Полный текст (1 095 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
أنها من أوائل السور المنزلة في أول الإسلام، لأنها مكية وأنها من أول ما قرىء وحفظ من القران.
العاتك:
الفرس والجمع العواتك قال الشاعر:
نتبعهم خيلا لنا عواتكا ... في الحرب جردا تركب المهالكا
فائدة
: روى عبد الباقي بن قانع في معجمه، والحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي من حديث سيانة بن عاصم، وسيانة بسين مهملة ثم ياء مثناة من تحت وبعد الألف نون ثم هاء، له صحبة أن النبي ﷺ قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك من سليم» . العواتك ثلاث نسوة من بني سليم، كن من أمهات النبي ﷺ إحداهن عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان السلمية، وهي أم عبد مناف بن قصي، والثانية عاتكة بنت مرة بن هلال بن الفالج السلمية، وهي أم هاشم بن عبد مناف، والثالثة عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال السلمية، وهي أم وهب أبي آمنة أم النبي ﷺ . فالأولى من العواتك عمة الثانية والثانية عمة الثالثة. وبنو سليم تفخر بهذه الولادة، ولبني سليم مفاخر أخرى: منها أنها آلفت مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، أي شهد معه منهم ألف. وأن رسول الله ﷺ قدم لواءهم يومئذ على الألوية، وكان أحمر.
ومنها أن عمر رضي الله تعالى عنه كتب إلى أهل الكوفة والبصرة ومصر والشام، أن ابعثوا إلي من كل بلد أفضله رجلا. فبعث أهل الكوفة عتبة بن فرقد السلمي، وبعث أهل الشام أبا الأعور السلمي، وبعث أهل البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، وبعث أهل مصر معن بن يزيد السلمي. كذا قاله جماعة. والصواب أن بني سليم، كانوا يوم الفتح تسعمائة فقال لهم النبي ﷺ :
«هل لكم في رجل يعدل مائة فيوفيكم ألفا؟» قالوا: نعم فوفاهم بالضحاك بن سفيان، وكان رئيسهم، وإنما جعله عليهم لأن جميعهم من قيس عيلان.
عتاق الطير:
هي الجوارح. قاله الجوهري.
العتلة:
هي الناقة التي لا تلقح، فهي أبدا قوية قاله أبو نصر. وسيأتي إن شاء الله تعالى لفظ الناقة في باب النون.
العاضة والعاضهة:
حية يموت الذي تلسعه من ساعته، وقد تقدم لفظ الحية في باب الحاء المهملة.
العاسل:
الذئب، والجمع العسل والعواسل والأنثى عسلى، وقد تقدم لفظ الذئب في باب الذال المعجمة.
العاطوس:
دابة يتشاءم بها وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكرها في باب الفاء في الفاعوس.
العافية:
كل طالب رزق من إنسان أو بهيمة أو طائر، مأخوذ من عفوته إذا أتيته تطلب معروفه.
فائدة
: في الحديث «١» : «من أحيا أرضا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منها فهو له
стр. 667
صدقة» . وفي رواية العوافي وهي جمع عافية، رواه النسائي والبيهقي وصححه ابن حبان من رواية جابر بن عبد الله، وفي صحيح مسلم من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «١» : «تتركون المدينة على خير ما كانت لا يغشاها إلا العوافي» . يريد عوافي السباع والطير. «ثم يخرج راعيان من مزينة يريدان المدينة ينقعان بغنمهما فيجدانها وحشا حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرا على وجوههما» . قال الإمام النووي: المختار ان هذا الترك للمدينة، يكون في آخر الزمان عند قيام الساعة. ويوضحه قصة الراعيين من مزينة فإنهما يخران على وجوههما، حين تدركهما الساعة، وهما آخر من يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري انتهى.
وقال القاضي عياض: هذا مما جرى في العصر الأول وانقضى، وهو من معجزاته ﷺ . فقد تركت المدينة على أحسن ما كانت حين انتقلت الخلافة منها إلى الشام والعراق، وذلك الوقت أحسن ما كانت للدين والدنيا، أما الدين فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا فلعمارتها وغرسها واتساع حال أهلها. قال: وذكر الأخباريون، في بعض الفتن التي جرت بالمدينة، وخاف أهلها أنه رحل عنها أكثر الناس، وبقيت ثمارها أو أكثرها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجع الناس إليها، قال:
وحالها اليوم قريب من هذا وقد خرب أطرافها.
العائذ:
بالذال المعجمة الناقة التي معها ولدها، وقيل: الناقة إذا وضعت وبعدما تضع أياما حتى يقوى ولدها. وفي الحديث «إن قريشا خرجت لقتال رسول الله ﷺ ومعها العوذ المطافيل «٢» . وهي جمع عائذ يريد أنهم خرجوا بذوات الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها، ولا يرجعوا حتى يناجزوا محمدا وأصحابه في زعمهم. ووقع في نهاية الغريب أن العوذ المطافيل يريد بها النساء والصبيان، وإنما قيل للناقة عائذ وإن كان الولد هو الذي يعوذ بها لأنها عاطف عليه كما قالوا تجارة رابحة وإن كان مربوحا فيها، لأنها في معنى نامية وزاكية. وكذلك عيشة راضية لأنها في معنى صالحة.
العبقص والعبقوص:
دويبة قاله ابن سيده.
العبور:
الجذعة من الغنم أو أصغر، وعين اللحياني ذلك للصغير، فقال: هي بعد الفطم والجمع عبائر قاله ابن سيده أيضا.
العترفان:
بضم العين الديك وقد تقدم لفظ الديك في باب الدال المهملة. قال عدي بن زيد «٣» :
ثلاثة أحوال وشهرا محرما ... أقضى كعين العترفان المحارب
العتود:
بفتح العين: الصغير من أولاد المعز إذا قوي ورعى وأتى عليه حول، والجمع أعتدة وعدان أصله عتدان، فأدغم. روى مسلم عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ «أعطاه غنما
стр. 668
يقسمها بين أصحابه فبقي عتود، فقال: ضح به أنت» «١» ، قال البيهقي، وسائر أصحابنا: كانت هذه رخصة لعقبة بن عامر خاصة كأبي بردة هانىء بن نيار البلوي. وروى البيهقي أن النبي ﷺ ، قال لعقبة بن عامر: «ضح بها أنت ولا رخصة لأحد فيها بعدك» . وفي سنن أبي داود، أن النبي ﷺ «رخص في مثل ذلك لزيد بن خالد» «٢» ، فالذين خصوا بذلك ثلاثة: أبو بردة وعقبة بن عامر وزيد بن خالد.
العثة:
ضم العين وتشديد الثاء المثلثة دويبة تلحس الثياب والصوف. والجمع عث وعثث، وأكثر ما تكون في الصوف. وقال في المحكم: هي دويبة تعلق بالإهاب تأكله. هذا قول ابن الأعرابي. وقال ابن دريد: العث بغير هاء دويبة تقع في الصوف، فدل هذا على أن الجمع عث. وقال ابن قتيبة: إنها دويبة تأكل الأديم، وغاير بينها وبين الأرضة، وقال الجوهري: العثة السوسة التي تلحس الصوف.
وحكمها
: تحريم الأكل.
الأمثال
: قالوا: «عثيثة تقرم جلدا أملس» «٣» يضرب للرجل يجتهد أن يؤثر في الشيء فلا يقدر عليه. قاله الأحنف بن قيس «٤» لحارثة بن زيد، لما طلب من علي رضي الله تعالى عنه أن يدخله في الحكومة. وفي الفائق أن الأحنف قاله لرجل هجاه كما قيل:
فإن تشتمونا على لومكم ... فقد تقرم العثّ ملس الأدم
العثمثمة:
الشديدة من النوق والذكر عثمثم والعثمثم الأسد. قاله الجوهري، قال: ويقال ذلك من ثقل وطئه قال الراجز:
خبعثن مشيته عثمثم
العثمان:
بضم العين وإسكان الثاء المثلثة وبالميم والنون بينهما ألف، فرخ الحبارى وفرخ الثعبان والحية أو فرخها.
العثوثج:
بثاءين مثلثتين مفتوحتين بينهما واو وأوله عين وآخره جيم، البعير الضخم.
العجروف:
بضم العين، دويبة ذات قوائم طوال، وقيل: هي النملة الطويلة الأرجل.
العجل:
ولد البقرة، والجمع العجاجيل، والأنثى عجلة وبقرة معجل، أي ذات عجل.
فائدة
: قيل: سمي عجلا لاستعجال بني إسرائيل عبادته، وكانت مدة عبادتهم له أربعين يوما، فعوقبوا في التيه أربعين سنة، فجعل الله كل سنة في مقابلة يوم. وروى أبو منصور الديلمي، في مسند الفردوس، من حديث حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: «لكل أمة عجل
стр. 669
وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم» . قال حجة الإسلام الغزالي: وكان أصل عجل قوم موسى، من حلية الذهب والفضة. وقال الجوهري: قال بعضهم في قوله تعالى: عِجْلًا جَسَداً*
«١» أي من ذهب أحمر انتهى.
والسبب في عبادة بني إسرائيل العجل، أن موسى ﵊ وقت الله تعالى له ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، فلما عبر بهم البحر في يوم عاشوراء، بعد مهلك فرعون، وقومه، مروا على قوم لهم أوثان يعبدونها من دون الله تعالى. على تماثيل البقر، قال ابن جريج: وكان ذلك أول شأن العجل، فقال بنو إسرائيل لما رأوا ذلك: يا موسى اجعل لنا إلها أي تمثالا نعبده كما لهم آلهة. ولم يكن ذلك شكا من بني إسرائيل في وحدانية الله تعالى. وإنما معناه اجعل لنا شيئا نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله، وظنوا أن ذلك لا يضر الديانة، وكان ذلك لشدة جهلهم. كما قال تعالى: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
«٢» وكان موسى ﵊ وعد بني إسرائيل، وهم بمصر أن الله إذا أهلك عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون. فلما فعل الله ذلك لهم، سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوما، فلما تمت الثلاثون أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود خروب، وقيل: أكل من لحاء شجرة، فقالت له الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأتمها بعشر، فلما مضت ثلاثون، كانت فتنتهم في العشر التي زادها.
وكان السامري من قوم يعبدون البقر، وكان قد أظهر الإسلام، وفي قلبه من حب عبادة البقر شيء، فابتلى الله به بني إسرائيل، فقال لهم السامري، واسمه موسى بن ظفر: ائتوني بحلي بني إسرائيل، فجمعوا له، فاتخذ لهم منه عجلا جسدا، له خوار، وألقي في فمه قبضة من تراب أثر فرس جبريل، فتحول عجلا جسدا لحما ودما له خوار وهو صوت البقر. كذا قاله ابن عباس والحسن وقتادة، وأكثر أهل التفسير، وهو الأصح كما في البغوي وغيره. وقيل: كان جسدا مجسدا من ذهب لا روح فيه، وكان يسمع منه صوت. وقيل: إنه ما خار إلا مرة واحدة، فعكف عليه القوم للعبادة، من دون الله تعالى، يرقصون حوله ويتواجدون. وقيل إنه كان يخور كثيرا، كلما خار سجدوا له، وإذا سكت رفعوا رؤوسهم، وقال وهب: كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي، والجسد بدن الإنسان، ولا يقال لغيره من الأجسام المغتذية جسد وقد يقال للجن أجساد، فكان عجل بني إسرائيل جسدا يصيح، كما تقدم. ولا يأكل ولا يشرب، قال الله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ
«٣» أي حب العجل. وقال تعالى عن إبراهيم ﵇: فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ
«٤» قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم ﵇ البقر. واختار سمينا زيادة في إكرامهم. وقال القرطبي: العجل في بعض اللغات الشاة، ذكره القشيري.
وكان ﵊ مضيافا، وحسبك أنه وقف للضيافة أوقافا تمضيها الأمم على اختلاف أديانها وأجناسها. قال عون بن شداد: مسح جبريل ﵇ العجل بجناحه، فقام مسرعا حتى لحق بأمه.
стр. 670
ومما يحكى من محاسن القاضي محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن قريعة، ووفاته سنة ثلاثين وثلاثمائة أن العباس بن المعلى الكاتب، كتب إليه: ما يقول القاضي وفقه الله تعالى في يهودي زنى بنصرانية، فولدت ولدا، جسمه للبشر ووجهه للبقر، وقد قبض عليهما فما يرى القاضي فيهما؟
فكتب الجواب بديها: هذا من أعدل الشهود على الملاعين اليهود فإنهم أشربوا حب العجل في صدورهم حتى خرج من أيورهم وأرى أن يناط برأس اليهودي رأس العجل ويصلب على عنق النصرانية الرأس مع الرجل ويسحبا على الأرض، وينادى عليهما ظلمات بعضها فوق بعض والسلام.
فائدة أخرى
: نقل القرطبي عن أبي بكر الطرطوشي رحمهما الله تعالى، أنه سئل عن قوم يجتمعون في مكان يقرؤون شيئا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيئا من الشعر، فيرقصون ويطربون ويضربون بالدف والشبابة هل الحضور معهم حلال أم لا؟ فأجاب مذهب السادة الصوفية أن هذا بطالة وجهالة وضلالة إلى آخر كلامه.
قلت: وقد رأيت أنه أجاب بلفظ غير هذا، وهو أنه قال: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري، لما اتخذ لهم عجلا جسدا، له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وإنما كان مجلس النبي ﷺ مع أصحابه، «كأنما على رؤوسهم الطير» «١» من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعوهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا يعينهم على باطلهم، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم من أئمة المسلمين.
فائدة أخرى
: روي أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له، سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه وحوله إلى قرية أخرى، فألقاه بفنائها ثم أصبح يطلب بثأره، وجاء بناس إلى موسى ﵊ فادعى عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم ذلك، فدعا الله، فأوحى إليه أن يعلمهم أن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.
وروي أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح، وله طفل له عجلة، فأتى بها إلى غيضة، وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى يكبر، ومات الرجل. فصارت العجلة في الغيضة عوانا، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن، وكان بارا بأمه، كان يقسم الليل ثلاثة أثلاث: يصلي ثلثا، وينام ثلثا، ويجلس عند رأس أمه ثلثا، وكان إذا أصبح، انطلق فاحتطب على ظهره، وأتى به السوق فيبيعه بما شاء الله، ثم يتصدق بثلثه ويأكل بثلثه ويعطي أمه ثلثه. فقالت أمه له يوما: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا وكذا، فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن يردها عليك. وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل لك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها.
стр. 671
فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها، وقال: أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه، فقبض على عنقها وأقبل يقودها، فتكلمت العجلة بإذن الله تعالى وقالت: أيها الفتى البار بوالدته اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك، ولكن قالت خذ بعنقها. فقالت: وإله بني إسرائيل لو ركبتني لما قدرت علي أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله، وينطلق معك لفعل، لبرك بأمك. فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك، ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل، فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟ قالت: بثلاثة دنانير، ولا تبع بغير مشورتي، وكان ثمن البقرة إذا ذاك ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله إليه ملكا ليري خلقه قدرته، وليختبر الفتى كيف بره بوالدته، وكان الله عليما خبيرا، فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة دنانير، وأشترط عليك رضا والدتي، فقال له الملك: فإني أعطيك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك! فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضا والدتي! ثم إن الفتى رجع إلى أمه وأخبرها بالثمن، فقالت له: ارجع وبعها بستة دنانير، على رضا مني، فانطلق بها إلى السوق فأتاه الملك فقال له: استأمرت أمك؟ فقال له الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة دنانير على أن أستأمرها، فقال له الملك: فإني أعطيك اثني عشر دينارا، على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى ورجع إلى أمه، فأخبرها بذلك، فقالت له: إن الذي يأتيك ملك في صورة آدمي ليجربك، فإذا أتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟ ففعل فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها: أمسكي هذه البقرة فإن موسى يشتريها منك لقتيل من بني إسرائيل، فلا تبيعيها إلا بملء مسكها ذهبا، أي جلدها دنانير، فأمسكوها. وقدر الله ، على بني إسرائيل، ذبح تلك البقرة بعينها مكافأة له على بره بأمه، فضلا منه ورحمة فما زالوا يستوصفون، حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها.
واختلف العلماء في لونها فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: شديدة الصفرة، وقال قتادة: لونها صاف، وقال الحسن البصري: الصفراء السوداء. والأول أصح لأنه لا يقال أسود فاقع، وإنما يقال أصفر فاقع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضر، وأبيض يقق، للمبالغة.
فلما ذبحوها، أمرهم الله أن يضربوا القتيل ببعضها، واختلف في ذلك البعض فقال ابن عباس وجمهور المفسرين: ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف وهو المقبل. وقال مجاهد وسعيد بن جبير:
بعجب الذنب لأنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق. وقال الضحاك: بلسانها لأنه آلة الكلام، وقال عكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن. وقيل: بعضو منها لا بعينه ففعلوا ذلك، فقام القتيل حيا بإذن الله تعالى، وأوداجه تشخب دما وقال: قتلني فلان، ثم سقط ومات مكانه، فحرم قاتله الميراث، وفي الخبر ما ورث قاتل بعد صاحب البقرة واسم القتيل عاميل. قاله البغوي وغيره.
قال الزمخشري وغيره: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة، فأتى بها الغيضة، وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، فكبر الولد وكان بارا بأمه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء جلدها ذهبا. وكانت البقرة إذ ذاك
стр. 672
بثلاثة دنانير.
وذكر الزمخشري وغيره أن بني إسرائيل، كانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لو اعترضوا أي بقرة كانت فذبحوها لكفتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم والاستقصاء شؤم» .
وعن بعض الخلفاء، أنه كتب إلى عامله، أن يذهب إلى قوم، فيقطع أشجارهم، ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدأ؟ فقال: إن قلت لك بقطع الشجر، سألتني بأي نوع منها أبدأ.
وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه كتب إلى عامله قال: إذا أمرتك أن تعطي فلانا شاة، سألتني أضأن أم معز؟ فإن بينت لك، قلت: أذكر أم أنثى؟ فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟ فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني فيه.
تتمة
: فيما يتعلق بهذه الفائدة من الأحكام، إذا وجد قتيل في مكان، ولم يعرف قاتله، فإن كان ثم لوث على إنسان، واللوث ما يغلب على القلب صدق المدعي، بأن اجتمع جماعة في بيت أو صحراء، ثم تفرقوا عن قتيل، يغلب على الظن أن القاتل منهم، أو وجد قتيل في محلة أو قرية كلهم أعداء القتيل، لا يخالطهم غيرهم، فيغلب على القلب أنهم قتلوه وادعى الولي فيحلف المدعي خمسين يمينا، على من يدعي عليه، فإن كان الأولياء جماعة، توزع الأيمان عليهم، ثم بعد الأيمان تؤخذ الدية من عاقلة المدعى عليه، إن ادعى عليه قتل خطأ. وإن ادعى عليه قتل عمد، فمن ماله، ولا قود على قول الأكثرين.
وقال عمر بن عبد العزيز: يجب القود، وبه قال مالك وأحمد. وإن لم يكن ثم لوث، فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، وهل يحلف يمينا واحدة أم خمسين يمينا؟ قولان أحدهما يمينا واحدة كما في سائر الدعاوى، والثاني خمسين يمينا تغليظا لأمر الدم. وعند أبي حنيفة لا حكم للوث، ولا يبتدأ بيمين المدعي، بل إذا وجد قتيل في محلة أو قرية، يختار الإمام خمسين رجلا من صلحاء أهلها ويحلفهم أنهم ما قتلوه ولا يعرفون له قاتلا، ثم يأخذ الدية من سكانها. والدليل على البداءة بيمين المدعي، عند وجود اللوث، ما روى الشافعي عن سهل بن أبي خيثمة، أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود خرجا لخيبر فتفرقا لحاجتهما، فقتل عبد الله بن سهل، فانطلق محيصة بن مسعود وعبد الرحمن أخو القتيل، وحويصة بن مسعود إلى رسول الله ﷺ فذكروا له قتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : «تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم» «١» فقالوا: يا رسول الله وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فزعم أن النبي ﷺ عقله من عنده.
قال البغوي، في معالم التنزيل: وجه الدليل من الحديث أن النبي ﷺ بدأ بأيمان المدعين لقوة جانبهم باللوث، وهو أن عبد الله بن سهل وجد قتيلا في خيبر، وكانت العداوة ظاهرة بين الأنصار وبين أهل خيبر، وكان يغلب على الظن أنهم قتلوه. واليمين أبدا تكون حجة لمن يقوي جانبه،
стр. 673
وعند عدم اللوث يقوى جانب المدعى عليه حيث إن الأصل براءة ذمته فكان القول قوله مع يمينه انتهى.
الخواص
: قال القزويني: خصية العجل تجفف وتشرب بعد حرقها تهيج الباه وتعين على كثرة الجماع حتى يرى عجبا، وقضيب العجل إذا جفف وأجيد سحقه واستف منه إنسان وزن درهم، فإنه يمكن الشيخ العاجز من افتضاض البكر. فإن سحق وألقي على البيض النيمرشت، وتحسى منه فإنه يزيد في الباه زيادة لم ير مثلها. وقال غيره: خصية العجل تجفف وتشرب مسحوقة تهيج الباه وتنعظ وتعين على كثرة الجماع، وقضيبه إذا أحرق وسحق وشرب نفع من وجع الأسنان. وإذا شرب مع السكنجبين منع الطحال.
التعبير
: العجل في المنام ولد ذكر. وإذا كان مشويا فهو أمن من الخوف، لقصة إبراهيم ﷺ قال تعالى: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
«١» إلى قوله لا تَخَفْ.
خاتمة
: بنو عجل قبيلة كبيرة من العرب شهيرة، ينسبون إلى عجل بن لجيم، بضم اللام وفتح الجيم، وكان عجل المذكور يعد من الحمقى من أجل أنه كان له فرس جواد، فقيل له: إن لكل فرس جواد اسما، فما اسم فرسك؟ فقال: لم اسمه بعد، فقيل له: سمه ففقأ إحدى عينيه، ثم قال: سميته الأعور، وفيه قال «٢» بعض شعراء العرب:
رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جواده ... فسارت به الأمثال في الناس بالجهل
يقال عار عينه بالمهملة إذا فقأها.
العجمجمة:
الشديدة من النوق. قال الجوهري: مثل العثمثمة، وأنشد:
بات يباري ورشات كالقطا ... عجمجمات خشفا تحت السّرى
أم عجلان:
طائر معروف قاله الجوهري.
العجوز:
الأرنب والأسد والبقر والثور والذئب والذئبة والرخم والرمكة والضبع وعانة الوحش والعقرب والفرس والكلب.
عدس:
البغل. سموه بزجره قال الشاعر:
إذا حملت بزتي على عدس ... على الذي بين الحمار والفرس
فما أبالي من عدا ومن جلس
وعدس زجر البغل. قال يزيد بن مفرّغ «٣» :
стр. 674
عدس ما لعبّاد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
العذفوط:
بالضم دويبة بيضاء ناعمة يشبه بها أصابع الجواري.
العربج:
كلب الصيد كذا قاله في المداخل.
عرار:
مثل قطام، اسم بقرة، وفي المثل «باءت عرار بكحل» . وهما بقرتان انتطحتا فماتتا جميعا.
العريض:
الجدي. كذا قاله في المداخل. وقد تقدم لفظ الجدي في باب الجيم.
العسجدية:
ركاب الملوك، قال الجوهري: وهي إبل كانت تزين للنعمان.
العربد:
مثال سلفد، ملحق بجرد حل، حية تنفخ ولا تؤذي. وقد تقدم ذكرها في الحيات، والعربدة سوء الخلق. وقولهم رجل معربد مأخوذ من هذا، قاله ابن قتيبة وغيره.
العربض والعرباض:
البقر القوي الكلكل قاله ابن سيده.
العرس:
لبوة الأسد والجمع أعراس، قال مالك بن خويلد الخناعي:
ليث هزبر مدل عند خيسته ... بالرقمتين له أجر وأعراس
العريقصة:
بالصاد المهملة دويبة عريضة كالجعل.
العريقطة والعريقطان:
بالطاء المهملة دويبة عريضة.
العزة:
بالفتح بنت الطيبة، وبها سميت المرأة عزة. قاله الجوهري.
العسا:
بفتح العين المهملة، الأنثى من الجراد، وقد تقدم لفظ الجراد في باب الجيم.
العساعس:
بفتح العين القنافذ الكبيرة سميت بذلك لكثرة ترددها في الليل.
العساس:
الذئب وقد تقدم في باب الدال المعجمة.
العساهيل:
الإبل المهزولة الواحدة عسهول.
العسبار:
بكسر العين وبالسين الساكنة، والأنثى عسبارة ولد الضبع من الذئب وجمعه عسابر.
وحكمه
: تحريم الأكل، لأنه متولد بين مأكول وغير مأكول.
العسبور:
ولد الكلب من الذئبة. والعسبار ولد الذئب، أو ولد الضبع من الذئب كما تقدم. قال الجوهري في ع ول قال الكميت «١» :
стр. 675
كما خامرت في حضنها أمّ عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها «١»
أشار بذلك إلى أن الضبع إذا صيدت، ولها ولد من الذئب لم يزل الذئب يطعم ولدها إلى أن يكبر، وقد تقدم ذلك في لفظ أوس.
العسلق:
كل سبع جريء، والعسلق الظليم، وقيل الثعلب، حكاه ابن سيده.
العسنج:
كعملس الظليم أيضا، وقد تقدم لفظ الظليم في باب الظاء المشالة المعجمة.
العشراء:
الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، وزال عنها اسم المخاض، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وبعد ما تضع أيضا، يقال: ناقتان عشراوان، ونوق عشار، وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير عشراء جمع على عشار، ونفساء جمع على نفاس.
فائدة
: قال الشيخ أبو عبد الله بن النعمان، في كتاب المستغيثين بخير الأنام: حديث حنين الجذع الذي كان يخطب إليه النبي ﷺ ، حنين العشار. متواتر، رواه من أصحاب النبي ﷺ العدد الكثير، والجم الغفير. منهم جابر بن عبد الله، وابن عمرو من طريقهما أخرجه البخاري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد الساعدي، وأبو سعيد الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة. قال جابر في حديثه: فصاحت الخشبة صياح الصبي، فضمها إليه. وفي حديثه أيضا: «سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار» «٢» . وفي رواية ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، «فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحن الجذع، فأتاه فمسح بيده عليه» «٣» . وفي بعض الروايات: «والذي نفسي بيده، لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» ، تحزنا على رسول الله ﷺ . وكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث، بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ﷺ شوقا إليه لمكانه، وأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. ونظم صالح الشافعي في ذلك فقال:
وحنّ إليه الجذع شوقا ورقة ... ورجع صوتا كالعشار مرددا
فبادره ضما فقر لوقته ... لكلّ امرىء من دهره ما تعوّدا
وحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه، لم يثبت لواحد من الأنبياء إلا له ﷺ .
العصاري:
بضم العين وفتح الصاد المهملة والراء في آخره بعدها ياء مثناة من تحت نوع من الجراد أسود شبيه بالخنافس.
وحكمه
: حل الأكل. حكى أبو عاصم العبادي، عن أبي طاهر الزيادي، أنه قال: كنا
стр. 676
نراه حراما ونفتي بتحريمه، حتى ورد علينا الأستاذ أبو الحسن الماسرجسي «١» ، فقال: إنه حلال فبعثنا منه جرابا للبادية، وسألنا عنه العرب؟ فقالوا: هذا هو الجراد المبارك فرجعوا إلى قول العرب فيه.
العصفور:
بضم العين وحكى ابن رشيق في كتاب الغرائب: والشذوذ عصفور بالفتح، والأنثى عصفورة قال الشاعر:
كعصفورة في كفّ طفل يسومها ... حياض الردى والطفل يلهو ويلعب
وكنيته أبو الصعو وأبو محرز وأبو مزاحم وأبو يعقوب. قال حمزة: سمي عصفورا لأنه عصى وفر. وهو أنواع: منها ما يطرب بصوته ويعجب بصوته وحسنه وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والعصفور الصرار، وهو الذي يجيب إذا دعى، من الصيرورة. وعصفور الجنة وهو الخطاف، وقد تقدم ذكرهما في بابيهما. وأما العصفور الدوري البيوتي، فإن في طباعه اختلافا، وذلك أن فيه من طبائع السباع، وهو أكل اللحم، ولا يزق فراخه ومن البهائم أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وإذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث وأخر الدابرة، وسائر أنواع الطير تقدم أصبعين وتؤخر أصبعين، ويأكل الحب والبقول. ويتميز الذكر منها بلحية سوداء كما للرجل والتيس والديك.
وليس في الأرض طائر من سبع ولا بهيمة أحنى من العصفور على ولده، ولا أشد له عشقا، وذلك مشاهد عند أخذ فراخها. ووكره في العمران تحت السقوف خوفا من الجوارح، وإذا خلت مدينة من أهلها ذهبت العصافير منها، فإذا عادوا إليها عادت العصافير. والعصفور لا يعرف المشي، إنما يثب وثبا. وهو كثير السفاد، فربما سفد في الساعة الواحدة مائة مرة، ولذلك قصر عمره فإنه لا يعيش في الغالب أكثر من سنة. ولفرخه تدرب على الطيران، حتى إنه يدعى فيجيب. قال الجاحظ: بلغني أنه رجع من فرسخ.
ومن أنواعه عصفور الشوك، وأكثر مأواه السياج. وزعم أرسطو أن بينه وبين الحمار عداوة، لأن الحمار إذا كان به دبر، حكه في الشوك الذي يأوي إليه هذا العصفور فيقتله. وربما نهق الحمار، فتسقط فراخه أو بيضه من جوف وكره، فلذلك هذا العصفور، إذا رأى الحمار رفرف فوق رأسه، وعلى عينيه وآذاه بطيرانه وصياحه.
ومن أنواعه: القبرة وستأتي إن شاء الله تعالى، في باب القاف. ومن أنواعه حسون، وقد تقدم في باب الحاء، والبلبل والصعو والحمرة والعندليب والمكاكي والصافر والتنوط والوصع والبراقش والقبعة، وكلها في أماكنها مذكورة.
وفي الأذكياء لابن الجوزي، أن رجلا رمى عصفورا فأخطأه، فقال له رجل: أحسنت فغضب وقال: أتهزأ بي؟ قال: لا، ولكن أحسنت إلى العصفور إذا لم تصبه. ورأيت في بعض التعاليق، أن المتوكل رمى عصفورا فلم يصبه وطار، فقال له ابن حمدان: أحسنت، فقال له
стр. 677
المتوكل: كيف أحسنت؟ قال: أحسنت إلى العصفور، ويروى عن الجنيد، أنه قال: أخبرني محمد بن وهب عن بعض أصحابه أنه حج مع أيوب الجمال قال: فلما دخلنا البادية، وسرنا منازل، إذ بعصفور يحوم حولنا، فرفع أيوب رأسه إليه وقال له: قد جئت إلى هنا! فأخذ كسرة خبز ففتها في كفه فانحط العصفور وقعد على كفه، فأكل منها ثم صب له ماء فشربه، ثم قال له: اذهب الآن فطار العصفور، فلما كان من الغد، رجع العصفور، ففعل أيوب مثل فعله في اليوم الأول، فلم يزل كل يوم يفعل به مثل ذلك، إلى آخر السفر. ثم قال أيوب: أتدري ما قصة هذا العصفور؟
قال: لا. قال: إنه كان يجيئني في منزلي كل يوم، فكنت أفعل به في ما رأيت، فلما خرجنا تبعنا يطلب منا ما كنت أفعل به في المنزل.
روى البيهقي وابن عساكر، بسندهما إلى أبي مالك، قال: مر سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام بعصفور يدور حول عصفورة، فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول؟ قالوا: وما يقول يا نبي الله؟ قال: يخطبها لنفسه، ويقول: تزوجيني أسكنك أي قصور دمشق شئت. قال سليمان: وإنه عرف أن قصور دمشق مبنية بالصخر، لا يقدر أن يسكنها، لكن كل خاطب كذاب. وسيأتي إن شاء الله تعالى له نظير، في باب الفاء، في الفاختة، وكان سليمان ﵇ يعرف ما يتخاطب به الطيور بلغاتها، ويعبر للناس عن مقاصدها وإرادتها كما تقدم في باب الطاء المهملة، في الطيطوي. قال الله تعالى حكاية عنه: يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
«١» وكذلك كان يعرف لغات ما عداها من الحيوانات وسائر صنوف المخلوقات.
فائدة
: روى مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت، حين توفي صبي من الأنصار، بين أبوين مسلمين: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال النبي ﷺ : «أو غير ذلك أن الله تعالى خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم» «٢» ومن الناس من قدح في هذا الحديث بأنه من رواية طلحة بن يحيى وهو متكلم فيه. والصواب صحته وهو في صحيح مسلم ولكنه ﷺ نهانا عن المسارعة إلى القطع، أو أنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة كذا. قال بعضهم: وليس بصحيح لأن سورة الطور مكية ودلت على تبعيتهم، أو أن قطع عائشة بذلك قطع بايمان أبويه، ويحتمل أن يكونا منافقين، فيكون الصبي ابن كافرين. وروى ابن قانع، في ترجمة الشريد بن سويد الثقفي، أن النبي ﷺ قال «٣» : «من قتل عصفورا عبثا عج إلى الله يوم القيامة، فقال: يا رب عبدك قتلني عبثا ولم يقتلني لمنفعة» . وروى في حديث آخر أن رجلا من أهل الصفة استشهد، فقالت له أمه:
هنيئا لك عصفور من عصافير الجنة، هاجرت إلى رسول الله ﷺ ، وقتلت في سبيل الله. فقال النبي ﷺ : «وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا ينفعه ويمنع ما لا يضره» .
وروى البيهقي في الشعب، عن مالك بن دينار، قال: مثل قراء هذا الزمان، مثل رجل نصب فخا، فجاء عصفور فوقع في فخه فقال: ما لي أراك مغيبا في التراب؟ قال: للتواضع،
стр. 678
قال: فمم حنيت؟ قال: من طول العبادة. قال: فما هذه الحبة في فيك؟ قال: أعددتها للصائمين. فلما أمسى تناول الحبة فوقع الفخ في عنقه فخنقه. فقال العصفور: إن كان العباد يخنقون خنقك فلا خير في العباد اليوم. وفيه أيضا عن الحسن، أن لقمان قال لابنه: يا بني حملت الجندل والحديد، وكل حمل ثقيل فلا أجد شيئا أثقل من الجار السوء، وذقت المرار كله فلم أذق شيئا أمر من الفقر، يا بني لا ترسل رسولا جاهلا فإن لم تجد حكيما، فكن رسول نفسك. يا بني إياك والكذب، فإنه شهي كلحم العصفور، وعما قليل يقلي صاحبه. يا بني احضر الجنائز ولا تحضر العرس، فإن الجنائز تذكرك الآخرة والعرس يشهيك الدنيا. يا بني لا تأكل شبعا على شبع، فإنك إن تلقيه إلى الكلب خير لك من أن تأكله. يا بني لا تكن حلوا فتبلع، ولا مرا فتلفظ.
ورأيت في بعض المجاميع عن الحسن، أن لقمان قال لابنه: يا بني اعلم أنه لا يطأ بساطك إلا راغب فيك، أو راهب منك، فأما الراهب منك الخائف فأدن مجلسه وتهلل في وجهه، وإياك والغمز من ورائه، وأما الراغب فيك فاظهر له البشاشة مع صفاء الباطن له، وأبدأه بالنوال قبل السؤال، فإنك إن تلجئه إلى السؤال منك تأخذ من حر وجهه ضعفي ما تعطيه. وأنشدوا على هذا:
إذا أعطيتني بسؤال وجهي ... فقد أعطيتني وأخذت مني
يا بني ابسط حملك للقريب والبعيد، وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم، وصل أقاربك، وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك، لم تعبهم ولم يعيبوك اهـ.
وقد أذكرني هذا، ما حكاه بعض أشياخي أن الاسكندر وجه رسولا إلى بعض ملوك الشرق فعاد رسوله برسالة، شك الاسكندر في حرف منها، فقال له الاسكندر: ويحك إن الملوك لا يخاف عليها إلا إذا مالت بطانتها، وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ، بينة العبارة، غير أن فيها حرفا ينقصها، فعلى يقين أنت منه أم شاك فيه؟ فقال الرسول: على يقين. فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظها حرفا حرفا، وتعاد إلى الملك مع رسول آخر، فتقرأ عليه وتترجم له. فلما قرىء الكتاب على الملك، مر بذلك الحرف فأنكره، فقال للمترجم: ضع يدك على هذا الحرف، فوضعها وأمر أن يقطع ذلك الحرف، فقطع من الكتاب، وكتب إلى الاسكندر رأس المملكة صحة فطنة الملك، ورأس الملك صدق لهجة رسوله، إذا كان عن لسانه ينطق، وإلى اذنه يؤدي وقد قطعت ما لم يكن من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا. فلما جاء الرسول بهذا إلى الاسكندر، دعا الرسول الأول، وقال له: ما حملك على كلمة أردت بها الفساد بين ملكين؟
فأقر الرسول أن ذلك لتقصير رآه من الموجه إليه، فقال له الاسكندر: ما أراك سعيت إلا لنفسك لا لنا، فلما فاتك ما أملت، جعلت لك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة. ثم أمر بلسانه فنزع من قفاه. وقال يحيى بن خالد بن برمك: ثلاثة أشياء تدل على عقول الرجال: الهدية والرسول والكتاب.
وسمع أبو الأسود الدؤلي رجلا ينشد:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
стр. 679
فقال: قد أساء قائل هذا أيعلم الغيب إذا لم يوصه كيف يعلم ما في نفسه؟ هلا قال:
إذا أرسلت في أمر رسولا ... فأفهمه وأرسله أديبا
ولا تترك وصيته بشيء ... وإن هو كان ذا عقل أريبا
فإن ضيعت ذاك فلا تلمه ... على أن لم يكن علم الغيوبا
وفي تاريخ ابن خلكان وغيره من التواريخ، أن الزمخشري «١» كان مقطوع الرجل، فسئل عن ذلك. فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله، فأفلت من يدي وأدركته وقد دخل في خرق من الجدار، فجذبته فانقطعت رجله بالخيط، فتألمت والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجل الأبعد كما قطعت رجله! فلما وصلت إلى سن الطلب، رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة فانكسرت رجلي، وعملت عملا أوجب قطعها.
وفي الحلية للحافظ أبي نعيم، في ترجمة زين العابدين، قال أبو حمزة اليماني: كنت عند علي بن الحسين، فإذا عصافير يطرن حوله ويصرخن، فقال: يا أبا حمزة هل تدري ما تقول هذه العصافير؟ قلت: لا. قال: إنها تقدس ربها جل وعلا، وتسأله قوت يومها.
وفي الصحيحين وسنن النسائي وجامع الترمذي، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن أبي بن كعب وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم فقال: أنا أعلم، فعتب الله تعالى عليه إذا لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إلى موسى، أن عبدا من عبادي، بمجمع البحرين هو أعلم منك» «٢» .
وفي الرواية الأخرى أنه قيل له: هل تعلم أحدا أعلم منك؟ قال موسى: لا فأوحى الله تعالى إلى موسى، بل عبدنا خضر. فقال: يا رب وكيف به؟ فقال له: احمل حوتا في مكتلك، فإذا فقدته فهو، ثم انطلق، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، وحملا حوتا في مكتل، حتى إذا كانا عند الصخرة، وضعا رؤوسهما، فناما وانسل الحوت من المكتل، فاتخذ سبيله في البحر سربا، وكان لموسى ولفتاه عجبا، فانطلقا بقية ليلتهما ويومهما حتى أصبحا، فقال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. ولم يجد موسى شيئا من النصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. فقال له فتاه: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت. قال موسى: ذلك ما كنا نبغي فارتدا على آثارهما قصصا، فلما انتهيا إلى الصخرة، إذا رجل مسجى بثوب أو قال: تسجى بثوبه فسلم موسى.
وفي الرواية الأخرى وكان يتبع أثر الحوت في البحر، فقال الخضر: وأني بأرضك السلام فقال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. ثم قال: هل أتبعك على أن تعلمني مما
стр. 680
علمت رشدا؟ قال: إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت! وإنك على علم علمكه الله لا أعلمه. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فقال: فرأيا سفينة فكلموهما أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوهما بغير نول، فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله، إلا كنقرة هذا العصفور. وفي الرواية الأخرى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. وعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه فقال موسى: قوم حملونا بغير نول، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها! قال: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسبت ولا ترهقني من أمري عسرا. فكانت الأولى من موسى نسيانا، فانطلقا فإذا غلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه من أعلاه فاقتلع رأسه بيده، فقال موسى: أقتلت نفسا زكية بغير حق لقد جئت شيئا نكرا. قال:
ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا؟ قال ابن عيينة: وهذا أوكد. فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه الخضر بيده، فقال موسى: لو شئت لا تخذت عليه أجرا، قال: هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا.
قال «١» النبي ﷺ : «يرحم الله أخي موسى لوددنا أن لو صبر حتى يقص الله علينا من أنبائهما» وفي الرواية الأخرى «يرحم الله موسى لو كان صبر، لقص علينا من أمرهما» . وعن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى ليس بموسى بني إسرائيل، إنما هو موسى آخر. قال: كذب عدو الله. حدثني أبي بن كعب، وذكر الحديث، وذكر قصة موسى والخضر بطولها، قال: وجاء عصفور حتى وقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر، فقال له الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. قال العلماء: لفظ النقص ليس هنا على ظاهره، وإنما معناه إنما علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. قلت: وهذا على التقريب للإفهام، وإلا فنسبة علمهما أقل وأحقر.
وحكمه
: حل الأكل، قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «ما من إنسان يقتل عصفورة فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها» «٢» . قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: «أن يذبحها فيأكلها، وأن لا يقطع رأسها فيرمي به» . رواه النسائي.
وروى الحاكم عن خالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: إن النبي ﷺ قال: «إن قلب ابن آدم مثل العصفور يقلب في اليوم سبع مرات» . ومن أحكام العصافير أنها على اختلاف أنواعها جنس واحد في باب الربا، والبطوط جنس والكركي جنس والحبارى جنس والأوز جنس والدجاج جنس والحمام جنس، وتقدم في بابه.
стр. 681
ومن أحكامها أنه لا يجوز عتقها على الأصح، وقيل: يجوز لما روى الحافظ أبو نعيم عن أبي الدرداء، أنه كان يشتري العصافير من الصبيان، ويرسلها. قال ابن الصلاح: والخلاف فيما يملك بالاصطياد، أما البهائم الأنسية فإن أعناقها من قبيل سوائب الجاهلية وذلك باطل قطعا وقال الشيخ أبو اسحاق الشيرازي، في كتاب عيون المسائل، أن ذرق العصافير غير معفو عنه والمشهور أن فيه الخلاف الذي في بول يؤكل لحمه.
الأمثال
: قالوا: «أخف حلما من عصفور» «١» . قال «٢» حسان رضي الله تعالى عنه:
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
وقال قعنب:
إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
مثل العصافير أحلاما ومقدرة ... لو يوزنون برقّ الريش ما وزنوا
وقالوا: «صاحت عصافير بطنه» إذا جاع. قال الأصمعي: العصافير هنا الأمعاء. قال الجوهري:
والمصير المعي وهو فعيل، والجمع المصران، مثل رغيف ورغفان، ثم المصارين جمع الجمع. ونقله في المحكم، عن سيبويه، سميت مصارين لصيرورة الطعام فيها. وقالوا: «أسفد من عصفور» «٣» .
الخواص
: لحم العصافير حار يابس، أصلب من لحم الدجاج، وأجودها الشتوية السمان، وأكلها يزيد في المني والباه، لكنه يضر أصحاب الرطوبات الأصلية، ويدفع ضررها دهن اللوز، وهي تولد خلطا صفراويا، يوافق من الإنسان الشيوخ. ومن الأمزجة الباردة ومن الأزمان الشتاء.
قال المختار بن عبدون: يكره أكل لحم العصافير لأن اليسير من عظامها إذا سبق في أكل شيء منها أحدث شحما في المريء والمعي، وإذا اتخذ من فراخها عجة بالبيض والبصل، زادت في الباه وأمراقها تحل الطبع، ولحومها تعقله، ولا سيما إذا كانت مهزولة هزالا فاضحا. وأضر العصافير ما سمن في البيوت وقال غيره: إذا أخذ دماغ العصفور، وأضيف إلى ماء السذاب، وشيء من عسل، وشرب على الريق، فإنه نافع لأوجاع البواسير. وإذا خلط ذرق العصافير بلعاب الإنسان، وطلي به على الثآليل قلعها، مجرب. وإذا أخذ عصفور وذوب دماغه بشيرج، وسقي لمن يحب شرب النبيذ، فإنه يبغضه وهو عجيب مجرب. وإذا أكل عصفور الشوك مشويا ومملوحا فتت الحصى الذي في المثانة والكلى. وقال مهراريش: إذا ذبح العصفور، وقطر دمه على دقيق العدس، وجعل بنادق وجفف، فإنه يهيج الباه وإذا أخذت منه بندقة، وخلطت بزيت وطلي بها الا حليل، ولا يطأ على الأرض فإنه يطأ ما شاء.
فائدة
: قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أربعة أشياء تزيد في الجماع: أكل العصافير،
стр. 682
وأكل الإطريفل الأكبر، وأكل الفستق، وأكل الجوز. وأربعة أشياء تزيد في العقل: ترك الفضول من الكلام، واستعمال السواك، ومجالسة الصالحين، والعمل بالعلم. وأربعة أشياء تقوي البدن:
أكل اللحم، وشم الطيب، وكثرة الغسل من غير جماع، ولبس الكتان. وأربعة أشياء توهن البدن وتسقمه: كثرة الجماع، وكثرة الهم، وكثرة شرب الماء على الريق، وكثرة أكل الحموضة.
فائدة أخرى
: من أكثر من الجماع وجعله دأبه، أورثه حكة في بدنه، وضعفا في قوته وبصره، وعدم لذة المجامعة، وشاب عاجلا. ومن دافع البول والغائط، ولم يقم إذا دعياه، ضعفت مثانته، وغلظ جلده، وأورثه حرق البول، والرمل والحصا، وضعف البصر. ومن أكثر من حك رجليه بالنخالة والملح، أحد بصره وعوفي من ضعفه. ومن بصق في بوله، وأدمن على ذلك، أمن من وجع الصلب. قاله القزويني نقلا عن أبقراط وغيره، وذكر أنه امتحنه وجربه.
التعبير
: العصفور في المنام رجل قاص، صاحب لهو وحكايات، يضحك الناس. وقيل:
إنه ولد ذكر فمن رأى أنه ذبح عصفورا، وله ولد مريض خشي عليه من الموت. وربما دل على رجل شيخ ضخم، كثير المال يحتال في الأمور، كامل في رياسته مدبر. وربما دل على امرأة حسناء شفيقة، وأصوات العصافير كلام حسن أو دراسة في العلم. والعصافير الكثيرة، أموال لمن حواها في المنام، وتعبر العصافير بالأولاد والصبيان.
ومن الرؤيا المعبرة أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال له: رأيت كأني آخذ العصافير فأدق أجنحتها وأجعلها في حجري فقال ابن سيرين: أتعلم كتاب الله أنت؟ قال: نعم. فقال: اتق الله في أولاد المسلمين. وأتاه رجل فقال: رأيت كأن في يدي عصفورا وقد هممت بذبحه. فقال: لا يحل لك أن تأكلني! فقال له ابن سيرين: أنت رجل تتناول الصدقة ولست مستحقها، فقال له الرجل: تقول لي ذلك؟ فقال: نعم، ولو شئت قلت لك كم هي درهم. فقال: كم هي؟ فقال ابن سيرين: ستة دراهم. فقال الرجل: ها هي في كفي، وأنا تائب لا أعود إلى تناول الصدقة.
فقيل له: من أين أخذت ذلك؟ فقال: العصفور ينطق في الرؤيا بالحق، وهو ستة أعضاء، فبقوله:
لا يحل لك أن تأكلني، علمت بذلك أنه يتناول ما لا يستحق. ومن الرؤيا المعبرة أيضا، عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه، أنه أتاه رجل، فقال: رأيت كأن في يدي عصفورا، فقال له جعفر: تنال عشرة دنانير، فمر الرجل فوقع في يده تسعة دنانير، فأتى إلى جعفر وأخبره بذلك، فقال: اقصص عليّ الرؤيا ثانيا، فقال: رأيت كأن بيدي عصفورا، وأنا أقلبه فلم أر له ذنبا، فقال له جعفر: لو كان له ذنب، لكانت الدنانير عشرة والله أعلم.
العضل:
بضم العين وفتح الضاد المعجمة الجرذ والجمع العضلان. وقد تقدم ذكر الجرذ في باب الجيم.
العرفوط:
بكسر العين دويبة لا خير فيها. تذكر العرب أنها لا تبول إلا شغرت ببولها إلى صوب القبلة، والحيات تأكلها.
العريقطة:
دويبة عريضة، وهي العريقطان. قاله الجوهري.
стр. 683
العضمجة:
الثعلبة وقد تقدم ذكر الثعلب وما فيه في باب الثاء المثلثة في أول الكتاب.
العضرفوط:
العضاءة الذكر، وتصغيره عضيرف وعضريف. قاله الجوهري.
فائدة
: قال ابن عطية في تفسير قوله «١» تعالى: قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
روي أن الغراب كان ينقل الحطب إلى نار ابراهيم، وأن الوزغة كانت تنفخ النار عليه لتضرم. وكذلك البغل. وروي أن الخطاف والضفدع والعضرفوط، كن ينقلن الماء ليطفئن النار فأبقى الله على هذه وقاية وسلط على تلك النوائب والأذى اهـ.
وقد أفادني بعض الأشياخ أن يكتب لسائر الحميات: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما سلاما سلاما، على ثلاث ورقات، ويشرب المحموم كل يوم ورقة منها على الريق، أو عندما تأخذه الحمى، فإنها تذهب بإذن الله تعالى. وهو عجيب مجرب وسيأتي إن شاء الله تعالى قريبا أن العظاءة هي السحلية وهي مباركة.
عطار:
قال القزويني في الأشكال: إنه صنف من الدواب الصدفية، يوجد ببلاد الهند في المياه القائمة ويوجد أيضا بأرض بابل، وهو من أعجب الحيوانات، له بيت صدفي يخرج منه وله رأس وأذنان وعينان وفم، فإذا دخل في بيته يحسبه الإنسان صدفة، فإذا خرج منه ينساب في الأرض ويجر بيته معه، فإذا جفت الأرض في الصيف يجتمع ورائحته عطرة.
ومن خواصه
: أنه إذا بخر به ينفع من الصرع، وإذا أحرق فرماده يجلو الأسنان، وإذا وضع على حرق النار وترك حتى يجف نفعه نفعا بينا.
العطاط:
بالفتح الأسد، وقال صاحب الكامل في تفسير خطبة الحجاج، لأهل الكوفة:
العطاط بضم العين وقيل بفتحها، ضرب من الطير معروف.
العطرف:
بالكسر الأفعى الكبيرة، وقد تقدم لفظ الأفعى في باب الهمزة.
العظاءة:
بالظاء المعجمة المفتوحة والمد: دويبة أكبر من الوزغة، ويقال في الواحدة عظاية أيضا والجمع عظاء وعظايا. قال عبد الرحمن بن عوف «٢» :
كمثل الهر يلتمس العظايا
وقال الأزهري: هي دويبة ملساء تعدو وتتردد كثيرا، تشبه سام أبرص إلا أنها أحسن منه، ولا تؤذي وتسمى شحمة الأرض، وشحمة الرمل، وهي أنواع كثيرة، منها الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر وكلها منقطة بالسواد، وهذه الألوان بحسب مساكنها فإن منها ما يسكن الرمال ومنها ما يسكن قريبا من الماء والعشب، ومنها ما يألف الناس وتبقى في جحرها أربعة أشهر لا تطعم شيئا، ومن طبعها محبة الشمس لتصلب فيها.
стр. 684
ومن خرافات العرب قالوا: إن السموم لما فرقت على الحيوانات احتبست العظاءة عند التفرقة حتى نفد السم، وأخذ كل حيوان قسطه منه على قدر السبق إليه، فلم يكن لها فيه نصيب.
ومن طبعها أنها تمشي مشيا سريعا ثم تقف، ويقال: إن ذلك لما يعرض لها من التذكر والأسف، على ما فاتها من السم وهذه تسمى بأرض مصر السحلية.
وهي محرمة الأكل
: وقد تقدم ذكرها في باب السين.
الخواص
: من علق عليه يدها اليمنى، ورجلها اليسرى في خرقة، جامع ما شاء، وإن علقت في خرقة سوداء على من به حمى الربع المزمنة أبرأته. وقلبها إذا علق على امرأة منعها أن تلد، مادام عليها، وإن طبخت بسمن البقر حتى تتهرى، ومسح بها الملسوع أبرأه وإن جعلت في قارورة وملئت زيتا وجعلت في الشمس حتى تتهرى، كان ذلك الزيت سما قاتلا.
وهي في الرؤيا
تدل على التلبيس واختلاف الأسرار والله أعلم.
العفر:
ولد الأروية.
وفي المثل
: «أوقل من عفر» «١» والعفر بالكسر الخنزير الذكر، والعفر الرجل الخبيث المداهن، والمرأة عفرة. يقال عفرية نفرية، كما يقال عفريت نفريت.
العفريت:
القوي المارد من الشياطين، والتاء فيه زائدة قال «٢» تعالى: قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ
قرأ أبو رجاء العطاردي وعيسى الثقفي عفرية ورويت عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وقرأت فرقة عفر، وكل ذلك لغات. وقال وهب: اسم هذا العفريت كوذا، وقيل ذكوان، وقال ابن عباس: هو صخر الجني.
واختلفوا في غرض سليمان ﵊ في استدعاء عرش بلقيس، فقال قتادة وغيره: لأنه أعجبه وصفه، لما وصفه الهدهد بالعظم فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام.
وقال الأكثرون: إن سليمان علم أنها إن أسلمت يحرم عليه مالها، فأراد أن يأخذ عرشها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال ابن زيد: استدعاه ليريها القدرة، التي هي من عند الله، وعظم سلطانه في معجزة يأتي بها في عرشها. وروي أن عرشها كان من فضة وذهب، مرصعا بالياقوت والجوهر، وأنه كان في جوف سبعة أبيات، عليه سبعة أغلاق. وفي الكشف والبيان للثعلبي، أن عرشها كان سريرا ضخما حسنا، وكان مقدمه من ذهب، منضدا بالياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة مكللا بأنواع الجواهر، وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر، وقائمة من ياقوت أصفر، وقائمة من زبرجد أخضر، وقائمة من در أبيض، وصفائح السرير من ذهب. وكانت قد أمرت به، فجعل في آخر سبعة أبيات، بعضها في بعض في آخر قصر من قصورها، على كل بيت باب مغلق.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا،
стр. 685
وارتفاعه في الهواء ثلاثين ذراعا. وقال مقاتل: كان ثمانين في ثمانين. وقيل: كان طوله ثمانين ذراعا، وعرضه أربعين ذراعا وارتفاعه ثلاثين ذراعا.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان سليمان ﵇ مهيبا، لا يبدأ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فرأى ذات يوم وهجا قريبا منه فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا عرش بلقيس. فقال: يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟ قال عفريت من الجن:
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
«١» .
وكان سليمان يجلس في مجلس الحكم من الصباح إلى الظهر، وإني عليه أي على الإتيان به لقوي على حمله، أمين لا أختلس منه شيئا. قال الذي عنده علم من الكتاب، قال البغوي وغيره والأكثرون: على أنه آصف بن برخيا، وكان صديقا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
«٢» . قال سعيد بن جبير:
يعني من قبل أن يرجع إليك أقصى من تراه ومعناه أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك.
وقال قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.
وقال مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وقال وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك. وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب اسمه اسطوم، وقيل هو جبريل، وقيل هو سليمان نفسه. قال له عالم من بني إسرائيل، قيل اسمه اسطوم، آتاه الله معرفة وفهما: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. قال سليمان: هات. قال: أنت النبي وابن النبي، وليس أحد أوجه عند الله منك. فإن دعوت الله وطلبت منه كان عندك. قال:
صدقت.
والعلم الذي أوتيه، قيل هو الاسم الأعظم. وفي الكلام حذف تقديره فدعا باسم الله الأعظم، وهو يا حي يا قيوم، يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا، لا إله إلا أنت. وقيل: يا ذا الجلال والإكرام. قيل: شقت الأرض بالعرش فغار في الأرض، حتى نبع بين يدي سليمان. قاله الكلبي. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فبعث الله الملائكة، فحملوا السرير من تحت الأرض، يخدون الأرض خدّا، حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان، وقيل: جيء به في الهواء، وكان بين سليمان والعرش مسيرة شهرين للمجد، فلما رآه مستقرا عنده، جعل يشكر نعمة الله تعالى، بعبارة فيها تعليم للناس، وعرضة للاقتباس، ثم قال: نكروا لها عرشها. أراد بالتنكير تجربة تمييزها ونظرها، وليزيد في الإغراب عليها.
وروت فرقة أن الجن، لما أحست من سليمان، أنه ربما يتزوج بلقيس، فتفشي له أخبار الجن، لأن أمها كانت جنية، وأنها ربما تلد ولدا، فينقل الملك إليه، فلا ينفكون من تسخير سليمان وولده من بعده، فأساؤوا الثناء عليها وظلموها عنده، ليزهدوه فيها، فقالوا: إنها غير عاقلة ولا مميزة وإن رجليها كحافر فرس، وقيل: كحافر حمار، وإنها شعراء الساقين. فجرب
стр. 686
عقلها بتنكير العرش، واختبر أمر رجليها بالصرح لتكشف عن ساقيها، وتنكيره بأن يزيد فيه وينقص منه. والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفسير، ولما أسلمت وأذعنت وأقرت على نفسها بالظلم، روي أنه تزوجها وردها إلى ملكها باليمن، وكان يأتيها على الريح في كل شهر مرة، فولدت له غلاما فسماه داود ومات في حياته. وقيل: إنه جعل يعني لما زاد في العرش ونقص منه، مكان الجوهر الأخضر أحمر ومكان الأحمر أخضر، فلما جاءت قيل: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو. وقيل: عرفته. ولكنها شبهت عليهم، كما شبهوا عليها، قاله مقاتل.
وقال عكرمة: كانت بلقيس حكيمة لم تقل نعم خوفا من أن تكذب، ولم تقل لا خوفا من التنكيت عليها، بل قالت: كأنه هو، فعرف سليمان كمال عقلها حيث لم تقر ولم تنكر. وقيل: إنه اشتبه عليها أمر العرش، لأنها لما أرادت الشخوص إلى سليمان، دعت قومها وقالت لهم: والله ما هذا ملك، وما لنا به من طاقة، ثم أرسلت إلى سليمان: إني قادمة عليك بملوك قومي، حتى أنظر ما أمرك، وما الذي تدعو إليه من دينك. ثم أمرت بعرشها وكان من ذهب وفضة، مرصعا بالياقوت والجوهر، فجعلته في جوف سبعة أبيات، عليه سبعة أغلاق كما تقدم، ووكلت به حراسا يحفظونه، ثم قالت لمن خلفته على سلطانها: احتفظ بما قبلك لا يخلص إليه أحد، ولا ترينه أحدا حتى آتيك. وشخصت إلى سليمان باثني عشر ألف قيل من أقيال اليمن، تحت كل قيل ألوف كثيرة، فلما جاءت، قيل: أهكذا عرشك؟ فاشتبه عليها أمر العرش، فقالت: كأنه هو. ثم قيل لها: ادخلي الصرح.
قيل: إنه قصر من زجاج كأنه الماء بياضا، وقيل: الصرح الصحن في الدار، وأجرى تحته الماء، وألقى فيه شيئا كثيرا من دواب البحر، كالسمك والضفادع وغيرها، ثم وضع سرير سليمان في صدره، فكان الصرح إذا رآه أحد حسبه لجة ماء. قيل: إنه إنما بنى الصرح، لأنه أراد أن ينظر إلى قدميها وساقيها، من غير أن يسألها كشفها. وقيل: أراد أن يختبر فهمها كما فعلت هي بالوصفاء والوصائف، وقد تقدم ذكر ذلك في باب الدال المهملة، في الدود. فجلس سليمان ﵇ على السرير، ودعا بلقيس، فلما جاءت، قيل لها: ادخلي الصرح، فلما رأته حسبته لجة، وهي معظم الماء، وكشفت عن ساقيها لتخوضها إلى سليمان، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلا شعر الساقين، فلما رأى سليمان ذلك، صرف بصره عنها وناداها: إنه صرح ممرد من قوارير وليس بماء، ثم دعاها إلى الإسلام. وكانت قد رأت حال العرش والصرح. فأجابت.
وقيل: إنها لما بلغت الصرح وحسبته لجة، قالت في نفسها: إن سليمان يريد أن يغرقني، وكان القتل أهون علي من هذا، فقولها ظلمت نفسي يعني بذلك الظن.
وقيل: إنه ﵇ لما أراد أن يتزوجها كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى. قالت: لا تمسني حديدة قط. وكره سليمان الموسى، وقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري، فسأل الشياطين، فقالوا: إنا نحتال لك حتى يكونا كالفضة البيضاء، فاتخذوا النورة والحمام ومن يومئذ ظهرت النورة والحمامات، ولم تكن قبل ذلك.
فلما تزوجها سليمان أحبها حبا شديدا، وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا لها بأرض
стр. 687
اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا، وهي سليجين وبينون وغمدان. ثم كان سليمان ﵇ يزورها في كل شهر مرة ويقيم عندها ثلاثة أيام يبتكر من الشأم إلى اليمن، ومن اليمن إلى الشأم على الريح، وولدت له غلاما سماه داود فمات في حياته.
وبلقيس هي بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن قد ولده أربعون ملكا هو آخرهم، وكان ملك أرض اليمن كلها، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفؤا لي وأبي أن يتزوج منهم، وأنه تزوج امرأة من الجن اسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقيس. ولم يكن له ولد غيرها. وقد جاء في الحديث ما يؤيد هذا، وهو قوله إن أحد أبوي بلقيس كان جنيا، فلما مات أبوها، طمعت في الملك، وطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها قوم وعصاها آخرون، وملكوا عليهم رجلا، وافترقوا فرقتين: كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته، حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته، ويفجر بهن، فأراد قومه خلعه، فلم يقدروا على ذلك، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه فأجابها وقال: ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك، فقال: لا أرغب عنك وأنت كفء كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم، فجمعهم فخطبها إليهم، فذكروا لها ذلك فقالت: أجبت، فزوجوها به، فلما زفت إليه ودخلت عليه، سقته الخمر حتى سكر وغلب على نفسه، ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، وأمرت بنصب رأسه على باب دارها، فلما رأى الناس ذلك علموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وملكوها عليهم.
وفي الحديث عن أبي بكرة قال: إن النبي ﷺ لما بلغه أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى، قال «١» : «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» رواه البخاري.
تذنيب:
اعلم أن الحكماء قد ذكروا أن للحمام والنورة منافع ومضار، فمن منافعه أنه يوسع المسام، ويستفرغ الفضول، ويحلل الرياح، ويحبس الطبيعة، من هيضة ورطوبة، وينظف البدن من الوسخ والعرق، ويذهب الحكة والجرب والاعياء، ويلين الجسد، ويجيد الهضم، ويعد البدن لاستعداد الغذاء، وينشط الأعضاء المتشنجة، وينضج النزلات والزكام، وينفع من حميات يوم والدق والربع والبلغمية بعد نضجها. قلت: إذا دبر ذلك طبيب حاذق.
ومن مضاره تسهيل صب الفضول إلى الأعضاء الضعيفة، ويرخي البدن ويضعف الحرارة الغريزية، والأعضاء العصبية ويضعف الباه، ووقته بعد الرياضة، وقبل الغذاء إلا المتخلخلي الأبدان الكثيري المرار، وإياك أن تدخل الحمام وتخرج منه بحميتك، وإذا أردت الخروج، فاخرج إلى المسلخ متدرجا، وأفرغ عليك ثوبا نظيفا مبخرا، واجتنب النساء يوما وليلة. وتكره المجامعة في الحمام لأنها تورث الاستسقاء وأمراضا رديئة. ويكره للانسان شرب الماء البارد عقب الطعام الحار والحلو والتعب والمجامعة والحمام والأكل، فإن ذلك مضر جدا، وأجود الحمامات القديمة الشاهقة العذبة.
стр. 688
وأما النورة فهي حارة يابسة، قال الغزالي في الإحياء: إن النورة بعد الحمام أمان من الجذام، وغسل الرجلين بالماء البارد في الصيف، أمان من النقرس، وبولة في الحمام من قيام في الشتاء أنفع من شربة دواء. قال: ويكره إلصاق الظهر إلى حائط الحمام انتهى. ومعناه أن يطلي جسده بالنورة أولا، قبل أن يسكب على جسده الماء، ثم يستحم بعد ذلك. وينبغي أن يستعمل قبل النورة الخطمي ليأمن من حرقها، ثم يغتسل بالماء البارد، وينشف البدن منه. وإن أحب استعمال النورة أولا ليأمن من الجذام، كما قاله الغزالي وغيره فليأخذ على أصبعه شيئا من النورة، ويشمها ويقل صلى الله على سليمان بن داود، ويكتب ذلك على فخذه الأيمن، فإنه يعرق قبل النورة، فيمسح العرق ويطلي، ويكون ذلك في البيت الحار، ليعرق سريعا. ويستعمل بعد هذا العصفر وبزر البطيخ ودقيق الأرز، ويعجن ذلك بماء الآس والتفاح وماء الورد ويسخن في إناء ويطلى به الجسد مع العسل، فإن ذلك ينقي البدن وينفي عنه ثلاثين داء كالجذام والبرص والبهق والبثر والنفاطات ونحوها.
قال القزويني: إذا طرح في النورة زرنيخ ورماد الكرم وطلي به الجسد ثم غسل بعدها بدقيق الشعير والباقلاء وبزر البطيخ مرارا، فإن الشعر يضعف حتى لا يكاد أن يعود. وقال الإمام العلامة فخر الدين الرازي رحمة الله تعالى عليه: النورة التي قبل الزرنيخ ربما أحدثت كلفا ويدفع ضررها بالأرز والعصفر طلاء، وأن تعجن للمحرورين بماء الشعير والأرز والبطيخ والبيض وللمبرودين بماء المرزنجوش أو النمام، وينبغي أن يخلط مع النورة الصبر والمر والحنظل من كل واحد درهم ليأمن من الحكة والبثر والله أعلم.
خاتمة
: روى مالك في الموطأ، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت، ليلة أسري بي، عفريتا من الجن يطلبني بشعلة من نار، كلما التفت رأيته» «١» فقال جبريل: ألا أعلمك كلمات تقولهن فتنطفىء شعلته ويخر لفيه؟ فقال رسول الله ﷺ : «بلى» فقال جبريل: قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير، يا رحمن. وقد تقدم في باب الجيم في الجن حديث العفر يت الذي تفلت على رسول الله ﷺ يريد أن يقطع عليه صلاته، «فخنقه النبي ﷺ وأراد أن يربطه في سارية من سواري المسجد» «٢» .
العفر:
بالكسر والضم قاله ابن الأثير في النهاية وهو الجحش والأنثى عفرة.
العقاب:
طائر معروف، والجمع أعقب لأنها مؤنثة. وأفعل بناء يختص به جمع الإناث مثل عناق وأعنق وذراع وأذرع، والكثير عقبان وعقابين جمع الجمع. قال الشاعر:
عقابين يوم الجمع تعلو وتسفل
وكنيته أبو الأشيم وأبو الحجاج وأبو حسان وأبو الدهر وأبو الهيثم، والأنثى أم الحوار وأم
стр. 689
الشعو وأم طبلة وأم لوح وأم الهيثم. والعرب تسمى العقاب الكاسر، ويقال لها الخدارية للونها، وهي مؤنثة اللفظ. وقيل: العقاب يقع على الذكر والأنثى. وتمييزه باسم الإشارة. وقال في الكامل: العقاب سيد الطيور والنسر عريفها. والعقاب، قال ابن ظفر: حاد البصر، ولذلك قالت العرب «أبصر من عقاب» «١» . والأنثى منه تسمى لقوة.
قال البطليوسي، في الشرح: قال الخليل: اللّقوة واللّقوة بالفتح والكسر العقاب السريعة الطيران انتهى. وتسمى العقاب عنقاء مغرب لأنها تأتي من مكان بعيد، وليس هو العنقاء الآتي ذكرها، وبهذا فسر قول أبي العلاء المعري «٢» :
أرى العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا «٣»
وظنّ بسائر الاخوان شرا ... ولا تأمن على سرّ فؤادا
فلو خبرتهم الجوزاء خبري ... لما طلعت مخافة أن تصادا
وكم عين تؤمل أن تراني ... وتفقد عند رؤيتي السوادا
وله من قصيدة قد أبدع فيها «٤» :
فإن كنت تهوى العيش فابغ توسطا ... فعند التناهي يقصر المتطاول
توافي البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل
وفي المعنى لابن العفيف التلمساني «٥» :
أيسعدني يا طلعة البدر طالع ... ومن شقوتي خط بخديك نازل
نعم قد تناهى في الجفاء تطاولا ... وعند التناهي يقصر المتطاول
وتقدم أن العقاب، إذا صاحت، تقول: في البعد عن الناس راحة. وهي نوعان عقاب، وزمج فأما العقاب فمنها السود والخوخية والسفع والأبيض والأشقر، ومنها ما يأوي الجبال وما يأوي الصحاري وما يأوي الغياض وما يأوي حول المدن، ويقال: إن ذكورها من طير لطيف الجرم لا يساوي شيئا. وقال ابن خلكان، في آخر ترجمة العماد الكاتب: ويقال إن العقاب جميعه أنثى، وأن الذي يسافده طير آخر من غير جنسه، وقيل: إن الثعلب يسافده. قال: وهذا من العجائب.
ولا بن عنين «٦» الشاعر في هجو شخص يقال له ابن سيده:
ما أنت إلا كالعقاب فأمّه ... معروفة وله أب مجهول
стр. 690
والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب، وتحضنها ثلاثين يوما، وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما، فإذا خرجت فراخ العقاب، ألقت واحدا منها لأنه يثقل عليها طعم الثلاث، وذلك لقلة صبرها، والفرخ الذي تلقيه، يعطف عليه طائر آخر، يسمى كاسر العظام، ويسمى المكلفة فيربيه. ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ ضائع.
والعقاب، إذا صادت شيئا، لا تحمله على الفور إلى مكانها، بل تنقله من موضع إلى موضع، ولا تقعد إلا على الأماكن المرتفعة، وإذا صادت الأرانب تبدأ بصيد الصغار ثم الكبار.
وهي أشد الجوارح حرارة، وأقواها حركة، وأيبسها مزاجا، وهي خفيفة الجناح، سريعة الطيران، تتغدى بالعراق وتتعشى باليمن، وريشها الذي عليها فروتها في الشتاء، وحليتها في الصيف، ومتى ثقلت عن النهوض وعميت، حملتها الفراخ على ظهرها ونقلتها من مكان إلى مكان، فعند ذلك تلتمس لها عينا صافية بأرض الهند، على رأس جبل فتغمسها فيها، ثم تضعها في شعاع الشمس فيسقط ريشها، وينبت لها ريش جديد، وتذهب ظلمة بصرها، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابة، كما كانت. فسبحان القادر على كل شيء، الملهم كل نفس هداها.
قال التوحيدي: ومن عجيب ما ألهمته، أنها إذا اشتكت أكبادها، أكلت أكباد الأرانب والثعالب فتبرأ. وهي تأكل الحيات إلا رؤوسها، والطيور إلا قلوبها، ويدل لهذا قول امرىء القيس «١» :
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي «٢»
ومنه قول طرفة بن العبد «٣» :
كأنّ قلوب الطير في عشها ... نوى القسب ملقى عند بعض المآدب «٤»
وقيل لبشار بن برد الأعمى الشاعر: لو خيرك الله أن تكون حيوانا ماذا كنت تختار؟ قال: العقاب لأنها تلبث حيث لا يبلغها سبع ولا ذو أربع، وتحيد عنها سباع الطير ولا تعاني الصيد إلا قليلا، بل تسلب كل ذي صيد صيده. ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق قال عمرو بن حزام:
لقد تركت عفراء قلبي كأنه ... جناح عقاب دائم الخفقان
وفي عجائب المخلوقات، في ذكر الأحجار، أن حجر العقاب يشبه نوى التمر هندي إذا حرك يسمع منه صوت، وإذا كسر لا يوجد فيه شيء يوجد في عش العقاب. والعقاب يجلبه من أرض الهند وإذا قصد الإنسان عشه، يرمي إليه بهذا الحجر ليأخذه ويرجع، فكأنه عرف أن قصدهم إياه لخاصيته. فمن خواصه أنه إذا علق على من بها عسر الولادة، تضع سريعا. ومن جعله تحت
стр. 691
لسانه، فإنه يغلب الخصم في المقاولة، ويبقى مقضي الحاجة. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب النون نظير هذا، في لفظ النسر.
وأول من صاد بها وأدبها أهل المغرب، يحكى أن قيصر ملك الروم أهدى إلى كسرى ملك فارس عقابا، وكتب إليه علمها فإنها تعمل عملا لا يدركه أكثر الصقور، فأمر بها فعلمت وصاد بها فأعجبته ثم جوعها ليصيد بها، فوثبت على صبي من حاشيته فقتلته. فقال كسرى: غزانا قيصر في بلادنا بغير جيش. ثم أهدى كسرى إليه نمرا أو فهدا، وكتب إليه: قد بعثت إليك بما تقتل به الظباء وما قرب منها من الوحش، وكتم عليه ما صنعته العقاب، فأعجب به قيصر، إذ وافقت صفته ما وصف، فغفل عنه يوما، فافترس فتى من بعض فتيانه. فقال: صادنا كسرى فإن كنا قد صدناه فلا بأس، فلما بلغ ذلك كسرى قال: أنا أبو ساسان.
وذكر ابن خلكان، في ترجمة «١» جعفر بن يحيى البرمكي وغيره، عن الأصمعي قال: لما قتل الرشيد جعفرا، طلبني ليلا فجئته وأنا خائف، فأومأ إليّ بالجلوس فجلست، فالتفت إليّ وقال:
أبيات أحببت أن تسمعها، قلت: إن شاء أمير المؤمنين فأنشدني:
لو أن جعفر خاف أسباب الردى ... لنجا به منها طمر ملجم
ولكان من حذر المنية حيث لا ... يرجو اللحاق به العقاب القشعم
لكنه لما أتاه يومه ... لم يدفع الحدثان عنه منجم
فعلمت أنها له فقلت: إنها أحسن أبيات. فقال: الحق الآن بأهلك. ففكرت فلم أعرف لذلك معنى إلا أنه أراد أن يسمعني شعره وأحكيه.
وقد حكى أهل التاريخ، في سبب قتل جعفر حكايات مختلفة، منها ما روي عن أبي محمد اليزيدي، أنه قال: من قال إن الرشيد قتل جعفرا بغير سبب يحيى بن عبد الله العلوي فلا تصدقه، وذلك أن الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم إن جعفر بن حسن، دعا به ليلة من الليالي، وسأله عن أمره فأجابه، ثم إن يحيى قال له: اتق الله فيّ يا جعفر، ولا تتعرض إلى دمي، فيكون رسول الله ﷺ خصمك يوم القيامة، فو الله ما أحدثت حدثا، ولا آويت محدثا. فرق له جعفر وأطلقه بعد أن استحلفه أن لا يحدث حدثا، وبعث معه من أوصله إلى مأمنه. فنقل ذلك إلى الرشيد، فقال لجعفر: ما فعل بيحيى بن عبد الله؟ قال: على حاله يا أمير المؤمنين في السجن، والأكبال الثقيلة، فقال: بحياتي؟ فأحجم لها جعفر. وكان من أصح الناس فكرا، فهجس في نفسه أنه قد علم شيئا من أمره. فقال: لا وحياتك يا أمير المؤمنين، بل أطلقته، لعلمي أن لا مكروه لديه، فأظهر الرشيد الاستحسان لذلك، وأسرها في نفسه، وقال: نعم ما فعلت، ما عدوت عما كان في خاطري. فلما خرج، أتبعه الرشيد بصره، وقال: قتلني الله بسيوف العدا على الضلالة إن لم أقتلك.
стр. 692
وفي تاريخ صاحب حماه «١» وغيره، أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر ولا عن أخته عباسة بنت المهدي، فقال لجعفر: أزوجكها ليحل لك النظر إليها، ولا تمسها فكانا يحضران مجلسه، ثم يقوم الرشيد من المجلس، فيمتلئان من الشراب وهما شابان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها فحملت وولدت غلاما، وخافت الرشيد فوجهت المولود مع خواص لها إلى مكة، ولم يزل الأمر مستورا، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شر، فأنهت أمر الصبي، وأخبرت بمكانه ومن معه من جواريها وما معه من الحلي. فلما حج الرشيد أرسل من أتاه بالصبي وخواصه فوجد الأمر صحيحا فأوقع بالبرامكة.
وقيل: إنما قتل الرشيد جعفرا لأنه كان قد حاز ضياع الدنيا لنفسه، وكان الرشيد إذا سافر لا يمر بضيعة ولا بستان إلا قيل: هذا لجعفر، فلم يزل كذلك حتى جنى جعفر على نفسه، بأن وجه فقطع رأس بعض الطالبين من غير أن يكون أمر بقتله، فاستحل الرشيد بذلك دمه. وقيل:
كان سبب قتله أنه رفعت إلى الرشيد قصة لم يعرف رافعها وفيها هذه الأبيات «٢» :
قل لأمين الله في أرضه ... ومن إليه الحلّ والعقد
هذا ابن يحيى قد غدا مالكا ... مثلك ما بينكما حد
أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ليس له رد
وقد بنى الدار التي ما بنى ... الفرس لها مثلا ولا الهند
والدرّ والياقوت حصباؤها ... وتربها العنبر والنّد «٣»
ونحن نخشى أنه وارث ... ملكك إن غيبك اللحد
ولن يباهي العبد أربابه ... إلا إذا ما بطر العبد
فلما وقف الرشيد عليها أضمر له الشر وأوقع به. وقيل: بل أرادت البرامكة إظهار الزندقة وفساد الملك، فأوقع بهم وقتلهم. قلت: وهو قول بعيد لا أعتقد صحته.
وقيل: إن مسرورا قال: سمعت الرشيد سنة حج وهي سنة ست وثمانين ومائة، يقول في الطواف: اللهم إنك تعلم أن جعفرا قد وجب عليه القتل، وأنا أستخيرك في قتله فخر لي. وإن الرشيد لما عاد إلى الأنبار، بعث إليه بمسرور وحماد فوافياه، والمغني يغنيه «٤» :
فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي ... عليه الموت يطرق أو يغادي
فقال مسرور: لذلك جئت، قد والله طرقك الأمر، أجب أمير المؤمنين، فتصدق بأمواله، وأعتق عبيده، وأبرأ الناس من حقوقه. ثم أتى به إلى المنزل الذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأخبر الرشيد. فقال: ائتني برأسه! فعاوده فيه مرتين، فشتمه وصاح عليه. فدخل عليه واحتز رأسه وجاء به إليه. وذلك في مستهل صفر سنة سبع وثمانين ومائة، وهو ابن سبع
стр. 693
وثلاثين سنة. ثم صلب رأسه على الجسر وصلب كل قطعة على جسر، فلم يزل كذلك حتى مر عليه الرشيد عند خروجه إلى خراسان، فقال: ينبغي أن يحرق هذا فأحرق. ولما قتله أحاط بجميع البرامكة وأتباعهم، ونودي أن لا أمان لهم إلا لمحمد بن خالد بن برمك وولده وجماعته، لما عرف من براءة محمد بن خالد وولده وجماعته.
وقيل: إن علية بنت المهدي قالت للرشيد: لأي شيء قتلت جعفر؟ فقال: لو علمت أن قميصي يعلم سبب قتل جعفر لأحرقته! ولما صلب جعفر وقف عليه يزيد الرقاشي وقال «١» من أبيات:
أما والله لولا خوف واش ... وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا ... كما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى ... حساما فلّه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعا ... لدولة آل برمك السلام
فبلغ الرشيد مقالته فأحضره، وقال: ما حملك على ما فعلت وقد بلغك ما توعدنا به كل من يقف عليه أو يرثيه؟ قال: كان يعطيني كل سنة ألف دينار، فأمر له الرشيد بألفي دينار، وقال: هي لك منا مادمنا في قيد الحياة.
ويروى أن امرأة وقفت على جعفر ونظرت إلى رأسه معلقا، فقالت: أما والله لئن صرت اليوم آية، لقد كنت في المكارم غاية ثم أنشدت تقول «٢» :
ولما رأيت السيف خالط جعفرا ... ونادى مناد للخليفة في يحيى
بكيت على الدنيا وأيقنت أنما ... قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا
وما هي إلا دولة بعد دولة ... تخول ذا نعمى وتعقب ذا بلوى
إذا أنزلت هذا منازل رفعة ... من الملك حطّت ذا إلى الغاية السفلى
ثم مرت كأنها الريح ولم تقف.
ولما بلغ سفيان بن عيينة قتل جعفر، وما نزل بالبرامكة حول وجهه إلى القبلة، وقال:
اللهم إن جعفرا كان قد كفاني مؤونة الدنيا فاكفه مؤونة الآخرة. وكان جعفر من الكرم والعطاء على جانب عظيم، وأخباره في ذلك مشهورة، وفي الدفاتر مسطورة، ولم يبلغ أحد من الوزراء منزلة بلغها جعفر من الرشيد، وكان الرشيد يسميه أخا، ويدخله معه في ثوبه، وأن الرشيد، لما قتل جعفرا، خلد أباه يحيى في السجن. وكانت البرامكة في الغاية من الجود والكرم كما هو مشهور عنهم. وكانت مدة وزارتهم للرشيد سبع عشرة سنة.
стр. 694
وذكر ابن إسحاق قال: قال الزبير بن عبد المطلب فيما كان من شأن الحية، التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لأجلها حتى اختطفها العقاب:
عجبت لما تصويت العقاب ... إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيش ... وأحيانا يكون لها وثاب «١»
إذا قمنا إلى التأسيس شدت ... فهبنا للبناء وقد تهاب
فلما أن خشينا الزجر جاءت ... عقاب حلقت ولها انصباب
فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء ... لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه ... وليس على مساوينا ثياب
أعزّ به المليك بني لؤي ... فليس لأصله منه ذهاب
وقد حشدت هناك بني عدي ... ومرة قد تعهدها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا ... وعند الله يلتمس الثواب
وذكر ابن عبد البر، في التمهيد عن عمرو بن دينار، أنه قال: لما أرادت قريش بناء الكعبة، خرجت منها حية، فحالت بينهم وبينها، فجاء عقاب أبيض فأخذها ورمى بها نحو أجياد. كذا في بعض نسخ التمهيد. وفي بعضها طائر أبيض.
فائدة
: روى ابن عباس أن سليمان بن داوود ﵉، لما فقد الهدهد، دعا بالعقاب سيد الطير، وأحزمه وأشده بأسا، فقال: عليّ بالهدهد الساعة، فرفع العقاب نفسه نحو السماء، حتى التصق بالهواء، فصار ينظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي الرجل، ثم التفت يمينا وشمالا فرأى الهدهد مقبلا نحو اليمن، فانقض عليه، فقال الهدهد: أسألك بحق الذي أقدرك علي وقواك إلا ما رحمتني. فقال له: الويل لك، إن نبي الله سليمان حلف أن يعذبك أو يذبحك. ثم أتى به فلقيته النسور وعساكر الطيور، فخوفوه وأخبروه بتوعد سليمان، فقال الهدهد: ما قدري وما أنا أو ما أستثنى نبي الله قالوا: بلى. قال: أو ليأتيني بسلطان مبين، قال الهدهد: نجوت إذن. فلما دخل لى سليمان رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعا لسليمان. فقال له سليمان: أين غبت عن خدمتك ومكانك؟ لأعذبنك عذابا شديدا، أو لأذبحنك. فقال الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله بمنزلة وقوفي بين يديك. فاقشعر جلد سليمان وارتعد، وعفا عنه. وسيأتي إن شاء الله تعالى، نظير هذا في باب الهاء في الهدهد.
الحكم
: يحرم أكل العقاب لأنه ذو مخلب، واختلف في أنه هل يستحب قتله أم لا؟ فجزم الرافعي والنووي في الحج باستحباب قتله، وجزم في شرح المهذب بأنه من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره وهو الذي فيه نفع ومضرة، قلت: وهذا الذي جزم به القاضي أبو الطيب الطبري «٢» وهو المعتمد.
стр. 695
الأمثال
: قالوا: «أمنع من عقاب الجو» «١» . قاله عمرو بن عدي لقصير بن سعد في قصة الزباء المشهورة. وفي ذلك يقول ابن دريد في مقصورته:
واخترم الوضاح من دون التي ... أملها سيف الحمام المنتضى
وقد سما عمرو إلى أوتاره ... فاحتطّ منها كلّ عالي المنتهى
فاستنزل الزباء قسرا وهي من ... عقاب لوح الجوّ أعلى منتهى
جعلها لا متناعها بمنزلة لوح الجو، واللوح الهواء بين السماء والأرض. والجو أيضا ما بينهما.
والقصة في ذلك ما ذكره الأخباريون: ابن هشام وابن الجوزي وغيرهم، قالوا وقد دخل كلام بعضهم في بعض: إن جذيمة الأبرش، كان ملكا على الحيرة، وما حولها من السواد، ملك ستين سنة، وكان شديد السلطان قد خافه القريب، وهابه البعيد، وهو أول من أوقدت الشموع بين يديه، وأول من نصب المجانيق في الحرب، وأول من اجتمع له الملك بأرض العراق. فغزا مليح بن البراء، وكان ملكا على الحضر وهو الحاجز بين الروم والفرس وهو الذي ذكره عدي بن زيد بقوله «٢» :
وأخو الخضر إذ بناه وإذ ... دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كلسا ... فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون وباد ... الملك عنه فبابه مهجور
فقتله جذيمة وطرد بنته الزباء، فلحقت بالروم.
وكانت الزباء عاقلة أديبة عربية اللسان، حسنة البيان شديدة السلطان، كبيرة الهمة. قال ابن الكلبي: ولم يكن في نساء عصرها أجمل منها، وكان اسمها فارعة وكان لها شعر إذا مشت سحبته وراءها، وإذا نشرته جللها فسميت الزباء لذلك. قال: وكان قتل أبيها قبل مبعث عيسى ابن مريم ﵉، فبلغت بها همتها أن جمعت الرجال، وبذلت الأموال، وعادت إلى ديار أبيها ومملكته، فأزالت جذيمة عنها وابتنت على عراقي الفرات مدينتين متقابلتين في شرقي الفرات وغربيه، وجعلت بينهما نفقا تحت الفرات، فكانت إذا رهقتها الأعداء أوت إليه وتحصنت. وكانت قد اعتزلت الرجال فهي عذراء بتول.
وكان بينها وبين جذيمة بعد الحرب مهادنة، فحدثته نفسه بخطبتها فجمع خاصته وشاورهم في ذلك، فسكت القوم وتكلم قصير، وكان ابن عمه، وكان عاقلا لبيبا، وكان خازنه، وصاحب أمره، وعميد دولته، فقال: أبيت اللعن أيها الملك إن الزباء امرأة حرمت الرجال فهي عذراء بتول لا ترغب في مال ولا جمال، ولها عندك ثأر، والدم لا ينام وإنما هي تاركتك رهبة وحذرا، والحقد دفين، في سويداء القلب له كمون، ككمون النار في الحجر، إذ قدحته أورى، وإن تركته توارى، وللملك في بنات الملوك الاكفا متسع، ولهن فيه منتفع، ولقد رفع الله قدرك عن الطمع،
стр. 696
فيمن هو دونك، وعظم الرب شأنك، فما أحد فوقك. هكذا حكاه ابن الجوزي وغيره.
وذكر ابن هشام، شارح الدريدية وغيره، أن الزباء، هي التي أرسلت إليه تخطبه، وتعرض عليه نفسها، ليتصل ملكه بملكها، فدعته نفسه إلى ذلك، فاستشار وزراءه، فكل واحد منهم رأى ذلك مصلحة، إلا قصيرا فإنه قال: أيها الملك هذه خديعة ومكر، فلم يسمع منه. قال: ولم يكن قصيرا ولكن سمي به اهـ.
قال ابن الجوزي: فقال جذيمة: يا قصير، الرأي ما رأيته وقلته، ولكن النفس تواقة، وإلى ما تحب وتهوى مشتاقة، ولكل امرىء قدر لا مفر منه ولا وزر، ثم وجه إليها خاطبا وقال له: اذكر لها ما ترغبها فيه، وتصبو إليه، فجاءها خطيبه فلما سمعت كلامه، وعرفت مراده، قالت: أنعم بك عينا وبما جئت به. وأظهرت له السرور والرغبة فيه، وأكرمت مقدمه، ورفعت موضعه، وقالت: قد كنت أضربت عن هذا، مخافة أن لا أجد كفؤا! ولكن الملك فوق قدري، وأنا دون قدره قد أجبت إلى ما سأل، ورغبت فيما قال، ولولا أن السعي في مثل هذا الأمر بالرجال أمثل، لسرت إليه، ولنزلت عليه.
وأهدت له هدية سنية، ساقت إليه فيها العبيد والإماء، والكراع والسلاح، والأموال والإبل والغنم، وغير ذلك من الثياب والأمتعة والجواهر شيئا عظيما. فلما رجع إليه خطيبه، أعجبه ما سمع من الجواب، وأبهجه ما رأى من اللطف، الذي تحير فيه عقول ذوي الألباب، وظن أن ذلك منها لحصول رغبة، فأعجبته نفسه، وسار من فوره فيمن يثق به من خاصته، وأهل مملكته، وفيهم قصير خازنه، وقد استخلف على مملكته عمرو بن عدي اللخمي، وهو أول من ملك الحيرة من لخم، وكانت مدة ملكه مائة وعشرين سنة، وهو الذي اختطفته الجن وهو صبي ثم ردته وقد شب وكبر. فألبسته أمه طوقا من ذهب وأمرته بزيارة خاله جذيمة، فلما رأى جذيمة لحيته والطوق في عنقه قال: «شب عمرو عن الطوق» «١» ، فأرسلها مثلا. وقال ابن هشام: إنه ملك مائة وثماني عشرة سنة.
قال ابن الجوزي: فاستخلفه وسار إلى الزباء فوصل إلى قرية على الفرات، يقال لها نيفة فنزل بها، وتصيد وأكل وشرب. واستعاد المشورة والرأي من أصحابه، فسكت القوم وافتتح قصير الكلام فقال: أيها الملك كل عزم لا يؤيد بحزم فإلى أين يكون كونه؟ فلا تثق بزخرف قول لا محصول له، ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد، ولا الحزم بالمنى فيبعد، والرأي عندي للملك أن يعتقب أمره بالتثبت، ويأخذ حذره بالتيقظ، ولولا أن الأمور تجري بالمقدر، لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل. فأقبل جذيمة على الجماعة، وقال: ما عندكم أنتم في هذا الأمر؟ فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبته في ذلك، وصوبوا رأيه وقووا عزمه، فقال جذيمة: الرأي مع الجماعة، والصواب ما رأيتم. فقال قصير: «أرى القدر يسابق الحذر، فلا يطاع لقصير أمر» . فأرسلها مثلا، ثم سار جذيمة، فلما قرب من ديار الزباء، أرسل إليها يعلمها بمجيئه، فأظهرت السرور به، والرغبه فيه وأمرت بحمل الميرة إليه، وقالت لجندها، ولخاصة أهل مملكتها، وعامة أهل دولتها
стр. 697
ورعيتها: تلقوا سيدكم وملك دولتكم فعاد الرسول إليه بالجواب، وأخبره بما رأى وسمع.
فلما أراد جذيمة أن يسير، دعا قصيرا وقال: أنت على رأيك؟ قال: نعم، وقد زادت بصيرتي فيه، أفأنت على عزمك؟ قال: نعم، وقد زادت رغبتي فيه. فقال قصير: «ليس الدهر بصاحب لمن لم ينظر في العواقب» «١» فأرسلها مثلا. ثم قال: «وقد يستدرك الأمر قبل فوته، وفي يد الملك بقية، هو بها مسلط على استدراك الصواب، فإنك إن وثقت بأنك ذو ملك وسلطان وعشيرة وأعوان، فإنك قد نزعت يدك من سلطانك، وفارقت عشيرتك وأعوانك، وألقيتها في يد من لست آمن عليك مكره وغدره، فإن كنت ولا بد فاعلا، ولهواك تابعا، فإن القوم أن يلقوك غدا رزدقا واحدا، وقاموا لك صفين، حتى إذا توسطتهم أطبقوا عليك من كل جانب، وأحدقوا بك فقد ملكوك، وصرت في قبضتهم. وهذه العصا لا يسبق غبارها. (وكان لجذيمة فرس تسبق الطير وتجاري الرياح، يقال لها العصا) ، فإذا رأيت الأمر كذلك فتجلل ظهرها، فهي ناجية بك إن ملكت ناصيتها» ، فسمع جذيمة كلامه ولم يرد جوابه. وسار وكانت الزباء، لما رجع رسول جذيمة من عندها، قالت لجندها: «إذا أقبل جذيمة غدا فتلقوه بأجمعكم، وقوموا له صفين، عن يمينه وعن شماله، فإذا توسط جمعكم، فانقضوا عليه من كل جانب حتى تحدقوا به، وإياكم أن يفوتكم» .
وسار جذيمة وقصير عن يمينه، فلما لقيه القوم رزدقا واحدا، قاموا له صفين، فلما توسطهم انقضوا عليه من كل جانب فعلم أنهم قد ملكوه، وكان قصير يسايره، فأقبل جذيمة عليه وقال:
صدقت يا قصير، فقال: هذه العصا فدونكها لعلك تنجو بها، فأنف جذيمة من ذلك، وسارت به الجيوش، فلما رأى قصير أن جذيمة قد استسلم للأمر، وأيقن بالقتل، جمع نفسه ووثب على ظهر العصا، وقال ابن هشام: إن قصيرا قدم العصا إلى جذيمة، فشغل عنها جذيمة بنفسه، فركبها قصير وأعطاها عنانها، وزجرها فذهبت تهوي في هوي الريح، فنظر إليه جذيمة وهي تطاول به، وأشرفت عليه الزباء من قصرها، فقالت له: ما أحسنك من عروس تجلى علي وتزف إلي حتى دخلوا به على الزباء، ولم يكن معها في قصرها إلا جوار أبكار، وهي جالسة على سريرها وحولها ألف وصيفة، كل واحدة لا تشبه صاحبتها في خلق ولا زي، وهي بينهن كأنها قمر قد حفت به النجوم.
وقال ابن هشام: وكانت الزباء قد ربت شعر عانتها حولا، فلما دخل عليها جذيمة، تكشفت له وقالت: أمتاع عروس ترى؟ فقال: بل متاع أمة بظراء! فأمرت به فأجلس على نطع، وقيل: إنه لما أدخل عليها أمرت بالانطاع فبسطت وقالت لوصائفها: خذن بيد سيدكن، وبعل مولاتكن، فأخذن بيده وأجلسنه على الانطاع، بحيث تراه ويراها، وتسمع كلامه ويسمع كلامها، ثم أمرت الجواري فقطعن رواهشه «٢» ، ووضعن الطست بين يديه، فجعلت دماؤه تشخب في الطست فقطرت قطرة على النطع، فقالت لجواريها: لا تضيعوا دم الملك، فقال جذيمة: لا يحزنك دم أراقه أهله. فقالت: والله ما وفى دمك، ولا شفى قتلك، ولكنه «غيض من
стр. 698
فيض» «١» ، فأرسلتها مثلا فلما قضى أمرت به فدفن.
وأما عمرو فكان يخرج كل يوم إلى ظهر الحيرة يطلب الخبر، ويقتفي من خاله الأثر، فخرج ذات يوم، فإذا فارس قد أقبل، تهوي به الفرس هوي الريح، فقال عمرو بن عدي: أما الفرس ففرس جذيمة وأما الراكب فكالبهيمة «لأمر ما جاءت العصا» ، فأرسلها مثلا، فأشرف قصير فقال: ما وراءك؟ قال: سعى القدر بالملك إلى حتفه، على الرغم من أنفي وأنفه. ثم قال لعمرو بن عدي: أطلب بثأرك من الزباء، فقال عمرو: وأنى يطلب من الزباء وهي «أمنع من عقاب الجو» «٢» فأرسلها مثلا. فقال له قصير: قد علمت نصحي لخالك، وكأن الأجل طالبه، وأنا والله لا أنام عن الطلب بدمه، ما لاح نجم أو طلعت شمس، أو أدرك به ثأرا، أو تخترم نفسي فأعذر. ثم إنه عمد إلى أنفه فجدعه. وقال ابن هشام: إن قصيرا قال لعمرو: اجدع أنفي واقطع آذاني، واضرب ظهري حتى يؤثر فيه، ودعني وإياها، ففعل به عمرو ذلك. وذكر الاخباريون أن عمرا أبى عليه ففعل هو بنفسه ذلك، فقيل: «لأمر ما جدع قصير أنفه» «٣» .
قال ابن الجوزي: ثم إن قصيرا لحق بالزباء هاربا من عمرو بن عدي، فقيل لها: هذا قصير ابن عم جذيمة، وخازنه وصاحب أمره، قد أتاك هاربا، فأذنت له وقالت: ما الذي جاء بك إلينا يا قصير، وبيننا وبينك دم عظيم الخطر؟ فقال: يا ابنة الملوك العظام، لقد أتيت فيما يأتي فيه مثلي إلى مثلك، ولقد كان دم الملك، يعني أباها، يطلب جذيمة حتى أدركه، وقد جئتك مستجيرا من عمرو بن عدي، فإنه اتهمني بخاله لمشورتي عليه في المسير، إليك فجدع أنفي، وأخذ مالي، وجلد ظهري، وقطع آذاني، وحال بيني وبين أهلي، وتهددني بالقتل، وإني خشيت على نفسي، فهربت منه إليك، وأنا مستجير بك، ومستند إلى كنف عزك. فقالت له: أهلا وسهلا، لك حق الجوار، وذمة المستجير.
وأمرت به فأنزل، وأجرت له النفقات ووصلته وكسته وأخدمته، وزادت في إكرامه. فأقام مدة لا يكلمها ولا تكلمه، وهو يطلب الحيل عليها، وموضع الفرصة منها، وكانت ممتنعة بقصر مشيد على باب النفق تعتصم به، فلا يقدر أحد عليها، فقال لها قصير يوما: إن لي في العراق مالا كثيرا، وذخائر نفيسة مما يصلح للملوك، فإذا أذنتني في الخروج إلى العراق، وأعطيتني شيئا أتعلل به في التجارة، واجعله سببا إلى الوصول إلى مالي، أتيتك بما قدرت عليه من ذلك. فأذنت له وأعطته مالا فقدم به إلى العراق، وأخذ مالا جزيلا، ثم رجع إلى الزباء، وقد استصحب من ظرائف العراق ولطائفها وزادها مالا كثيرا إلى مالها.
قال: فلما قدم عليها، أعجبها ذلك وأبهجها وعظمت منزلته عندها، ثم إنه عاد إلى العراق ثانية، وقدم عليها بأكثر من النوبة الأولى، وزادها أضعافا من الجوهر والخز والبز والقز والديباج، فازداد مكانه منها، وعظمت منزلته عندها، ورغبتها فيه ولم يزل قصير يتلطف في الحيلة، حتى عرف موضع النفق الذي تحت الفرات، والطريق إليه. ثم خرج ثالثة، فقدم بأكثر من المرتين الأوليين ظرائف ولطائف، فبلغ مكانة عظيمة منها، حتى إنها كانت تستعين به في مهماتها،
стр. 699
واسترسلت إليه وعولت في أمورها عليه.
وكان قصير رجلا حسن العقل والوجه، أديبا لبيبا، فقالت له يوما: إني أريد أن أغزو البلد الفلانية من أرض الشأم، فاخرج إلى العراق وائتني بكذا وكذا من الدروع والكراع، والعبيد والثياب، فقال قصير: لي ببلاد عمرو بن عدي ألف بعير، وخزانة من المال، وخزانة من السلاح، فيها كذا وكذا، وما لعمرو بها من علم، ولو علم بها لأخذها، واستعان بها على حرب الملكة، وقد كنت أتربص به ريب المنون، وها أنا أخرج متنكرا من حيث لا يعلم فآتي الملكة بذلك، مع الذي سألت، فأعطته من المال ما أراد، وقالت: يا قصير الملك يحسن بمثلك، وعلى يد مثلك يصلح أمره، وقد بلغني أن جذيمة كان إيراده وإصداره إليك، وما أقصر بك عن شيء تناله يدي، ولا يقعد بك حال تنهض بي. فسمع كلامها رجل من خاصة قومها فقال: إنه أسد خادر، وليث ثائر، قد تحفز للوثبة.
ولما عرف قصير مكانه منها، وتمكنه من قلبها، قال: الآن طاب الخداع، وخرج من عندها، فأتى عمرو بن عدي فقال: قد أصبت الفرصة من الزباء، فقال له عمرو: قل أسمع ومر اقبل، فأنت طبيب هذه القرحة. فقال: الرجال والأموال. فقال عمرو: حكمك فيما عندي مسلط، فعمد إلى ألفي رجل من فتاك قومه، وصناديد أهل مملكته، فحملهم على ألف بعير، في الغرائر السود بالأسلحة، وجعل ربطها من داخل الجوالق. وكان عمرو منهم، وساق الخيل والكراع والسلاح والإبل محملة.
قال ابن هشام: فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار، وكانت الزباء قد صور لها عمرو قائما وقاعدا وراكبا، وغمي عليها أمر قصير، فسألت عنه فقيل: أخذ الغوير. فقالت: «عسى الغوير أبؤسا» «١» ، فأرسلتها مثلا. وعسى، في المثل، بمعنى صار، ولذلك أتى الخبر بغير الفعل، فلما قدم قصير دخل على الزباء وكان قد تقدم على العير، فقال لها: قفي وانظري إلى العير، فصعدت على سطح قصرها وجعلت تنظر إلى العير مثقلة بحمل الرجال فقالت: يا قصير:
ما للجمال مشيها وئيد ... أجندلا يحملن أم حديدا «٢»
أم صرفانا باردا شديدا ... أم الرجال جثما قعودا
وكان قصير قد وصف لعمرو الزباء، وشأن النفق، فلما دخلت العير المدينة، وكان على باب الزباء بوابون من النبط، وفيهم رجل بيده مخصرة، فطعن جوالقا، فأصابت المخصرة رجلا منهم فضرط، فقال البواب بالنبطية: بشا بشا أي الشر الشر، فاستل قصير سيفه وضرب به البواب فقتله. وكان عمرو على فرسه فدخل الحصن عقب الإبل وحل الرجال الجوالق، فظهروا في المدينة، ووقف عمرو على باب النفق، فلما رأت الزباء عمرا، عرفته بالصفة، فمصت خاتما في يدها مسموما، وقالت: بيدي لا بيد عمرو، فماتت. ويقال: إن عمرا قتلها بالسيف، وقال ابن الجوزي: إن الزباء، لما رأت الإبل تتهادى بأحمالها، ارتابت بها، وكان قد وشى بقصير إليها،
стр. 700
فقدح ما رأت من كثرة الإبل وعظم أحمالها في نفسها، مع ما عندها من قول الواشي به فقالت:
أرى الجمال مشيها وئيدا
إلا أنه ذكر عوض «أم الرجال جثما قعودا» أم «الرجال في الغرار السودا» . ثم قالت لجواريها: «أرى الموت الأحمر في الغرائر السود» فذهبت مثلا، وذكر القصة إلى آخرها، فاحتوى عمرو على بلادها.
والزباء اسمها نائلة في قول «١» محمد بن جرير الطبري، ويعقوب بن السكيت واستشهد ابن جرير الطبري بقول الشاعر:
أتعرف منزلا بين النقاء ... وبين ممر نائلة القديم
وميسون في قول ابن دريد، وفارعة في قول ابن هشام وابن الجوزي وغيرهما كما تقدم. قلت:
وفي النهاية لابن الأثير، أن قوما من الجن تذكروا عيافة بني أسد، ووصفهم بها، فأتوهم فقالوا: ضلت لنا ناقة، فلو أرسلتم معنا من يعيف؟ فقالوا لغلام لهم: انطلق معهم، فاستردفه أحدهم، ثم ساروا فلقيهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها، فاقشعر الغلام وبكى، فقالوا: مالك يا غلام؟ فقال: كسرت جناحا ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراخا، ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا، وقالوا: «أطير من عقاب «٢» الجو» و «أبصر من عقاب وأحزم» «٣» . فإن قيل: ما حزمه؟
قيل: إنه يخرج من بيضته على رأس جبل عال، فلا يتحرك حتى يتكامل ريشه، ولو تحرك لسقط.
ويقال أيضا: «أسمع من فرخ عقاب» «٤» «وأعز من عقاب «٥» الجو» .
عجيبة
: نقل ابن زهر، عن ارسطاطاليس، أن العقاب تصير حدأة والحدأة عقابا يتبادلان في كل سنة.
الخواص
: قال صاحب عين الخواص: قال عطارد «٦» بن محمد: إن العقاب يهرب من الصبر، وإذا شم رائحته غشي عليه. وريش العقاب إذا دخن به البيت ماتت حياته. ومرارته تنفع من الظلمة، والماء الذي في العينين اكتحالا قاله القزويني.
التعبير
: العقاب تدل رؤيته لمن هو في حرب على النصر والظفر على الأعداء، لأنها كانت راية النبي ﷺ . والعقاب تدل على العقاب لمن حل عنده. ومن رأى أنه ملك عقابا أو نسرا، وتحكم عليه، نال عزا وسلطانا ونصرة على عدوه، وعاش عمرا طويلا. فإن كان الرائي من أهل الجد والاجتهاد، انقطع عن الناس واعتزلهم، وعاش منفرا لا يأوي إلى أحد. وإن كان ملكا، اصطلح مع الأعداء، وأمن من شرهم ومكايدهم، وانتفع بما عندهم من السلاح والمال، لأن أرياشها السهام، وهي أموال أيضا، وصغارها أولاد زنا. قاله ابن المقري.
стр. 701
وقال المقدسي: من رأى عقابا ضربه بمخالبه، ناله شدة في ماله. وأكل لحم العقاب يدل على الحرص، وربما دلت رؤيته، أعني العقاب، على رجل صاحب حرب، لا يأمنه قريب ولا بعيد. وإذا رؤي على سطح أو دار أو بيت فهو ملك الموت. ومن ركب عقابا في منامه، وكان فقيرا نال خيرا، وإن كان غنيا أو من أشراف الناس، فإنه يموت، لأن في الزمان المتقدم، كانوا يصورون صورة الميت من الأغنياء والأمراء، على صورة عقاب. ومن رأى من النساء، كأنها ولدت عقابا، اتصل ولدها بالملك في خدمة أو صراع، والله أعلم.
العقد:
الجمل الصغير القوائم، الطويل السنام، فإذا مشى مع الجمال، قصر عن طولها، وإذا برك معها طالها لطول سنامه، ولذلك يقول ثعلبة:
أرسلت فيها جملا لكالكا ... يقصر مشيا ويطول باركا
العقال:
القلوص الفتية، والعقال زكاة العام من الإبل والغنم. قال الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
العقرب:
دويبة من الهوام تكون للذكر والأنثى بلفظ واحدة، واحدة العقارب. وقد يقال للأنثى: عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، ويصغر على عقيرب، كما تصغر زينب على زيينب والذكر عقربان بضم العين والراء، وهو دابة له أرجل طوال وليس ذنبه كذنب العقارب قال «١» الشاعر:
كأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان
أي ينزو عليها. ومكان معقرب بكسر الراء، ذو عقارب، وصدغ معقرب بفتح الراء، أي معطوف. وكنيتها أم عريط وأم ساهرة، واسمها بالفارسية الرشك كما تقدم. ومنها السود والخضر والصفر، وهن قواتل وأشدها بلاء الخضر. وهي مائية الطباع، كثيرة الولد، تشبه السمك والضب. وعامة هذا النوع، إذا حملت الأنثى منه، يكون حتفها في ولادتها، لأن أولادها إذا استوى خلقها، تأكل بطنها وتخرج، فتموت الأم. وأنشدوا قول «٢» الشاعر:
وحاملة لا يحمل الدهر حملها ... تموت وينمى حملها حين تعطب
والجاحظ لا يعجبه هذه القول، ويقول: قد أخبرني من أثق به، أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها، وهي على قدر القمل كثيرة العدد. قلت: والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب. والعقرب أشد ما تكون، إذا كانت حاملا، ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم، حتى يتحرك شيء من بدنه، فإنها عند ذلك تضربه. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وربما لسعت الأفعى فتموت، وهي يلسع بعضها بعضا فتموت، قاله الجاحظ. وفي كتاب القزويني، أن العقرب إذا لسعت الحية فإن أدركتها
стр. 702
وأكلتها برئت، وإلا ماتت. وقد أشار إلى ذلك الفقيه عمارة اليمني في أبياته بقوله «١» :
إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هدم عرش بلقيس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سدّ مأرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الانفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب
وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة «٢» الفقيه عمارة بن علي بن زيدان اليمني، أن قاسم بن هاشم، صاحب مكة، وجهه رسولا إلى الديار المصرية، فدخلها في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز، والوزير الصالح بن رزيك، فأنشدهما قصيدته الميمية التي أولها:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم
وفي آخرها:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلا على مفرق الاسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى منة الديم
فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وعاد إلى مكة، ثم إلى زبيدة ثم أعاده صاحب مكة رسولا إلى مصر أيضا، فاستوطنها وأحسن الصالح وبنوه إليه. فلما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته، ثم إنه شرع في الاتفاق، مع جماعة من الرؤساء، على إعادة دولة المصريين ووافقهم جماعة من أمراء الملك الناصر، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية ومن سواحل الشام إلى ديار مصر، على شيء يبذلونه لهم، من المال والبلاد، فعلم صلاح الدين بذلك فقبض عليهم وسألهم عن ذلك، فأقروا. فصلبهم في رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وهذا التاريخ مناقض لما تقدم، من أنه كان رسولا لصاحب مكة في سنة خمسين وخمسمائة.
قلت: والصواب أن صلبهم كان في سنة تسع وستين يوم السبت الثاني من شهر رمضان، وكان القبض عليهم في يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة المذكورة. وكان عمارة شافعيا، وينسب إليه بيت قاله، أو وضع عليه والله أعلم بذلك:
قد كان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيّد الأمم
فأفتى فقهاء مصر بقتله، ولم يتعرض السلطان صلاح الدين إلى من نافق عليه من أجناده، ولا أظهر لهم أنه علم بشيء من أمرهم. ومن العجيب أن الفقيه عمارة قال قبل صلبه بأيام قلائل في مصلوب:
стр. 703
ورأت يداه عظيم ما جنتا ... ففررن ذي شرقا وذي غربا
وأمال نحو الصدر منه فما ... ليلوم في أفعاله القلبا
فكأنه كان لسان حاله.
ومن شأنها، أنها إذا لسعت الإنسان، فرت فرار مسيء يخشى العقاب. قال الجاحظ: ومن عجيب أمرها أنها لا تسبح ولا تتحرك، إذا ألقيت في الماء سواء كان الماء ساكنا، أو جاريا، قال:
والعقارب تخرج من بيوتها للجراد، لأنها حريصة على أكله، وطريق صيدها أن تشبك الجرادة في عود، ثم تدخل في جحرها، فإذا عاينتها العقرب تعلقت فيها. ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج، فإنها تتبعه أيضا. وربما ضربت الحجر والمدر، ومن أحسن ما قيل في ذلك:
رأيت على صخرة عقربا ... وقد جعلت ضربها ديدنا
فقلت لها: إنها صخرة ... وطبعك من طبعها ألينا
فقالت: صدقت ولكنني ... أريد أعرفها من أنا
والعقارب القاتلة تكون في موضعين بشهرزور وبعسكر مكرم، وهي جرارات تلسع فتقتل كما تقدم. وربما تناثر لحم من لسعته أو عفن لحمه واسترخى، حتى إنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه. ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها.
ومن نوع العقارب الطيارة، قال القزويني والجاحظ: وهذا النوع يقتل غالبا. قال الرافعي: وحكى العبادي وجها أنه يصح بيع النمل بنصيبين، لأنه يعالج به العقارب الطيارة، التي بها. وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذا أيضا في باب النون، في حكم النمل ولعل مراده أن النمل يعمل مع أدوية، ويعالج بها لدغتها.
وبنصيبين عقارب قتالة، يقال إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين، فأتى بالعقارب منها وجعلها في كيزان الفقاع، ورمى بها في المجانيق. قال الجاحظ: وكان في دار نصر بن حجاج السلمي «١» عقارب، إذا لسعت قتلت، فدب ضيف لهم، إلى بعض أهل الدار فضربته عقرب في مذاكيره فقال «٢» نصر يعرض به:
وداري إذا نام سكانها ... أقام الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب
فلا تأمنن سرى عقرب ... بليل إذا أذنب المذنب
فدخل حوالي الدار وقال: هذه عقارب تسقى من أسود سالخ، ونظر إلى موضع في الدار، وقال:
احفروا ههنا، فحفروا فوجدوا أسودين: ذكرا وأنثى.
стр. 704
وروى الطبراني وأبو يعلى الموصلي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ثم تركته، وذهبت نحو علي فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله ﷺ بقتلها بأسا. في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف.
وروى ابن ماجه، عن أبي رافع، أن النبي ﷺ «قتل عقربا وهو يصلي» «١» . وفيه أيضا، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة، فقال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غير مصل اقتلوها في الحل والحرم» «٢» .
وروى الحافظ أبو نعيم، في تاريخ أصبهان، والمستغفري في الدعوات، والبيهقي في الشعب، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة فلما فرغ من صلاته، قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غيره، ولا نبيا ولا غيره، إلا لدغته» .
وتناول نعله فقتلها به، ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها، ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين.
وفي تاريخ نيسابور، عن الضحاك بن قيس الفهري، قال: قام رسول الله ﷺ من الليل يتهجد، فلدغته عقرب في أصبعه فقال رسول الله ﷺ : «لعن الله العقرب ما تكاد تدع أحدا» «٣» ، ثم دعا بماء في قدح، وقرأ عليه قل هو الله أحد الله الصمد ثلاث مرات، ثم صبه على أصبعه، ثم رؤي ﷺ ، بعد ذلك على المنبر عاصبا أصبعه من لدغة العقرب.
وفي عوارف المعارف، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لدغت رسول الله ﷺ عقرب في إبهامه، من رجله اليسرى فقال: «علي بذاك الأبيض الذي يكون في العجين» ، فجئنا بملح فوضعه ﷺ في كفه، ثم لعق منه ثلاث لعقاب، ثم وضع بقيته على اللدغة فسكنت عنه.
وروى ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ خطب الناس، وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب فقال: «إنكم تقولون لا عدوى، ولا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون وكأن وجوههم المجان المطرقة» «٤» .
غريبة
: في تاريخ شيخنا اليافعي رحمه الله تعالى، في حوادث سنة تسع وخمسمائة ذكر أن بعض الملوك قال له منجموه: إنه يموت في الساعة الفلانية في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني من سنة كذا من عقرب تلدغه، فلما كانت الساعة المذكورة تجرد من جميع ثيابه سوى ما يستر عورته، وركب فرسا بعد أن غلسه ونظفه وسرح شعره، ودخل به البحر حذارا مما ذكر له منجموه، فبينما هو كذلك عطست الفرس فخرج من أنفه عقرب فلدغته، فمات. فما أغناه الحذر عن القدر.
وعن معروف الكرخي قال: بلغنا أن ذا النون المصري، خرج ذات يوم يريد غسل ثيابه، فإذا هو بعقرب قد أقبل عليه، كأعظم ما يكون من الأشياء، قال: ففزع منها فزعا شديدا،
стр. 705
واستعاذ بالله منها فكفي شرها. فأقبلت حتى وافت النيل، فإذا هي بضفدع قد خرج من الماء فاحتملها على ظهره، وعبر بها إلى الجانب الآخر.
فقال ذو النون: فاتزرت بمئزري ونزلت في الماء، ولم أزل أرقبها إلى أن أتت إلى الجانب الآخر، فصعدت ثم سعت وأنا أتبعها إلى أن أتت شجرة كثيرة الأغصان، كثيرة الظل، وإذا بغلام أمرد أبيض نائم تحتها، وهو مخمور، فقلت: لا قوة إلا بالله، أتت العقرب من ذلك الجانب للدغ هذا الفتى، فإذا أنا بتنين قد أقبل يريد قتل الفتى، فظفرت العقرب به ولزمت دماغه، حتى قتلته ورجعت إلى الماء. وعبرت على ظهر الضفدع إلى الجانب الآخر فأنشد ذو النون يقول:
يا راقدا والجليل يحفظه ... من كل سوء يكون في الظّلم
كيف تنام العيون عن ملك ... تأتيك منه فوائد النعم
قال: فانتبه الفتى على كلام ذي النون، فأخبره الخبر فتاب ونزع لباس اللهو، ولبس أثواب السياحة وساح ومات على تلك الحالة رحمه الله تعالى.
واسم ذي النون ثوبان بن ابراهيم، وقيل: الفيض بن ابراهيم. ومن كلامه رحمه الله تعالى: حقيقة المحبة أن تحب ما أحبه الله، وتبغض ما أبغضه الله، وتطلب رضاه وترفض جميع ما يشغلك عنه، وأن لا تخاف فيه لومة لائم، وأن تعزل نفسك عن رؤيتها وتدبيرها. فإن أشد الحجاب رؤية النفس وتدبيرها. وقال ﵀: لا يزال العارف مادام في الدنيا، بين الفخر والفقر، فإذا ذكر الله افتخر، وإذا ذكر نفسه افتقر. وقال: ليس بذي لب من جد في أمر دنياه وتهاون في أمر آخرته، ولا من سفه في مواطن حلمه، ولا من تكبر في مواطن تواضعه، ولا من فقدت منه التقوى في مواطن طمعه، ولا من غضب من حق إن قيل له، ولا من زهد فيما يرغب العقلاء فيه، ولا من رغب فيما يزهد العقلاء فيه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه، ولا من نسى الله تعالى في مواطن طاعته، وذكر الله في مواطن الحاجة إليه، ولا من جمع العلم ليعرف به ثم أثر عليه هواه بعد تعلمه، ولا من قل منه الحياء من الله تعالى، على جميل ستره، ولا من أغفل الشكر على اظهار نعمه، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه، ولا من جعل مروأته لباسه، ولم يجعل أدبه درعه وتقواه لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزينا في مجلسه، ثم قال:
استغفر الله العظيم، إن الكلام كثير وإن لم تقطعه لم ينقطع.
وحكى لي بعض أشياخي عن ذي النون أنه قال لبعض الرهبان: ما معنى المحبة؟ فقال: لا يطيق العبد حمل محبتين: من أحب الله لا يحب الأغيار، ومن أحب الأغيار لا يحب الله خالصا، فتفكر في حالك من أي القبيلين أنت؟ قال: قلت: صف لي المحبة. فقال: المحبة عقل ذاهب، ودمع ساكب، ونوم طريد، وشوق شديد، والحبيب يفعل ما يريد. قال ذو النون: فعمل هذا الكلام معي، فعلمت أنه خرج من المعدن وأن الراهب مسلم. ثم فارقته فبينما أنا أطوف بالكعبة، وإذا بالراهب يطوف وقد نحل، فقال لي: يا أبا الفيض، تم الصلح وانفتح باب المؤانسة، ومن الله علي بالاسلام وحملني ما عجزت عنه السموات والأرض. قال ذو النون: حمل نفسه محبة الله تعالى التي عجزت عنها السموات والأرض، وصم الجبال، وحملها أجلاد الرجال
следующие страницы →