Полный текст (1 095 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقال المقدسي: من رأى عقابا ضربه بمخالبه، ناله شدة في ماله. وأكل لحم العقاب يدل على الحرص، وربما دلت رؤيته، أعني العقاب، على رجل صاحب حرب، لا يأمنه قريب ولا بعيد. وإذا رؤي على سطح أو دار أو بيت فهو ملك الموت. ومن ركب عقابا في منامه، وكان فقيرا نال خيرا، وإن كان غنيا أو من أشراف الناس، فإنه يموت، لأن في الزمان المتقدم، كانوا يصورون صورة الميت من الأغنياء والأمراء، على صورة عقاب. ومن رأى من النساء، كأنها ولدت عقابا، اتصل ولدها بالملك في خدمة أو صراع، والله أعلم.
العقد:
الجمل الصغير القوائم، الطويل السنام، فإذا مشى مع الجمال، قصر عن طولها، وإذا برك معها طالها لطول سنامه، ولذلك يقول ثعلبة:
أرسلت فيها جملا لكالكا ... يقصر مشيا ويطول باركا
العقال:
القلوص الفتية، والعقال زكاة العام من الإبل والغنم. قال الشاعر:
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا ... فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
العقرب:
دويبة من الهوام تكون للذكر والأنثى بلفظ واحدة، واحدة العقارب. وقد يقال للأنثى: عقربة وعقرباء ممدود غير مصروف، ويصغر على عقيرب، كما تصغر زينب على زيينب والذكر عقربان بضم العين والراء، وهو دابة له أرجل طوال وليس ذنبه كذنب العقارب قال «١» الشاعر:
كأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان
أي ينزو عليها. ومكان معقرب بكسر الراء، ذو عقارب، وصدغ معقرب بفتح الراء، أي معطوف. وكنيتها أم عريط وأم ساهرة، واسمها بالفارسية الرشك كما تقدم. ومنها السود والخضر والصفر، وهن قواتل وأشدها بلاء الخضر. وهي مائية الطباع، كثيرة الولد، تشبه السمك والضب. وعامة هذا النوع، إذا حملت الأنثى منه، يكون حتفها في ولادتها، لأن أولادها إذا استوى خلقها، تأكل بطنها وتخرج، فتموت الأم. وأنشدوا قول «٢» الشاعر:
وحاملة لا يحمل الدهر حملها ... تموت وينمى حملها حين تعطب
والجاحظ لا يعجبه هذه القول، ويقول: قد أخبرني من أثق به، أنه رأى العقرب تلد من فيها وتحمل أولادها على ظهرها، وهي على قدر القمل كثيرة العدد. قلت: والذي ذهب إليه الجاحظ هو الصواب. والعقرب أشد ما تكون، إذا كانت حاملا، ولها ثمانية أرجل، وعيناها في ظهرها. ومن عجيب أمرها أنها لا تضرب الميت ولا النائم، حتى يتحرك شيء من بدنه، فإنها عند ذلك تضربه. وهي تأوي إلى الخنافس وتسالمها، وربما لسعت الأفعى فتموت، وهي يلسع بعضها بعضا فتموت، قاله الجاحظ. وفي كتاب القزويني، أن العقرب إذا لسعت الحية فإن أدركتها
стр. 702
وأكلتها برئت، وإلا ماتت. وقد أشار إلى ذلك الفقيه عمارة اليمني في أبياته بقوله «١» :
إذا لم يسالمك الزمان فحارب ... وباعد إذا لم تنتفع بالأقارب
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما ... تموت الأفاعي من سموم العقارب
فقد هدم عرش بلقيس هدهد ... وخرب فأر قبل ذا سدّ مأرب
إذا كان رأس المال عمرك فاحترز ... عليه من الانفاق في غير واجب
فبين اختلاف الليل والصبح معرك ... يكر علينا جيشه بالعجائب
وفي تاريخ ابن خلكان، في ترجمة «٢» الفقيه عمارة بن علي بن زيدان اليمني، أن قاسم بن هاشم، صاحب مكة، وجهه رسولا إلى الديار المصرية، فدخلها في ربيع الأول سنة خمسين وخمسمائة، وصاحبها يومئذ الفائز، والوزير الصالح بن رزيك، فأنشدهما قصيدته الميمية التي أولها:
الحمد للعيس بعد العزم والهمم
وفي آخرها:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها ... عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلا على مفرق الاسلام والأمم
زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى يتعاطى منة الديم
فاستحسنا قصيدته وأجزلا صلته، وعاد إلى مكة، ثم إلى زبيدة ثم أعاده صاحب مكة رسولا إلى مصر أيضا، فاستوطنها وأحسن الصالح وبنوه إليه. فلما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، مدحه ومدح جماعة من أهل بيته، ثم إنه شرع في الاتفاق، مع جماعة من الرؤساء، على إعادة دولة المصريين ووافقهم جماعة من أمراء الملك الناصر، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية ومن سواحل الشام إلى ديار مصر، على شيء يبذلونه لهم، من المال والبلاد، فعلم صلاح الدين بذلك فقبض عليهم وسألهم عن ذلك، فأقروا. فصلبهم في رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وهذا التاريخ مناقض لما تقدم، من أنه كان رسولا لصاحب مكة في سنة خمسين وخمسمائة.
قلت: والصواب أن صلبهم كان في سنة تسع وستين يوم السبت الثاني من شهر رمضان، وكان القبض عليهم في يوم الأحد السادس والعشرين من شعبان من السنة المذكورة. وكان عمارة شافعيا، وينسب إليه بيت قاله، أو وضع عليه والله أعلم بذلك:
قد كان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيّد الأمم
فأفتى فقهاء مصر بقتله، ولم يتعرض السلطان صلاح الدين إلى من نافق عليه من أجناده، ولا أظهر لهم أنه علم بشيء من أمرهم. ومن العجيب أن الفقيه عمارة قال قبل صلبه بأيام قلائل في مصلوب:
стр. 703
ورأت يداه عظيم ما جنتا ... ففررن ذي شرقا وذي غربا
وأمال نحو الصدر منه فما ... ليلوم في أفعاله القلبا
فكأنه كان لسان حاله.
ومن شأنها، أنها إذا لسعت الإنسان، فرت فرار مسيء يخشى العقاب. قال الجاحظ: ومن عجيب أمرها أنها لا تسبح ولا تتحرك، إذا ألقيت في الماء سواء كان الماء ساكنا، أو جاريا، قال:
والعقارب تخرج من بيوتها للجراد، لأنها حريصة على أكله، وطريق صيدها أن تشبك الجرادة في عود، ثم تدخل في جحرها، فإذا عاينتها العقرب تعلقت فيها. ومتى أدخل الكراث في جحرها وأخرج، فإنها تتبعه أيضا. وربما ضربت الحجر والمدر، ومن أحسن ما قيل في ذلك:
رأيت على صخرة عقربا ... وقد جعلت ضربها ديدنا
فقلت لها: إنها صخرة ... وطبعك من طبعها ألينا
فقالت: صدقت ولكنني ... أريد أعرفها من أنا
والعقارب القاتلة تكون في موضعين بشهرزور وبعسكر مكرم، وهي جرارات تلسع فتقتل كما تقدم. وربما تناثر لحم من لسعته أو عفن لحمه واسترخى، حتى إنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يمسك أنفه مخافة أعدائه. ومن لطيف أمرها أنها مع صغرها تقتل الفيل والبعير بلسعها.
ومن نوع العقارب الطيارة، قال القزويني والجاحظ: وهذا النوع يقتل غالبا. قال الرافعي: وحكى العبادي وجها أنه يصح بيع النمل بنصيبين، لأنه يعالج به العقارب الطيارة، التي بها. وسيأتي إن شاء الله تعالى، هذا أيضا في باب النون، في حكم النمل ولعل مراده أن النمل يعمل مع أدوية، ويعالج بها لدغتها.
وبنصيبين عقارب قتالة، يقال إن أصلها من شهرزور، وإن بعض الملوك حاصر نصيبين، فأتى بالعقارب منها وجعلها في كيزان الفقاع، ورمى بها في المجانيق. قال الجاحظ: وكان في دار نصر بن حجاج السلمي «١» عقارب، إذا لسعت قتلت، فدب ضيف لهم، إلى بعض أهل الدار فضربته عقرب في مذاكيره فقال «٢» نصر يعرض به:
وداري إذا نام سكانها ... أقام الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب
فلا تأمنن سرى عقرب ... بليل إذا أذنب المذنب
فدخل حوالي الدار وقال: هذه عقارب تسقى من أسود سالخ، ونظر إلى موضع في الدار، وقال:
احفروا ههنا، فحفروا فوجدوا أسودين: ذكرا وأنثى.
стр. 704
وروى الطبراني وأبو يعلى الموصلي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ وهو يصلي، فقام إلى جنبه فصلى بصلاته، فجاءت عقرب حتى انتهت إلى رسول الله ﷺ ثم تركته، وذهبت نحو علي فضربها بنعله حتى قتلها، فلم ير رسول الله ﷺ بقتلها بأسا. في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف.
وروى ابن ماجه، عن أبي رافع، أن النبي ﷺ «قتل عقربا وهو يصلي» «١» . وفيه أيضا، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة، فقال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غير مصل اقتلوها في الحل والحرم» «٢» .
وروى الحافظ أبو نعيم، في تاريخ أصبهان، والمستغفري في الدعوات، والبيهقي في الشعب، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لدغت النبي ﷺ عقرب، وهو في الصلاة فلما فرغ من صلاته، قال: «لعن الله العقرب ما تدع مصليا ولا غيره، ولا نبيا ولا غيره، إلا لدغته» .
وتناول نعله فقتلها به، ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها، ويقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين.
وفي تاريخ نيسابور، عن الضحاك بن قيس الفهري، قال: قام رسول الله ﷺ من الليل يتهجد، فلدغته عقرب في أصبعه فقال رسول الله ﷺ : «لعن الله العقرب ما تكاد تدع أحدا» «٣» ، ثم دعا بماء في قدح، وقرأ عليه قل هو الله أحد الله الصمد ثلاث مرات، ثم صبه على أصبعه، ثم رؤي ﷺ ، بعد ذلك على المنبر عاصبا أصبعه من لدغة العقرب.
وفي عوارف المعارف، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: «لدغت رسول الله ﷺ عقرب في إبهامه، من رجله اليسرى فقال: «علي بذاك الأبيض الذي يكون في العجين» ، فجئنا بملح فوضعه ﷺ في كفه، ثم لعق منه ثلاث لعقاب، ثم وضع بقيته على اللدغة فسكنت عنه.
وروى ابن أبي شيبة، عن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ خطب الناس، وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب فقال: «إنكم تقولون لا عدوى، ولا تزالون تقاتلون عدوا حتى تقاتلوا يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون وكأن وجوههم المجان المطرقة» «٤» .
غريبة
: في تاريخ شيخنا اليافعي رحمه الله تعالى، في حوادث سنة تسع وخمسمائة ذكر أن بعض الملوك قال له منجموه: إنه يموت في الساعة الفلانية في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني من سنة كذا من عقرب تلدغه، فلما كانت الساعة المذكورة تجرد من جميع ثيابه سوى ما يستر عورته، وركب فرسا بعد أن غلسه ونظفه وسرح شعره، ودخل به البحر حذارا مما ذكر له منجموه، فبينما هو كذلك عطست الفرس فخرج من أنفه عقرب فلدغته، فمات. فما أغناه الحذر عن القدر.
وعن معروف الكرخي قال: بلغنا أن ذا النون المصري، خرج ذات يوم يريد غسل ثيابه، فإذا هو بعقرب قد أقبل عليه، كأعظم ما يكون من الأشياء، قال: ففزع منها فزعا شديدا،
стр. 705
واستعاذ بالله منها فكفي شرها. فأقبلت حتى وافت النيل، فإذا هي بضفدع قد خرج من الماء فاحتملها على ظهره، وعبر بها إلى الجانب الآخر.
فقال ذو النون: فاتزرت بمئزري ونزلت في الماء، ولم أزل أرقبها إلى أن أتت إلى الجانب الآخر، فصعدت ثم سعت وأنا أتبعها إلى أن أتت شجرة كثيرة الأغصان، كثيرة الظل، وإذا بغلام أمرد أبيض نائم تحتها، وهو مخمور، فقلت: لا قوة إلا بالله، أتت العقرب من ذلك الجانب للدغ هذا الفتى، فإذا أنا بتنين قد أقبل يريد قتل الفتى، فظفرت العقرب به ولزمت دماغه، حتى قتلته ورجعت إلى الماء. وعبرت على ظهر الضفدع إلى الجانب الآخر فأنشد ذو النون يقول:
يا راقدا والجليل يحفظه ... من كل سوء يكون في الظّلم
كيف تنام العيون عن ملك ... تأتيك منه فوائد النعم
قال: فانتبه الفتى على كلام ذي النون، فأخبره الخبر فتاب ونزع لباس اللهو، ولبس أثواب السياحة وساح ومات على تلك الحالة رحمه الله تعالى.
واسم ذي النون ثوبان بن ابراهيم، وقيل: الفيض بن ابراهيم. ومن كلامه رحمه الله تعالى: حقيقة المحبة أن تحب ما أحبه الله، وتبغض ما أبغضه الله، وتطلب رضاه وترفض جميع ما يشغلك عنه، وأن لا تخاف فيه لومة لائم، وأن تعزل نفسك عن رؤيتها وتدبيرها. فإن أشد الحجاب رؤية النفس وتدبيرها. وقال ﵀: لا يزال العارف مادام في الدنيا، بين الفخر والفقر، فإذا ذكر الله افتخر، وإذا ذكر نفسه افتقر. وقال: ليس بذي لب من جد في أمر دنياه وتهاون في أمر آخرته، ولا من سفه في مواطن حلمه، ولا من تكبر في مواطن تواضعه، ولا من فقدت منه التقوى في مواطن طمعه، ولا من غضب من حق إن قيل له، ولا من زهد فيما يرغب العقلاء فيه، ولا من رغب فيما يزهد العقلاء فيه، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه، ولا من نسى الله تعالى في مواطن طاعته، وذكر الله في مواطن الحاجة إليه، ولا من جمع العلم ليعرف به ثم أثر عليه هواه بعد تعلمه، ولا من قل منه الحياء من الله تعالى، على جميل ستره، ولا من أغفل الشكر على اظهار نعمه، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه، ولا من جعل مروأته لباسه، ولم يجعل أدبه درعه وتقواه لباسه، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزينا في مجلسه، ثم قال:
استغفر الله العظيم، إن الكلام كثير وإن لم تقطعه لم ينقطع.
وحكى لي بعض أشياخي عن ذي النون أنه قال لبعض الرهبان: ما معنى المحبة؟ فقال: لا يطيق العبد حمل محبتين: من أحب الله لا يحب الأغيار، ومن أحب الأغيار لا يحب الله خالصا، فتفكر في حالك من أي القبيلين أنت؟ قال: قلت: صف لي المحبة. فقال: المحبة عقل ذاهب، ودمع ساكب، ونوم طريد، وشوق شديد، والحبيب يفعل ما يريد. قال ذو النون: فعمل هذا الكلام معي، فعلمت أنه خرج من المعدن وأن الراهب مسلم. ثم فارقته فبينما أنا أطوف بالكعبة، وإذا بالراهب يطوف وقد نحل، فقال لي: يا أبا الفيض، تم الصلح وانفتح باب المؤانسة، ومن الله علي بالاسلام وحملني ما عجزت عنه السموات والأرض. قال ذو النون: حمل نفسه محبة الله تعالى التي عجزت عنها السموات والأرض، وصم الجبال، وحملها أجلاد الرجال
стр. 706
بلطائف الأحوال. وأنشد يقول:
حبّك يا سؤلي ويا منيتي ... قد أنحل الجسم وقد كدّه
لو أنّ ما في القلب من حبّكم ... بالجندل الصّلد لقد هدّه
ثم قال ذو النون: لا أحياء ولا أموات، ولا صحاة ولا سكرى، ولا مقيمون ولا ظاعنون، ولا مفيقون ولا صرعى، ولا أصحاء ولا مرضى، ولا منتبهون ولا نيام، فهم كأصحاب الكهف، في فجوة الكهف لا يدرون ما يفعل بهم، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال. قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي: ذو النون رحمه الله تعالى، أصله من النوبة وكان من أهل اخميم، فنزل مصر وسكنها، ويقال اسمه الفيض وذو النون لقب.
وقال الإمام أبو القاسم القشيري، في رسالته: كان ذو النون قد فاق أهل هذا الشأن، وصار واحد وقته علما وورعا وأدبا وحالا، وكانت وفاته بالجيزة لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة ست وأربعين ومائتين. قال ابن خلكان: ودفن بالقرافة الصغرى.
وأما معروف فهو ابن قيس الكرخي، كان مشهورا بإجابة الدعوة، وأهل بغداد يستسقون بقبره، ويقولون: قبر معروف ترياق مجرب. وكان سري السقطي تلميذه، وقيل لمعروف في مرض موته: أوص، فقال: إذا مت، فتصدقوا بقميصي فإني أريد أن أخرج من الدنيا عريانا كما دخلتها عريانا. ومر معروف رحمه الله تعالى يوما بسقاء، وهو يقول: يرحم الله من يشرب، وكان صائما فتقدم وشرب، فقيل له: ألم تكن صائما؟ قال: بلى. ولكن رجوت دعاءه. توفي رحمه الله تعالى سنة ثلاثمائة.
وقال الزمخشري، في ربيع الأبرار: زعموا أن أرض حمص لا تعيش فيها العقارب، وزعم أهلها أن ذلك لطلسم هناك، قالوا: وإن طرحت فيها عقرب غريبة، ماتت من ساعتها. وحمص مدينة معروفة من مشارق الشأم، لا تنصرف للعلمية والعجمة والتأنيث، وهي من المدن الفاضلة. وفي حديث ضعيف أنها من مدن الجنة. وكانت في أول الأمر أشهر بالفضل من دمشق.
وذكر الثعلبي أنه نزلها سبعمائة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
فائدة
: رقية العقرب جائزة، لما روى «١» مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، قال: لدغت رجلا عقرب ونحن جلوس مع رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله ارقيه؟
قال ﷺ : «من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل» . وفي رواية «٢» فجاء آل عمر بن حزم إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله، كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، فقال ﷺ : «اعرضوا علي رقاكم» ، فعرضوها عليه، فقال ﷺ : «ما أرى بها بأسا، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» . وفي رواية: «اعرضوا علي رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شيء» . فالرقى جائزة بكتاب الله أو بذكره، ومنهي عنها إذا كانت بالفارسية أو بالعجمية، أو بما لا
стр. 707
يدري معناه، لجواز أن يكون فيه كفر. واختلفوا في رقية أهل الكتاب، فجوزها أبو حنيفة، وكرهها مالك خوفا أن تكون مما بدلوا.
فمن الرقى النافعة المجربة، أن يسأل الراقي الملدوغ إلى أين انتهى الوجع من العضو؟ ثم يضع على أعلاه حديدة، ويقرأ العزيمة ويكررها، وهو يجرد موضع الألم بالحديدة من فوق حتى ينتهي في جرد السم إلى أسفل الوجع، فإذا اجتمع في أسفله، جعل يمص ذلك الموضع حتى يذهب جميع الألم، ولا اعتبار بفتور العضو بعد ذلك. وهي هذه: سلام على نوح في العالمين، وعلى محمد في المرسلين، من حاملات السم أجمعين، لا دابة بين السماء والأرض إلا ربي آخذ بناصيتها أجمعين، كذلك يجزي عباده المحسنين، إن ربي على صراط مستقيم، نوح نوح قال لكم نوح: من ذكرني لا تأكلوه، إن ربي بكل شيء عليم. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ورأيت بخط ابن الصلاح، في رحلته رقية للعقرب، قال: ذكر أن الإنسان يرقى بها فلا تلدغه عقرب، وإن أخذها بيده لا تلدغه، وإن لدغته لا تضره. وهي بسم الله وبالله وبسم جبريل وميكائيل كازم كازم ويزازم فتيز إلى مرن إلى مرن يشتامر ايشتامر اهوذا هوذا هى لمظا أنا الراقي والله الشافي.
صفة خاتم
: نافع للسع العقرب، ولإفاقة المجنون وللرعاف، ولوجع العين، إذا كان من ريح باردة، ينقش على خاتم بلور أحمر هذه الأسماء: خطلسلسه كطوده دل صحوه أوسططا أبى ممه بيدهى سفاهه. فللعقرب يغمس في ماء نظيف، ويجعل في موضع اللسع، وللمجنون يديم النظر إلى الخاتم فإنه يفيق بإذن الله تعالى، وللرعاف يكتب على الجبهة، وللحمى يكتب على ورق الزيتون ويعلق، وللريح يجعل الخاتم في موضع الريح ويمسحه.
ومما يكتب للحمى أيضا على ثلاث ورقات ويبخر بها المحموم:
اا اط لا اا اط ط اا الح لوم الأولى الثانية الثالثة كو كو كو وللحمى أيضا يكتب على ثلاث ورقات، ويأكل كل يوم ورقة إذا حم. الأولى بسم الله نارت واستنارت، الثانية بسم الله في علم الغيب غارت، الثالثة بسم الله حول العرش دارت.
ومما يكتب للرعاف أيضا، للنزيف لوطا لوطا لوطا يكتب ثلاثة أسطر. وذكر صاحب عين الخواص: تكتب هذه الأسماء في ورقة، أو على طاسة اسبادرية صحيحة غير مشعوبة، أو قصعة جوز بلا شعب، ويكتب اسم أبيه وأمه، ويسقى للموعوك، وإن سقيت للملسوع أفاق لوقته وهي هذه: «سارا سارا إلى سارا مالى يرن يرن إلى بامال واصال باطوطو كالعوماراساب يا فارس ارددباب ها كانا ما أبين لها نارا أناركاس متمرنا كاطن صلوبير ص صاروب اناوين ودى» . هذا لمسلوع الحية. قال: وهو مما جرب، فوجد نافعا وقد تقدم، في باب الحاء المهملة، في الحية ما
стр. 708
يقرب من هذا. وقال بعض العلماء المتقدمين: من قال في أول الليل وأول النهار، عقدت زبان العقرب ولسان الحية ويد السارق، بقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله أمن من الحية والعقرب والسارق.
وروى مالك والجماعة، إلا البخاري، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لقيت من عقرب لدغتني البارحة؟ فقال «١» ﷺ : «أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله تعالى» . وفي كامل ابن عدي، في ترجمة وهب بن راشد الرقي، أن الرجل المذكور بلال. وفي رواية «٢» للترمذي: «من قال حين يمسي، ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضره حمة تلك الليلة» . قال سهيل: فكان أهلنا يقولونها كل ليلة، فلدغت جارية منهم فلم تجد لها وجعا. وقال: هذا حديث حسن.
كلمات الله القرآن. ومعنى تمامها أن لا يدخلها نقص ولا عيب، كما يدخل كلام الناس.
وقيل: هي النافعات الكافيات عن كل ما يتعوذ به. قال البيهقي: وإنما سماها تامة لأنه لا يجوز أن يكون في كلامه تعالى نقص أو عيب كما يكون في كلام الآدميين. قال: وبلغني عن الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يستدل بذلك على أن القرآن غير مخلوق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الهامة.
وذكر أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن من قال حين يمسي سلام على نوح في العالمين، لم تلدغه عقرب. وقال عمرو بن دينار: إن مما أخذ على العقرب، أن لا تضر أحدا قال في ليل أو نهار: سلام على نوح في العالمين.
وفي التمهيد، لابن عبد البر في ترجمة يحيى بن سعيد الأنصاري، في بلاغاته في الثاني عشر، قال ابن وهب وأخبرني ابن سمعان قال: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إذا لدغ الإنسان، فنهشته حية أو لدغته عقرب، فليقرأ الملدوغ هذه الآية «٣» : نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري، في تفسيره في بعض التفاسير: إن الحية والعقرب، أتتا نوحا ﵊، فقالتا: احملنا، فقال نوح: لا أحملكما فإنكما سبب للبلاء والضرر، فقالتا: احملنا ونحن نعاهدك ونضمن لك أن لا نضر أحدا ذكرك، فعاهدهما وحملهما. فمن قرأ ممن كان يخاف مضرتهما حين يمسي وحين يصبح: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
«٤» ما ضرتاه.
ثم روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن نوحا ﵊ اتخذ السفينة في سنتين. وكان طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين ذراعا، وسمكها ثلاثين ذراعا، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون: في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن
стр. 709
الثاني، وهو الأوسط، الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما احتاج إليه من الزاد.
وروينا عن الشيخ الإمام الحافظ فخر الدين عثمان بن محمد بن عثمان التوريزي، نزيل مكة المشرفة، أنه قال: كنت أقرأ بمكة الفرائض، على الشيخ تقي الدين الحوراني، فبينما نحن جلوس، وإذا بعقرب تمشي، فأخذها الشيخ بيده، وجعل يقلبها في يده، فوضعت الكتاب من يدي، فقال: اقرأ، فقلت: حتى أتعلم هذه ال فائدة ، فقال: هي عندك، قلت: ما هي؟ قال:
ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «١» : «من قال حين يصبح وحين يمسي: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، لم يضره شيء وقد قلتها أول النهار» . ومما يدفع شر الحية والعقرب، أن يقرأ عند النوم ثلاث مرات: أعوذ بربّ أوصافه سمية من كل عقرب وحية، سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.
فائدة
: يقال: لدغته العقرب تلدغه لدغا وتلداغا فهو ملدوغ ولديغ.
قال أبو داود الطيالسي، في قوله «٢» ﷺ «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» : معناه أن المؤمن لا يعاقب على ذنبه في الدنيا، ثم يعاقب عليه في الآخرة. والذي قال فيه النبي ﷺ ذلك، هو أبو عزة الجمحي الشاعر، واسمه عمر ووقع في الأسر يوم بدر، ولم يكن معه مال، فقال: يا رسول الله إني ذو عيلة، فأطلقه لبناته الخمس، على أن لا يرجع للقتال. فرجع إلى مكة ومسح عارضيه، وقال: خدعت محمدا مرتين، ثم عاد عام أحد مع المشركين. فقال رسول الله ﷺ :
«اللهم لا تفلته» . فلم يقع في الأسر غيره، فقال: يا محمد إني ذو عيلة فأطلقني. فقال ﷺ : «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» . وأمر بقتله. والحديث المذكور رواه الشافعي ومسلم وابن ماجه.
وقوله لا يلدغ يروى بضمن الغين على الخبر، يعني أن المؤمن حازم لا يخدع مرة بعد مرة، ولا يفطن لذلك. وقيل: أراد به الخداع في أمر الآخرة دون أمر الدنيا. ويروى بكسر الغين نهيا، أي لا يؤتى من جهة الغفلة، وهذا يصح أن يتوجه إلى أمر الدنيا والآخرة أيضا.
ويؤيد ما قاله أبو داود الطيالسي، ما رواه النسائي، في مسند علي، عن أبي سخيلة أنه سمع عليا رضي الله تعالى عنه يقول: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله تعالى؟ قالوا: بلى. قال: قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
«٣» . قال لي رسول الله ﷺ : يا علي ما أصابك من بلاء، أو عقوبة، أو مرض في الدنيا، فبما كسبت يداك.
والله أكرم من أن يثني على عبده في الآخرة العقوبة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أكرم وأحلم من أن يعود بالعقوبة بعد عفوه انتهى. ولذلك قال الواحدي: إن هذه الآية أرجى آية في القرآن،
стр. 710
لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين: صنف كفره بالمصائب، وصنف عفا عنه، وهو جل وعلا كريم لا يعود في عفوه.
فائدة أخرى
: يقال: لسعته العقرب والحية تلسعه لسعا فهو ملسوع وما أحسن قول الأول:
قالوا: حبيبك مسلوع، فقلت لهم: ... من عقرب الصّدغ أم من حيّة الشعر
قالوا: بلى من أفاعي الأرض، قلت لهم: ... وكيف تسعى أفاعي الأرض للقمر
ويقال في الحية: عضت تعض، ونهشت تنهش، ونشطت تنشط، ونكزت بأنفها تنكز. وأنشدني شيخنا الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الاسنوى قال: أنشدنا شيخنا الشيخ أثير الدين أبو حيان قال: أنشدنا الحافظ رضي الدين أبو عبد الله الشاطبي قال: أنشدنا أبو الربيع سليمان بن سالم الناقد قال: أنشدنا أبو عبد الله بن رافع القيسي قال: أنشدنا أبو القاسم بن حبيش قال: أنشدنا أبو عبد الله محمد بن الفراء الضرير الخطيب بقصبة المرية لنفسه:
يا حسنا مالك لم تحسن ... إلى نفوس في الهوى متعبه
رقمت بالورد وبالسوسن ... صفحة خدّ بالسنا مذهبه
وقد أبى صدغك إن أجتنى ... منه وقد ألدغني عقربه
يا حسنه إذ قال: ما أحسني ... ويا لذاك اللفظ ما أعذبه
قلت له: كلك عندي سنا ... وكلّ ألفاظك مستعذبه
ففوق السهم ولم يخطني ... ومذ رآني ميتا أعجبه
وقال كم عاش وكم حبني ... وحبه إياي قد أتعبه
يرحمه الله على أنني ... قتلي له لم أدر ما أوجبه
قال الحريري في درة الغواص: السوسن بفتح السين، وقد أذكرني السوسن أبياتا أنشدنيها علي بن عبد العزيز الأديب المغربي، لأبي بكر بن القوطية الأندلسي، يصف فيها الورد والسوسن، مما أبدع فيه وأحسن فأوردتها على وجه التسديد لسمط هذا الفصل، والتأسي بمن درج من أهل الفضل وهي:
قم فاسقنيها على الورد الذي نعما ... وباكر السوسن الغضّ الذي نجما
كأنما ارتضعا خلفي سماءهما ... فأرضعت لبنا هذا وذاك دما
جسمان قد كفّر الكافور ذاك وقد ... عقّ العقيق احمرارا ذا وما ظلما «١»
كان ذا طلية نصّت لمعترض ... وذاك خدّ غداة البين قد لطما
أولا فذاك أنابيب اللجين وذا ... جمر الغضى حركته الريح فاضطر ما «٢»
وقالت العرب: قد كنت أظن أن العقرب أشد لسعا من الزنبور، فإذا هو هي. وقالوا
стр. 711
أيضا: فإذا هو إياها، وهذا الوجه هو الذي أنكره سيبويه، لما سأله الكسائي، بحضرة يحيى بن خالد البرمكي، فقال له الكسائي: إن العرب ترفع كل ذلك وتنصبه، فقال له يحيى: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فقال له الكسائي: هذه العرب ببابك قد سمع منهم أهل البلدين، فيحضرون ويسألون، فأحضروا وسئلوا فوافقوا الكسائي. فأمر يحيى لسيبويه بعشرة آلاف درهم. ورحل سيبويه من فوره إلى بلاد فارس فأقام بها حتى مات في سنة ثمانين ومائة، وله من العمر ثلاث وثلاثون سنة، وقيل اثنتان وثلاثون سنة.
ويقال: إن العرب علموا منزلة الكسائي عند الرشيد، فقالوا: القول قول الكسائي، ولم ينطقوا بالنصب وإن سيبويه قال ليحيى: مرهم أن ينطقوا بذلك، فإن ألسنتهم لا تطاوعهم على النطق به. وقد أشار إلى ذلك حازم في منظومته بقوله:
والعرب قد تحذف الأخبار بعد إذا ... إذا عنت فجأة الأمر الذي دهما
وربما نصبوا بالحال بعد إذا ... وربّما رفعوا من بعدها ربما
فإن توالى ضميران اكتسى بهما ... وجه الحقيقة من أشكاله عمما
لذلك أعيت على الأفهام مسألة ... أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما
قد كانت العقرب العرجاء أحسبها ... قدما أشدّ من الزنبور وقع حما
وفي الجواب عليها هل إذا هو هي ... أو هل إذا هو إياها قد اختصما
فخطأ ابن زياد وابن حمزة في ... ما قال فيها أبا بشر وقد ظلما
وغاظ عمرا علي في حكومته ... يا ليته لم يكن في أمره حكما
كغيظ عمرو عليا في حكومته ... يا ليته لم يكن في أمره حكما «١»
وفجع ابن زياد كل منتخب ... من أهله إذا غدا منه يفيض دما
وأصبحت بعده الأنفاس باكية ... في كلّ طرس كدمع سحّ وانسجما
وليس يخلو امرؤ من حاسد أضم ... لولا التنافس في الدنيا لما أضما
والغبن في العلم أشجى محنة علمت ... وأترح الناس شجوا عالم هضما
الحكم
: يحرم أكل العقرب وبيعها، وتقتل في الحل والحرم، وإذا ماتت في مائع نجسته على المشهور. وقيل: لا تنجسه كالوزغة. ونقل الخطابي عن يحيى بن أبي كثير، أن العقرب إذا ماتت في الماء نجسته، ثم قال: وعامة أهل العلم على خلافه.
الأمثال
: قال الشاعر:
ومن لم يكن عقربا يتقى ... مشت بين أثوابه العقرب
وقالوا: «في النصح لسع العقارب» «٢» وقالوا: «أعدى من العقرب» «٣» ، وهو من العداوة.
стр. 712
وقالوا: «العقرب تلدغ وتصي» يضرب للظالم في صفة المتظلم. وقالوا: «تحككت العقرب بالأفعى» يضرب لمن ينازع أو يخاصم من هو أكثر منه شرا. يقال: تحكك به، إذا تعرض لشره، وقولهم: «أتجر من عقرب» »
و «أمطل من عقرب» «٢» . هو اسم تاجر كان بالمدينة، وكان من أكثر الناس تجارة، وأشدهم تسويفا، حتى ضربوا بمطله المثل. فاتفق أن الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب، وكان من أشد الناس اقتضاء، عامله، فقال الناس: ننظر الآن ما يصنعان، فلما جاء المال لزم الفضل باب عقرب، وشد حماره ببابه، وقعد يقرأ القرآن، فأقام عقرب على المطل غير مكترث به، فعدل الفضل عن ملازمة بابه إلى هجاء عرضه، فمما سار عنه قوله فيه:
كلّ عدو كيده في استه ... فغيره ليس الأذى ضائره
قد تجرت في سوقنا عقرب ... لا مرحبا بالعقرب التاجره
كلّ عدوّ يتقى مقبلا ... وعقرب يخشى من الدابره
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره
وقد أذكرني قوله: إن عادت العقرب عدنا لها البيت، ما حكاه الشيخ كما الدين الأدفوي «٣» ، في كتابه «الطالع السعيد» أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد «٤» ، كان في صباه يلعب الشطرنج مع زوج أخته الشيخ تقي الدين بن الشيخ ضياء الدين، فأذن بالعشاء فقاما فصليا، ثم قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: أما تعود؟ فقال صهره:
إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره
فأنف الشيخ تقي الدين من ذلك فلم يعد يلعبها إلى أن مات.
فائدة
: قال ابن خلكان، في ترجمة أبي بكر الصولي «٥» الكاتب المشهور، أنه كان أوحد أهل زمانه في لعب الشطرنج، والناس إلى الآن، يضربون المثل به في ذلك. وزعم كثير من الناس أنه الذي وضع الشطرنج، وهو غلط، وواضعه رجل يقال له صصّة، بصادين مهملتين، الأولى مكسورة والثانية مفتوحة مشددة وضعه لملك الهند شهرام بكسر الشين المعجمة، وكان أردشير بن بابك، أول ملوك الفرس المؤرخة به، قد وضع النرد، ولذلك قيل له النردشير، نسبوه إلى واضعه المذكور، وجعله مثالا للدنيا وأهلها. فجعل الرقعة اثني عشر بيتا بعدد شهور السنة، وجعل القطع ثلاثين قطعة بعدد أيام الشهر، وجعل الفصوص مثل القضاء والقدر وتقلبه في الدنيا،
стр. 713
فافتخرت الفرس بوضع النرد، فوضع صصّة الهندي الحكيم الشطرنج، لملك الهند، فقضت حكماء ذلك العصر بترجيح الشطرنج على النرد. وأردشير بالراء المهملة، وقيل بالزاي، هو الذي أباد ملوك الطوائف، ومهد لنفسه الملك. وهو جد ملوك الفرس الذين أخرجهم يذدجرد بكسر الجيم. وانقرض ملكهم في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة انتهى.
والصواب أن الملك الذي وضع له الشطرنح بلهيت، كما قاله شيخنا اليافعي «١» وغيره، وأنه لما قدمه للملك وأراه طريقة اللعب به، أعجب الملك إعجابا عظيما، وقال له: تمن علي فقال: أتمنى عليك أيها الملك أن يوضع درهم في أول بيوت الرقعة، ويضاعف إلى آخرها، فقال له الملك: ما هذا القدر أفسدت علينا ما صنعت! فقال الوزير: مهلا أيها الملك، فإن خزائنك وخزائن ملوك أهل الأرض تنفددون ذلك! وقد أغفل ابن خلكان من وصف النرد أشياء منها: أن الاثني عشر بيتا التي في الرقعة مقسومة أربعة، على عدد فصول السنة، ومنها أن الثلاثين قطعة بيض وسود كالأيام والليالي. ومنها أن الفصوص مسدسة، إشارة إلى أن الجهات ست لا سابع لها. ومنها أن ما فوق الفصوص وتحتها كيفما وقعت سبع نقط عدد الأفلاك، وعدد الأرضين، وعدد السموات، وعدد الكواكب السيارة. ومنها أنه جعل تصرف اللاعب في تلك الأعداد لاختياره وحسن التدبير بعقله. كما يرزق العاقل شيئا قليلا فيحسن التدبير فيه، ويرزق المفرط شيئا كثيرا فلا يحسن التصرف فيه، فالنرد جامع لحكم القضاء والقدر وحسن التصرف لاختيار لاعبه، والشطرنج مفوض لاختيار اللاعب وعقله وتصرفه، والجيد أو الرديء. وتفضيل الشطرنج على النرد فيه نظر.
والسطرنج بكسر السين المهملة على وزن جردحل، وهو الضخم من الإبل وقد جوز في الشطرنج أن يقال بالشين المعجمة، لجواز اشتقاقه من المشاطرة وأن يقال بالسين المهملة لجواز أن اشتق من التسطير، عند التعبية قاله في درة الغواص. ومما قيل في الشطرنج:
وخيل قد رأيت إزاء خيل ... يساق بها كأكياس الرياح
بميمنة وميسرة وقلب ... كتعبية الكتائب للبطاح
إذا ما قتلوا نشروا وعادوا ... صحاحا لم يصابوا بالجراح
بغير عداوة كانت قديما ... ولكن للتلذذ والمزاح
إشارة
: لعب الشطرنج مكروه كراهة تنزيه، وقيل: حرام، وقيل: مباح، والأول أصح.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد: إنه حرام. ووافقهم من أصحابنا الحليمي والروياني. وروى البيهقي أن محمد بن سيرين، وهشام بن عروة بن الزبير، وبهز بن حكيم، والشعبي وسعيد بن جبير، كانوا يلعبون بالشطرنج، وقال الشافعي: كان سعيد بن جبير يلعب بالسطرنج استدبارا من وراء ظهره. وروى الصعلوكي تجويزه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه،
стр. 714
وأبي اليسر وأبي هريرة والحسن البصري والقاسم بن محمد وأبي قلابة وأبي مجلز وعطاء والزهري وربيعة بن عبد الرحمن وأبي الزناد رحمهم الله تعالى. والمروي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من اللعب به، مشهور في كتب الفقه.
وروى الصولي في جزء، قد جمعه في الشطرنج، أن أبا هريرة وعلي بن الحسين زين العابدين وسعيد بن المسيب ومحمد بن المنكدر والأعمش وناجية وعكرمة وأبا اسحاق السبيعي، وابراهيم بن سعد وابراهيم بن طلحة بن عبد الله بن معمر، كانوا يلعبون بالشطرنج. وقد ذكرت الأسانيد عن هؤلاء، وتكلمت على أدلة المخالفين، بكلام يشفي النفس، ويذهب اللبس، في جزء أفردته في الشطرنج والنرد، نحو عشرين كراسة، فاعلم ذلك والله تعالى أعلم.
قال أصحابنا: ولأن الشطرنج فيها تدبير الحروب، فأشبهت اللعب بالحراب ولم يثبت عن النبي ﷺ نهي صحيح عن اللعب به، وأقوى ما يحتج به القائلون بالتحريم، ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن الشطرنج، فقال: هي شر من النرد. قالوا: والنرد حرام. فيكون الشطرنج كذلك. قال الإمام تاج الدين السبكي، في الجواب عن هذا الأثر: إنا لا نعلم مذهب ابن عمر في النرد، ولعله كان يقول بحله. وهو وجه لأصحابنا ولا يلزم حينئذ من كون الشطرنج شرا من الحلال، باعتبار ما أن يكون حراما. وأيضا فإن المسألة مسألة اجتهادية. ولعل ابن عمر كان يذهب إلى التحريم، ورأي الشافعي معروف.
وعلى قول من قال: إن قول الصحابي حجة يشترط فيه أن لا يعارضه قول صحابي آخر، وهذا قد عارضه قول جماعة من الصحابة بالجواز، وأيضا هذا الأثر لم يقل بظاهره أحد من العلماء، وذلك أن ظاهره أن الشطرنج شر من النرد، سواء اشتمل على عوض أم لا، وبعض العلماء قال: إن الشطرنج شر من النرد، لكن شرط فيه أن يكون مشتملا على عوض، وأما إذا لم يكن مشتملا على عوض، فلم نعلم أن أحدا من العلماء قال إنه في هذه الحالة شر من النرد. وإذا كان الأثر مردود الظاهر بالاجماع، سقط الاحتجاج به انتهى.
وروى الآجري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مررتم بهؤلاء الذين يلعبون بالأزلام الشطرنج والنرد فلا تسملوا عليهم» . هذا حديث ضعيف، لأن في سنده سليمان اليماني، وقد قال ابن معين فيه: ليس بشيء. وقال البخاري: منكر الحديث، فلا تحل الرواية عنه. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: هو منكر الحديث، لا أعلم له حديثا صحيحا انتهى. فأما إذا انضم إليه اشتغال عن صلاة أو غيرها، فالتحريم إذ ذاك ليس للشطرنج نفسه، وهو مكروه إذا لم يواظب عليه، فإن واظب عليه فإنه يصير صغيرة، كما ذكره الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء. لكن ذكر ابن الصباغ، في الشامل خلافه. وأما النرد فحرام على الأصح، لقوله «١» ﷺ : «من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله» . ولقوله «٢» ﷺ : «مثل الذي يلعب النرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي» . ومن محاسن
стр. 715
شعر الإمام العلامة حجة الإسلام أبي حامد الغزالي «١» رحمه الله تعالى في التشبيه:
حلت عقارب صدغه من خدّه ... قمرا يجلّ به عن التشبيه
ولقد عهدناه يحلّ ببرجها ... ومن العجائب كيف حلت فيه
وقد تقدم ذكر وفاته، وطرف من أخباره في باب الحاء المهملة في الحمام. وقد أجاد أبو المحاسن «٢» يوسف بن الشواء في وصف غلام أرسل أحد صدغيه وعقد الآخر فقال:
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا بهما واصفه
فخلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربا واقفه
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفه
ومن محاسن شعره ﵀ أيضا:
قالوا: حبيبك قد تضوع نشره ... حتى غدا منه الفضاء معطرا
فأجبتهم والخال يعلو خدّه ... أو ما ترى النيران تحرق عنبرا
الخواص
: قال صاحب عين الخواص: العقرب إذا رأت الوزغة ماتت ويبست من ساعتها. وقيل: إن العقرب إذا أحرقت ودخن بها البيت، هربت العقارب منه، وإذا طبخت بزيت ووضع على لدغ العقارب سكن الوجع، ورماد العقارب يفتت الحصى. وإن أخذت عقرب وقد بقي من الشهر ثلاثة أيام، وجعلت في إناء، وصب عليها رطل زيت، وسد رأس الإناء، وترك حتى يأخذ الزيت قوتها، ثم ادهن به من به وجع الظهر والفخذين، فإنه ينفعه ويقويه. وإن شرب بزر الخس بشراب أمن شاربه من لسع العقارب، وإن طرحت قطعة من فجل، على قدر لم يدب عليها عقرب إلا ماتت من وقتها. وإذا ديف ورق الخس بدهن، وطلي به على لسعة العقرب أبرأها، وإن طبخت العقرب بسمن البقر، وطلي به موضع لسعتها سكنها من وقته.
وقال ابن السويدي: إذا وضعت العقرب في إناء فخار، وسد رأسه، ثم وضع في تنور إلى أن تصير رمادا وسقي من ذلك الرماد من به الحصى نفعه وفتتها. وإذا بخر البيت بعقرب اجتمعت فيه العقارب، كذا قال أرسطو، وقال غيره: تهرب منه العقارب. وإذا غرزت شوكة العقرب في ثوب إنسان، لم يزل سقيما حتى تزول منه. وإن دقت العقارب وألصقت على لسعتها أبرأتها. وإن وقعت في ماء وشرب منه إنسان وهو لا يعلم، امتلأ جسده قروحا. وإن بخر البيت بزرنيخ أحمر وشحم البقر هربت منه العقارب.
стр. 716
وقال القزويني والرافعي: من شرب مثقالين من حب الأترج، بعد دقه ناعما، أبرأ ذلك من لسعة العقرب والحية وغيرهما من ذوات السموم، وهو عجيب مجرب. وفي عجائب المخلوقات، أنه إذا علق شيء من عروق شجرة الزيتون، على من لسعته العقرب برىء من وقته، وشجر الرمان إذا بخر بحطبه طردها، وشحم الماعز والسمن البقري والزرنيخ الأصفر، وحافر الحمار، والكبريت، ورش البيت بالماء المنقوع فيه الحلتيت، ووضع قشور الفجل في البيت، كل ذلك يطردها وهو عجيب أيضا مجرب. ذكر ذلك في المنتخب، وفي الموجز الفجل المشدوخ وعصارته، إذا أمسكت وورقه والباذروج يطردها، وإن وضع الفجل المقطوع على جحرها لم تجرأ على الخروج، وفيها أن تفل الصائم يقتل الحيات والعقارب.
وفي المنتخب أن تفل الحار المزاج، يفعل مثل ذلك، ورؤية السها تؤمن من لسعة العقرب والسارق، وقد ذكر ذلك الرئيس أبو علي بن سينا في أرجوزته. وقيل: إنها لابن شيخ حطين، وهي تشتمل على خواص مجربة وأسرار من علم الطب فلنأت بها بكمالها لتتم الفائدة وهي هذه:
بدأت بسم الله في نظم حسن ... أذكر ما جربت في طول الزمن
ما هو بالطبع وبالخواص ... لكلّ عامّ ولكلّ خاص
في شوكة العقرب نجم توأم ... تراه عين من يراه يعلم
إذا تراآه امرآن اصطحبا ... واتفقا وذا وذا تحابيا
لا سيّما إن قيل ذا محبب ... بعض لبعض كوكبان كوكب
وتوأم نجمان في سعد بلع ... رؤيته لكلّ ودّ قد جمع
ومثله أيضا لسعد الذابح ... رؤيته لكلّ ود صالح
تخبر من شئت به فيعجب ... ثم يقول كوكبان كوكب
فينشأ الود بإذن الله ... بينهما فلا تكن باللاهي
كف الخضيب فرقة إلى الأبد ... لكائن من كان من كلّ أحد
ينظره الإنسان أو جماعه ... يفترقوا إلى قيام الساعه
نجم السّها مأمنة من سارق ... ومن سموم عقرب وطارق
ومن رأى عشية نجم السّها ... لم تدن منه عقرب يمسها
وقيل لا يدنو إليه سارق ... في سفر ولا بسوء طارق
الطخ على الحزاز دهن القمح ... مع وسخ الأسنان بعد المسح
فإنه يذهب منها سعيها ... كالنار فيها ثم يوري نقيها
أكو رؤوس كل ثؤلول يرى ... بعودتين قد حرقت أخضرا
ومثله رؤوس قش الحلبه ... تذهب بالثؤلول منه الرعبه
تخطيطك الأظفار بعد الصبح ... بكزلك عرضا مزيل القلح «١»
стр. 717
وطبقك الأضراس في التثاؤب ... يمنع من هذا لذي التجارب
أعني عروض القلح إن تقرحت ... كذاك إن تحفّرت واصطلمت
يغرغر العليل ذو الخناق ... بمرق الضبار كالتّرياق
لا سيما إن شابه كشوث ... لذي الخلاط نفعه موروث
ابلع من الصابون وزن درهم ... تنج من القولنج غير المحكم
وامسح على الأضراس والأسنان ... لو كالها بطرف اللسان
وقد حرمت الأكل من لحم الفرس ... شهرا ولا من هندبا تبغي الحرس
وذاك عند رؤية الهلال ... فتأمن الأضراس من أعلال
كذاك في كلّ هلال يجتلى ... فإنها مأمنة من البلا
لا تغسلن ثيابك الكتانا ... ولا تصد فيها كذا حيتانا
عند اجتماع النيرين تبلى ... وفي السرار فاتخذه أصلا
اتخذ البرمة من زجاج ... من غير تلوين ولا علاج
والنار جزل إن تشا أو فحم ... ينضج فيها اللحم ثم الشحم
وكرر الطبخ بها أياما ... وأشهرا إن شئت أو أعواما
وذاك سهل ليس بالعسير ... من غير تقتير ولا تكثير
وتتخذ كحلا جديدا محرقا ... منعما مصولا مروقا
ومثله من حجر الهنود ... ذي الخاصة الجاذبة الحديد
مطيبا بالمسك طيب الإثمد ... واكحل به من شئت فرد مردود «١»
ثم اكتحل منه على مر المدى ... لأنه لم يتخذ كحلا سدى
واكحل المحبوب بالحديد ... يهواك في الوقت بلا مزيد
فيسحر العينين منه فيرى ... وجهك شمسا باهيا أو قمرا
ولا يكاد يستطيع صبرا ... عنك ولو حرقت منه الصدرا
نشادر الدخان بالحمام ... ينضحه الفخار من مسام
فريحه يقتل الأفاعي ... من الهوام والدبيب الساعي
ووزن مثقال إذا ما شربا ... مع وزنه من الرجيع انتخبا
يخلص المسموم من مماته ... من بعد يأس الأمر من حياته
هذا إذا دبر بالإتقان ... بالسحق والترويق في الأواني
وكلّ ما جاد بسحق فاعتبر ... وفيه يا هذا تفهم واختبر
مرارة الحية سمّ قاتل ... وهي لملدوغ بها تقابل
إذا سقي المسموم منها حبه ... نجا من السم بتلك الشّربه
стр. 718
وإن سقي منها صحيح ماتا ... من يومه وفارق الحياتا
التعبير
: العقرب في المنام رجل نمام، فمن نازعته عقرب فإنه ينازع رجلا نماما، ومن أخذ عقربا في منامه، فألقاها على زوجته، فإنه يأتيها في الدبر، وإن سيبها على الناس فإنه رجل لوطي، ومن قتل عقربا خرج منه مال وعاد إليه، والعقرب في السروايل رجل فاسق، يداخل امرأة من ورائها في سروايله، ومن أكل لحم عقرب مطبوخا، فإنه يرث مالا، وإن كان نيئا اغتاب رجلا فاسقا، وكذلك كل حيوان لا يؤكل إذا أكل لحمه في المنام، والعقرب رجل يظهر ما في بطنه لسانه، والعقارب في البطن أولاد أعداء، ونزول العقرب من الدبر ولد عاق، وربما دلت رؤية العقرب على الافتتان، بمن يشبه العقرب بصدغه إذا بدا فيه الشعر، والله تعالى أعلم.
العقربان:
دويبة تدخل الأذن، وهي هذه الطويلة الصفراء الكثيرة القوائم، قاله ابن سيده.
العقف:
الثعلب. قال حميد بن ثور الهلالي:
كأنه عقف تولّى يهرب ... من أكلب تعقّفهن أكلب
يقال: عقفت الشيء فانعقف، أي عطفته فانعطف.
العقعق:
كثعلب ويسمى كندشا بالشين المعجمة، وصوته العقعقة وهو طائر على قدر الحمامة، وهو على شكل الغراب وجناحاه أكبر من جناحي الحمامة، وهو ذو لونين أبيض وأسود طويل الذنب، ويقال له القعقع أيضا. وهو لا يأوي تحت سقف ولا يستظل به بل يهيء وكره في المواضع المشرفة، وفي طبعه الزنا والخيانة، ويوصف بالسرقة والخبث والعرب تضرب به المثل في جميع ذلك، وإذا باضت الأنثى أخفت بيضها بورق الدلب خوفا من الخفاش، فإنه متى قرب من البيض مذر وفسد وتغير من ساعته.
حكى الزمخشري وغيره في تفسير قوله «١» تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها
عن سفيان بن عيينة أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنمل والفأر والعقعق. وعن بعضهم أنه قال: رأيت البلبل يحتكر، ويقال إن للعقعق مخابىء، إلا أنه ينساها.
وفي طبعه شدة الاختطاف لما يراه من الحلي. فكم من عقد ثمين اختطفه من شمال ويمين قال الشاعر:
إذا بارك الله في طائر ... فلا بارك الله في العقعق
قصير الذنابي طويل الجناح ... متى ما يجد غفلة يسرق
يقلب عينيه في رأسه ... كأنهما قطرتا زئبق
فائدة
: اختلفوا في سبب تسميته عقعقا فقال الجاحظ: لأنه يعق فراخه فيتركهم بلا طعام،
стр. 719
وبهذا يظهر أنه نوع من الغربان، لأن جميعها يفعل ذلك. وقيل: اشتق له هذا الاسم من صوته.
الحكم
: في حله وجهان: أحدهما يؤكل كغراب الزرع، والثاني يحرم وهو الأصح في الروضة تبعا للبغوي والبوسنجي. وسئل الإمام أحمد عنه فقال: إن لم يأكل الجيف فلا بأس به.
وقال بعض الصحابة: إنه يأكلها فيكون على قوله محرما.
فائدة
: حكى الجوهري أن العرب تتشاءم به وبصياحه، لأنهم كانوا يشتقون في الطيرة مما يسمعون ويشاهدون، فكانوا إذا سمعوا العقعق اشتقوا منه العقوق، وإذا سمعوا العقاب اشتقوا منه العقوبة، وإذا رأوا شجر الخلاف، وهو الصفصاف، اشتقوا منه الخلاف. والخلاف بتخفيف اللام ضد الوفاق، وكذلك الخلاف الذي هو الصفصاف، بتخفيف اللام أيضا. وحكى الرافعي الخلاف عن الحنفية، فيمن خرج لسفر فسمع صوت عقعق فرجع، هل يكفر أم لا؟ قيل: إنه يكفر، وكذلك رأيته في فتاوى قاضي خان. قال النووي: الصحيح أنه لا يكفر عندنا بمجرد ذلك.
الأمثال
: قالوا: «ألص من عقعق» «١» و «أحمق من عقعق» «٢» لأنه كالنعامة التي تضيع بيضها وأفراخها وتشتغل ببيض غيرها وإياها عنى هدبة بقوله:
كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا
الخواص
: إذا جعل دماغه على قطنة، وألصق على موضع النصل، أو الشوكة الغائصين في البدن، أخرجهما بسهولة. ولحمه حار يابس رديء الكيموس.
التعبير
: العقعق في الرؤيا رجل لا أمان له ولا وفاء، ومن رأى أنه كلمه عقعق جاءه خبر من غائب، والعقعق رجل حكار يطلب الغلاء والله أعلم.
العقيب:
طائر، لا يستعمل إلا مصغرا.
العكّاش:
كرمّان ذكر العنكبوت عن كراع.
العكرشة:
بكسر العين والراء المهملتين وبالشين المعجمة في آخره، الأرنب الأنثى. وفي الحديث، أن رجلا سأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال: عنت لي عكرشة، وأنا محرم، فقتلتها، فقال: فيها جفرة.
العكرمة:
بكسر العين والراء المهملتين الأنثى الحمام، وسمي بها الإنسان أيضا، كعكرمة مولى ابن عباس، أحد أوعية العلم، ولما مات مولاه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان عكرمة رقيقا لم يعتقه، فباعه ولده علي بن عبد الله بن عباس لخالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، فقال عكرمة لعلي: بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار! فاستقال خالدا فأقاله ثم أعتقه. مات عكرمة وكثير عزة الشاعر في يوم واحد بالمدينة سنة خمس ومائة، وصلي عليهما في
стр. 720
مكان واحد. فقال الناس: مات اليوم أعلم الناس وأشعر الناس رحمهما الله تعالى.
قال «١» ابن خلكان وغيره: وكثير عزة أحد شعراء العرب ومتيميها، وكان كيسانيا والكيسانية فرقة من الروافض يعتقدون إمامة محمد بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو المعروف بمحمد ابن الحنفية. ويقولون: إنه مقيم بجبل رضوى، ومعه أربعون نفرا من أصحابه ولم يوقف لهم على خبر، ويقولون: إنهم أحياء يرزقون، وإنه سيرجع إلى الدنيا ويملؤها عدلا وفي ذلك يقول «٢» كثير عزة:
وسبط لا يذوق الموت حتى ... تعود الخيل يقدمها اللواء
يغيب فلا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء «٣»
قلت: الصواب أنهما للحميري. قال: وكانت وفاة محمد بن الحنفية سنة اثنتين أو ثلاث وسبعين من الهجرة والله تعالى أعلم.
العل ج:
بكسر العين واسكان اللام، حمار الوحش السمين القوي، والرجل من كفار العجم، والجمع علوج واعلاج ومعلوجاء وعلجة.
العل:
بالفتح القراد المهزول.
العلجوم:
بضم العين وسكون اللام وضم الجيم الضفدع الذكر، وقيل: البطة الذكر كذا حكاه ابن سيده.
العلام:
بضم العين وتشديد اللام وبالميم في آخره الباشق.
العلّوش:
بكسر العين وفتح اللام المشددة على وزن سنور: ابن آوى والذئب ودويبة وضرب من السباع. قال ابن رشيق في كتاب الغرائب والشذوذ: قال الخليل: ليس في كلام العرب كلمة تجتمع فيها شين ولام إلا والشين قبل اللام إلا العلوش، فإن اللام فيه تقدمت على الشين وهو مفرد في الكلام.
العلهان:
كالكروان: الظليم وقد مر.
العلس:
محركة القراد الضخم، لأنه أول ما يكون قمقامة ثم يصير حمنانة ثم حلمة ثم علسا. ومن الألغاز القديمة أيجب في العلس زكاة، إذا بلغ خمسة أوسق أو أكثر منها؟ قال: لا وإذا علم بذلك الساعي أعرض عنها.
العلامات:
قال ابن عطية: حدثني أبي، رحمه الله تعالى، أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول: إن في بحر الهند حيتانا طوالا رقاقا كالحيات في ألوانها وحركتها، وأنها تسمى العلامات، وذلك أنها علامات الوصول إلى بلاد الهند، وامارات النجاة من المهالك، لطول ذلك البحر وصعوبته، وأن بعض الناس قال: إنها المراد بقوله تعالى: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ
стр. 721
يَهْتَدُونَ
«١» قال: وأما من شاهد تلك العلامات في البحر، فحدثني منهم عدد كثير. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: العلامات معالم الطرق بالنهار، والنجوم هداية بالليل. وقال الكلبي: هي الجبال. وقال مجاهد والنخعي: هي النجوم منها ما يسمى علامات ومنها ما يهتدى به.
العلهز:
بكسر العين وإسكان اللام وكسر الهاء قبل الزاي: القراد الضخم، وفي الحديث أنه ﵊، لما دعا على قريش بقوله «٢» : «اللهم اجعلها عليهم سنينا كسني يوسف» ، أكلوا العلهز. وقيل: المراد به الوبر المخلوط بالدم.
العلعل:
كهدهد الذكر من القنابر.
العلق:
بفتح العين واللام دود أسود وأحمر، يكون بالماء يعلق بالبدن ويمص الدم، وهو من أدوية الحلق والأورام الدموية، لامتصاصه الدم الغالب على الإنسان. الواحدة علقة، وفي حديث عامر «٣» «خير الدواء العلق والحجامة» . والعليق الشجرة التي آنس موسى ﵊ منها النار، قاله ابن سيده. وقيل: إنها العوسج، والعوسج، إذا عظم، قيل له الغرقد.
وفي الحديث أنه شجر اليهود، فلا ينطق، يعني إذا نزل عيسى ﵇، وقتل اليهود فلا يختبىء أحد منهم خلف شجرة، إلا نطقت وقالت: يا مسلم هذا يهودي خلفي فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجرهم فلا ينطق.
فائدة
: ذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
«٤» . عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري يعني قدس من في النار، وهو الله عنى به نفسه. قال: وتأويل هذا القول إنه كان فيها لا على سبيل تمكن الأجسام، بل على أنه جل وعلا نادى موسى ﵊، وأسمعه كلامه من جهتها وأظهر له ربوبيته من ناحيتها، فالشجرة مظهر لكلامه تعالى. وهو كما روي أنه مكتوب في التوراة جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران، فمجيئه من سيناء بعثه موسى ﵇ منها، واشراقه من ساعير بعثه عيسى ﵇ منه، واستعلانه من جبال فاران بعثه المصطفى ﷺ منها.
وفاران مكة المشرفة، وقيل: كانت النار نوره . وإنما ذكره بلفظ النار لأن موسى ﵇ حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر. وقال سعيد بن جبير: كانت هي النار بعينها وهي أحد حجبه تعالى. وقيل: بورك من في النار سلطانه وقدرته، وفيمن حولها، وتأويلي هذا القول، إنه عائد إلى موسى والملائكة عليهم الصلاة والسلام. ومجاز الآية أن بورك من في طلب النار وقصدها، وبالقرب منها.
стр. 722
ومعنى الآية أن بورك فيك يا موسى، وفي الملائكة الذين حول النار، وهذه تحية من الله لموسى ﵇، وتكرمة له. كما حيا إبراهيم ﵇، على ألسنة الملائكة، حين دخلوا عليه، فقالوا: رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، فحمد نفسه تعالى بواسطة فعله. قلت: وكذلك إذا ذكر العبد ربه أو حمده فما ذكر الله إلا الله، ولا حمد الله إلا الله، لأنه تعالى ذكر نفسه وحمدها، بواسطة فعله. والعبد آلة ليس له شيء. قال «١» تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
وقال تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ
«٢» ففعل العبد ينسب إلى الله خلق وايجاد. قال تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
«٣» وينسب إلى العبد نسبة كسب وإسناد ليعاقب عليه أو يثاب، والله تعالى أعلم. وقال بعضهم: هذه البركة راجعة إلى النار نفسها.
وأما وجه قوله تعالى: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ
«٤» فإن العرب تقول بارك الله لك وبارك فيك وبارك عليك وباركك، أربع لغات. قال الشاعر:
فبوركت مولودا وبوركت ناشئا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب
وأما الكلام المسموع من الشجرة، فاعلم أن مذهب أهل الحق، أن الله تعالى مستغن عن الحد والكلام والمكان والجهة والزمان، لأن ذلك من أمارات الحدوث، وهي خلقه وملكه، وهو سبحانه أجل وأعظم من أن يوصف بالجهات، أو يحد بالصفات، أو تحصيه الأوقات، أو تحويه الأماكن والأقطار، ولما كان جل وعلا كذلك، استحال أن توصف ذاته بأنها مختصة بجهة، أو متنقلة من مكان إلى مكان، أو حالة في مكان.
روي أن موسى ﵇، لما كلمه الله تعالى، سمع الكلام من سائر الجهات، ولم يسمعه من جهة واحدة، فعلم بذلك أنه كلام الله تعالى. وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف تعالى بأنه يحل موضعا أو ينزل مكانا، كما لا يوصف بأنه جوهر ولا عرض، ولا يوصف كلامه بحرف ولا صوت، خلافا للحنابلة الحشوية، بل هو صفة قائمة بذاته تعالى، يوصف بها فينتفي عنه بها آفات الخرس والبكم، وما لا يليق بجلاله وكماله، ولا تقبل الانفصال والفراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق. وأما الإفهام والإسماع، فيجوز أن يكون في موضع دون موضع، ومكان دون مكان، وحيث لم يقع إحاطة ولا إدراك بالوقوف على كنه ذاته، قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
«٥» وأما الهاء في قوله «٦» تعالى: يا مُوسى إِنَّهُ
فهو عماد وليس بكناية.
فائدة أخرى
: اختلف في أن نبينا محمدا ﷺ هل كلم ربه ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا؟
فذهب ابن عباس وابن مسعود وجعفر الصادق وأبو الحسن الأشعري وطائفة من المتكلمين إلى أنه ﷺ كلم الله بغير واسطة، وذهب جماعة إلى نفي ذلك. واختلف في جواز الرؤية، فأكثر المبتدعة على إنكار جوازها في الدنيا والآخرة، وأكثر أهل السنة والسلف على جوازها فيهما،
стр. 723
ووقوعهما في الآخرة. واختلف العلماء من السلف والخلف في أنه هل رأى نبينا محمد ﷺ ربه تعالى أم لا؟ فأنكرته عائشة وأبو هريرة وابن مسعود وجماعة من السلف، وبه قال جماعة من المتكلمين والمحدثين، وأجازه جماعة من السلف وأنه ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء بعيني رأسه، وهو قول ابن عباس وأبي ذر وكعب الأحبار والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل. وحكي أيضا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، والمشهور عنهما الأول، وبهذا القول الثاني قال أبو الحسن وجماعة من أصحابه، وهو الأصح، وهو مذهب المحققين من السادة الصوفية.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اختص موسى بالكلام، وابراهيم بالخلة ومحمد ﷺ بالرؤية. وذهب جماعة من العلماء إلى الوقف، وقالوا: ليس عليه دليل قاطع نفيا ولا إثباتا، ولكنه جائز عقلا. وصححه القرطبي وغيره.
قلت: رؤية الله تعالى في الدنيا والآخرة جائزة بالأدلة العقلية والنقلية، أما العقلية فمعروفة في علم الكلام، وأما النقلية فمنها سؤال موسى ﵇ رؤية الله تعالى. ووجه التمسك بذلك علم موسى بذلك، ولو علم استحالة ذلك لما سأله، ومحال أن يجهل موسى جواز ذلك، إذ يلزم منه أن يكون مع علو منصبه في النبوة وانتهائه إلى أن اصطفاه الله تعالى على الناس، وأسمعه كلامه بلا واسطة جاهلا بما يجب لله ويستحيل عليه ويجوز، وملتزم هذا كافر. نعوذ بالله من اعتقاد ذلك.
ومنها امتنانه تعالى على عباده بالنظر إلى وجهه في الدار الآخرة بقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
«١» وإذا جاز أن يروه في الدار الآخرة، جاز أن يروه في الدنيا لتساوي النظر بالنسبة إلى الأحكام. ومنها ما تواترت به الأحاديث من أخباره ﷺ برؤية الله تعالى في الدار الآخرة، ووقوع ذلك كرامة للمؤمنين. فهذه الأدلة دالة على جواز رؤيته تعالى في الدنيا والآخرة.
وأما استدلال عائشة رضي الله تعالى عنها على عدم الرؤية بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
«٢» ففيه بعد إذا يقال بين الإدراك والابصار فرق، فيكون معنى لا تدركه الأبصار، أي لا تحيط به مع أنها تبصره. قاله سعيد بن المسيب وغيره وقد نفى الإدراك مع وجود الرؤية، في قوله تعالى: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قالَ كَلَّا
«٣» أي لا يدركونكم. وأيضا فإن الإبصار عموم، وهو قابل للتخصيص فيختص المنع بالكافرين، كما قال تعالى عنهم: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ
«٤» ويكرم المؤمنين أو من شاء الله منهم بالرؤية كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
«٥» وبالجملة فالآية ليست نصا ولا من الظواهر الجلية في عدم جواز الرؤية، فلا حجة فيها والله أعلم. ولهذه المسألة أسرار وأغوار تركناها، لأن ذلك ليس من مقصود الكتاب، فمن أراد تحقيق هذه المسألة وغيرها من المسائل المهمة فعليه بكتابنا الجوهر الفريد، فإنا ذكرنا فيه اختلاف الفرق، وأقوال علماء الظاهر والباطن، وما اخترناه وما أيدناه وهو كتاب مهم عمدة في هذا الشأن، لا يستغني عنه
стр. 724
طالب، وهو في ثمان مجلدات ضخمة جدا وبالله التوفيق.
فائدة أخرى
: قوله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
«١» هذه السورة أول ما نزل من القرآن كما ثبت في الصحيحين، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. قيل: وجه المناسبة بين الخلق من علق، والتعليم بالقلم، وتعليم العلم، أن أدنى مراتب الإنسان كونه علقة وأعلاها كونه عالما، فكأنه امتن على الإنسان، بنقله من أخس المراتب، وهي العلقة، إلى أعلاها، وهي العلم.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم قال: من علق وإنما خلق من علقة واحدة، كقوله تعالى من نطفة ثم من علقة؟ قلت: لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
«٢» والأكرم هو الذي له الكمال في زيادة تكرمه على كل كريم، ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عليهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، مع كفرهم وجحودهم لنعمه، وركوبهم المناهي، وإطراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم ويتجاوز عنهم بعد اقترافهم العظائم. فما لكرمه غاية ولا أمد، وكأنه ليس وراء التكرم بافادة الفوائد العظيمة تكرم، حيث قال: الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
«٣» فدل على كمال كرمه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل الكتابة، لما فيها من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم الأول، ولا قيدت الحكم ، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة. ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله ولطيف تدبيره دليل إلا أمر القلم والخط لكفى به.
فائدة أخرى
: سئل شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى عن العلقة السوداء، التي أخرجت من قلب النبي ﷺ في صغره، حين شق فؤاده، وقول الملك هذا حظ الشيطان منك، فأجاب بقوله: تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﵊ فلم يبق فيه مكان قابل لأن يلقي الشيطان فيه شيئا.
هذا معنى الحديث ولم يكن للشيطان فيه ﷺ حظ قط، وإنما الذي نفاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية، فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في قلبه ﵊. فقيل له: لم خلق الله هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكنه أن لا يخلقه فيها؟
فقال: لأنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقه تكملة للخلق الإنساني فلا بد منه ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده انتهى.
الحكم
: يحرم أكل العلق ويجوز بيعه لما فيه من المنفعة ويستثنى بيع القرمز من عدم جواز بيع الحشرات كما تقدم.
فرع
: العلقة فيها وجهان: أحدهما أنها نجسة لأنها دم خارج من الرحم كالحيض. والثاني أنها طاهرة، لأنها دم غير مسفوح، فهي كالكبد والطحال، نقله أبو حامد عن الصيرفي، وصرح
стр. 725
بتصحيحه الشيخ أبو حامد والمحاملي والرافعي في المحرر، وهو الأصح كما صرح به في المنهاج.
والعلقة هي المني إذا استحال في الرحم، فصار دما غليظا، فإذا استحال بعد، فصار قطعة لحم فهو مضغة. قال النووي، في شرح المهذب: إن المذهب القطع بطهارة المضغة. وقيل: على وجهين. والصواب خلاف ما في شرح المهذب، لأن المضغة إما كميتة الآدمي، وفيها قولان في الجديد، أو كجزئه المنفصل، وفيه طريقان: حاكية للخلاف وقاطعة بالنجاسة. وحكى الرافعي فيها وجهين أصحهما الطهارة. نعم يشترط في المضغة والعلقة على قاعدة الرافعي أن يكونا من الآدمي، فإن مني غيره نجس عنده، فالعلقة والمضغة أولى بالنجاسة من المني، ويدل عليه تردده في المنهاج، في نجاستهما مع جزمه فيه بطهارة المني. قال شيخنا: ولك أن تمنع كونهما أولى بالنجاسة من المني بأنهما صارا أقرب إلى الحيوانية منه وهو أقرب إلى الدموية منهما والله تعالى أعلم.
الأمثال
: قالوا: «أعلق من العلق» .
الخواص
: العلق ينفع تعليقا على صاحب الأعضاء الضعيفة التركيب، مثل الآماق والوجنات والمواضع المؤلمة، لأنها تقوم مقام الحجامة، في امتصاصها الدم الفاسد، لا سيما في الأطفال والنساء وأهل الرفاهية. وهي تمص الدم الفاسد من الأجفان وغيرها. وربما كان العلق في الماء فيشربه الإنسان فينشب بحلقه. وطريق إخراجه من الحلق أن يبخر بوبر الثعلب، فإذا أصابه دخانه سقط في الحال. وكذلك إذا بخر بظلف الإبل يموت، مجرب، ذكر ذلك في المنتخب.
وقال القزويني وصاحب الذخيرة الحميدة: إذا كان العلق في الحلق، يتغرغر بخل خمر، وبوزن درهم من الذباب الذي في الباقلاء، فإن العلق يسقط. وإذا أرادوا إخراج دم من موضع مخصوص، أخذوا هذا الدود في قطعة طين، وقربوه من العضو، فإنه ينشب به ويمص الدم منه، فإذا أرادوا سقوطه عنه، رشوا عليه ماء الملح، فإنه يسقط في الحال.
وقال صاحب عين الخواص: إذا يبس العلق في الظل، وسحق مع نشادر وطلي به موضع داء الثعلب، نبت الشعر عليه. وقال غيره: إذا بخر البيت بالعلق، هرب ما فيه من البق والبعوض وأمثالهما. وإذا ترك العلق في قارورة حتى يموت، ثم يسحق ويفتت الشعر ويطلى به، فإنه لا ينبت أبدا. ومن الخواص المجربة النافعة أن تؤخذ العلق الكبار، التي تكون في الأنهار والأماكن الندية فتقلى بالزيت الطيب، ثم تسحق بالخل حتى تصير مثل المرهم، وتؤخذ في صوفة ويتحمل بها صاحب البواسير فيبرأ. وقيل: إنه يبرىء من القطى. ومن خواصه العجيبة أنه إذا بخر به حانوت زجاج تكسر جميع ما فيه. وإذا أخذ العلق وهو رطب ودهن به الإحليل، فإنه يكبر من غير وجع.
التعبير
: العلق في الرؤيا بمنزلة الدود، وهم أولاد لقوله «١» تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
فمن رأى علقة دم خرجت من أنفه، أو ذكره أو دبره أو بطنه أو فمه، فإن امرأته تسقط ولدا قبل كمال خلقه. وقيل: العلق والقراد والدلم والنمل وما أشبه ذلك، تدل على الأعداء
стр. 726
والحساد الأخساء. ومن الرؤيا المعبرة أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، أتاه رجل فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ ، رأيت كأن في يدي كيسا، وأنا أفرغ ما فيه حتى لم يبق فيه شيء، فخرج منه علقة، فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أخرج من بين يدي فخرج من بين يديه ومشى خطوات فرمحته دابة فقتلته، فأخبر بذلك أبو بكر فقال: والله ما وددت أن يموت بين يدي، فنزل الكيس بمنزلة الآدمي، والدراهم بمنزلة العمر، والعلقة بمنزلة الروح، لقوله تعالى: خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ
«١» والله تعالى أعلم.
العلهب:
تيس الجبل. كذا قاله صاحب كتاب المداخل في اللغة أحمد بن يحيى.
العمروس:
بضم العين الخروف، والجمع عماريس. قال الشاعر:
وكان كذئب السوء إذ قال مرة ... لعمروسة والذئب غرثان مرمل
أأنت التي من غير ذنب شتمتني ... فقالت: متى ذا؟ قال: ذا عام أول
فقالت: ولدت الآن بل رمت غدرة ... فدونك كلني لا هنا لك مأكل
العملّس:
بفتح العين والميم وتشديد اللام، الذئب الخبيث والكلب الخبيث. وأما قولهم:
«أبر من العملس» «٢» فإنه رجل كان بارا بأمه، يحملها على عاتقه، ويحج بها على ظهره كل سنة، فضربوا به المثل، ليتأسى به البنون في بر الأمهات. وأشرت إلى ذلك في المنظومة بقولي:
وضربوا الأمثال بالعملّس ... في البركى به البنون تأتسي
العميثل:
الأسد، قاله أبو زيد، في كتاب الإبل، وبه كني عبد الله بن خليد الشاعر البليغ، وكان يفخم الكلام ويعربه، وكان كاتب عبد الله بن طاهر «٣» وشاعره. وكان عارفا باللغة فمن شعره في عبد الله المذكور:
يا من يحاول أن تكون صفاته ... كصفات عبد الله انصت واسمع
فلأنصحنّك في المشورة والذي ... حجّ الحجيج إليه فاسمع أو دع
اصدق وعفّ وبر واصبر واحتمل ... واصفح وكاف ودار واحلم واشجع
والطف ولن وتأنّ وارفق واتئد ... واحزم وجد وحام واحمل وادفع
فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... وهديت للنهج الأسدّ المهيع
وقبّل يوما كف عبد الله بن طاهر، فاستخشن مس شاربه، فقال أبو العميثل في الحال: شوك القنفذ لا يؤلم كف الأسد، فأعجبه كلامه وأمر له بجائزة سنية. وصنف أبو العميثل كتبا مفيدة في كتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه، وكانت وفاته سنة أربعين ومائتين. وقال الأصمعي: العميثل
стр. 727
الذيال بذنبه. وقال الخليل: العميثل البطيء الذي يسيل ثيابه كالوادع الذي يكفي العمل انتهى.
العناق:
الأنثى من ولد المعز والجمع أعنق وعنوق. روي عن الأصمعي أنه قال: بينا أنا أسير في طريق اليمن، إذا أنا بغلام واقف في الطريق، في أذنيه قرطان، في كل قرط جوهرة، يضيء وجهه من ضوء الجوهرة، وهو يمجد ربه بأبيات من الشعر وهي هذه:
يا فاطر الخلق البديع وكافلا ... رزق الجميع سحاب جودك هاطل
يا مسبغ البرّ الجزيل ومسبل ... الستر الجميل عميم طولك طائل «١»
يا عالم السرّ الخفي ومنجز ... الوعد الوفي قضاء حكمك عادل
عظمت صفاتك يا عظيم فجلّ أن ... يحصي الثناء عليك فيها قائل
الذنب أنت له بمنّك غافر ... ولتوبة العاصي بحلمك قابل
ربّ يربي العالمين ببره ... ونواله أبدا إليهم واصل
تعصيه وهو يسوق نحوك دائما ... ما لا تكون لبعضه تستاهل
متفضل أبدا وأنت لجوده ... بقبائح العصيان منك تقابل
وإذا دجا ليل الخطوب وأظلمت ... سبل الخلاص وخاب فيها الآمل
وأيست من وجه النجاة فما لها ... سبب ولا يدنو لها متناول
يأتيك من ألطافه الفرج الذي ... لم تحتسبه وأنت عنه غافل
يا موجد الأشياء من ألقى إلى ... أبواب غيرك فهو غرّ جاهل
ومن استراح بغير ذكرك أو رجا ... أحدا سواك فذاك ظلّ زائل
رأي يلم إذا عرته ملمة ... بسوى جنابك فهو رأي مائل
عمل أريد به سواك فإنه ... عمل وإن زعم المرائي باطل
وإذا رضيت فكل شيء هيّن ... وإذا حصلت فكل شيء حاصل
أنا عبد سوء آبق كلّ على ... مولاه أوزار الكبائر حامل
قد أثقلت ظهري الذنوب وسوّدت ... صحفي العيوب وستر عفوك شامل
ها قد أتيت وحسن ظني شافعي ... ووسائلي ندم ودمع سائل
فاغفر لعبدك ما مضى وارزقه تو ... فيقا لما ترضى ففضلك كامل
وافعل به ما أنت أهل جميله ... والظنّ كلّ الظن أنك فاعل
قال: فدنوت منه وسلمت عليه فقال: ما أنا براد عليك حتى تؤدي من حقي الذي يجب لي عليك! قلت: وما حقك؟ قال: أنا غلام على مذهب ابراهيم الخليل ﵇، لا أتغدى ولا أتعشى كل يوم، حتى أسير الميل والميلين في طلب الضيف. فأجبته إلى ذلك، فرحب بي، وسرت معه حتى قربنا من خيمته، فصاح: يا أختاه فأجابته جارية من الخيمة بالبكاء، فقال: قومي
стр. 728
إلى ضيفنا فقالت الجارية: حتى أبدأ بشكر الله الذي ساق لنا هذا الضيف، ثم قامت فصلت ركعتين شكرا لله تعالى. قال: فأدخلني الشاب الخيمة، وأجلسني ثم أخذ الغلام الشفرة وعمد إلى عناق فذبحها، قال: فلما جلست في الخيمة، نظرت إلى الجارية، فإذا هي أحسن الناس وجها، فكنت أسارقها النظر، ففطنت لبعض لحظاتي إليها، فقالت لي: مه أما علمت أنه نقل عن صاحب طيبة ﵇، أنه قال: إن زنا العينين النظر، أما إني ما أردت بهذا أن أوبخك، ولكني أردت أن أؤدبك لكي لا تعود إلى مثل هذا.
قال: فلما كان النوم بت أنا والغلام خارج الخيمة، وباتت الجارية من داخلها، فكنت أسمع دوي القرآن إلى السحر، بأحسن صوت يكون وأرقه، ثم سمعت أبياتا بهذا من الشعر بأعذب لفظ، وأشجى نغمة وهي هذه:
أبى الحبّ أن يخفى وكم قد كتمته ... فأصبح عندي قد أناح وطنبا «١»
إذا اشتدّ شوقي هام قلبي بذكره ... وإن رمت قربا من حبيبي تقربا
ويبدو فأفنى ثم أحيا بذكره ... ويسعدني حتى ألذّ وأطربا
قال: فلما أصبحت قلت للغلام: صوت من كان ذلك؟ قال: تلك أختي، وهذا شأنها كل ليلة، فقلت: يا غلام كنت أنت أحق بهذا العمل من أختك، إذ أنت رجل وهي امرأة. قال: فتبسم وقال: ويحك أما علمت أنه موفق ومخذول ومقرب ومبعد! قال الأصمعي: فودعتهما وانصرفت.
وحكمها
: الحل، وتفدى بها الأرنب إذا قتلها المحرم لقضاء الصحابة بذلك. ولا تجزىء في الأضحية لما روى الشيخان وغيرهما عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم الأضحى، بعد الصلاة، فقال «٢» : «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له» . فقال أبو بردة بن نيار، وهو خال البراء بن عازب: يا رسول الله إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، فأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي، فذبحتها وتغديت قبل أن أتي الصلاة. فقال ﷺ : «شاتك شاة لحم» . قال: يا رسول الله فإن عندي عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزىء عني؟
فقال ﷺ : «نعم ولن تجزىء عن أحد بعدك» «٣» .
ووقع في أصل الروضة، أن العناق الأنثى من المعز، من حين تولد إلى أن ترعى. والجفرة الأنثى من ولد المعز حين تفطم وتفصل عن أمها، فتأخذ في الرعي وذلك بعد أربعة أشهر.
والذكر جفر. وقال في لغات التنبيه ودقائق المنهاج: العناق الأنثى من ولد المعز ما لم تستكمل سنة. ونقل مثل هذا عن الأزهري، في تهذيب الأسماء واللغات، وكلام الأزهري لا يوافق ذلك.
وروى «٤» الحاكم بإسناد صحيح، وأبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب، عن قيس بن
стр. 729
النعمان رضي الله تعالى عنه، قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله تعالى عنه مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب، غير أن ههنا عناقا حملت أول الشتاء وما بقي لها لبن. قال ﷺ : «ادع بها» . فاعتقلها ﷺ ومسح ضرعها حتى أنزلت. وجاء أبو بكر بمجن فحلب رسول الله ﷺ فيه وسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب ﷺ . فقال الراعي: بالله من أنت فو الله ما رأيت مثلك قط؟ قال: «أو تراك تكتم علي حتى أخبرك» قال: نعم. قال: «فإني محمد رسول الله» . قال: أنت الذي تزعم قريش أنك صابىء؟
قال: «إنهم ليقولون ذلك» . قال: أشهد أنك نبي، وأن ما جئت به حق، وأنا متبعك. قال ﷺ :
«إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا» .
خاتمة
: روى أبو داود والترمذي والنسائي والحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق كقطام، وكانت صديقة له، وإنه كان واعد رجلا من الأسارى بمكة، أن يأتيه فيحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة، في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي، قالت:
مرثد؟ قلت: مرثد. قالت: مرحبا وأهلا وسهلا هلم فبت عندنا الليلة. فقلت: يا عناق قد حرم الله الزنا. قالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراركم. قال: فتبعني ثمانية رجال، وسلكت الخندمة، فانتهيت إلى غار أو كهف، فجاؤوا حتى وقفوا على رأسي وبالوا، فظل بولهم ينزل على رأسي وأعماهم الله عني.
فرجعوا ورجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت به إلى الأذخر، ففككت عنه أكبله، وجعلت أحمله ويعييني، حتى قدمت به المدينة، فأتيت به النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناق؟ فأمسك ولم يرد علي شيئا حتى نزلت: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
«١» فقال رسول الله ﷺ : «يا مرثد الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ
«٢» فلا تنكحها» . قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة، إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها صحيح لا ينفسخ. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: قال عكرمة: معنى الآية أن الزاني لا يريد ولا يقصد إلا نكاح زانية.
قال: والأشبه ما قاله سعيد بن المسيب أن هذه الآية منسوخة، نسخها قوله «٣» تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ
وهي من أيامى المسلمين.
الأمثال
: قالوا «٤» : «لا تنفط في هذا الأمر عناق» . أي لا تعطس، والنفيط من العناق مثل العطاس من الإنسان. وهو كقولهم: «لا ينتطح فيها عنزان» «٥» . وسيأتي إن شاء الله تعالى في محله.
عناق الأرض:
دويبة أصغر من الفهد طويل الظهر يصيد كل شيء حتى الطير، وهو التفه الذي تقدم ذكره، في باب التاء المثناة فوق. وقال في نهاية الغريب: قال قتادة: عناق الأرض من
стр. 730
الجوارح دابة وحشية أكبر من السنور، وأصغر من الكلب، والجمع عنوق. يقال في المثل «١» :
«لقي عناق الأرض وأدنى عناق أي داهية» . يريد أنها من الحيوان الذي يصاد به إذا علم.
العنبس:
الأسد، وبه سمي الرجل وهو فنعل من العبوس. والعنابس من قريش أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر، وهم ستة: حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو وسموا بالأسد والباقون يقال لهم الأعياص.
العنس:
الناقة القوية الصلبة ويقال هي التي اعنونس ذنبها، أي وفر. قاله الجوهري.
والعنسة أيضا اسم للأسد علم مشتق من العنوس قاله ابن سيده.
العنبر:
سمكة بحرية كبيرة يتخذ من جلودها الترس. ويقال للترس عنبر. وقد تقدم ذكرها في باب الباء الموحدة.
روى «٢» البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: بعثنا رسول الله ﷺ ، وأمر علينا أبا عبيدة، نلتقي عيرا لقريش، وزودنا جرابا فيه تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يطعمنا تمرة تمرة، قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله.
فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا شيء كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر. قال: فقال أبو عبيدة: إنها ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ ، وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليها شهرا، ونحن ثلاثمائة، حتى سمنا، يعني تقوينا، وزال ضعفنا، وإلا فما كانوا سمانا قط، قال: ولقد رأيتنا نغترف من وقب عينيها بالقلال الدهن ونقتطع القطعة قدر التور. ولقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في عينها، وأخذ ضلعا من أضلاعها فأقامه، ثم رحل أعظم بعير معنا فمر من تحتها، وتزودنا من لحمها.
فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﷺ ، فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه فتطعمونا» ؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله.
وسرية أبي عبيدة هذه يقال لها سرية الخبط. وكانت في رجب سنة ثمان من الهجرة، وكان فيها عمر بن الخطاب وقيس بن سعد مع أبي عبيدة رضي الله تعالى عنهم. وحديثها رويناه في الغيلانيات وهو أن النبي ﷺ بعث أبا عبيدة رضي الله تعالى عنه، في سرية فيها المهاجرون والأنصار، ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر، إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرا بجزور، يوفيني الجزور ههنا، وأوفيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: وا عجبا لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره! فوجد رجلا من جهينة، فقال له قيس:
يعني جزورا أوفيكه وسقا من تمر المدينة. فقال الجهني: والله ما أعرفك، فمن أنت؟ فقال: أنا ابن سعد بن عبادة بن دليم. فقال الجهني: ما أعرفني بنسبك، وذكر كلاما، فابتاع منه خمس
стр. 731
جزائر، كل جزور بوسق من تمر، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلبة من تمر آل دليم، فيقول قيس: نعم. قال: فاشهد لي قال: فأشهد له نفرا من الأنصار، ومعهم نفر من المهاجرين. قال قيس: إنما أشهد من تحب، وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فقال عمر:
ما أشهد على هذا بدين، ولا مال له، إنما المال لأبيه، فقال الجهني: والله ما كان سعد ليبخس في وسقة من تمر، وإني أرى وجها حسنا وفعالا شريفة. فكان بين عمر وقيس كلام، حتى أغلظ عمر لقيس، ثم أخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كل يوم جزورا، فلما كان اليوم الرابع، نهاه أميره وقال له: أتريد أن تحفر ذمتك ولا مال لك؟ قال: فأقبل أبو عبيدة ومعه عمر، فقال: عزمت عليك أن لا تنحر، فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يقضي عني وسقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله؟ فكاد أبو عبيدة أن يلين له، وجعل عمر يقول: اعزم عليه، فعزم عليه وبلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال: إن يكن قيس كما أعرف، فسينحر للقوم، فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم؟
قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نحرت.
قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نهيت. قال: ومن نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري. قال: ولم؟ قال:
زعم أنه لا مال لي، وإنما المال لأبيك! فقلت: إن أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة، ولا يصنع هذا بي؟ قال: تلك أربع حوائط أدناها حائطا نجذ منه خمسين وسقا.
قال: وقدم البدوي مع قيس فأوفاه وسقته، وحمله وكساه. فبلغ ذلك النبي ﷺ من فعل قيس فقال: «إنه من قلب جود» .
والعنبر المشموم، قيل: إنه يخرج من قعر البحر، يأكله بعض دوابه لدسومته، فيقذفه رجيعا، فيوجد كالحجارة الكبار، فيطفو على الماء، فتلقيه الريح إلى الساحل، وهو يقوي القلب والدماغ، نافع من الفالج واللقوة والبلغم الغليظ. وقال ابن سيده: العنبر يخرج من البحر، وأجوده الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر ثم الأسود. قال: وكثيرا ما يوجد في أجواف السمك الذي يأكله ويموت. وزعم بعض التجار أن بحر الزنج يقذفه كجمجمة الإنسان، وأكبرها وزنه ألف مثقال. وكثيرا ما تأكله الحيتان فتموت، والدابة التي تأكله تدعى العنبر.
الحكم
: قال الماوردي والروياني في كتاب الزكاة: لا زكاة في العنبر والمسك. وقال أبو يوسف: فيهما الخمس. وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز وعبد الله العنبري واسحاق: يجب الخمس في العنبر. واحتج الشافعي عليهم بقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في العنبر، إنما هو شيء دسره البحر، أي لفظه، وليس بمعدن حتى يجب فيه الخمس. وروي عنه صريحا أنه قال: لا زكاة فيه.
وروى جابر أن النبي ﷺ قال: «العنبر ليس بغنيمة» ، وهذا ينفي وجوب الزكاة فيه. قالا، أي الماوردي والروياني: وأكثر الفقهاء على أن العنبر طاهر، وقال الشافعي: سمعت من قال:
رأيت العنبر نابتا في البحر، ملتويا مثل عنق الشاة. وقيل: إن أصله نبت في البحر وله رائحة ذكية. وفي البحر دويبة تقصده لذكاء رائحته، وهو سمها، فتأكله فيقتلها ويلفظها البحر، فيخرج العنبر من بطنها.
стр. 732
وقالا في كتاب السلم: يجوز السلم في العنبر، ولا بد من بيان أنواعه ووزنه، فالعنبر منه الأشهب والأبيض والأخضر والأسود ولا يجوز حتى يسمى ذلك. وقال الشافعي: يجوز بيع العنبر، وقال أهل العلم به: إنه نبات والنبات لا يحرم منه شيء. قال: وحدثني بعضهم، أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة فيه، فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة، فإذا ثمرها عنبر، قال: فتركناه حتى يكبر ثم نأخذه، فهبت الريح فألقته في البحر. قال الشافعي: والسمك ودواب البحر تبتلعه أول ما يقع منه، لأنه لين، فإذا ابتلعته قلما تسلم منه إلا قتلها لفرط الحرارة فيه، فإذا أخذ الصياد السمكة، وجده في بطنها فيقدر أنه منها، وإنما هو ثمر نبت.
وأما خواصه
: فقال المختار بن عبدون: العنبر حار يابس، وهو دون المسك، وأجوده الأشهب الخفيف الدسم، وهو يقوي القلب والدماغ، ويزيد في الروح وينفع من الفالج واللقوة والبلغم الغليظ، ويولد شجاعة، لكنه يضر من اعتاده الباسور، وتدفع مضرته بالكافور وشم الخيار. ويوافق الأمزجة الباردة الرطبة والمشايخ، وأجوده ما استعمل في الشتاء. قالوا: والعنبر جماجم أكبرها ألف مثقال، تبرز من عيون في البحر وتطفو على الماء، فيسقط عليها الطير فتأكلها فتهلك. وقيل: إنه روث دابة، وقيل: إنه من غثاء البحر، وأجوده الأشهب وضده الخمري وله زهومة لابتلاع السمك، ويتصفى منه عند عمله رمل والله تعالى أعلم.
العنتر:
الذباب الأزرق، وقيل: مطلق الذباب. وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، في حديثه الطويل المشتمل على كرامات ظاهرة للصديق رضي الله تعالى عنه، ومعناه أن الصديق ضيف جماعة، وأجلسهم في محله، وانصرف إلى رسول الله ﷺ فتأخر رجوعه، فلما رجع قال: أعشيتموهم؟ قالوا: لا. فأقبل على ابنه عبد الرحمن وقال: يا عنتر، فجدع وسب ومعناه دعا عليه بقطع الأنف ونحوه. وجاء يا عنيتر مصغرا شبهه بذلك تحقيرا له، وقيل: شبهه بالذباب الأزرق لشدة أذاه. وروي بالغين المعجمة وبالثاء المثلثة وهو الأكثر، ومعناه: يا لئيم. وعنترة اسم رجل وهو عنترة بن شداد بن معاوية العبسي، وهو أحد فرسان العرب وشعرائها ومتيميها، وهو من أبطال الجاهلية، ويضرب المثل بشجاعته. قال سيبويه: نون عنترة ليست زائدة.
العندليب:
الهزار بفتح الهاء، والجمع العنادل لأنك ترده إلى الرباعي ثم تبني منه الجمع والتصغير، والبلبل يعندل إذا صوت. وما أحسن قول «١» أبي سعيد المؤيد بن محمد الأندلسي الشاعر المجيد في وصف طنبور:
وطنبور مليح الشكل يحكي ... بنغمته الفصيحة عندليبا
روى لما ذوى نغما فصاحا ... حواها في تقلبه قضيبا
كذا من عاشر العلماء طفلا ... يكون إذا نشأ شيخا أديبا
ومن محاسن شعره قوله:
стр. 733
أحبّ العذول لتكراره ... حديث الحبيب على مسمعي
وأهوى الرقيب لأنّ الرقيب ... يكون إذا كان حبي معي
ومما يستجاد من محاسن شعره أيضا:
احذر صديقا ما ذقا ... مزج المرارة بالحلاوة
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوة
وما أحسن قوله:
ونهاية الدنيا وغاية أهلها ... ملك يزول وستر قوم يهتك
تحلو فتعقب غصة ومرارة ... وتحب وهي بنا تصول وتفتك
وكانت وفاته سنة سبع وخمسين وخمسمائة.
وحكمه
: حل الأكل لأنه من الطيبات.
وهو في الرؤيا
يدل على ولد ذكي والله أعلم.
العندل:
البعير الضخم الرأس يستوي فيه الذكر والأنثى.
العنز:
الأنثى من المعز، والجمع أعنز وعنوز. روى البخاري وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، من عامل يعمل بخصلة منها، رجاء ثوابها، وتصديقا بموعودها، إلا أدخله الله الجنة» «١» ، قال حسان بن عطية الراوي، عن أبي كبشة: فعددنا ما دون منيحة العنز من رد السلام، وتشميت العاطس، واماطة الأذى عن الطريق، ونحوه، فما استطعنا أن نصل إلى خمس عشرة خصلة. قال ابن بطال: لم يذكر النبي ﷺ الخصال في الحديث. ومعلوم أنه ﵊ كان عالما بها لا محالة، إلا أنه ﷺ لم يذكرها لمعنى هو أنفع لنا من ذكرها، وذلك والله أعلم، خشية أن يكون التعيين لها، زهدا في غيرها، من أبواب المعروف وسبل الخير. وقد جاء عنه ﵊، من الحث والحض على أبواب من الخير والبر، ما لا يحصى كثرة. قال: وقد بلغني عن بعض أهل عصرنا، أنه تتبعها في الأحاديث، فوجدها تزيد على أربعين خصلة ثم ذكرها إلى آخرها.
قلت: وتشميث العاطس بالشين المعجمة وبالسين المهملة، فالأول إشارة إلى جمع الشمل، لأن العرب تقول: أشمتت الإبل، إذا اجتمعت في المرعى، وقيل: معناه الدعاء لشوامته، وهو اسم للأطراف، والثاني إشارة إلى أن يرزق السمت الحسن. قلت: وقد روى صاحب الترغيب والترهيب، في باب قضاء حوائج المسلمين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للمسلم على أخيه المسلم ثلاثون حقا لا براءة له منها إلا بالأداء أو
стр. 734
العفو يغفر زلته ويرحم عبرته ويستر عورته ويقيل عثرته ويقبل معذرته ويرد غيبته ويديم نصيحته ويحفظ خلته ويرعى ذمته ويعود مرضته ويشهد منيته ويجيب دعوته ويقبل هديته ويكافىء صلته ويشكر نعمته ويحسن نصرته ويحفظ حليلته ويقضي حاجته ويشفع مسألته ويقبل شفاعته ولا يخيب مقصده ويشمت عطسته وينشد ضالته ويرد سلامه ويطيب كلامه ويزيد إنعامه ويصدق أقسامه وينصره ظالما أو مظلوما، أما نصره ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصره مظلوما فيعينه على أخذ حقه، ويواليه ولا يعاديه ويسلمه ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه» ، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم القيامة» . ثم قال علي رضي الله تعالى عنه: إن أحدكم ليدع تشميت أخيه إذا عطس، فيطالبه به يوم القيامة فيقضى له عليه. فهذه مع ما عده حسان بن عطية يجتمع منها أكثر من أربعين خصلة.
فائدة
: روى أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبري، في كتاب الدعوات، باسناده عن سويد بن غفلة، قال: أصابت علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فاقة فقال لفاطمة رضي الله تعالى عنها: لو أتيت النبي ﷺ فاتته وكان عند أم أيمن فدقت الباب، فقال النبي ﷺ لأم أيمن: «إن هذا الدق لدق فاطمة، ولقد أتتنا في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في مثلها فقومي فافتحي لها الباب» .
قال: فقامت أم أيمن ففتحت لها الباب، فلما دخلت قال ﷺ : «يا فاطمة لقد أتيتنا في ساعة ما عودتنا أن تأتينا في مثلها» . فقالت: يا رسول الله هذه الملائكة طعامها التسبيح والتحميد والتقديس، فما طعامنا؟ فقال ﷺ : «والذي بعثني بالحق ما اقتبس في آل محمد نار منذ ثلاثين يوما، وقد أتتنا أعنز فإن شئت أمرت لك بخمسة أعنز، وإن شئت علمتك خمس كلمات علمنيهن جبريل آنفا» . قالت: بل علمني الخمس التي علمك جبريل. قال ﷺ : «قولي يا أول الأولين، ويا آخر الآخرين، ويا ذا القوة المتين، ويا راحم المساكين، ويا أرحم الراحمين» . قال: فانصرفت حتى دخلت على علي بن أبي طالب، فقالت: ذهبت من عندك إلى الدنيا فأتيتك بالآخرة، وذكرت له ذلك، فقال: خير أيامك خير أيامك.
وفي كتاب صفوة التصوف للحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي، أن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما دخل على رسول الله ﷺ فقال: «يا جابر هؤلاء الأعنز إحدى عشرة عنزا في الدار أحب إليك أم كلمات علمنيهن جبريل آنفا يجمعن لك خير الدنيا والآخرة» ؟ فقال:
يا رسول الله، والله إني لمحتاج، وهذه الكلمات أحب إلي فقال ﷺ : «قل اللهم إنك البر خلاق عليم، اللهم إنك عفور حليم، اللهم إنك تواب رحيم، اللهم إنك رب العرش العظيم، اللهم إنك الجواد الكريم، اغفر لي وارحمني واجبرني ووفقني وارزقني واهدني ونجني وعافني واسترني ولا تضلني وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين» . قال: فطفق يرددهن حتى حفظتهن. ثم قال ﷺ : «تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك» . ثم قال ﷺ : «يا جابر استبقهن معك» . قال:
فاستبقتهن معي. وفي تفسير القشيري وغيره، أن ابراهيم ﵊ لما هاجر بولده اسماعيل وأمه هاجر إلى مكة، مر على قوم من العماليق، فوهبوا لإسماعيل ﵊ عشرة أعنز، فجميع أعنز مكة من نسلها. وهذا نظير ما تقدم في حمام الحرم، وأنه من نسل
стр. 735
الحمامتين اللتين عششتا على النبي ﷺ في الغار.
فائدة أخرى
: قال النبي ﷺ : «لا ينتطح فيها عنزان» «١» . والسبب في ذلك أن امرأة من خطمة، كان يقال لها عصماء بنت مروان من بني أمية، كانت تحرض على المسلمين وتؤذيهم، وتقول الشعر، فجعل عمير بن عدي عليه نذرا لله لئن رد الله رسوله سالما من بدر ليقتلنها. فلما رجع رسول الله ﷺ من بدر، عدا عليها عمير في جوف الليل فقتلها، ثم لحق بالنبي ﷺ معه الصبح، فلما قام ﷺ ليدخل مجلسه، قال لعمير بن عدي: «أقتلت عصماء» ؟ قال:
نعم فهل علي في قتلها من شيء؟ فقال ﷺ : «لا ينتطح فيها عنزان» . فأول ما سمعت هذه الكلمة منه ﷺ ، وهي من الكلام الموجز البديع المفرد الذي لم يسبق إليه. وكذلك قوله ﷺ : «حمي الوطيس «٢» ، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين «٣» ، ويا خيل الله اركبي، والولد للفراش وللعاهر الحجر «٤» ، وكل الصيد في جوف الفرا «٥» ، والحرب خدعة «٦» ، وإياكم وخضراء الدمن «٧» ، وان مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا «٨» أو يلم، والأنصار كرشي وعيبتي «٩» ، ولا يجني على المرء إلا يده «١٠» ، والشديد من غلب على نفسه عند الغضب «١١» ، وليس الخبر كالمعاينة «١٢» ، والمجالس «١٣» بالأمانة، واليد العليا خير من اليد السفلى «١٤» ، والبلاء موكل بالمنطق «١٥» ، والناس كأسنان المشط «١٦» ، وترك الشر صدقة، وأي داء أدوأ من البخل «١٧» ، والأعمال بالنيات «١٨» ، والحياء خير كله «١٩» ، واليمين الفاجرة تدع الديار «٢٠» بلاقع، وسيد القوم خادمهم، وفضل العلم
стр. 736
خير من فضل العبادة «١» ، والخيل معقود في نواصيها «٢» الخير، وأعجل الأشياء عقوبة البغي «٣» ، وإن من الشعر لحكمة «٤» ، والصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس «٥» ، ونية المؤمن خير من عمله، ونية المنافق شر من عمله، والولد للوطء، واستعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان. فإن كل ذي نعمة محسود، والمكر والخديعة في النار «٦» ، ومن غشنا ليس منا «٧» ، والمستشار مؤتمن «٨» ، والندم توبة «٩» ، والدال على الخير كفاعله «١٠» ، وحبك الشيء يعمي ويصم «١١» ، والعارية مؤدّاة «١٢» ، والأيمان قيد الفتك «١٣» » .
وأمثال ذلك من كلامه ﷺ ، وإنما خص رسول الله ﷺ العنز دون سائر الغنم، لأن العنز إنما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها.
وروى ابن دريد أن عدي بن حاتم، لما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: لا ينتطح فيها عنزان. فلما كان يوم الجمل فقئت عينه فقيل له: لا ينتطح في قيل عثمان عنزان؟ قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة، كذا ذكر هذا الخبر ابن اسحاق والدمياطي وغيرهما. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ : «أن أول خصم يقضى عليه يوم القيامة عنزان ذات قرن وغير ذات قرن» . رواه الطبراني في معجمه الأوسط، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
وحكمها
: الحل ويفدى بها الغزال إذا قتله المحرم وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة.
الأمثال
: قد تقدم في الحديث قوله ﵊ «لا ينتطح فيها عنزان «١٤» » أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجزي فيها خلف ولا نزاع وقالوا: «فلان أضرط من عنز «١٥» » . وقالوا: «عنز بها كل داء» يضرب للكثير العيوب من الناس والدواب. قال الفزاري: للعنز تسعة وتسعون داء. والعنز العقاب الأنثى في قول الشاعر:
إذا ما العنز من ملق تدلت ... ضحيا وهي طاوية تحوم «١٦»
стр. 737
فمراده بالعنز هنا العقاب الأنثى.
الخواص
: مرارة العنز، إذا خلطت بنوشادر، ونتف شعر من مكان في البدن، وطلي به الموضع، لم ينبت فيه شعر البتة. وقال ارسطو: مرارة العنز، إذا خلطت بكراث، وطلي بها مكان الشعر المنتوف، لم ينبت فيه شعر البتة. وإذا غسلت ساقها وسقي من به سلس البول أبرأه. وإن كتبت بلبنها على قرطاس، لم تبن كتابته فإن ذر عليه رماد ظهرت الكتابة.
وقال هرمس: إذا أخذ من دماغ العنز ومن دم الضبع، وزن دانق من كل واحد، وزن حبتين من كافور، وعجن باسم شخص، تولد فيه روحانية المحبة إذا طعم ذلك. ومن أخذ من مرارتها وزن دانق، ومثله من دمها، ومن دماغ سنور أسود نصف دانق، وأطعمه إنسانا قطع عنه شهوة الجماع ولا يصل إلى امرأة حتى يحل عنه. وحله أن يسقى أنفحة ظبية في لبن عنز، ويكون سخنا والله تعالى أعلم.
العنظب:
الذكر من الجرادة وفتح الظاء لغة فيه. قال الكسائي: يقال العنظب والعنظاب والعنظوب والأنثى عنظوبة، والجمع في المذكر عناظب قال الشاعر:
رؤوس العناظب كالعنجد
والجمع في المؤنث عنظوبات. وفي كتاب سيبويه العنظباء بالمد والضم.
العنظوانة:
الجراد الأنثى والجمع عنظوانات. وقد تقدم ذكر الجراد وما فيه في باب الجيم.
عنقاء مغرب ومغربة:
من الألفاظ الدالة على غير معنى. قال بعضهم: هو طير غريب يبيض بيضا كالجبال، ويبعد في طيرانه. وقيل: سميت بذلك لأنه كان في عنقها بياض كالطوق.
وقيل: هو طائر يكون عند مغرب الشمس. وقال القزويني: إنها أعظم الطير جثة، وأكبرها خلقة تخطف الفيل كما تخطف الحدأة الفأر، وكانت في قديم الزمان بين الناس فتأذوا منها، إلى أن سلبت يوما عروسا بحليها فدعا عليها حنظلة النبي ﵇، فذهب الله بها إلى بعض جزائر البحر المحيط، وراء خط الاستواء. وهي جزيرة لا يصل إليها الناس، وفيها حيوان كثير كالفيل والكركند والجاموس والبقر وسائر أنواع السباع وجوارح الطير.
وعند طيران عنقاء مغرب يسمع لأجنحتها دوي كدوي الرعد القاصف والسيل، وتعيش ألفي سنة. وتتزاوج إذا مضى لها خمسمائة سنة، فإذا كان وقت بيضها، يظهر بها ألم شديد. ثم أطال في وصفها. وذكر ارسطاطاليس، في النعوت، أن عنقاء مغرب قد تصاد فيصنع من مخالبها أقداح عظام للشرب. قال: وكيفية صيدها أنهم يوقفون ثورين ويجعلون بينهما عجلة، ويثقلونها بالحجارة العظام، ويجعلون بين يدي العجلة بيتا، يختبىء فيه رجل معه نار، فتنزل العنقاء على الثورين لتخطفهما. فإذا نشبت أظفارها في الثورين أو أحدهما لم تقدر على اقتلاعهما لما عليهما من الحجارة الثقيلة، ولم تقدر على الاستقلال لتخلص مخالبها، فيخرج الرجل بالنار فيحرق أجنحتها. قال: والعنقاء لها بطن كبطن الثور، وعظام كعظام السبع، وهي من أعظم سباع الطير انتهى.
стр. 738
وقال الإمام العلامة أبو البقاء العكبري، في شرح المقامات: إن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له مخ، صاعد في السماء قدر ميل، وكان به طيور كثيرة وكانت العنقاء به وهي عظيمة الخلق لها وجه كوجه الإنسان، وفيها من كل حيوان شبه. وهي من أحسن الطيور، وكانت تأتي هذا الجبل في السنة مرة، فتلتقط طيوره، فجاعت في بعض السنين، وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهبت بجارية أخرى، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان ﵇، فدعا عليها فأصابتها صاعقة فاحترقت. وكان حنظلة بن صفوان ﵇ في زمن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام انتهى.
وذكر غيره أن الجبل يقال له فتح وسميت العنقاء لطول عنقها، ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم الله تعالى. وذكر السهيلي، في التعريف والأعلام، في قوله «١» تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
أن البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود وكان لهم ملك عدل حسن السيرة، يقال له العلس، وكانت البئر تسقي المدينة كلها، وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك، وكانت لهم بركات كثيرة عليها ورجال كثيرون موكلون بها وأوان من رخام، وهي شبه الحياض كثيرة يملأ الناس منها وآخر للدواب، والقوم عليها يستقون الليل والنهار يتداولون ذلك.
ولم يكن لهم ماء غيرها وطال عمر الملك، فلما جاءه الموت، طلوه بدهن لتبقى صورته ولا يتغير، وكذلك كانوا يفعلون بموتاهم، إذا كانوا ممن يكرم عليهم، فلما مات شق عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد، وضجوا بالبكاء، فاغتنمها الشيطان منهم، فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة وأخبرهم أنه لم يمت ولا يموت أبدا. ثم قال: ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم.
ففرحوا أشد الفرح، وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم، ليكلمهم من ورائه كي لا يعرف الموت في صورته. فنصبوه صنما من وراء حجاب، وأخبرهم أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يموت أبدا وأنه لهم إله. وكان ذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير منهم ذلك وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب له أقل من المصدق له، وكان كلما تكلم ناصح منهم زجر وقهر، وفشا الكفر فيهم وأقبلوا على عبادته، فبعث الله إليهم نبيا، كان ينزل الوحي عليه في النوم دون اليقظة، اسمه حنظلة بن صفوان فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم وأن الله سبحانه لا يمثل بالخلق، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله تعالى، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته، فآذوه وعادوه وهو يعظهم وينصح لهم حتى قتلوه وطرحوه في بئر. فعند ذلك حلت عليهم النقمة، فباتوا شباعا رواء من الماء، فأصبحوا والبئر قد غار ماؤها، وتعطلت رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان، وأخذهم العطش وبهائمهم حتى عمهم الموت، وشملهم الهلاك وخلفهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضباع، وتبدلت جناتهم بالسدر وشوك القتاد، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن، وزئير الأسد. نعوذ بالله من سطواته، ومن الاصرار على ما يوجب نقماته.
قال: وأما القصر المشيد، فقصر بناه شداد بن عاد بن أرم، ولم يبن في الأرض مثله فيما
стр. 739
ذكر، وحاله كحال هذه البئر، في ايحاشه بعد الأنس، وافقاره بعد العمران، فلا يستطيع أحد أن يدنو منه على أميال لما يسمع من عزيف الجن والأصوات المنكرة، بعد النعيم والعيش الرغد، وانتظام الأهل كالسلك، فبادوا وما عادوا. فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وذكرى وتحذيرا من غب المعصية وسوء عاقبة المخالفة نعوذ بالله من ذلك.
وروى محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الناس دخولا الجنة يوم القيامة عبد أسود» وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل تلك القرية عدوا على ذلك النبي فحفروا له بئرا، فألقوه فيها، ثم ألقوا عليه حجرا ضخما، فكان ذلك العبد الأسود يذهب ويحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، ثم يدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يرد الصخرة كما كانت. فمكث كذلك ما شاء الله. ثم ذهب يحتطب يوما، كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته، وفرغ منها فلما أراد أن يحملها، أخذته سنة من النوم، فاضطجع فنام فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فتمطى لشقه الآخر، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فاحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم إنه اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى البئر والتمس النبي فلم يجده، وقد كان بدا لقومه ما بدا، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي يسألهم عن ذلك العبد الأسود ما فعل به فيقولون: لا ندري حتى قبض الله ذلك النبي، وأهب الله ذلك العبد الأسود من نومته بعد ذلك. فقال النبي ﷺ : «إن ذلك العبد الأسود لأوّل من يدخل الجنة» .
قلت: وقد ذكر في هذا الحديث أنهم آمنوا بنبيهم الذي استخرجوه من الحفرة، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله تعالى: وَأَصْحابَ الرَّسِّ*
«١» لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم تدميرا إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها، بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وآمنوا به، فيكون ذلك وجها.
قال ابن خلكان: ورأيت في تاريخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز بن نزار ابن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان، ما لم يجتمع عند غيره، فمن ذلك العنقاء، وهو طائر جاءه من صعيد مصر، في طول البلشون، لكنه أعظم جسما منه، له لحية وعلى رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان ومشابهة من طيور كثيرة، وقد تقدم، عن الزمخشري، أن العنقاء انقطع نسلها، فلا توجد اليوم في الدنيا.
وفي آخر ربيع الأبرار، في باب الطير عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق، في زمن موسى ﵊، طائرا يسمى العنقاء، لها أربعة أجنخة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان، وأعطاها الله تعالى من كل شيء قسطا، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إلى موسى أني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وجعلتهما زيادة فيما
стр. 740
وصلت به بني إسرائيل فتناسلا وكثر نسلهما. فلما توفي موسى ﵊، انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن نبىء خالد بن سنان العبسي من بني عبس، قبل النبي ﷺ ، فشكوا إليه ما يلقون منها فدعا الله عليها، فانقطع نسلها وانقرضت، فلا توجد اليوم في الدنيا.
وفي كتاب البدء، لابن أبي خيثمة، ذكر خالد بن سنان العبسي، وذكر نبوته، وذكر أنه كان وكل به من الملائكة، مالك خازن النار وأنه كان من أعلام نبوته، أن نارا يقال لها نار الحدثان، كانت تخرج على الناس من مفازة، فتأكل الناس والدواب، ولا يستطيعون ردها، فردها خالد بن سنان، فلم تخرج بعد ذلك. وذكر شراح الفصوص لابن عربي له قصة غريبة بعد موته، وستأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى شيء من ذلك في لفظ العير.
وروى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: «كان نبيا ضيعه قومه» . يعني خالد بن سنان.
وذكر غيره من العلماء أن ابنته أتت النبي ﷺ فبسط لها رداءه، وقال: «أهلا ببنت خير نبي» أو نحو ذلك وذكر الكواشي والزمخشري وغيرهما أنه كان بين عيسى ومحمد ﷺ أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي. وذكر البغوي أنه لا نبي بينهما، والله أعلم. وكان القاضي الفاضل ينشد «١» كثيرا:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
وتقدم في العقاب أنه مراد أبي العلاء المعري بقوله «٢» :
هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
الأمثال
: يقال: «حلقت به عنقاء مغرب» «٣» . يضرب لمن يئس منه. قال الشاعر:
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء فلم توجد ولم تكن
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذا البيت في الغول أيضا.
التعبير
: العنقاء في المنام رجل رفيع مبتدع لا يصحب أحدا، ومن رأى العنقاء كلمته نال رزقا من قبل الخليفة، وربما يصير وزيرا، ومن ركب العنقاء غلب شخصا لا يكون له نظير، ومن صادها فإنه يتزوج بامرأة جميلة وربما تعبر العنقاء بولد ذكر شجاع لمن أخذها وله امرأة حامل والله أعلم.
العنكبوت:
دويبة تنسج في الهواء، وجمعها عناكب، والذكر عنكب وكنيته أبو خيثمة وأبو
следующие страницы →