Полный текст (1 095 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وأعطى الرائي حقه من ذلك، فمن رأى أنه اصطاد من البحر سمكا طريا حلوا بآلة، دل على الكسب الحلال، والسعي فيه واقتناء الرزق الحلال، والصيد للرجل دال على احتياله برأيه وجهده، فإن كان الرائي أعزب تزوج، وإن كان متزوجا رزق ولدا على قدر ما صاده في المنام.
وصيد المرأة يدل على مال تحرزه من زوجها أو أبيها. وصيد العبد دليل على ما يتناوله من مال سيده، وصيد الصغير دليل على ما يحفظه من علم أو صناعة أو مال يرثه من أبويه، فإن كانت آلة صيده شباكا أو خطاطيف أو ما يعمق في البحر، كان ذلك شدة ينالها الرائي وخطرا يرتكبه، فإن كانت آلة صيده خفيفة، وطلع فيها ما يطلع في غيرها من الآلات الثقال، دل على بسط الرزق وتسهيل الأمور، وإن طلع في الآلات الثقال ما يطلع في السهلة، دل على التعب والنصب وعلى اليسير من الرزق، فإن طلع له سمك كثير فإنه رزق مما دل عليه البحر. وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى فيما يدل عليه البحر، في باب الفاء في فرس البحر. فإن كان البحر مالحا نال فائدة أو علما من أعجمي أو مبتدع. فإن كان ما صاده له شوك وقشر كانت فضة محرزة أو ذهبا، فإن كان ليس له قشر دل على أعمال باطلة لا تتم وذلك لسرعة انصرافه من الأيدي وملوسته.
وإن كان للسمك سلاح كالشال والشلبا، دل على انتصاره على أعدائه، وربما صادق أهل الشرّ، فإن كان ممن يقدد فهي بضاعة لأرباب البضائع، وإن رأى سمك البحر الحلو ينتقل إلى البحر الملح، أو سمك الملح ينتقل إلى الحلو، دل على النفاق في الجيش واختلاف العامة فيما جرت به العوائد، من حدوث مظلمة، أو ظهور بدعة.
فإن رأى السمك طافيا على وجه الماء، دل على تسهيل الأمور وقرب البعيد وإظهار الأسرار وإخراج المخبآت، أو مال أصله من ميراث. فإن رأى عنده سمكا صغارا وكبارا، دل على الاهتمام بالأفراح والأحزان، أو ما يوجب الاجتماع بين الجيد والرديء.
فإن رأى عنده سمكا، مما يشبه خلق الآدمي أو الطير، دل على التعرف بالتجار المترددين في البر والبحر، أو التراجمة العارفين بالألسنة، أو المتخلقين بالأخلاق المرضية، ويعتبر ذلك بالشبه، فإن رأى عنده شيئا مما يأنس للإنسان أو يربى في البيوت كاللجأة والقرموط، وما أشبههما كان دليلا على الإحسان للأيتام والغرباء.
فإن رأى أنه أخذ السمك من قاع البحر، فإنه ربما طالت يده في صناعته وحصل له رزق طائل، أو تعرض لأموال السلاطين، أو صار لصا أو جاسوسا، فإن انكشف البحر وتناول سمكا أو جوهرا اطلع على علم من غيب الله تعالى، باطلاع الله تعالى له، واتضح له الدين واهتدى إلى السبيل، وكانت عاقبة أمره في ذلك عقبى حسنة. فإن عاد السمك منه إلى البحر صحب الأولياء واطلع منهم على ما لم يطلع عليه أحد، وإن نوى سفرا وجد رفقة يوافقونه ويرتفق بهم ويرجع إلى مكانه سالما غانما والله أعلم.
السمندل:
بفتح السين والميم وبعد النون الساكنة دال مهملة ولا في آخره وسماه الجوهري السندل بغير ميم، وابن خلكان السمند بغير لام. وهو طائر يأكل البيش، وهو نبت بأرض الصين يؤكل وهو أخضر بتلك البلاد، فإذا يبس كان قوتا لهم ولم يضرهم فإذا بعد عن الصين، ولو مائة
стр. 562
ذراع وأكله مات من ساعته. ومن عجيب أمر السمندل استلذاذه بالنار ومكثه فيها. وإذا اتسخ جلده لا يغسل إلا بالنار وكثيرا ما يوجد بالهند، وهي دابة دون الثعلب خلنجية اللون حمراء العين ذات ذنب طويل، ينسج من وبرها مناديل، إذا اتسخت ألقيت في النار فتنصلح ولا تحترق. وزعم آخرون أن السمندل طائر ببلاد الهند يبيض ويفرخ في النار، وهو بالخاصية لا تؤثر فيه النار ويعمل من ريشه مناديل تحمل إلى بلاد الشام. فإذا اتسخ بعضها، طرح في النار فتأكل النار وسخه الذي عليه ولا يحترق المنديل. قال ابن خلكان: ولقد رأيت منه قطعة ثخينة منسوجة على هيئة حزام الدابة، في طوله وعرضه فجعلوها في النار، فما عملت فيها شيئا فغمسوا أحد جوانبها في الزيت، ثم تركوه على فتيلة السراج فأشعل، وبقي زمانا طويلا مشتعلا، ثم أطفؤوه، فإذا هو على حاله ما تغير منه شيء. قال: ورأيت، بخط شيخنا العلامة عبد اللطيف بن يوسف البغدادي «١» ، أنه قال قدم للملك الظاهر ابن الملك الناصر صلاح الدين، صاحب حلب قطعة سمندل عرض ذراع في طول ذراعين فصاروا يغمسونها في الزيت، ويوقدونها حتى يفنى الزيت وترجع بيضاء كما كانت، ذكره في ترجمة يعقوب بن جابر المنجنيقي «٢» ، مع زيادة أخرى وأبيات تأتي إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة في العنكبوت. وقال القزويني: السمندل نوع من الفأر يدخل النار وذكر كما تقدم والمعروف أنه طائر كما حكاه البكري في كتاب المسالك والممالك وغيره أيضا.
الخواص
: مرارته إذا سقى منها وزن دانق بماء الحمص المغلي المصفى، بلبن حليب مرارا كثيرة، من به السموم القاتلة، أبرأه منها. ودماغه، إذا اكتحل به، مع الإثمد، صاحب الماء النازل، أبرأه، ويحفظ الحدقة من سائر الداء. ودمه إذا طلي به على الوضح أي البرص غير لونه.
ومن بلع شيئا من قلبه لا يسمع بعد ذلك شيئا إلا حفظه. ومرارته تنبت الشعر ولو على الراحة.
السمّور:
وهو بفتح السين وبالميم المشددة المضمومة، على وزن السفود والكلوب، حيوان بري يشبه السنور، وزعم بعض الناس أنه النمس، وإنما البقعة التي هو فيها هي التي أثرت في تغير لونه وقال عبد اللطيف البغدادي: إنه حيوان جريء ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان، لا يؤخذ إلا بالحيل، وذلك بأن يدفن له جيفة فيغتال بها، ولحمه حار، والترك يأكلونه، وجلده لا يدبغ كسائر الجلود انتهى.
ومن غريب ما وقع للنووي، في تهذيب الأسماء واللغات، أنه قال: السمور طائر، ولعله سبق قلم. وأعجب منه ما حكاه ابن هشام البستي، في شرح الفصيح، أنه ضرب من الجن، وخص هذا النوع، باتخاذ الفراء من جلوده، للينها وخفتها، ودفأتها وحسنها، ويلبسه الملوك والأكابر. قال مجاهد: رأيت على الشعبي قباء سمور.
стр. 563
وحكمه
: حل الأكل الحاقا له بالثعلب، ولأنه لا يأكل شيئا من الخبائث.
التعبير
: هو في الرؤيا، يدل على رجل ظالم لص، لا يخالط أحدا والله أعلم.
السّميطر:
على مثال العميثل طائر طويل العنق جدا، يرى أبدا في الماء الضحضاح، يكنى بأبي العيزار، كذا قاله الجوهري. ويقال له الشبيطر، والظاهر أنه مالك الحزين، وهو البلشون كما تقدم، وسيأتي في باب الميم، إن شاء الله تعالى.
السمندر والسميدر:
دابة معروفة عند أهل الهند والصين قاله ابن سيده.
سناد:
قال القزويني: إنه حيوان على صفة الفيل، إلا أنه أصغر منه جثة وأعظم من الثور، وقيل: إن ولدها يخرج رأسه من فرج أمه ويرعى حتى يقوى، فإذا قوي خرج وهرب من الأم، مخافة أن تلحسه بلسانها، لأن لسانها مثل الشوك فإن وجدته لحسته حتى ينحاز لحمه عن عظمه وهو كثير ببلاد الهند.
الحكم
: يحرم أكله كالفيل.
السنجاب:
حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأر، وشعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء، يلبسه المتنعمون. وهو شديد الحيل، إذا أبصر الانسان صعد الشجرة العالية، وفيها يأوي ومنها يأكل. وهو كثير ببلاد الصقالبة والترك، ومزاجه حار رطب، لسرعة حركته عن حركة الإنسان. وأحسن جلوده الأزرق الأملس وقد أحسن القائل:
كلما ازرقّ لون جلدي من البر ... د تخيلت أنه سنجاب
وحكمه
: حل الأكل لأنه من الطيبات. وقال بتحريم أكله، القاضي من الحنابلة، وعلله بأنه ينهش الحيات، فأشبه الجرذ. واستدل الجمهور بأنه يشبه اليربوع، ومتى تردد بين الإباحة والتحريم غلبت الإباحة، لأنها الأصل وإذا ذكي السنجاب ذكاة شرعية، جاز لبس فرائه، وإن خنق ثم دبغ جلده، لم يطهر شعره على الأصح كسائر جلود الميتة، لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، وقيل: يطهر الشعر تبعا للجلد، وهي رواية الربيع الجيزي عن الشافعي، ولم ينقل عنه في المهذب سوى هذه المسألة. وهذا الوجه صححه الأستاذ أبو اسحاق الإسفراييني، والروياني، وابن أبي عصرون، واختاره السبكي وغيره، لأن الصحابة قسموا في زمن عمر رضي الله تعالى عنه الفراء المغنومة من الفرس، وهي ذبائح مجوس.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الخير مرثد بن عبد الله البرني، قال: رأيت على ابن وعلة السبائي فروا فمسسته، فقال: ما لك تمسه! قد سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قلت له:
إنا نكون بالمغرب، ومعنا البربر والمجوس، فيؤتى بالكبش، قد ذبحوه، ونحن لا نأكل ذبائحهم، ويأتون بالسقاء فيجعلون فيه الودك. فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قد سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «دباغه طهوره» «١» .
стр. 564
الخواص
: لحمه يطعم للمجنون يزول جنونه، ويأكله صاحب الأمراض السوداوية ينفعه.
قال في المفردات: أسخان السنجاب قليل لأن الأغلب على مزاج حيوانه كثرة الرطوبة وقلة الحرارة، لاغتذائه بالفواكه، ولذلك يصلح لبسه للمحرورين والشباب لأنه يسخن إسخانا معتدلا.
السنداوة:
الذئبة.
السنة:
الذئبة أيضا.
السندل:
هو السمندل المتقدم ذكره قريبا، والسندل لقب عمرو بن قيس المكي وهو متروك الحديث وله في سنن ابن ماجه حديثان ضعيفان.
السّنّور:
بكسر السين المهملة وفتح النون المشددة، واحد السنانير، حيوان متواضع ألوف خلقه الله تعالى لدفع الفأر، وكنيته أبو خداش وأبو غزوان وأبو الهيثم وأبو شماخ، والأنثى أم شماخ. وله أسماء كثيرة.
قيل: إن أعرابيا صاد سنورا فلم يعرفه، فتلقاه رجل فقال: ما هذا السنور؟ ولقي آخر فقال: ما هذا الهر؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا القط؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الضيون؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيدع؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الخيطل؟ ثم لقي آخر فقال: ما هذا الدم؟ فقال الأعرابي: أحمله وأبيعه لعل الله تعالى يجعل لي فيه مالا كثيرا فلما أتى به إلى السوق، قيل له: بكم هذا؟ فقال بمائة فقيل له: إنه يساوي نصف درهم، فرمى به وقال: لعنة الله، ما أكثر أسماءه وأقل ثمنه! وهذه الأسماء للذكر، قاله في الكفاية. وقال ابن قتيبة: يقال في الأنثى سنورة كما يقال في أنثى الضفادع ضفدعة انتهى.
قلت: ولا يمتنع القياس في خيطلة وضيونة وقطة وخيدعة وهرة. روى الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ «يأتي دار قوم الأنصار، ودونهم دور لا يأتيها» .
فشق عليهم ذلك، فكلموه فقال: «١» «إن في داركم كلبا» . قالوا: فإن في دارهم سنورا، فقال:
السنور سبع. ثم قال: حديث صحيح.
وروى نعيم بن حماد، في كتاب الفتن، عن أبي شريحة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ أنه قال: «٢» «يحشر رجلان من مزينة، هما آخر الناس حشرا، يقبلان من جبل قد توارى، حتى يأتيا معالم الناس، فيجدا الأرض وحوشا حتى يأتيا المدينة، فإذا بلغا أدنى المدينة قالا: أين الناس فلا يريان أحدا، فيقول أحدهما لصاحبه: الناس في دورهم فيدخلان الدور فإذا ليس فيها أحد، وإذا على الفرش الثعالب والسنانير، فيقول أحدهما لصاحبه: أين الناس فيقول: أراهم في الأسواق قد شغلهم البيع، فيخرجان حتى يأتيا الأسواق فلا يجدا فيها أحدا، فينطلقا حتى يأتيا
стр. 565
باب المدينة فإذا عليها ملكان فيأخذان بأرجلهما ويسحبانهما إلى أرض المحشر، فهما آخر الناس حشرا» .
غريبة
: قيل: كان لركن الدولة سنور يألف مجلسه، وكان بعض أصحابه، إذا أراد الاجتماع به فيعسر عليه ذلك، كتب حاجته في رقعة وعلقها في عنق السنور، فيراها ركن الدولة فيأخذ الرقعة ويقرؤها، ويكتب جوابها، عليها ثم يشدها في عنق السنور، فيرجع بها إلى صاحبها. وقيل: إن أهل سفينة نوح ﵇ تأذوا من الفأر فمسح نوح ﵇ جبهة الأسد فعطس، فرمى بالسنور فلذلك هو أشبه شيء بالأسد، بحيث لا يمكن أن يصور الهر إلا جاء أسدا، وهو ظريف لطيف يمسح بلعابه وجهه، وإذا تلطخ شيء من بدنه نظفه، وهو في آخر الشتاء تهيج شهوته، فيتألم ألما شديدا من لذع مادة النطفة فلا يزال يصيح حتى يلقي تلك المادة.
وإذا جاعت الأنثى أكلت أولادها، وقيل: إنها تفعل ذلك لشدة محبتها لهم وأنشد «١» الجاحظ:
جاءت مع الاشفين في هودج ... تزجى إلى النصرة أجنادها
كأنها في فعلها هرة ... تريد أن تأكل أولادها
معنى تزجي تسوق قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً
«٢» أي يسوق سحابا.
وإذا بال السنور ستر بوله حتى لا يشم رائحته الفأر فيهرب، فيشمه أولا، فإذا وجد رائحته شديدة، غطاه بحيث يواري الرائحة والجرم، وإلا اكتفى بأيسر التغطية. قالوا: والفأرة تعرف رجيع السنور، وذكر الزمخشري أن الله تعالى ألهم الهرة ذلك، ليتنبه بذلك قاضي الحاجة من الناس فيغطي ما يخرج منه. وإذا ألف السنور منزلا، منع غيره من السنانير الدخول إلى ذلك المنزل، وحاربه أشد محاربة وهو من جنسه، علما منه بأن أربابه ربما استحسنوه وقدموه عليه، أو شاركوا بينه وبينه في المطعم، وإن أخذ شيئا مما يخزنه أصحاب المنزل عنه هرب علما منه بما يناله منهم من الضرب. وإذا طردوه تملقهم وتمسح بهم، علما منه بأنه يخلصه التملق ويحصل له العفو والإحسان. وقد جعل الله تعالى في قلب الفيل الفرق منه، فهو إذا رأى سنورا هرب. وحكي أن جماعة من أهل الهند هزموا بذلك.
والسنور ثلاثة أنواع: أهلي، ووحشي، وسنور الزباد. وكل من الأهلي والوحشي له نفس غضوبة يفترس ويأكل اللحم الحي ويناسب الإنسان في أمور: منها أنه يعطس ويتثاءب ويتمطى ويتناول الشيء بيده، وتحمل الأنثى في السنة مرتين، ومدة حملها خمسون يوما. والوحشي حجمه أكبر من حجم الأهلي قال الجاحظ: قال العلماء: اتخاذ السنور وتربيته مستحبة. وذكر القزويني في الاشكال، عن ابن الفقيه، أن لبعض السنابير أجنحة كأجنحة الخفافيش من أصل الأذن إلى الذنب، فإن صح ذلك فالظاهر أنه كالسنور البري، عملا بالمشاكلة. وقال مجاهد: جاء رجل إلى شريح القاضي، يخاصم آخر في سنور فقال: بينتك؟ قال: ما أجد بينة في سنور ولدته أمه عندنا.
стр. 566
فقال شريح: اذهبا به إلى أمه فإن استقرت واستمرت ودرت، فهو سنورك، وإن هي اقشعرت وازبأرت وهربت فليست بسنورك.
الحكم
: الأصح تحريم أكل السنور الأهلي والوحشي، لما روي في الحديث المتقدم، أنه سبع. وروى البيهقي وغيره، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «١» «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الهرة وأكل ثمنها» . وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد وسنن أبي داود أن النبي ﷺ «نهى عن بيع السنور» «٢» . فقيل: محمول على الوحشي الذي لا نفع فيه. وقيل:
نهي تنزيه حتى يعتاد الناس هبته وإعارته، كما هو الغالب فإن كان مما ينفع وباعه صح البيع، وكان ثمنه حلالا. هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكى ابن المنذر، عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد أنه لا يجوز بيعه محتجين بهذا الحديث. وأجاب الجمهور عن الحديث، بأنه محمول على ما ذكرناه، وهذا هو المعتمد. وأما ما ذكره الخطابي وأبو عمر بن عبد البر، أن الحديث ضعيف، فليس كما قالا، بل الحديث صحيح كما تقدم. وقول ابن عبد البر لم يروه عن أبي الزبير غير حماد بن سلمة، غلط أيضا، لأن مسلما رواه في صحيحه من رواية معقل عن عبيد الله عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن أبي الزبير، وهو ثقة. ورواه ابن ماجه عن ابن لهيعة عن أبي الزبير ولا يضره ذلك. وسيأتي في باب الهاء، إن شاء الله تعالى الإشارة إلى هذا أيضا، في لفظ الهرة، واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في سنور البر، وأكثر الروايات على تحريمه كالثعلب. وبحله قال الحضرمي من أصحابنا، وهو مذهب مالك وأما الأهلي فحرام عند أبي حنيفة، ومالك وأحمد واختار البوشنجي من أصحابنا الحل والأصح تحريمه كما تقدم.
الأمثال
: قالوا «أثقف من سنور» «٣» . والثقف الأخذ بسرعة. يقال: رجل ثقف لقف، أي سريع الاختطاف. وقالوا: «كأنه سنور عبد الله» يضرب لمن لا يزيد سنا، إلا زاد نقصانا وجهلا وفيه قال بشار بن برد الأعمى «٤» :
أبا مخلف مازلت نباح غمرة ... صغيرا فلما شبت خيمت بالشاطى «٥»
كسنور عبد الله بيع بدرهم ... صغيرا فلما شبّ بيع بقيراط
لكنه مثل مولد ليس من كلام العرب. وقال ابن خلكان: ولقد كشفت عن سنور عبد الله المظان، وسألت عنه أهل المعرفة بهذا الشأن، فما عرفت له خبرا ولا عثرت له على أثر. ثم إني ظفرت بقول الفرزدق «٦» :
стр. 567
رأيت الناس يزدادون يوما ... فيوما في الجميل وأنت تنقص «١»
كمثل الهرّ في صغر يغالى ... به حتى إذا ما شب يرخص
ومن ههنا أخذ بشار قوله، وليس المراد منه هرا معينا، بل كل هر قيمته في صغره أكثر منها في كبره انتهى.
الخواص
: السنور الأهلي، من أكل لحم الأسود منه، لم يعمل فيه السحر. وطحاله، يشد على المستحاضة ينقطع حيضها. وعيناه، إذا جففتا وتبخر بهما إنسان لم يطلب حاجة إلا قضيت.
ومن استصحب نابه لم يفزع بالليل، وقلبه، يشد في قطعة من جلده فمن استصحبه لم تظفر به الأعداء. ومرارته من اكتحل بها يرى في الليل، كما يرى في النهار، وتخلط بملح وكمون كرماني، ويطلى بها على الجروح والقروح الرديئة تبرأ. ودمه، إذا طلي به القضيب عند الجماع فإن المفعول به يحب الفاعل حبا شديدا. وإن سقي منه صاحب الجذام نفعه، وإن شرب منه انسان أحبته النساء. وزبله يسقط المشيمة بخوار. وقال القزويني: مرارة الأسود، ومرارة الدجاجة السوداء، إذا جففتا وسحقتا، واكتحل بهما مع الكحل ظهر له الجن، وخدموه. قال: وهو مجرب. ومرارة الأسود، إذا أخذ منها وزن نصف درهم، وديف بدهن زنبق، وسعط به صاحب اللقوة أبرأه ذلك. وأما البري، فمخه عجيب لوجع الكلى، ولعسر البول، إذا أذيب بماء الجرجير، وسخن بالنار وشرب على الريق في الحمام. ودماغه إذا دخن به أخرج المني من الرحم. قاله القزويني.
ويأتي تعبيره إن شاء الله تعالى، في باب القاف في لفظ القط.
وأما سنور الزباد
، فهو كالسنور الأهلي، لكنه أطول منه ذنبا، وأكبر جثة، ووبره إلى السواد أميل، وربما كان أنمر، ويجلب من بلاد الهند والسند. والزباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج، وهو زفر الرائحة يخالطه طيب كطيب المسك، يوجد في ابطيه، وفي باطن أفخاذه، وباطن ذنبه، وحوالي دبره، فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة صغيرة أو بدرهم رقيق. وقد تقدم في باب الزاي الكلام على شيء من هذا.
وحكمه
: تحريم الأكل على الصحيح، كالأهلي والوحشي وأما الزباد فهو طاهر، لكن قال الماوردي والروياني في آخر باب الغرر: ان الزباد لبن سنور في البحر يجلب كالمسك ريحا، واللبن بياضا، يستعمله أهل البحر طيبا، وهذا يقتضي كونه حلالا، فإن قلنا بنجاسة لبن ما لا يؤكل لحمه، ففي هذا وجهان: قال النووي: الصواب طهارته وصحة بيعه، لأن الصحيح أن جميع حيوان البحر طاهر يحل لحمه ولبنه، هذا بعد تسليم أنه حيوان بحري. والصواب أنه بري، فعلى هذا هو طاهر بلا خلاف، لكنهم قالوا: إنه يغلب فيه اختلاطه بما تساقط من شعره، فينبغي أن يحترز عما فيه شيء من شعره لأن الأصح نجاسة شعر ما لا يؤكل لحمه، إذا انفصل في حال حياته غير الآدمي.
السنونو:
بضم السين والنونين. الواحدة سنونة، وهو نوع من الخطاطيف، ولذلك سمي
стр. 568
حجر اليرقان حجر السنونو، ولكن تصحف على صاحب عجائب المخلوقات، فقال: حجر الصنونو بالصاد، والصواب أنه بالسين المهملة نسبة إلى هذا النوع من الخطاطيف، وقد أجاد جمال الدين بن رواحة في تشبيه السنونو بقوله:
وغريبة حنّت إلى وكر لها ... فأتت إليه في الزمان المقبل
فرشت جناح الآبنوس وصفقت ... بالعاج ثم تقهقهت بالصّندل «١»
وحكمه
: تقدم في باب الخاء المعجمة في الخطاف.
ومن خواصه
: أن من أخذ عيني السنونة، وشدهما في خرقة وعلقهما على سرير، فمن صعد ذلك السرير لم ينم. وإذا بخر بعينها العصافير هربت، وإذا بخر بها صاحب الحمى برىء بإذن الله تعالى.
السودانية والسوادية:
طائر يأكل العنب. قاله ابن سيده.
عجيبة
: حكي أن بمدينة رومية، شجرة نحاس، عليها سودانية من نحاس، في منقارها زيتونة، فإذا كان وقت الزيتون، صفرت تلك السودانية فلا يبقى في تلك النواحي سودانية إلا جاءت، ومعها ثلاث زيتونات: في منقارها واحدة، وفي رجليها اثنتان، حتى تطرحهن على رأس السودانية التي من النحاس، فيعصر أهل رومية ما يحتاجون إليه من الزيت عامهم كله. قلت:
الظاهر أن السودانية هي الزرزور، وقد تقدمت هذه الحكاية عن الشافعي ﵁، وهو يأكل العنب كثيرا.
الخواص
: لحم السودانيات بارد، يابس، رديء، لا سيما الهزيل، وأجوده صيد الأشراك، وهو يزيد في الإنعاظ لكنه يضر بالدماغ، وتدفع مضرته بالأمراق الرطبة وهو يولد خلطا حريفا يوافق الأمزجة الباردة والمشايخ، وأصلح ما أكل في الربيع، ويكره أكل لحمها لما تأكله من الحشرات والجراد، ولذلك صار في لحمها حدة وروائح كريهة، وهو أردأ من لحم القنابر. وروفس يرتب الطير ثلاث مراتب ويقول: أفضل الطير البري الرخ والشحرور والسماني ثم الحجل والدراج والطيهوج والشفنين وفرخ الحمام والفاخت ثم السلوى والقنابر. على أن القنابر بالدواء أشبه منها بالغذاء والله أعلم.
السوذنيق:
الصقر قاله في كفاية المتحفظ.
السوس:
دود يقع في الصوف والطعام. قاله الجوهري وغيره يقال طعام مسوس ومدود بكسر الواو فيهما قال الراجز:
قد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا
وقال قتادة ومجاهد، في قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ
«٢» هو سوس الثياب، ودود الفاكهة.
стр. 569
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «عن يمين العرش نهر من نور، مثل السموات السبع والأرضين السبع سبعين مرة، يدخله جبريل ﵇ كل سحر فيغتسل فيه فيزداد نورا إلى نوره، وجمالا إلى جماله، وعظما إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله تعالى من كل ريشة سبعين ألف قطرة، فيخلق من كل قطرة سبعين ألف ملك، يدخل منهم كل يوم إلى البيت المعمور سبعون ألف ملك، وإلى الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إلى يوم القيامة» . وقال الطبري: ما لا تعلمون ما أعد الله تعالى في الجنة لأهلها، مما لم تره عين، ولم تسمعه أذن، ولم يخطر على قلب بشر.
روينا في بعض الأخبار، عن الحارث بن الحكم، قال: أنزل الله تعالى في بعض الكتب:
أنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت بالنتن على الميت، لحبسه أهله في البيوت، وأنا الله لا إله إلا أنا مرخص الأسعار والبلاد مجدبة، وأنا الله لا إله إلا أنا مغلي الأسعار والأهراء ملأى، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني قضيت بالسوس على الطعام، لخزنته الملوك، وأنا الله لا إله إلا أنا لولا أني أسكنت الأمل في القلوب، لأهلكها التفكر. ولما حرم عمرو بن هند على المتلمس «١» حب العراق قال «٢» :
آليت حبّ العراق الدهر أطعمه ... والحبّ يأكله في القرية السوس
روى البيهقي، في شعبه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: من استطاع منكم أن يجعل كنزه في السماء حيث لا يناله اللصوص ولا يأكله السوس فليفعل فإن قلب كل امرىء عند كنزه.
وحكى عن الشيخ العارف أبي العباس المرسي أن امرأة قالت له: كان عندنا قمح مسوس فطحناه فطحن السوس معه. وكان عندنا فول مسوس فدششناه فخرج السوس حيا فقال لها:
صحبة الأكابر تورث السلامة. قلت: ويقرب من هذا، ما حكاه ابن عطية في تفسير سورة الكهف، أن والده حدثه عن أبي الفضل الجوهري الواعظ بمصر، أنه قال في مجلس وعظه: من صحب أهل الخير عادت عليه بركتهم، هذا كلب صحب قوما صالحين فكان من بركتهم عليه أن ذكره الله تعالى في القرآن ولا يزال يتلى على الألسنة أبدا. ولذلك قيل: من جالس الذاكرين انتبه من غفلته، ومن خدم الصالحين ارتفع بخدمته.
ومن الفوائد المستغربة
، ما أخبرني به بعض أهل الخير أن أسماء الفقهاء السبعة، الذين كانوا بالمدينة الشريفة، إذا كتبت في رقعة وجعلت في القمح فإنه لا يسوس، ما دامت الرقعة فيه، وهم مجموعون في قول «٣» الأول:
ألا كلّ من لا يقتدي بأيمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه
وأفادني بعض أهل التحقيق، أن أسماءهم إذا كتبت وعلقت على الرأس، أو ذكرت عليه
стр. 570
أزالت الصداع العارض له وقد تقدم في باب الجيم في الجراد ذكر الآيات التي تنفع للصداع.
وأفادني بعض أهل العلم، أن هذه الأسماء إذا كتبت في رقعة وعلقت على الرأس، أذهبت الصداع والشقيقة. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم اهدأ عليه يا رأس، بحق من خلق فيك الأسنان والأضراس، وكتبه الكتبة بلا قلم ولا قرطاس، قر بقرار الله، اسكن واهدأ بهدء الله، بحرمة محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً
«١» أسكن أيها الوجع والصداع والشقيقة والضربان، عن حامل هذه الأسماء، كما سكن عرش الرحمن، وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
«٢» وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
«٣» وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله وصحبه وسلم.
ومما جرب
: لإذهاب السوس والفراش ما أفادنيه بعض أئمة الإمامية أن يكتب على خشب الغار هذه الأسماء في الظل بحيث لا تراه الشمس أبدا لا وقت الكتابة ولا وقت الذهاب بها ثم تدفن الخشبة في القمح أو الشعير، فإنه لا يسوس ولا يفرش. وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله: موتوا فماتوا كذلك يموت الفراش والسوس ويرحل بإذن الله تعالى، اخرج أيها السوس والفراش بإذن الله تعالى عاجلا، وإلا خرجت من ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويشهد عليك أنك سرقت لجام بغلة نبي الله سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام. وهو عجيب مجرب.
الحكم
: يحرم أكله منفردا لأنه نوع من الدود.
الأمثال
: قالوا: «العيال سوس المال» وقالوا: «آكل من سوسة» «٤» . وقيل لخالد بن صفوان بن الأهيم: كيف ابنك؟ قال: سيد فتيان قومه ظرفا وأدبا. فقيل له: كم ترزقه كل يوم؟ فقال:
درهما. فقيل له: وأين يقع منه ثلاثون درهما في كل شهر وأنت تستغل ثلاثين ألفا؟ فقال:
الثلاثون درهما أسرع في هلاك المال من السوس في الصوف بالصيف. فحكى كلامه للحسن البصري فقال: أشهد أن خالدا تميمي وإنما قال الحسن ذلك لأن بني تميم مشهورون بالبخل والنهم. وهو في الرؤيا كالدود فليراجع هناك.
السّيد:
بكسر السين وإسكان الياء المثناة من تحت، من أسماء الذئب وبه سمي جد أبي محمد عبد الله ابن محمد بن السيد البطليوسي اللغوي النحوي صاحب التصانيف المفيدة، والمحاسن العديدة، مولده سنة أربع وأربعين وأربعمائة بمدينة بطليوس، وتوفي في رجب سنة إحدى وعشرين وخمسمائة.
السّيدة:
بكسر السين وبالدال المهملتين واسكان الياء المثناة من تحت، وبالهاء في آخره:
الذئبة وإليها ينسب الإمام العلامة الحافظ النحوي اللغوي المحقق أبو الحسن علي بن اسماعيل بن
стр. 571
سيده المرسي، وكان إماما في اللغة وفي الغريب حافظا لهما، وجمع في ذلك كتابه المحكم والمخصص وغير ذلك، وكان ضريرا وأبوه كذلك. توفي في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وعمره ستون سنة.
سيفنة:
كهيمنة، قال ابن السمعاني في الأنساب: إنه طائر بمصر يلقي أوراق الأشجار عنها، حتى لا يبقي منها شيئا شبه به أبو اسحاق إبراهيم ابن حسن بن علي الهمداني سيفنة من أكابر المحدثين، لأنه كان إذا ظفر بمحدث سمع جميع ما عنده حتى لا يبقى شيئا من حديثه.
أبو سيراس:
قال القزويني في الأشكال: إنه حيوان يوجد في الغياض تكامل في قصبة أنفه اثنتا عشرة ثقبة، إذا تنفس يسمع من أنفه صوت كصوت المزامير، والحيوانات تجتمع عليه لاستماع ذلك الصوت فإذا دهش بعضها لذلك، يصيده فيأكله فإن لم يتهيأ له صيد شيء منها وضجر، صاح صيحة هائلة فتتفرق الحيوانات وتفر عنه والله أعلم.
باب الشين المعجمة
الشادن:
بكسر الدال المهملة: الظبي الذكر الذي طلع قرناه وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الظاء المعجمة.
شادهوار:
حيوان يوجد بأقصى بلاد الروم. قال القزويني في الأشكال: له قرن عليه اثنتان وسبعون شعبة مجوفة، فإذا هبت الريح سمع لها أصوات حسنة، فتجتمع بسبب ذلك الحيوانات إليه لسماع صوته. ذكر أن بعض الملوك أهدي له قرن منه، فترك بين يديه عند هبوب الرياح فكان يخرج منه صوت عجيب مطرب يكاد يدهش الإنسان من سماعه ثم وضع منكوسا فكان يخرج منه صوت محزن حتى يكاد يغلب الإنسان البكاء.
الشارف:
المسنة من النوق والجمع شرف مثل بازل وبزل وعائذ وعوذ ومنه حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه قال «١» : «كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا من الخمس يومئذ فلما أردت أن أبني بفاطمة رضي الله تعالى عنها، واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي، فيأتي باذخر أردت أن أبيعه من الصواغين، فاستعين به في وليمة عرسي، فبينما أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبائل، وشارفاي مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، فرجعت حين جمعت ما جمعت، فإذا شارفاي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصر هما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما. فقلت: من فعل هذا؟ فقالوا: فعله حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وهو في هذا المكان في هذا البيت في شرب من الأنصار غنته قينة بين أصحابه فقالت:
ألا يا حمز للشرف النواء ... وهنّ معقلات بالفناء
ضع السكين في اللبات منها ... وضرجهن حمزة بالدماء
стр. 572
وعجل من أطايبها لشرب ... طعاما من قديد أو شواء
فأنت أبو عمارة المرجى ... لكشف الضرّ عنا والبلاء»
وبقية الحديث مشهورة، رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وهو حجة على إباحة كل ما ذبحه غير المالك تعديا كالغاصب والسارق وهو قول جمهور العلماء.
وخالف في ذلك سحنون وداود وعكرمة فقالوا: لا يؤكل، وهو قول شاذ. وحجة الجمهور أن الزكاة وقعت من المتعدي على شروطها الخاصة، وتعلق بذمته قيمة الذبيحة فلا موجب للمنع.
وهذا الفعل إنما كان من حمزة رضي الله تعالى عنه قبل تحريم الخمر، لأنه قتل يوم أحد وكان تحريمها بعد ذلك فكان معذورا في قوله غير مؤاخذ به، وكان شربه الذي دعاه إليه مباحا كالنائم والمغمى عليه، فلما حرمت الخمر صار شاربها مؤاخذا بشربها محدودا فيها.
الشاة:
الواحدة من الغنم، تقع على الذكر والأنثى من الضأن والمعز، وأصلها شاهة، لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء في أدنى العدد. تقول ثلاث شياء إلى العشر، فإذا جاوزت العشرة فبالتاء، فإذا كثرت قلت: هذه شاء كثيرة. والشاة أيضا الثور الوحشي والنسبة إلى الشاء شاوي قال الشاعر:
لا ينفع الشاوي فيها شاته ... ولا حماراه ولا غلاته
وفي الكامل لابن عدي في ترجمة خارجة بن عبد الله بن سليمان، عن عبد الرحمن بن عائذ قال:
قال رسول الله ﷺ : «من كانت له شاة ولا يصيب جاره من لبنها أو مسكين فليذبحها أو ليبعها» «١» . ومما تواتر من حكمة لقمان وهو لقمان بن عنقاء بن بيرون وكان نوبيا من أهل ايلة، أن سيده أعطاه شاة وأمره أن يذبحها، ويأتيه بأطيب ما فيها، فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها. ثم أعطاه في يوم آخر شاة أخرى وأمره أن يذبحها ويأتيه بأخبث ما فيها فذبحها وأتاه بقلبها ولسانها. فسأله عن ذلك. فقال: هما أطيب ما فيها إن طابا، وأخبث ما فيها إن خبثا. وهذا معنى قوله ﷺ : «إن في الجسد مضغة إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» «٢» . ويقال إن سيده دخل الخلاء يوما، فأطال الجلوس فناداه: لا تطل الجلوس على الخلاء، فإنه ينخع الكبد، ويورث البواسير، ويميت القلب.
ومن وصيته لابنه، واسمه ثاران، وقيل غير ذلك: يا بني كن على حذر من اللئيم إذا أكرمته، ومن الكريم إذا أهنته، ومن العاقل إذا هجوته، ومن الأحمق إذا مازحته، ومن الجاهل إذا صاحبته، ومن الفاجر إذا خاصمته، وتمام المعروف تعجيله. يا بني ثلاثة أشياء تحسن بالإنسان: حسن المحضر، واحتمال الإخوان، وقلة الملل للصديق. وأول الغضب جنون وآخره ندم. يا بني ثلاثة فيهم الرشد: مشاورة الناصح، ومداراة العدو والحاسد، والتحبب لكل أحد. يا بني المغرور من وثق بثلاثة أشياء: الذي يصدق ما لا يراه، ويركن إلى من لا يثق به،
стр. 573
ويطمع فيما لا يناله. يا بني احذر الحسد، فإنه يفسد الدين، ويضعف النفس، ويعقب الندم. يا بني إذا خدمت واليا فلا تنم إليه بأحد، فإنه لا يزيده ذلك منك إلا نفورا، فإنه إذا سمع منك في غيرك فإنه لا بد أن يسمع من غيرك فيك، ويكون قلبه خائفا منك أن تنم عليه كما نميت إليه بغيره، ولا يزال محترسا منك. وكن يا بني أقرب الناس إليه عند فرحه، وأبعدهم منه عند غضبه، وإن ائتمنك فلا تخنه، وإن أنالك يسيرا، فخذه واقبله فتبلغ به أن تنال كثيرا. وأكرم خدمه والطف بأصحابه، وغض طرفك عن محارمه، وأصم أذنك عن مجاوبته، وأقصر لسانك عن حديثه واكتم في المجالس سره، واتبع باللطف هواه، وناصح في خدمته، واجمع عقلك في مخاطبته، ولا تأمن الدهر من غضبه، فإنه ليس بينك وبينه نسب. والغضب يسرع إليه في كل وقت، ووثبته كوثبة الأسد. يا بني كتمان السر صيانة للعرض. يا بني إن ردت أن تقوى على الحكمة فلا تملك نفسك للنساء، فإن المرأة حرب ليس فيها صلح، وهي إن أحبتك أكلتك، وإن أبغضتك أهلتك.
وفي كتاب ربيع الأبرار للزمخشري، ورحلة ابن الصلاح، التي بخطه، قال الحسن البصري «١» : لو وجدت رغيفا من حلال، لأحرقته ثم دققته ثم داويت به المرضى. ثم قال:
اختلطت غنم البادية بغنم أهل الكوفة. فسأل أبو حنيفة كم تعيش الشاة؟ قالوا: سبع سنين، فترك أكل لحم الغنم سبع سنين. وأنشد المبرد:
ما إن دعاني الهوى لفاحشة ... إلا عصاه الحياء والكرم
فلا إلى حرمة مددت يدي ... ولا مشت بي لريبة قدم
وفي تاريخ ابن خلكان، أن هشام بن عبد الملك بعث إلى الأعمش «٢» ، أن اكتب إلي بمناقب عثمان ومساوي علي رضي الله تعالى عنهما، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخله في فم شاة، فلاكته وقال للرسول: قل له هذا جوابه. فذهب الرسول ثم عاد، وقال: إنه آلى أن يقتلني إن لم آته بالجواب، وتحيل عليه بإخوته، فقالوا له: افده من القتل، فلما ألحوا عليه، كتب: أما بعد فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض، ما نفعتك، ولو كان لعلي مساوي أهل الأرض، ما ضرتك، فعليك بخوصية نفسك والسلام.
والأعمش اسمه سليمان بن مهران من أعلام التابعين، رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي وأخذ بركابه فقال له: يا بني، إنما أكرمت ربك. وكان لطيف الخلق مزاحا ولم تفته التكبيرة الأولى سبعين سنة، وله نوادر، منها أنه كان له زوجة وكانت من أجمل نساء الكوفة، فجرى بينهما كلام، وكان الأعمش قبيح المنظر، فجاءه رجل يقال له أبو البلاد يطلب الحديث منه، فقال له:
إن امرأتي نشزت عليّ، فادخل عليها وأخبرها بمكاني من الناس، فدخل عليها وقال: إن الله تبارك
стр. 574
وتعالى قد أحسن قسمتك، هذا شيخنا وسيدنا وعنه نأخذ أصل ديننا، وحلالنا وحرامنا، فلا يغرنك عموشة عينيه ولا خموشة ساقيه. فغضب الأعمش وقال له: يا خبيث أعمى الله قلبك، قد أخبرتها بعيوبي ثم أخرجه من بيته. ومنها أن إبراهيم النخعي أراد أن يماشيه فقال له الأعمش: إن رآنا الناس معا قالوا: أعور وأعمش! فقال النخعي: وما عليك أن يأثموا ونؤجر! فقال له الأعمش:
وما عليك أن يسلموا ونسلم. ومنها أنه جلس يوما في موضع فيه خليج من ماء المطر، وعليه فروة خلقة، فجاءه رجل وقال: قم عدني هذا الخليج وجذب بيده، فأقامه وركبه، وقال:
سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ
«١» ، فمضى به الأعمش حتى توسط الخليج ورمى به، وقال: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
«٢» ، ثم خرج وتركه يتخبط في الماء. ومنها أن رجلا جاء إلى الأعمش يطلبه، فقيل له: خرج مع امرأة إلى المسجد، فجاءه فوجدهما في الطريق، فقال أيكما: الأعمش؟ فقال الأعمش: هذه وأشار إلى المرأة. ومنه أنه عاده أقوام في مرضه، فأطالوا الجلوس عنده، فأخذ وسادته وقام ثم قال: شفى الله مريضكم فانصرفوا. ومنها أنه ذكر عنده يوما قوله «٣» ﷺ : «من نام عن قيام الليل بال الشيطان في أذنه» . فقال: ما عمشت عيناي إلا من بول الشيطان في أذني. وكتب «٤» إلى بعض إخوانه يعزيه:
إنا نعزيك لا أنا على ثقة ... من البقاء ولكن سنة الدين
فلا المعزّى بباق بعد ميته ... ولا المعزّي وإن عاشا إلى حين
توفي ﵀ سنة سبع وقيل ثمان وقبل تسع وأربعين ومائة.
وفيه أيضا أنه لما ولي عبد الله بن الزبير الخلافة بمكة، ولى أخاه مصعب بن الزبير المدينة، وأخرج منها مروان بن الحكم وابنه، فصار إلى الشام ولم يزل يقيم للناس الحج من سنة أربع وستين إلى سنة اثنتين وسبعين، فلما ولي عبد الملك بن مروان منع أهل الشام من الحج من أجل ابن الزبير، لأنه كان يأخذ الناس بالبيعة له إذا حجوا، فضج الناس لما منعوا من الحج، فبنى عبد الملك قبة الصخرة فكان الناس يقفون عندها يوم عرفة. ويقال: إن ذلك كان سبب التعريف في بيت المقدس ومساجد الأمصار. وقيل: إن أول من سن التعريف بالبصرة عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وبمصر عبد العزيز بن مروان، وببيت المقدس عبد الملك بن مروان.
ولما قتل عبد الملك مصعب بن الزبير، وأراد الرجوع، قام إليه الحجاج فقال: إني رأيت في منامي أني أخذت عبد الله بن الزبير فسلخته، فولني قتاله. فبعثه في جيش كثيف من أهل الشام، فحصر ابن الزبير، ورمى الكعبة بالمنجنيق. فلما رمى به أرعدت السماء وأبرقت فخاف أهل الشام، فصاح الحجاج هذه صواعق تهامة، وأنا ابنها، ثم قام ورمى بنفسه فزاد ذلك وجاءت صاعقة تتبعها أخرى فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا، وزاد خوف أهل الشام، فلما أصبحوا صعقت السماء فقتلت بعض أصحاب ابن الزبير، فقال الحجاج لأصحابه: اثبتوا فإنه مصيبهم ما
стр. 575
أصابكم، ولم يزل يرميها بالمنجنيق حتى هدمها. ورموها بكيزان النفط فاحترقت الستائر حتى صارت رمادا، وأن ابن الزبير قال لأمه: إني لا آمن إن قتلت أن يمثل بي وأصلب، فقالت له: يا ولدي إن الشاة، إذا ذبحت لم تتألم بالسلخ، فودعها وخرج من عندها. فحمل عليهم حتى ردهم على أعقابهم. فرمي بآجرة فأدمت وجهه فلما وجد سخونة الدم على وجهه أنشد قائلا:
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما «١»
وصاحت مولاة لآل الزبير مجنونة، وكانت رأته حينها: وا أمير المؤمنيناه! وأشارت إليه. وقتل رضي الله تعالى عنه في ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين. وجاء الخبر إلى الحجاج فسجد وجاء هو وطارق، فوقفا عليه فقال طارق: ما ولدت النساء اذكر من هذا فقال الحجاج: أتمدح من خالف طاعة أمير المؤمنين؟ قال: نعم هو أعذر لنا ولولا هذا ما كان لنا عذر، وإنا لمحاصروه وهو في غير حصن ولا منعة منذ ثمانية أشهر ينتصف منا، بل يفضل علينا كلما التقينا. فبلغ كلامهما عبد الملك، فصوب رأي طارق. ثم بعث الحجاج برأس ابن الزبير وجماعة إلى عبد الملك، فبعث عبد الملك برأس ابن الزبير إلى عبد الله بن حازم الأسلمي، وهو وال بخراسان من جهة ابن الزبير ودعاه إلى طاعته، على أن يجعل له خراسان طعمة سبع سنين فقال ابن حازم للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لأمرت بضرب عنقك، ولكن كل كتاب صاحبك فأكله. ثم أخذ الرأس فغسله وطيبه وكفنه ودفنه. وقيل: إنه بعث به إلى آل الزبير بالمدينة فدفنوه مع جثته بالمدينة. وماتت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃ بالمدينة بعده بخمسة أيام ولها مائة سنة.
وذكر الحافظ ابن عبد البر أن الكعبة رميت بالمنجنيق مرة أخرى، حين حصرها مسلم بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، في أيام يزيد بن معاوية، في وقعة الحرة فمات يزيد ورجع مسلم إلى الشام.
غريبة
: قال محمد بن عبد الرحمن الهاشمي: دخلت على أمي، يوم عيد الأضحى، فرأيت عندها امرأة في أثواب دنسة، فقالت لي أمي: أتعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عتابة أم جعفر بن يحيى البرمكي فسلمت عليها، وقلت لها: حدثيني ببعض أمركم، فقالت: أذكر لك جملة فيها عبرة لمن اعتبر، لقد هجم عليّ مثل هذا اليوم، يوم العيد، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي، وقد أتيتكم اليوم أسألكم جلدي شاتين، أجعل أحدهما شعارا والآخر دثارا. قال: فدفعت إليها خمسمائة درهم، ولم تزل تتردد إلينا حتى فرق الموت بيننا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر قتل جعفر في باب العين المهملة في العقاب.
وفي سنن ابن ماجه وكامل بن عدي، في ترجمة أبي زر بن عبد الله، من حديث ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال «٢» : «الشاة من دواب الجنة» .
وفي الاستيعاب، للحافظ أبي عمر بن عبد البر، في ترجمة أبي رجاء العطاردي، أن العرب
стр. 576
كانوا يأتون بالشاة البيضاء فيعبدونها، فيجيء الذئب فيأخذها، فيأخذون أخرى مكانها. وفي سنن البيهقي وغيره أن النبي ﷺ «كان يكره من الشاة، إذا ذبحت، سبعا: الذكر والأنثيين والدم والمرارة والحياء والعذرة والمثانة «١» » . قال: «وكان أحب الشاة إلى رسول الله ﷺ مقدمها» . وقالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: كان عندي رسول الله ﷺ ، فدخلت شاة فأخذت قرصا تحت دن لنا، فقمت إليها، فأخذته من بين لحييها، فقال رسول الله ﷺ : «ما كان ينبغي لك أن تعنقيها» ، أي تأخذي بعنقها وتعصريها. وروى مسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال:
كان بين مصلى رسول الله ﷺ ، وبين الحائط ممر الشاة. قلت: وهذا يدل على استحباب القرب من السترة كما جاء عنه أيضا ﷺ : «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لئلا يقطع الشيطان عليه صلاته» «٢» . رواه أبو داود، ولا يعارض حديث ممر الشاة بحديث «صلاة النبي ﷺ في الكعبة بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع» . وهو الذي يمكن المصلي أن يدرأ من يمر به، إذ حمل بعضهم حديث ممر الشاة، على ما إذا كان قائما، وحديث الثلاثة أذرع على ما إذا ركع أو سجد.
ولم يذكر مالك في ذلك حدا، وقدر بعضهم ممر الشاة بقدر شبر. وقد تقدم، في البهيمة والجدي، شيء من هذا.
فائدة
: في سنن أبي داود، وغيرها أن النبي ﷺ ، أهدت له يهودية بخيبر، شاة مصلية سمتها، فأكل منها وأكل معه رهط من أصحابه، فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية وقال: «ما حملك على ما صنعت؟» قالت: قلت إن كان نبيا فلن يضره، وإن لم يكن نبيا استرحنا منه. «فأمر ﷺ بها فقتلت» . كذا رواه وهو مرسل، فإن الزهري لم يسمع من جابر شيئا.
والمحفوظ، أنه ﷺ قيل له: ألا تقتلها؟ فقال: «لا» . كذا «٣» رواه البخاري ومسلم، وجمع البيهقي بينهما، بأنه لم يقتلها في الابتداء، فلما مات بشر أمر بقتلها، وهي زينب بنت الحارث ابن سلام. وقال ابن اسحاق: إنها أخت مرحب اليهودي. وروى معمر بن راشد عن الزهري أنها أسلمت.
وروى الترمذي عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «بعثه ليشتري له أضحية بدينار، فاشترى أضحية فأربح فيها دينارا، فاشترى أخرى مكانها وجاء بالأضحية والدينار إلى رسول الله ﷺ ، فضحى بالشاة وتصدق بالدينار» «٤» . وفي صحيح البخاري وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه أن النبي ﷺ ، أعطى عروة بن الجعد، وقيل: ابن أبي الجعد البارقي دينارا ليشتري به شاة، فاشترى شاتين، فباع احداهما بدينار، وجاء بشاة ودينار. وذكر ما كان من أمره. فقال: «بارك الله لك في صفقة يمينك» . فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة البصرة فيربح الربح العظيم حتى صار من أكثر أهل الكوفة مالا. قال شبيب بن غرقدة: رأيت في دار عروة البارقي سبعين فرسا مربوطة للجهاد في سبيل الله تعالى. وروى عروة بن أبي الجعد، عن
стр. 577
رسول الله ﷺ ثلاثة عشر حديثا وهو أول من قضى بالكوفة، استعمله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على قضائها قبل شريح.
عجيبة
: روى ابن عدي، عن حسن بن واقد القصاب، أن أبا جعفر البصري، وكان من أهل الخير والصلاح، قال: اضجعت شاة لأذبحها فمر أيوب السختياني «١» فألقيت الشفرة، وقمت معه أتحدث، فوثبت الشاة فحفرت في أصل الحائط، ودحرجت الشفرة فألقتها في الحفرة، وألقت عليها التراب. فقال لي أيوب: أما ترى أما ترى؟ فجعلت على نفسي أن لا أذبح شيئا بعد ذلك اليوم.
فائدة أخرى
: كان أبو محمد عبد الله بن يحيى بن أبي الهيثم المصعبي، من أصحاب الشافعي، إماما صالحا عالما من أهل اليمن، من أقران صاحب البيان. ومن تصانيفه: احترازات المذهب والتعريف في الفقه، روى أن ناسا ضربوه بالسيوف، فلم تقطع سيوفهم فيه، فسئل عن ذلك فقال: كنت أقرأ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
«٢» وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً
«٣» إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
«٤» فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
«٥» لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
«٦» إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
«٧» وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
«٨» وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً
«٩» وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ
«١٠» وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
«١١» وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ
«١٢» اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ
«١٣» وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ
«١٤» إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
«١٥» إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ، إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ، فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ، بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ
«١٦» .
ثم قال: كنت خرجت يوما في جماعة، فرأينا ذئبا يلاعب شاة عجفاء ولا يضرها شيئا، فلما دنونا منهما نفر منا الذئب، فتقدمنا إلى الشاة، فوجدنا في عنقها كتابا مربوطا فيه هذه الآيات.
توفي المصعبي سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة.
стр. 578
وقال الحافظ أبو زرعة الرازي: وقعت النار بجرجان فاحترق فيها تسعة آلاف بيت، وجدوا فيها تسعة آلاف مصحف قد احترقت، إلا هذه الآيات لم تحترق، في كل مصحف، وهي: ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*
«١» وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ*
«٢» وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«٣» وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها
«٤» وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
«٥» تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى، الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
«٦» يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
«٧» ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
«٨» وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
«٩» وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
«١٠» .
قال: فما وضعت هذه الآيات في متاع أو بيت أو حانوت أو غير ذلك إلا حفظه الله تعالى.
قلت: وهي نافعة مجربة.
وروى الثعلبي وابن عطية والقرطبي وغيرهم، عن سالم بن أبي الجعد، قال: احترق لنا مصحف فلم يبق فيه إلا قوله تعالى: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
«١١» . وغرق لنا مصحف فانمحى كل شيء فيه إلا هذه الآية.
وحدثنا شيخنا الإمام العارف بالله عبد الله بن أسعد اليافعي رحمه الله تعالى قال: بلغني عن سيدنا العارف الإمام أبي عبد الله محمد القرشي عن شيخه أبي الربيع المالقي أنه قال له: ألا أعلمك كنزا تنفق منه ولا ينفد؟ قلت: بلى. قال: قل يا الله يا أحد يا واحد يا موجود يا جواد يا باسط يا كريم يا وهاب يا ذا الطّول يا غني يا مغني يا فتاح يا رزاق يا عليم يا حكيم يا حي يا قيوم يا رحمن يا رحيم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والاكرام يا حنان يا منان، انفحني منك بنفحة خير تغنيني بها عمن سواك إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ
«١٢» إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
«١٣» نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
«١٤» اللهم يا غني يا حميد، يا مبدىء يا معيد، يا ودود يا ذا العرش المجيد، يا فعالا لما يريد، اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك، واحفظني بما حفظت به الذكر، وانصرني بما نصرت به الرسل، إنك على كل شيء قدير. قال:
فمن داوم على قراءته بعد كل صلاة، خصوصا صلاة الجمعة، حفظه الله من كل مخوف، ونصره
стр. 579
على أعدائه وأغناه ورزقه من حيث لا يحتسب، ويسر عليه معيشته، وقضى عنه دينه ولو كان عليه مثل الجبال دينا، أداه الله تعالى عنه بمنه وكرمه.
وروى ابن عدي عن عبد الرحمن القرشي، قال: حدثنا محمد بن زياد بن معروف حدثنا جعفر بن حسن عن أبيه قال: حدثنا ثابت البناني عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «سألت الله تعالى الإسم الأعظم فجاءني جبريل ﵇ به مخزونا مختوما، وهو: اللهم إني أسألك باسمك الأعظم المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم» «١» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: بأبي أنت وأمي يا نبي الله علمنيه. فقال ﷺ : يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء.
فائدة أخرى
: روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: بينما عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉، سائران إذ رأيا شاة وحشية ماخضا، فقال عيسى ليحيى: قل تلك الكلمات: حنة ولدت يحيى، ومريم ولدت عيسى، الأرض تدعوك يا ولد، أخرج يا ولد. قال حماد بن زيد: فما يكون في الحي امرأة ماخض، فيقال هذا عندها فلا تبرح حتى تضع بإذن الله تعالى. ويحيى أول من آمن بعيسى وصدقه وكانا ابني خالة، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر ثم قتل يحيى قبل رفع عيسى ﵇.
وعن يونس بن عبيد أنه قال: ما قال العبد: اللهم أنت عدتي في كربتي، وأنت صاحبي في غربتي، وأنت حفيظي عند شدتي، وأنت ولي نعمتي، عند النفساء أو البهيمة الماخض، إلا يسر الله عليها وضع الولد.
قال بعض الحكم اء: من خصائص الزبد البحري، أنه إذا علق على ذات طلق، سهل الله عليها الولادة. وكذلك قشر البيض إذا سحق ناعما، وشرب بماء فإنه يسهل الولادة، وقد جرب مرارا عديدة فصح. وقد ورد في الحديث «مثل المؤمن كالشاة المأبورة» ، أي التي أكلت الإبرة في علفها فنشبت في جوفها، فهي لا تأكل شيئا وإن أكلت لم ينجع فيها. وفيه أيضا «مثل المنافق كالشاة الرابضة بين غنمين» أراد أنها مذبذبة بين قطيعين من الغنم، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.
والرابضة أيضا ملائكة أهبطوا مع آدم ﵊ يهدون الضال ولعله من الإقامة وقال الجوهري: الرابضة حملة الحجة لا تخلو منهم الأرض.
الحكم
: يحل أكلها بالإجماع، وإن أوصى بشاة تناول صغيرة الجثة وكبيرتها، سليمة ومعيبة، ضأنا ومعزا، لصدق الاسم على الجميع.
فرع
: ومن أحكامها في الأضحية، أن الأضحية سنة غير واجبة ولا تصح إلا من النعم، ولا يجزىء من الضأن إلا الجذعة وهي ما لها سنة تامة وشرعت في الثانية على الأصح عند أصحابنا كما تقدم، في باب الجيم، في الجذعة. ومن المعز إلا الثنية، وهي التي شرعت في السنة الثالثة. ويشترط أن تكون سليمة من كل عيب يضر باللحم، فلا تجزىء العجفاء، ولا العوراء،
стр. 580
ولا المريضة، ولا العرجاء، ولا الجرباء، ولا مكسورة القرن، ولا مقطوعة الأذن، ولا التي لم يخلق لها أذن، وفي مشقوقة الأذن وجهان: قاله في العباب، وإذا لم تجزىء العوراء، فالعمياء أولى. وأما العمش وضعف البصر، من إحدى العينين، أو كلتيهما، فلا يمنع الإجزاء وقال الروياني: إن غطى على الناظر بياض وأذهب بعضه دون بعض، فإن ذهب الأكثر لم تجز التضحية بها، وإن ذهب الأقل، جازت. وفي العشواء، وهي التي تبصر نهارا لا ليلا، وجهان: الأصح الإجزاء. وقد ورد النهي عن التولاء، وهي المجنونة، وهي التي تستدبر المرعى ولا ترعى إلا قليلا. فتهزل. وأما مقطوعة الأذن فينظر فإن لم يبن منها شيء بل بقي طرفها متدليا، لم يمنع على الأصح. وقال القفال: إنها لا تجزىء. وإن أبين فإن كان كثيرا بالإضافة إلى الأذن فإنها لا تجزىء قطعا، وإن كان يسيرا فلا تجزىء على الأصح، لفوات جزء مأكول. قال الإمام: وأقرب ضبط بين القليل والكثير، أنه إن لاح النقص من البعد فكثير، وإلا فقليل.
وقال أبو حنيفة: إن كان المقطوع دون الثلث، لا يمنع الإجزاء ولا يضر الكي وقيل:
وجهان. وتجزىء صغيرة الأذن، ولا تجزىء التي أخذ الذئب مقدارا بينا من فخذها. والمقطوعة الألية لا تجزىء على المذهب وتجزىء الشاة التي خلقت بلا ضرع، أو بلا ألية على الأصح. وقطع بعض الألية والضرع، كقطع كليهما. ولا تجزىء مقطوعة اللسان، والأصح إجزاء المجبوب والخصي، وشذ ابن كج، فحكى في الخصي قولين: وجعل الجديد عدم الإجزاء. وتجزىء التي لا قرن لها، والمكسورة القرن سواء اندمل أم لا على الأصح وجزم المحاملي، في اللباب، بعدم الإجزاء كما تقدم. قال القفال: إلا أن يؤثر ألم الانكسار في اللحم، فيكون كالجرب وذات القرن أفضل. وتجزىء التي ذهب بعض أسنانها.
فائدة
: قال الجوهري: الأضحية فيها أربع لغات أضحية وأضحية بضم الهمزة وكسرها، والجمع أضاحي، وضحية والجمع ضحايا، وأضحاة كأرطاة والجمع أضحى كأرطى، بها سمي يوم الأضحى.
فرع
: النية شرط في الأضحية ويجوز تقديمها على الذبح في الأصح، ولو قال: جعلت هذه الشاة أضحية، فهل يكفي التعيين والقصد دون نية الذبح؟ وجهان أصحهما لا، لأن الأضحية سنة كما تقدم، وهي قربة في نفسها فوجبت النية فيها. واختار الإمام والغزالي الاكتفاء، وإذا قلنا بالاكتفاء فالمستحب تجديد النية.
فرع
: يستحب للمضحي أن يذبح بيده، ويجوز أن يفوض ذبحها إلى غيره، وكل من حلت ذبيحته جاز التفويض إليه. والأولى أن يكون مسلما، وأن يكون فقيها، ليكون عارفا بوقتها وشرائطها، ويجوز استنابة الكتابي، وقال مالك: لا يجوز ويكون ما ذبحه شاة لحم. وحكى الموفق بن طاهر الحنبلي، عن أحمد مثله. ويستحب أن يأكل الثلث ويهدي الثلث ويتصدق بالثلث. وفي قول أن يأكل النصف، ويتصدق بالنصف، فإن أكل الكل معا، فالمذهب أنه يضمن القدر الذي يجزىء فيه، وهو أدنى جزء. وقيل لا يضمن، وقيل يضمن القدر المستحب، وهو الثلث أو النصف، ولا يجوز بيع شيء منها، ولا أن يعطي الجزار منها شيئا أجرة، بل مؤنة الذبح على المضحي كمؤنة الحصاد.
стр. 581
فرع
: اعلم أن العلماء رضي الله تعالى عنهم قالوا: ادخار الأضحية فوق ثلاث منهي عنه.
وهل يجوز أكل الجميع؟ وجهان: أحدهما نعم، وبه قال ابن سريج والأصطخري وابن القاص واختاره ابن الوكيل لأنه يجوز أكل أكثرها، فيجوز أكل جميعها، وحيازة الثواب تحصل بإراقة الدم لقصد النية، ونسب ابن القاص هذا الوجه إلى النص، وحكاه الموفق الحنبلي عن أبي حنيفة، وأصح الوجهين أنه لا بد من التصدق بقدر ما يطلق عليه الاسم.
فرع
: لو قال جعلت هذه الشاة أضحية أو نذر أن يضحي بشاة بعينها، زال ملكه عنها ولا ينفذ تصرفه فيها ببيع ولا هبة ولا إبدال، ولو بجزء منها وعن الشيخ أبي علي وجه أنه لا يزول الملك عنها حتى تذبح ويتصدق بلحمها، كما لو قال: لله عليّ أن أعتق هذا العبد لا يزول ملكه عنه إلا بإعتاقه وعند أبي حنيفة، أنه لا يزول الملك عنها ولا يجوز بيعها، ولا إبدالها ولو نذر العتق في عبد بعينه لا يجوز بيعه وإبداله، وإن لم يزل الملك عنه. وقال أبو حنيفة ﵀: يجوز بيعه وإبداله، فلو باعها فإنها تسترد إذا كانت العين باقية، فإن أتلفها المشتري أو تلفت عنده فعليه القيمة من يوم القبض إلى يوم التلف. فلو ذبح رجلان، كل واحد منهما أضحية الآخر، بغير إذنه، ضمن كل واحد منهما ما بين القيمتين، أو أجزأت عن الأضحية.
فرع
: قال المحاملي: وتنحر الإبل وتذبح الغنم فإن نحر كلها، أو ذبح كلها جاز، وموضع النحر في السنة والاختيار اللبة، وموضع الذبح أسفل مجامع اللحيين، وكمال الذبح أن يقطع الحلقوم والمريء والودجين، وأقل ما يجزىء في الذكاة، أن يبين الحلقوم والمريء انتهى.
فرع
: لو ولدت الأضحية الواجبة، ذبح ولدها معها، سواء كانت معينة أو في الذمة بعد ما عين، وله أن يشرب من لبنها ما يفضل عن ولدها، قاله القاضي أبو سعيد الهروي.
الأمثال
: قالوا «١» : «كل شاة برجلها معلقة» . أول من قال ذلك: وكيع «٢» بن سلمة بن زهير بن إياد، وكان قد ولي أمر البيت، بعد جرهم، فبنى صرحا بأسفل مكة، وجعل فيه أمة يقال لها حزورة وبه سميت الحزورة التي بمكة. وجعل في الصرح سلّما، وكان يزعم أنه يرقاه فيناجي فيه ربه تعالى. وكان ينطق بكثير من الخير، وكان علماء العرب يقولون: إنه من الصديقين، فلما حضرته الوفاة جمع أولاده وقال لهم اسمعوا وصيتي: من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة برجلها معلقة. فأرسل مثلا أي كل أحد يجزى بعمله وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
«٣» .
الخواص
: جلد الشاة، إذا أخذ حين يسلخ، وألبس للمضروب بالسياط، نفعه وسكن ألمه.
الشامرك:
الفتي من الدجاج قبل أن يبيض بأيام قلائل. قاله في المرصع، وكنيته أبو يعلى، وهو معرب الشاه مرغ، ومعناه ملك الطير.
стр. 582
الشاهين
: جمعه شواهين وشياهين، وليس بعربي، لكن تكلمت به العرب. قال «١» الفرزدق:
حمى لم يحطّ عنه سريع ولم يخف ... نويرة يسعى بالشياهين طائرة
ويروى بالشواهين وقال عبد الله بن المبارك «٢» :
قد يفتح المرء حانوتا لمتجره ... وقد فتحت لك الحانوت بالدين
بين الأساطين حانوت بلا غلق ... تبتاع بالدين أموال المساكين
صيّرت دينك شاهينا تصيد به ... وليس يفلح أصحاب الشواهين
وقد تقدمت له أبيات، في باب الباء الموحدة، في البازي، تشبه هذه. ومن كلامه: تعلمنا العلم للدنيا، فدلنا على ترك الدنيا. والشاهين ثلاثة أنواع: شاهين وقطامي وأنيقي. والشاهين في الحقيقة من جنس الصقر، إلا أنه أبرد منه وأيبس مزاجا، ولأجل ذلك تكون حركته من العلو إلى السفل شديدة، ولهذا ينقض على سيده انقضاضا من غير تحريم، وعنده جبن وفتور، وهو مع ذلك شديد الضراوة على الصيد ولأجل ذلك ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. وعظامه أصلب من عظام سائر الجوارح وبعضهم يقول الشاهين كاسمه يعني الميزان، لأنه لا يتحمل أدنى حال من الشبع، ولا أيسر حال من الجوع، والمحمود من صفاته أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين، رحب الصدر، ممتلىء الزور، عريض الوسط، جليد الفخذين، قصير الساقين، قليل الريش، رقيق الذنب إذا صلب عليه جناحيه، لم يفضل عنه منهما شيء، فإذا كان كذلك، صاد الكركي وغيره. ويقال: إن أول من صاد به قسطنطين، وكانت الشواهين ريضت له، وعلمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظله من الشمس، وكانت تنحدر مرة وترتفع أخرى، فإذا ركب وقفت حوله إلى أن ركب يوما، فثار طائر من الأرض، فانقض عليه بعض الشواهين، فأخذه فأعجبه ذلك وضراه على الصيد.
وحكمه
: يأتي في باب الصاد المهملة، إن شاء الله تعالى، في الصقر.
ومن الرسائل التي كتبتها قديما للأخ فارس الدين شاهين، وأنا بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام:
سلام كما فاحت بروض أزاهر ... يضيء كما لاحت بأفق زواهر
إذا عبقت كتبي به قال قائل ... أفي طيها نشر من المسك عاطر
إلى فارس الدين الذي قد ترحلت ... لخدمة خدام مصر الأكابر
إذا عدّ خدام الملوك جميعهم ... فبينهم ذكر لشاهين طائر
стр. 583
وعندي اشتياق نحوه وتلفت ... إليه وقلبي بالمودة عامر
تمنيت جهدي أن أراه بحضرة ... معظمة أقطارها وهو حاضر
وأدعو له في كلّ وقت مشرف ... وكلّ زمان فضله متواتر
وفي مسجد عال كريم معظم ... له شرف في سائر الأرض سائر
يقبل الأرض التي لها بشاهين علو النسرين، وجود المرزمين، قصرت عقاب الجو عن مطارها، والعنقاء ذات الحسن عن محاسن أخبارها، وطائرها الميمون صراح، وحامل بطائق سعدها، منشور الجناح، يعترف أبو الصقر لشاهينها، والبزاة وإن استقرت على يمين الملوك لتمكينها، طالما تصيدت الملوك بإحسانها، ونشرت جناحا طار إلى أفق المعالي ومكانها، وينهي أن له إلى مولانا أشواقا غالبه، وعينا برؤيته في تلك البقاع الشريفة مطالبه، وأدعية له عليها في كل وقت مواظبه، ويذكر إجسان مولانا، ويصفه فما أولانا بذكر ما أولانا، وكيف لا يجوز صدقا قصب السبق وهي فارسية، ويطير حائما على أفق العلا فضله وهو ذو نسبة شاهينيه، والمملوك يتذكر صدقاته وإحسانه في كل أوقاته، على أن المخدوم مازال يستبق الخيرات، ويسارع إلى جبر القلوب بأنواع المسرات، ويبذل معروفه إلى البعيد والقريب، ويرسل جوده الذي ما زال يلبي دعوة الداعي ويجيب، فأدام الله على مولانا سوابغ نعمه، وعمه بإحسانه العميم بمنه وكرمه. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الصقر ذكر أبي الصقر المشار إليه.
وتعبيره
: يأتي في الصقر، إن شاء الله تعالى أيضا.
الشبب:
الثور المسن وكذلك الشبوب والمشب.
الشّبث:
بالتحريك العنكبوت. قال في المحكم: هي دويبة لها ست قوائم طوال، صفراء الظهر، وظهور القوائم سوداء الرأس، زرقاء العينين، وقيل: دويبة كثيرة الأرجل، عظيمة الرأس، واسعة الفم، مرتفعة المؤخر، تحرث الأرض، وهي التي تسمى شحمة الأرض. والجمع أشباث وشبثان. وقال الجوهري: الشبث، بالتحريك، دويبة كثيرة الأرجل ولا تقل شبث بإسكان الباء الموحدة. والجمع شبثان مثل خرب وخربان.
وحكمها
: تحريم الأكل لأنها من الحشرات.
الشّبثان:
بكسر الشين المعجمة، وبالباء الموحدة ثم الثاء المثلثة ثم نون في آخره، ذكر ابن قتيبة، في أدب الكاتب، أنها دويبة تكون في الرمل، سميت بذلك لتشبثها بما دبت عليه. قال الشاعر:
مدارك شبثان لهن لهيم
وحكمها
: تحريم الأكل لأنها من الحشرات التي لا تؤكل.
الشّبدع:
العقرب والجمع الشبادع بكسر الشين والدال غير المعجمة، حكاه أبو عمرو والأصمعي.
стр. 584
وفي الحديث «١» : «من عض على شبدعه، سلم من الآثام» . أي على لسانه أي سكت، ولم يخض مع الخائضين ولم يلسع به الناس لأن العاض على لسانه، لا يتكلم، فشبه اللسان بالعقرب الضارة.
الشّبربص:
كسفرجل: الجمل الصغير.
الشّبل:
ولد الأسد، إذا أدرك الصيد، والجمع أشبال وشبول.
الشبوة:
العقرب والجمع شبوات قال الراجز:
قد جعلت شبوة تزبئر ... تكسو أستها لحما وتقمطر
الشبّوط:
كسفود ضرب من السمك. قال الليث: والسبوط بالسين المهملة لغة فيه، وهو دقيق الذنب، عريض الوسط، لين المس، صغير الرأس، وهذا النوع قليل الإناث، كثير الذكور، فهو قليل البيض، بسبب ذلك.
وذكر بعض الصيادين أنه ينتهي إلى الشبكة، فلا يستطيع الخروج منها، فيعلم أنه لا ينجيه إلا الوثوب، فيتأخر قدر رمح ثم يهمز فيثب، فربما كان وثوبه في الهواء أكثر من عشرة أذرع، فيخرق الشبكة ويخرج منها. ولحمه كثير جدا وهو كثير بدجلة.
الشّجاع:
بالضم والكسر، الحية العظيمة التي تثب على الفارس والراجل، وتقوم على ذنبها، وربما بلغت رأس الفارس، وتكون في الصحاري، روي أن مالك بن أدهم، خرج يتصيد فلما صار إلى بلد قفر ومعطش، ومعه جماعة من أصحابه، طلبوا الماء فلم يقدروا عليه، فنزل وضربت له خيمة، وأمر أصحابه أن يطلبوا الماء والصيد، فخرجوا في طلبهما فأصابوا ضبا، فأتوه به، فقال: اشووه ولا تنضجوه، ومصوه مصا لعلكم تنتفعون به، ففعلوا ذلك، ثم أثاروا شجاعا، وأرادوا قتله، فدخل على مالك خيمته فقال: قد استجار بي فأجيروه، ففعلوا ذلك، ثم خرج هو وأصحابه في طلب الماء، فإذا هاتف يهتف بهم وهو يقول:
يا قوم يا قوم لا ماء لكم أبدا ... حتى تحثوا المطايا يومها التعبا
وسددوا يمنة فالماء عن كثب ... ماء غزير وعين تذهب الوصبا «٢»
حتى إذا ما أخذتم منه حاجتكم ... فاسقوا المطايا ومنه فاملؤوا القربا
فأخذ هو وأصحابه في الجهة التي نعتها الهاتف لهم في شعره، فإذا هم بعين غزيرة، فسقوا منها إبلهم، وتزودوا فلما فعلوا ذلك لم يروا للعين أثرا، وإذا بهاتف يهتف بهم ويقول:
يا مال عني جزاك الله صالحة ... هذا وداع لكم مني وتسليم
لا تزهدن في اصطناع العرف من أحد ... إنّ امرأ يحرم المعروف محروم
الخير يبقى وإن طالت مغيبته ... والشرّ ما عاش منه المرء مذموم.
стр. 585
وفي الصحيحين، عن جابر وأبي هريرة وابن مسعود، رضي الله تعالى عنهم أن النبي ﷺ قال «١» :
«ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان، يفر منه وهو يتبعه حتى يطوقه في عنقه» . وفي رواية مسلم «يتبعه فاتحا فاه، فإذا أتاه فر منه، فيناديه خذ كنزك الذي خبأته فإذا رأى أنه لا بد له منه سلك يده في فيه، فيقضمها قضمة الفحل، ثم يأخذ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ
» «٢» : والأقرع الذي تمعط رأسه وأبيض من السم. والزبيبتان الريشتان من جانبي فمه من كثرة السم ويكون مثلهما في شدقي الإنسان عند كثرة الكلام، وقيل نكتتان في عينيه، وما هو بهذه الصفة من الحيات، هو أشد أذى. وقيل هما نابان يخرجان من فيه ويقضمها بفتح الضاد أي يأكلها، والقضم بأطراف الأسنان والخضم بالفم كله، وقيل: القضم أكل اليابس والخضم أكل الرطب، وتزعم العرب أن الرجل إذا طال جوعه يعرض له في البطن حية يسمونها الشجاع والصفر. قال أبو خراش «٣» يخاطب امرأته:
أرد شجاع البطن لو تعلمينه ... وأوتر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح وأنثني ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
أراد بالأول الطعام، وبالثاني ما يشتهى منه، والغبوق الشرب بالعشي، والمزلج من الرجال الناقص الذوق الضعيف. وقال «٤» الشاعر:
فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لناباه الشجاع لصمّما
هذه لغة بني الحارث بن كعب، وهي إبقاء ألف التثنية في حالتي النصب والخفض، وهو مذهب الكوفيين ومنه قوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ
«٥» .
وتعبيره في الرؤيا
يدل على ولد جسور، أو امرأة بازلة.
الشحرور:
كسحنون طائر أسود فوق العصفور، يصوت أصواتا، قاله ابن سيده وغيره، وما أحسن ما قال الشيخ العلامة علاء الدين الباجي، ووفاته سنة أربع عشرة وسبعمائة: (دو بيت)
بالبلبل والهزار والشحرور ... يكسى طربا قلب الشجي المغرور
فانهض عجلا وانهب من اللذة ما ... جادت كرما به يد المقدور
وقد أجاد القائل في وصفه حيث قال «٦» :
وروضة أزهرت أغصانها وشدت ... أطيارها وتولّت سقيها السحب
стр. 586
وظلّ شحرورها الغريد تحسبه ... أسيودا زامرا مزماره ذهب
وما أحسن قوله أسيود! وهو تصغير أسود، وقال آخر وأجاد:
له في خدّه الوردي خال ... يدور به بنفسج عارضيه
كشحرور تخبأ في سياج ... مخافة جارح من مقلتيه
وحكمه
: كالعصفور، وسيأتي إن شاء الله تعالى
وتعبيره
: في الرؤيا يدل على رجل من كتاب السلطان نحوي أديب وربما دل على الولد الذكي الفصيح أو على صبي المكتب والله أعلم.
شحمة الأرض:
دويبة إذا مسها الإنسان تجمعت وصارت مثل الخرزة. وقال القزويني، في الأشكال: إن شحمة الأرض تسمى بالخراطي وهي دودة طويلة حمراء، توجد في المواضع الندية.
وقال الزمخشري، في ربيع الأبرار: إنها دويبة منقطة بحمرة، كأنها سمكة بيضاء، يشبه بها كف المرأة. وقال هرمس: إنها دابة صغيرة طيبة الريح، لا تحرقها النار، وتدخل في النار من جانب وتخرج من جانب.
الخواص
: من طلي بشحمها لم تضره النار ولو دخل فيها وإذا أخذت، شحمة الأرض وجففت وسقي منها قدر درهم للمرأة التي تعسرت ولادتها فإنها تلد من ساعتها. وقال القزويني:
إذا شويت وأكلت بالخبز فتتت الحصا من المثانة وتجفف وتطعم لصاحب اليرقان فإنها تذهب صفرته. ورمادها يخلط بدهن، ويطلى به رأس الأقرع، ينبت الشعر ويزيل القرع.
وحكمها وتعبيرها
: كالدود، وقد تقدم في باب الدال المهملة، أنها غير مأكولة لأنها من الخبائث.
الشذا:
بفتح الشين والذال المعجمة ذباب الكلب، وقد يقع على البعير. الواحدة شذاة.
الشران:
شبيه بالبعوض يغشى وجوه الناس.
الشّرشق:
الشقراق.
الشرشور:
كعصفور طائر مثل العصفور أغبر على لطافة الحمرة، قاله ابن سيده وقد تقدم في باب الباء أنه أبو براقش.
وحكمه
: حل الأكل لأنه داخل في عموم العصافير.
الشرغ:
والشرغ الضفدع الصغير وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في لفظ الضفدع، في باب الضاد المعجمة.
الشرنبي:
كحبنطي طائر معروف يعرفه الأعراب.
الشصر:
بالتحريك ولد الظبية وكذلك الشاصر قاله أبو عبيدة.
стр. 587
الشعراء:
بفتح الشين وكسرها، وبالعين المهملة الساكنة، ذباب أزرق أو أحمر، يقع على الإبل والحمير والكلاب، فيؤذيها أذى شديدا. وقيل: ذباب كذباب الكلب. وفي السيرة أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ بنزولهم، استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول، ولم يدعه قبلها قط فاستشاره فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا دخل علينا إلا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا! فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقامو بشر مجلس، وإن دخلوا علينا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. فأعجب رسول الله ﷺ هذا الرأي، وقال بعض أصحابه: يا رسول الله اخرج بنا إلى هذه الأكلب، لا يرون أنّا جبنا عنهم وضعفنا، فقال رسول الله ﷺ : «إني رأيت في منامي بقرا تذبح، فأولتها خيرا، ورأيت في ذباب سيفي ثلما، فأولتها هزيمة، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، فافعلوا» .
وكان رسول الله ﷺ يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة، فيقاتلوا في الأزقة، فقال رجال من المسلمين، ممن فاتهم يوم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى اعداء الله يا رسول الله. فدخل رسول الله ﷺ بيته ولبس لأمته، فلما رأوه قد لبس السلاح، ندموا وقالوا:
بئسما صنعتم، نشير على رسول الله ﷺ ، والوحي يأتيه! فقالوا: اصنع ما رأيت يا رسول الله، واعتذروا. فقال رسول الله ﷺ : «لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمته فيضعها حتى يقاتل» «١» . وكان قد أقام المشركون بأحد الأربعاء والخمسين، فخرج إليهم رسول الله ﷺ ، يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، فأصبح بالشّعب من أحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان أصحابه سبعمائة رجل فجعل عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير ﵄ على الرماة، وكانوا خمسين رجلا، وقال ﵊: «أقيموا بأصل الجبل، وانضحوا عنا بالنبل، حتى لا يأتونا من خلفنا، وإن كانت لنا أو علينا فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» .
فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنهما، ومعهما النساء يضربن بالدفوف، ويقلن الأشعار، فقاتلوا حتى حميت الحرب، فأخذ رسول الله ﷺ سيفا وقال: «من يأخذ هذا بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني» ؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة رضي الله تعالى عنه، فلما أخذه اعتم بعمامة حمراء، وجعل يتبختر فقال رسول الله ﷺ : «إنها لمشية يبغضها الله تعالى إلا في هذا الموضع» ، ففلق به هام المشركين. وحمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين، فهزموهم. فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة الغنيمة، والله لتأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم، صرفت وجوههم، وقال الزبير بن العوام: فلما نظرت الرماة إلى القوم وقد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون الغنيمة، أقبلوا يريدون النهب، فلما رأى خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه
стр. 588
قلة الرماة، واشتغال الناس بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين، ثم حمل على أصحاب رسول الله ﷺ من خلفهم فهزمهم، و «رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته، وهشم أنفه وشجه في وجهه، فأثخنه وتفرق عنه أصحابه، ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة ليعلوها وكان ﷺ قد ظاهر بين درعين، فلم يستطع النهوض، فجلس تحته طلحة رضي الله تعالى عنه، فنهض ﷺ حتى استوى عليها» «١» . ووقفت هند والنسوة معها يمثلن بالقتلى، يجدعن الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد، وأعطتها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة رضي الله تعالى عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها وأقبل عبد الله بن قمئة، يريد قتل النبي ﷺ ، فذب عنه مصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه، صاحب راية رسول الله ﷺ فقتله ابن قمئة، وهو يرى أنه قتل رسول الله ﷺ ، فرجع وقال: إني قتلت محمدا! وصاح صائح: ألا إن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصائح كان إبليس، فانكفأ الناس وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس إلى عبادة الله تعالى، فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، وأصيبت يد طلحة رضي الله تعالى عنه، فيبست حين وقى بها رسول الله ﷺ ، وأصيبت عين قتادة رضي الله تعالى عنه يومئذ، حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله ﷺ مكانها فكانت أحسن ما كانت.
فلما انصرف رسول الله ﷺ ، أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد! فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله ﷺ : «دعوه» حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم، فرق ذرة أقتلك عليها، فيقول رسول الله ﷺ : «بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلما دنا منه يوم أحد، وهو راكب فرسه، تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، وانتفض بها انتفاضة، فتطايرنا عنه تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض، وطعنه في عنقه طعنة خدشته خدشة غير كبيرة، فتدهده بها عن فرسه، وهو يخور كما يخور الثور، ويقول: قتلني محمد، فحمله أصحابه، وأتوابه قريشا وقد حقد الدم واحتقن، فقالوا: لا بأس عليك، فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال: أنا أقتلك؟ فو الله لو بصق عليّ بعد تلك المقالة قتلني، لم يلبث إلا يوما واحدا. ومات عدو الله بموضع يقال له سرف. وقال فيه حسان بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه «٢» :
لقد ورث الضّلالة عن أبيه ... أبى حين بارزه الرسول
أتيت إليه تحمل رمّ عظم ... وتوعده وأنت به جهول
وقد قال ﷺ : «أشد الناس عذابا من قتل نبيا أو قتله نبي» «٣» ، لأنه من المعلوم أن النبي لا يقتل أحدا ولا يتفق ذلك إلا في شر الخلق.
стр. 589
الشغواء:
بفتح الشين وسكون الغين المعجمة وبالمد العقاب سميت بذلك لفضل منقارها الأعلى على الأسفل قال الشاعر:
شغوا بوطن بين الشيق والنيق
الشفدع:
الضفدع الصغير حكاه ابن سيده.
الشفنين:
كاليشنين بكسر الشين المعجمة وهو متولد بين نوعين مأكولين. وعده الجاحظ في أنواع الحمام. وبعضهم يقول: الشفنين هو الذي تسميه العامة اليمام، وصوته في الترنم، كصوت الرباب، وفيه تحزين، وجمعه شفانين وتحسن أصواتها إذا اختلطت. ومن طبعه أنه إذا فقد أنثاه لم يزل أعزب إلى أن يموت، وكذلك الأنثى إذا فقدت ذكرها، وإذا سمن سقط ريشه، ويمتنع من السفاد. ومن طبعه إيثار العزلة وعنده نفور واحتراس من أعدائه.
وحكمه
: حل الأكل بالاجماع.
الخواص
: لحم الشفنين حار يابس ولذلك ينبغي أن لا يؤكل من هذا النوع إلا الصغار والمخاليف. والدم المتولد عنه حار يابس، والدهن الكثير يعدله وأكل بيضه بزيت، يزيد في الباه، وزبله، إذا ديف بدهن ورد، وتحملت به المرأة نفع من وجع الأرحام، ومن طلى إحليله بدمه وجامع امرأته، لم يقدر عليها سواه، وإن مات لم تتزوج. ومما ينفع الرمد في العين والورم، أن يقطر فيها شفنين حار أو دم حمامة ويوضع على العين من خارج قطنة مبلولة ببياض بيض، مع شيء من دهن الورد، فإنه نافع مجرب.
الشق:
بالكسر، قال القزويني: هو من المتشيطنة صورته صورة نصف آدمي، ويزعمون أن النسناس مركب من الشق ومن الآدمي، ويظهر للإنسان في أسفاره. وذكروا أن علقمة بن صفوان بن أمية خرج في بعض الليالي، فانتهى إلى موضع فعرض له شق فقال علقمة: يا شق ما لي ولك اغمد عني منصلك أتقتل من لا يقتلك؟ فقال شق: هيت لك واصبر لما قد حم لك، فضرب كل واحد منهما صاحبه، فوقع ميتا. وأما شق وسطيح الكاهنان، فكان شق إنسان، له يد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة، وكان سطيح ليس له عظم ولا بنان، إنما كان يطوى مثل الحصير. ولد شق وسطيح في اليوم الذي ماتت فيه طريفة الكاهنة، امرأة عمرو بن عامر، ودعت بسطيح في اليوم الذي ماتت فيه، قبل أن تموت، فأتيت به فتفلت في فيه، وأخبرت أن سيخلفها في علمها وكهانتها. وكان وجهه في صدره ولم يكن له رأس ولا عنق. ودعت بشق، ففعلت به مثل ذلك ثم ماتت وقبرها بالجحفة.
وذكر الحافظ أبو الفرج بن الجوزي، أن خالد بن عبد الله الفهري، كان من ولد شق هذا.
وفي سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق أن مالك بن نصر اللخمي «١» ، رأى رؤيا هالته،
стр. 590
فبعث إلى جميع الكهان والسحرة والمنجمين من رعيته، فاجتمعوا إليه فقال: إني رأيت رؤيا هالتني، وفظعت منها! فقالوا: قصها علينا نخبرك بتأويلها! فقال لهم: إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم في تأويلها، ولست أصدق في تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها. فقال بعضهم لبعض: إن هذا الذي يرومه الملك لا يجده إلا عند شق وسطيح! فلما أخبروه بذلك، أرسل الملك من أتاه بهما، فسأل سطيحا فقال: أيها الملك إنك رأيت جمجمة خرجت من ظلمة، فأكلت كل ذات جمجمة! فقال الملك: ما أخطأت شيئا فما عندك في تأويلها؟ فقال سطيح: احلف بما بين الحرتين من حنش، ليهبطن أرضكم الحبش، وليملكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك:
وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى يكون ذلك أفي زماني أم بعده؟ فقال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. قال الملك:
ومن الذي يلي ذلك؟ من قتلهم إخراجهم؟ قال: يليه ابن ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدا منهم باليمن. قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع. قال: ومن يقطعه؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من ربه العلي، قال: وممن هذا النبي؟ قال: من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر «١» ، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر. فقال الملك: وهل للدهر من آخر يا سطيح؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيؤون. فقال الملك: أحق ما تقول يا سطيح؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والقمر إذا اتسق، إن ما أخبرتكم به لحق.
ثم إن الملك أحضر شقا فسأله كما سأل سطيحا فقال له شق: إنك رأيت جمجمة خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة، فأكلت كل ذات نسمة. فلما سمع الملك مقالة شق، قال له: ما أخطأت شيئا. فما عندك في تأويلها؟ فقال شق: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، وليغلبن على كل طفلة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران. فقال الملك:
وأبيك يا شق، إن ذلك لنا لغائظ مؤلم! فمتى يكون ذلك، أفي زماني أم بعده؟ فقال: بل بعده بزمان. ثم يستنقذكم منه عظيم الشأن، ويذيقهم أشد الهوان. فقال الملك: من هو العظيم الشان؟ قال: غلام من غلمان اليمن، يخرج من بيت ذي يزن. فقال الملك: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول، هو خاتم الرسل، يأتي بالحق والعدل بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل. فقال الملك: وما يوم الفصل؟ فقال شق: يوم يجزى فيه الولاة، ويدعى من السماء دعوات، يسمعها الأحياء والأموات، ويجمع الناس فيه للميقات، فيفوز فيه الصالحون بالخيرات. فقال الملك: أحق ما تقول يا شق؟ قال: أي ورب السماء والأرض وما بينهما، من رفع وخفض، إن ما أنبأتكم به لحق ماله من نقض. فوقع ذلك في نفس الملك، لما رأى من تطابق شق وسطيح، على ما ذكراه. فجهز أهل بيته إلى الحيرة فرقا من سلطان الحبشة.
وروي عنه، أنه لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ ، ارتجس فيها إيوان كسرى،
стр. 591
وسقط منه أربع عشرة شرافة، فجزع كسرى أنوشروان من ذلك وتطير، ورأى أن لا يكتمه عن زعماء مملكته، فأحضر موبذموبذان، وهو رئيس حكمائهم، وعنه يأخذون نواميس شرائعهم، وأحضر الموابذة، وهم القضاة، والهرابذة وهم كالخلفاء للموابذة، والأصبهبذ، وهو حافظ الجيوش وأمير الأمراء، وأحضر بزر جمهر مداره، وهو الوزير الأعلى، والمرازبة وهم حفظة الثغور وولاة المملكة، وأخبرهم بما كان من ارتجاس الإيوان وسقوط ما سقط من شرفاته.
فقال رئيس الموابذة: إني رأيت في المنام، كأن إبلا تقود خيلا قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلاد فارس. وأخبره في ذلك الوقت قومه بالنار وخمودها تلك الليلة. فهاله ومن حضر مجلسه، ذلك واستعظموه ولم يظهر لهم وجهه، ففزعوا وتفرقوا عن الملك يتروّون فيه.
ووافت البرد إلى كسرى، من جميع جهات ممالكه، تخبر بخمود النيران تلك الليلة، ووافاه الخبر بأن بحيرة ساوة قد غاض ماؤها فجمع زعماء دينه ورؤساء سلطانه، فأطلعهم على ما انتهى إليه من ذلك كله، وسألهم عما عندهم فيه؟ فقال موبذموبذان: أما رؤياي، فتدل على حدث عظيم يكون من العرب. فكتب كسرى إلى النعمان بن المنذر، يأمره أن يبعث إليه أعلم من في أرضه من العرب، فبعث إليه عبد المسيح بن عمرو الغساني «١» وكان معمّرا، فلما قدم على كسرى، قال له: هل عندك علم مما أريد أن أسألك عنه؟ قال: يخبرني الملك عما يريد علمه، فإن كان عندي علم منه أخبرته! فقال أنوشروان: إنما أريد من يعلم أمري قبل أن أذكره له! فقال عبد المسيح: هذا علم يعلمه خال لي يسكن بمشارق الشام يقال له سطيح. قال كسرى: فاذهب إليه فانطلق عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح فوجده قد أشفى على الموت فحياه فلم يجبه فقال «٢» عبد المسيح رافعا صوته:
أصمّ أم يسمع غطريف اليمن ... يا صاحب الخطة أعيت من ومن
ففتح سطيح عينيه، وقال: عبد المسيح على جمل مشيح، وافى إلى سطيح، وقد أشفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان، رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، قد قطعت دجلة وانتشرت في بلاد فارس. يا عبد المسيح، إذا ظهرت التلاوة وبعث صاحب الهراوة، وغاضت بحيرة ساوة، لم تكن بابل للفرس مقاما، ولا الشام لسطيح شاما، وسيملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرافات، وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه. فاستوى عبد المسيح على راحلته، وعاد إلى كسرى فأخبره بمقالة سطيح. فقال كسرى: إلى أن يملك منا أربعة عشرة، تكون أمور. فملك منهم عشرة في مدة أربع سنين، وملك الباقون إلى أواخر خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه. انتهى.
وبابل هي بابل العراق، وسميت ببابل لتبلبل الألسن بها، عند سقوط صرح نمرود، أي تفرقها. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: بابل أرض الكوفة، وقيل: جبل دنباوند. وكسرى أول ميت اقتص من قاتله، كما قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الأذكياء، وذلك أن كسرى قال له منجموه: إنك تقتل. فقال: والله لأقتلن قاتلي. فعمد إلى سم ناقع، فوضعه في
стр. 592
حق، وكتب عليه: هذا دواء للباه مجرب صحيح، إذا استعمل منه وزن كذا وكذا انعظ، وجامع كذا وكذا مرة. فلما قتله ابنه، بادر ففتح خزائنه، فوجد ذلك الحق مختوما، فقرأ ما كتب عليه، فقال: بهذا كان كسرى يقوى على مجامعة النساء! ففتحه واستعمل منه ما ذكر، فمات. فهو أول ميت اقتص من قاتله. وقد تقدم في باب الدال المهملة، في الدابة عن كامل بن الأثير، أن كسرى كان له ثلاثة آلاف امرأة وخمسون ألف دابة.
الشقحطب:
كسفرجل، الكبش الذي له أربعة قرون، والجمع شقاحط وشقاطب.
الشقذان:
الحرباء، قاله ابن سيده، والشقذان أيضا الضب والورل والطحن وسام أبرص والدساسة واحدته شقذة.
الشّقراق:
بفتح الشين وكسرها. قاله في المحكم، وابن قتيبة في أدب الكاتب. قال البطليوسي، في الشرح: الكسر في شين الشقراق أقيس، لأن فعلان، بكسر الفاء، موجود في أبنية الأسماء نحو طرماح وشنقار، وفعلان بفتح الفاء، مفقود فيها. قال: وبكسر الشين قرأناه في الغريب للمصنف، وهكذا حكاه الخليل وذكر أن فيه ثلاث لغات: شقراق بكسر الشين وإسكان القاف، وشقراق بفتح الشين وإسكان القاف، وشقراق بضم الشين وإسكان القاف. وربما قالوا شرقراق انتهى.
وهو طائر صغير يسمى الأخيل، وهو أخضر مليح، بقدر الحمامة، وخضرته حسنة مشبعة، وفي أجنحته سواد، والعرب تتشاءم به. وله مشتى ومصيف، وهو كثير ببلاد الروم والشام وخراسان ونواحيها، ويكون مخططا بحمرة وخضرة وسواد، وفي طبعه شره وشراسة وسرقة فراخ غيره. وهو لا يزال متباعدا من الإنس، ويألف الرّوابي ورؤوس الجبال، لكنه يحضن بيضه في العمران العوالي، التي لا تنالها الأيدي. وعشه شديد النتن، وقال شارح الغنيمة والجاحظ: إنه نوع من الغربان، وفي طبعه العفة عن السفاد، وهو كثير الاستغاثة، إذا ضاربه طائر ضربه وصاح كأنه المضروب.
الحكم
: جزم الروياني والبغوي بتحريم أكله لاستخباثه، ونقله الرافعي عن الصيمري.
وممن قال بالتحريم: العجلي، شارح غنية ابن سريج، وجزم بتحريمه وتحريم العقعق الماوردي، في الحاوي، وعلل بأنهما مستخبثان عند العرب، وهو قول الأكثرين، وقال بعض الأصحاب بحله.
الأمثال
: قالوا: «أشأم من الأخيل وهو الشقراق» «١» .
الخواص
: إذا كان الذهب ناقص العيار، يذاب ويفرغ عليه من مرارته، فإنه يحمر ويزداد عياره، كما لو أفرغ عليه من مرارة الثعلب فإنه ينقص عياره، وإذا اتخذ من مرارته خضاب سود الشعر. ولحمه حار ظاهر الحرارة وفيه زهومة قوية، إلا أنه يحلل الرياح الغليظة التي تكون في الأمعاء.
стр. 593
التعبير
: هو في الرؤيا امرأة حسناء ذات جمال والله أعلم.
الشمسية:
قال أبو حيان التوحيدي: إنها حية حمراء براقة، إذا كبرت وأصابها وجع العين وعميت، التمست حائطا يقابل الشرق، فإذا طلعت الشمس أحدت إليها بصرها قدر ساعة، فإذا دخل شعاع الشمس عينها، كشط عنها العمى والإظلام ولا تزال كذلك سبعة أيام حتى تجد بصرها تاما، وغيرها منه الحيات إذا عمي أيضا طلب شجر الرازيانج الأخضر فيكتحل به فيبرأ كما تقدم.
الشنقب:
كقنفذ ضرب من الطير معروف.
شه:
قال ابن سيده: هو طائر يشبه الشاهين، يأخذ الحمام وليس هو، ولفظه أعجمي.
الشهام:
السعلاة، قاله الجوهري وغيره. وقد تقدم لفظ السعلاة في باب السين المهملة.
الشهرمان:
نوع من طير الماء قصير الرجلين أبلق اللون أصغر من اللقلق، وفي بعض كتب الغريب، أنه نوع من الطير.
الشوحة:
قال ابن الصلاح، في الفتاوي: إنها الحدأة، وقد تقدم ذكرها في باب الحاء المهملة.
الشوف:
القنفذ، وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب القاف.
الشوشب:
القمل والعقرب والنمل وسيأتي ذكر كل واحد منها في بابه.
الشوط:
ضرب من السمك وليس هو الشبوط. قاله الجوهري.
شوط براح:
هو ابن آوى، قاله الجوهري، قال: ويقال للهباء، الذي يرى في ضوء الكوة: شوط باطل.
الشول:
النوق التي جف لبنها، وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة، وهو جمع على غير قياس. تقول منه: تشولت الناقة بالتشديد، أي صارت شائلة. وفي المثل: «لا يجتمع فحلان في شول» وتمثل به عبد الملك بن مروان عند قتله عمرو بن سعيد الأشدق «١» ، والمعنى ينظر إلى قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
«٢» . وهناك ذكره الزمخشري في الكشاف. وسيأتي، إن شاء الله تعالى للشول ذكر في باب الفاء عند ذكر الفحل.
شولة:
من أسماء العقرب سميت بذلك لما تشوله من ذنبها، وهي شوكتها وسيأتي لفظها، وما فيه إن شاء الله تعالى في باب العين المهملة.
стр. 594
الشيخ اليهودي:
قال أبو حامد والقزويني، في عجائب المخلوقات: إنه حيوان وجهه كوجه الإنسان، وله لحية بيضاء وبدنه كبدن الضفدع، وشعره كشعر البقر وهو في حجم العجل، يخرج من البحر ليلة السبت فيستمر حتى تغيب الشمس ليلة الأحد، فيثب كما يثب الضفدع، ويدخل الماء فلا تلحقه السفن.
الحكم
: هو داخل في عموم السمك كما تقدم.
الخواص
: ذكروا أن جلده إذا وضع على النقرس أزال وجعه في الحال.
الشيذمان:
بفتح الشين وضم الذال المعجمة، الذئب، وقد تقدم في باب الذال المعجمة.
الشيصبان:
ذكر النمل.
الشيع:
كالبيع، ولد الأسد، وقد تقدم في باب الهمزة.
الشيم:
ضرب من السمك قال الشاعر:
قل لطغام الأزد لا تبطروا ... بالشيم والجريث والكعند «١»
الشيهم:
كالضيغم، ذكر القنافذ قال الأعشى «٢» :
لئن جد أسباب العداوة بيننا ... لترتحلن مني على ظهر شيهم
قال الأصمعي: الشهام السعلاة.
فائدة
: قال أبو ذؤيب الهذلي الشاعر: بلغنا أن رسول الله ﷺ عليل، فاستشعرت حزنا وبت بأطول ليلة، لا ينجاب ديجورها ولا يطلع نورها، فبت أقاسي طولها، حتى إذا كان وقت السحر أغفيت فهتف بي هاتف وهو يقول «٣» :
خطب أجلّ ناخ بالإسلام ... بين النخيل ومعقد الآطام
قبض النبيّ محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالأسجام
قال أبو ذؤيب: فوثبت من منامي فزعا فنظرت إلى السماء، فلم أر إلا سعد الذابح، فأولته ذبحا يقع في العرب، وعلمت أن النبي ﷺ قد قبض أو هو ميت من علته. فركبت ناقتي وسرت فلما أصبحت طلبت شيئا أزجر به، فعرض لي شيهم قد قبض على صل، يعني حية، فهي تلتوي عليه، والشيهم يقضمها حتى أكلها، فزجرت ذلك وقلت: شيهم شيء هم والتواء الصل تلوي الناس عن الحق على القائم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أولت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعد رسول الله ﷺ ، ثم أولت أكل الشيهم إياها غلبة القائم بعد رسول الله ﷺ على الأمر، فحثثت
стр. 595
ناقتي حتى إذا كنت بالغابة، زجرت الطائر، فأخبرني بوفاته ﷺ ونعب غراب سانح، فنطق بمثل ذلك فتعوذت بالله من شر ما عن لي في طريقي.
فقدمت المدينة ولها ضجيج بالبكاء، كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: ما الخبر؟ قالوا: قبض رسول الله ﷺ صلى الله عليه، فجئت إلى المسجد، فوجدته خاليا فأتيت بيت رسول الله ﷺ ، فوجدت بابه مرتجا أي مغلقا، وقيل هو مسجى وقد خلا به أهله، فقلت: أين الناس؟ فقيل: في سقيفة بني ساعدة صاروا إلى الأنصار. فجئت إلى السقيفة فأصبت أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح وجماعة من قريش، ورأيت الأنصار فيهم سعد بن عبادة، وفيهم شعراؤهم حسان بن ثابت وكعب بن مالك فأويت إلى قريش، وتكلمت الأنصار فأطالوا الخطاب وأطالوا الجواب. وتكلم أبو بكر، فلله دره من رجل لا يطيل الكلام ويعلم مواضع فصل الخطاب، والله لقد تكلم بكلام لا يسمعه سامع إلا انقاد له ومال إليه. ثم تكلم عمر رضي الله تعالى عنه بدون كلامه، ثم قال لأبي بكر: مد يدك أبايعك! فمد يده فبايعه، وبايعه الناس، ورجع أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ورجعت معه. قال أبو ذؤيب: فشهدت الصلاة على النبي ﷺ وشهدت دفنه.
أبو شبقونة:
بضم الشين وسكون الباء الموحدة وضم القاف وبعدها نون، قال في المرصع:
إنه طائر يكون مع الحمر والنعم يأكل الذباب والله أعلم.
باب الصاد المهملة
الصؤابة:
بالهمزة، بيضة القملة والجمع صؤاب وصئبان، والعامة تخففه فتقول صيبان، والصواب الهمز. قال ابن السكيت: يقال: في رأسه صؤابة، والجمع صئبان بالهمز وقد صيب رأسه بالياء المثناة، تحت المخففة، وقال الجاحظ: قال اياس بن معاوية: الصيبان ذكور القمل، وهو من الشيء الذي يكون ذكوره أصغر من إناثه، كالزراريق والبزاة فالبزاة هي الإناث والزراريق الذكور وليس فيه ذكر شيء من الصؤاب انتهى.
وروى خيثمة بن سليمان، في مسنده، في آخر الجزء الخامس عشر، عن جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنه قال: قال «١» رسول الله ﷺ : «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته مثقال صؤابة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال صؤابة دخل النار» قيل: يا رسول الله فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال ﷺ :
«أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون» .
الحكم
: قال الشافعي: حكم الصئبان حكم القمل للمحرم، إذا قتل منه شيئا يستحب أن يتصدق ولو بلقمة، وجزم في الروضة بأنه بيض القمل كما قاله الجوهري وغيره وقد تقدم في السلحفاة البحرية، أن التسريح بمشط الذبل يذهب الصئبان لخاصية فيه.
الأمثال
: قالوا «٢» : «يعد فيّ مثل الصؤاب وفي عينيه مثل الجرّة» قال الميداني: يضرب لمن يلومك في قليل ما كثر فيه من العيوب وأنشد الرياشي:
стр. 596
ألا أيّها ذا اللائمي في خليقتي ... هل النفس فيما كان منك تلوم
فكيف ترى في عين صاحبك القذى ... وتنسى قذى عينيك وهو عظيم «١»
الصارخ:
الديك، روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن مسروق، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن عمل رسول الله ﷺ . فقالت: كان يحب الدائم. قال: قلت: أي حين كان ﷺ يصلي؟ قالت: «كان إذا سمع الصارخ قام يصلي» «٢» . قال النووي: الصارخ هنا الديك، باتفاق العلماء، وسمي بذلك، لكثرة صياحه في الليل. قال أبو حامد، في الإحياء:
وهذا الوقت يكون سدس الليل فما دونه.
الصافر:
ويقال أيضا: الصفارية طائر معروف من أنواع العصافير، ومن شأنه أنه إذا أقبل الليل، يأخذ بغصن شجرة ويضم عليه رجليه، وينكس رأسه، ثم لا يزال يصيح حتى يطلع الفجر، ويظهر النور. قال القزويني: إنما يصيح خوفا من السماء أن تقع عليه. وقال غيره:
الصافر التنوط الذي تقدم في باب التاء المثناة فوق، وأنه إن كان له وكر جعله كالخريطة، وإن لم يكن له وكر، شرع يتعلق بالأغصان كما ذكرنا.
وحكمه
: حل الأكل لأنه من أنواع العصافير.
الأمثال
: قالوا: «أجبن وأحير من صافر» «٣» . وأما قولهم: «ما في الدار صافر «٤» » ، فقال أبو عبيدة والأصمعي: معناه مفعول به، كما قيل: ماء دافق، وسر كاتم، أي مدفوق ومكتوم. وقال غيرهما: ما بها أحد يصفر.
التعبير
: الصافر تدل رؤيته على الحيرة والاختفاء والركون إلى ذوي الأقدار، خوف العدو، لأنه يقال في المثل: «أحير من صافر» ، كما تقدم.
الصدف:
من حيوانات البحر، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا أمطرت السماء فتحت الصدف أفواهها، وهو غلاف اللؤلؤ، الواحدة صدفة. والصوادف الإبل التي تأتي والإبل على الحوض، فتقف عند أعجازها تنتظر انصراف الشاربة، لتدخل هي. ومنه قول الراجز:
الناظرات العقب الصوادف
ومن خواص اللؤلؤ، أنه يذهب الخفقان ويزيل داء المرة السوداء، ويصفي دم القلب والكبد، ويجلو البصر، ولهذا يجعل في الأكحال. وإذا حل حتى يصير ماء رجراجا وطلي به البهق أذهبه من أول طلية لا غير.
وأما رؤيته في المنام
، فهو على وجوه كثيرة: فإنه يدل على غلمان وجوار وولدان، ومال وكلام حسن، فمن رأى أنه يثقب لؤلؤا ثقبا مستويا، فإنه يفسر القرآن صوابا، ومن رأى اللؤلؤ بيده
стр. 597
منثورا، فإنه يبشر بغلام، إن كان له امرأة حامل، فإن لم يكن له حامل، فإنه يملك غلاما لقوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
«١» . ومن رأى أنه يقلع لؤلؤا ويبيعه، فإنه ينسى القرآن، فإن باعه من غير قلع، فإنه يثبت عملا في الناس. ومن رأى أنه ينثر لؤلؤا فيلقطه الناس، فإنه يعظ الناس وينفعهم وعظه، ومن رأى بيده لؤلؤة يبشر بولد ذكر، فإن لم يكن له حامل، اشترى جارية، وإن كان أعزب، تزوج. ومن رأى أنه استخرج من بحر لؤلؤا كثيرا، يكال ويوزن بالقبان، فإنه ينال مالا كثيرا من رجل ينسب إلى البحر. وقال جاماسب: من رأى أنه يعد لؤلؤا نال مشقة، ومن أعطي اللؤلؤ نال رياسة، ومن رأى اللؤلؤ فإنه ينال سرورا. والعقد من اللؤلؤ يدل على امرأة ذات حسن وجمال وقد يكون العقد من اللؤلؤ عقد نكاح.
الخواص
: قال القزويني: الصدف ينفع وجع النقرس والمفاصل ضمادا، وإذا سحق بالخل قطع الرعاف، ولحمه ينفع من عضة الكلب، ومحرقه يجلو الأسنان استياكا. وفي الأكحال ينفع من قروح العين، وإذا طلي به موضع الشعر الزائد في الجفن، بعد نتفه، منع نباته. وينفع من حرق النار وإذا شد منه قطعة صافية على صبي، نبتت أسنانه بلا وجع اهـ.
وقال غيره: الصدف الذي يتدور في جوفه حيوان وله غطاء على رأسه، يشبه الحجر، إذا سحق وذر على وجه النائم ثبت ولم يتحرك زمانا طويلا، وهو أسلم من البنج، ومما يحبس الرعاف أن يؤخذ الصدف، ويسحق مع جاوشير، ويعمل منه ضماد ويجعل على الأنف.
وأما رؤيته في المنام
فمن رأى بيده صدفا فإنه يصدف عن شيء عزم عليه ويبطله خيرا كان أو شرا.
الصدى:
طائر معروف، تقول العرب إنه يخلق من رأس المقتول، يصيح في هامة المقتول، إذا لم يؤخذ بثأره، يقول: اسقوني اسقوني حتى يقتل قاتله، ولذلك قيل له: صاد والصادي العطشان، والصدى ذكر البوم والجمع أصداء، ويقال له: ابن الجبل، وابن طود، وبنات رضوى. وقال العديس العبدي: الصدى الطائر الذي يصر بالليل ويقفز قفزا، ويطفر والناس يرونه، الجندب، وإنما هو الصدى فأما الجندب فإنه أصغر من الصدى، والصدى صوت يرجع من الصوت إذا خرج ووجد ما يحبسه. وقد تقدم في بابي الباء الموحدة والزاي قول «٢» صاحب ليلى الأخيلية:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... علي ودوني جندل وصفائح «٣»
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
والصدى هو الصوت الذي يحيبك من الجبال وغيرها. ولأبي المحاسن بن الشواء «٤» في شخص لا
стр. 598
يكتم السر وقد أجاد فيه:
لي صديق غدا وإن كان لا ينطق ... إلا بغيبة أو محال
أشبه الناس بالصّدى إن تحدّثه ... حديثا أعاده في الحال
يقال: صم صداه وأصم الله صداه أي أهلكه الله لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا، فيجيبه. ومنه قول الحجاج لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: إياك أعني أصم الله صداك.
روي عن علي بن زيد جدعان، أن أنسا رضي الله تعالى عنه، دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي الجائر المبير، فقال له الحجاج: إيه يا خبيث شيخا جوالا في الفتن، مع أبي تراب مرة، ومع ابن الزبير أخرى، ومع ابن الأشعث مرة، ومع ابن الجارود أخرى، أما والله لأجردنك جرد الضب، ولأقلعنك قلع الصمغة، ولأعصبنك عصب السلمة «١» ، العجب من هؤلاء الأشرار، أهل البخل والنفاق. فقال أنس رضي الله تعالى عنه: من يعني الأمير؟ فقال: إياك أعني، أصم الله صداك.
قال علي بن زيد: فلما خرج أنس من عنده قال: أما والله لولا ولدي لأجبته. ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان بما كان من الحجاج إليه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا، وأرسله مع إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، فقدم على الحجاج وبدأ بأنس فقال له: إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك، وأعظم ذلك، وأنا لك ناصح إن الحجاج لا يعدله عند أمير المؤمنين أحد، وقد كتب إليه أن يأتيك، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك فتخرج من عنده وهو لك معظم، وبحقك عارف. ثم أتى الحجاج، فأعطاه كتاب عبد الملك، فقرأه فتمعر وجهه، وأقبل يمسح العرق عن وجهه ويقول: غفر الله لأمير المؤمنين، ما كنت أراه يبلغ مني هذا! قال إسماعيل: ثم رمى بالكتاب إليّ وهو يظن أني قرأته، ثم قال: اذهب بنا إليه، يعني أنسا، فقلت:
لا بل يأتيك أصلحك الله! فأتيت أنسا رضي الله تعالى عنه، فقلت: اذهب بنا إلى الحجاج، فأتاه فرحب به، وقال: عجلت باللائمة يا أبا حمزة، إن الذي كان مني إليك، كان عن غير حقد، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون لله عليهم سلطان، يقيم حجته، ومع هذا، فأنا أردت أن يعلم منافقو أهل العراق وفساقهم، إني متى أقدمت عليك، فهم علي أهون وأنا إليهم أسرع، ولك عندنا العتبى حتى ترضى.
فقال أنس: ما عجلت باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة، وحتى شمت بنا الأشرار وقد سمانا الله الأنصار، وزعمت أنا أهل بخل، ونحن المؤثرون على أنفسهم، وزعمت أنا أهل نفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق، باستحلالك مني ما حرم الله عليك، وبيننا وبينك الله حكم هو أرضى للرضا، وأسخط للسخط، إليه جزاء العباد، وثواب أعمالهم، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فو الله إن النصارى على شركهم وكفرهم، لو رأوا رجلا قد خدم عيسى عليه
стр. 599
السلام يوما واحدا، لأكرموه وعظموه! فكيف لم تحفظ لي خدمتي رسول الله ﷺ عشر سنين! فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك منك، وإن يكن غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالفرج.
قال: وكان كتاب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، حتى عدوت طورك، وأيم الله يا ابن المستنثرة «١» بعجم الزبيب، لقد هممت أن أضغمك «٢» ضغمة كضغمات الليوث للثعالب، وأخبطك خبطة تود أنك زاحمت مخرجك من بطن أمك، قد بلغني ما كان منك إلى أنس بن مالك، وأظنك أردت أن تختبر أمير المؤمنين، فإن كان عنده غيرة وإلا أمضيت قدما، فلعنة الله عليك وعلى آبائك، أخفش العينين، ممسوح الحاجبين، أحمش الساقين «٣» ، نسيت مكان آبائك بالطائف، وما كانوا عليه من الدناءة واللؤم، إذ يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم، وينقلون الحجارة على ظهورهم. فإذا أتاك كتابي هذا وقرأته، فلا تلقه من يدك حتى تلقى أنسا بمنزله، واعتذر إليه، وإلا بعث إليك أمير المؤمنين، من يسحبك ظهرا لبطن، حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك ولن يخفى على أمير المؤمنين نبأك، ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون.
فلا تخالف كتاب أمير المؤمنين، وأكرم أنسا وولده، وإلا بعثت إليك من يهتك سترك، ولشمت بك عدوك والسلام.
توفي أنس رضي الله تعالى عنه سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين بالبصرة، وهو آخر الصحابة موتا بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الصّرّاخ:
ككتان: الطاوس، وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الطاء المهملة.
صرّار الليل:
الجدجد وقد تقدم لفظه، في باب الجيم، وهو أكبر من الجندب، وبعض العرب يسميه الصدى.
الصّرّاح:
كرمان، طائر معروف عند العرب يؤكل.
الصّرد:
كرطب، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو مهمل الحروف، على وزن جعل، وكنيته أبو كثير وهو طائر، فوق العصفور يصيد العصافير، والجمع صردان، قاله النضر بن شميل، وهو أبقع ضخم الرأس، يكون في الشجرة. نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم، يعني أصابعه عظيمة لا يرى إلا في سعفة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد، وهو شرس النفس شديد النفرة، غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف، يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعوا إليه، شد على بعضهم وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قده من ساعته، وأكله، ولا يزال هذا دأبه. ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع، وأعالي الحصون.
فائدة
: نقل الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في المدهش، في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ
«٤» الآية، عن ابن عباس والضحاك، ومقاتل ﵃، قالوا: إن
стр. 600
موسى ﷺ ، لما أحكم التوراة وعلم ما فيها، قال في نفسه: لم يبق في الأرض أحد أعلم مني، من غير أن يتكلم مع أحد، فرأى في منامه كأن الله تعالى أرسل السماء بالماء، حتى غرق ما بين المشرق والمغرب، فرأى قناة على البحر، فيها صردة، فكانت الصردة تجيء للماء الذي غرق الأرض، فتنقل الماء بمنقارها، ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبريل، فقال:
ما لي أراك يا موسى كئيبا! فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله، فلم يبق في الأرض من هو أعلم منك، وإن لله تعالى عبدا علمك في علمه، كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها، فدفعته في البحر. فقال: يا جبريل من هذا العبد؟ قال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب، يعني إبراهيم الخليل ﷺ ، فقال: من أين أطلبه؟ قال: اطلبه من وراء هذا البحر. فقال:
من يدلني عليه؟ قال. بعض زادك. قالوا: فمن حرصه على لقياه لم يستخلف على قومه، ومضى لوجهه، وقال لفتاه يوشع بن نون: هل أنت موازري؟ قال: نعم. قال: اذهب فاحمل لنا زادا، فانطلق يوشع، فاحتمل أرغفة وسمكة مالحة عتيقة، ثم سارا في البحر، حتى خاضا وحلا وطينا، ولقيا تعبا ونصبا، حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر، خلف بحر أرمينية، يقال لتلك الصخرة قلعة الحرس، فأتياها فانطلق موسى ليتوضأ، فاقتحم مكانا، فوجد عينا من عيون الجنة، في البحر، فتوضأ منها وانصرف، ولحيته تقطر ماء.
وكان ﵊ حسن اللحية، ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته، فوقعت قطرة منها على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر، فسارت وصار مجراها في البحر سربا يبسا، ونسي يوشع ذكر السمكة، فلما جاوزا، قال موسى لفتاه آتِنا غَداءَنا
«١» الآية فذكر له أمر السمكة، فقال له:
ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما، فأوحى الله تعالى إلى الماء فجمد، وصار سربا على قامة موسى وفتاه، فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر وسار، فسار مسيره لهما جادة، فسلكاها فناداهما مناد من السماء، أن دعا الجادة فإنها طريق الشياطين إلى عرش ابليس، وخذا ذات اليمين، فأخذا ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة، وعندها مصلى، فقال موسى ﵇: ما أحسن هذا المكان! ينبغي أن يكون للعبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر ﵇، حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضراء، قالوا: وإنما سمي الخضر، لأنه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء. فقال موسى ﵊:
السلام عليك يا خضر. فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل. فقال: ومن أدراك من أنا؟ قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان، وما قصه القرآن العظيم انتهى.
وقد تقدم ذكرهما أيضا في باب الحاء المهملة في الحوت، ونقلنا الخلاف في اسم الخضر ونسبه ونبوته، قال القرطبي: ويقال له الصرد الصوام.
روينا في معجم عبد الغني بن قانع، عن أبي غليظ أمية بن خلف الجمحي، قال: رآني
следующие страницы →