Полный текст (1 095 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ألا أيّها ذا اللائمي في خليقتي ... هل النفس فيما كان منك تلوم
فكيف ترى في عين صاحبك القذى ... وتنسى قذى عينيك وهو عظيم «١»
الصارخ:
الديك، روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن مسروق، قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن عمل رسول الله ﷺ . فقالت: كان يحب الدائم. قال: قلت: أي حين كان ﷺ يصلي؟ قالت: «كان إذا سمع الصارخ قام يصلي» «٢» . قال النووي: الصارخ هنا الديك، باتفاق العلماء، وسمي بذلك، لكثرة صياحه في الليل. قال أبو حامد، في الإحياء:
وهذا الوقت يكون سدس الليل فما دونه.
الصافر:
ويقال أيضا: الصفارية طائر معروف من أنواع العصافير، ومن شأنه أنه إذا أقبل الليل، يأخذ بغصن شجرة ويضم عليه رجليه، وينكس رأسه، ثم لا يزال يصيح حتى يطلع الفجر، ويظهر النور. قال القزويني: إنما يصيح خوفا من السماء أن تقع عليه. وقال غيره:
الصافر التنوط الذي تقدم في باب التاء المثناة فوق، وأنه إن كان له وكر جعله كالخريطة، وإن لم يكن له وكر، شرع يتعلق بالأغصان كما ذكرنا.
وحكمه
: حل الأكل لأنه من أنواع العصافير.
الأمثال
: قالوا: «أجبن وأحير من صافر» «٣» . وأما قولهم: «ما في الدار صافر «٤» » ، فقال أبو عبيدة والأصمعي: معناه مفعول به، كما قيل: ماء دافق، وسر كاتم، أي مدفوق ومكتوم. وقال غيرهما: ما بها أحد يصفر.
التعبير
: الصافر تدل رؤيته على الحيرة والاختفاء والركون إلى ذوي الأقدار، خوف العدو، لأنه يقال في المثل: «أحير من صافر» ، كما تقدم.
الصدف:
من حيوانات البحر، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا أمطرت السماء فتحت الصدف أفواهها، وهو غلاف اللؤلؤ، الواحدة صدفة. والصوادف الإبل التي تأتي والإبل على الحوض، فتقف عند أعجازها تنتظر انصراف الشاربة، لتدخل هي. ومنه قول الراجز:
الناظرات العقب الصوادف
ومن خواص اللؤلؤ، أنه يذهب الخفقان ويزيل داء المرة السوداء، ويصفي دم القلب والكبد، ويجلو البصر، ولهذا يجعل في الأكحال. وإذا حل حتى يصير ماء رجراجا وطلي به البهق أذهبه من أول طلية لا غير.
وأما رؤيته في المنام
، فهو على وجوه كثيرة: فإنه يدل على غلمان وجوار وولدان، ومال وكلام حسن، فمن رأى أنه يثقب لؤلؤا ثقبا مستويا، فإنه يفسر القرآن صوابا، ومن رأى اللؤلؤ بيده
стр. 597
منثورا، فإنه يبشر بغلام، إن كان له امرأة حامل، فإن لم يكن له حامل، فإنه يملك غلاما لقوله تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ
«١» . ومن رأى أنه يقلع لؤلؤا ويبيعه، فإنه ينسى القرآن، فإن باعه من غير قلع، فإنه يثبت عملا في الناس. ومن رأى أنه ينثر لؤلؤا فيلقطه الناس، فإنه يعظ الناس وينفعهم وعظه، ومن رأى بيده لؤلؤة يبشر بولد ذكر، فإن لم يكن له حامل، اشترى جارية، وإن كان أعزب، تزوج. ومن رأى أنه استخرج من بحر لؤلؤا كثيرا، يكال ويوزن بالقبان، فإنه ينال مالا كثيرا من رجل ينسب إلى البحر. وقال جاماسب: من رأى أنه يعد لؤلؤا نال مشقة، ومن أعطي اللؤلؤ نال رياسة، ومن رأى اللؤلؤ فإنه ينال سرورا. والعقد من اللؤلؤ يدل على امرأة ذات حسن وجمال وقد يكون العقد من اللؤلؤ عقد نكاح.
الخواص
: قال القزويني: الصدف ينفع وجع النقرس والمفاصل ضمادا، وإذا سحق بالخل قطع الرعاف، ولحمه ينفع من عضة الكلب، ومحرقه يجلو الأسنان استياكا. وفي الأكحال ينفع من قروح العين، وإذا طلي به موضع الشعر الزائد في الجفن، بعد نتفه، منع نباته. وينفع من حرق النار وإذا شد منه قطعة صافية على صبي، نبتت أسنانه بلا وجع اهـ.
وقال غيره: الصدف الذي يتدور في جوفه حيوان وله غطاء على رأسه، يشبه الحجر، إذا سحق وذر على وجه النائم ثبت ولم يتحرك زمانا طويلا، وهو أسلم من البنج، ومما يحبس الرعاف أن يؤخذ الصدف، ويسحق مع جاوشير، ويعمل منه ضماد ويجعل على الأنف.
وأما رؤيته في المنام
فمن رأى بيده صدفا فإنه يصدف عن شيء عزم عليه ويبطله خيرا كان أو شرا.
الصدى:
طائر معروف، تقول العرب إنه يخلق من رأس المقتول، يصيح في هامة المقتول، إذا لم يؤخذ بثأره، يقول: اسقوني اسقوني حتى يقتل قاتله، ولذلك قيل له: صاد والصادي العطشان، والصدى ذكر البوم والجمع أصداء، ويقال له: ابن الجبل، وابن طود، وبنات رضوى. وقال العديس العبدي: الصدى الطائر الذي يصر بالليل ويقفز قفزا، ويطفر والناس يرونه، الجندب، وإنما هو الصدى فأما الجندب فإنه أصغر من الصدى، والصدى صوت يرجع من الصوت إذا خرج ووجد ما يحبسه. وقد تقدم في بابي الباء الموحدة والزاي قول «٢» صاحب ليلى الأخيلية:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... علي ودوني جندل وصفائح «٣»
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
والصدى هو الصوت الذي يحيبك من الجبال وغيرها. ولأبي المحاسن بن الشواء «٤» في شخص لا
стр. 598
يكتم السر وقد أجاد فيه:
لي صديق غدا وإن كان لا ينطق ... إلا بغيبة أو محال
أشبه الناس بالصّدى إن تحدّثه ... حديثا أعاده في الحال
يقال: صم صداه وأصم الله صداه أي أهلكه الله لأن الرجل إذا مات لم يسمع الصدى منه شيئا، فيجيبه. ومنه قول الحجاج لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: إياك أعني أصم الله صداك.
روي عن علي بن زيد جدعان، أن أنسا رضي الله تعالى عنه، دخل على الحجاج بن يوسف الثقفي الجائر المبير، فقال له الحجاج: إيه يا خبيث شيخا جوالا في الفتن، مع أبي تراب مرة، ومع ابن الزبير أخرى، ومع ابن الأشعث مرة، ومع ابن الجارود أخرى، أما والله لأجردنك جرد الضب، ولأقلعنك قلع الصمغة، ولأعصبنك عصب السلمة «١» ، العجب من هؤلاء الأشرار، أهل البخل والنفاق. فقال أنس رضي الله تعالى عنه: من يعني الأمير؟ فقال: إياك أعني، أصم الله صداك.
قال علي بن زيد: فلما خرج أنس من عنده قال: أما والله لولا ولدي لأجبته. ثم كتب إلى عبد الملك بن مروان بما كان من الحجاج إليه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا، وأرسله مع إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، مولى بني مخزوم، فقدم على الحجاج وبدأ بأنس فقال له: إن أمير المؤمنين قد أكبر ما كان من الحجاج إليك، وأعظم ذلك، وأنا لك ناصح إن الحجاج لا يعدله عند أمير المؤمنين أحد، وقد كتب إليه أن يأتيك، وأنا أرى أن تأتيه فيعتذر إليك فتخرج من عنده وهو لك معظم، وبحقك عارف. ثم أتى الحجاج، فأعطاه كتاب عبد الملك، فقرأه فتمعر وجهه، وأقبل يمسح العرق عن وجهه ويقول: غفر الله لأمير المؤمنين، ما كنت أراه يبلغ مني هذا! قال إسماعيل: ثم رمى بالكتاب إليّ وهو يظن أني قرأته، ثم قال: اذهب بنا إليه، يعني أنسا، فقلت:
لا بل يأتيك أصلحك الله! فأتيت أنسا رضي الله تعالى عنه، فقلت: اذهب بنا إلى الحجاج، فأتاه فرحب به، وقال: عجلت باللائمة يا أبا حمزة، إن الذي كان مني إليك، كان عن غير حقد، ولكن أهل العراق لا يحبون أن يكون لله عليهم سلطان، يقيم حجته، ومع هذا، فأنا أردت أن يعلم منافقو أهل العراق وفساقهم، إني متى أقدمت عليك، فهم علي أهون وأنا إليهم أسرع، ولك عندنا العتبى حتى ترضى.
فقال أنس: ما عجلت باللائمة حتى تناولت مني العامة دون الخاصة، وحتى شمت بنا الأشرار وقد سمانا الله الأنصار، وزعمت أنا أهل بخل، ونحن المؤثرون على أنفسهم، وزعمت أنا أهل نفاق ونحن الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبل، وزعمت أنك اتخذتني ذريعة لأهل العراق، باستحلالك مني ما حرم الله عليك، وبيننا وبينك الله حكم هو أرضى للرضا، وأسخط للسخط، إليه جزاء العباد، وثواب أعمالهم، ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فو الله إن النصارى على شركهم وكفرهم، لو رأوا رجلا قد خدم عيسى عليه
стр. 599
السلام يوما واحدا، لأكرموه وعظموه! فكيف لم تحفظ لي خدمتي رسول الله ﷺ عشر سنين! فإن يكن منك إحسان شكرنا ذلك منك، وإن يكن غير ذلك صبرنا إلى أن يأتي الله بالفرج.
قال: وكان كتاب عبد الملك إلى الحجاج: أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، حتى عدوت طورك، وأيم الله يا ابن المستنثرة «١» بعجم الزبيب، لقد هممت أن أضغمك «٢» ضغمة كضغمات الليوث للثعالب، وأخبطك خبطة تود أنك زاحمت مخرجك من بطن أمك، قد بلغني ما كان منك إلى أنس بن مالك، وأظنك أردت أن تختبر أمير المؤمنين، فإن كان عنده غيرة وإلا أمضيت قدما، فلعنة الله عليك وعلى آبائك، أخفش العينين، ممسوح الحاجبين، أحمش الساقين «٣» ، نسيت مكان آبائك بالطائف، وما كانوا عليه من الدناءة واللؤم، إذ يحفرون الآبار في المناهل بأيديهم، وينقلون الحجارة على ظهورهم. فإذا أتاك كتابي هذا وقرأته، فلا تلقه من يدك حتى تلقى أنسا بمنزله، واعتذر إليه، وإلا بعث إليك أمير المؤمنين، من يسحبك ظهرا لبطن، حتى يأتي بك أنسا، فيحكم فيك ولن يخفى على أمير المؤمنين نبأك، ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون.
فلا تخالف كتاب أمير المؤمنين، وأكرم أنسا وولده، وإلا بعثت إليك من يهتك سترك، ولشمت بك عدوك والسلام.
توفي أنس رضي الله تعالى عنه سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وتسعين بالبصرة، وهو آخر الصحابة موتا بها رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الصّرّاخ:
ككتان: الطاوس، وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الطاء المهملة.
صرّار الليل:
الجدجد وقد تقدم لفظه، في باب الجيم، وهو أكبر من الجندب، وبعض العرب يسميه الصدى.
الصّرّاح:
كرمان، طائر معروف عند العرب يؤكل.
الصّرد:
كرطب، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو مهمل الحروف، على وزن جعل، وكنيته أبو كثير وهو طائر، فوق العصفور يصيد العصافير، والجمع صردان، قاله النضر بن شميل، وهو أبقع ضخم الرأس، يكون في الشجرة. نصفه أبيض ونصفه أسود، ضخم المنقار، له برثن عظيم، يعني أصابعه عظيمة لا يرى إلا في سعفة أو شجرة، لا يقدر عليه أحد، وهو شرس النفس شديد النفرة، غذاؤه من اللحم وله صفير مختلف، يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته، فيدعوه إلى التقرب منه، فإذا اجتمعوا إليه، شد على بعضهم وله منقار شديد، فإذا نقر واحدا قده من ساعته، وأكله، ولا يزال هذا دأبه. ومأواه الأشجار ورؤوس القلاع، وأعالي الحصون.
فائدة
: نقل الإمام العلامة أبو الفرج بن الجوزي، في المدهش، في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ
«٤» الآية، عن ابن عباس والضحاك، ومقاتل ﵃، قالوا: إن
стр. 600
موسى ﷺ ، لما أحكم التوراة وعلم ما فيها، قال في نفسه: لم يبق في الأرض أحد أعلم مني، من غير أن يتكلم مع أحد، فرأى في منامه كأن الله تعالى أرسل السماء بالماء، حتى غرق ما بين المشرق والمغرب، فرأى قناة على البحر، فيها صردة، فكانت الصردة تجيء للماء الذي غرق الأرض، فتنقل الماء بمنقارها، ثم تدفعه في البحر، فلما استيقظ الكليم هاله ذلك، فجاءه جبريل، فقال:
ما لي أراك يا موسى كئيبا! فأخبره بالرؤيا، فقال: إنك زعمت أنك استغرقت العلم كله، فلم يبق في الأرض من هو أعلم منك، وإن لله تعالى عبدا علمك في علمه، كالماء الذي حملته الصردة بمنقارها، فدفعته في البحر. فقال: يا جبريل من هذا العبد؟ قال: الخضر بن عاميل من ولد الطيب، يعني إبراهيم الخليل ﷺ ، فقال: من أين أطلبه؟ قال: اطلبه من وراء هذا البحر. فقال:
من يدلني عليه؟ قال. بعض زادك. قالوا: فمن حرصه على لقياه لم يستخلف على قومه، ومضى لوجهه، وقال لفتاه يوشع بن نون: هل أنت موازري؟ قال: نعم. قال: اذهب فاحمل لنا زادا، فانطلق يوشع، فاحتمل أرغفة وسمكة مالحة عتيقة، ثم سارا في البحر، حتى خاضا وحلا وطينا، ولقيا تعبا ونصبا، حتى انتهيا إلى صخرة ناتئة في البحر، خلف بحر أرمينية، يقال لتلك الصخرة قلعة الحرس، فأتياها فانطلق موسى ليتوضأ، فاقتحم مكانا، فوجد عينا من عيون الجنة، في البحر، فتوضأ منها وانصرف، ولحيته تقطر ماء.
وكان ﵊ حسن اللحية، ولم يكن أحد أحسن لحية منه، فنفض موسى لحيته، فوقعت قطرة منها على تلك السمكة المالحة، وماء الجنة لا يصيب شيئا ميتا إلا عاش، فعاشت السمكة ووثبت في البحر، فسارت وصار مجراها في البحر سربا يبسا، ونسي يوشع ذكر السمكة، فلما جاوزا، قال موسى لفتاه آتِنا غَداءَنا
«١» الآية فذكر له أمر السمكة، فقال له:
ذلك الذي نريده فرجعا يقصان أثرهما، فأوحى الله تعالى إلى الماء فجمد، وصار سربا على قامة موسى وفتاه، فجرى الحوت أمامهما حتى خرج إلى البر وسار، فسار مسيره لهما جادة، فسلكاها فناداهما مناد من السماء، أن دعا الجادة فإنها طريق الشياطين إلى عرش ابليس، وخذا ذات اليمين، فأخذا ذات اليمين حتى انتهيا إلى صخرة عظيمة، وعندها مصلى، فقال موسى ﵇: ما أحسن هذا المكان! ينبغي أن يكون للعبد الصالح، فلم يلبثا أن جاء الخضر ﵇، حتى انتهى إلى ذلك المكان والبقعة، فلما قام عليها اهتزت خضراء، قالوا: وإنما سمي الخضر، لأنه لا يقوم على بقعة بيضاء إلا صارت خضراء. فقال موسى ﵊:
السلام عليك يا خضر. فقال: وعليك السلام يا موسى، يا نبي بني إسرائيل. فقال: ومن أدراك من أنا؟ قال: أدراني الذي دلك على مكاني، فكان من أمرهما ما كان، وما قصه القرآن العظيم انتهى.
وقد تقدم ذكرهما أيضا في باب الحاء المهملة في الحوت، ونقلنا الخلاف في اسم الخضر ونسبه ونبوته، قال القرطبي: ويقال له الصرد الصوام.
روينا في معجم عبد الغني بن قانع، عن أبي غليظ أمية بن خلف الجمحي، قال: رآني
стр. 601
رسول الله ﷺ ، وعلى يدي صرد، فقال ﷺ : هذا أول طير صام، ويروى أنه أول طير صام يوم عاشوراء. وكذلك أخرجه الحافظ أبو موسى. والحديث مثل اسمه غليظ، قال الحاكم: وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين ﵁، رواه عبد الله بن معاوية بن موسى عن أبي غليظ قال: رآني رسول الله ﷺ وعلى يدي صرد، فقال: هذا أول طائر صام عاشوراء. وهو حديث باطل رواته مجهولون.
فائدة
: قيل: لما خرج ابراهيم ﷺ من الشأم، لبناء البيت، كانت السكينة معه والصرد، فكان الصرد دليله على الموضع، والسكينة بمقداره، فلما صار إلى موضع البيت، وقفت السكينة في موضع البيت، ونادت ابن يا ابراهيم على مقدار ظلي. قال جماعة من المفسرين: إن الله تعالى خلق موضع البيت قبل خلق الأرض بألفي عام فكان زبدة بيضاء على الماء، فدحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض، استوحش، فشكا إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى له البيت المعمور، وهو ياقوتة من يواقيت الجنة، له بابان من زبرجد أخضر، باب شرقي وباب غربي، فوضع على موضع البيت، وقال: يا آدم إني أهبطت إليك بيتا تطوف به، كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلى عند عرشي، وأنزل الحجر الأسود، وكان بياضه أشد من اللبن، فاسود من لمس الحيض في الجاهلية، فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا، وقيض الله له ملكا يدله على البيت، فحج آدم البيت وأقام المناسك، فلما فرغ تلقته الملائكة وقالوا: بر حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.
وروي أن آدم ﵇ حج أربعين حجة من الهند إلى مكة ماشيا وكان البيت على ذلك إلى أيام الطوفان، فرفعه الله إلى السماء الرابعة، وبعث جبريل ﵇ فخبأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان موضع البيت خاليا إلى زمن ابراهيم ﵊.
ثم إن الله تعالى أمر ابراهيم بعدما ولد له اسماعيل ﵊ ببناء بيت يذكر فيه، فسأل الله أن يبين له موضعه، فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت، وهي ريح خجوج لها رأسان، شبه الحية، وقيل: الخجوج الريح الشديدة الهفافة البراقة، لها رأس كرأس الهرة وذنب كذنبها، ولها جناحان من در وزبرجد، وعينان لهما شعاع، وقال علي ﵁:
هي ريح خجوج هفافة لها رأسان، ووجه كوجه الانسان، أمر إبراهيم ﵇ أن يبني حيث تستقر السكينة، فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة فتطوقت السكينة على موضع البيت، كتطوق الحية.
قاله علي والحسن ﵄، وقال ابن عباس ﵄: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم ﵇ يمشي في ظلها، إلى أن وافت به مكة المشرفة، ووقفت عند البيت المعظم، فنودي منها إبراهيم ﵇: ابن على ظلها ولا تزد ولا تنقص.
وقيل: أرسل الله جبريل ﵇ فدله على موضع البيت، وقيل كان دليله الصرد، كما تقدم. فكان ابراهيم يبني، واسماعيل يناوله الحجارة، فبناه من خمسة أجبل: طور سينا وطور زيتا ولبنان، وهي جبال بالشام، والجودي، وهو جبل بالجزيرة، وبنيا القواعد من حراء، وهو جبل بمكة،
стр. 602
فلما انتهى ابراهيم إلى موضع الحجر الأسود، قال لابنه اسماعيل: ائتني بحجر حسن يكون للناس علما، فأتاه بحجر، فقال: ائتني بأحسن من هذا، فمضى اسماعيل ينظر حجرا، فصاح أبو قبيس: يا ابراهيم إن لك عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود فوضعه مكانه. وقيل: أول من بنى الكعبة آدم ﵇ واندرس زمن الطوفان، ثم أظهره الله تعالى لإبراهيم حتى بناه فذلك قوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ
«١» يعني أسسه واحدتها قاعدة وقال الكسائي: يعني جدره.
الحكم
: الأصح تحريم أكله، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه عبد الحق، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن قتل النحلة والنملة والهدهد والصرد» «٢» والنهي عن القتل دليل على الحرمة، ولأن العرب تتشاءم بصوته وشخصه. وقيل: إنه يؤكل لأن الشافعي أوجب فيه الجزاء على المحرم، إذا قتله وبه قال مالك. قال الإمام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي «٣» : إنما نهى النبي ﷺ عن قتله، لأن العرب كانت تتشاءم به، فنهى عن قتله ليخلع عن قلوبهم ما ثبت فيها من اعتقادهم الشؤم فيه، لا إنه حرام. وذكره العبادي، في الطبقات أيضا.
عجيبة
: حكى منصور بن الحسين الآبي، في نثر الدرر، أن أعرابيا سافر ابنه ثم أتاه، فقال له أبوه: ما رأيت في طريقك؟ قال: جئت السقاء مرة أشرب، فصاح الصرد فقال: اتركها وإلا فلست بابني! قال: فتركتها. قال: ثم أخذني العطش فأتيت إليها ثانيا فصاح الصرد فقال: اتركها وإلا فلست بابني! قال: فتركتها، ثم زادني العطش فأتيت إليها ثالثا فصاح الصرد فقال: قدها بسيفك وإلا فلست با بني! قال: كذلك فعلت. قال: هل رأيت الحية داخلها؟ قال: نعم قال:
الله أكبر.
قال: وسافر ولد أعرابي ثم أتى إليه فقال: أخبرني ماذا رأيت في طريقك؟ قال: رأيت طائرا على أكمة. فقال الصرد: أطره وإلا لست أباك! قال: فأطرته، قال: ثم ماذا؟ قال: سقط على شجرة فقال: أطره وإلا لست أباك! قال: كذلك فعلت. قال: ثم ماذا؟ قال: سقط على صخرة قال: اقلبها وإلا لست أباك. قال: كذلك فعلت. قال: اعطني سهمي مما وجدت تحتها، وكان تحتها كنز أخذه ولده، فأعطاه سهمه منه.
التعبير
: هو في المنام يدل على رجل مراء يظهر الخشوع نهارا ويفجر ليلا. وقيل: هو من قطاع الطريق يجمع أموالا كثيرة ولا يخالط أحدا.
الصرصر:
ويقال له الصرصار أيضا، حيوان فيه شبه من الجراد، قفاز يصيح صياحا رقيقا، وأكثر صياحه بالليل ولذلك سمي صرار الليل، وهو نوع من بنات وردان عري عن
стр. 603
الأجنحة. وقيل: إنه الجدجد وقد تقدم أن الجوهري فسر الجدجد بصرار الليل، ولا يعرف مكانه إلا بتتبع صوته، وأمكنته المواضع الندية، وألوانه مختلفة فمنه ما هو أسود، ومنه ما هو أزرق، ومنه ما هو أحمر، وهو جندب الصحارى والفلوات.
وحكمه
: تحريم الأكل لاستقذاره.
الخواص
: قال ابن سينا: إنه مع القردمانة نافع من البواسير والنافض، وسموم الهوام ويحرق ويسحق ويضاف إلى الأثمد ويكتحل به، يحد البصر: ومع مرارة البقر ينفع من طرفة العين اكتحالا.
الصرصران:
سمك أملس معروف.
الصعب:
طائر صغير والجمع صعاب.
الصّعوة:
طائر من صغار العصافير، أحمر الرأس وهو بفتح الصاد وإسكان العين المهملتين والجمع صعو. وفي كتاب العين والمحكم صغار العصافير. روى أحمد، في كتاب الزهد، عن مالك بن دينار، أنه كان يقول: الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام، والبط مع البط والصعو مع الصعو والغراب مع الغراب وكل إنسان مع شكله. ومن شعر القاضي أحمد بن محمد الأرجاني «١» بفتح الهمزة وكسر الراء المهملة مع خلاف في تشديدها، وهو شيخ العماد الأصبهاني الكاتب ووفاته في سنة أربع وأربعين وخمسمائة:
لو كنت أجهل ما علمت لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصّعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يتكلم «٢»
ومن شعره أيضا وأجاد «٣» :
أحبّ المرء ظاهره جميل ... لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكلّ هول ... وهل كلّ مودته تدوم
وهذا البيت الأخير يقرأ معكوسا من آخره إلى أوله ولا يتغير شيء من لفظه ولا من معناه. ومن شعره أيضا ﵀:
شاور سواك إذا نابتك نائبة ... يوما وإن كنت من أهل المشورات «٤»
فالعين تلقى كفاحا من دنا ونأى ... ولا ترى نفسها إلا بمرآة
стр. 604
ومن شعره أيضا «١» :
يأبى العذار المستدير بخدّه ... وكمال بهجة وجهه المنعوت
فكأنما هو صولجان زمرد ... متلقف كرة من الياقوت
ويقرب من هذا المعنى، ما حكاه ابن خلكان قال: كان بين العماد الكاتب، تلميذ القاضي الأرجاني وبين القاضي الفاضل محاورات، فمن ذلك أنه لقيه يوما وهو راكب فرسا، فقال له العماد:
سر فلا كبابك الفرس! فقال له الفاضل: دام علا العماد. وهذا أيضا مما يقرأ من آخره إلى أوله، ولا يتغير شيء من لفظه ولا معناه، وروي أنهما اجتمعا يوما في موكب السلطان، وقد انتشر من الغبار ما سد الفضاء فأنشد «٢» العماد الكاتب:
أما الغبار فإنه ... مما أثارته السنابك
والجوّ منه مظلم ... لكن أنار به السنابك
يا دهر لي عبد الرحيم ... فلست أخشى مسّ نابك
وهذا التجنيس في غاية الحسن. توفي العماد في مستهل رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية. وتوفي الفاضل في سابع شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وخمسمائة بالقاهرة، ودفن بتربة بسفح المقطم.
وحكمها وخواصها وتعبيرها
كالعصافير.
الأمثال
: قالوا: «أضعف من صعوة» كما قالوا: «أضعف من وصعة» .
الصّفّارية:
بضم الصاد وتشديد الفاء، طائر يقال له التبشير، وقد تقدم ذكره في باب التاء المثناة فوق.
الصفر:
بفتح الصاد والفاء، قيل: إن الجاهلية، كانت تعتقد، أن في الجوف حية على شراسيفه، والشراسيف أطراف الأضلاع التي تشرف على البطن، يقال لها الصفر، إذا تحركت جاع الإنسان وتؤذيه إذا جاع، وأنها تعدي، فأبطل الإسلام ذلك. روى مسلم عن جابر وأبي هريرة وغيرهما، أن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا غول» «٣» . ومعنى لا عدوى ما يتوهم من تعدي مرض من جرب وحكة وغيرهما من الأمراض، من شخص به ذلك المرض إلى شخص آخر، بسبب مخالطة وغيرها. وفي الحديث الصحيح أن أعرابيا قال للنبي ﷺ :
إنك قلت لا عدوى فما بال الإبل تكون سليمة، حتى يدخل فيها البعير الأجرب فتصبح جربى؟
فقال ﷺ : «فمن أعدى الأول» «٤» فرد ﵊ ما توهمه من تعدي المرض بنفسه.
стр. 605
وأعلمه أن الله تعالى هو المؤثر. وقد تقدم في باب الهمزة، في الأسد، في الكلام على المجذوم قريب من هذا.
ومعنى الطيرة يأتي إن شاء الله تعالى في باب الطاء المهملة المشالة.
وأما الصفر ففيه تأويلان: أحدهما المراد تأخيرهم تحريم المحرم إلى صفر وهو النسيء الذي كانوا يفعلونه وبهذا قال مالك وأبو حنيفة، والثاني أنه الحية التي كانت العرب تعتقد فيها ما تقدم.
قال الإمام النووي: وهذا التفسير هو الصحيح الذي عليه عامة العلماء وقد ذكره مسلم عن جابر ﵁ راوي الحديث فتعين اعتماده، ويجوز أن يكون المراد هذا والأول جميعا وأن الصفرين جميعا باطلان لا أصل لهما والله أعلم.
الصفرد:
بكسر أوله وسكون ثانيه كعربد نقل الميداني عن أبي عبيدة أنه طائر من خساس الطير وفي المثل «١» «أجبن من صفرد» قال الشاعر:
تراه كالليث لدى أمنه ... وفي الوغى أجبن من صفرد
وقال الجوهري: الصفرد طائر تسميه العامة أبا مليح، وفي المرصع أن أبا المليح كنية القبيح، والعندليب، وطائر صغير يقال له الصفرد كالعصفور، وهو داخل في عموم العصافير.
الصقر:
الطائر الذي يصاد به، قاله الجوهري، وقال ابن سيده: الصقر كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، والجمع أصقر وصقور وصقورة وصقار وصقارة. قال سيبويه: إنما جاؤوا بالهاء في مثل هذا الجمع تأكيدا نحو بعولة، والأنثى صقرة والصقر هو الأجدل، ويقال له القطامي، وكنيته أبو شجاع وأبو الأصبع وأبو الحمراء وأبو عمرو وأبو عمران وأبو عوان. قال النووي، في شرح المهذب: قال أبو زيد الأنصاري المروزي: يقال للبزاة والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، واحدها صقر، والأنثى صقرة وزقر، بإبدال الصاد زايا وسقر بإبدالها سينا. وقال الصيدلاني، في شرح المختصر: كل كلمة فيها صاد وقاف ففيها اللغات الثلاث، كالبصاق والبزاق والبساق. وأنكر ابن السكيت بسق وقال: إنما معناه طال، قال الله تعالى: وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ
«٢» أي مرتفعات.
روى «٣» أحمد، في مسنده حدثنا قبيضة قال: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلق الأبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع. قال: فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع إلى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار، فقالت لمن في البيت:
من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن! فجاء داود فإذا الرجل قائم وسط الدار فقال له داود: من أنت؟ قال: أنا الذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب فقال داود: أنت إذن والله ملك الموت، مرحبا بأمر الله، ثم مكث مكانه حتى قبضت روحه، فلما غسل وكفن
стр. 606
وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس، فقال سليمان للطير: أظلي على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض، فقال سليمان للطير: اقبضي جناحا جناحا» .
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير، وقبض رسول الله ﷺ بيده، وغلبت عليه يومئذ المضرحية، انفرد باخراجه الإمام أحمد وإسناده جيد ورجاله ثقات. ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية، أي غلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الأجنحة. واحدها مضرحي. قال الجوهري: وهو الصقر الطويل الجناح. ويوضح هذا المعنى ويبينه ما روي عن وهب بن منبه، أنه قال: إن الناس حضروا جنازة داود ﵇، فجلسوا في الشمس، في يوم صائف، وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب، عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس، فآذاهم الحر فنادوا سليمان ﵇ أن يعمل لهم وقاية عليهم، لما أصابهم من الحر، فخرج سليمان فنادى الطير، فأجابت فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضها إلى بعض من كل وجه، حتى استمسكت الريح، فكاد الناس أن يهلكوا غما، فصاحوا إلى سليمان ﵇ من الغم، فخرج سليمان فنادى الطير أن أظلي الناس من ناحية الشمس وتنحي عن ناحية الريح، ففعلت فكان الناس في ظل، وتهب عليهم الرياح فكان ذلك أول ما رأوه من ملك سليمان ﵇.
فائدة
: قال الضحاك والكلبي: ملك داود ﵇ بعد قتله جالوت سبعين سنة، ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود ﵇، وجمع الله لداود بين الملك والنبوة، ولم يجتمع ذلك لأحد قبله، بل كان الملك في سبط والنبوة في سبط، فذلك قوله «١» تعالى: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ
قيل: العلم مع العمل وكل من علم وعمل فقد أوتي الحكمة وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان داود أشد ملوك الأرض سلطانا، كان يحرس محرابه كل ليلة ستة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله تعالى: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ
«٢» وقال مقاتل: كان سليمان ﵇ أعظم ملكا من داود، وأقضى منه وكان شاكرا لأنعم الله تعالى، وكان داود أشد تعبدا منه.
توفي داود ﵇ وهو ابن مائة سنة، وكان عمر سليمان ﵇ لما وصل إليه الملك ثلاث عشرة سنة ومات وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.
والصقر أحد أنواع الجوارح الأربعة: وهي الصقر والشاهين والعقاب والبازي، وتنعت أيضا بالسباع والضواري والكواسر، والصقر ثلاثة أنواع: صقر وكونج ويؤيؤ، والعرب تسمى كل طائر يصيد صقرا، ما خلا النسر والعقاب، وتسميه الأكدر والأجدل والأخيل، وهو من الجوارح بمنزلة البغال من الدواب، لأنه أصبر على الشدة وأحمل لغليظ الغذاء والأذى وأحسن ألفا وأشد إقداما على جملة الطير من الكركي وغيره. ومزاجه أبرد من سائر ما تقدم ذكره من الجوارح وأرطب، وبهذا السبب يضري على الغزال والأرنب، ولا يضري على الطير، لأنها تفوته وهو أهدأ من البازي نفسا، وأسرع أنسا بالناس وأكثرها قنعا، يغتذي بلحوم ذوات الأربع، ولبرد مزاجه لا يشرب ماء ولو أقام دهرا، ولذلك يوصف بالبخر ونتن الفم. ومن شأنه أنه لا يأوي إلى الأشجار
стр. 607
ولا رؤوس الجبال، إنما يسكن المغارات والكهوف وصدوع الجبال.
وللصقر كفان في يديه، وللسبع كفان في يديه لأنه يكف بهما عما أخذ، أي يمنع وأول من صاد به الحارث بن معاوية بن ثور «١» ، وذلك أنه وقف يوما على صياد وقد نصب شبكة للعصافير، فانقض صقر على عصفور وجعل يأكله، والحارث يعجب منه فأمر به فوضع في بيت ووكل به من يطعمه ويؤدبه ويعلمه الصيد، فبينما هو معه ذات يوم، وهو سائر إذ لاحت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فازداد الحارث به إعجابا، واتخذه العرب بعده.
الصنف الثاني من الصقور الكونج، ونسبته من الصقور، كنسبة الزرق إلى البازي، إلا أنه أحرمه ولذلك هو أخف منه جناحا وأقل بخرا ويصيد أشياء من صيد المياه ويعجز عن الغزال الصغير.
الصنف الثالث من الصقور اليؤيؤ، ويسميه أهل مصر والشام الجلم، لخفة جناحيه وسرعتهما، ولأن الجلم هو الذي يجز به وهو المقص، وهو طائر صغير الذنب، ومزاجه بالنسبة إلى الباشق بارد رطب، لأنه أصبر منه نفسا، وأثقل حركة، ولا يشرب الماء إلا ضرورة، كما يشربه الباشق، إلا أنه أبخر منه، ومزاجه بالنسبة إلى الصقر، حار يابس، ولذلك هو أشجع منه.
ويقال: إن أول من ضراه واصطاد به بهرام جور، وذلك أنه شاهد يؤيؤا يطارد قنبرة ويراوعها ويرتفع وينخفض معها وما تركها إلى أن صادها فأعجبه وأمر به فأدب وصاد به وقال الناشىء «٢» في وصفه:
ويؤيؤ مهذّب رشيق ... كأنّ عينيه لدى التحقيق
فصّان مخروطان من عقيق
وقال أبو نواس «٣» في وصفه:
قد اغتدي والصبح في دجاه ... كطرة البدر لدى مثناه «٤»
بيؤيؤ يعجب من رآه ... ما في اليآيئ يؤيؤ سواه
أزرق لا تكذبه عيناه ... فلو يرى القانص ما يراه
فداه بالأمّ وقد فدّاه ... هو الذي خوّلناه الله
تبارك الله الذي هداه
فائدة أدبية
: ذكر الإمام العلامة الطرطوشي، في سراج الملوك، عن الفضل بن مروان، قال: سألت رسول ملك الروم عن سيرة ملكهم فقال: بذل عرفه وجرد سيفه، فاجتمعت عليه
стр. 608
القلوب رغبة ورهبة، سهل النوال حزن النكال، الرجاء والخوف معقودان في يده. قلت: كيف حكمه؟ قال: يرد المظالم ويردع الظالم، ويعطي كل ذي حق حقه، فالرعية اثنان: مغتبط وراض.
قلت: فكيف هيبته فيهم؟ قال: تصورت في قلوبهم فتغضى له العيون، فنظر رسول ملك الحبشة إلى إصغائي إليه وإقبالي عليه، وكانت الرسل تنزل عندي، فقال لترجمانه: ما الذي يقول الرومي؟ قال: يصف لهم ملكهم، ويذكر سيرته. فكلم ترجمانه فقال لي الترجمان: إنه يقول إن ملكهم ذو اناة عند القدرة، وذو حلم عند الغضب، وذو سطوة عند المغالبة، وذو عقوبة عند الإجرام، قد كسا رعيته جميل نعمته، وفسرهم بعنيف عقوبته، فهم يتراءونه ترائي الهلال خيالا، ويخافونه مخافة الموت نكالا، قد وسعهم عدله، وراعهم قهره، لا تمتهنه مزحة، ولا توالسه غفلة، إذا أعطى أوسع، وإذا عاقب أوجع، فالناس اثنان راج وخائف، فلا الراجي خائب الأمل، ولا الخائف بعيد الأجل. قلت: فكيف كانت هيبتهم له؟ قال: لا ترفع العيون إليه أجفانها، ولا تتبعه الأبصار إنسانها، كأن رعيته طيور فرفرف عليهم صقور صوائد. قال الفضل: فحدثت المأمون بهذين الحديثين فقال: يا فضل كم قيمتها عندك؟ قلت: ألفا درهم. قال: إن قيمتها عندى أكثر من الخلافة، أما علمت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه:
«قيمة كلّ امرىء ما يحسن» أفتعرف أحدا من الخطباء والبلغاء، يحسن أن يصف أحدا من خلفاء الله الراشدين المهديين، بمثل هذه الصفة؟ قلت: لا. قال: أمرت لهما بعشرين ألف دينار معجلة واجعل العدة بيني وبينهما، على العود فلولا حقوق الاسلام وأهله، لرأيت إعطاءهما جميع ما في بيت المال دون ما استحقاه انتهى.
وكان الفضل بن مروان «١» ، قد أخذ البيعة للمعتصم «٢» ببغداد، والمعتصم بالروم مع المأمون، فاعتد المعتصم له بها يدا، واستوزره فغلب عليه، واستقل بالأمور، فكانت الخلافة للمعتصم اسما وللفضل معنى. قيل: إن الفضل جلس يوما لأشغال الناس، فرفعت إليه قصص العامة فرأى فيها رقعة مكتوبا فيها هذه الأبيات «٣» :
تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادتهم الأقياد والحبس والقتل
وإنك قد أصبحت في الناس ظالما ... ستؤذى كما أوذي الثلاثة من قبل
أراد الفضل بن يحيى البرمكي «٤» ، والفضل بن الربيع «٥» ، والفضل بن سهل «٦» . وكان المعتصم
стр. 609
يأمر بإعطاء المغني والنديم، فلا ينفذ الفضل ذلك، فحقد المعتصم عليه، لذلك ونكبه أهل بيته، وجعل مكانه محمد بن عبد الملك الزيات «١» . وكان الفضل مذموم الأخلاق، فلما نكب شمت به الناس حتى قال فيه بعضهم:
لتبك على الفضل بن مروان نفسه ... فليس له باك من الناس يعرف
لقد صحب الدنيا منوعا لخيرها ... وفارقها وهو الظلوم المعنف
إلى النار فليذهب ومن كان مثله ... على أي شيء فاتنا منه نأسف
ولما نكب المعتصم الفصل بن مروان قال: عصى الله في طاعتي، فسلطني عليه. وكان المعتصم قد أخذ ماله ولم يتعرض لنفسه. وقيل: إنه أخذ من داره ألف ألف دينار، وأثاثا وآنية بألف ألف دينار، وحبسه خمسة أشهر وأطلقه. فخدم بعد ذلك جماعة من الخلفاء وتوفي سنة خمسين ومائتين.
ومن كلامه: لا تتعرض لعدوك وهو مقبل، فإن إقباله يعينه عليك، ولا تتعرض له وهو مدبر فإن أدباره يكفيك أمره.
فائدة أخرى أدبية
أيضا قد تقدمت الإشارة إليها، في الرسالة التي كتبتها في الشاهين، قول أبي الحسن علي بن الرومي «٢» في قصيدته التي يقول فيها:
هذا أبو الصقر فردا في محاسنه ... من نسل شيبان بين الضال والسلم «٣»
كأنه الشمس في البرج المنيف به ... على البرية لا نار على علم
مراده بالبرج قصره العالي لما شبهه بالشمس جعل قصره برجا وأراد التمليح على الخنساء في قولها في أخيها صخر:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
قال شيخنا شمس الدين محمد بن العماد: وأبو الصقر لم أقف له على ترجمة ولا وفاة وأبوه ابن عم معن بن زائدة الشيباني، وكان من قواد أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور، وتولى الأعمال الجليلة والولايات السنية، وتوفي قبل الثمانين ومائة. وكان يسكن البادية هو وولده أبو الصقر، وإليه الإشارة بقول ابن الرومي في البيت «بين الضال والسلم» وهما من شجر البادية. وتولى أبو الصقر بعض الولايات للواثق هارون بن المعتصم وولده المنتصر من بعده وعاش إلى خلافة المعتضد وولده المعتمد. وسكنى البادية مما يتمدح به العرب ومنه قوله:
الموقدين بنجد نار بادية ... لا يحضرون وفقد العز في الحضر
стр. 610
ولم أر له أكثر من ذلك انتهى.
وتوفي أبو الحسن بن الرومي ببغداد في جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وفيه خلاف. وكان سبب موته، على ما قاله ابن خلكان وغيره، أن القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد خاف من هجوه، فدس عليه أبو فراس فأطعمه خشكنانة مسمومة، فلما أحس بالسم قام، فقال له الوزير: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الموضع الذي بعثتني إليه، فقال: سلم على والدي، فقال:
ما طريقي على النار. فأقام أياما ومات.
الحكم
: يحرم أكل الصقر لعموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير. قال الصيدلاني: اختلف في الجوارح ما هي؟ فقيل: ما يجرح الصيد بناب أو مخلب أو ظفر، وقيل: الجوارح الكواسب وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الجوارح الصوائد. وهذا راجع إلى معنى الكسب انتهى.
فجميع الجوارح عندنا محرمة، لعموم هذا النهي المتقدم ذكره قريبا، وذهب مالك إلى حلها، وقال: ما لا نص فيه حلال، حتى هدى بعض أصحابه ذلك إلى الكلب والأسد والنمر والدب والقرد وغير ذلك. وقال في الحمار الأهلي: إنه مكروه، وفي الفرس والبغل إنهما حرامان، احتجاجا بقوله «١» تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
الآية. وأجاب الشافعي عن ذلك فقال: يعني مما كنتم تأكلون إذ لا معنى لإباحة شيء مما لا يأكلونه ولا يستطيبونه كما لا يصح أن يحمل قوله «٢» تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً
على ما هو حرام قبل، وإنما يصح على ما يعتاد صيده.
الأمثال
: قالوا: «أخلف من صقر» «٣» ، وهو من خلوف الفم بفتخ الخاء المعجمة وهو تغير رائحته ومنه قوله ﷺ : «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» «٤» . ووقع نزاع بين الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، والشيخ عز الدين بن عبد السلام، رحمهما الله تعالى، في أن هذا الطيب في الدنيا والآخرة معا، أم في الآخرة خاصة؟ فقال الشيخ عز الدين: في الآخرة خاصة لقوله ﷺ في رواية «٥» لمسلم «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك يوم القيامة» . وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو عام في الدنيا والآخرة واستدل بأشياء كثيرة فذكرها، منها ما جاء في مسند ابن حبان بكسر الحاء المهملة، وهو من أصحابنا الفقهاء المحدثين، قال: باب في كون ذلك يوم القيامة، وباب في كونه في الدنيا، وروى في هذا الباب بإسناده الثابت الصحيح، أنه ﷺ قال: «لخلوف فم الصائم حين يخلف، أطيب عند الله من ريح المسك» .
وروى الإمام أبو الحسن بن سفيان، بسنده عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا قال: وأما الثانية فإنهم يمسون وخلوف
стр. 611
أفواههم عند الله أطيب من ريح المسك» . ورواه الإمام الحافظ أبو بكر السمعاني في أماليه، وقال: هو حديث حسن وكل واحد من المحدثين مصرح بأنه بمجيء وقت وجود الخلوف في الدنيا يتحقق وصفه بكونه أطيب عند الله من ريح المسك. قال: وقد قال العلماء شرقا وغربا بمعنى ما ذكرته في تفسيره. قال الخطابي: طيبه عند الله رضاه به. وقال ابن عبد البر: معناه أذكى عند الله وأقرب إليه وأرفع عنده من ريح المسك. وقال البغوي في شرح السنة: معناه الثناء على الصائم والرضا بفعله. وكذا قاله الإمام القدوري، إمام الحنفية في كتابه في الخلاف، معناه أفضل عند الله من الرائحة الطيبة. وقاله الإمام العلامة البوني صاحب اللمعة وغيرها وهو من قدماء المالكية.
وكذا قاله الإمام أبو عثمان الصابوني، وأبو بكر السمعاني، وأبو حفص بن الصفار من أكابر أئمة الشافعية في أماليهم وأبو بكر بن العربي المالكي وغيرهم. فهؤلاء أئمة المسلمين شرقا وغربا، لم يذكروا سوى ما ذكرته ولم يذكر أحد منهم وجها بتخصيصه بالآخرة، مع أن كتبهم جامعة للوجوه والمشهورة والغريبة ومع أن الرواية التي فيها ذكر يوم القيامة مشهورة في الصحيح، بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما هو ثابت في الدنيا والآخرة.
وأما ذكر يوم القيامة، في تلك الرواية فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف على المسك المستعمل، لدفع الرائحة الكريهة طالبا لرضا الله تعالى، حيث يؤمر باجتنابها واجتلاب الرائحة الطيبة، كما في المساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في رواية لذلك، كما خص في قوله تعالى: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ
«١» وأطلق في باقي الروايات ان فضيلته ثابته في الدارين، انتهى كلام الشيخ أبي عمرو ﵀.
والذي ينبغي أن يعلم أن جميع ما وقع فيه الخلاف بينهما فالصواب فيه ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام، إلا هذه المسألة، فإن الصواب فيها ما قاله الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، ﵀. والله تعالى أعلم، وقالوا: «أبخر من صقر» «٢» . قال الشاعر:
وله لحية تيس ... وله منقار نسر
وله نكهة ليث ... خالطت نكهة صقر
الخواص
: قال ابن زهر: الصقر لا مرارة له، وإذا أمسكه إنسان مات فرقا، ودماغه إذا دلك به القضيب هيج الباه. وقال أبو ساري الديلمي، في عين الخواص له: ودماغ الصقر، إذا مسح به الكلف الأسود قلعه ونقاه، وإذا مسح به الحزاز أذهبه.
التعبير
: قال ابن المقري: رؤية الصقر تدل على العز والسلطان، والنصر على الأعداء، وبلوغ الآمال، والرتبة، والأولاد، والأزواج، والمماليك والسراري، ونفائس الأموال، والصحة وتفريج الهموم، والإنكار وصحة الأبصار، وكثرة الأسفار، وعودة بالربح الطائل، وربما دل على الموت لاقتناصه الأرواح، وربما دل على السجن والترسيم، والتقدير في المطعم والمشرب والمعلم بالنسبة إلى الغشيم، يدل على رجل فصيح وكذلك سباع الطير بأسرها، لأنها تجوز على الحيوان
стр. 612
فتكسر عظمه وتهشم لحمه. فمن رأى من هذه الجوارح شيئا من غير منازعة، فإنه ينال مغنما، وكل حيوان يصاد به، كالكلب والفهد والصقر يعبر بولد شجاع فمن تبعه صقر، فإن رجلا شجاعا يعطف عليه، وإن كان له حامل، فإنه يرزق ولدا شجاعا، وكل الجوارح المعلمة تدل على الولد الذكر.
ومن المنامات المعبرة، أتى رجل إلى ابن سيرين، فقال: رأيت كأن حمامة نزلت على شرفات السور، فأتاها صقر فابتلعها، فقال ابن سيرين: إن صدقت رؤياك، ليتزوج الحجاج بنت الطيار. فكان كذلك والله أعلم.
الصل:
بكسر الصاد، الحية التي لا تنفع فيها الرقية. ومنه قالوا: «فلان صل مطرق» . وبه وصف إمام الحرمين تلميذه أبا المظفر أحمد بن محمد الخوافي، وكان علامة أهل طوس، نظير الغزالي، وكان عجيبا في المناظرة رشيق العبارة، توفي سنة خمسمائة، وكان هو والكيا الهراسي «١» والغزالي أكبر تلامذة إمام الحرمين رحمة الله عليهم.
الصّلب:
كصرد طائر معروف ذكره في العباب.
الصلنباج:
كسقنطار سمك طويل دقيق، ذكره في العباب أيضا.
الصلصل:
بالضم الفاختة، قاله الجوهري وغيره، وسيأتي ما في الفاختة، في باب الفاء إن شاء الله تعالى.
الصناجة:
قال القزويني في الأشكال: ليس شيء أكبر من هذا الحيوان، وهو يكون بأرض التبت، وهذا الحيوان يتخذ لنفسه بيتا بقدر فرسخ في الأرض، في فرسخ وكل حيوان وقع بصره عليه مات في الحال، وإذا وقع بصر الصناجة عليها ماتت الصناجة، والحيوانات تعرفه فتعرض له مغمضة العين ليقع بصر الصناجة عليها فتموت، وإذا ماتت تبقى طعمة للحيوان مدة طويلة وهذا من عجائب الوجود. قلت: وقد استعمل الحريري لفظة الصناجة، في المقامة السادسة والأربعين، حيث قال: أحسنت يا نغيش، يا صناجة الجيش. قال الشراح لكلامه: النغيش القصير. وفي الحديث أن النبي ﷺ «رأى نغاشيا فخر ساجدا» .
وفسروا صناجة الجيش بأنها الطبل المعروف. قلت: ووجه الشبه أنه لما كان يطرب بالصنج كطرب الجماعة الحاضرين به سماه بذلك. فالهاء فيه للمبالغة. والصناجة أيضا ذات الصنج، وهي آلة لهو تتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر.
قال الحافظ ابن عبد البر وغيره: أول موروث في الإسلام عدي بن نضلة. وأول وارث نعمان بن عدي، كان عدي قد هاجر إلى أرض الحبشة، فمات بها فورثه ابنه نعمان هناك، واستعمله عمر رضي الله تعالى عنه على ميسان ولم يستعمل من قومه غيره وراود امرأته على الخروج معه فأبت فكتب «٢» إليها:
стр. 613
من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... وصنّاجة تحدو على كلّ منسم
إذا كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلّم
لعلّ أمير المؤمين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم «١»
فبلغ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، حم، تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، غافِرِ الذَّنْبِ، وَقابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقابِ، ذِي الطَّوْلِ
«٢» الآية. أما بعد فقد بلغني قولك:
لعلّ أمير المؤمنين يسوؤه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
وايم الله لقد ساءني، ثم عزله. فلما قدم عليه سأله فقال: ما كان من هذا شيء وما كان إلا فضل شعر وجدته وما شربتها قط. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أظن ذلك، ولكن لا تعمل لي عملا أبدا. فنزل البصرة ولم يزل يغزو مع المسلمين حتى مات. وشعره فصيح يستشهد به أهل اللغة على أن ندمان بمعنى نديم.
الصوار:
القطيع من البقر، والجمع صيران، والصوار أيضا وعاء المسك وقد جمعهما الشاعر في قوله:
إذا لاح الصوار ذكرت ليلى ... وأذكرها إذا نفخ الصّوار
الصومعة:
العقاب، لأنها أبدا مرتفعة على أشرف مكان تقدر عليه هكذا قاله كراع في المجرد.
الصيبان:
تقدم بما فيه في أول الباب.
الصيد:
مصدر، عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ
«٣» وقال أبو طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه:
أنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكلّ يوم في سلاحي صيد
وبوب البخاري ﵀، في أول الربع الرابع من كتابه، فقال: باب قول الله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ
«٤» وقال عمر ﵁: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به.
وقال أبو بكر ﵁: الطافي حلال. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: طعامه ميتته إلا ما قدرت عليها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال أبو شريح، صاحب النبي ﷺ :
كل شيء في البحر مذبوح، وقال عطاء: أما الطير فأرى أن يذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء:
صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم ثم تلا «٥» هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
стр. 614
وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا.
وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي يأكلون الضفادع لأطعمتهم إياها. ولم ير الحسن بالسلفحاة بأسا.
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل من صيد نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء ﵁: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى.
قوله قلات السيل، أي ما هلك فيه لقوله «المسافر وما له على قلت» ، وقوله في المري إلى آخر ما قال، أشار بذلك إلى صفة مري يعمل في الشأم، تؤخذ الخمر فيجعل فيها الملح والسمك، وتوضع في الشمس فتتغير الخمر إلى طعم المر فتستحيل عن هيئتها، كما تستحيل إلى الخلية.
يقول: كما أن الميتة حرام، والمذبوحة حلال، كذلك هذه الأشياء ذبحت الخمر فحلت فاستعار الذبح للتحليل، والذبح في الأصل الشق.
وأبو شريح اسمه هانىء، وعند الأصيلي ابن شريح، وهو وهم. وفي الاستيعاب للحافظ ابن عبد البر، شريح رجل من الصحابة حجازي، روى عنه أبو الزبير وعمرو بن دينار سمعاه يحدث عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، قال: كل شيء في البحر مذبوح، ذبح الله لكم كل دابة خلقها في البحر. قال أبو الزبير وعمرو بن دينار: وكان شريح هذا قد أدرك النبي ﷺ وقال أبو حاتم: له صحبة. ولفظ الصيد في الآية الأولى عام، ومعناه الخصوص، فيما عدا الحيوان الذي أباح النبي ﷺ قتله في الحرم، ثبت عنه ﷺ أنه قال «١» : «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحداة والفأرة والعقرب والكلب العقور» ، فوقف مع ظاهر هذا الحديث، سفيان الثوري والشافعي وابن حنبل وابن راهويه، فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ذلك.
وقاس مالك على الكلب العقور الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية، فأما الهر والثعلب والضبع، فلا يقتلها المحرم عنده، وإن فعل فدى. وقال أصحاب الرأي، ﵏:
إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأ المحرم فعليه قيمته.
وقال مجاهد والنخعي: لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه منها، وثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه أمر المحرمين بقتل الحيات وأجمع الناس على إباحة قتلها. وثبت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أيضا إباحة قتل الزنبور، لأنه في حكم العقرب.
وقال مالك: يطعم قاتله شيئا، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوها. وقال أصحاب الرأي: لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك: لا يقتلها المحرم، وإن قتلها فدى. وقال ابن عطية: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء ونحوهما.
تذنيب:
قال أبو حنيفة: لا يقطع سارق ما كان مباح الأصل من صيد البر والبحر، ولا في جميع الطيور. وقال الشافعي ومالك وأحمد والجمهور: يقطع سارق ذلك إذا كان محرزا، وقيمته
стр. 615
ربع دينار لعموم الأدلة وإذا ذبح المحرم صيدا حرم عليه في حال الإحرام باتفاق العلماء، وفي تحريمه على غيره قولان: الجديد الصحيح التحريم كذبيحة المجوسي، فعلى هذا يكون ميتة، والقديم الحل ولو كسر المحرم بيض شيد، أو قلاه حرم عليه، وفي تحريمه على غيره طريقان:
أشهرهما أنه على القولين، وأشهر القولين التحريم أيضا، ولو كسره مجوسي أو قلاه حل، ولو حلب محرم لبن صيد، فهو ككسر بيضه.
فرع
: لو صاح محرم على صيد، فمات بسبب صياحه، أو صاح حلال على صيد في الحرم فمات به. فوجهان: أحدهما يضمنه لأنه تسبب في إهلاكه، فكان كما لو صاح على صبي فهلك.
قال الإمام النووي: وهذا هو الظاهر. والثاني لا يضمنه، كما لو صاح على بالغ ولو أصاب صيدا، فوقع ذلك الصيد على صيد آخر، أو على فراخه أو بيضه فهلك ضمن جميع ذلك.
فرع
: لو مات للمحرم قريب، في ملكه صيد، ملكه على المذهب ملكا يتصرف فيه كيف شاء، إلا بالقتل والإتلاف.
فرع
: قال الروياني: العمرة التي ليس فيها قتل صيد، قيل: إنها أفضل من حجة فيها قتل صيد. والأصح أن الحجة أفضل.
فرع
: صيد حرم المدينة حرام، لما روى مسلم، من حديث جابر ﵁، أن النبي ﷺ قال: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لا بيتها، لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها» «١» . واختلفوا في أنه هل يضمن صيدها كصيد مكة؟ فقال الشافعي، في الجديد: إنه لا يضمن، لأنه مكان يجوز دخوله بغير إحرام، فلا يضمن كصيدوج الطائف، ففي سنن البيهقي بإسناد فيه ضعف أن النبي ﷺ قال: «ألا إن صيدوج الطائف وعضاهها حرام محرم» . وفي القديم أنه يسلب القاتل لصيد حرم المدينة، والقاطع لشجرها. واختاره النووي من جهة الدليل، وعلى هذا فظاهر إطلاق الأئمة أن السلب لا يتوقف على إتلافه، بل بمجرد الاصطياد وسلبه كسلب قتيل الكفار، عند الأكثرين، وقيل ثيابه فقط، وقيل يترك له ساتر العورة فقط، وهذا هو الصواب في الروضة وشرح المهذب. ثم هو السالب، وقيل لفقراء المدينة كجزاء الصيد، وقيل لبيت المال، ويستثنى من تضمين الصيد ما لو صال عليه فقتله دفعا.
فرع
: إذا عم الجراد الطريق، ولم يجد بدا من وطئه، فلا ضمان عليه في الأظهر. ولو دخل كافر الحرم، وقتل صيدا ضمنه. وقال الشيخ أبو اسحاق في المهذب: يحتمل عندي أنه لا يجب الضمان، قال النووي في شرحه: انفرد الشيخ بهذا الاحتمال عن الأصحاب، وأقامه في البيان وجها انتهى. وهذا نقله ابن كج وجها للأصحاب، وهو متقدم على صاحب المهذب بأعوام، فإنه توفي سنة أربع وأربعمائة.
تنبيهات
: اعلم أن الصيد، إذا مات من سببين: مبيح ومحرم فهو حرام، تغليبا لجانب التحريم، ومثال ذلك أن يموت من سهم وبندقة أو يصيب الصيد طرف من النصل، فيجرحه
стр. 616
ويؤثر فيه عرض السهم في مروره فيموت منهما. وكذلك لو أرسل سهما إلى صيد فجرحه، وكان على طرف سطح فسقط منه، أو على جبل فتردى منه، أو تردى في بئر، أو وقع في ماء، أو على شجرة، فانصدم بأغصانها، فهو حرام، لأنه لا يدري من أيهما مات.
ومنها ما لو وقع صيده على محدد، سكين أو غيرها، فهو حرام. ولو أرسل سهما، فأصاب الصيد في الهواء، ثم وقع على الأرض ومات، فهو حلال سواء مات قبل الوصول إلى الأرض أو بعده، أو لم يعلم هل كان موته قبل الوصول أو بعده، لأن الوقوع على الأرض لا بد منه، فيعفى عنه كما يعفى عن الذبح في غير المذبح عند التعذر، وكما أن الصيد لو كان قائما فوقع على جنبه لما أصابه السهم وقال مالك: إن مات بعد وقوعه على الأرض لم يحل، والارتجاف قليلا بعد إصابة السهم لا يضر، لأنه كالوقوع على الأرض، فلو تدحرج من الجبل من جنب إلى جنب لم يضر، لأن ذلك مما لا يؤثر مثله في التلف، فلو رمى بسهم إلى صيد في الهواء فكسر جناحه، ولم يجرحه فوقع فمات، فهو حرام، لأنه لم يصبه جرح يحال الموت عليه، فلو كان الجرح خفيفا لا يؤثر مثله ولكنه عطل جناحيه فوقع فمات فهو حرام، قاله الإمام.
ولو وقع الصيد من الهواء بعدما أصابه السهم وجرحه في بئر نظر فإن كان فيها ماء، فهو حرام، وإن لم يكن فالصيد حلال، لأن قعر البئر كالأرض. ولكن الفرض فيما إذا لم يصادمه جدران البئر. ومنها لو كان الصيد واقفا على شجرة، فأصابه السهم فجرحه، فوقع على الأرض، فهو حلال. وإن وقع على غصن أو أغصان، ثم على الأرض لم يحل. وليس الانصدام بالأغصان أو بأحرف الجبل عند التردي من القلة، كالانصدام بالأرض فإن ذلك الانصدام ليس بلازم ولا غالب، والانصدام بالأرض لا بد منه، وللإمام احتمالان في الصورتين لكثرة وقوع الطيور على الأشجار، والانصدام بأطراف الجبال إذا كان الصيد بالجبل.
ومنها لو رمى إلى طير الماء، نظر إن كان على وجه الماء فأصابه السهم فجرحه فمات فهو حلال، والماء له كالأرض وإن كان خارج الماء ووقع في الماء، بعدما أصابه السهم، ففيه وجهان، مذكوران في الحاوي، أحدهما: أنه حرام، لأن الماء بعد الجرح، يعين على التلف والثاني: أنه حلال، لأن الماء لا يغرقه، لأنه لا يفارق الماء غالبا. ووقوعه في الماء كوقوع غيره على الأرض، وهذا هو الراجح.
وذكر في التهذيب، أن الصيد إذا كان في هواء البحر، نظر إن كان الرامي في البر، لم يحل وإن كان في البحر حل فإن كان الطائر خارج الماء، ووقع فيه بعدما أصابه السهم، ففي حله وجهان. قطع البغوي، في التهذيب، والشيخ أبو محمد في المختصر، بالحل. وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح، فإن انتهى إليها بقطع الحلقوم أو المريء أو غيره، فقد تمت ذكاته، ولا أثر لما يعرض بعد ذلك.
ومنها لو جرح الصيد جرحا لم يقتله، ثم غاب فوجده بعد ذلك ميتا، قيل يحل وقيل لا يحل، والأول أصح، لكن يشترط أن ينتهي الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح ولا أثر لغيبته فإن لم ينته إلى حركة المذبوح، فإن وجد في ماء، أو وجد عليه أثر صدمة، أو جراحة أخرى لم
стр. 617
يحل. وللأصحاب ثلاث طرق: أحدها في حله قولان أشهرهما: عند صاحب التهذيب الحل، والعراقيون وغيرهم إلى ترجيح التحريم أميل، والثاني القطع بالحل، والثالث القطع بالتحريم.
وقال أبو حنيفة: إن اتبعه عقب الرمي، فوجده ميتا حل، وإن تأخر ساعة من اتباعه لم يحل. وروي عن مالك أنه إن وجده في برية حل، وإلا فلا. وصحح النووي والغزالي الحل، للأحاديث الواردة فيه، ومنها لو رمى، وهو لا يرجو صيدا ولا خطر له ولا قصده، بأن رمى سهما في الهواء، أو في فضاء من الأرض، أو إلى هدف واعترض صيد فأصابه فقتله، ففي حله وجهان أصحهما، وهو المنصوص؛ عدم الحل، لأنه لم يقصد الصيد، لا معينا ولا مبهما. ونظير ذلك ما إذا وقع في الشبكة صيد، فعقر بحديدة فيها، ويفرق بينه وبين ما لو ظنه ثوبا بأنه هنا قصد عينا. ولو رمى إلى ما ظنه حجرا، فكان صيدا فقتله فهو حلال. وكذا لو ظنه صيدا غير مأكول، فكان مأكولا لأنه قصد عينه. وقيس ذلك بما إذا كان له شاتان، فذبح إحداهما ظنا أنها الأخرى.
وفي التهذيب وغيره وجه أنه لا يحل، لأنه لم يقصد الصيد، وبه قال مالك. ومنها لو نصب سكينا أو حديدة أو كانت في يده حديدة، فوقعت على حلق شاة فذبحته فهو حرام، لأنه لم يذبح ولم يقصد الذبح، وإنما حصل ما حصل بفعل الشاة أو من غير فعل مختار. وفي التهذيب وغيره، أن عند أبي إسحاق تحل الشاة في صورة وقوع السكين، ولا شك أن الصيد في معناها. وكذا لو كان في يده حديدة يحركها، والشاة أيضا تحك حلقها بها، فحصل انقطاع الحلقوم والمريء بالحركتين، فهو حرام لأن الموت بشركة الذابح والبهيمة. وقال القاضي أبو سعيد الهروي، في اللباب: وإن رمى الأعمى صيدا، بدلالة بصير فالمذهب أنه لا يحل.
فرع
: في الازدحام والاشتراك وله أحوال منها أن يتعاقب جرحان من رجلين، فالأول منهما إما أن يكون مذففا أو مزمنا، أو لا مذففا ولا مزمنا، فإن لم يكن مذففا ولا مزمنا لم يحل على امتناعه، فإن كانت الجراحة مذففة أو مزمنة، فالصيد للثاني ولا شيء على الأول بجراحته، فإن كان جرح الأول مذففا فالصيد للأول، وعلى الثاني أرش ما نقص من لحمه وجلده، وإن كان جرح الأول مزمنا ملك الصيد به، وينظر في الثاني فإن ذفف بقطع الحلقوم والمريء، فهو حلال وعلى الثاني ما بين قيمته مذبوحا ومزمنا. قال الإمام: وإنما يظهر التفاوت إذا كان فيه حياة مستقرة فإن كان سالما أو كان بحيث لو لم يذبح لهلك، فما عندي أنه ينقص بالذبح منه شيء وإن ذفف الثاني، ولم يقطع الحلقوم والمري أو لم يذفف، ومات بالجرحين فهو ميتة، ويجب على الثاني قيمة الصيد مذبوحا.
قال في كتاب التهذيب: قيل: هو كما لو جرح عبده وجرحه غيره، ومات منهما وهو بناء على ما إذا جرح أجنبي عبدا قيمته عشرة وجرحه آخر ومات، ففيه أوجه: قال المزني: يجب على كل واحد أرش جراحته وباقي القيمة ينصف بينهما. وقيل: على كل واحد نصف قيمته يوم جرحه، وقال ابن خيران: توزع القيمة على قيمته يوم الجرح الأول، وهي عشرة، وعلى قيمته يوم الجرح الثاني وهي تسعة، فيكون تسعة عشر جزءا: عشرة على الأول وتسعة على الثاني. وقال القفال:
على كل واحد منهما نصف أرش جراحته، وينصف باقي القيمة مجروحا بجرحين. والطريقة الثانية أن الأول إن لم يدركه حيا، وجب على الثاني قيمته مزمنا، وإن أدركه ولم يذبحه، وجب على الثاني
стр. 618
أرش جراحته على وجه، وقيمته مزمنا على وجه، وإن رماه رجلان فأصاباه معا وقتلاه، فهو لهما فإن أزمن أحدهما وأصاب الآخر المذبح، ولم يعرف السابق وادعى كل منهما أنه المزمن أولا، تحالفا ويكون بينهما لاحتمال سبق المزمن وإن كان أحدهما مجهزا، لم يصب المذبح فالصيد حرام انتهى.
فرع
: اعلم أن من اصطاد صيدا عليه أثر ملك، فإن كان موسوما أو مقرطا أو مخضوبا أو مقصوص الجناح، لم يملكه لأن هذه آثار تدل على أنه كان مملوكا، وربما أفلت ولا ينظر إلى احتمال أنه اصطاده محرم، وفعل به ذلك ثم أرسله فإنه احتمال بعيد.
فرع
: لو قدّ الصيد نصفين حل الكل، وإن أبان منه عضوا ومات منه بعد ساعة قبل أن يتمكن من ذبحه حل المبان على أحد الوجهين، كما لو مات منه في الحال وإن أدركه حيا فذبحه حل الأصل دون المبان، وإن مات الصيد بثقل الجارحة لم يحرم على أحد القولين بخلاف ثقل السهم.
فرع
: ويملك الصيد بأمور: بإثبات اليد أو الاثخان أو إبطال الطيران أو العدو أو التعلق بالشبكة المنصوبة، فإن وقعت منه الشبكة وتعلق بها صيد فوجهان، وكذلك الشرك والربق المنصوبان والحبالة ونحو ذلك.
فرع
: لو اصطاد سمكة فوجد في بطنها درة مثقوبة، فهي لقطة، وإن كانت غير مثقوبة، فهي له مع السمكة، ولو اشترى سمكة فوجد في بطنها درة غير مثقوبة، فهي له، وإن كانت مثقوبة فهي للبائع، إن ادعاها. هكذا أطلقه في التهذيب. ويشبه أن يقال: إن الدرة تكون لمن اصطاد السمكة، كما في الكنز الذي يوجد في الأرض إنه لمحيي الأرض.
خاتمة
: لو أرسل الصيد وخلاه بنفسه، فهل يزول ملكه؟ وجهان: أظهرهما لا يزول، ولا يجوز له أن يفعل ذلك، لأن ذلك من فعل الجاهلية من تسييب السوائب، ومن حقه أن يحترز عنه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، الكلام على السائبة، في باب النون. وعلى صيد الكلب والجارحة في باب الكاف.
ولو أفلت الصيد من يده لم يزل ملكه عنه فإن أخذه أحد فعليه رده للأول، ولا فرق بين أن يلتحق بالوحوش في الصحراء، أو يبعد عن البنيان أو يدور في البلد أو حوله. وقال مالك: ما دام في البلد أو حوله لم يزل ملكه عنه، فإن بعد والتحق بالوحوش، زال ملكه ومن أخذه ملكه.
ويروى عنه أنه إن تباعد به العهد زال ملكه عنه، وإن قرب لم يزل. ويروى عنه زوال ملكه بافلاته مطلقا، وعندنا يقاس على إباق العبد وشرود البهيمة.
تتمة
: لو توحل صيد بمزرعة، وصار مقدورا عليه، ففيه وجهان: أصحهما عدم التملك، لأنه لم يقصد بسقي الأرض الاصطياد، والقصد مرعى في التملك ولو دخل بستان غيره، واصطاد منه طائرا، ملكه قطعا، ولا يثبت لصاحب البستان حكم المتحجر لأن البستان لا يتضمن حكم الطير والله أعلم. وما أحسن قول «١» بعضهم:
стр. 619
يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ... ويسعد الله أقواما بأقوام
وليس رزق الفتى من فضل حيلته ... لكن حدود بأرزاق وأقسام
كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد ... يرمي فيحرزه من ليس بالرامي
فائدة
: في تاريخ ابن خلكان، لما قلد الرشيد الفضل بن يحيى خراسان، أقام بها مدة ثم وصل كتاب صاحب البريد ينهى، أن الفضل اشتغل بالصيد وإدمان اللذة، عن النظر في أمور الرعية فقال ليحيى: يا أبت اقرأ هذا الكتاب، واكتب إليه بما يردعه عنه، فكتب إليه يحيى كتابا «١» وكتب في أسفله هذه الأبيات:
انصب نهارا في طلاب العلا ... واصبر على فقد لقاء الحبيب
حتى إذا الليل أتى مقبلا ... واكتحلت بالغمض عين الرقيب
فبادر الليل بما تشتهي ... فإنما الليل نهار الأريب
كم من فتى تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب
غطى عليه الليل أستاره ... فبات في لهو وعيش خصيب
ولذة الأحمق مكشوفة ... يسعى بها كلّ عدو مريب
فلما ورد الكتاب على الفضل بن يحيى، لم يفارق المسجد نهارا.
قيل دخل الفضل على أبيه يحيى وهو يتبختر في مشيته، فكره يحيى ذلك منه، وقال: قالت الحكماء: البخل والجهل مع التواضع، أزين للرجل من السخاء والعلم مع الكبر، فيا لها من حسنة غطت على سيئتين عظيمتين، ويا لها من سيئة غطت على حسنتين كبيرتين! ولما كان الفضل ويحيى في محبسهما، سمعهما الموكل يوما وهما يضحكان ضحكا مفرطا، فأعلم الرشيد بذلك فبعث مسرورا يستعلم سبب ذلك، فجاءهما فسألهما وقال: يقول لكما أمير المؤمنين: ما هذا الاستخفاف بغضبي؟ فازدادا ضحكا! وقال يحيى: اشتهينا سكباجا فاحتلنا في شراء القدر واللحم والخل وغير ذلك، فلما فرغنا من طبخها وإحكامها، ذهب الفضل ينزلها فسقط قعر القدر، فوقع الضحك والتعجب مما كنا فيه، وما صرنا إليه. فلما أعلم مسرور الرشيد بذلك، بكى وأمر لهما بمائدة في كل يوم، وأذن لرجل مما يأنسان به، أن يدخل عليهما كل يوم، ويتغذى معهما ويحدثهما وينصرف.
ونقل «٢» أن الفضل كان كثير البر بأبيه، وكان أبوه يتأذى من استعمال الماء البارد، في زمن الشتاء، فلما كان في السجن، لم يقدرا على تسخين الماء، فكان الفضل يأخذ الابريق النحاس، وفيه الماء، فيضعه على بطنه زمانا لينكسر برده، بحرارة بطنه، حتى يستعمله أبوه بعد ذلك. وتوفي يحيى في السجن سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولما بلغ الرشيد وفاته، قال: أمري قريب من أمره، فتوفي بعده بخمسة أشهر.
стр. 620
الصيدح:
الفرس الشديد الصوت وقال الجوهري: الصيدح ذكر البومة انتهى. وتسميته صيدحا اشتقاقا له من صوته، لأن الصيدح الصياح قال الشاعر:
وقد هاج شوقي أن تغنّت حمامة ... مطوقة ورقاء تصدح بالفجر
أي تصيح قال الجاحظ: البومة وسائر طيور الليل، لا تدع الصياح وقت الأسحار أبدا انتهى. وصيدح اسم ناقة ذي الرمة «١» ، قال يمدح بلال بن أبي بردة «٢» بن أبي موسى الأشعري.
رأيت الناس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا
وقد تقدم ذكر هذا البيت في باب الهمزة في الإبل.
الصيدن:
الثعلب. وقد تقدم في باب الثاء المثلثة، والصيدن الملك.
الصيدناني:
دويبة تعمل لنفسها بيتا في جوف الأرض وتعميه عن الخلق.
الصير:
سمك صغار يعمل منه الصحناة والمرى، ومنهم من يطلق على الصير الصحناة.
وفي سنن البيهقي، في باب ما جاء في أكل الجراد، عن وهب بن عبد الله المغافري، أنه دخل هو وعبد الله بن عمر على زينب بنت رسول الله ﷺ ، فقربت إليهم جرادا مقلوا بسمن، وقالت: كل يا مصري من هذا، لعل الصير أحب إليك منه. قال: قلت إنا لنحب الصير. وفي الحديث أن سالم بن عبد الله «مر به رجل ومع صير، فذاق منه ثم سأل منه كيف تبيعه» . والمراد به في الحديث الصحناة. قال جرير «٣» يهجو قوما:
كانوا إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا كنعدا من مالح جدفوا «٤»
قال الجوهري: وتفسيره في الحديث الصحناة، تمد وتقصر. وروي أن الحسن سأله رجل عن الصحناة، فقال: وهل يأكل المسلمون الصحناة؟ وهي التي يقال لها الصير وكلا اللفظين غير عربي.
الخواص
: قال جبريل بن بختيشوع: الصحناة المتخذة من الأبازير تنشق المعدة من البلة والرطوبة وتمنع البخر، وتطيب النكهة، وتنفع من وجع الورك المتولد من البلغم، ومن لدغ العقارب إذا طلي بها.
стр. 621
باب الضاد المعجمة
الضأن:
ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن، والأنثى ضائنة والجمع ضوائن، وقيل: هو جمع لا واحد له، وقيل: جمعه ضئين كعبد وعبيد.
فائدة
: قال «١» الله تعالى: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ
الآية وذلك أن الجاهلية كانوا يقولون: هذه أنعام وحرث حجر، وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا، وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فكنوا يحرمون بعضها على النساء، فلما جاء الإسلام وثبتت أحكامه، جادلوا النبي ﷺ ، وكان الذي جادله خطيبهم مالك بن عوف بن الأحوص الجشمي، فقال: يا محمد إنك تحرم أشياء مما كان آباؤنا يفعلونه. فقال له رسول الله ﷺ : «إنكم قد حرمتم أصنافا من الغنم على غير أصل، وإنما خلق الله هذه الأزواج الخمسة للمأكل والانتفاع بها، فمن أين جاء هذا التحريم أمن قبل الذكر أمن قبل الأنثى» . فسكت مالك وتحير ولم يتكلم.
فقال له النبي ﷺ : «ما لك لا تتكلم» ؟ فقال له مالك: بل تكلم وأسمع منك.
فلو قال جاء التحريم من قبل الذكورة وجب أن يحرم جميع الذكور، ولو قال بسبب الأنوثة وجب أن يحرم جميع الإناث، ولو قال باشتمال الرحم عليه لكان ينبغي أن يحرم الكل لأن الرحم يشتمل على الذكور والإناث. فأما تخصيص التحريم بالولد الخامس والسابع أو بالبعض دون البعض، فمن أين؟ وثمانية أزواج نصبها على البدل من الحمولة والفرش، أي وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف: من الضأن اثنين أي الذكر والأنثى، فالذكر زوج والأنثى زوج والعرب تسمي الواحد زوجا إذا كان لا ينفك عن الآخر. وسيأتي إن شاء الله تعالى، الكلام على البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، في باب النون في النعم.
وقد جعل الله تعالى البركة، في نوع الغنم فهي تلد في العام مرة ويؤكل منها ما شاء الله ويمتلىء منها وجه الأرض، بخلاف السباع فإنها تلد شتاء وصيفا، ولا يرى منها إلا واحد واحد في أطراف الأرض، ويضرب المثل بلين جلودها، لما روى البيهقي والترمذي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال «٢» : «يخرج في آخر الزمان رجال يختلون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم قلوب الذئاب» وفي رواية: «وقلوبهم أمر من الصبر يلبسون للناس جلود الضأن من اللين يشترون الدنيا بالدين يقول الله تعالى: أبي يغترون وعلي يجترئون، فبي حلفت لأقيضن لهم فتنة تدع الحليم منهم حيران» . يقال: ختله يختله إذا خدعه، وختل الذئب الصيد، إذا تخفى له. وبين المعز والضأن تضاد يوجب أن لا يقع بينهما لقاح أصلا.
وعن عجيب طبعها وأمرها أنها ترى الفيل والجاموس فلا تهابهما، مع عظم أبدانهما، وترى الذئب فيعتريها خوف عظيم لمعنى خلقه الله في طباعها. ومن غريب أمرها أن الغنم تلد في ليلة واحدة عددا كثيرا ثم إن الراعي يسرح بالأمهات من الغد ويأتي بها عند العشاء، ويخلي بينها وبين
стр. 622
السخال، فتذهب كل واحدة إلى أمها. ويجلب من الهند نوع من الضأن، في صدره ألية وعلى كتفيه أليتان، وعلى فخذيه أليتان وعلى ذنبه ألية، وربما تكبر ألية الضأن حتى تمنعه من المشي، وإن تسافدت الغنم عند نزول المطر لا تحمل، وإن كان السفاد عند هبوب الشمال تكون الأولاد ذكورا، وإن كان عند هبوب الجنوب تكون الأولاد إناثا. وإذا رعت الضأن الزرع رجع، وإذا رعته المعز لم ينبت. وقالت العرب: «جز ضائنة وحلق معزة» .
وحكمها
: حل الأكل بالاجماع.
الأمثال
: قالوا: «أجهل من راعي «١» ضأن» و «أحمق من راعي ضأن ثمانين «٢» » و «أحمق من طالب ضأن ثمانين «٣» » وذلك أن الضأن تنفر من كل شيء، فيحتاج راعيها إلى أن يجمعها في كل وقت، وفي الصحاح: «أحمق من صاحب ضأن ثمانين» وذلك أن أعرابيا بشر كسرى ببشرى فسر بها، فقال: سلني ما شئت، فقال: أسألك ضأنا ثمانين.
وقال ابن خالويه: إنه رجل قضى للنبي ﷺ حاجة، فقال ﷺ : «ائتني بالمدينة» ، فأتاه، فقال ﵊ له: «أيما أحب أليك، ثمانون من الضأن أو أدعو الله أن يجعلك معي في الجنة» ؟ فقال: بل ثمانون من الضأن، فقال ﵊: «أعطوه إياها» . ثم قال ﷺ :
«إن صاحبة موسى كانت أعقل منك، وذلك أن عجوزا دلته على عظام يوسف ﵇، فقال لها موسى: أيما أحب إليك أسأل الله أن تكوني معي في الجنة أو مائة من الغنم؟ قالت: الجنة» .
والحديث رواه ابن حبان والحاكم في المستدرك مع اختلاف فيه وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
وعن أبي موسى الأشعري قال: إن النبي ﷺ كان يقسم غنائم هوازن بحنين فوقف عليه رجل من الناس فقال: إن لي عندك موعدا يا رسول الله فقال ﷺ : «صدقت فاحتكم ما شئت» قال: إني أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها. فقال ﷺ : «هي لك، ولقد احتكمت يسيرا، ولصاحبة موسى التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك حين حكمها موسى، فقالت: حكمي أن تردني شابة وأدخل معك الجنة» «٤» . قال في الإحياء، في آخر الآفة الثالثة عشرة؛ من آفات اللسان: وكان الناس يضعفون ما احتكم هذا الانسان به حتى جعلوه مثلا، فقالوا: «أقنع من صاحب الثمانين والراعي» .
الخواص
: لحم الضأن يمنع المرة السوداء، ويزيد في المني وينفع من السموم، وهو حار رطب بالنسبة إلى المعز، وأجوده الحولي، وهو ينفع المعدة المعتدلة ويضر من يعتاده العشي، وتدفع مضرته بالأمراق القابضة، ويكره لحم النعاج لأنه يولد دما رديئا، ولحم الخرفان يغذو غذاء كثيرا حارا رطبا لكنه يولد البلغم، والحولي من الضأن أغذى من صغيرها، ولحم الضأن في الربيع أجود وأنفع منه في سائر الأزمان، ولحم الخصي منها يزيد في الباه، ودمها إذ أخذ وهو حار ساعة تذبح وطلي به الوضح غير لونه وضيعه. وكبد التيس إذا أحرقت طرية ودلك بها الأسنان بيضها،
стр. 623
وقرن الكبش إذا دفن تحت شجرة يكثر حملها، وإذا اكتحل بمرارة الكبش مع العسل، يمنع من نزول الماء، وعظمه يحرق بخشب الطرفاء ويخلط رماده بدهن الشمع المتخذ من دهن الورد، ويطلى به موضع الهشم يصلحه. وإذا تحملت المرأة بصوف النعجة، قطعت الحبل. وإذا غطي الإناء بصوف الضأن الأبيض، وفيه عسل، لم يقربه النمل.
الضؤضؤ:
الطائر الذي يسمى الأخيل، قاله ابن سيده وتوقف فيه ابن دريد.
الضب:
بفتح الضاد، حيوان بري معروف يشبه الورل، قال أهل اللغة: وهو من الأسماء المشتركة فيطلق على ورم في خف البعير وعلى ضبة الحديد، والضب اسم للجبل الذي بمسجد الخيف في أصله. وضبة الكوفة وضبة البصرة قبيلتان من العرب. والضب أن يجمع الحالب خلفي الناقة في كفيه جميعا أنشد ابن دريد:
جمعت له كفّي بالرمح طاعنا ... كما جمع الخلفين في الضبّ حالب
وكنيته أبو حسل والجمع ضباب وأضب مثل كف وأكف والأنثى ضبة قالت العرب: «لا أفعله حتى يرد الضب» ، لأن الضب لا يرد الماء. قال ابن خالويه، في أوائل كتاب ليس: الضب لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدا، ويقال إنه يبول في كل أربعين يوما قطرة، ولا تسقط له سن ويقال إن أسنانه قطعة واحدة ليست مفرقة. ومن كلامهم الذي وضعوه على ألسنة البهائم:
ثم قالت السمكة: رد يا ضب فقال «١» :
أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا
إلّا عرادا عردا ... وصلّيا نا بردا «٢»
وعنكشا ملتبدا
ولما كان بين الحوت والضب هذا التضاد أشار إليه حاتم الأصم ﵀ بقوله:
وكيف أخاف الفقر والله رازقي ... ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفّل بالأرزاق للخلق كلّهم ... وللضبّ في البيدا وللحوت في البحر
وضبب البلد وأضب كثرت ضبابه. وأرض ضبية أي كثيرة الضباب. قال عبد اللطيف البغدادي:
الورل والضب والحرباء وشحمة الأرض والوزغ، كلها متناسبة في الخلق. وللضب ذكران وللأنثى فرجان، كالورل والحرذون. وقال عبد القاهر: الضب دويبة على حد فرخ التمساح الصغير وذنبه كذنبه وهو يتلون ألوانا بحر الشمس كما تتلون الحرباء انتهى.
أسند ابن أبي الدنيا، في كتاب العقوبات، عن أنس قال: إن الضب ليموت في جحره هزالا من ظلم بني آدم، ولما سئل أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، عن ذكر الضب، قال: إنه كلسان الحية أصل واحد له فرعان، وإذا أرادت الضبة أن يخرج بيضها، حفرت في الأرض حفرة، ورمت فيها البيض وطمتها بالتراب، وتتعاهدها كل يوم، حتى يخرج، وذلك في أربعين
стр. 624
يوما، وهي تبيض سبعين بيضة وأكثر، وبيضها يشبه بيض الحمام.
والضب يخرج من جحره كليل البصر فيجلوه بالتحدق للشمس، ويغتذي بالنسيم ويعيش ببرد الهواء، وذلك عند الهرم، وفناء الرطوبات، ونقص الحرارات، وبينه وبين العقارب مودة، فلذلك يؤويها في جحره لتلسع المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، ولا يتخذ جحره إلا في كدية جحر، خوفا من السيل والحافر، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة لحفره بها في الأماكن الصلبة، وفي طبعه النسيان وعدم الهداية وبه يضرب المثل في الحيرة ولذلك لا يحفر جحره إلا عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه، إذا خرج لطلب المطعم، ويوصف بالعقوق لأنه يأكل حسوله فلا ينجو منها إلا ما هرب، وأشار إلى ذلك الشاعر بقوله «١» :
أكلت بنيك أكل الضب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد
وهو طويل العمر، ومن هذه الجهات يناسب الحيات والأفاعي. ومن طبعه أنه يرجع في قيئه كالكلب، ويأكل رجيعه. وهو طويل الدم بعد الذبح وهشم الرأس، يقال إنه يمكث بعد الذبح ليلة ويلقى في النار فيتحرك. ومن شأنه في الشتاء أن لا يخرج من جحره، وقد أشار إلى ذلك أمية بن أبي الصلت «٢» لما جاء إلى عبد الله بن جدعان «٣» يطلب نائله بقوله:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الوفاء
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضه الثناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
يباري الريح تكرمة ومجدا ... إذا ما الضبّ أجحره الشتاء
فأرضك كلّ مكرمة بناها ... بنو تيم وأنت لها سماء
فائدة
: روى الدارقطني والبيهقي، وشيخه الحاكم وشيخه ابن عدي، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان في محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله، فرأى جماعة محتفين بالنبي ﷺ ، فقال: على من هؤلاء الجماعة؟ فقالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي. فأتاه فقال: يا محمد ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أن تسميني العرب عجولا لقتلتك وسررت الناس بقتلك أجمعين! فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله دعني أقتله. فقال ﷺ : «لا أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا» . ثم أقبل الأعرابي على رسول الله ﷺ فقال: واللات والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن هذا الضب! وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ وقال: إن آمن بك آمنت بك! فقال ﷺ : «يا ضب» ، فكلمه الضب بلسان طليق فصيح، عربي مبين صريح، يفهمه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين! فقال ﷺ «من تعبد» قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه. فقال ﷺ : «فمن أنا يا ضب» ؟
стр. 625
قال: أنت رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك.
فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وإنك رسول الله حقا، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض إلي منك، ووالله لأنت الساعة أحب إلي من نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري، وداخلي وخارجي، وسري وعلانيتي.
فقال له رسول الله ﷺ : «الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن» قال: فعلمني فعلمه النبي ﷺ سورة الفاتحة وسورة الإخلاص. فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الوجيز أحسن من هذا! فقال ﷺ : «إن هذا كلام رب العالمين وليس بشعر. إذا قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
«١» مرة فكأنما قرأت ثلث القرآن، وإذا قرأتها مرتين، فكأنما قرآت ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاثا فكأنما قرأت القرآن كله» .
فقال الأعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير، ويعطي الكثير. ثم قال له النبي ﷺ : «ألك مال» ؟ فقال: ما في بني سليم قاطبة رجل أفقر مني. فقال ﷺ لأصحابه: «أعطوه» ، فأعطوه حتى أبطروه. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، أنا أعطيه ناقة عشراء تلحق ولا تلحق، أهديت إلي يوم تبوك، فقال ﷺ : «قد وصفت ما تعطي، وأصف لك ما يعطيك الله جزاء» قال: نعم صف يا رسول الله. قال ﷺ : «لك ناقة من درة بيضاء جوفاء، قوائمها من زبرجد أخضر، وعيناها من ياقوت أحمر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والاستبرق، تمر بك على الصراط كالبرق الخاطف» .
فخرج الأعرابي من عند رسول الله ﷺ فتلقاه ألف أعرابي على ألف دابة بألف سيف، فقال لهم: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا الذي يكذب ويزعم أنه نبي. فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا له: صبأت، فحدثهم بحديثهم، فقالوا كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم أتوا النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله مرنا بأمرك، فقال ﷺ : «كونوا تحت راية خالد بن الوليد» . فلم يؤمن في أيامه ﷺ من العرب، ولا من غيرهم ألف غيرهم.
الحكم
: يحل أكل الضب بالاجماع. قال في الوسيط: ولا يؤكل من الحشرات إلا الضب.
قال ابن الصلاح، في مشكله: هذا غير مرضي فإن الحشرات اليربوع والقنفذ، ذكرهما الأزهري وغيره. وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قيل له: أحرام هو؟
قال: «لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» . وفي سنن «٢» أبي داود، لما رأى النبي ﷺ الضبين المشويين بزق، فقال خالد: يا رسول الله أراك تقذره، وذكر تمام الحديث. وفي رواية لمسلم «لا آكله ولا أحرمه» «٣» وفي الأخرى: «كلوه فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي» . وكل هذه الروايات صريحة في الإباحة، ولأن العرب تستطيبه والدليل عليه قول «٤» الشاعر:
أكلت الضباب فما عفتها ... وإني اشتهيت قديد الغنم
ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فاترا في الشّبم
стр. 626
وأما البهض وحيتانكم ... فأصبحت منها كثير السّقم
وركبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم
وقد نلت منها كما نلتمو ... فلم أر فيها كضبّ هرم
وما في التيوس كبيض الدجاج ... وبيض الدجاج شفاء القرم
ومكن الضباب طعام العرب ... وكاشيه منها رؤوس العجم
قوله: الحنيذ، أي المشوي، وماء الشبم بفتح الشين المعجمة وفتح الباء الموحدة ماء الأسنان، والبهض بكسر الباء الموحدة وفتح الهاء وبالضاد المعجمة الأرز باللبن، والقرم بفتح القاف وكسر الراء الرجل يشتهي اللحم، والمكن بفتح الميم وإسكان الكاف وبالنون في آخره، بيض الضب والكشا جمع كشية بضم الكاشف وإسكان الشين المعجمة. ولا يكره أكله عندنا خلافا لبعض أصحاب أبي حنيفة. وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه. قال الإمام العلامة النووي:
وما أظنه يصح عن أحد انتهى.
وأما ما روي عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: نزلنا أرضا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة، فطبخنا منها أي من الضباب، فإن القدور لتغلي إذ جاءنا رسول الله ﷺ ، فقال «١» : «ما هذا» ؟
فقلنا: ضباب أصبناها، فقال: «إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض وإني أخشى أن يكون هذا منها فلم آكلها ولم أنه عنها» ، فيحتمل أن ذلك قبل أن يعلم أن الممسوخ لا يعقب.
وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ لما خرج إلى حنين، مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال «٢» ﷺ : «سبحان الله هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فو الذي نفسي بيده لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» . قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن» ؟ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما أشبه الليلة بالبارحة؟ هؤلاء بنو إسرائيل. قال ابن العربي، في عارضة الأحوذي: تفكرت برهة في وجه ضرب المثل بالضب، فعرضت لي في الخاطر معان، أشبهها الآن أن الضب عند العرب يضرب به المثل للحاكم من الإنس، والحاكم تأتي إليه الخلق بأجمعهم، فيما يعرض من الأمور لهم، فلا يتأخر أحد عنه فكان المعنى مصيرهم لذلك.
الأمثال
: قالوا: «أضل من ضب «٣» » ، والضلال ضد الهداية. وكذلك قالوا في الورل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقالوا: «أعق من ضب «٤» » قال ابن الأعرابي: إنما يريدون الأنثى وعقوقها أنها تأكل أولادها. «وأحيى من ضب» ، أي أطول عمرا و «أجبن من ضب» و «أبله من ضب» و «أخدع من ضب «٥» » . قال «٦» الشاعر:
стр. 627
وأخدع من ضبّ إذا جاء حارس ... أعدله عند الذبابة عقربا
وقالوا: «أعقد من ذنب الضب»
» ، لأن عقده كثيرة. وزعموا أن بعض الحاضرة، كسا أعرابيا ثوبا، فقال له: لأكافئنك على فعلك بما أعلمك كم في ذنب الضب من عقدة؟ قال: لا أدري، قال: فيه إحدى وعشرون عقدة.
الخواص
: إذا خرج الضب من بين رجلي انسان، لا يقدر بعد ذلك على مباشرة النساء.
ومن أكل قلبه أذهب عنه الحزن والخفقان، وشحمه يذاب ويطلى به القضيب يهيج شهوة الجماع، ومن أكل منه لا يعطش زمانا طويلا، وخصيتاه من استصحبهما معه يحبه الخدم محبة شديدة، وكعبه يشد على وجه الفرس لا يسبقه شيء من الخيل، عند المسابقة. وجلده يجعل منه غلاف للسيف يشجع صاحبه، وإن اتخذ ظرفا للعسل، فمن لعق منه هيج شهوة الجماع، ويورث انعاظا شديدة، وبعره ينفع من البرص والكلف طلاء، ومن بياض العين اكتحالا، ومن نزول الماء فيها.
التعبير
: الضب في المنام رجل عربي خداع في أموال الناس، ومال صاحبه، وقيل: إنه رجل مجهول النسب، وقيل: إنه رجل ملعون لأنه من الممسوخ وقيل: إنه يدل على الشبهة في الكسب، وقيل: من رأى الضب في المنام فإنه يمرض.
الضبع:
معروفة، ولا تقل ضبعة، لأن الذكر ضبعان، والجمع ضباعين مثل سرحان وسراحين. والأنثى ضبعانة والجمع ضبعانات وضباع، وهذا الجمع للذكر والأنثى مثل سبع وسباع كذا قاله الجوهري. وقال ابن بري: قوله: والأنثى ضبعانة لا يعرف.
وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة، وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها ولا ينحل نظمها، أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث، لأنه هو الأصل والمؤنث فرع عنه، إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع قلت: ضبعان وأجريت التثنية على لفظ المؤنث، الذي هو ضبع لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان، وإنما فعل ذلك فرارا مما كان يجتمع من الزوائد أن لو ثنى على لفظ المذكر. والموضع الثاني أنهم في باب التاريخ أرخوا بالليالي، وهي مؤنثة دون الأيام التي هي مذكرة، وإنما فعلوا ذلك مراعاة للأسبق، والأسبق من الشهر ليلته هذا كلامه بحروفه.
وقال الحريري في الدرة: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر إلا في التاريخ، فإنه بالعكس وإلا في تثنية ضبع وضبعان، فيقال: ضبعان بفتح الضاد وضم الباء والنور مكسورة.
وعن ابن الأنباري أن الضبع يطلق على الذكر والأنثى، وكذلك حكاه ابن هشام الخضراوي، في كتابه الإفصاح في فوائد الإيضاح للفارسي عن أبي العباس وغيره. والمعروف في المحكم وغيره ما تقدم. وتصغير الضبع أضيبع لما تقدم، في أول باب الهمزة، مما رواه مسلم في باب إعطاء القاتل سلب المقتول، من طريق أبي قتادة، من حديث الليث، فقال أبو بكر رضي الله
стр. 628
تعالى عنه: «كلا لا يعطيه لأضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله» . وشذ الخطابي، فقال:
الأضيبع نوع من الطيور.
ومن أسماء الضبع جيل وجعار وحفصة، ومن كناها أم خنور وأم طريق وأم عامر وأم القبور وأم نوفل والذكر أبو عامر وأبو كلدة وأبو الهنبر. وقد تقدم في باب الهمزة أن الضبع تحيض كالأرنب، تقول: ضحكت الأرنب ضحكا، أي حاضت قال الشاعر:
وضحك الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الحرب يوم اللقا
يعني الحيض، فيما زعم بعضهم. وقال ابن الأعرابي في قول ابن أخت تأبط شرا «١» :
تضحك الضبع لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل
أي إن الضبع، إذا أكلت لحوم الناس، أو شربت دماءهم، طمثت وقد أضحكها الدم. قال الشاعر:
وأضحكت الضباع سيوف سعد ... لقتلى ما دفن ولا ودينا
وكان ابن دريد يرد هذا، ويقول: من شاهد الضباع عند حيضها، حتى علم أنها تحيض؟ وإنما أراد الشاعر أنها تكشر لأكل اللحوم، وهذا سهو منه فجعل كشرها ضحكا. وقيل: معناه أنها تستبشر بالقتلى إذا أكلتهم فيهر بعضها على بعض فجعل هريرها ضحكا. وقيل: أراد أنها تسر بهم، فجعل السرور ضحكا، لأن الضحك إنما يكون منه كتسمية العنب خمرا، وتستهل الذئاب تصيح وتعوي، قاله ابن سيده.
ومن عجيب أمرها، أنها كالأرنب، تكون سنة ذكرا وسنة أنثى فتلقح في حال الذكورة، وتلد في حال الأنوثة، نقله الجاحظ والزمخشري في ربيع الأبرار، والقزويني في عجائب المخلوقات، وفي كتابه مفيد العلوم ومبيد الهموم، وابن الصلاح في رحلته عن ارسطالطاليس وغيرهم، قال القزويني: وفي العرب قوم يقال لهم الضبعيون، لو كان أحدهم في قفل فيه ألف نفس، وجاء الضبع لا يقصد أحدا سواه. والضبع توصف بالعرج وليست بعرجاء وإنما يتخيل ذلك للناظر، وسبب هذا التخيل لدونة في مفاصلها، وزيادة رطوبة في الجانب الأيمن على الأيسر منها. وهي مولعة بنبش القبور لكثرة شهوتها للحوم بني آدم، ومتى رأت إنسانا نائما حفرت تحت رأسه، وأخذت بحلقه فتقتله وتشرب دمه. وهي فاسقة لا يمر بها حيوان من نوعها إلا علاها.
وتضرب العرب بها المثل في الفساد، فإنها إذا وقعت في الغنم عاثت، ولم تكتف بما يكتفي به الذئب، فإذا اجتمع الذئب والضبع في الغنم سلمت لأن كل واحد منها يمنع صاحبه. والعرب تقول في دعائها: اللهم ضبعا وذئبا أي اجمعهما في الغنم لتسلم. ومنه قول الشاعر:
تفرقت غنمي يوما فقلت لها: ... يا رب سلط عليها الذئب والضبعا
стр. 629
قيل للأصمعي: هذا دعاء لها أم عليها؟ فقال: دعاء لها وذكر ما تقدم. والضبع إذا وطئت ظل الكلب في القمر، وهو على سطح وقع الكلب، فأكلته. وتوصف بالحمق، وذلك أن الصيادين لها، يقولون على باب وجارها كلمات، يصيدونها بها كما تقدم في الذبح. والجاحظ يرى هذا من خرافات العرب. وتلد من الذئب جروا ويسمى العسبار قال «١» الراجز:
يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركا من ثفرها لا تنقطع
كلّ الحذاء يحتذى الحافي الوقع
الثفر للسباع وكل ذات مخلب بمنزلة الحياء من الناقة.
وحكمها
: حل الأكل، قال الشافعي رحمه الله تعالى: «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع» «٢» . فما قويت أنيابه، فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، يكون عداؤه بأنيابه علة تحريم أكله. والضبع لا يغتذي بالعدوى، وقد يعيش بغير أنيابه. وقد تقدم ذلك، في باب الهمزة، في لفظ الأسد وبحلها. قال الإمام أحمد واسحاق وأبو ثور وأصحاب الحديث. وقال مالك: يكره أكلها، والمكروه عنده ما أثم آكله، ولا يقطع بتحريمه. واحتج الشافعي بما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع. وبه قال ابن عباس وعطاء، وقال أبو حنيفة: الضبع حرام، وهو قول سعيد بن المسيب والثوري محتجين بأنه ذو ناب. وقد «نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع» .
ودليلنا ما روى عبد الرحمن بن أبي عمار، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. قلت: أتؤكل؟ قال: نعم. قلت: أقاله رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم. أخرجه الترمذي وغيره، وقال حسن صحيح.
وقال جابر: قال رسول الله ﷺ : «الضبع صيد وجزاؤه كبش مسن ويؤكل» «٣» . رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، وذكره ابن السكن أيضا، في صحاحه، قال الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: إنه حديث صحيح. وفي البيهقي عن عبد الله بن مغفل السلمي، قال:
قلت يا رسول الله ما تقول في الضبع؟ قال: «لا آكله ولا أنهي عنه» «٤» . قال: قلت ما لم تنه عنه فإني آكله. اسناده ضعيف. قال الشافعي: وما زال لحم الضبع يباع بين الصفا والمروة، من غير نكير. وأما ما ذكروه من حديث النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، فإنه محمول على ما إذا كان يتقوى بنابه، بدليل أن الأرنب حلال وله ناب ولكنه ضعيف لا يعدو به.
الأمثال
: قالوا: «أحمق من ضبع» «٥» ، ومن الأمثال الشهيرة في ذلك، ما رواه البيهقي، في آخر شعب الايمان، عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، أنه سأل يونس بن حبيب عن المثل المشهور «٦»
стр. 630
«كمجير أم عامر» فقال: كان من حديثه أن قوما خرجوا إلى الصيد، في يوم حار، فبينما هم كذلك إذ عرضت لهم أم عامر وهي الضبع، فطردوها فاتبعتهم حتى ألجؤوها إلى خباء أعرابي، فاقتحمته. فخرج إليهم الأعرابي فقال: ما شأنكم؟ فقال: صيدنا وطريدتنا، قال: كلا والذي نفسي بيده لا تصلون إليها ما ثبت قائم سيفي بيدي. قال: فرجعوا وتركوه، فقام إلى لقحة له فحلبها وقرب إليها ذلك، وقرب إليها ماء، فأقبلت مرة تلغ من هذا ومرة تلغ من هذا حتى عاشت واستراحت، فبينما الأعرابي نائم في جوف بيته، إذ وثبت عليه فبقرت بطنه، وشربت دمه، وأكلت حشوته وتركته. فجاء ابن عم له فوجده على تلك الصورة، فالتفت إلى موضع الضبع فلم يرها فقال: صاحبتي والله، وأخذ سيفه وكنانته واتبعها، فلم يزل حتى أدركها فقتلها وأنشأ يقول:
ومن يصنع المعروف من غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر
أدام لها حين استجارت بقربه ... قراها من البان اللقاح الغزائر
وأشبعها حتى إذا ما تملأت ... فرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... غدا يصنع المعروف مع غير شاكر
ومن الأمثال: قال الميداني: قالوا: «ما يخفى هذا على الضبع» يضرب للشيء يتعالمه الناس، والضبع أحمق الدواب.
الخواص
: قال صاحب عين الخواص: الضبع تجذب الكلاب كما يجذب المغناطيس الحديد. وذلك أنه إذا كان كلب على سطح في ليلة مقمرة مضيئة ووطئت الضبع ظله في الأرض، يقع الكلب من السطح فتأكله الضبع. وشحم الضبع، إذا طلي به الجسد أمن من مضرة الكلاب، ومرارتها، إذا يبست، وسقي امرأة منها قدر نصف دانق، أبغضت المجامعة وذهبت منها الشهوة. وإذا اتخذ من جلد الضبع منخل، ونخل به البزور، وزرعت لا يضره الجراد، ذكر ذلك كله محمد بن زكريا الرازي، في كتبه انتهى.
قال عطارد بن محمد: الضبع تهرب من عنب الثعلب، فإذا طلي بعصارته الجسد أمن من مضرة الضبع، وجلد الضبع إذا أمسكه إنسان، لم تنبح عليه الكلاب. ومرارتها يكتحل بها تنفع من ظلمة البصر، والماء في العين وتحد البصر وتقويه، وعينها اليمنى تقلع وتنقع في الخل سبعة أيام، ثم تخرج منه وتجعل تحت فص خاتم، فمن لبسه لم يخف سحرا ولا عينا ما دام لا بسه، ومن كان به سحر، فغسل ذلك الخاتم بماء، ثم يسقى منه فإن السحر يذهب عنه. وهو نافع للربط وغيره من أنواع السحر، ورأس الضبع، إذا جعل في برج حمام، كثر فيه الحمام، ولسانها، من أمسكه بيده اليمنى لم تنبح عليه الكلاب ولم تؤذه، وحذاق العيارين يفعلون ذلك.
ومن خاف الضباع، فليأخذ بيده أصلا من أصول العنصل «١» ، فإنها تهرب منه. وإذا بخر الصبي العليل سبعة أيام بشعر قفا الضبع، فإنه يبرأ. وإذا سقيت المرأة قضيب الضبعان مسحوقا، وهي لا تعلم أذهب عنها شهوة الجماع. ومن علق عليه قطعة من فرجها صار محبوبا
стр. 631
للناس، وأسنان الضبع، إذا ربطت على العضد، تنفع من النسيان ووجع الأسنان. وإذا جلد بجلده مكيال وكيل به البذر، أمن من ذلك الزرع من سائر الآفات. ومن غريب خواصها، أن من أكل دمها ذهب عنه الوسواس، ومن أمسك بيده حنظلة، فرت الضباع منه، وإذا طلي الجسد بشحم الضباع، أمن من عقر الكلاب.
وقال حنين «١» بن إسحاق: إذا نتف الشعر الذي في باطن أجفان العين، واكتحل بمرارة الضبع، أو بمرارة ببغاء، أو بمرارة سبع، أو بمرارة عنز، فإنه يذهب بإذن الله تعالى. وقضيبه يجفف ويسحق ويستف منه الرجل قدر دانقين فإنه يهيج به شهوة الجماع، ولا يمل من النساء. وقال غيره: إذا شرب من مرارة الضبع نصف درهم بمثله عسلا، نفع من سائر الأعلال التي تكون في الرأس والعين، ويمنع نزول الماء في العين ويشد الانتشار وإن خلطت المرارة بالعسل، واكتحل بها جلا العين وزادها حسنا، وكلما عتق هذا الخلط كان أجود وأحسن نفعا. وقال ماسرجويه:
الاكتحال بمرارة الضبع ينفع من البله والدموع.
ومن غريب خواصها وهو ما أطبق عليه الأطباء، أن شعر الفخذ اليمنى من ذكر الضباع الذي حول فقحته إذا نتف وأحرق وخلط في زيت مسحوقا، ودهن بن من به بغا أبرأه، وهو يحدث العلة في السليم، إذا كان الشعر من أنثى، فافهم. وهو عجيب مجرب مرارا عديدة.
التعبير
: الضبع تدل رؤيته على كشف الأسرار، والدخول فيما لا يعني. وربما دلت رؤية الذكر على الرجل الخنثى المشكل، وربما دلت على عدو ظلوم مكايد مخالف. وقيل: الضبع امرأة قبيحة المنظر، دنيئة الأصل، ساحرة عجوز.
وقال ارطاميدورس: الضبع تدل على الخديعة، ومن ركبها في المنام نال سلطانا والله أعلم.
أبو ضبة:
الدرّاج. قاله في المرصع، وقد تقدم لفظ الدراج في باب الدال المهملة.
الضرغام:
والضرغامة الأسد، وما أحسن ما رواه أبو مظفر السمعاني، عن والده، قال:
سمعت سعد بن نصر الواعظ الحيوان يقول: كنت خائفا من الخليفة لحادث نزل واشتد الطلب لي فاختفيت، فرأيت في النوم ليلة من الليالي كأني في غرفة جالس على كرسي وأنا أكتب شيئا، فجاء رجل فوقف بإزائي وقال: اكتب ما أملي عليك وأنشدني:
ادفع بصبرك حادث الأيام ... وترجّ لطف الواحد العلّام
لا تيأسن وإن تضايق كربها ... ورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالى بين ذلك فرجة ... تخفى على الأبصار والأوهام
كم من نجي بين أطراف القنا ... وفريسة سلمت من الضرغام «٢»
стр. 632
قال: فلما أصبحت أتى الفرج، وزال الخوف والحرج. وفي سراج الملوك، للإمام العلامة الطرطوشي، عن عبد الله بن حمدون قال: كنت مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصورها، ثم خرج فرأى ديرا هناك، قديما حسن البناء، بين مزارع وأنهار وأشجار، فدخله فبينما هو يطوف، إذ أبصر رقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات:
أيا منزلا بالدير أصبح خاليا ... تلاعب فيه شمأل ودبور «١»
كأنك لم يسكنك بيض أوانس ... ولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاك غواشم سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فعوابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللقاء دراغم ... وأيديهم يوم العطاء بحور
ليالي هشام بالرّصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذ الدهر غضّ والخلافة لدنة ... وعيش بني مروان فيك نضير
ويروى:
وروضك مرتاض ونورك مزهر ... وعيش بني مروان فيك نضير
بلى فسقاك الله صوب غمامة ... عليك بها بعد الرواح بكور
تذكرت قومي خاليا فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جدير
فعزّيت نفسي وهي نفس إذا جرى ... لها ذكر قومي أنة وزفير
لعلّ زمانا بالبكاء يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه غد ... وإنّ صروف الدائرات تدور
فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير، وقال: أعوذ بالله من شر أقداره، ثم دعا صاحب الدير وسأله عن الرقعة ومن كتبها؟ فقال: لا علم لي بهما اهـ.
وذكر غيره، أنه بعد عوده إلى بغداد، لم يلبث إلا أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر. وقد تقدم ذكر قتله وكيفيته، في باب الهمزة، في الاوز في ذكر الخلفاء.
وذكر ابن خلكان، في تاريخه في ترجمة علي بن محمد بن أبي الحسن الشابشتي «٢» ، أن الواقعة كانت للرشيد، قال: ولم نعرف نسبة الشابشتي إلى أي شيء.
الضريس:
الطيهوج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الطاء المهملة.
стр. 633
ومن أمثال العامة السائرة «أكسل من الضريس» ، لأنه يلقي رجيعه على أولاده.
الضغبوس:
ولد الثرملة، وقد تقدم في باب الثاء المثلثة أنها أنثى الثعالب.
الضفدع:
بكسر الضاد وسكون الفاء والعين المهملة بينهما دال مهملة، مثال الخنصر، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة وناس يقولون: ضفدع بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف: درهم وهجرع وهو الطويل وهبلع وهو الأكول، وبلعم وهو اسم. وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه، من حيث اللغة، كسر الدال وفتحها، أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصة وقد أنكره بعض أئمة اللغة، وقال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: وحكي أيضا ضفدع، بضم الضاد وفتح الدال، وهو نادر. وحكاه المطرزي أيضا، قال في الكفاية: وذكر الضفادع يقال له العلجوم، بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو وآخره ميم. ويقال للضفدع أبو المسيح وأبو هبيرة وأبو معبد وأم هبيرة.
والضفادع أنواع كثيرة، وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري، ومن العفونات وعقب الأمطار الغزيرة، حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة، عقب المطر والريح. وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة، من طباع تلك البرية، وهي من الحيوانات التي لا عظام لها. ومنها ما ينق وما لا ينق، والذي ينق منها يخرج صوته من قرب أذنه، وتوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء، وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق. وما أظرف قول الشاعر وقد عوتب على قلة كلامه:
قالت الضفدع قولا ... فسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ينطق ... من في فيه ماء
قال عبد القاهر: والثعبان يستدل بصياح الضفدع عليه، فيأتي على صياحه فيأكله. وأنشد في ذلك يقول «١» :
يجعل في الأشداق ماء ينصفه ... حتى ينقّ والنقيق يتلفه
قوله: ينصفه بضم الياء المثناة تحت، واسكان النون وكسر الصاد المهملة، وليس المراد هنا العدل بل المراد حتى يبلغ نصف فكه الأعلى، وقوله: والنقيق يتلفه أراد به الضفادع إذا صاحت يتبعها الثعبان فيجيء فيأكلها وفي ذلك يقول «٢» الشاعر:
ضفادع في ظلماء تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر
وحية البحر الأفعى التي تكون في البر، وهي تعيش في البر والبحر كما تقدم. ويعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها وتتعجب منها إلا أنها
стр. 634
تنق، فإذا أبصرت النار سكتت، ولا تزال تدمن النظر إليها، وأول نشئها في الماء أن تظهر مثل حب الدخن أسود ثم تخرج منه، وهي كالدعموص، ثم بعد ذلك تنبت لها الأعضاء، فسبحان القادر على ما يشاء وما يريد سبحانه لا إله إلا هو. وفي الكامل لابن عدي، في ترجمة عبد الرحمن بن سعد بن عثمان بن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ ، عن جابر أن النبي ﷺ قال «١» «من قتل ضفدعا فعليه شاة محرما كان أو حلالا» . قال سفيان: يقال إنه ليس شيء أكثر ذكرا لله منه. وفيه، في ترجمة حماد بن عبيد، أنه روى عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضفدعا ألقت نفسها في النار من مخافة الله فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نقيقهن التسبيح. وقال «٢» «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع والصرد والنحلة» قال: ولا أعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث.
وفي كتاب الزاهر لأبي عبد الله القرطبي، أن داود ﵇ قال: لأسبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدعة من ساقية في داره: يا داود تفتخر على الله بتسبيحك، وإن لي لسبعين سنة ما جف لساني من ذكر الله تعالى، وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين. فقال: ما هما؟ قالت: يا مسبحا بكل لسان، ومذكورا بكل مكان، فقال داود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا؟.
وروى البيهقي في شعبه عن أنس بن مالك أنه قال: إن نبي الله داود ظن في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما مدحه به، فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه، والبركة إلى جنبه، فقال: يا داود افهم ما تصوت به هذه الضفدعة فأنصت إليها، فإذا هي تقول: سبحانك وبحمدك منتهى علمك. فقال له الملك: كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي كتاب فضل الذكر لجعفر بن محمد بن الحسن الغرياني «٣» الحافظ العلامة، عن عكرمة، أنه قال: صوت الضفدع تسبيح. وفيه أيضا عن الأعمش عن أبي صالح، أنه سمع صوت صرير باب، فقال: هذا منه تسبيح.
فائدة
: قال الرئيس ابن سينا: إذا كثرت الضفادع في سنة، وزادت عن العادة، يقع الوباء عقبها. وقال القزويني: الضفادع تبيض في الرمل مثل السلحفاة، وهي نوعان: جبلية ومائية.
ونقل الزمخشري في الفائق، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، قال: سأل رجل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم رجلا كالبلور، يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة، قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له، فإذا ذكر الله خنس. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر هذا أيضا في لفظ الكركي، من كلام السهيلي.
стр. 635
الحكم
: يحرم أكلها للنهي عن قتلها، وروى البيهقي في سننه، عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي ﷺ «نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد» «١» .
وفي مسند أبي داود الطيالسي، وسنن أبي داود والنسائي والحاكم، عن عبد الله بن عثمان التيمي عن النبي ﷺ ، أن طبيبا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء، «فنهاه ﷺ عن قتلها» «٢» . فدل على الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء. وقال بعض الفقهاء: إنما حرم الضفدع، لأنه كان جار الله في الماء الذي كان عليه العرش قبل خلق السموات والأرض، قال «٣» تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.
روى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح» . قال السلمي: سألت الدارقطني عنه، فقال: إنه ضعيف، قلت:
الصواب أنه موقوف على عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قاله البيهقي، وقد تقدم في الخطاف. قال الزمخشري: إنها تقول في نقيقها سبحان الملك القدوس. وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع، فإنها مرت بنار إبراهيم ﵇، فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار.
وفي شفاء الصدور لابن سبع، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهن تسبيح» «٤» .
ومن أحكامه
: أنه ينجس بالموت كغيره من الحيوان الذي لا يؤكل. ونقل في الكفاية، عن الماوردي حكاية وجه أنه لا ينجس بالموت. وغلطه شيخنا، في النقل عنه، وقال: لا ذكر لهذا الوجه في الحاوي، ولا في غيره من كتبه اهـ. وإذا ماتت في ماء قليل، قال النووي: إن قلنا لا تؤكل نجسته بلا خلاف. وحكى الماوردي في نجاسته قولين: أحدهما ينجس كما ينجس بسائر النجاسات، والثاني يعفى عنه كدم البراغيث، والأصح الأول. ولما قدم وفد اليمامة على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، بعد قتل مسيلمة، قال لهم: ما كان صاحبكم يقول؟ فاستعفوه من ذلك.
فقال: لتقولن، قالوا: كان يقول يا ضفدع ابنة ضفدع، كم تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين.
الأمثال
: قالوا: «أنق من ضفدع» . قال «٥» الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وقد تقدم ذكره وهو كقولهم «٦» : «على أهلها دلّت براقش» . وهي كلبة سمعت وقع حوافر الدواب فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم قال حمزة بن بيض «٧» :
لم يكن عن جناية لحقتني ... لا يساري ولا يميني جنتني
следующие страницы →