القول. وذكروا أن الواق واق نتاج من بعض النباتات وبعض الحيوانات، وقال السهيلي: السعلاة

стр. 548

ما يتراءى للناس بالنهار، والغول ما يتراءى للناس بالليل. وقال القزويني: السعلاة نوع من المتشيطنة مغايرة للغول. قال «١» عبيد بن أيوب: وساحرة عيني لو أنّ عينها ... رأت ما ألاقيه من الهول جنّت أبيت وسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى، الجنّ فيه أرنّت قال: وأكثر ما توجد السعلاة في الغياض وهي إذا ظفرت بإنسان ترقصه وتلعب به كما يلعب القط بالفأر. قال: وربما اصطادها الذئب بالليل فأكلها، وإذا افترسها ترفع صوتها وتقول: أدركوني فإن الذئب قد أكلني، وربما تقول: من يخلصني ومعي ألف دينار يأخذها! والقوم يعرفون أنه كلام السعلاة فلا يخلصها أحد فيأكلها الذئب. السّفنج: بضم السين واسكان الفاء وضم النون وبالجيم في آخره، قال أبو عمر: وهو الظليم الخفيف وهو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، كذا قاله الجوهري، والسفنج أيضا طائر كثير الاستنان قاله في العباب. السقب: ولد الناقة أو ساعة يولد والجمع أسقب وسقوب وسقبان والأنثى سقبة وأمها مسقب ومسقاب. الأمثال : قالوا: «أذل من السقبان بين الحلائب» «٢» ، أرادوا بالحلائب جمع حلوبة وهي التي تحلب. السقر: قال القزويني: إنه من الجوارح في حجم الشاهين، إلا أن رجليه غليظتان جدا ولا يعيش إلا في البلاد الباردة، ويوجد في بلاد الترك كثيرا، وهو إذا أرسل على الطير أشرف عليها، ويطير حولها على شكل دائرة، فإذا رجع إلى المكان الذي ابتدأ منه تبقى الطيور كلها في وسط الدائرة، لا يخرج منها واحد ولو كانت ألفا وهو يقف عليها وينزل يسيرا يسيرا وتنزل الطيور بنزوله حتى تلتصق بالتراب فيأخذها البزادرة فلا يفلت منها شيء أصلا. السقنقور: نوعان: هندي ومصري، ومنه ما يتولد في بحر القلزم، وهو البحر الذي غرق فيه فرعون وهو عند عقبة الحاج. ويتولد أيضا ببلاد الحبشة وهو يغتذي بالسمك في الماء وبالقطا في البر يسترطه كالحيات، أنثاه تبيض عشرين بيضة تدفنها في الرمل فيكون ذلك حضنا لها وللأنثى فرجان، وللذكر ذكران كالضب. قاله التميمي. وقال ارسطو: السقنقور حيوان بحري وربما تولد في البحر في مواضع الصواعق. ومن عجيب أمره أنه إذا عض إنسانا وسبقه الإنسان إلى الماء، واغتسل منه مات السقنقور، وإن سبق السقنقور إلى الماء مات الإنسان. وبينه وبين الحية عداوة حتى إذا ظفر أحدهما بصاحبه قتله. والفرق بينه وبين الورل من وجوه منها أن الورل برّي

стр. 549

لا يأوي إلا البراري، والسقنقور لا يأوي إلا بالقرب من الماء أو فيه، ومنها أن جلد السقنقور ألين وأنعم من جلد الورل، ومنها أن ظهر الورل أصفر وأغبر، وظهر السقنقور مدبج بصفرة وسواد. والمختار من هذا الحيوان الذكر فإنه أفضل وأبلغ في النفع المنسوب إليه من أمر الباه قياسا وتجربة، بل كاد أن يكون هو المخصوص بذلك والمختار من أعضائه ما يلي ذنبه من ظهره، فهو أبلغ نفعا وهذا الحيوان نحو ذراعين طولا ونصف ذراع عرضا قال في المفردات: لا يعرف اليوم في عصرنا السقنقور في الديار المصرية إلا ببلاد الفيوم، ومنها يجلب إلى القاهرة لمن عني بطلبه، وإنما يصاد في أيام الشتاء لأنه إذا اشتد عليه البرد يخرج إلى البر فحينئذ يصاد. الحكم : يحل أكله لأنه سمك ويحتمل أن يأتي فيه وجه بالحرمة، لأن له شبهين في البر أحدهما حرام وهو الورل، والآخر يؤكل وهو الضب تغليبا للتحريم. وأما الذي تقدم في باب الهمزة فهو حرام لأنه متولد من التمساح كما تقدم فهو حرام كأصله. الخواص : لحم السقنقور الهندي مادام طريا فهو حار رطب في الدرجة الثانية، وأما مملوحه المجفف فإنه أشد حرارة وأقل رطوبة لاسيما إذا مضت عليه بعد تعليقه مدة طويلة ولذلك صار لا يوافق استعماله أصحاب الأمزجة الحارة اليابسة، بل أرباب الأمزجة الباردة الرطبة ولحمه إذا أكل منه اثنان بينهما عداوة، زالت وصارا متحابين. وخاصية لحمه وشحمه إنهاض شهوة الجماع وتقوية الانعاظ والنفع من الأمراض الباردة التي بالعصب وإذا استعمل بمفرده كان أقوى فعلا من أن يخلط بغيره من الأدوية، والشربة منه من مثقال إلى ثلاثة مثاقيل بحسب مزاج المستعمل له وسنه ووقته وبلده. وقال ارسطو: لحم السقنقور الهندي، إذا طبخ باسفيذاج، نفخ اللحم وأسمن، ولحمه يذهب وجع الصلب ووجع الكليتينن ويدر المني، وخرزته الوسطى إذا علقت على صلب انسان، هيجت الإحليل وزادت الجماع. التعبير : هو في الرؤيا يدل على الإمام العالم الذي يهتدى به في الظلمات فإن جلده يوقد ولحمه ينعش القوة ويثير حرارتها والله أعلم. السلحفاة البرية: بفتح اللام، واحدة السلاحف. قاله أبو عبيدة وحكى الرواسي: سلحفية مثل بلهنية، وهي بالهاء عند الكافة وعند ابن عبدوس: السلحفا، بغير هاء. وذكرها يقال له غيلم، وهذا الحيوان يبيض في البر فما نزل منه في البحر كان لجأة، وما استمر في البركان سلحفاة، ويعظم الصنفان جدا إلى أن يصير كل واحد منهما حمل جمل. وإذا أراد الذكر السفاد، والأنثى لا تطيعه، يأتي الذكر بحشيشة في فيه، من خاصيتها أن صاحبها يكون مقبولا، فعند ذلك تطاوعه وهذه الحشيشة لا يعرفها إلا القليل من الناس. وهي إذا باضت صرفت همتها إلى بيضها بالنظر إليه ولا تزال كذلك حتى يخلق الله تعالى الولد منها، إذ ليس لها أن تحضنه حتى يكمل بحرارتها، لأن أسفلها صلب لا حرارة فيه وربما تقبض السلحفاة على ذنب الحية فتقطع رأسها وتمضغ من ذنبها والحية تضرب بنفسها على ظهر السلحفاة وعلى الأرض حتى تموت. ولها حيلة عجيبة في التوصل إلى صيدها، وذلك أنها تصعد من الماء فتتمرغ في التراب، وتأتي موضعا قد سقط الطير عليه لشرب الماء فتختفي عليه لكدورة لونها، التي اكتسبتها من الماء والتراب، فتصيد منها ما يكون لها قوتا وتدخل به الماء ليموت فتأكله. ولذكرها ذكران وللأنثى فرجان، والذكر يطيل

стр. 550

المكث في السفاد، والسلحفاة مولعة بأكل الحيات، فإذا أكلتها بعدها سعترا. والترس الذي على ظهرها وقاية لها وقد أجاد الشاعر حيث قال في وصفها: لحا الله ذات فم أخرس ... تطيل من السعي وسواسها تكبّ على ظهرها ترسها ... وتظهر من جلدها رأسها إذ الحذر أقلق احشاءها ... وضيّق بالخوف أنفاسها تضمّ إلى نحرها كفّها ... وتدخل في جلدها رأسها الحكم : حكى البغوي في حلها وجهين: وصحح الرافعي التحريم لاستخباثها، لأن غالب أكلها الحيات. وقال ابن حزم: البرية والبحرية حلال، وكذلك بيضها لقوله «١» تعالى: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً مع قوله «٢» : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ولم يفصل لنا تحريم السلحفاة فهي حلال. قال: وكذلك يحل اليربوع والسرطان والجراذين وأم حبين والورل والطير كله. قال: وقد روينا عن عطاء، أنه قال بإباحة أكل السلحفاة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نهى المحرم عن قتل الرخمة وجعل فيها الجزاء وقد قال أبو زيد المروزي من أصحابنا، بعدم تحريم المخاط والبزاق والمني ونحوها وكأنه استغنى بنفرة الطباع عنها فلم يزجر عنها. وفي الأمثال : قالوا «٣» : «أبلد من سلحفاة» . الخواص : ذكر صاحب الفلاحة والقزويني أن البرد، إذا كثر وقوعه على الأرض، وأضر بذلك المكان، تؤخذ سلحفاة وتقلب فيه على ظهرها بحيث تبقى قوائمها شائلة نحو السماء، فإن البرد لا يضر ذلك المكان وإذا لطخت الأيدي والأقدام بدمها، نفع من وجه المفاصل، وإذا أديم التمسح بدمها نفع من الكزاز والتشنج، وأكل لحمها يفعل ذلك. وإذا جفف دمها وسحق وطلي به على مسرجة فمن أسرجها ضرط وهو سر عجيب مجرب. وأي عضو من الإنسان حصل له وجع، يعلق عليه نظيره من أعضائها فإن الوجع يسكن بإذن الله تعالى. وطرف ذنب الذكر منها وقت هيجانه من علقه عليه هيج الباه، وإذا اتخذ من ظهرها مكبة وغطى بها رأس قدر، لم يغل مادامت عليه. التعبير : السلحفاة في المنام امرأة تتزين وتتعطر وتعرض نفسها على الرجل. وقيل: إنها تعبر بقاضي القضاة، لأنها أعلم ما في البحر. وقيل: السلحفاة رجل عالم فمن رأى سلحفاة تكرم في مكان فإن العلماء يكرمون هناك. ومن رأى أنه أكل لحم سلحفاة استفاد علما، وقالت النصارى: إنه ينال مالا وعلما والله أعلم. السلحفاة البحرية: اللجأة وستأتي في باب اللام إن شاء الله تعالى. قال الجوهري: وزعموا أن ابنة جندي وضعت قلادتها على سلحفاة فانسابت في البحر، فقالت: يا قوم نزاف نزاف، لم يبق في البحر غير غراف! وهو جمع غرفة من الماء، والسلحفاة البحرية جلدها الذبل الذي يصنع منه الأمشاط وخاصية التسريح بمشط الذبل اذهاب الصيبان من الشعر. وإذا أحرق

стр. 551

الذبل وعجن رماده ببياض البيض، وطلي به شقاق الكعبين والأصابع نفعه. وقيل: الذبل جلد السلحفاة الهندية. فائدة : كان للنبي ﷺ مشط من العاج والعاج الذبل، وهو شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية يتخذ منه الأمشاط والأساور. وفي الحديث «١» أن النبي ﷺ «أمر ثوبان رضي الله تعالى عنه أن يشتري لفاطمة رضي الله تعالى عنها سوارين من عاج» أما العاج الذي هو عظم الفيل، فنجس عند الشافعي، وطاهر عند أبي حنيفة، وعند مالك يطهر بصقله فيجوز التسريح بمشط العاج، وهو الذبل وعليه يحمل ما وقع للنووي في شرح المهذب من جواز التسريح به. فمراده بالعاج الذبل لا العاج الذي هو ناب الفيل. السّلفان: بكسر السين أولاد الحجل الواحدة سلف مثل صرد وصردان قال أبو عمر: ولم يسمع سلفة للأنثى ولو قيل سلفة كما قيل سلكة لواحدة السلك ان لكان جيدا. السلق: بالكسر الذئب والأنثى سلقة وربما قيل للمرأة السلطة سلقة ومنه قوله «٢» تعالى: فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أي بسطوا ألسنتهم فيكم. والسالقة الرافعة صوتها عند المصيبة. السلك: فرخ القطا وقيل: فرخ الحجل، والأنثى سلكة، والجمع سلكان، مثل صرد وصردان. وقيل واحدته سلكانة. وقد ضربت العرب المثل بسليك بن سلكة في العدو وهو تميمي من بني سعد وسلكة أمه، وكانت سوداء وكان يقال له سليك المقانب قال الشاعر: إلى الهول أمضى من سليك المقانب. وهو أحد أغربة العرب الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة. السلكوت: طائر قاله في المحكم في رباعي السين. السلوى: قال ابن سيده: إنه طائر أبيض مثل السماني واحدته سلوة والسلوى العسل قال خالد بن زهير الهذلي: وقاسمها بالله جهدا لأنتم ... ألذّ من السلوى إذا ما نشورها «٣» قال الزجاج: أخطأ خالد، إنما السلوى طائر. وقيل: السلوى اللحم. قال الإمام حجة الاسلام الغزالي: وسمي سلوى لأنه يسلي الإنسان عن سائر الإدام، والناس يسمونه قاطع الشهوات. وقال القزويني وابن البيطار: إنه السّماني وقال غيرهما: إنه طائر قريب من السماني. وقال الأخفش: لم يسمع له بواحد ويشبه أن يكون واحده سلوى كدفلى للواحد والجمع، وهو طائر يعيش دهره في قلب اللجة فإذا مرضت البزاة بوجع الكبد، طلبته وأخذته وأكلت كبده فتبرأ، وهو

стр. 552

الذي أنزله الله تعالى على بني اسرائيل على القول المشهور وغلط الهذلي فظنه العسل فقال: ألذ من السلوى إذا ما نشورها وفي صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء وفي مسلم في النكاح من حديث محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة ﵁ وذكر أحاديث، منها: قال رسول الله ﷺ : «لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر أبدا» «١» . ومعناه أنه لم يتغير اللحم أبدا ولم ينتن. قال العلماء: معناه أن بني إسرائيل لما أنزل الله عليهم المن والسلوى، نهوا عن ادخارهما فادخروا ففسد وأنتن واستمر من ذلك الوقت. وروى ابن ماجة عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «سيد طعام أهل الدنيا وأهل الجنة اللحم» «٢» . وعنه رضي الله تعالى عنه: «ما أهدي للنبي ﷺ لحم إلا قبله، ولا دعي إلى لحم إلا أجاب» «٣» . وعن النبي ﷺ ، أنه قال: «أطيب اللحم لحم الظهر» . وما أحسن ما قال شيخنا برهان الدين القيراطي «٤» : لما رأيت سلوى عز مطلبه ... عنكم وعقد اصطبارى صار محلولا دخلت بالرغم مني تحت طاعتكم ... ليقضي الله أمرا كان مفعولا الحكم : يحل أكله بالإجماع. الخواص : قال ابن زهر: إذا علقت عينه على الأرمد شفي، وإن اكتحل بها نفع من وجع الكبد. ومرارته تخلط بزعفران مداف، ويطلى به على البهق الأسود، يقطعه. وزبله يسحق ويذر على القروح المتأكلة ينفعها، وإذا دفن رأسه في برج حمام، زال عنه سائر الهوام ورأسه إذا بخر به مكان أزال الأرضة منه. التعبير : السلوى تدل رؤيته على رفع النكد والنجاة من العدو، ونجاز الوعد والخير والرزق الهنيء بلا تعب ولا عناء لمن رآه أو ملكه. وربما دلّت رؤيته على سلوى عن عشيق لأجل اسمه وربما دلت رؤيته على كفران النعم وزوال المنصب وضنك العيش لقوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ «٥» والله أعلم. السماني: قال الزبيدي: هو بضم السين وفتح النون على وزن الحبارى، اسم لطائر يلبد بالأرض ولا يكاد يطير إلا أن يطار والسماني طائر معروف. ولا تقل سماني بالتشديد، والجمع سمانيات ويسمى قتيل الرعد من أجل أنه إذا سمع الرعد مات ويقال: إن فرخه عندما يخرج من البيض يطير من ساعته. ومن عجيب أمره أنه يسكت في الشتاء، فإذا أقبل الربيع يصيح ويغتذي

стр. 553

بالبيش والبيشاء، وهما سم ناقع قاتل. وهو من الطيور القواطع لا يدري من أين يأتي حتى إن بعض التاس يقول: إنه يخرج من البحر المالح فإنه يرى طائرا عليه وأحد جناحيه منغمس فيه، والآخر منشور كالقلع. ولأهل مصر به عناية ويتغالون في ثمنه. الحكم : يحل أكله بالإجماع. الخواص : لحمه حار يابس، وأجوده المخاليف الطرية، وأكله ينفع من وجع المفاصل من برد، لكنه يضر بالكبد الحار، ويدفع ضرره الكسبرة والخل، وهو يولد دما حارا وهو موافق لذوي الأمزجة الباردة والمشايخ ويكره مشوي السماني ليبسه وتجفيفه. قال ابن عبدون وقال غيره: مزاج لحمه بين الدجاج والحجل، وهو إلى مزاج الدجاج أميل. وهو جيد الكيموس، وأكله يفتت الحصا ويدر البول وإذا قطر دمه في الأذن سكن وجعها، وإذا أديم أكله ألان القلب القاسي ويقال: إن هذه الخاصية موجودة في قلبه فقط. التعبير : السماني تدل رؤيته على الفوائد والأرزاق من جهة الزرع والفلاحة. وهو لمن يقصد سماعه دليل على الأرزاق من الشبهات، وربما دل على اللعب واللهو والتبذير، وربما دلت رؤيته على الجرم بما يوجب الحبس والصلب والله أعلم. السمحج: الأتان الطويلة الظهر، والجمع سماحج. وكذلك الفرس، ولا يقال للذكر. السّمع: بكسر السين وإسكان الميم وبالعين المهملة في آخره، ولد الذئب من الضبع، وهو سبع مركب، فيه شدة الضبع وقوتها، وجراءة الذئب وخفته، ويزعمون أنه كالحية لا يعرف العلل ولا يموت حتف أنفه، وأنه أسرع عدوا من الريح. وقال الجوهري: السمع الأزل: الذئب الأرسح وهو القليل لحم الفخذين، وكل ذئب أرسح فإن هذه الصفة لازمة له كما يقال للضبع العرجاء انتهى. وقد قال بعض الأعراب فيه: تراه حديد الطّرف أبلج واضحا ... أغرّ طويل الباع أسمع من سمع ويقال: إن وثبته تزيد على عشرين أو ثلاثين ذراعا وفي كتاب «خبر البشر بخير البشرى» خبر لابن ظفر عن ربيعة ابن أبي نزار، قال: أخبرني خالي قال: لما أظهر الله علينا رسول الله ﷺ بحنين، أشعبنا في كل شعب لا يلوي حميم على حميم، فبينما أنا في بعض الشعاب، إذ رأيت ثعلبا قد تحوى عليه أرقم، والثعلب يعدو عدوا شديدا، فانتحيت إليه بحجر فما أخطأه، فانتهيت إليه فإذا الثعلب قد سبقني بنفسه، وإذا الأرقم قد تقطع وهو يضطرب، فقمت أنظر إليه فهتف بي هاتف، ما سمعت أفظع من صوته، يقول: تعسا لك وبؤسا قد قتلت رئيسا ووترت بئيسا! ثم قال: يا داثر يا داثر، فأجابه مجيب من العدوة الأخرى: لبيك لبيك، فقال: بادر بادر إلى بني الغدافر، فأخبرهم بما صنع الكافر، فناديت أني لم أشعر وأنا عائد بك فأجرني. فقال: كلا والحرم الأمين لا أجير من قاتل المسلمين، وعبد غير رب العالمين. قال: فناديت أني أسلم. فقال: إن أسلمت سقط عنك القصاص، وفزت بالخلاص، والإفلات حين مناص. قال: فقلت: أشهد أن لا إله

стр. 554

إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال: نجوت وهديت، ولولا ذلك لرديت، فارجع من حيث جيت. قال: فرجعت أقفو أدراجي فإذا هو يقول: امتط السمع الأزل ... يعل بك التل فهناك أبو عامر ... يتبع بك الفل قال: فالتفت، فإذا سمع كالأسد النهد، فركبته فمر ينسل حتى انتهى إلى تل عظيم، فتوقل فيه إلى أن تسنمه فأشرفت منه على خيل المسلمين، فنزلت عنه وصوبت في الحدور نحوهم، فلما دنوت منهم خرج إلي فارس كالفالج الهائج، فقال: ألق سلاحك لا أم لك، فألقيت سلاحي فقال لي: من أنت؟ قلت: مسلم. قال: فسلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقلت: وعليك السلام والرحمة والبركة. من أبو عامر؟ قال: أنا هو قلت: الحمد لله. فقال: لا بأس عليك، هؤلاء إخوانك المسلمين. ثم قال: إني رأيتك بأعلى التل فارسا فأين فرسك؟ قال: فقصصت عليه القصة فأعجبه ما سمع مني، وسرت مع القوم أقفو بهم أثر هوازن، حتى بلغوا من الله ما أرادوه. قال محمد بن ظفر: قوله: تحوى عليه أرقم، أي استدار عليه، والأرقم الحية التي فيها خطوط كالرقم. وتزعم الأعراب أن الثعالب مطايا الجن، ويكرهون اصطيادها، ويقولون: إن من صاد ثعلبا أصيب ببعض ماله. وقوله: سبقني بنفسه أي هلك قبل أن أصل إليه. وقوله: لولا ذلك لرديت، أي هلكت. والردى الهلاك. وقوله: أقفو أدراجي أي أتبع طرقي التي جئت فيها والأدراج السبل وقوله: الفل هم المنهزمون، وقوله: النهد هو العظيم الخلق. وقوله: ينسل أي يعدو، والنسلان عدو الذئب والكلب وكل ما أشبه ذلك في العدو فهو نسلان. وقوله: كالفالج هو البعير العظيم ذو السنامين انتهى. الحكم : تحريم الأكل. واختلفوا في وجوب الجزاء على المحرم بقتله كالمتولد بين الحمار الوحشي والأهلي فقال ابن القاص: لا جزاء في ذلك. وغلط فيه والمذهب أنه يحرم على المحرم التعرض له ويجب فيه الجزاء. الأمثال : قالوا: «أسمع من سمع ومن سمع الأزل» «١» . لأن هذه الصفة لازمة له، كما يقال للضبع: العرجاء. وهو في الرؤيا يدل على ذي الأصل الرديء. ونقل ما سمعه من كلام جيد ورديء، وذلك مأخوذ من اسمه والله أعلم. السمائم: بالفتح جمع سمامة وهو ضرب من الطير، كالخطاف لا يقدر على بيضه. وقيل: هو السنونو الآتي قريبا إن شاء الله تعالى وهو الطير الأبابيل الذي أرسله الله تعالى على أصحاب الفيل. الأمثال : قالت العرب: «كلفتني بيض السمائم» «٢» ويروى بيض السماسم وهو جمع

стр. 555

سمسمة وهي النملة وستأتي إن شاء الله تعالى. يضرب للشيء العزيز الوجود. السمسم: بالفتح الثعلب. السمسمة: بكسر السين، النملة الحمراء. وجمعها سماسم. وقال ابن فارس، في مجمله: هو النمل الصغار. وبها فسر الحديث، الذي رواه مسلم، عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ ذكر «الجهنميين وأن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس» «١» . قال الامام النووي قوله: كأنهم عيدان السماسم هو بالسينين المهملتين الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة وهو جمع سمسم وهو السمسم المعروف الذي يستخرج منه الشيرج. وقال أبو السعادات بن الأثير: السماسم جمع سمسم وعيدانه تراها إذا قلعت وتركت ليؤخذ حبها دقاقا سودا كأنها محترقة قال: وطالما تطلبت هذه اللفظة وسألت عنها، فلم أجد فيها شيئا شافيا وما أشبه أن تكون اللفظة محرفة وربما كانت عيدان السماسم وهو خشب أسود كالآبنوس قال القاضي عياض: لا يعرف معنى السماسم ولعل صوابه السأسم وهو عود أسود. وقيل: هو الآبنوس. وقيل: هو نبت صغير ضعيف كالكسبرة وقال آخرون: لعله السأسم مهموزة وهو الآبنوس شبههم به لسواده. السمك: من خلق الماء، الواحدة سمكة، وجمعه أسماك وسموك، وهو أنواع كثيرة ولكل نوع اسم خاص وقد تقدم في آخر الجراد أن النبي ﷺ قال: «٢» «إن الله خلق ألف أمة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر» . ومن أنواع السمك ما لا يدرك الطرف أولها وآخرها لكبرها وما لا يدركها الطرف لصغرها، وكل يأوي الماء ويستنشقه كما يستنشق بنو آدم، وحيوان البر الهواء، إلا أن حيوان البر يستنشق الهواء بالأنوف ويصل بذلك إلى قصبة الرئة، والسمك يستنشق بأصداغه فيقوم له الماء في تولد الروح الحيواني في قلبه مقام الهواء. وإنما استغنى عن الهواء في إقامة الحياة ولم نستغن نحن وما أشبهنا من الحيوان عنه، لأنه من عالم الماء والأرض دون عالم الهواء، ونحن من عالم الأرض والماء والهواء. قال الجاحظ: السمك يسبّح الله في غمر الماء ولا يسبح في أعلاه. ونسيم البر الذي يعيش به الطير، لو دام على السمك ساعة قتله قال «٣» الشاعر: تغمه النشوة والنسيم ... ولا يزال مغرقا يعوم في البحر والبحر له حميم ... وأمه الوالدة الرؤوم تلهمه جهرا وما يريم وقوله: وأمه الوالدة فيه شاهد على أن الأم في غير الآدميين تسمى أيضا والدة. وقوله تلهمه أي تأكله لأن السمك يأكل بعضه بعضا، وذلك قوته، ولذلك قال الغزالي: السمك أكثر خلق الله تعالى. وقوله: وما يريم أي لا يبرح عن ذلك الموضع الذي يأكل فيه وما ذكره الجاحظ من كون النسيم يضر بالسمك فليس على إطلاقه فإن الغزالي قد استثنى منه نوعا لا يضره النسيم، فقال:

стр. 556

ومن السمك نوع يطير على وجه البحر مسافة طويلة ثم ينزل انتهى. قال ابن التلميذ «١» في تشبيه السمك: لبسن الجواشن خوف الردى ... عليهن من فوقهن الخوذ فلما أتيح لها أهلكت ... ببرد النسيم الذي يستلذ وهو بجملته شره كثير الأكل لبرد مزاج معدته وقربها من فمه وإنه ليس له عنق ولا صوت ولا يدخل إلى جوفه هواء البتة، ولذلك يقول بعضهم: إن السمك لا رئة له، كما أن الفرس لا طحال له، والجمل لا مرارة له، والنعامة لا مخ لها وصغار السمك تحترس من كباره، ولذلك تطلب ماء الشطوط والماء القليل الذي لا يحمل الكبير، وهو شديد الحركة لأن قوته المحركة للإرادة، تجري في مسلك واحد لا ينقسم في عضو خاص، وهذا بعينه موجود في الحيات. ومن السمك ما يتولد بسفاد، ومنه ما يتولد بغيره إما من الطين أو من الرمل، وهو الغالب في أنواعه، والغالب يتولد من العفونات. وبيض السمك ليس له بياض ولا صفرة، وإنما هو لون واحد قال الجاحظ: ومن السمك القواطع والأوابد كما في الطير، فرب سمكة تأتي في بعض فصول السنة وتنقطع في بعضها. ومن جملة أنواعه السقنقور، والدلفين، والخرشفلا، والتمساح. وقد تقدم ذكرها في أبوابها ومنها: القرش والعنبر، وسيأتيان في بابيهما، إن شاء الله تعالى ومن أصنافه ما هو على شكل الحيات، وغير ذلك، ومن أنواعه السمكة الرعادة هي صغيرة إذا وقعت في الشبكة والصياد ممسك حبلها، ارتعدت يد الصياد والصيادون يعرفون ذلك فإذا أحسوا بها شدوا حبل الشبكة في وتد أو شجرة حتى تموت السمكة، فإذا ماتت بطلت خاصيتها. وما أحسن قول الشيخ شرف الدين محمد بن حماد بن عبد الله البوصيري «٢» صاحب البردة في الشيخ زين الدين محمد بن الرعاد: لقد عاب شعري في البرية شاعر ... ومن عاب أشعاري فلا بد أن يهجى «٣» فشعري بحر لا يرى فيه ضفدع ... ولا يقطع الرعاد يوما له لجا وأطباء الهند يستعملونها في الأمراض الشديدة الحر، وأما في غير بلاد الهند فلا يمكن استعمالها. قال ابن سيده: الرعادة إذا قربت من رأس المصروع، وهي حية، نفعته. وإذا علقت المرأة شيئا منها عليها لم يقدر الرجل على فراقها. وفي البحر من العجائب ما لا يستطاع حصره، ويكفي في ذلك قول رسول الله ﷺ : «حدثوا عن البحر ولا حرج» أي حدثوا عنه حيث لا حرج عليكم في ذلك. ومن أنواعه: الشيخ اليهودي وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الشين المعجمة. عجيبة: حكى القزويني، في عجائب المخلوقات عن عبد الرحمن بن هارون المغربي، قال:

стр. 557

ركبت بحر المغرب فوصلت إلى موضع يقال له البرطون، وكان معنا غلام صقلي معه صنارة فألقاها في البحر فصاد بها سمكة نحو الشبر فنظرنا فإذا خلف أذنها اليمنى مكتوب لا إله إلا الله وفي قفاها محمد وخلف أذنها اليسرى رسول الله. وفي كتاب تحفة الألباب لأبي حامد الأندلسي الغرناطي، ان في بحر الروم سمكا صغيرا كالذراع يسمى التلب إذا أخذ وأمسك ما شاء الله لا يموت بل يتحرك ويضطرب، وإذا جعل منه قطعة على النار، وثب خارج النار وربما أصاب وجوه الناس، وإن جعلت سمكة منه في قدر وغطي رأسها بصخرة أو حديدة لئلا تخرج منها فما لم تنضج لم تمت ولو قطعت ألف قطعة. فوائد : روى الإمام أحمد، في الزهد، عن نوف البكالي، قال: انطلق رجل مؤمن ورجل كافر يصيدان السمك، فجعل الكافر يلقي شبكته ويذكر آلهته فتمتلىء سمكا، ويلقي المؤمن شبكته ويذكر اسم الله تعالى فلا يصطاد شيئا. قال: ففعلا ذلك إلى مغيب الشمس، ثم إن المؤمن، اصطاد سمكة فأخذها بيده فاضطربت فوقعت في الماء، فرجع المؤمن وليس معه شيء ورجع الكافر وقد امتلأت سفينته، فأسف ملك المؤمن وقال: رب عبدك المؤمن الذي يدعوك رجع وليس معه شيء، وعبدك الكافر رجع وقد امتلأت سفينته. فقال الله لملك المؤمن: تعال، فأراه مسكن المؤمن في الجنة. فقال: ما يضر عبدي هذا المؤمن ما أصابه بعد أن يصير إلى هذا. وأراه مسكن الكافر في النار، فقال: هل يغني عنه من شيء أصابه في الدنيا؟ قال: لا والله يا رب. ومنها في آخر صفوة الصفوة عن أبي العباس بن المسروق، قال: كنت باليمن فرأيت صيادا يصطاد السمك على بعض السواحل وعلى جانبه ابنة له، كلما اصطاد سمكة تركها في دوخلة معه، فتردها الصبية إلى الماء فالتفت الرجل فلم ير شيئا فقال: يا بنية أي شيء صنعت بالسمك؟ فقالت: يا أبت سمعتك تروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقع سمكة في شبكة إلا غفلت عن ذكر الله» فلم أحب أن آكل شيئا غفل عن ذكر الله. فبكى الرجل ورمى بالصنارة. ومنها، في كتاب الثواب، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان مريضا فاشتهى سمكة طرية فالتمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وجدت بعد كذا وكذا يوما فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت وحملت له على رغيف، فقام سائل على الباب فقال للغلام: لفها برغيفها وادفعها إليه. فقال الغلام: أصلحك الله اشتهيتها منذ كذا وكذا يوما، فلم نجدها فلما وجدناها واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له نحن نعطيه ثمنها، فقال: لفها وادفعها إليه فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهما وتدع هذه السمكة؟ فأخذ منه درهما وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما وأخذتها منه فقال له: لفها وادفعها إليه، ولا تأخذ منه شيئا، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «١» «أيما امرىء اشتهى شهوة فرد شهوته وآثر بها على نفسه غفر الله له» . ومنها ما روى الطبراني، بإسناد صحيح، عن نافع، أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما اشتكى فاشتهى عنبا فاشترى له عنقود عنب بدرهم، فجاء مسكين فقال: اعطوه إياه فخالف

стр. 558

إنسان، فاشتراه بدرهم ثم جاء به إليه ففعل ذلك ثلاث مرات ثم في الرابعة أكله ولو علم ذلك ما ذاقه. وقال سريج بن يونس: خرجت يوما لصلاة الجمعة، فرأيت سمكتين مشويتين فاشتهيتهما بقلبي للصبيان، ولم أتكلم، فلما رجعت لم أستقر إلا قليلا، حتى دق الباب رجل وعلى رأسه طبق عليه السمكتان ونقل وخل ورطب كثير، فقال: يا أبا الحارث كل هذا مع الصبيان. وقال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: سمعت سريج بن يونس يقول: رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا سريج سل حاجتك فقلت: يا رب سر بسر اهـ وسر بسر لفظة أعجمية يعني رأسا برأس. وفي تاريخ ابن خلكان أن سريجا هذا جد أبي العباس إمام الفقهاء الشافعية. الحكم : السمك بجميع أنواعه حلال بغير ذبح، سواء مات بسبب ظاهر، كضغطة أو صدمة حجر أو انحسار ماء أو ضرب من صياد أو مات حتف أنفه لعموم ما تقدم من قوله ﷺ : «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» «١» وأجمع المسلمون على طهارة ميتتهما، وسيأتي في باب العين إن شاء الله تعالى، حديث العنبر الذي وجده أبو عبيدة وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، وأكل منه النبي ﷺ . فرع : لو اصطاد مجوسي سمكا فهو طاهر، لقول الحسن: رأيت سبعين صحابيا يأكلون صيد المجوسي من الحيتان، ولا يتلجلج في صدورهم من ذلك شيء. وهذا في السمك مجمع عليه وخالف مالك في الجراد. فرع : لا يحل قطع السمكة الحية لما فيه من التعذيب، كما لو قلاها قبل الموت في الزيت المغلي كذا قاله أبو حامد. قال النووي: وهذا تفريع على اختياره تحريم ابتلاعها حية وذلك مباح. اهـ قلت: وهذا مشكل فلا يلزم من جواز الابتلاع جواز القلي لما فيه من التعذيب بالنار. فرع : يكره ذبح السمك، إلا أن يكون كبيرا يطول بقاؤه، فيستحب ذبحه في الأصح إراحة له وقال الرافعي: أكل السمكة الصغيرة إذا شويت ولم يشق جوفها ولم يخرج ما فيه، فيه وجهان: وعلى المسامحة جرى الأولون، قال الروياني: وبهذا أفتى ورجيعها طاهر عندي وهو مختار القفال. فرع : اختلف العلماء في الحيوان الذي في البحر سوى الحوت، فقال بعضهم: يؤكل جميع ما في البحر سوى الضفدع، ولو كان على صورة إنسان وإلى هذا ذهب أبو علي الطيبي من قدماء أصحابنا، قال في شرح القنية: قيل له: أرأيت لو كان على صورة بني آدم؟ قال: وإن تكلم بالعربية وقال: أنا فلان بن فلان، فإنه لا يصدق انتهى. وهذا ضعيف شاذ وقال آخرون: يؤكل الجميع إلا ما كان على صورة الكلب والخنزير والضفدع. وقيل: كل ما أكل في البر مذبوحا، يؤكل مثله في البحر مذبوحا، وغير مذبوح على الأصح. وقيل: لا بد من ذبحه واختاره الصيدلاني، فعلى هذا لا يحل كلب الماء ولا خنزيره ولا

стр. 559

حمار البحر وإن كان له شبه في البر حلال، وهو الحمار الوحشي لأن له شبها في البر حرام وهو الحمار الأهلي تغليبا للتحريم، كذا قاله في الروضة وشرح المهذب. قلت: المهذب المفتى به حل الجميع إلا السرطان والضفدع والتمساح سواء كانت على صورة كلب أو خنزير أو انسان أم لا. فرع : لو حلف إنسان لا يأكل لحما لم يحنث بأكل لحم السمك لأنه لا يفهم إطلاق اسم اللحم عليه عرفا، وإن سماه الله تعالى لحما طريا. كما لا يحنث بالجلوس في الشمس إذا حلف أنه لا يجلس في ضوء السراج وإن سماها الله تعالى سراجا، وكما لا يحنث بالجلوس على الأرض إذا حلف أنه لا يجلس على بساط وإن سماها الله تعالى بساطا. فرع : قد اختلف في إطلاق اسم السمك على ما سوى الحوت من هذه الحيوانات، والذي نص عليه الشافعي في الأم والمختصر، أنه يطلق على الجميع وهو الصحيح في الروضة. وقال في اختلاف العراقيين في قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ «١» الآية قال أهل التفسير: طعامه كل ما فيه وهو يشبه ما قال والله أعلم. هذه عبارته، وهي صريحة في حل الجميع وذكر في المنهاج أن السمك لا يقع إلا على الحوت. فرع : يجوز السلم فيه وفي الجراد حيا وميتا عند عموم الوجود ويوصف كل جنس بما يليق به. ولا يجوز بيع السمك في الماء، لما روى الإمام أحمد عن محمد بن السماك عن يزيد بن أبي زياد، عن المسيب بن رافع، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر» «٢» . قال البيهقي: هكذا روي موقوفا وفيه إرسال بين المسيب وابن مسعود. والصحيح ما رواه هشيم عن يزيد موقوفا، عن عبد الله أنه كره بيع السمك في الماء. فرع : ما يعيش في البر والبحر: الضفدع والتمساح والحية واللجأة والسرطان والسلحفاة والحلزون والدعاميص والأصداف والنسناس. أما الستة الأولى فمحرمة. وأما الحلزون فتقدم حكمه في باب الحاء المهملة. وأما الدعاميص فعلى قول القاضي: أنها ماء منعقد، ولا يعيش إلا في الماء يحل أكلها، وعلى قول الجاحظ: يحرم لأن البعوض حرام. وقد تقدم بيان حكمها في باب الدال المهملة. والصدف حرام كما تقدم في السرطان. وفي النسناس خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في باب النون. الخواص : لحمه بارد رطب أجوده البحري المرقش الظهر الصغير المفلس منفعته تخصيب الأبدان المعرقة، لكنه يعطش ويولد خلطا بلغميا يوافق أصحاب الأمزجة الحارة والشباب وأجود ما أكل في الصيف وفي البلاد الحارة. وأنواع السمك كثيرة، ويكره من جملتها الأسود والأصفر والآجامي وما اغتذى بالحمأة. ويكره الابراميس والبوري لمضرتهما بالمعدة، وإطلاقهما البطن، وتحريكهما الأوجاع والغضب بعد أكلهما يورث أمراضا رديئة، وسمك الأنهار كثير الشوك، رقيقه كثير الرطوبة والبحري بالضد. والسلور وهو الجري كثير الغذاء ملين للبطن وينقي قصبة الرئة

стр. 560

ويصفي الصوت. والمارماهيج يزيد في المني وشحم الكلى. والعظيم الجثة من السمك كثير الغذاء والفضول. وقال ابن سينا: لحم السمك نافع لماء العين، ويحد البصر مع العسل. وقال غيره يزيد في الباه وقال القزويني: إن أكل الطري منه مع البصل الرطب يهيج الباه، ويزيد فيه إذا أكله حارا. والسمك إذا شمه السكران يرجع إليه عقله، ويزول عنه سكره. ومرارته ومرارة السلحفاة البحرية، إذا خلطتا وكتب بهما على كاغد بقلم حديد، فإن الكتابة ترى بالليل كأنها ذهب ومرارة السمك والكركي والحجل تمنع نزول الماء اكتحالا. ومرارة السمك إذا شربت نفعت من الخفقان، وكذلك إذا نفخت في الحلق مع شيء من السكر. التعبير : السمك في الرؤيا إذا عرف عدده إلى أربع فهو نساء، وإن كان أكثر من أربع فهو مال وغنيمة لقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا «١» وهو السمك. والحوت يعبر بوزير الملك، والسمك جنده فمن أخذ سمكا نال من جند الملك مالا، ومن رأى كأنه يصطاد السمك في بئر فإنه لوطي، أو يبيع خادمه لإنسان. وقالت النصارى: صيد السمك في الماء الكدر لا خير فيه. ومن رأى أنه يصيد السمك في الماء الصافي، فإنه يسمع كلاما يسر به، والسمك للمريض الملازم للفراش دليل رديء بسبب الرطوبات، وإذا رآه المسافر في فراشه دل على شدة، وربما يخشى على صاحب الرؤيا من الغرق، لأنه قد ضاجعه. ومن رأى كأنه يصيد السمك من الماء الصافي، فإنه يرزق ولدا سعيدا، والسمك المالح هم من قبل السلطان، وذلك لكبس بعضه فوق بعض وقيل: السمك المالح يدل على خير ومال باق، لأن الملح يحفظ السمك من التلف وقيل: إنه هم من قبل المماليك، والسمك المشوي يدل على سفر في طلب علم. ومن رأى سمكة خرجت من فرجه، وله امرأة حامل، بشر بجارية. وإن رأى سمكا كثيرا، وبينها سمكة عظيمة ويرى أكبر السمك قد صلبت، فإن الجائر والباغي يهلك. والسمك المقلي يدل على إجابة دعوة من رآه لأن عيسى ﵊ دعا الله فأجيب بالسمك المقلي في المائدة. ورؤية الكبار من السمك غنائم وأموال، والصغار هموم وأحزان، لأن شوك الصغار أكثر من لحمه ويشق على آكله. فصل : الحوت تدل رؤيته على اليمين لأن الله تعالى أقسم به، فقال ن وَالْقَلَمِ «٢» وربما دلت رؤيته على معبد الصالحين، ومسجد المتعبدين، لأن يونس ﵇ كان يسبح الله تعالى في بطنه، وربما دلت رؤيته على الغم والنكد، وزوال المنصب وحلول الغضب، لأن الله تعالى حرم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا أمره فاستوجبوا بذلك اللعن. ورؤية حوت يونس ﵇ أمن للخائف، وغنى للفقير، وفرج لمن هو في شدة. وكذلك رؤية سجن يوسف والكهف والرقيم وتنور نوح ﵇. فصل : واعتبر من السمك الطري والحلو والمالح، وما له شوك وما له سلاح، وما يقدد منه وما يأوي البحر العذب، وما يأوي البحر الملح، وما له صوت يسمع، وما يطفو على وجه الماء، من صغاره وكباره وما له شبه في البر، وما يأنس منه في البيوت، وما يمسك منه باليد من غير آلة.

стр. 561

وأعطى الرائي حقه من ذلك، فمن رأى أنه اصطاد من البحر سمكا طريا حلوا بآلة، دل على الكسب الحلال، والسعي فيه واقتناء الرزق الحلال، والصيد للرجل دال على احتياله برأيه وجهده، فإن كان الرائي أعزب تزوج، وإن كان متزوجا رزق ولدا على قدر ما صاده في المنام. وصيد المرأة يدل على مال تحرزه من زوجها أو أبيها. وصيد العبد دليل على ما يتناوله من مال سيده، وصيد الصغير دليل على ما يحفظه من علم أو صناعة أو مال يرثه من أبويه، فإن كانت آلة صيده شباكا أو خطاطيف أو ما يعمق في البحر، كان ذلك شدة ينالها الرائي وخطرا يرتكبه، فإن كانت آلة صيده خفيفة، وطلع فيها ما يطلع في غيرها من الآلات الثقال، دل على بسط الرزق وتسهيل الأمور، وإن طلع في الآلات الثقال ما يطلع في السهلة، دل على التعب والنصب وعلى اليسير من الرزق، فإن طلع له سمك كثير فإنه رزق مما دل عليه البحر. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما يدل عليه البحر، في باب الفاء في فرس البحر. فإن كان البحر مالحا نال فائدة أو علما من أعجمي أو مبتدع. فإن كان ما صاده له شوك وقشر كانت فضة محرزة أو ذهبا، فإن كان ليس له قشر دل على أعمال باطلة لا تتم وذلك لسرعة انصرافه من الأيدي وملوسته. وإن كان للسمك سلاح كالشال والشلبا، دل على انتصاره على أعدائه، وربما صادق أهل الشرّ، فإن كان ممن يقدد فهي بضاعة لأرباب البضائع، وإن رأى سمك البحر الحلو ينتقل إلى البحر الملح، أو سمك الملح ينتقل إلى الحلو، دل على النفاق في الجيش واختلاف العامة فيما جرت به العوائد، من حدوث مظلمة، أو ظهور بدعة. فإن رأى السمك طافيا على وجه الماء، دل على تسهيل الأمور وقرب البعيد وإظهار الأسرار وإخراج المخبآت، أو مال أصله من ميراث. فإن رأى عنده سمكا صغارا وكبارا، دل على الاهتمام بالأفراح والأحزان، أو ما يوجب الاجتماع بين الجيد والرديء. فإن رأى عنده سمكا، مما يشبه خلق الآدمي أو الطير، دل على التعرف بالتجار المترددين في البر والبحر، أو التراجمة العارفين بالألسنة، أو المتخلقين بالأخلاق المرضية، ويعتبر ذلك بالشبه، فإن رأى عنده شيئا مما يأنس للإنسان أو يربى في البيوت كاللجأة والقرموط، وما أشبههما كان دليلا على الإحسان للأيتام والغرباء. فإن رأى أنه أخذ السمك من قاع البحر، فإنه ربما طالت يده في صناعته وحصل له رزق طائل، أو تعرض لأموال السلاطين، أو صار لصا أو جاسوسا، فإن انكشف البحر وتناول سمكا أو جوهرا اطلع على علم من غيب الله تعالى، باطلاع الله تعالى له، واتضح له الدين واهتدى إلى السبيل، وكانت عاقبة أمره في ذلك عقبى حسنة. فإن عاد السمك منه إلى البحر صحب الأولياء واطلع منهم على ما لم يطلع عليه أحد، وإن نوى سفرا وجد رفقة يوافقونه ويرتفق بهم ويرجع إلى مكانه سالما غانما والله أعلم. السمندل: بفتح السين والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة ولا في آخره وسماه الجوهري السندل بغير ميم، وابن خلكان السمند بغير لام. وهو طائر يأكل البيش، وهو نبت بأرض الصين يؤكل وهو أخضر بتلك البلاد، فإذا يبس كان قوتا لهم ولم يضرهم فإذا بعد عن الصين، ولو مائة

стр. 562

ذراع وأكله مات من ساعته. ومن عجيب أمر السمندل استلذاذه بالنار ومكثه فيها. وإذا اتسخ جلده لا يغسل إلا بالنار وكثيرا ما يوجد بالهند، وهي دابة دون الثعلب خلنجية اللون حمراء العين ذات ذنب طويل، ينسج من وبرها مناديل، إذا اتسخت ألقيت في النار فتنصلح ولا تحترق. وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض ويفرخ في النار، وهو بالخاصية لا تؤثر فيه النار ويعمل من ريشه مناديل تحمل إلى بلاد الشام. فإذا اتسخ بعضها، طرح في النار فتأكل النار وسخه الذي عليه ولا يحترق المنديل. قال ابن خلكان: ولقد رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة، في طوله وعرضه فجعلوها في النار، فما عملت فيها شيئا فغمسوا أحد جوانبها في الزيت، ثم تركوه على فتيلة السراج فأشعل، وبقي زمانا طويلا مشتعلا، ثم أطفؤوه، فإذا هو على حاله ما تغير منه شيء. قال: ورأيت، بخط شيخنا العلامة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي «١» ، أنه قال قدم للملك الظاهر ابن الملك الناصر صلاح الدين، صاحب حلب قطعة سمندل عرض ذراع في طول ذراعين فصاروا يغمسونها في الزيت، ويوقدونها حتى يفنى الزيت وترجع بيضاء كما كانت، ذكره في ترجمة يعقوب بن جابر المنجنيقي «٢» ، مع زيادة أخرى وأبيات تأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت. وقال القزويني: السمندل نوع من الفأر يدخل النار وذكر كما تقدم والمعروف أنه طائر كما حكاه البكري في كتاب المسالك والممالك وغيره أيضا. الخواص : مرارته إذا سقى منها وزن دانق بماء الحمص المغلي المصفى، بلبن حليب مرارا كثيرة، من به السموم القاتلة، أبرأه منها. ودماغه، إذا اكتحل به، مع الإثمد، صاحب الماء النازل، أبرأه، ويحفظ الحدقة من سائر الداء. ودمه إذا طلي به على الوضح أي البرص غير لونه. ومن بلع شيئا من قلبه لا يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه. ومرارته تنبت الشعر ولو على الراحة. السمّور: وهو بفتح السين وبالميم المشددة المضمومة، على وزن السفود والكلوب، حيوان بري يشبه السنور، وزعم بعض الناس أنه النمس، وإنما البقعة التي هو فيها هي التي أثرت في تغير لونه وقال عبد اللطيف البغدادي: إنه حيوان جريء ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان، لا يؤخذ إلا بالحيل، وذلك بأن يدفن له جيفة فيغتال بها، ولحمه حار، والترك يأكلونه، وجلده لا يدبغ كسائر الجلود انتهى. ومن غريب ما وقع للنووي، في تهذيب الأسماء واللغات، أنه قال: السمور طائر، ولعله سبق قلم. وأعجب منه ما حكاه ابن هشام البستي، في شرح الفصيح، أنه ضرب من الجن، وخص هذا النوع، باتخاذ الفراء من جلوده، للينها وخفتها، ودفأتها وحسنها، ويلبسه الملوك والأكابر. قال مجاهد: رأيت على الشعبي قباء سمور.

стр. 563

وحكمه : حل الأكل الحاقا له بالثعلب، ولأنه لا يأكل شيئا من الخبائث. التعبير : هو في الرؤيا، يدل على رجل ظالم لص، لا يخالط أحدا والله أعلم. السّميطر: على مثال العميثل طائر طويل العنق جدا، يرى أبدا في الماء الضحضاح، يكنى بأبي العيزار، كذا قاله الجوهري. ويقال له الشبيطر، والظاهر أنه مالك الحزين، وهو البلشون كما تقدم، وسيأتي في باب الميم، إن شاء الله تعالى. السمندر والسميدر: دابة معروفة عند أهل الهند والصين قاله ابن سيده. سناد: قال القزويني: إنه حيوان على صفة الفيل، إلا أنه أصغر منه جثة وأعظم من الثور، وقيل: إن ولدها يخرج رأسه من فرج أمه ويرعى حتى يقوى، فإذا قوي خرج وهرب من الأم، مخافة أن تلحسه بلسانها، لأن لسانها مثل الشوك فإن وجدته لحسته حتى ينحاز لحمه عن عظمه وهو كثير ببلاد الهند. الحكم : يحرم أكله كالفيل. السنجاب: حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأر، وشعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء، يلبسه المتنعمون. وهو شديد الحيل، إذا أبصر الانسان صعد الشجرة العالية، وفيها يأوي ومنها يأكل. وهو كثير ببلاد الصقالبة والترك، ومزاجه حار رطب، لسرعة حركته عن حركة الإنسان. وأحسن جلوده الأزرق الأملس وقد أحسن القائل: كلما ازرقّ لون جلدي من البر ... د تخيلت أنه سنجاب وحكمه : حل الأكل لأنه من الطيبات. وقال بتحريم أكله، القاضي من الحنابلة، وعلله بأنه ينهش الحيات، فأشبه الجرذ. واستدل الجمهور بأنه يشبه اليربوع، ومتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة، لأنها الأصل وإذا ذكي السنجاب ذكاة شرعية، جاز لبس فرائه، وإن خنق ثم دبغ جلده، لم يطهر شعره على الأصح كسائر جلود الميتة، لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، وقيل: يطهر الشعر تبعا للجلد، وهي رواية الربيع الجيزي عن الشافعي، ولم ينقل عنه في المهذب سوى هذه المسألة. وهذا الوجه صححه الأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني، والروياني، وابن أبي عصرون، واختاره السبكي وغيره، لأن الصحابة قسموا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه الفراء المغنومة من الفرس، وهي ذبائح مجوس. وفي صحيح مسلم من حديث أبي الخير مرثد بن عبد الله البرني، قال: رأيت على ابن وعلة السبائي فروا فمسسته، فقال: ما لك تمسه! قد سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قلت له: إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، فيؤتى بالكبش، قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتون بالسقاء فيجعلون فيه الودك. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «دباغه طهوره» «١» .

стр. 564

الخواص : لحمه يطعم للمجنون يزول جنونه، ويأكله صاحب الأمراض السوداوية ينفعه. قال في المفردات: أسخان السنجاب قليل لأن الأغلب على مزاج حيوانه كثرة الرطوبة وقلة الحرارة، لاغتذائه بالفواكه، ولذلك يصلح لبسه للمحرورين والشباب لأنه يسخن إسخانا معتدلا. السنداوة: الذئبة. السنة: الذئبة أيضا. السندل: هو السمندل المتقدم ذكره قريبا، والسندل لقب عمرو بن قيس المكي وهو متروك الحديث وله في سنن ابن ماجه حديثان ضعيفان. السّنّور: بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة، واحد السنانير، حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر، وكنيته أبو خداش وأبو غزوان وأبو الهيثم وأبو شماخ، والأنثى أم شماخ. وله أسماء كثيرة. قيل: إن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه، فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟ ولقي آخر فقال: ما هذا الهر؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا القط؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيدع؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيطل؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الدم؟ فقال الأعرابي: أحمله وأبيعه لعل الله تعالى يجعل لي فيه مالا كثيرا فلما أتى به إلى السوق، قيل له: بكم هذا؟ فقال بمائة فقيل له: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به وقال: لعنة الله، ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه! وهذه الأسماء للذكر، قاله في الكفاية. وقال ابن قتيبة: يقال في الأنثى سنورة كما يقال في أنثى الضفادع ضفدعة انتهى. قلت: ولا يمتنع القياس في خيطلة وضيونة وقطة وخيدعة وهرة. روى الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ «يأتي دار قوم الأنصار، ودونهم دور لا يأتيها» . فشق عليهم ذلك، فكلموه فقال: «١» «إن في داركم كلبا» . قالوا: فإن في دارهم سنورا، فقال: السنور سبع. ثم قال: حديث صحيح. وروى نعيم بن حماد، في كتاب الفتن، عن أبي شريحة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: «٢» «يحشر رجلان من مزينة، هما آخر الناس حشرا، يقبلان من جبل قد توارى، حتى يأتيا معالم الناس، فيجدا الأرض وحوشا حتى يأتيا المدينة، فإذا بلغا أدنى المدينة قالا: أين الناس فلا يريان أحدا، فيقول أحدهما لصاحبه: الناس في دورهم فيدخلان الدور فإذا ليس فيها أحد، وإذا على الفرش الثعالب والسنانير، فيقول أحدهما لصاحبه: أين الناس فيقول: أراهم في الأسواق قد شغلهم البيع، فيخرجان حتى يأتيا الأسواق فلا يجدا فيها أحدا، فينطلقا حتى يأتيا

стр. 565

باب المدينة فإذا عليها ملكان فيأخذان بأرجلهما ويسحبانهما إلى أرض المحشر، فهما آخر الناس حشرا» . غريبة : قيل: كان لركن الدولة سنور يألف مجلسه، وكان بعض أصحابه، إذا أراد الاجتماع به فيعسر عليه ذلك، كتب حاجته في رقعة وعلقها في عنق السنور، فيراها ركن الدولة فيأخذ الرقعة ويقرؤها، ويكتب جوابها، عليها ثم يشدها في عنق السنور، فيرجع بها إلى صاحبها. وقيل: إن أهل سفينة نوح ﵇ تأذوا من الفأر فمسح نوح ﵇ جبهة الأسد فعطس، فرمى بالسنور فلذلك هو أشبه شيء بالأسد، بحيث لا يمكن أن يصور الهر إلا جاء أسدا، وهو ظريف لطيف يمسح بلعابه وجهه، وإذا تلطخ شيء من بدنه نظفه، وهو في آخر الشتاء تهيج شهوته، فيتألم ألما شديدا من لذع مادة النطفة فلا يزال يصيح حتى يلقي تلك المادة. وإذا جاعت الأنثى أكلت أولادها، وقيل: إنها تفعل ذلك لشدة محبتها لهم وأنشد «١» الجاحظ: جاءت مع الاشفين في هودج ... تزجى إلى النصرة أجنادها كأنها في فعلها هرة ... تريد أن تأكل أولادها معنى تزجي تسوق قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً «٢» أي يسوق سحابا. وإذا بال السنور ستر بوله حتى لا يشم رائحته الفأر فيهرب، فيشمه أولا، فإذا وجد رائحته شديدة، غطاه بحيث يواري الرائحة والجرم، وإلا اكتفى بأيسر التغطية. قالوا: والفأرة تعرف رجيع السنور، وذكر الزمخشري أن الله تعالى ألهم الهرة ذلك، ليتنبه بذلك قاضي الحاجة من الناس فيغطي ما يخرج منه. وإذا ألف السنور منزلا، منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل، وحاربه أشد محاربة وهو من جنسه، علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه، أو شاركوا بينه وبينه في المطعم، وإن أخذ شيئا مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب علما منه بما يناله منهم من الضرب. وإذا طردوه تملقهم وتمسح بهم، علما منه بأنه يخلصه التملق ويحصل له العفو والإحسان. وقد جعل الله تعالى في قلب الفيل الفرق منه، فهو إذا رأى سنورا هرب. وحكي أن جماعة من أهل الهند هزموا بذلك. والسنور ثلاثة أنواع: أهلي، ووحشي، وسنور الزباد. وكل من الأهلي والوحشي له نفس غضوبة يفترس ويأكل اللحم الحي ويناسب الإنسان في أمور: منها أنه يعطس ويتثاءب ويتمطى ويتناول الشيء بيده، وتحمل الأنثى في السنة مرتين، ومدة حملها خمسون يوما. والوحشي حجمه أكبر من حجم الأهلي قال الجاحظ: قال العلماء: اتخاذ السنور وتربيته مستحبة. وذكر القزويني في الاشكال، عن ابن الفقيه، أن لبعض السنابير أجنحة كأجنحة الخفافيش من أصل الأذن إلى الذنب، فإن صح ذلك فالظاهر أنه كالسنور البري، عملا بالمشاكلة. وقال مجاهد: جاء رجل إلى شريح القاضي، يخاصم آخر في سنور فقال: بينتك؟ قال: ما أجد بينة في سنور ولدته أمه عندنا.
следующие страницы →