Полный текст (1 095 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
للناس، وأسنان الضبع، إذا ربطت على العضد، تنفع من النسيان ووجع الأسنان. وإذا جلد بجلده مكيال وكيل به البذر، أمن من ذلك الزرع من سائر الآفات. ومن غريب خواصها، أن من أكل دمها ذهب عنه الوسواس، ومن أمسك بيده حنظلة، فرت الضباع منه، وإذا طلي الجسد بشحم الضباع، أمن من عقر الكلاب.
وقال حنين «١» بن إسحاق: إذا نتف الشعر الذي في باطن أجفان العين، واكتحل بمرارة الضبع، أو بمرارة ببغاء، أو بمرارة سبع، أو بمرارة عنز، فإنه يذهب بإذن الله تعالى. وقضيبه يجفف ويسحق ويستف منه الرجل قدر دانقين فإنه يهيج به شهوة الجماع، ولا يمل من النساء. وقال غيره: إذا شرب من مرارة الضبع نصف درهم بمثله عسلا، نفع من سائر الأعلال التي تكون في الرأس والعين، ويمنع نزول الماء في العين ويشد الانتشار وإن خلطت المرارة بالعسل، واكتحل بها جلا العين وزادها حسنا، وكلما عتق هذا الخلط كان أجود وأحسن نفعا. وقال ماسرجويه:
الاكتحال بمرارة الضبع ينفع من البله والدموع.
ومن غريب خواصها وهو ما أطبق عليه الأطباء، أن شعر الفخذ اليمنى من ذكر الضباع الذي حول فقحته إذا نتف وأحرق وخلط في زيت مسحوقا، ودهن بن من به بغا أبرأه، وهو يحدث العلة في السليم، إذا كان الشعر من أنثى، فافهم. وهو عجيب مجرب مرارا عديدة.
التعبير
: الضبع تدل رؤيته على كشف الأسرار، والدخول فيما لا يعني. وربما دلت رؤية الذكر على الرجل الخنثى المشكل، وربما دلت على عدو ظلوم مكايد مخالف. وقيل: الضبع امرأة قبيحة المنظر، دنيئة الأصل، ساحرة عجوز.
وقال ارطاميدورس: الضبع تدل على الخديعة، ومن ركبها في المنام نال سلطانا والله أعلم.
أبو ضبة:
الدرّاج. قاله في المرصع، وقد تقدم لفظ الدراج في باب الدال المهملة.
الضرغام:
والضرغامة الأسد، وما أحسن ما رواه أبو مظفر السمعاني، عن والده، قال:
سمعت سعد بن نصر الواعظ الحيوان يقول: كنت خائفا من الخليفة لحادث نزل واشتد الطلب لي فاختفيت، فرأيت في النوم ليلة من الليالي كأني في غرفة جالس على كرسي وأنا أكتب شيئا، فجاء رجل فوقف بإزائي وقال: اكتب ما أملي عليك وأنشدني:
ادفع بصبرك حادث الأيام ... وترجّ لطف الواحد العلّام
لا تيأسن وإن تضايق كربها ... ورماك ريب صروفها بسهام
فله تعالى بين ذلك فرجة ... تخفى على الأبصار والأوهام
كم من نجي بين أطراف القنا ... وفريسة سلمت من الضرغام «٢»
стр. 632
قال: فلما أصبحت أتى الفرج، وزال الخوف والحرج. وفي سراج الملوك، للإمام العلامة الطرطوشي، عن عبد الله بن حمدون قال: كنت مع المتوكل، لما خرج إلى دمشق، فركب يوما إلى رصافة هشام بن عبد الملك بن مروان فنظر إلى قصورها، ثم خرج فرأى ديرا هناك، قديما حسن البناء، بين مزارع وأنهار وأشجار، فدخله فبينما هو يطوف، إذ أبصر رقعة قد التصقت في صدره، فأمر بقلعها فإذا فيها هذه الأبيات:
أيا منزلا بالدير أصبح خاليا ... تلاعب فيه شمأل ودبور «١»
كأنك لم يسكنك بيض أوانس ... ولم تتبختر في فنائك حور
وأبناء أملاك غواشم سادة ... صغيرهم عند الأنام كبير
إذا لبسوا أدراعهم فعوابس ... وإن لبسوا تيجانهم فبدور
على أنهم يوم اللقاء دراغم ... وأيديهم يوم العطاء بحور
ليالي هشام بالرّصافة قاطن ... وفيك ابنه يا دير وهو أمير
إذ الدهر غضّ والخلافة لدنة ... وعيش بني مروان فيك نضير
ويروى:
وروضك مرتاض ونورك مزهر ... وعيش بني مروان فيك نضير
بلى فسقاك الله صوب غمامة ... عليك بها بعد الرواح بكور
تذكرت قومي خاليا فبكيتهم ... بشجو ومثلي بالبكاء جدير
فعزّيت نفسي وهي نفس إذا جرى ... لها ذكر قومي أنة وزفير
لعلّ زمانا بالبكاء يوما عليهم ... لهم بالذي تهوى النفوس يدور
فيفرح محزون وينعم بائس ... ويطلق من ضيق الوثاق أسير
رويدك إن اليوم يتبعه غد ... وإنّ صروف الدائرات تدور
فلما قرأها المتوكل ارتاع وتطير، وقال: أعوذ بالله من شر أقداره، ثم دعا صاحب الدير وسأله عن الرقعة ومن كتبها؟ فقال: لا علم لي بهما اهـ.
وذكر غيره، أنه بعد عوده إلى بغداد، لم يلبث إلا أياما قلائل حتى قتله ابنه المنتصر. وقد تقدم ذكر قتله وكيفيته، في باب الهمزة، في الاوز في ذكر الخلفاء.
وذكر ابن خلكان، في تاريخه في ترجمة علي بن محمد بن أبي الحسن الشابشتي «٢» ، أن الواقعة كانت للرشيد، قال: ولم نعرف نسبة الشابشتي إلى أي شيء.
الضريس:
الطيهوج، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الطاء المهملة.
стр. 633
ومن أمثال العامة السائرة «أكسل من الضريس» ، لأنه يلقي رجيعه على أولاده.
الضغبوس:
ولد الثرملة، وقد تقدم في باب الثاء المثلثة أنها أنثى الثعالب.
الضفدع:
بكسر الضاد وسكون الفاء والعين المهملة بينهما دال مهملة، مثال الخنصر، واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة وناس يقولون: ضفدع بفتح الدال، قال الخليل: ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف: درهم وهجرع وهو الطويل وهبلع وهو الأكول، وبلعم وهو اسم. وقال ابن الصلاح: الأشهر فيه، من حيث اللغة، كسر الدال وفتحها، أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من الخاصة وقد أنكره بعض أئمة اللغة، وقال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: وحكي أيضا ضفدع، بضم الضاد وفتح الدال، وهو نادر. وحكاه المطرزي أيضا، قال في الكفاية: وذكر الضفادع يقال له العلجوم، بضم العين والجيم وإسكان اللام والواو وآخره ميم. ويقال للضفدع أبو المسيح وأبو هبيرة وأبو معبد وأم هبيرة.
والضفادع أنواع كثيرة، وتكون من سفاد وغير سفاد، وتتولد من المياه القائمة الضعيفة الجري، ومن العفونات وعقب الأمطار الغزيرة، حتى يظن أنه يقع من السحاب لكثرة ما يرى منه على الأسطحة، عقب المطر والريح. وليس ذلك عن ذكر وأنثى وإنما الله تعالى يخلقه في تلك الساعة، من طباع تلك البرية، وهي من الحيوانات التي لا عظام لها. ومنها ما ينق وما لا ينق، والذي ينق منها يخرج صوته من قرب أذنه، وتوصف بحدة السمع إذا تركت النقيق وكانت خارج الماء، وإذا أرادت أن تنق أدخلت فكها الأسفل في الماء، ومتى دخل الماء في فيها لا تنق. وما أظرف قول الشاعر وقد عوتب على قلة كلامه:
قالت الضفدع قولا ... فسرته الحكماء
في فمي ماء وهل ينطق ... من في فيه ماء
قال عبد القاهر: والثعبان يستدل بصياح الضفدع عليه، فيأتي على صياحه فيأكله. وأنشد في ذلك يقول «١» :
يجعل في الأشداق ماء ينصفه ... حتى ينقّ والنقيق يتلفه
قوله: ينصفه بضم الياء المثناة تحت، واسكان النون وكسر الصاد المهملة، وليس المراد هنا العدل بل المراد حتى يبلغ نصف فكه الأعلى، وقوله: والنقيق يتلفه أراد به الضفادع إذا صاحت يتبعها الثعبان فيجيء فيأكلها وفي ذلك يقول «٢» الشاعر:
ضفادع في ظلماء تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حية البحر
وحية البحر الأفعى التي تكون في البر، وهي تعيش في البر والبحر كما تقدم. ويعرض لبعض الضفادع مثل ما يعرض لبعض الوحوش من رؤية النار حيرة إذا رأتها وتتعجب منها إلا أنها
стр. 634
تنق، فإذا أبصرت النار سكتت، ولا تزال تدمن النظر إليها، وأول نشئها في الماء أن تظهر مثل حب الدخن أسود ثم تخرج منه، وهي كالدعموص، ثم بعد ذلك تنبت لها الأعضاء، فسبحان القادر على ما يشاء وما يريد سبحانه لا إله إلا هو. وفي الكامل لابن عدي، في ترجمة عبد الرحمن بن سعد بن عثمان بن سعد القرظ مؤذن النبي ﷺ ، عن جابر أن النبي ﷺ قال «١» «من قتل ضفدعا فعليه شاة محرما كان أو حلالا» . قال سفيان: يقال إنه ليس شيء أكثر ذكرا لله منه. وفيه، في ترجمة حماد بن عبيد، أنه روى عن جابر الجعفي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ضفدعا ألقت نفسها في النار من مخافة الله فأثابهن الله بها برد الماء وجعل نقيقهن التسبيح. وقال «٢» «نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع والصرد والنحلة» قال: ولا أعلم لحماد بن عبيد غير هذا الحديث. قال البخاري: لا يصح حديثه، وقال أبو حاتم: ليس بصحيح الحديث.
وفي كتاب الزاهر لأبي عبد الله القرطبي، أن داود ﵇ قال: لأسبحن الله الليلة تسبيحا ما سبحه به أحد من خلقه، فنادته ضفدعة من ساقية في داره: يا داود تفتخر على الله بتسبيحك، وإن لي لسبعين سنة ما جف لساني من ذكر الله تعالى، وإن لي لعشر ليال ما طعمت خضرا ولا شربت ماء اشتغالا بكلمتين. فقال: ما هما؟ قالت: يا مسبحا بكل لسان، ومذكورا بكل مكان، فقال داود في نفسه: وما عسى أن أقول أبلغ من هذا؟.
وروى البيهقي في شعبه عن أنس بن مالك أنه قال: إن نبي الله داود ظن في نفسه أن أحدا لم يمدح خالقه بأفضل مما مدحه به، فأنزل الله عليه ملكا وهو قاعد في محرابه، والبركة إلى جنبه، فقال: يا داود افهم ما تصوت به هذه الضفدعة فأنصت إليها، فإذا هي تقول: سبحانك وبحمدك منتهى علمك. فقال له الملك: كيف ترى؟ فقال: والذي جعلني نبيا إني لم أمدحه بهذا. وفي كتاب فضل الذكر لجعفر بن محمد بن الحسن الغرياني «٣» الحافظ العلامة، عن عكرمة، أنه قال: صوت الضفدع تسبيح. وفيه أيضا عن الأعمش عن أبي صالح، أنه سمع صوت صرير باب، فقال: هذا منه تسبيح.
فائدة
: قال الرئيس ابن سينا: إذا كثرت الضفادع في سنة، وزادت عن العادة، يقع الوباء عقبها. وقال القزويني: الضفادع تبيض في الرمل مثل السلحفاة، وهي نوعان: جبلية ومائية.
ونقل الزمخشري في الفائق، عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، قال: سأل رجل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم، فرأى فيما يرى النائم رجلا كالبلور، يرى داخله من خارجه، ورأى الشيطان في صورة ضفدع له خرطوم كخرطوم البعوضة، قد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس له، فإذا ذكر الله خنس. وسيأتي إن شاء الله تعالى، ذكر هذا أيضا في لفظ الكركي، من كلام السهيلي.
стр. 635
الحكم
: يحرم أكلها للنهي عن قتلها، وروى البيهقي في سننه، عن سهل بن سعد الساعدي، أن النبي ﷺ «نهى عن قتل خمسة: النملة والنحلة والضفدع والصرد والهدهد» «١» .
وفي مسند أبي داود الطيالسي، وسنن أبي داود والنسائي والحاكم، عن عبد الله بن عثمان التيمي عن النبي ﷺ ، أن طبيبا سأله عن ضفدع يجعلها في دواء، «فنهاه ﷺ عن قتلها» «٢» . فدل على الضفدع يحرم أكلها وأنها غير داخلة فيما أبيح من دواب الماء. وقال بعض الفقهاء: إنما حرم الضفدع، لأنه كان جار الله في الماء الذي كان عليه العرش قبل خلق السموات والأرض، قال «٣» تعالى: وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ.
روى ابن عدي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح» . قال السلمي: سألت الدارقطني عنه، فقال: إنه ضعيف، قلت:
الصواب أنه موقوف على عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قاله البيهقي، وقد تقدم في الخطاف. قال الزمخشري: إنها تقول في نقيقها سبحان الملك القدوس. وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع، فإنها مرت بنار إبراهيم ﵇، فحملت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار.
وفي شفاء الصدور لابن سبع، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهن تسبيح» «٤» .
ومن أحكامه
: أنه ينجس بالموت كغيره من الحيوان الذي لا يؤكل. ونقل في الكفاية، عن الماوردي حكاية وجه أنه لا ينجس بالموت. وغلطه شيخنا، في النقل عنه، وقال: لا ذكر لهذا الوجه في الحاوي، ولا في غيره من كتبه اهـ. وإذا ماتت في ماء قليل، قال النووي: إن قلنا لا تؤكل نجسته بلا خلاف. وحكى الماوردي في نجاسته قولين: أحدهما ينجس كما ينجس بسائر النجاسات، والثاني يعفى عنه كدم البراغيث، والأصح الأول. ولما قدم وفد اليمامة على أبي بكر رضي الله تعالى عنه، بعد قتل مسيلمة، قال لهم: ما كان صاحبكم يقول؟ فاستعفوه من ذلك.
فقال: لتقولن، قالوا: كان يقول يا ضفدع ابنة ضفدع، كم تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدرين.
الأمثال
: قالوا: «أنق من ضفدع» . قال «٥» الأخطل:
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وقد تقدم ذكره وهو كقولهم «٦» : «على أهلها دلّت براقش» . وهي كلبة سمعت وقع حوافر الدواب فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم قال حمزة بن بيض «٧» :
لم يكن عن جناية لحقتني ... لا يساري ولا يميني جنتني
стр. 636
بل جناها أخ على كريم ... وعلى أهلها براقش تجني
الخواص
: قال ابن جميع في كتابه الارشاد: لحوم الضفادع تغثي النفس وتورث إسهالا دمويا، فيتغير منه لون البدن، ويرم ويختلط العقل. وقال صاحب عين الخواص: شحم الضفادع الآجامية، إذا وضع على الأسنان قلعها من غير وجع، وعظم البري، إذا وضع على رأس القدر منعها من الغليان، وإذا يبس ضفدع في الظل ودق وطبخ مع خطمي، وطلي به بعد طلي النورة والزرنيخ لم ينبت عليه الشعر بعد ذلك. والضفدع إذا طرح وهو حي في الشراب الصرف مات، فإذا أخرج وألقي في ماء صاف عاش.
ونقل عن محمد بن زكريا الرازي أن رجل الضفدع، إذا علقت على من به النقرس سكن وجعه. انتهى. وإذا أخذت المرأة ضفدع الماء، فتحت فاه وبصقت فيه ثلاث مرات، ثم ردته إلى الماء فإنها لا تحبل وإذا مسحت القدر من ظاهرها بشحمه، وأوقد تحتها ما عسى أن يوقد، لم تغل أبدا. وإذا رضخت الضفدع، وجعلت على لسعة الهوام أبرأتها من وقتها. ومن خواصه العجيبة، أنه إذا شق نصفين من رأسه إلى أسفله، وامرأة تنظر إليه، غلبت شهوتها وكثر ميلها إلى الرجال.
وإذا علق لسانه على امرأة نائمة، أخبرت بكل ما عملت في اليقظة. وإذا جعل لسانه في خبز، وأطعم لمن اتهم بالسرقة، فإنه يقر بها. ودمه يطلى به الموضع الذي نتف شعره لم ينبت أبدا. ومن لطخ به وجهه أحبه الناس. وإذا وضع على اللثة أسقط السن، بلا تعب.
قال القزويني: ولقد كنت في الموصل، ولنا صاحب في بستان، بنى مجلسا وبركة، فتولدت فيها الضفادع وتأذى سكان المكان بنقيقها وعجزوا عن إبطاله، حتى جاء رجل فقال: اجعلوا طشتا على وجه الماء مقلوبا ففعلوا، فلم يسمع لها نقيق بعد ذلك. وقال محمد بن زكريا الرازي:
إذا وضع سراج في طاس، وجعل فوق الماء أو في قناة فيها أصوات الضفداع سكتت، ولا يسمع لها صوت البتة.
التعبير
: الضفدع في المنام رجل عابد مجتهد في طاعة الله، لأنه صب الماء على نار نمرود.
والضفادع الكثيرة عذاب، لأنها من آيات موسى ﵊. قال «١» تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ
الآية. وقالت النصارى: من رأى أنه مع الضفادع حسنت عشرته مع أقربائه وجيرانه. ومن أكل لحم ضفدع في منامه، نال مشقة، وقال ارطاميدورس: الضفادع في المنام تدل على الخداعين والسحرة. وقال جاماسب: من كلم ضفدعا في المنام نال ملكا. ومن رأى الضفادع خرجت من مدينة خرج منها العذاب والله أعلم.
الضوع:
بضاد معجمة مضمومة وواو مخففة مفتوحة وعين مهملة في آخره. قال النووي:
الأشهر أنه من جنس الهوام، وقال الجوهري: إنه طائر من طير الليل من جنس الهام، وقال المفضل: هو ذكر البوم وجمعه أضواع وضيعان. وأصح القولين تحريم أكله، كما صرح به في شرح المهذب، قال الرافعي: هذا يقتضي أن الضوع ذكر البوم، وذكر ما تقدم، ثم قال: فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم اجراؤه في البوم لأن الذكر والأنثى من الجنس الواحد لا يفترقان قال
стр. 637
النووي: قلت الأشهر أن الضوع من جنس الهوام، فلا يلزم اشتراكهما في الحكم.
وحكمه
: تحريم الأكل على الأصح كما صرح به في شرح المهذب.
الضيب:
شيء من دواب البحر، على هيئة الكلب وخلقته، قاله ابن سيده.
الضئيلة:
الحية الدقيقة. قاله الجوهري، وقد تقدم لفظ الحية في باب الحاء المهملة.
الضّيون:
بفتح الضاد والواو وإسكان الياء المثناة تحت بينهما وبالنون في آخره، الهر الذكر، والجمع ضياون. قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه:
بريد كأنّ الشمس في حجراته ... نجوم الثريا أو عيون الضياون
وقالت العرب: «أدبّ من الضيون» «١» . وهو من الدبيب قال الشاعر:
يدبّ بالليل لجاراته ... كضيون دبّ إلى قرنب
القرنب: الفأر. وقالوا: «أصيد من ضيون «٢» » ، والله أعلم. و «أزنى وأنزى من ضيون «٣» » .
خاتمة
: قال الصقلي: ليس في الأسماء شيء فيه ياء ساكنة بعدها واو مفتوحة إلا ثلاثة أسماء: حيوة وضيون وكيوان، وهو زحل. وقد ذكر أهل الهيئة، أن دورته المختصة به من المغرب إلى المشرق، تتم في تسع وعشرين سنة وثمانية أشهر وستة أيام، وسماه المنجمون النحس الأكبر، لأنه في النحوسة فوق المريخ، وأضافوا إليه الخراب والهلاك والهم والغم وزعموا أن النظر إليه يفيد غما وحزنا، كما أن النظر إلى الزهرة يفيد فرحا وسرورا والله أعلم.
باب الطاء المهملة
طامر بن طامر:
البرغوث والخسيس من الناس، ويقال للخامل الذي لا يعرف: هو طامر ابن طامر.
الطاوس:
طائر معروف وتصغيره طويس، بعد حذف الزوائد، وكنيته أبو الحسن وأبو الوشي، وهو في الطير كالفرس في الدواب، عزا وحسنا، وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه. والأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذكر ويتم لونه وتبيض الأنثى مرة واحدة في السنة اثنتي عشرة بيضة وأقل وأكثر، ولا تبيض متتابعا ويسفد في أيام الربيع، ويلقي ريشه في الخريف كما يلقي الشجر ورقه، فإذا بدا طلوع الأوراق في الشجر طلع ريشه، وهو كثير العبث بالأنثى، إذا حضنت، وربما كسر البيض ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، ولا تقوى الدجاجة على حضن أكثر من بيضتين منه، وينبغي أن تتعاهد الدجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل والشرب، مخافة أن تقوم فيفسده الهواء. والفرخ الذي يخرج من
стр. 638
حضن الدجاجة، يكون قليل الحسن، ناقص الخلق وناقص الجثة، ومدة حضنه ثلاثون يوما، وفرخه يخرج من البيضة كالفروج كاسيا كاسبا، وقد أحسن الشاعر في وصفه حيث قال:
سبحان من من خلقه الطاوس ... طير على أشكاله رئيس
كأنه في نقشه عروس ... في الريش منه ركّبت فلوس
تشرق في داراته شموس ... في الرأس منه شجر مغروس
كأنه بنفسج يميس ... أو هو زهر حرم يبيس
وأعجب الأمور أنه مع حسنه يتشاءم به، وكأن هذا، والله أعلم، أنه لما كان سببا لدخول إبليس الجنة، وخروج آدم منها، وسببا لخلو تلك الدار من آدم مدة دوام الدنيا، كرهت إقامته في الدور بسبب ذلك.
حكي أن آدم لما غرس الكرمة، جاء إبليس فذبح عليها طاوسا، فشربت دمه فلما طلعت أوراقها، ذبح عليها قردا فشربت دمه، فلما طلعت ثمرتها ذبح عليها أسدا فشربت دمه، فلما انتهت ثمرتها ذبح عليها خنزيرا فشربت دمه، فلهذا شارب الخمر تعتريه هذه الأوصاف الأربعة، وذلك أنه أول ما يشربها وتدب في أعضائه، يزهو لونه ويحسن كما يحسن الطاوس فإذا جاءت مبادي السكر لعب وصفق ورقص، كما يفعل القرد فإذا قوي سكره جاءت الصفة الأسدية، فيعبث ويعربد ويهذي بما لا فائدة فيه ثم يتقعص كما يتقعص الخنزير، ويطلب النوم وتنحل عراقوته.
فائدة
: طاوس بن كيسان فقيه اليمن كان اسمه ذكوان، فلقب بطاوس لأنه كان طاوس القراء والعلماء. وقيل: اسمه طاوس وكنيته أبو عبد الرحمن، كان رأسا في العلم والعمل، من سادات التابعين أدرك خمسين صحابيا من أصحاب النبي ﷺ ، وسمع ابن عباس وأبا هريرة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الزبير، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار وعمرو بن شعيب، ومحمد بن شهاب الزهري وآخرون.
قال ابن الصلاح، في رحلته: روينا عن الزهري، أنه قال: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟
قال: قلت: عطاء بن أبي رباح. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديانة والرواية. فقال: إن أهل الديانة والرواية ينبغي أن يسودوا الناس. قال:
فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: من كان كذلك ينبغي أن يسود الناس.
قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت:
من الموالي. فقال: كما قال في الأولين. ثم قال: فمن يسود أهل الشأم؟ قلت: مكحول الدمشقي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي، أعتقته امرأة من هذيل.
فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك
стр. 639
بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. فقال كما قال، ثم قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: من العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي.
قال: ويلك! فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي، قال: من العرب أم من الموالي؟
قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرّجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب، حتى يخطب لها على المنابر، وإن العرب تحتها! قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط.
ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، كتب إليه طاوس: إن أردت أن يكون عملك خيرا كله، فاستعمل أهل الخير. قال عمر: كفى بها موعظة. وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن طاوس، أنه قال: بينا أنا بمكة استدعاني الحجاج، فأتيته فأجلسني إلى جانبه وأتكأني على وسادة، فبينما نحن نتحدث، إذ سمع صوتا عاليا بالتلبية، فقال: عليّ بالرجل، فأحضر فقال له: ممن الرجل؟
قال: من المسلمين. فقال: إنما سألتك عن البلد والقوم! قال: من أهل اليمن، فقال: كيف تركت محمد بن يوسف يعني أخاه، وكان واليا على اليمن، فقال: تركته جسيما وسيما لباسا حريرا، ركابا خراجا ولاجا! فقال: إنما سألتك عن سيرته، فقال: تركته غشوما ظلوما، مطيعا للمخلوق، عاصيا للخالق! قال: أتقول فيه هذا وقد علمت مكانه مني؟ فقال الرجل: أتراه بمكانه منك أعز من مكاني من ربي، وأنا مصدق نبيه ﷺ ، ووافد بيته؟! فسكت الحجاج، وذهب الرجل من غير إذن. قال طاوس: فتبعته فقلت: الصحبة، فقال: لا حبا ولا كرامة، ألست صاحب الوسادة؟! الآن وقد رأيت الناس يستفتونك في دين الله، قلت: إنه أمير مسلط، أرسل إليّ فأتيته كما فعلت أنت. قال: فما ذاك الاتكاء على الوسادة في رخاء بال؟! هلا كان لك من واجب نصحه، وقضاء حق رعيته بوعظه، والحذر من بوائق عسفه، وتخلى نفسك من ساعة الأنس به ما يكدر عليك تلك الطمأنينة؟! قلت: أستغفر الله وأتوب إليه، ثم أسألك الصحبة؟! فقال: غفر الله لك إن لي مصحوبا شديد الغيرة عليّ، فلو أنست بغيره رفضني. ثم تركني وذهب.
وفي تاريخ «١» ابن خلكان، عن عبد الله الشامي، قال: أتيت طاوسا فخرج إلي شيخ كبير، فقلت: أنت طاوس؟ فقال: أنا ابنه، فقلت: إن كنت ابنه فإن الشيخ قد خرف! قال: إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه، فقال: أتحب أن أجمع لك التوراة والإنجيل والزبور والفرقان في مجلسي هذا؟ قلت: نعم. فقال: خف الله مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك.
وقالت امرأة: ما بقي أحد إلا فتنته إلا طاوسا فإني تعرضت له، فقال لي: إذا كان وقت كذا فتعالي! قالت: فجئت ذلك الوقت، فذهب بي إلى المسجد الحرام، وقال: اضطجعي فقلت:
ههنا؟! فقال: الذي يرانا ههنا يرانا في غيره! فتابت المرأة. وقال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج.
وكان طاوس يقول: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا أحصي عليه حتى أنينه في مرضه.
стр. 640
وقال: لقي عيسى ابن مريم ﵇ إبليس فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك؟
قال: نعم. قال إبليس: فارق إلى ذروة هذا الجبل وترد منها، فانظر أتعيش أم لا؟ فقال له عيسى ﵇: أما علمت أن الله قال: لا يختبرني عبدي، فإني أفعل ما شئت، إن العبد لا يبتلي ربه، ولكن الله يبتلي عبده. قال طاوس: فخصمه.
وكان يقول: صاحب العقلاء تنسب إليهم، وإن لم تكن منهم. وروى أبو داود الطيالسي، عن زمعة ابن صالح عن ابن طاوس عن أبيه أنه قال: من لم يدخل في وصية، لم تنله بلية، ومن لم يتول القضاء بين الناس لم ينله جهد البلاء.
وروى أحمد عنه، في كتاب الزهد، أنه قال: إن الموتى يفتنون في قبورهم سبعة أيام، فكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام. قال: وكان من دعاء طاوس: اللهم ارزقني الإيمان والعمل، ومتعني بالمال والولد.
روى عنه الحافظ أبو نعيم وغيره، أنه قال: كان رجل له أربعة بنين فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوه، وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء؟
فقالوا: من أمرضه وليس لك من ميراثه شيء فمرضه حتى مات. ولم يأخذ من ميراثه شيئا فأتى إليه في النوم، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه مائة دينار. فقال في نومه: أفيها بركة؟ فقال:
لا. فأصبح فذكر ذلك لامرأته فقالت: خذها فإن من بركتها أن تكتسي منها وتعيش فأبى. فلما أمسى أتى له في النوم، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه عشرة دنانير، فقال: أفيها بركة؟
قال: لا. فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته، فقالت له مثل مقالتها الأولى، فأبى أن يأخذها. فأتى له في الليلة الثالثة، فقال له: ائت مكان كذا وكذا فخذ منه دينارا، قال: أفيه بركة؟ قال: نعم.
فذهب فأخذ الدينار، ثم خرج به إلى السوق، فإذا هو برجل يحمل حوتين، فقال له: بكم هما؟
فقال: بدينار فأخذهما منه بالدينار، وانطلق بهما إلى منزله، فشق بطونهما فوجد فيهما درتين، لم ير الناس مثلهما. قال: فبعث الملك يطلب درة ليشتريها فلم توجد إلا عنده، فباعها بوقر ثلاثين بغلا ذهبا. فلما رآها الملك، قال: ما تصلح هذه إلا بأخت، أطلبوا أختها وإن أضعفتم ثمنها فجاؤوا إليه فقالوا له: أعندك أختها، ونحن نعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم.
فأعطاهم إياها بضعف ما أخذوا به الأولى.
توفي طاوس وهو ابن بضع وسبعين سنة حاجا بمكة، قبل يوم التروية بيوم، وصلى عليه هشام بن عبد الملك، وهو أمير المؤمنين، وذلك في سنة ست ومائة. وحج أربعين حجة وكان مجاب الدعوة.
الحكم
: يحرم أكل لحم الطاوس لخبث لحمه، وقيل: يحل لأنه لا يأكل المستقذرات واللحوم، وعلى الوجهين يصح بيعه إما لحل أكله، وإما للتفرج على لونه. وقد تقدم في الصيد، أن أبا حنيفة قال: لا يقطع سارق الطيور لأن أصلها على الإباحة، وخالفه الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم في ذلك.
стр. 641
الأمثال
: قالوا: «أزهى من طاوس» «١» و «أحسن من طاوس» «٢» . قال الجوهري: وقولهم:
«أشأم من طويس» »
، هو مخنث كان بالمدينة، قال: يا أهل المدينة توقعوا خروج الدجال ما دمت حيا بين ظهرانيكم، فإذا مت فقد أمنتم، لأني ولدت في الليلة التي مات فيها النبي ﷺ ، وفطمت في اليوم الذي مات فيه أبو بكر، وبلغت الحلم في اليوم الذي قتل فيه عمر، وتزوجت في اليوم الذي قتل فيه عثمان، وولد لي في اليوم الذي قتل فيه علي.
وذكر ابن خلكان أن سليمان بن عبد الملك كتب إلى عامله بالمدينة، أن أحص المخنثين قبلك فوقعت على الحاء نقطة فأمر بالمخنثين فخصوا، وخصي طويس من جملتهم فلما خصوهم، أظهروا الفرح بذلك حتى قال أحدهم: ما كان أغنانا عن سلاح لا نقاتل به. وقال آخر، وهو طويس: أف لكم ما سلبتموني إلا ميزاب بول انتهى. وكان طويس اسمه طاوس، فلما تخنث جعلوه طويسا ويسمى بعبد النعيم وقال في نفسه:
إنني عبد النعيم ... أنا طاوس الجحيم
وأنا أشأم من يمشي ... على ظهر الحطيم
أنا حاء ثم لام ... ثم قاف حشو ميم
عنى بقوله حشو ميم الياء، لأنك إذا قلت: ميم وقعت بين الميمين ياء، يريد أنه حلقي. وأراد بالحطيم الأرض، فكأنه قال: أنا أشأم الناس. توفي في طويس في سنة اثنتين وتسعين من الهجرة.
الخواص
: لحم الطاوس عسر الهضم رديء المزاج، وأجوده الحديث ينفع المعدة الحارة، وسلقه قبل طبخه بالخل، يدفع ضرره، وهو يولد كيموسا غليظا يوافق الأمزجة الحارة. وقد كرهت الحكماء لحوم الطواويس وقالوا: إنها أغلظ لحوم جميع الطيور وأعسرها انهضاما، ويجب أن يذبح ويبيت مثقلا ويطبخ وينضج، ويمنع منه أصحاب الترفه والرفاهية، فإنه من أغذية أصحاب الرياضة. قال ابن زهر، في خواصه: إن الطاوس إذا رأى طعاما مسموما، أو شم رائحته فرح ونشر جناحيه ورقص، وبان منه السرور، ومرارته إذا سقي منها المبطون بالكنجبين والماء الحار أبرأه. ونقل عن هرمس، أن مرارته إذا شربت بخل نفعت من لدغ الهوام، لكن قال صاحب عين الخواص: قالت الحكماء، وأطهورس: إن مرارة الطاوس، إن سقي منها إنسان جن، قال:
وقد جربته. وقال هرمس: إن خلط دم الطاوس بالأنزروت والملح وطلي به القروح الرديئة الرطبة، التي يخاف منها الأكلة، أبرأها. وزبله، إن طلي به الثآليل قلعها، وعظامه، إذا أحرقت، وسحقت وإلي بها الكلف أبرأته بإذن الله تعالى.
التعبير
: الطاوس تدل رؤيته على التيه والعجب بالحسن والجمال لمن ملكه، وربما دلت رؤيته على النميمة والغرور والكبر والانقياد إلى الأعداء، وزوال النعم، والخروج من النعيم إلى الشقاء، ومن السعة إلى الضيق، وربما تدل رؤيته على الحلي والحلل، والتاج والأزواج الحسان، والأولاد الملاح. وقال المقدسي: الطاوس في المنام، امرأة عجمية ذات مال وجمال، لكنها مشؤومة
стр. 642
الناصية. والذكر من الطواويس ملك أعجمي، فمن رأى أنه يواخي الطواويس، فإنه يواخي ملوك العجم، وينال منهم جارية نبطية. وقال ارطاميدورس: الطواويس في الرؤيا تدل على أقوام صباح الوجوه، ضحاك السن. وقيل: الطاوس امرأة أعجمية غير مسلمة والله أعلم.
الطائر:
واحد الطيور والأنثى طائرة، وهي قليلة، وجمع الطير أطيار وطيور. والطيران حركة ذي الجناحين في الهواء بجناحيه قال «١» الله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ، إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
أي في الخلق والرزق، والحياة والموت، والحشر والمحاسبة، والاقتصاص من بعضها لبعض كما تقدم. فإذا كان يفعل هذا بالبهائم، فنحن أحرى إذ نحن مكلفون عقلا. وقيل: أمم أمثالكم في التوحيد والمعروفة، قاله عطاء. وقوله بجناحيه تأكيد وإزالة للاستعارة المتعاهدة في هذه اللفظة، فقد يقال طائر للنحس والسعد. وقال الزمخشري: الغرض من ذكر ذلك، الدلالة على عظيم قدرة الله ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره، تلك الخلائق المتفاوتة والأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، ومهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن. روى أحمد، باسناد صحيح عن أنس أن النبي ﷺ قال: «طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة» «٢» . قال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة قال ﷺ :
«آكلها أنعم منها قالها ثلاثا وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها» «٣» . ورواه الترمذي بنحو هذا اللفظ، وقال: إنه حسن. وروى البزار عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشويا» . وفي أفراد مسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال:
«يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير» «٤» . قال النووي: قيل مثلها في وقتها وضعفها، كالحديث الآخر «أهل اليمن أرق وأضعف أفئدة» . وقيل في الخوف والهيبة، لأن الطير أكثر الحيوان خوفا وفزعا، كما قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ
«٥» وكأن المراد قوم غلب عليهم الخوف، كما جاء عن جماعات من السلف من شدة خوفهم. وقيل: المراد متوكلون، وقيل: الطائر ما تيامنت به أو تشاءمت به، وأصله في ذي الجناح. وقالوا: طائر الله لا طائرك، فرفعوه على إرادة: هذا طائر الله، وفيه معنى من الدعاء. وطائر الانسان عمله، الذي قلده، وقيل: رزقه، والطائر الحظ من الخير والشر، وقوله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
«٦» قيل: حظه، وقال المفسرون: ما عمل من خير أو شر ألزمناه عنقه، فلكل امرىء حظ من الخير والشر، قد قضاه الله تعالى، فهو ملازم عنقه. وإنما قيل: للحظ من الخير والشر طائر، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل. وفي سنن أبي داود وغيرها عن أبي رزين، قال: قال رسول الله ﷺ : «الرؤيا على جناح طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت» «٧» قال: وأحسبه قال: «ولا تعبرها إلا على ذي ود أو ذي رأي» .
стр. 643
وذكر ابن خلكان أن موسى بن نصير، أمير بلاد المغرب، وفد على الوليد بن عبد الملك، بعد أن فتح الغرب، إلى البحر المحيط إلى طليطلة، التي تحت بنات نعش، فأخبره بالفتح، وقدم معه بمائدة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، التي وجدت في طليطلة، وكانت مصوغة من الذهب والفضة، وعليها طوق لؤلؤ وطوق ياقوت وطوق زمرد، وكان قد حملها على بغل قوي، فما سار إلا قليلا حتى تفسخت قوائمه لعظمها، وقدم معه أيضا بتيجان ملوك اليونان، مكللة بالجواهر، وثلاثين ألف رأس من الرقيق.
قال: وكان اليونان، وهم أهل الحكمة، يسكنون بلاد المشرق قبل الاسكندرية، فلما ظهرت الفرس وزاحمت اليونان على ما بأيديهم من الممالك، انتقلوا إلى جزيرة الأندلس، لكونها طرفا من آخر العمارة، ولم يكن لها ذكر، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة، ولا كانت عامرة كلها، وكان أول من عمرها واختط فيها اندلس بن يافث بن نوح ﵇، فسميت باسمه، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان، كانت صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق، وذنبه المغرب، وجناحاه الشمال والجنوب، وبطنه ما بينهما، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر. وكان اليونان لا يرون فناء الأمم بالحروب، لما فيه من الأضرار والاشتغال عن العلوم، التي أمرها عندهم أهم الأمور، فلذلك انحازوا من بين يدي الفرس إلى الأندلس، فعمروها وشقوا أنهارها، وبنوا المعاقل، وغرسوا الجنان والكروم، وملئوها حرثا ونسلا، فعظمت وطابت، حتى قال قائلهم، لما رأى بهجتها: إن الطائر الذي صورت العمارة على شكله، وكان المغرب ذنبه، كان طاوسا، لأن معظم جماله في ذنبه. ولما كملت اليونان عمارة جزيرة الأندلس، جعلوا دار الحكمة والملك فيها مدينة طليطلة، لأنها وسط البلاد.
قيل: إن الحكمة نزلت من السماء على ثلاثة أعضاء: على أدمغة اليونان، وأيدي أهل الصين، وألسنة العرب.
وفي كفاية المعتقد لشيخنا الإمام العارف جمال الدين اليافعي ﵀، أن الشيخ العارف بالله تعالى عمر بن الفارض رحمه الله تعالى، دخل في أيام بدايته مدرسة بديار مصر، فوجد شيخا بقالا يتوضأ من بركة ماء فيها بغير ترتيب، فقال له: يا شيخ، أنت في هذا السن، وفي مثل هذا البلد، ولا تحسن الوضوء! فقال له: يا عمر ما يفتح عليك بمصر! فجاء إليه وجلس بين يديه وقال: يا سيدي ففي أي مكان يفتح علي؟ قال: بمكة، فقال له: يا سيدي وأين مكة؟ فقال له:
هذه وأشار بيده نحوها فكشف له عنها، وأمره الشيخ بالذهاب إليها في ذلك الوقت فوصل إليها في الحال، وأقام بها اثنتي عشرة سنة ففتح عليه، ونظم فيها ديوانه المشهور، ثم بعد مدة سمع الشيخ المذكور يقول: تعال يا عمر احضر موتي! فجاء إليه، فقال: خذ هذا الدينار فجهزني به، ثم احملني وضعني في هذا المكان، وأشار بيده إلى مكان في القرافة، وهو الموضع الذي دفن فيه ابن الفارض «١» ، ثم انتظر ما يكون من أمري. قال: فعانيته ولم أزل معانيا له، حتى فرغت من
стр. 644
تجهيزه، ثم حملته ووضعته فيه ووقفت، فإذا أنا برجل قد نزل من الهواء، فصلينا عليه، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره، وإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر، فجاء طائر كبير فابتلعه ثم طار، فتعجبت منه! فقال لي ذلك الرجل: لا تعجب من هذا، فإن أرواح الشهداء، في حواصل طيور خضر، ترعى في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش! قال شيخنا: أولئك شهداء السيوف، وأما شهداء الصفوة، فأجسادهم أرواح، وقد تكلمت على مقام المحبة، في آخر الجزء الثامن من كتابي الجوهر الفريد في نحو خمس كراكيس، فلينظر هناك وبالله التوفيق.
فروع منثورة
: منها لو ملك الإنسان طائرا أو صيدا، وأراد إرساله من يده، فوجهان:
أحدهما أنه يجوز ويزول ملكه عنه كما لو أعتق عبدا. واختاره ابن أبي هريرة. والثاني لا يجوز ذلك، واختاره الشيخ أبو اسحاق والقفال والقاضي أبو الطيب، وهو الأصح في الروضة والشرح، ولو فعله عصى، ولم يخرج عن ملكه بالإرسال، لأنه يشبه سوائب الجاهلية، كما تقدم في باب الصاد المهملة.
وقياسا على ما لو سيب دابة، قال القفال: والعوام يسمونه عتقا، ويحتسبونه وهو حرام، وينبغي الاحتراز عن ذلك، لأن الطائر المخلى يختلط بالطيور المباحة، فيأخذه الآخذ ظنا أنه قد ملكه، وهو لا يملكه، فيكون سببا لوقوع أخيه المؤمن في المحظورات.
واختار صاحب الإيضاح وجها ثالثا، وهو إن قصد بعتقه التقرب إلى الله تعالى، زال ملكه عنه، وإلا فلا، وإن قلنا بالوجه الأول، فإنه يعود بالإرسال إلى ما كان عليه في الأصل من حكم الإباحة، وإن قلنا بالوجه الثاني، وهو الأصح كما تقدم، لم يجز لمن عرف أنه ملك الغير، ويعرف كونه ملكا للغير بكونه مخطوما، أو مقصوص الجناح، أو مقرطا، أو فيه جلاجل، أو موسوما، أو مخضوبا، أو غير ذلك مما يدل على الملك، فإن شك في كونه مملوكا، فالأصل الحل، فإن قال المرسل عند إرساله: أبحته لمن يأخذه جاز اصطياده.
وإن قلنا بالوجه الثالث، فهل يحل اصطياده؟ فوجهان: أحدهما نعم، لأنه قد عاد إلى حكم الإباحة، ولأنا لو منعنا اصطياده، لأشبه سوائب الجاهلية، وهذا هو الأصح في الروضة، والثاني المنع، كالعبد إذا عتق فإنه لا يسترق، وينبغي أن يختص هذا الوجه، بما إذا أعتقه مسلم، فإن أعتقه كافر جاز اصطياده قطعا، لأن عتقه لا يصح ويسترق عتيقه.
ومنها اعلم أن الإمام الرافعي، رحمه الله تعالى، قد أطلق القول بمنع الإرسال، ولا بد من استثناء صور: الأولى، أنه إذا كان الطائر معتاد العدو، فإنه يجوز إرساله في المسابقة. الثانية: إذا كان للطائر فرخ يخشى عليه الموت بحبس الطائر عنه، فينبغي هنا القطع بوجوب الإرسال، لأن الفرخ حيوان محترم، فيجب السعي في صيانة روحه، وقد صرح الأصحاب بوجوب تأخير الحامل وإمهالها، إذا وجب عليها الرجم أو القصاص، لأجل إرضاعها الولد.
وجزم الشيخ أبو محمد الجويني بتحريم ذبح الحيوان المأكول إذا كان حاملا بغير مأكول، وعلله بأن في ذبحه قتل ما لا يحل ذبحه، وهو الحمل وقد أطلق ﷺ ظبية شكت أن لها خشفين، أي ولدين بالغابة، ففي إطلاقه ﷺ إياها دليل على الوجوب، لأن ما كان ممنوعا منه ولم ينسخ ثم
стр. 645
جوز في بعض الأحوال، فجوازه دليل وجوبه كالنظر إلى العورة في الختان. ولما كان الإرسال ممنوعا منه، لكونه سائبة ثم جوز في بعض الأحوال، كان دليل الوجوب. الثالثة، إذا كان معه طائر أو حيوان، وليس معه ما يذبحه به، ولا ما يطعمه، فإرساله واجب ليسعى في طلب رزقه، الرابعة، إذا أراد الإحرام فإنه يجب عليه الإرسال.
التعبير
: الطائر العمل قال الله تعالى: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
«١» وربما دل الطائر المجهول على الإنذار والموعظة، لقوله تعالى: قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
«٢» فمن حسن طائره في المنام حسن عمله، وأتاه رسول بخير. ومن رأى معه طائرا متوحشا دميم الخلق، ربما كان عمله سيئا، أو أتاه رسول بشر. وأما عش الطائر، فإنه يدل على الزوجة، والحد الذي يقف العارف عنده، ورؤية العش للمرأة الحامل ولادة، والعش ما يكون في شجرة، فإذا كان في حائط أو كهف أو جبل، فإنه وكر، والوكر يدل على دور الزناة أو مساجد المتعبدين والمنقطعين. وأما بيض الطائر، فإنه دال على الأولاد من الأزواج والإماء، وربما دل على القبور، وربما دل البيض، على بيض الأسنة أو الخود، وربما دل على الاجتماع بالأهل والأقارب والأحباب، وربما دل على جمع الدراهم والدنانير وادخارها، والريش مال في التأويل، وربما دل على شراء قماش وربما دل على الجاه، لأنه يقال فلان طائر بجناح غيره، وربما دل على النبت من الزرع. والمخلب نصرة المخاصم، كما أنه للطائر عدة وجنة، والمناقر عز وجاه عريض لمن ملكه في المنام، وأما الزبل، فزبل الطائر المأكول مال حلال، وما لا يؤكل مال حرام. والزرق كسوة لاشتباهه في الثوب، وربما دل زرق الطائر الكاسر كالنسر والعقاب ونحوهما، على الخلع من الملوك والأكابر، فهذا قول جلي فيما ذكر من الطيور، وفيما سيأتي، وعلى هذا فقس بفهمك وحذقك تصب إن شاء الله تعالى والله الموفق.
فائدة
: روى ابن بشكوال، بسنده إلى أحمد بن محمد العطار، عن أبيه، قال: كان لنا جار فأسر وأقام في الأسر عشرين سنة، وأيس أن يرى أهله، قال: فبينما أنا ذات ليلة أفكر فيمن خلفت من صبياني وأبكي، إذ أنا بطائر سقط فوق حائط السجن يدعو بهذا الدعاء، قال:
فتعلمته من الطائر ثم دعوت الله به ثلاث ليال متتابعات، ثم نمت فما استيقظت إلا وأنا في بلدي فوق سطح داري، قال: فنزلت إلى عيالي فسروا بي بعد أن فزعوا مني لما رأوني ورأوا ما بي من تغير الحال والهيئة، ثم إني حججت من عامي، فبينما أنا أطوف وأدعو بهذا الدعاء، إذ أنا بشيخ قد ضرب يده على يدي، وقال لي: من أين لك هذا الدعاء؟ فإن هذا الدعاء لا يدعو به إلا طائر ببلاد الروم متعلق بالهواء، فحدثته بقصتي وبما جرى عليّ، وأني كنت أسيرا ببلاد الروم، وتعلمت الدعاء من الطائر فقال: صدقت. فسألت الشيخ عن اسمه، فقال: أنا الخضر، وهو هذا الدعاء:
اللهم إني أسألك يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث ولا الدهور، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد
стр. 646
ورق الأشجار، وعدد ما يظلم عليه الليل، ويشرق عليه النهار، ولا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره وسهله، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره وساحله، اللهم إني أسألك أن تجعل خير عملي آخره، وخير أيامي يوما ألقاك فيه، إنك على كل شيء قدير. اللهم من عاداني فعاده، ومن كادني فكده، ومن بغى علي بهلكة فأهلكه، ومن أرادني بسوء فخذه، وأطفئ عني نار من أشب لي ناره، واكفني هم من أدخل عليّ همه، وأدخلني في درعك الحصينة، واسترني بسترك الواقي، يا من كفاني كل شيء اكفني ما أهمني من أمر الدنيا والآخرة، وصدق قولي وفعلي بالتحقيق، يا شفيق يا رفيق، فرج عني كل ضيق، ولا تحملني ما لا أطيق، أنت إلهي الحق الحقيق، يا مشرق البرهان يا قوي الأركان، يا من رحمته في كل مكان وفي هذا المكان، يا من لا يخلو منه مكان، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني في كنفك الذي لا يرام، إنه قد تيقن قلبي أن لا إله إلا أنت وأني لا أهلك وأنت معي، يا رجائي فارحمني بقدرتك علي، يا عظيما يرجى لكل عظيم، يا عليم يا حليم أنت بحاجتي عليم، وعلى خلاصي قدير، وهو عليك يسير، فامنن علي بقضائها يا أكرم الأكرمين، ويا أجود الأجودين ويا أسرع الحاسبين يا رب العالمين، ارحمني وارحم جميع المذنبين، من أمة محمد ﷺ ، إنك على كل شيء قدير، اللهم استجب لنا كما استجبت لهم برحمتك، عجل علينا بفرج من عندك، بجودك وكرمك وارتفاعك في علو سمائك، يا أرحم الراحمين، إنك على ما تشاء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وهذا الدعاء روى الطبراني بإسناد صحيح قطعة منه عن أنس أن النبي ﷺ مر بأعرابي، وهو يدعو في صلاته، ويقول: يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا توارى منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا بحر إلا يعلم ما في قعره، ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوما ألقاك فيه. فوكل رسول الله ﷺ بالأعرابي رجلا، فقال: إذا فرغ من صلاته فأتني به فلما قضى صلاته أتاه به، وقد كان أهدى لرسول الله ﷺ ذهب من بعض المعادن، فلما أتى الأعرابي وهب له الذهب، وقال: «ممن أنت يا أعرابي» ؟ قال: من بني عامر بن صعصعة، فقال ﷺ : «هل تدري لم وهبت لك هذا الذهب» ؟
قال: للرحم التي بيننا وبينك يا رسول الله. قال ﷺ : «إن للرحم حقا ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله » .
الطبطاب:
طائر له أذنان كبيرتان.
الطبوع:
القمامة، وستأتي إن شاء الله تعالى، في باب القاف.
الطثرج:
النمل، قاله الجوهري، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب النون، وقال غيره:
صغار النمل.
الطحن:
دويبة، قاله الجوهري وغيره. قال الزمخشري، في ربيع الأبرار: هي دويبة تشبه
стр. 647
أم حبين، يجتمع إليها الصبيان، ويقولون: اطحني لنا، فتطحن بنفسها الأرض حتى تغيب فيها.
الطرسوح:
حوت بحري، إذا أدمن كله، أورث العين غشاوة.
طرغلودس:
يعرفه أهل الأندلس، ويسمونه الضريس، بضاد معجمة مضمومة، وراء مهملة مفتوحة، وياء ساكنة منقوطة، اثنتين من تحتها وسين مهملة. قال الرازي، في كتاب الكافي: هو عصفور صغير، أصغر من جميع العصافير، لونه رمادي وأحمر وأصفر، وفي جناحيه ريشة ذهبية ومنقاره رقيق، وفي ذنبه نقط بيض متواترة، وهو دائم الصفير وأجوده السمين.
وحكمه
: الحل.
وله خاصية عجيبة
، في تفتيت الحصا المتكون في المثانة ومنع ما لم يتكون.
الطّرف:
بكسر الطاء الكريم من الخيل، وقال أبو زيد: هو نعت للذكر خاصة.
الطغام:
والطغامة بفتح الطاء والغين المعجمة أرذال الطير والسباع، وهما أيضا أراذل الناس، الواحد والجمع في ذلك سواء، قاله ابن سيده.
الطفل:
ولد كل وحشية، والمولود من بني آدم والجمع أطفال، وقد يكون الطفل واحدا وجمعا، مثل الجنب. قال الله تعالى: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ
«١»
والمطفل: الظبية معها طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج، وكذلك الناقة والجمع: المطافيل. قال «٢» أبو ذئيب:
وإنّ حديثا منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذ مطافل
مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصيل «٣»
وما أحسن قول الآخر:
فيا عجبا لمن ربيت طفلا ... ألقمه بأطراف البنان
أعلّمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني
أعلمه الفتوة كلّ وقت ... فلما طر شاربه جفاني
وكم علمته نظم القوافي ... فلما قال قافية هجاني
ذو الطفيتين:
حية خبيثة، والطفية خوصة المقل في الأصل، وجمعها طفى، فشبه الخطين اللذين على ظهر الحية بخوصتين من خوص المقل. قال الزمخشري: وفي كتاب العين الطفية حية لينة خبيثة وأنشد يقول:
وهم يذلونها من بعد عزّتها ... كما تذل الطفي من رقية الراقي
وكذا قاله ابن سيده أيضا. وفي الصحيحين وغيرهما، من حديث ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى
стр. 648
عنهم، أن النبي ﷺ قال «١» : «اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر فإنهما يستسقطان الحبالى ويلتمسان البصر» . قال شيخ الإسلام النووي: قال العلماء: الطفيتان الخطان الأبيضان على ظهر الحية. والأبتر قصير الذنب. وقال النضر بن شميل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها غالبا. وذكر مسلم في روايته عن الزهري، أنه قال: نرى ذلك من سمها. وأما قوله: يلتمسان البصر، ففيه تأويلان: أصحهما أنهما يخطفانه ويطمسانه بمجرد نظرهما إليه، لخاصية جعلها الله تعالى في بصرهما إذا وقع على بصر الإنسان، ويؤيد هذا أن في رواية مسلم يخطفان البصر. والثاني أنهم يقصدان البصر باللسع والنهش.
قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر، إذا وقع بصره على عين إنسان مات من ساعتها. وقال أبو العباس القرطبي: ظاهر هذا أن هذين النوعين من الحيات لهما من الخاصية ما يكون عنه ذلك ولا يستبعد هذا، فقد حكى أبو الفرج بن الجوزي في كتابه المسمى بكشف المشكل لما في الصحيحين، أن بعراق العجم أنواعا من الحيات تهلك الرائي لها بنفس رؤيتها ومنها ما يهلك بالمرور على طريقها.
الطلح:
بالكسر القراد وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ القراد في باب القاف. قال كعب بن زهير «٢» :
وجلدها من أطوم لا يؤيسه ... طلح بضاحية المتنين مهزول
أي لا يؤثر القراد في جلدها لملاسته قاله في نهاية الغريب.
الطلا:
بكسر الطاء الولد من ذوات الظلف والجمع اطلاء.
الأمثال
: قالوا: «كيف الطلا وأمه» «٣» . يضرب لمن ذهب همه وحلا لسانه.
الطلى:
بالفتح الصغير من أولاد المعز وإنما سمي بذلك لأنه يطلى أي تشد رجلاه بخيط إلى وتد وجمعه طليان مثل رغيف ورغفان.
الطمروق:
بفتح الطاء، الخفاش حكاه ابن سيده وقد تقدم في حرف الخاء المعجمة.
الطمل:
والطملال والأطلس الذئب كما تقدم لفظه في باب الذال المعجمة.
الطنبور:
نوع من الزنابير ذوات الإبر، وهو يأكل الخشب وقد تقدم لفظ الزنبور في باب الزاي المعجمة، قال شيخ الإسلام النووي، في شرح المهذب: ويستثنى من ذوات الإبر الجراد، فإنه حلال قطعا وكذا القنفذ على الصحيح.
стр. 649
الطوراني:
قال الجاحظ: إنه نوع من أنواع الحمام، وقد تقدم ذكر الحمام في باب الحاء المهملة.
الطوبالة:
النعجة وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها في باب النون، قاله ابن سيده.
الطول:
بضم الطاء وتشديد الواو، طائر قاله ابن سيده وغيره.
الطوطي:
قال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في أول الباب الثاني، في حكم الكسب:
إنه الببغاء. وقد تقدم لفظ الببغاء في باب الباء الموحدة.
الطير:
جمع طائر مثل صاحب وصحب وجمع الطير طيور وأطيار مثل فرخ وفرخ وفراخ، وقال قطرب: الطير أيضا قد يقع الى الواحد.
فائدة
: قال الله تعالى لخليله إبراهيم ﷺ : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ
«١» قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أخذ طاوسا ونسرا وغرابا وديكا. وقيل: أخذ حماما وغرابا وديكا وبطة. وقال مجاهد وعطاء وابن جريج: أخذ طاوسا وديكا وحماما وغرابا. وقيل: كانت الطيور بطة خضراء وغرابا أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمر. قيل: وفائدة حصره بأربعة، أن الطبائع أربعة، والغالب على كل واحد من هذه الطيور طبع منها فأمر بقتل الجميع، وخلط لحومها بعضها ببعض، وكذلك خلط دمائها وريشها ثم دعاهن بعد أن فرق أجزاءهن على رؤوس الجبال، وقيل: بل أمسك الرؤوس عنده فاجتمعت الأجزاء وأتين سعيا إلى رؤوسهن وأحياهن الله تعالى كما شاء بقدرته. وفيه إيماء إلى أن إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة الشهوات والزخارف التي هي صفة الطاوس، والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل الموصوف بهما الغراب، والترفع والمسارعة للهوى الموصوف بهما الحمام. وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإنسان، وأجمع لخواص الحيوان وجمع بين مأكولي اللحم وضدهما وبين ممقوتين وهما الطاوس والغراب، ومحبوبين وهما الديك والحمام، وبين ما يسرع الطيران كالحمام والغراب، وبين ما لا يستطيعه إلا قليلا وهما الديك والطاوس، وبين ما يتميز به الذكر من الأنثى وهم الطاوس والديك، وما لا يتميز إلا للعارف كالحمام وما يعسر تمييزه كالغراب. وما أحسن قول ابن الساعاتي «٢» :
والطّلّ في سلك الغصون كلؤلؤ ... رطب يصافحه النسيم فيسقط
والطير يقرأ والغدير صحيفة ... والريح يكتب والغمام ينقط
وهو تقسيم بديع. والطير الذي يأتي في كل سنة إلى جبل بصعيد مصر، يسمى بوقير، وقد تقدم في حرف الباء.
فائدتان
: الأولى
: روى الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي يزيد، عن
стр. 650
سباع بن ثابت عن أم كرز، قالت: أتيت النبي ﷺ فسمعته يقول «١» : «أقروا الطير على مكناتها» وفي رواية في وكناتها. وهذا بعض حديث، رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وابن حبان، قال: فالتفت سفيان إلى الشافعي وقال: يا أبا عبد الله ما معنى هذا؟ فقال الشافعي: إن علم العرب كان في زجر الطير، فكان الرجل منهم إذا أراد سفرا خرج من بيته، فيمر على الطير في مكانه فيطيره، فإذا أخذ يمينا مر في حاجته، وإن أخذ يسارا رجع. فقال النبي ﷺ : «أقروا الطير على مكناتها» . قال: فكان ابن عيينة يسأل بعد ذلك عن تفسير هذا الحديث فيفسره على نحو ما فسره الشافعي. قال أحمد بن مهاجر: وسألت الأصمعي عن تفسير هذا الحديث، فقال مثل ما قال الشافعي. قال: وسألت وكيعا فقال: إنما هو عندنا على صيد الليل، فذكرت له قول الشافعي فاستحسنه وقال: ما ظننته إلا على صيد الليل.
وروى البيهقي، في سننه، أن إنسانا سأل يونس بن عبد الأعلى عن معنى «أقروا الطير في مكناتها» فقال: إن الله تعالى يحب الحق، إن الشافعي قال في تفسيره كذا، وذكر ما تقدم عنه. قال:
وكان الشافعي، ﵀ نسيج وحده في هذه المعاني.
قوله: «نسيج وحده» هو بالإضافة، ووحده مكسور الدال. قال ابن قتيبة: وأصله أن الثوب الرقيق النفيس لا ينسج على منواله غيره، وإن لم يكن نفيسا عمل على منواله عدة أثواب.
فاستعير ذلك لكل كريم من الرجال، انتهى.
قال الصيدلاني، في شرح المختصر: المكنة بكسر الكاف موضع القرار والتمكن. قال:
وفي معنى هذا الحديث أقوال: أحدها النهي عن الصيد ليلا، ثانيهما ما تقدم عن الشافعي، ثالثها قال أبو عبيدة القاسم بن سلام: أقروها على بيضتها التي احتضنتها، وأصل المكن بيض الضب قال الصيدلاني: فعلى هذا يجب أن يكون المفرد المكنة بتسكين الكاف، كتمرة وتمرات انتهى.
الفائدة الأخرى
: الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء المثناة تحت، التشاؤم بالشيء. قال «٢» تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ
أي شؤمهم جاء من قبل الله تعالى، وهو الذي قضى عليهم بذلك وقدره. ويقال تطير طيرة وتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما. انتهى. وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله بقول: لا طيرة وخيرها الفأل. قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال ﷺ : «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» «٣» وفي رواية قال: «يعجبني الفأل وأحب الفأل الصالح» . وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في أسفارهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك. وفي حديث «٤» آخر «الطيرة شرك» أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر، وإنما اشتقوا الطيرة من الطير لسرعة لحوق البلاء على اعتقادهم كما يسرع الطير في الطيران. وأما الفأل فمهموز، ويجوز ترك همزه، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الصالحة
стр. 651
والحسنة، والغالب أن يكون فيما يسر، وقد يكون فيما يسوء. وأما الطيرة، فإنها لا تكون إلا فيما يسوء.
قال العلماء: إنما أحب الفأل، لأن الإنسان إذا أمل فضل الله تعالى كان على خير، وإذا قطع رجاءه من الله تعالى كان على سوء. والطيرة فيها سوء ظن وتوقع البلاء، وفي الحديث قالوا:
يا رسول الله لا يسلم منا أحد من الطيرة والحسد والظن فما نصنع؟ قال ﷺ : «إذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تتحقق» . رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على الطيرة في باب اللام، في اللقحة أيضا.
قال في مفتاح دار السعادة: واعلم أن التطير، إنما يضر من أشفق منه وخاف، وأما من لم يبال به ولم يعبأ به، فلا يضره البتة لا سيما إن قال عند رؤية ما يتطير به أو سماعه: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيآت إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. وأما من كان معتنيا بها فهي أسرع إليه من السيل إلى منحدره، وقد فتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة، ما يفسد عليه دينه وينكد عليه معيشته انتهى.
وقال ابن عبد الحكم: لما خرج عمر بن عبد العزيز من المدينة، قال رجل من لخم: نظرت فإذا القمر في الدبران، فكرهت أن أقول له فقلت: ألا تنظر إلى القمر ما أحسن استواءه في هذه الليلة! فنظر عمر فإذا هو في الدبران، فقال: كأنك أردت أن تعلمني بأنه في الدبران، أنا لا نخرج بشمس ولا بقمر، ولكنا نخرج بالله الواحد القهار. وقال ابن خلكان: ومن قبيح ما وقع لأبي نواس أن جعفر بن يحيى البرمكي بنى دارا استفرغ فيها جهده، فلما كملت وانتقل إليها صنع فيها أبو نواس قصيدة «١» امتدحه بها أولها:
أربع البلى إنّ الخشوع لبادى ... عليك وإني لم أخنك ودادي
سلام على الدنيا إذا ما فقدتم ... بني برمك من رائحين وغادي
فتطير منها بنو برمك، وقالوا: نعيت لنا أنفسنا يا أبو نواس، فما كانت إلا مديدة، حتى أوقع بهم الرشيد وصحّت الطّيرة. وذكر الطبري والخطيب البغدادي وابن خلكان وغيرهم، أن جعفر بن يحيى البرمكي، لما بنى قصره، وتناهى بنيانه، وكمل حسنه، وعزم على الانتقال إليه، جمع المنجمين لاختيار وقت ينتقل فيه إليه، فاختاروا له وقتا في الليل، فخرج في ذلك الوقت والطرق خالية، والناس هادئون فرأى رجلا قائما يقول:
تدبر بالنجوم ولست تدري ... وربّ النجم يفعل ما يشاء
فتطير ووقف، ودعا بالرجل وقال له: أعد ما قلت فأعاده، فقال: ما أردت بهذا؟ قال: ما أردت به معنى من المعاني، ولكنه شيء عرض لي وجاء على لساني، فأمر له بدينار ومضى لوجهه، وقد تنغص سروره وتكدر عيشه فلم يكن إلا قليل حتى أوقع بهم الرشيد. وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر قتله في باب العين المهملة، في العقاب. وفي التمهيد لابن عبد البر، من حديث المقبري عن
стр. 652
ابن لهيعة عن ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الجيلي، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ ، قال «١» : «من رجعته الطيرة عن حاجته، فقد أشرك» . قالوا: وما كفارة ذلك يا رسول الله؟ قال ﷺ : «أن يقول أحدكم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ثم يمضي لحاجته» «٢» .
تنبيه مهم
: جزم الإمام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي، في الأحكام، في سورة المائدة، بتحريم أخذ الفأل من المصحف. ونقله القرافي عن الإمام العلامة أبي الوليد الطرطوشي، وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة. ومقتضى مذهبنا كراهته.
وحكى الماوردي، في كتاب أدب الدين والدنيا، أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ
«٣» فمزق المصحف وأنشأ يقول «٤» :
أتوعد كلّ جبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر ... فقل يا رب مزّقني الوليد
فلم يلبث إلّا أياما يسيرة حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم أعلى سور بلده، كما تقدم في باب الهمزة في لفظ الأوز.
فائدة أخرى
: روى الترمذي وابن ماجه والحاكم، وصححوه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» «٥» معناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار ممتلئة البطون من الشبع. قال الإمام أحمد: ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، وإنما أراد، والله أعلم، لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، وعلموا أن الخير بيده ومن عنده، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين، كالطير تغدو خماصا، وتروح بطانا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم، وهذا خلاف التوكل. وفي الاحياء، في أوائل كتاب أحكام الكسب، قيل لأحمد: ما تقول في الذي يجلس في بيته أو مسجده ويقول:
لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم! أما سمع قول النبي ﷺ :
«إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي» «٦» . وقوله حيث ذكر الطير: «تغدو خماصا وتروح بطانا» «٧» .
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ، يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم. والقدوة بهم.
مسألة: أوصى للمتوكلين، أفتى ابن عباس بأن ذلك يصرف للزراع، فإنهم يحرثون ويضعون البذر في الأرض فهم متوكلون على الله تعالى، ويدل له ما روى البيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، لقى ناسا من أهل اليمن،
стр. 653
فقال: من أنتم؟ قالوا: متوكلون، قال: كذبتم إنما المتوكلون رجل ألقى حبه في التراب، وتوكل على رب الأرباب. وبهذا أفتى بعض فقهاء بيت المقدس قديما. وقال الإمامان الرافعي والنووي، في تفضيل بعض الأكساب على بعض، واحتج من فضل الزراعة، بأنها أقرب إلى التوكل، وفي الشعب أيضا عن عمرو بن أمية الضمري، أنه قال: قلت: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل؟
قال ﷺ : «إعقلها وتوكل» «١» وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذا في أول باب النون.
وقال الحليمي: يستحب لكل من ألقى في الأرض بذرا أن يقرأ بعد الاستعاذة أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ
«٢» الآية. ثم يقول: بل الله الزارع والمنبت والمبلغ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارزقنا ثمره، وجنبنا ضرره، واجعلنا لأنعمك من الشاكرين. وقال أبو ثور: سمعت الشافعي رضي الله تعالى عنه يقول: نزه الله نبيه ﷺ ، ورفع قدره، فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ
«٣» وذلك أن الناس في التوكل، على أحوال شتى: متوكل على نفسه، أو على ماله، أو على جاهه، أو على سلطانه، أو على صناعته، أو على غلته، أو على الناس. وكل مستند إلى حي يموت، أو إلى ذاهب يوشك أن ينقطع، فنزه الله تعالى نبيه ﷺ عن ذلك، وأمره أن يتوكل على الحي الذي لا يموت. وقال الإمام العلامة، شيخ الشريعة والحقيقة، أبو طالب المكي، في كتابه قوت القلوب: اعلم أن العلماء بالله تعالى لم يتوكلوا عليه لأجل أن يحفظ عليهم دنياهم، ولا لأجل تبليغهم رضاهم ومرادهم، ولم يشترطوا عليه حسن القضاء بما يحبون، ولا ليبدل لهم جريان أحكامه عما يكرهون، ولا ليغير لهم سابق مشيئته إلى ما يعقلون، ولا ليحول عنهم سنته التي قد خلت في عباده، من الابتلاء والامتحان والاختبار، بل هو جل وعلا أجل في قلوبهم من ذلك، وهم أعقل عنه وأعرف به من هذا، فلو اعتقد عارف بالله أحد هذه المعاني مع الله في توكله، لكان عليه كبيرة توجب عليه التوبة، وكان توكله معصية، وإنما أخذوا أنفسهم بالصبر على أحكامه كيف جرت وطالبوا قلوبهم بالرضا كيف أجرى.
فائدة
: عن كعب الأحبار، قال: إن الطير ترتفع اثني عشر ميلا، ولا ترتفع فوق هذا، وفوق الجو السكاك. والجو هو الهواء بين السماء والأرض.
التعبير
: الطائر في المنام رزق لمن حواه لقول الشاعر:
وما الرزق إلا طائر أعجب الورى ... فمدت له من كل فن حبائل
وسعادة ورياسة، وقيل: الطيور السود تدل على السيآت، والطيور البيض تدل على الحسنات. ومن رأى طيورا تنزل على مكان وترتفع، فإنها ملائكة ورؤية ما يستأنس بالإنسان من الطيور دليل على لأزواج والأولاد، ورؤية ما لا يأنس بالآدمي من الطير دليل على معاشرة الأضداد والأعجام. ورؤية الكاسر من الطير في المنام شر ونكد ومغارم، ورؤية الجارح المعلم عز وسلطان وفوائد وأرزاق. ورؤية المأكول لحمه فائدة سهلة، ورؤية ذوي الأصوات قوم صالحون، ورؤية المذكر رجال، والمؤنث نساء، ورؤية المجهول من الطير قوم غرباء، ورؤية ما فيه خير وشر
стр. 654
فرج بعد شدة، ويسر بعد عسر، ورؤية ما يظهر بالليل دليل على الجراءة وشدة الطلب والاختفاء، ورؤية ما ليس له قيمة، إذا صار له قيمة في المنام، فإنها تدل على الربا، وأكل المال بالباطل وبالعكس. ورؤية ما يظهر في وقت دون وقت، فإن رآه قد ظهر في غير أوانه، كان ذلك دليلا على وضع الأشياء في غير محلها، أو على الأخبار الغريبة والخوض فيما لا يعني، فهذا قول كلي في أنواع الطير مما تقدم ذكره وسيأتي فافهم ذلك وقس عليه.
تتمة
: قال المعبرون: كلام الطير كله صالح جيد، فمن رأى الطير يكلمه ارتفع شأنه لقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
«١» وكره المعبرون صوت طير الماء والطاوس والدجاج وقالوا: إنه هم وحزن ونعي، وزمار الظليم، وهو ذكر النعام، قتل من خادم شجاع، فإن كره صوته فإنه غلبة من خادم. وهدير الحمام امرأة قارئة لكتاب الله تعالى، وصوت الخطاف موعظة من رجل واعظ، والله أعلم.
خاتمة
: قال ابن الجوزي، في كتاب أنس الفريد وبغية المريد: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: في القرآن عشرة أطيار، سماها الله تعالى بأسمائها: البعوضة في البقرة، والغراب في المائدة، والجراد في الأعراف، والنحلة في النحل، والسلوى في البقرة وطه، والنمل في النمل، والهدهد فيها أيضا، والذباب في الحج، والفراش في القارعة، والأبابيل في الفيل، فهذه عشر.
طير العراقيب:
طير الشؤم عند العرب، وكل ما تطيرت به سمته بذلك.
ومن الأحكام المتعلقة بالطير، أن من فتح قفصا عن طائر، وهيجه فطار ضمنه. قال الماوردي: بإجماع، لأنه ألجأه إلى ذلك، وإن اقتصر على الفتح، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها يضمنه مطلقا، والثاني لا يضمنه مطلقا، والثالث، وهو الأظهر، إن طار في الحال ضمنه، وإن وقف ثم طار فلا، لأن طيرانه في الحال، دليل على أنه بتنفيره، حصل ذلك. وأما طيرانه بعد الوقوف، فهو أمارة ظاهرة على أنه طار باختياره، لأن للطائر اختيارا فإن كسر الطائر في خروجه قارورة أو أتلف شيئا أو انكسر القفص بخروجه، أو وثبت هرة كانت حاضرة عند الفتح، فدخلت فأكلت الطائر، لزمه الضمان والله أعلم.
طير الماء:
كنيته أبو سحل، ويقال له ابن الماء وبنات الماء، وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكره في آخر باب الميم.
الحكم
: قال الرافعي: إنه حلال بجميع أنواعه إلا اللقلق، فإنه يحرم أكله على الصحيح.
وحكى الروياني في طير الماء وجهين عن الصيمري، والأصح ما قاله الرافعي. ويدخل فيه البط والأوز ومالك الحزين قال أبو عاصم العبادي: وهو أكثر من مائة نوع ولا يدرى لأكثرها اسم عند العرب، فإنها لم تكن ببلادهم. وسيأتي، إن شاء الله تعالى الكلام على مالك الحزين في باب الميم.
الأمثال
: قالوا: «كأن على رؤوسهم الطير» «٢» ، بالنصب لأنه اسم كان أي على رأس كل
стр. 655
واحد الطير، يريد صيده فلا يتحرك يضرب للساكن الوادع وهذه كانت صفة مجالس رسول الله ﷺ ، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير يريد أنهم يسكنون فلا يتكلمون، والطير لا تسقط إلا على ساكت. وقال الجوهري: وقولهم: كأنما على رؤوسهم الطير، إذا سكتوا من هيبته. وأصله أن الغراب، إذا وقع على رأس البعير، ليلقط منه الحلمة أو الحمنانة، فلا يحرك البعير رأسه لئلا ينفر عنه الغراب.
الطيطوي:
قال ارسطاطاليس، في كتاب النعوت: إنه طائر لا يفارق الآجام، وكثرة المياه، لأن هذا الطائر لا يأكل شيئا من النبت، ولا من اللحوم، وإنما قوته مما يتولد في شاطىء الغياض والآجام، من دود النتن. وهذا الطائر تطلبه البزاة عند مرضها، لأن البازي أكثر ما يصيبه من الأمراض بسبب الحرارة في كبده، فإذا عرض له ذلك طلب الطيطوي، وأكل كبده فيبرأ. وقد يطمئن الطيطوي ويصيح، ولا ينفر من موضعه، إلا إذا طلبه البازي هرب وغير موضعه، فإذا كان في الليل، هرب وصاح، وهو في النهار إذا هرب لم يصح، وكمن في الحشيش.
وذكر الثعلبي والبغوي وغيرهما في تفسير سورة النمل عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
«١» سمى صوت الطير منطقا لحصول الفهم به كما يفهم من كلام الناس. وقالوا:
قال كعب الأحبار وفرقد السنجي: مر سليمان ﵇ على بلبل فوق شجرة يحرك ذنبه ورأسه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: يقول: أكلت نصف تمرة، فعلى الدنيا العفاء. ومر بهدهد فأخبر أنه يقول: إذا نزل القضاء عمي البصر. وفي رواية كعب، أنه يقول من لا يرحم لا يرحم، والفاختة تقول: يا ليت هذا الخلق ما خلقوا! وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا، وليتهم إذا علموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا! والصرد يقول: سبحانه ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه، والسرطان يقول: استغفروا الله يا مذنبين، وصاحت طيطوي عنده فأخبر أنها تقول: كل حي ميت، وكل جديد بال، وقال: إن الخطاف يقول: قدموا خيرا تجدوه عند الله، والورشان يقول: لدوا للموت، وابنوا للخراب، والطاوس يقول: كما تدين تدان والحمامة تقول: سبحان ربي المذكور بكل لسان، والدراج يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
«٢» وإذا صاحت العقاب تقول: البعد عن الناس راحة، وفي رواية البعد من الناس أنس، وإذا صاح الخطاف قرأ الفاتحة إلى آخرها، ويمد صوته بقوله: وَلَا الضَّالِّينَ
«٣» ، كما يمده القارىء، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والقمري يقول: سبحان ربي الأعلى، وقيل إنه يقول: يا كريم، والغراب يلعن العشار ويدعو عليه، والحدأة تقول: كل شيء هالك إلا الله، والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء يقول: ويل لمن كانت الدنيا أكبر همه، والزرزور يقول:
اللهم إني أسألك رزق يوم بيوم يا رزاق، والقنبرة تقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، والديك يقول: اذكروا الله يا غافلين، والنسر يقول: يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وفي رواية أن الفرس تقول: إذا التقى الجمعان سبوح قدوس رب الملائكة والروح. والحمار يلعن المكاس وكسبه، والضفدع تقول: سبحان ربي الأعلى.
стр. 656
التعبير
: الطيطوي في المنام امرأة، قاله ابن سيرين.
ومن خواصه
: أن لحمه يعقل البطن ويزيد في الباه.
الطيهوج:
بفتح الطاء طائر شبيه بالحجل الصغير، غير أن عنقه أحمر، ومنقاره ورجلاه حمر، مثل الحجل، وما تحت جناحيه أسود وأبيض، وهو خفيف مثل الدراج.
وحكمه
: الحل.
الخواص
: لحم الطيهوج كثير الحرارة والرطوبة. قاله يوحنا. وقيل: معتدل، قلت: وهو الصواب، وقيل: إنه في الدرجة الثالثة في الهضم، وأجوده السمين الرطب الخريفي ينفع للزيادة في الباه، ويعقل البطن لكنه يضر بمن يعالج الأثقال، ويدفع ضرره طبخه في الهرائس، وهو يولد دما معتدلا، ويوافق الأمزجة المعتدلة من الصبيان، وأجوده ما أكل في زمن الربيع، لا سيما في البلاد الشرقية، والطيهوج والدراج والحجل متقاربة في ترتيب الأغذية في الاعتدال واللطافة والطيهوج أولا، ثم الدراج ثم الحجل وتقدم في الضاد إنه الدريس والله أعلم.
بنت طبق وأم طبق:
السلحفات، وقد تقدم ذكرها في باب السين، وقيل: هي حية عظيمة من شأنها أن تنام ستة أيام ثم تستيقظ في اليوم السابع، فلا تنفخ في شيء إلا أهلكته وقد تقدم ذكر النوعين في بابيهما. ومنه قيل للداهية: إحدى بنات طبق، ومنه قولهم: قد طرقت بنكدها أم طبق.
الأمثال
: قالوا: «جاء فلان بإحدى بنات طبق» «١» يضرب للرجل يأتي بالأمر عظيم.
باب الظاء المعجمة
الظبي:
الغزال والجمع أظب وظباء وظبي، والأنثى ظبية، والجمع ظبيات بالتحريك وظباء، وأرض مظباة أي كثيرة الظباء، وظبية اسم امرأة تخرج قبل الدجال تنذر المسلمين به، قاله ابن سيده. قال الكرخي: الظباء ذكور الغزلان، والأنثى: الغزال، قال الإمام: وهذا وهم فإن الغزال ولد الظبية إلى أن يشتد ويطلع قرناه، قال الإمام النووي: الذي قاله الإمام هو المعتمد.
وقول صاحب التنبيه: فإن أتلف ظبيا ماخضا، قال النووي: صوابه ظبية ما خضا، لأن الماخض الحامل، ولا يقال في الأنثى إلا ظبية، والذكر ظبي وجمعت الظبية على ظباء، كركوة وركاء لأن ما كان على فعلة بفتح أوله من المعتل، فجمعه ممدود، ولم يخالف هذا إلا القرية فإنها جمعت على قرى على غير قياس، فجاء مخالفا للباب، فلا يقاس عليه، قاله الجوهري. وتكنى الظبية أم الخشف وأم شادن وأم الطلا.
والظباء مختلفة الألوان، وهي ثلاثة أصناف: صنف يقال له الآرام وهي ظباء بيض خالصة البياض، الواحد منها ريم ومساكنها الرمال، ويقال: إنها ضأن الظباء، لأنها أكثر لحوما وشحوما، وصنف يسمى العفر وألوانها حمر، وهي قصار الأعناق، وهي أضعف الظباء عدوا تألف المواضع
стр. 657
المرتفعة من الأرض، والأماكن الصلبة. قال الكميت:
وكنا إذا جبار قوم أرادنا ... بكيد حملناه على قرن أعفرا
يعني نقتله ونحمل رأسه على السنان، وكانت الأسنة فيما مضى من القرون. وصنف يسمى الأدم، طوال الأعناق والقوائم، بيض البطون. وتوصف الظباء بحدة البصر، وهي أشد الحيوان نفورا ومن كيس الظبي، أنه إذا أراد أن يدخل كناسه يدخل مستديرا ويستقبل بعينيه ما يخافه على نفسه وخشفانه، فإن رأى أن أحدا أبصره حين دخوله لا يدخل وإلا دخل. ويستطيب الحنظل ويلتذ بأكله ويرد البحر فيشرب من مائه المر الزعاق. قال ابن قتيبة: ولد الظبية أول سنة طلا بفتح الطاء وخشف بكسر الخاء المعجمة ثم في السنة الثانية جذع ثم في الثالثة ثني ثم لا يزال ثنيا حتى يموت.
وذكر ابن خلكان، في ترجمة «١» جعفر الصادق، أنه سأل أبا حنيفة رضي الله تعالى عنهما ما تقول في محرم كسر رباعية ظبي؟ فقال: يا ابن بنت رسول الله ﷺ لا أعلم ما فيه. فقال: إن الظبي لا يكون رباعيا وهو ثني أبدا! كذا حكاه كشاجم، في كتاب المصايد والمطارد.
وقال الجوهري في مادة س ن ن في قول الشاعر، في وصف الإبل:
فجاءت كسنّ الظبي لم أر مثلها ... شفاء عليل أو حلوبة جائع
أي هي ثنيات لأن الثني هو الذي يلقي ثنيته، والظبي لا تثبت له ثنية قط، فهو ثني أبدا. وقال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد الصادق، فقلت: هذا رجل فقيه من العراق، فقال: لعله الذي يقيس الدين برأيه، أهو النعمان بن ثابت؟ قال: ولم أعلم باسمه إلا ذلك اليوم، فقال له أبو حنيفة: نعم أنا ذلك أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس برأيه إبليس إذ قال: أنا خير منه فأخطأ بقياسه فضل. ثم قال له: أتحسن أن تقيس رأسك من جسدك؟ قال: لا. قال جعفر: فأخبرني لم جعل الله الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين، والماء في المنخرين، والعذوبة في الشفتين، لأي شيء جعل الله ذلك؟
قال: لا أدري. قال جعفر: إن الله تعالى خلق العينين فجعلهما شحمتين، وخلق الملوحة فيهما منا منه على ابن آدم، ولولا ذلك لذابتا فذهبتا. وجعل المرارة في الأذنين منا منه عليه، ولولا ذلك لهجمت الدواب فأكلت دماغه. وجعل الماء في المنخرين ليصعد منه النفس وينزل، ويجد منه الريح الطيبة من الريح الرديئة، وجعل العذوبة في الشفتين ليجد ابن آدم لذة المطعم والمشرب.
ثم قال لأبي حنيفة: أخبرني عن كلمة أولها شرك وآخرها إيمان؟ قال: لا أدري. قال جعفر: هي كلمة لا إله إلا الله. فلو قال: لا إله، ثم سكت كان شركا. ثم قال: ويحك، أيما أعظم عند الله إثما: قتل النفس التي حرم الله بغير حق، أو الزنا؟ قال: بل قتل النفس. قال جعفر: إن الله تعالى قد قبل في قتل النفس شهادة شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا شهادة أربعة فأنى يقوم لك القياس؟ ثم قال: أيما أعظم عند الله الصوم أو الصلاة؟ قال: الصلاة. قال: فما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله، ولا تقس الدين برأيك، فإنا نقف غدا ومن
стр. 658
خالفنا بين يدي الله، فنقول: قال الله وقال رسول الله، وتقول أنت وأصحابك: سمعنا ورأينا فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء. والجواب في أن الزنا لا يقبل فيه إلا أربعة طلبا للستر، وفي أن الحائض لا تقضي الصلاة دفعا للمشقة، لأن الصلاة متكررة في اليوم والليلة خمس مرات، بخلاف الصوم، فإنه في السنة مرة والله أعلم.
وجعفر الصادق هو جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وجعفر أحد الأئمة الإثني عشر، على مذهب الإمامية، من سادات أهل البيت. ولقب الصادق لصدقه في مقالته. وله مقال في صنعة الكيمياء والزجر والفأل وتقدم في باب الجيم، في الجفرة. عن ابن قتيبة أنه قال في كتابه أدب الكاتب: إن كتاب الجفر جلد جفرة كتب فيه الإمام جعفر الصادق لأهل البيت كل ما يحتاجون إلى علمه، وكل ما يكون إلى يوم القيامة. وكذا حكاه ابن خلكان عنه أيضا.
وكثير من الناس ينسبون كتاب الجفر إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو وهم، والصواب أن الذي وضعه جعفر الصادق كما تقدم. وأوصى جعفر ابنه موسى الكاظم فقال: يا بني احفظ وصيتي تعش سعيدا، وتمت شهيدا، يا بني إن من قنع بما قسم له استغنى، ومن مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، ومن لم يرض بما قسم الله له اتهم الله في قضائه، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره، ومن استعظم زلة نفسه استصغر زلة غيره. يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، ومن داخل السفهاء حقر، ومن خالط العلماء وقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم. يا بني قل الحق لك أو عليك، وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال. يا بني إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه.
وروي أنه قيل لجعفر الصادق: ما بال الناس في الغلاء يزداد جوعهم، بخلاف العادة في الرخص؟ فقال: لأنهم خلقوا من الأرض وهم بنوها، فإذا أقحطت أقحطوا، وإذا أخصبت أخصبوا. ولد جعفر رحمة الله عليه سنة ثمانين من الهجرة، وقيل سنة ثلاث وثمانين وتوفي سنة ثمان وأربعين ومائة.
وفي الحديث أن النبي ﷺ مر هو وأصحابه وهم محرمون بظبي واقف في ظل شجرة فقال:
يا فلان لأحد أصحابه «قف ههنا، حتى يمر الناس لا يريبه أحد بشيء» ، أي لا يتعرض له. وفي المستدرك عن قبيصة بن جابر الأسدي، قال «١» : «كنت محرما، فرأيت ظبيا فرميته فأصبته فمات، فوقع في نفسي من ذلك شيء، فأتيت عمر أسأله، فوجدت إلى جنبه رجلا أبيض رقيق الوجه، وإذا هو عبد الرحمن بن عوف فسألت عمر فالتفت إلى عبد الرحمن، فقال: ترى شاة تكفيه؟ قال:
نعم، فأمرني أن أذبح شاة» . فلما قمنا من عنده قال صاحب لي: إن أمير المؤمنين لم يحسن أن يفتيك حتى سأل الرجل! فسمع عمر بعض كلامه، فعلاه بالدرة ضربا، ثم أقبل علي ليضربني، فقلت: يا أمير المؤمنين إني لم أقل شيئا إنما هو قاله، فتركني ثم قال: أردت أن تفعل الحرام
стр. 659
ونتعدى في الفتيا ثم قال: إن في الإنسان عشرة أخلاق تسعة حسنة وواحد سيء فيفسدها ذلك السيء. ثم قال: إياك وعثرات اللسان.
وحكى المبرد عن الأصمعي أنه قال: حدثت أن رجلا نظر إلى ظبية ترد الماء، فقال له أعرابي: أتحب أن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فاعطني أربعة دراهم حتى أردها إليك فأعطاه فخرج يمحص في أثرها فجدت وجد حتى أخذ بقرنيها فأعطاه إياها وهو يقول:
وهي على البعد تلوي خدّها ... تزيغ شدّي وأزيغ شدّها
كيف ترى عدوى غلام ردها ... وكلما جدت تراني عندها
وذكر ابن خلكان، أن كثير عزة «١» ، دخل يوما على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك:
هل رأيت أحدا أعشق منك؟ قال: نعم، بينا أنا أسير في فلاة، إذا أنا برجل قد نصب حبالة، وهو جالس، فقلت له: ما أجلسك ههنا فقال: أهلكني وقومي الجوع، فنصبت حبالتي هذه لأصيب لهم شيئا ولنفسي، قلت: أرأيت إن أقمت معك؟ أتجعل لي جزأ من صيدك؟ قال: نعم.
فبينما نحن كذلك، إذ وقعت ظبية في الحبالة، فبدرني إليها، فحلها وأطلقها، فقلت: ما حملك على ذلك قال: رق قلبي لها لشبهها بليلى وأنشد يقول «٢» :
أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني ... لك اليوم من وحشية لصديق
أقول وقد أطلقتها من وثاقها ... فأنت لليلى ما حييت طليق
وفي كتاب ثمار القلوب للثعالبي، في الباب الثالث عشر منه، أن الملك بهرام جور، لم يكن في العجم أرمى منه، ومن غريب ما اتفق له، أنه خرج يوما يتصيد على جمل، وقد أردف جارية يعشقها، فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أي موضع تريدين أن أضع السهم من هذه الظباء؟ فقالت: أريد أن تشبه ذكرانها بإناثها وإناثها بذكرانها! فرمى ظبيا ذكرا بنشابة ذات شعبتين، فاقتلع قرنيه، ورمى ظبية بنشابتين أثبتهما في موضع القرنين. ثم سألته أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة، فرمى أصل أذن الظبي ببندقة، فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحك، رماه بنشابة فوصل أذنه بظلفه، ثم أهوى إلى الجارية مع هواه لها فرمى بها إلى الأرض، وأوطأها الجمل بسبب ما اشتطت عليه، وقال: ما أرادت إلا إظهار عجزي فلم تلبث إلا يسيرا وماتت.
فصل
: يلتحق بهذا النوع غزال المسك، ولونه أسود ويشبه ما تقدم في القدودقة القوائم وافتراق الأظلاف غير أن لكل منهما نابين أبيضين خفيفين خارجين من فيه في فكه الأسفل، قائمين في وجهه كنابي الخنزير، كل واحد منهما دون الفتر، ويقال إنه يسافر من التبت إلى الهند، فيلقي ذلك المسك هناك فيكون رديئا. وحقيقة ذلك المسك دم يجتمع في سرتها في وقت معلوم من السنة بمنزلة المواد التي تنصب إلى الأعضاء، وهذه السرة جعلها الله تعالى معدنا للمسك، فهي تثمر كل
стр. 660
سنة كالشجرة التي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها
«١» وإذا حصل ذلك الورم مرضت له الظباء، إلى أن يتكامل. ويقال إن أهل التبت يضربون لها أوتادا في البرية، تحتك بها ليسقط عندها. وذكر القزويني في الأشكال، أن دابة المسك تخرج من الماء كالظباء تخرج في وقت معلوم، والناس يصيدون منها شيئا كثيرا فتذبح. فيوجد في سررها دم وهو المسك، ولا يوجد له هناك رائحة حتى يحمل إلى غير ذلك الموضع من البلاد انتهى. وهذا غريب! والمعروف ما تقدم.
وفي مشكل الوسيط لابن الصلاح، عن ابن عقيل البغدادي، أن النافجة في جوف الظبية، كالأنفحة في جوف الجدي، وأنه سافر إلى بلاد المشرق، حتى حمل هذه الدابة، إلى بلاد المغرب لخلاف جرى فيها، ونقل في كتاب العطر له عن علي بن مهدي الطبري، أحد أئمة أصحابنا، أنها تلقيها من جوفها كما تلقي الدجاجة البيضة انتهى. قلت: والمشهور أنها ليست مودعة في الظبية بل هي خارجة ملتحمة في سرتها كما تقدم والله أعلم.
روى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال «٢» : «كانت امرأة من بني اسرائيل قصيرة، تمشي مع امرأتين طويلتين، فاتخذت رجلين من خشب، وخاتما من ذهب، وحشته مسكا والمسك أطيب الطيب، فمرت بين المرأتين فلم يعرفوها، فقالت بيدها هكذا ونفض شعبة يده» .
قال النووي: دل الحديث على أن المسك أطيب الطيب وأفضله، وأنه طاهر يجوز استعماله في البدن والثوب ويجوز بيعه، وهذا كله مجمع عليه. ونقل أصحابنا عن الشيعة فيه، مذهبا باطلا، وهم محجوجون بإجماع المسلمين وبالأحاديث الصحيحة، في استعمال النبي ﷺ ، واستعمال الصحابة رضي الله تعالى عنهم، قال أصحابنا وغيرهم: وهو مستثنى من القاعدة المعروفة أن ما أبين من حي فهو ميتة. قال: وأما اتخاذ المرأة القصيرة رجلين من خشب حتى مشت بين الطويلتين، فلم تعرف فحكمه في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودا شرعيا لتستر نفسها لئلا تعرف فتقصد بالأذى ونحو ذلك فلا بأس به. وإن قصدت به التعاظم أو التشبه بالكاملات، وتزويرا على الرجال وغيرهم، فهو حرام.
فائدة
: روى الدارقطني والطبراني في معجمه الأوسط، عن أنس بن مالك، والبيهقي في شعبه عن أبي سعيد الخدري، قال: مر رسول الله ﷺ على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط فقالت: يا رسول الله إني وضعت ولي خشفان، فاستأذن لي أن أرضعهما ثم أعود إليهم فقال ﷺ : «خلوا عنها حتى تأتي خشفيها ترضعهما وتأتي إليكم» . قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله فقال ﷺ : «أنا» فأطلقوها، فذهبت فأرضعتهما ثم عادت إليهم فأوثقوها فقال ﷺ : «أتبيعونيها» قالوا: هي لك يا رسول الله، فخلوا عنها، فأطلقها. وفي رواية عن زيد بن أرقم، قال: لما أطلقها رسول الله ﷺ رأيتها تسبح في البرية وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. وروى الطبراني عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في الصحراء، فإذا مناد ينادي: يا رسول الله، فالتفت فلم ير أحدا، ثم التفت فإذا ظبية موثوقة، فقالت: ادن مني يا رسول الله فدنا منها، فقال:
ما حاجتك؟ فقالت: إن لي خشفين في هذا الجبل، فحلني حتى أذهب إليهما فأرضعهما ثم أرجع
стр. 661
إليك! فقال ﷺ : «وتفعلين» ؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل! فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت. فأوثقها. وانتبه الأعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟
قال: «نعم تطلق هذه» ، فأطلقها. فخرجت تعدو وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وفي دلائل النبوة للبيهقي، عن أبي سعيد، قال: مر النبي ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله حلني حتى أذهب فأرضع خشفي، ثم أرجع فتربطني فقال ﷺ : «صيد قوم وربيطة قوم» ، فأخذ عليها فحلفت له فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ ، ثم أتى إلى خباء أصحابها فاستوهبها منهم فوهبوها له، فحلها، ثم قال ﷺ : «لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا أبدا» وفي ذلك يقول صالح الشافعي من قصيدة له:
وجاء امرؤ قد صاد يوما غزالة ... لها ولد خشف تخلّف بالكذا
فنادت رسول الله والقوم حضر ... فأطلقها والقوم قد سمعوا النّدا
وسيأتي إن شاء الله تعالى، في العشراء بيتان آخران.
الحكم
: يحل أكلها بجميع أنواعها، ووقع لجماعة من الأصحاب أنهم قالوا: يجب على المحرم في قتل الظبي عنز. كذا قاله الإمام وارتضاه الرافعي وصوبه النووي. وهو وهم، فإن الظبي ذكر والعنز أنثى، فالصواب أن في الظبي ثنيا. وأما المسك فطاهر، وكذا فأرته في الأصح، لكن شرط طهارتها انفصالها حال حياة الظبية. وقيد المحاملي في كتاب اللباب المسك بالظبي، فقال: والمسك من الظبي طاهر، أي المسك المأخوذ من الظبي، احترز بذلك عن المسك التبتي المأخوذ من الفأرة الآتي ذكرها في باب الفاء إن شاء الله تعالى. وهو نجس ويستدل به على منع أكلها إذ لو كانت مأكولة، لالتحق مسكها بمسك الظبية. والطيبيون يسمون المسك التبتي المسك التركي، وهو عندهم أجود المسك، وأغلى ثمنا وينبغي التحرز من استعماله لنجاسته. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الفاء ما قاله الجاحظ في فأرة المسك.
ونقل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، عن القفال الشاشي، أن فأرة المسك، يعني النافجة، تدبغ بما فيها من المسك فتطهر طهارة المدبوغات. وذكر بعض شراح غنية ابن سريج، أن الشعر الذي على فأرة المسك، يعني النافجة نجس بلا خلاف. لأن المسك يدبغ ما لاقاه من الجلد المحاذي له فيطهر، وما لم يلاقه من أطراف النافجة نجس. وهذا الذي قاله ظاهر إلا قوله إن شعرها نجس بلا خلاف، فليس بظاهر، لأن في طهارة الشعر تبعا للجلد المدبوغ خلافا عندنا.
وهي رواية الربيع الجيزي، عن الشافعي. واختاره السبكي وغيره، وصححه الأستاذ أبو اسحاق الاسفرايني والروياني وابن أبي عصرون وغيرهم كما تقدم في باب السين المهملة، في الكلام على السنجاب.
وذكر الأزرقي، في تعظيم صيد الحرم عن عبد العزيز بن أبي رواد، أن قوما انتهوا إلى ذي طوى ونزلوا بها، فإذا ظبي من ظباء الحرم قد دنا منهم، فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه، فقال له أصحابه: ويلك أرسله، فجعل يضحك، وأبى أن يرسله فبعر الظبي وبال، ثم أرسله، فناموا
стр. 662
في القائلة، فانتبه بعضهم فإذا هو بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي، فقال له أصحابه: ويحك لا تتحرك فلم تنزل الحية عنه حتى كان من الحدث مثل ما كان من الظبي.
ثم روى عن مجاهد، قال: دخل مكة قوم تجار من الشأم في الجاهلية، بعد قصي بن كلاب، فنزلوا بوادي طوى، تحت سمرات يستظلون بها، فاختبزوا على ملة لهم، ولم يكن معهم أدم، فقام رجل منهم إلى قوسه، فوضع عليها سهما ثم رمى به ظبية من ظباء الحرم، وهي حولهم ترعى، فقاموا إليها فسلخوها وطبخوها، ليأتدموا بها، فبينما هم كذلك، وقدرهم على النار تغلى بها، وبعضهم يشوي إذ خرجت من تحت القدر، عنق من النار عظيمة، فأحرقت القوم جميعا ولم تحرق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات التي كانوا تحتها.
الأمثال
: قالوا: «آمن من ظباء الحرم» «١» وقالوا: «ترك الظبي ظله» «٢» . وهو كقولهم:
اتركه ترك الغزال ظله، يضرب للرجل النفور. وظله كناسه الذي يستظل به من شدة الحر. وهو إذا نفر منه لا يعود إليه أبدا. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في باب الغين أيضا.
الخواص
: قال ابن وحشية: قرنه ينحت ويبخر به البيت يطرد الهوام. ولسانه يجفف في الظل، ويطعم للمرأة السلطة، تزول سلاطتها. ومرارته تقطر في الأذن الوجعة، يزول وجعها.
وبغره وجلده يحرقان ويسحقان، ويجعلان في طعام الصبي، فيأكله فينشأ ذكيا فصيحا حافظا ذلقا. ومسكه يقوي البصر، وينشف الرطوبات، ويقوي القلب والدماغ، ويجلو بياض العين وينفع من الخفقان. وهو ترياق للسموم إلا أنه يورث تصفير الوجه. ومن خواص المسك أن استعماله في الطعام يورث البخر.
فصل
: المسك حار يابس، وأجوده الصفدي المجلوب من تبت، إلّا أنه يضر بالأدمغة الحارة. ودفع ضرره استعماله بالكافور. وتوافق رائحته الأمزجة الباردة والشيوخ. قال الرازي:
لحم الظبي حار يابس، وهو أصلح لحوم الصيد وأجوده الخشف. وهو نافع للقولنج والفالج والأبدان الكثيرة الفضول، لكنه يجفف الأعضاء ويدفع ضرره الأدهان والحوامض، وهو يولد دما حارا وأصلح ما أكل في الشتاء.
فائدة
: نوافج التبتي نوع رقاق والجرجاري ضده في الرقة والرائحة، والقينوي متوسط بينهما، والصنوبري دون ذلك. ويجلب في قوارير متفرقا في نوافجه، وكلما بعد حيوانه عن البحر كان مسكه ألذ وأذكى.
التعبير
: الظبي في المنام امرأة حسناء عربية، فمن رأى أن يملك ظبية بصيد، فإنه يملك جارية بمكر وخديعة، أو يتزوج امرأة. ومن رأى أنه ذبح ظبية افتض جارية. ومن رمى ظبية لغير الصيد، فإنه يقذف امرأة. ومن رمى ظبية وكان عزمه الصيد، نال مالا من امرأة. ومن رأى أنه صاد ظبيا أصابته لذاذة في الدنيا، ومن رأى أنه أخذ ظبيا نال ميراثا وخيرا كثيرا. ومن رأى أنه سلخ ظبية فجر بامرأة. ومن رأى ظبيا وثب عليه، فإن امرأته تعصيه في جميع أموره. وقال
стр. 663
جاماسب: من رأى أنه يمشي في أثر ظبي، زادت قوته، ومهما ملك الإنسان من قرون الظباء أو شعورها أو جلودها، فهي أموال من قبل النساء.
خاتمة
: المسك في المنام حبيب أو جارية، ومن حمل المسك من اللصوص، فإنه يمسك لأن الرائحة الذكية تنم على صاحبها وحاملها وتفشي سره، ويدل أيضا على المال، لأنه أكثر ثمنا من الذهب وغيره، ويدل على طيب عيش وخير طيب يرد على من شمه أو ملكه ويدل على براءة المتهمين. وقيل: هو ولد وقيل هو امرأة والله تعالى أعلم.
فائدة
: رأيت في مختصر الإحياء، للشيخ شرف الدين بن يونس شارح التنبيه، في باب الاخلاص، أن من أخلص لله تعالى في العمل، ولم ينوبه مقابلا، ظهرت آثار بركته عليه، وعلى عقبه إلى يوم القيامة. كما قيل: إنه لما أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو لكل جنس بما يليق به. فجاءته طائفة من الظباء، فدعا لهن ومسح على ظهورهن، فظهر فيهن نوافج المسك، فلما رأى بواقيها ذلك، قلن: من أين هذا لكن؟
فقلن: زرنا صفي الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهن، ومسح على ظهورهن، فلم يظهر بهن من ذلك شيء. فقلن: قد فعلنا كما فعلتن فلم نر شيئا مما حصل لكن، فقيل: أنتن كان عملكن لتنلن كما نال إخوانكن. وأولئك كان عملهن لله من غير شيء فظهر ذلك في نسلهن وعقبهن إلى يوم القيامة انتهى. وهذه من زياداته على الإحياء، وقد تكلمنا على الإخلاص والرياء، في كتاب الجوهر الفريد، في الجزء الرابع فلينظر هناك.
الظربان:
بفتح الظاء المشالة مثل القطران، دويبة فوق جرو الكلب، منتنة الريح كثيرة الفسو، وقد عرف الظربان ذلك من نفسه فجعل ذلك سلاحا له، كما عرفت الحبارى ما في سلحها من السلاح، إذا قرب الصقر منها. كذلك الظربان يقصد جحر الضب، وفيه حسوله وبيضه، فيأتي أضيق موضع فيه فيسده بذنبه ويحول دبره إليه، فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يغشى على الضب، فيأكله ثم يقيم في جحره، حتى يأتي على آخر حسوله. وتزعم الأعراب أنها تفسو في ثوب أحدهم، إذا صادها فلا تذهب رائحته حتى يبلى الثوب.
فائدة
: سأل أبو علي الفارسي «١» الطبيب، أحمد بن الحسين المتنبىء «٢» الشاعر، وكان مكثرا من نقل اللغة، هل لنا في الجمع على وزن فعلى؟ فقال في الحال: حجلى وظربى. قال أبو علي:
فطالعت كتب اللغة ثلاث ليال، فلم أجد لهما ثالثا. وقد تقدم هذا في باب الحاء المهملة.
والظربان على قدر الهرة والكلب القلطي، وهو منتن الريح ظاهرا أو باطنا، له صماخان بغير أذنين قصير اليدين، وفيهما براثن حداد، طويل الذنب ليس لظهره فقار، ولا فيه مفصل بل عظم واحد من مفصل الرأس إلى مفصل الذنب. وربما ظفر الناس به، فيضربونه بالسيوف، فلا تعمل فيه حتى تصيب طرف أنفه، لأن جلده مثل القد في الصلابة. ومن عادته أنه إذا رأى الثعبان دنا منه
стр. 664
ووثب عليه، فإذا أخذه تضاءل في الطول، حتى يبقى شبيها بقطعة حبل، فينطوي الثعبان عليه، فإذا انطوى عليه، نفخ ثم زفر زفرة يتقطع منها الثعبان قطعا قطعا، وله قوة في تسلق الحيطان في طلب الطير. فإذا سقط نفخ بطنه، فلا يضره السقوط، ويتوسط الهجمة من الإبل، فيفسو فيها فتتفرق تلك الإبل، كتفرقها من مبرك فيه قردان، فلا يردها الراعي إلا بجهد. ولهذا سمته العرب مفرق النعم وهو كثير ببلاد العرب والهجمة مائة من الإبل.
وحكمه
: تحريم الأكل، لاستخباثه ولا يدفع ذلك قول ابن قتيبة: العرب تصيد الظربان فيفسو في أكمامهم لأنهم لا يسمون صيدا إلا المأكول.
الأمثال
: قالوا: «فسا بينهم الظربان» «١» إذا تقاطع القوم. قال الشاعر:
ألا أبلغا قيسا وجندب أنني ... ضربت كثيرا مضرب الظربان
الظليم:
ذكر النعام، وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون وكنيته أبو البيض وأبو ثلاثين وأبو الصحاري وجمعه ظلمان كوليد وولدان قال زهير:
من الظلمان جؤجؤه هواء
وقال تعالى: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ
«٢» ونظيرهما قضيب وقضبان وعريض وعرضان وفصيل وفصلان. ذكر سيبويه هذه الألفاظ سوى الولدان. وقال: إنه قليل. وحكى غيره القري وهو مجرى الماء والجمع قريان وسرى وسريان وصبي وصبيان وخصي وخصيان.
خاتمة
: يقال: عار الظليم يعار عرارا، بكسر العين المهملة، وهو صوته قال ابن خلكان، وغيره: ومنه أخذ اسم عرار وهو عرار بن عمرو «٣» بن شاس الأسدي الذي قال «٤» فيه أبوه:
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
فإن عرارا إن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب العمم
وكان والده له امرأة من قومه، وابنه عرار هذا كان من أمة، وكان قد وقع بين عرار وبين امرأة أبيه عداوة، فاجتهد أبوه عمرو على أن يصلح بينه وبين امرأته، فلم يمكنه فطلقها، ثم ندم وكان عرار فصيحا عاقلا، توجه عن المهلّب بن أبي صفرة «٥» إلى الحجاج بن يوسف الثقفي «٦» رسولا في بعض المهمات، فلما مثل بين يديه لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان عن فضل وأعرب إلى أن
стр. 665
بلغ الغاية فأنشد الحجاج متمثلا:
أرادت عرارا بالهوان ومن يرد ... عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم
فقال عرار: أيدك الله أنا عرار، فأعجب به.
وبذلك الاتفاق قلت: وهذه الحكاية نظير ما رواه الدينوري في المجالسة، وقال الحريري في الدرة: إن عبيد بن شرية الجرهمي، عاش ثلاثمائة سنة وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على معاوية بن أبي سفيان بالشأم، وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، قال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتا لهم، فلما انتبهت إليهم، اغرورقت عيناي بالدموع فتمثلت بقول «١» الشاعر:
يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير
قد بحت بالحب ما تخفيه من أحد ... حتى جرت لك إطلاقا محاضير
فلست تدري وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير
فاستقدر الله خيرا وارضين به ... فبينما العسر إذا دارت مياسير
وبينما المرء في الأحياء مغتبط ... إذ هو الرمس تعفوه الأعاصير «٢»
يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور
قال: فقال لي رجل: أتعرف من يقول هذه الأبيات؟ قلت: لا والله إلا أني أرويها منذ زمان.
فقال: والذي تحلف به، إن قائلها صاحبنا الذي دفناه آنفا الساعة، وأنت الغريب الذي تبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس به رحما، وهو أسرهم بموته كما وصف.
فعجبت لما ذكره من شعره، والذي صار إليه من قوله، كأنه ينظر من مكانه إلى جنازته. فقلت:
«إن البلاء موكل بالمنطق» «٣» ، فذهبت مثلا. فقال له معاوية: لقد رأيت عجبا! فمن الميت؟ قال:
هو عثير بن لبيد العذري.
باب العين المهملة
العاتق:
قال الجوهري: هو فرخ الطائر فوق الناهض، يقال أخذت فرخ قطاة عاتقا، وذلك إذا طار واستقل. قال أبو عبيدة: نرى أنه من السبق، كأنه يعتق، أي يسبق انتهى. وقال ابن سيده: العاتق الناهض من فرخ القطا، وهو أول ما ينحسر ريشه الأول، وينبت له ريش جديد. وقيل: العاتق من الحمام، ما لم يسن ويستحكم. والجمع عواتق، والفرس العتيق الرائع الكريم. وامرأة عتيقة أي جميلة كريمة. وفي صحيح البخاري، عن ابن مسعود أنه كان يقول في سورة بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء، «أنهن من العتاق الأول، وهو من تلادي» . أراد بالعتاق جمع عتيق. والعرب تسمي كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقا، يريد تفضيل هذه السور لما تتضمن من ذكر القصص وأخبار الأنبياء، وأخبار الأمم. والتلاد ما كان قديما من المال، يريد
стр. 666
أنها من أوائل السور المنزلة في أول الإسلام، لأنها مكية وأنها من أول ما قرىء وحفظ من القران.
العاتك:
الفرس والجمع العواتك قال الشاعر:
نتبعهم خيلا لنا عواتكا ... في الحرب جردا تركب المهالكا
فائدة
: روى عبد الباقي بن قانع في معجمه، والحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي من حديث سيانة بن عاصم، وسيانة بسين مهملة ثم ياء مثناة من تحت وبعد الألف نون ثم هاء، له صحبة أن النبي ﷺ قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك من سليم» . العواتك ثلاث نسوة من بني سليم، كن من أمهات النبي ﷺ إحداهن عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان السلمية، وهي أم عبد مناف بن قصي، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال بن الفالج السلمية، وهي أم هاشم بن عبد مناف، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال السلمية، وهي أم وهب أبي آمنة أم النبي ﷺ . فالأولى من العواتك عمة الثانية والثانية عمة الثالثة. وبنو سليم تفخر بهذه الولادة، ولبني سليم مفاخر أخرى: منها أنها آلفت مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، أي شهد معه منهم ألف. وأن رسول الله ﷺ قدم لواءهم يومئذ على الألوية، وكان أحمر.
ومنها أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أهل الكوفة والبصرة ومصر والشام، أن ابعثوا إلي من كل بلد أفضله رجلا. فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، وبعث أهل الشام أبا الأعور السلمي، وبعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، وبعث أهل مصر معن بن يزيد السلمي. كذا قاله جماعة. والصواب أن بني سليم، كانوا يوم الفتح تسعمائة فقال لهم النبي ﷺ :
«هل لكم في رجل يعدل مائة فيوفيكم ألفا؟» قالوا: نعم فوفاهم بالضحاك بن سفيان، وكان رئيسهم، وإنما جعله عليهم لأن جميعهم من قيس عيلان.
عتاق الطير:
هي الجوارح. قاله الجوهري.
العتلة:
هي الناقة التي لا تلقح، فهي أبدا قوية قاله أبو نصر. وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ الناقة في باب النون.
العاضة والعاضهة:
حية يموت الذي تلسعه من ساعته، وقد تقدم لفظ الحية في باب الحاء المهملة.
العاسل:
الذئب، والجمع العسل والعواسل والأنثى عسلى، وقد تقدم لفظ الذئب في باب الذال المعجمة.
العاطوس:
دابة يتشاءم بها وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها في باب الفاء في الفاعوس.
العافية:
كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر، مأخوذ من عفوته إذا أتيته تطلب معروفه.
فائدة
: في الحديث «١» : «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منها فهو له
стр. 667
صدقة» . وفي رواية العوافي وهي جمع عافية، رواه النسائي والبيهقي وصححه ابن حبان من رواية جابر بن عبد الله، وفي صحيح مسلم من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «١» : «تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي» . يريد عوافي السباع والطير. «ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينقعان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما» . قال الإمام النووي: المختار ان هذا الترك للمدينة، يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة. ويوضحه قصة الراعيين من مزينة فإنهما يخران على وجوههما، حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري انتهى.
وقال القاضي عياض: هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى، وهو من معجزاته ﷺ . فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشام والعراق، وذلك الوقت أحسن ما كانت للدين والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا فلعمارتها وغرسها واتساع حال أهلها. قال: وذكر الأخباريون، في بعض الفتن التي جرت بالمدينة، وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجع الناس إليها، قال:
وحالها اليوم قريب من هذا وقد خرب أطرافها.
العائذ:
بالذال المعجمة الناقة التي معها ولدها، وقيل: الناقة إذا وضعت وبعدما تضع أياما حتى يقوى ولدها. وفي الحديث «إن قريشا خرجت لقتال رسول الله ﷺ ومعها العوذ المطافيل «٢» . وهي جمع عائذ يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يناجزوا محمدا وأصحابه في زعمهم. ووقع في نهاية الغريب أن العوذ المطافيل يريد بها النساء والصبيان، وإنما قيل للناقة عائذ وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها عاطف عليه كما قالوا تجارة رابحة وإن كان مربوحا فيها، لأنها في معنى نامية وزاكية. وكذلك عيشة راضية لأنها في معنى صالحة.
العبقص والعبقوص:
دويبة قاله ابن سيده.
العبور:
الجذعة من الغنم أو أصغر، وعين اللحياني ذلك للصغير، فقال: هي بعد الفطم والجمع عبائر قاله ابن سيده أيضا.
العترفان:
بضم العين الديك وقد تقدم لفظ الديك في باب الدال المهملة. قال عدي بن زيد «٣» :
ثلاثة أحوال وشهرا محرما ... أقضى كعين العترفان المحارب
العتود:
بفتح العين: الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة وعدان أصله عتدان، فأدغم. روى مسلم عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ «أعطاه غنما
стр. 668
يقسمها بين أصحابه فبقي عتود، فقال: ضح به أنت» «١» ، قال البيهقي، وسائر أصحابنا: كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر خاصة كأبي بردة هانىء بن نيار البلوي. وروى البيهقي أن النبي ﷺ ، قال لعقبة بن عامر: «ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك» . وفي سنن أبي داود، أن النبي ﷺ «رخص في مثل ذلك لزيد بن خالد» «٢» ، فالذين خصوا بذلك ثلاثة: أبو بردة وعقبة بن عامر وزيد بن خالد.
العثة:
ضم العين وتشديد الثاء المثلثة دويبة تلحس الثياب والصوف. والجمع عث وعثث، وأكثر ما تكون في الصوف. وقال في المحكم: هي دويبة تعلق بالإهاب تأكله. هذا قول ابن الأعرابي. وقال ابن دريد: العث بغير هاء دويبة تقع في الصوف، فدل هذا على أن الجمع عث. وقال ابن قتيبة: إنها دويبة تأكل الأديم، وغاير بينها وبين الأرضة، وقال الجوهري: العثة السوسة التي تلحس الصوف.
وحكمها
: تحريم الأكل.
الأمثال
: قالوا: «عثيثة تقرم جلدا أملس» «٣» يضرب للرجل يجتهد أن يؤثر في الشيء فلا يقدر عليه. قاله الأحنف بن قيس «٤» لحارثة بن زيد، لما طلب من علي رضي الله تعالى عنه أن يدخله في الحكومة. وفي الفائق أن الأحنف قاله لرجل هجاه كما قيل:
فإن تشتمونا على لومكم ... فقد تقرم العثّ ملس الأدم
العثمثمة:
الشديدة من النوق والذكر عثمثم والعثمثم الأسد. قاله الجوهري، قال: ويقال ذلك من ثقل وطئه قال الراجز:
خبعثن مشيته عثمثم
العثمان:
بضم العين وإسكان الثاء المثلثة وبالميم والنون بينهما ألف، فرخ الحبارى وفرخ الثعبان والحية أو فرخها.
العثوثج:
بثاءين مثلثتين مفتوحتين بينهما واو وأوله عين وآخره جيم، البعير الضخم.
العجروف:
بضم العين، دويبة ذات قوائم طوال، وقيل: هي النملة الطويلة الأرجل.
العجل:
ولد البقرة، والجمع العجاجيل، والأنثى عجلة وبقرة معجل، أي ذات عجل.
فائدة
: قيل: سمي عجلا لاستعجال بني إسرائيل عبادته، وكانت مدة عبادتهم له أربعين يوما، فعوقبوا في التيه أربعين سنة، فجعل الله كل سنة في مقابلة يوم. وروى أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس، من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: «لكل أمة عجل
стр. 669
وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم» . قال حجة الإسلام الغزالي: وكان أصل عجل قوم موسى، من حلية الذهب والفضة. وقال الجوهري: قال بعضهم في قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً*
«١» أي من ذهب أحمر انتهى.
والسبب في عبادة بني إسرائيل العجل، أن موسى ﵊ وقت الله تعالى له ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما عبر بهم البحر في يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، وقومه، مروا على قوم لهم أوثان يعبدونها من دون الله تعالى. على تماثيل البقر، قال ابن جريج: وكان ذلك أول شأن العجل، فقال بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: يا موسى اجعل لنا إلها أي تمثالا نعبده كما لهم آلهة. ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى. وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله، وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. كما قال تعالى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
«٢» وكان موسى ﵊ وعد بني إسرائيل، وهم بمصر أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون. فلما فعل الله ذلك لهم، سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما، فلما تمت الثلاثون أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خروب، وقيل: أكل من لحاء شجرة، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأتمها بعشر، فلما مضت ثلاثون، كانت فتنتهم في العشر التي زادها.
وكان السامري من قوم يعبدون البقر، وكان قد أظهر الإسلام، وفي قلبه من حب عبادة البقر شيء، فابتلى الله به بني إسرائيل، فقال لهم السامري، واسمه موسى بن ظفر: ائتوني بحلي بني إسرائيل، فجمعوا له، فاتخذ لهم منه عجلا جسدا، له خوار، وألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل، فتحول عجلا جسدا لحما ودما له خوار وهو صوت البقر. كذا قاله ابن عباس والحسن وقتادة، وأكثر أهل التفسير، وهو الأصح كما في البغوي وغيره. وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، وكان يسمع منه صوت. وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، فعكف عليه القوم للعبادة، من دون الله تعالى، يرقصون حوله ويتواجدون. وقيل إنه كان يخور كثيرا، كلما خار سجدوا له، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال وهب: كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي، والجسد بدن الإنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية جسد وقد يقال للجن أجساد، فكان عجل بني إسرائيل جسدا يصيح، كما تقدم. ولا يأكل ولا يشرب، قال الله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
«٣» أي حب العجل. وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
«٤» قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم ﵇ البقر. واختار سمينا زيادة في إكرامهم. وقال القرطبي: العجل في بعض اللغات الشاة، ذكره القشيري.
وكان ﵊ مضيافا، وحسبك أنه وقف للضيافة أوقافا تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها. قال عون بن شداد: مسح جبريل ﵇ العجل بجناحه، فقام مسرعا حتى لحق بأمه.
стр. 670
ومما يحكى من محاسن القاضي محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة، ووفاته سنة ثلاثين وثلاثمائة أن العباس بن المعلى الكاتب، كتب إليه: ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولدا، جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما فما يرى القاضي فيهما؟
فكتب الجواب بديها: هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود فإنهم أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أيورهم وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل ويصلب على عنق النصرانية الرأس مع الرجل ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.
فائدة أخرى
: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي رحمهما الله تعالى، أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر، فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم لا؟ فأجاب مذهب السادة الصوفية أن هذا بطالة وجهالة وضلالة إلى آخر كلامه.
قلت: وقد رأيت أنه أجاب بلفظ غير هذا، وهو أنه قال: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا، له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه، «كأنما على رؤوسهم الطير» «١» من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين.
فائدة أخرى
: روي أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له، سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحوله إلى قرية أخرى، فألقاه بفنائها ثم أصبح يطلب بثأره، وجاء بناس إلى موسى ﵊ فادعى عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ذلك، فدعا الله، فأوحى إليه أن يعلمهم أن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.
وروي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح، وله طفل له عجلة، فأتى بها إلى غيضة، وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل. فصارت العجلة في الغيضة عوانا، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن، وكان بارا بأمه، كان يقسم الليل ثلاثة أثلاث: يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، وكان إذا أصبح، انطلق فاحتطب على ظهره، وأتى به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه ويأكل بثلثه ويعطي أمه ثلثه. فقالت أمه له يوما: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا وكذا، فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن يردها عليك. وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها.
следующие страницы →