Полный текст (1 095 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
خير من فضل العبادة «١» ، والخيل معقود في نواصيها «٢» الخير، وأعجل الأشياء عقوبة البغي «٣» ، وإن من الشعر لحكمة «٤» ، والصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس «٥» ، ونية المؤمن خير من عمله، ونية المنافق شر من عمله، والولد للوطء، واستعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان. فإن كل ذي نعمة محسود، والمكر والخديعة في النار «٦» ، ومن غشنا ليس منا «٧» ، والمستشار مؤتمن «٨» ، والندم توبة «٩» ، والدال على الخير كفاعله «١٠» ، وحبك الشيء يعمي ويصم «١١» ، والعارية مؤدّاة «١٢» ، والأيمان قيد الفتك «١٣» » .
وأمثال ذلك من كلامه ﷺ ، وإنما خص رسول الله ﷺ العنز دون سائر الغنم، لأن العنز إنما تشام العنز ثم تفارقها وليس كنطاح الكباش وغيرها.
وروى ابن دريد أن عدي بن حاتم، لما قتل عثمان رضي الله تعالى عنه، قال: لا ينتطح فيها عنزان. فلما كان يوم الجمل فقئت عينه فقيل له: لا ينتطح في قيل عثمان عنزان؟ قال: بلى وتفقأ عيون كثيرة، كذا ذكر هذا الخبر ابن اسحاق والدمياطي وغيرهما. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: حدثني الصادق المصدوق أبو القاسم ﷺ : «أن أول خصم يقضى عليه يوم القيامة عنزان ذات قرن وغير ذات قرن» . رواه الطبراني في معجمه الأوسط، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
وحكمها
: الحل ويفدى بها الغزال إذا قتله المحرم وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى في باب الغين المعجمة.
الأمثال
: قد تقدم في الحديث قوله ﵊ «لا ينتطح فيها عنزان «١٤» » أي لا يلتقي فيها اثنان ضعيفان لأن النطاح من شأن التيوس والكباش لا العنوز، وهو إشارة إلى قضية مخصوصة لا يجزي فيها خلف ولا نزاع وقالوا: «فلان أضرط من عنز «١٥» » . وقالوا: «عنز بها كل داء» يضرب للكثير العيوب من الناس والدواب. قال الفزاري: للعنز تسعة وتسعون داء. والعنز العقاب الأنثى في قول الشاعر:
إذا ما العنز من ملق تدلت ... ضحيا وهي طاوية تحوم «١٦»
стр. 737
فمراده بالعنز هنا العقاب الأنثى.
الخواص
: مرارة العنز، إذا خلطت بنوشادر، ونتف شعر من مكان في البدن، وطلي به الموضع، لم ينبت فيه شعر البتة. وقال ارسطو: مرارة العنز، إذا خلطت بكراث، وطلي بها مكان الشعر المنتوف، لم ينبت فيه شعر البتة. وإذا غسلت ساقها وسقي من به سلس البول أبرأه. وإن كتبت بلبنها على قرطاس، لم تبن كتابته فإن ذر عليه رماد ظهرت الكتابة.
وقال هرمس: إذا أخذ من دماغ العنز ومن دم الضبع، وزن دانق من كل واحد، وزن حبتين من كافور، وعجن باسم شخص، تولد فيه روحانية المحبة إذا طعم ذلك. ومن أخذ من مرارتها وزن دانق، ومثله من دمها، ومن دماغ سنور أسود نصف دانق، وأطعمه إنسانا قطع عنه شهوة الجماع ولا يصل إلى امرأة حتى يحل عنه. وحله أن يسقى أنفحة ظبية في لبن عنز، ويكون سخنا والله تعالى أعلم.
العنظب:
الذكر من الجرادة وفتح الظاء لغة فيه. قال الكسائي: يقال العنظب والعنظاب والعنظوب والأنثى عنظوبة، والجمع في المذكر عناظب قال الشاعر:
رؤوس العناظب كالعنجد
والجمع في المؤنث عنظوبات. وفي كتاب سيبويه العنظباء بالمد والضم.
العنظوانة:
الجراد الأنثى والجمع عنظوانات. وقد تقدم ذكر الجراد وما فيه في باب الجيم.
عنقاء مغرب ومغربة:
من الألفاظ الدالة على غير معنى. قال بعضهم: هو طير غريب يبيض بيضا كالجبال، ويبعد في طيرانه. وقيل: سميت بذلك لأنه كان في عنقها بياض كالطوق.
وقيل: هو طائر يكون عند مغرب الشمس. وقال القزويني: إنها أعظم الطير جثة، وأكبرها خلقة تخطف الفيل كما تخطف الحدأة الفأر، وكانت في قديم الزمان بين الناس فتأذوا منها، إلى أن سلبت يوما عروسا بحليها فدعا عليها حنظلة النبي ﵇، فذهب الله بها إلى بعض جزائر البحر المحيط، وراء خط الاستواء. وهي جزيرة لا يصل إليها الناس، وفيها حيوان كثير كالفيل والكركند والجاموس والبقر وسائر أنواع السباع وجوارح الطير.
وعند طيران عنقاء مغرب يسمع لأجنحتها دوي كدوي الرعد القاصف والسيل، وتعيش ألفي سنة. وتتزاوج إذا مضى لها خمسمائة سنة، فإذا كان وقت بيضها، يظهر بها ألم شديد. ثم أطال في وصفها. وذكر ارسطاطاليس، في النعوت، أن عنقاء مغرب قد تصاد فيصنع من مخالبها أقداح عظام للشرب. قال: وكيفية صيدها أنهم يوقفون ثورين ويجعلون بينهما عجلة، ويثقلونها بالحجارة العظام، ويجعلون بين يدي العجلة بيتا، يختبىء فيه رجل معه نار، فتنزل العنقاء على الثورين لتخطفهما. فإذا نشبت أظفارها في الثورين أو أحدهما لم تقدر على اقتلاعهما لما عليهما من الحجارة الثقيلة، ولم تقدر على الاستقلال لتخلص مخالبها، فيخرج الرجل بالنار فيحرق أجنحتها. قال: والعنقاء لها بطن كبطن الثور، وعظام كعظام السبع، وهي من أعظم سباع الطير انتهى.
стр. 738
وقال الإمام العلامة أبو البقاء العكبري، في شرح المقامات: إن أهل الرس كان بأرضهم جبل يقال له مخ، صاعد في السماء قدر ميل، وكان به طيور كثيرة وكانت العنقاء به وهي عظيمة الخلق لها وجه كوجه الإنسان، وفيها من كل حيوان شبه. وهي من أحسن الطيور، وكانت تأتي هذا الجبل في السنة مرة، فتلتقط طيوره، فجاعت في بعض السنين، وأعوزها الطير فانقضت على صبي فذهبت به، ثم ذهبت بجارية أخرى، فشكوا ذلك إلى نبيهم حنظلة بن صفوان ﵇، فدعا عليها فأصابتها صاعقة فاحترقت. وكان حنظلة بن صفوان ﵇ في زمن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام انتهى.
وذكر غيره أن الجبل يقال له فتح وسميت العنقاء لطول عنقها، ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم الله تعالى. وذكر السهيلي، في التعريف والأعلام، في قوله «١» تعالى: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
أن البئر هي الرس، وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود وكان لهم ملك عدل حسن السيرة، يقال له العلس، وكانت البئر تسقي المدينة كلها، وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك، وكانت لهم بركات كثيرة عليها ورجال كثيرون موكلون بها وأوان من رخام، وهي شبه الحياض كثيرة يملأ الناس منها وآخر للدواب، والقوم عليها يستقون الليل والنهار يتداولون ذلك.
ولم يكن لهم ماء غيرها وطال عمر الملك، فلما جاءه الموت، طلوه بدهن لتبقى صورته ولا يتغير، وكذلك كانوا يفعلون بموتاهم، إذا كانوا ممن يكرم عليهم، فلما مات شق عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد، وضجوا بالبكاء، فاغتنمها الشيطان منهم، فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة وأخبرهم أنه لم يمت ولا يموت أبدا. ثم قال: ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم.
ففرحوا أشد الفرح، وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم، ليكلمهم من ورائه كي لا يعرف الموت في صورته. فنصبوه صنما من وراء حجاب، وأخبرهم أنه لا يأكل ولا يشرب ولا يموت أبدا وأنه لهم إله. وكان ذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير منهم ذلك وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب له أقل من المصدق له، وكان كلما تكلم ناصح منهم زجر وقهر، وفشا الكفر فيهم وأقبلوا على عبادته، فبعث الله إليهم نبيا، كان ينزل الوحي عليه في النوم دون اليقظة، اسمه حنظلة بن صفوان فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم وأن الله سبحانه لا يمثل بالخلق، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله تعالى، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته، فآذوه وعادوه وهو يعظهم وينصح لهم حتى قتلوه وطرحوه في بئر. فعند ذلك حلت عليهم النقمة، فباتوا شباعا رواء من الماء، فأصبحوا والبئر قد غار ماؤها، وتعطلت رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان، وأخذهم العطش وبهائمهم حتى عمهم الموت، وشملهم الهلاك وخلفهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضباع، وتبدلت جناتهم بالسدر وشوك القتاد، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن، وزئير الأسد. نعوذ بالله من سطواته، ومن الاصرار على ما يوجب نقماته.
قال: وأما القصر المشيد، فقصر بناه شداد بن عاد بن أرم، ولم يبن في الأرض مثله فيما
стр. 739
ذكر، وحاله كحال هذه البئر، في ايحاشه بعد الأنس، وافقاره بعد العمران، فلا يستطيع أحد أن يدنو منه على أميال لما يسمع من عزيف الجن والأصوات المنكرة، بعد النعيم والعيش الرغد، وانتظام الأهل كالسلك، فبادوا وما عادوا. فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وذكرى وتحذيرا من غب المعصية وسوء عاقبة المخالفة نعوذ بالله من ذلك.
وروى محمد بن اسحاق عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ : «أول الناس دخولا الجنة يوم القيامة عبد أسود» وذلك أن الله تعالى بعث نبيا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل تلك القرية عدوا على ذلك النبي فحفروا له بئرا، فألقوه فيها، ثم ألقوا عليه حجرا ضخما، فكان ذلك العبد الأسود يذهب ويحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه ويشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، ثم يدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يرد الصخرة كما كانت. فمكث كذلك ما شاء الله. ثم ذهب يحتطب يوما، كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم حزمته، وفرغ منها فلما أراد أن يحملها، أخذته سنة من النوم، فاضطجع فنام فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فتمطى لشقه الآخر، فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم إنه هب فاحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام إلا ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم إنه اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى البئر والتمس النبي فلم يجده، وقد كان بدا لقومه ما بدا، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي يسألهم عن ذلك العبد الأسود ما فعل به فيقولون: لا ندري حتى قبض الله ذلك النبي، وأهب الله ذلك العبد الأسود من نومته بعد ذلك. فقال النبي ﷺ : «إن ذلك العبد الأسود لأوّل من يدخل الجنة» .
قلت: وقد ذكر في هذا الحديث أنهم آمنوا بنبيهم الذي استخرجوه من الحفرة، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله تعالى: وَأَصْحابَ الرَّسِّ*
«١» لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس، أنه دمرهم تدميرا إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها، بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وآمنوا به، فيكون ذلك وجها.
قال ابن خلكان: ورأيت في تاريخ أحمد بن عبد الله بن أحمد الفرغاني نزيل مصر أن العزيز بن نزار ابن المعز صاحب مصر اجتمع عنده من غرائب الحيوان، ما لم يجتمع عند غيره، فمن ذلك العنقاء، وهو طائر جاءه من صعيد مصر، في طول البلشون، لكنه أعظم جسما منه، له لحية وعلى رأسه وقاية، وفيه عدة ألوان ومشابهة من طيور كثيرة، وقد تقدم، عن الزمخشري، أن العنقاء انقطع نسلها، فلا توجد اليوم في الدنيا.
وفي آخر ربيع الأبرار، في باب الطير عن ابن عباس، قال: إن الله تعالى خلق، في زمن موسى ﵊، طائرا يسمى العنقاء، لها أربعة أجنخة من كل جانب، ووجه كوجه الإنسان، وأعطاها الله تعالى من كل شيء قسطا، وخلق لها ذكرا مثلها، وأوحى إلى موسى أني خلقت طائرين عجيبين، وجعلت رزقهما في الوحوش التي حول بيت المقدس، وجعلتهما زيادة فيما
стр. 740
وصلت به بني إسرائيل فتناسلا وكثر نسلهما. فلما توفي موسى ﵊، انتقلت فوقعت بنجد والحجاز، فلم تزل تأكل الوحوش، وتخطف الصبيان إلى أن نبىء خالد بن سنان العبسي من بني عبس، قبل النبي ﷺ ، فشكوا إليه ما يلقون منها فدعا الله عليها، فانقطع نسلها وانقرضت، فلا توجد اليوم في الدنيا.
وفي كتاب البدء، لابن أبي خيثمة، ذكر خالد بن سنان العبسي، وذكر نبوته، وذكر أنه كان وكل به من الملائكة، مالك خازن النار وأنه كان من أعلام نبوته، أن نارا يقال لها نار الحدثان، كانت تخرج على الناس من مفازة، فتأكل الناس والدواب، ولا يستطيعون ردها، فردها خالد بن سنان، فلم تخرج بعد ذلك. وذكر شراح الفصوص لابن عربي له قصة غريبة بعد موته، وستأتي إن شاء الله تعالى الإشارة إلى شيء من ذلك في لفظ العير.
وروى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: «كان نبيا ضيعه قومه» . يعني خالد بن سنان.
وذكر غيره من العلماء أن ابنته أتت النبي ﷺ فبسط لها رداءه، وقال: «أهلا ببنت خير نبي» أو نحو ذلك وذكر الكواشي والزمخشري وغيرهما أنه كان بين عيسى ومحمد ﷺ أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل، وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي. وذكر البغوي أنه لا نبي بينهما، والله أعلم. وكان القاضي الفاضل ينشد «١» كثيرا:
وإذا السعادة لاحظتك عيونها ... نم فالمخاوف كلهن أمان
واصطد بها العنقاء فهي حبالة ... واقتد بها الجوزاء فهي عنان
وتقدم في العقاب أنه مراد أبي العلاء المعري بقوله «٢» :
هي العنقاء تكبر أن تصادا ... فعاند من تطيق له عنادا
الأمثال
: يقال: «حلقت به عنقاء مغرب» «٣» . يضرب لمن يئس منه. قال الشاعر:
الجود والغول والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء فلم توجد ولم تكن
وسيأتي، إن شاء الله تعالى، ذكر هذا البيت في الغول أيضا.
التعبير
: العنقاء في المنام رجل رفيع مبتدع لا يصحب أحدا، ومن رأى العنقاء كلمته نال رزقا من قبل الخليفة، وربما يصير وزيرا، ومن ركب العنقاء غلب شخصا لا يكون له نظير، ومن صادها فإنه يتزوج بامرأة جميلة وربما تعبر العنقاء بولد ذكر شجاع لمن أخذها وله امرأة حامل والله أعلم.
العنكبوت:
دويبة تنسج في الهواء، وجمعها عناكب، والذكر عنكب وكنيته أبو خيثمة وأبو
стр. 741
قشعم، والأنثى أم قشعم ووزنه فعللوت وهي قصار الأرجل كبار العيون للواحد ثمان أرجل وست عيون، فإذا أراد صيد الذباب لطأ بالأرض، وسكن أطرافه، وجمع نفسه، ثم وثب على الذباب، فلا يخطئه. قال أفلاطون: أحرص الأشياء الذباب، وأقنع الأشياء العنكبوت. فجعل الله رزق أقنع الأشياء في أحرص الأشياء، فسبحان اللطيف الخبير. وهذا النوع يسمى الذباب ومنها نوع يضرب إلى الحمرة له زغب، وله في رأسه أربع إبر ينهش بها وهو لا ينسج بل يحفر بيته في الأرض، ويخرج في الليل كسائر الهوام. ومنها الرتيلاء، وقد تقدم الكلام عليها في باب الراء المهملة. وقال الجاحظ: ولد العنكبوت أعجب من الفروج الذي يخرج إلى الدنيا كاسبا كاسيا، لأن ولد العنكبوت، يقوى على النسج ساعة يولد، من غير تلقين ولا تعليم، ويبيض ويحضن، وأول ما يولد دودا صغارا ثم يتغير ويصير عنكبوتا، وتكمل صورته عند ثلاثة أيام، وهو يطاول السفاد، فإذا أراد الذكر الأنثى جذب بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعل ذلك فعلت الأنثى مثله، فلا يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى.
وهذا النوع من العناكب حكيم، ومن حكمته أنه يمد السدى، ثم يعمل اللحمة، ويبتدىء من الوسط ويهيىء موضعا لما يصيده من مكان آخر كالخزانة، فإذا وقع شيء فيما نسجه وتحرك، عمد إليه وشبك عليه حتى يضعفه، فإذا علم ضعفه، حمله وذهب به إلى خزانته، فإذا خرق الصيد من النسج شيئا عاد إليه ورمه، والذي ينسجه لا يخرجه من جوفه بل من خارج جلده.
وفمه مشقوق بالطول وهذا النوع ينسج بيته دائما مثلث الشكل، وتكون سعة بيته بحيث يغيب فيه شخصه.
فائدة
: أسند الثعلبي وابن عطية وغيرهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيت يورث الفقر. وفي مراسيل أبي داود، عن يزيد بن مزيد، أن النبي ﷺ قال: «إن العنكبوت شيطان فاقتلوه» «١» . وهو في كامل ابن عدي، في ترجمة مسلمة بن علي الخشني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، ولفظه أن النبي ﷺ قال: «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه» . وهو حديث ضعيف ويزيد بن مزيد الهمداني الصنعاني الدمشقي، أدرك عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وهو القائل: والله لو أن الله تعالى توعدني، إن أنا عصيت، أن يسجنني في الحمام لكان حريا أن لا تجف لي عين. وطلبوه للقضاء فقعد يأكل في السوق فتخلص بذلك منهم.
وروى أبو نعيم، في الحلية، في ترجمة مجاهد أنه قال في قوله «٢» تعالى: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
أنه قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة وكان لها أجير، فولدت جارية فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارا فخرج فوجد بالباب رجلا، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ فقال: جارية. فقال: أما أن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة رجل ويتزوج بها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. فقال الأجير في نفسه: فأنا والله ما أريد هذه بعد أن تبغي بمائة، لأقتلنها! فأخذ شفرة ودخل فشق بطن الجارية وخرج على وجهه، فركب البحر فخيط بطن
стр. 742
الصبية، وعولجت فشفيت وشبت وطلعت من أجمل نساء عصرها، وكانت تبغي فأتت ساحلا من سواحل البحر، وأقامت هناك تبغي.
ولبث الرجل ما شاء الله، ثم قدم ذلك الساحل، ومعه مال كثير، فقال لامرأة من أهل ساحل البحر: ابتغي لي أجمل امرأة في القرية أتزوجها، فقالت: ههنا امرأة من أجمل الناس ولكنها بغي! فقال: ائتيني بها. فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير وقال لي كذا وكذا فقلت كذا وكذا. فقالت: إني قد تركت البغاء، ولكن إن أراد تزوجته. قال: فتزوجها فوقعت منه موقعا عظيما، وأحبها حبا شديدا، فبينما هو يوما عندها، إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، وأرته الشق في بطنها. ثم قالت: وقد كنت أبغي، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر. قال: فإنه قد قال لي يكون موتها بالعنكبوت، فبنى لها برجا في الصحراء وشيده، فبينما هو وإياها يوما في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقال: هذا عنكبوت، فقالت: هذا يقتلني لا يقتله أحد غيري فحركته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه، فشدخته فساح سمه بين أظفارها ولحمها، فاسودت رجلها وماتت. فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ
. وقال أكثر المفسرين: إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا. فرد الله عليهم بقوله «٢» أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.
والبروج: الحصون، والقلاع المشيدة: المرفوعة المطولة. قال قتادة: معناه في قصور محصنة.
وقال عكرمة: مجصصة، والمشيد المجصص. ويكفي العنكبوت فخرا وشرفا نسجها على رسول الله ﷺ ، في الغار، والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفاسير والسير وغيرها.
ونسجت أيضا على الغار الذي دخله عبد الله بن أنيس ﵁، لما بعثه النبي ﷺ لقتل خالد بن نبيح الهذلي بالعرنة، فقتله، ثم احتمل رأسه ودخل في غار، فنسجت عليه العنكبوت. وجاء الطلب، فلم يجدوا شيئا، فانصرفوا راجعين. ثم خرج فسار إلى رسول الله ﷺ والرأس معه، فلما رآه النبي ﷺ قال: «قد أفلح الوجه» «٣» . قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر، فدفع إليه النبي ﷺ عصا كانت بيده وقال: «تخطر بهذه في الجنة» .
فكانت عنده إلى أن حضرته الوفاة، فأوصى أهله أن يدفنوها في كفنه ففعلوا. وكانت مدة غيبته ثمان عشرة ليلة.
وفي الحلية للحافظ أبي نعيم عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكبوت مرتين على نبيين، على داود حين كان جالوت يطلبه وعلى النبي ﷺ في الغار.
وفي تاريخ الإمام الحافظ أبي القاسم بن عساكر، أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃، لما صلب عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة، فأقام مصلوبا أربع سنين، وكانوا وجهوه لغير القبلة، فدارت خشبته إلى القبلة،
стр. 743
ثم أحرقوا خشبته وجسده ﵀. وكان قد بايعه خلق كثير، وحارب متولي العراق يوسف بن عمران، عم الحجاج بن يوسف الثقفي، فظفر به يوسف ففعل به ذلك. وكان ظهوره في أيام هشام بن عبد الملك، ولما خرج أتاه طائفة كثيرة من أهل الكوفة، وقالوا له: تبرأ من أبي بكر وعمر، حتى نبايعك، فأبى، فقالوا: إذن نرفضك. فمن ذلك سموا الرافضة. وأما الزيدية فقالوا: لا نتولاهما ونتبرأ ممن تبرأ منهما، وخرجوا مع زيد فسموا الزيدية. وروى زيد عن أبيه زين العابدين وجماعة، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
تتمة
: ذكر ابن خلكان، في ترجمة يعقوب بن جابر المنجنيقي، أنه وقف بالقاهرة على كراريس من شعره، ورأى فيها البيتين المشهورين المنسوبين إلى جماعة من الشعراء ولا يعرف قائلهما على الحقيقة وهما «١» :
ألقني في لظى فإن أحرقتني ... فتيقن إن لست بالياقوت
جمع النسج كلّ من حاك لكن ... ليس داود فيه كالعنكبوت
قال: فعمل يعقوب بن صابر في جوابهما هذه الأبيات «٢» :
أيها المدعي الفخار دع الفخر ... لذي الكبرياء والجبروت
نسج داود لم يفد ليلة الغار ... وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في لهب النار ... مزيل فضيلة الياقوت
وكذاك النعام يلتقم الجمر ... وما الجمر للنعام بقوت
وقد تقدم في السمندل الإشارة إلى هذه الأبيات.
وحكم العنكبوت
: تحريم الأكل لاستقذارها.
الأمثال
: قالوا: «أغزل من عنكبوت» «٣» وقالوا: «أوهن من بيت العنكبوت» «٤» قال «٥» الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
. فضرب الله ببيتها المثل لمن اتخذ من دونه آلهة لا تضره ولا تنفعه، فكما أن بيت العنكبوت لا يقيها حرا ولا بردا ولا قصد أحد إليها، فكذلك ما اكتسبوه من الكفر، واتخذوه من الأصنام، لا يدفع عنهم غدا شيئا. والعالمون كل من عقل عن الله ، وعمل بطاعته، وانتهى عن معصيته، فهم يعقلون صحة هذه الأمثال وحسنها وفائدتها. وكان جهلة قريش يقولون: إن رب محمد يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، وما علموا أن الأمثال تبرز المعاني الخلفية في الصور الجلية.
стр. 744
الخواص
: إذا وضع نسج العنكبوت على الجراحات الطرية، في ظاهر البدن حفظها بلا ورم، ويقطع سيلان الدم إذا وضع عليه، وإذا دلكت الفضة المتغيرة بنسجه جلاها. والعنكبوت الذي ينسج على الكنيف، إذا علق على المحموم يبرأ بإذن الله تعالى. وإن لف في خرقة وعلق على صاحب حمى الربع نفعه وأذهبها، وكذلك إذا سحق العنكبوت وهو حي، ومرخ به صاحب الحميات أذهبها. وإذا بخر البيت بورق الآس الرطب هرب منه العنكبوت، قاله صاحب عين الخواص.
التعبير
: العنكبوت في المنام رجل قريب العهد بالزهد، وقيل: العنكبوت امرأة ملعونة تهجر فراش زوجها. وبيت العنكبوت ونسجها وهن في الدين للآية الكريمة المتقدم ذكرها في الأمثال. وقيل: العنكبوت في الرؤيا نساج فمن نازع العنكبوت نازع رجلا نساجا أو امرأة والله أعلم.
العود:
المسن من الإبل وهو الذي قد جاوز في السن البازل والخلف وجمعه عودة، والناقة عودة. ويقال في المثل: «زاحم بعود أودع» «١» ، أي استعن على أمرك بأهل السن وأهل المعرفة، فإن رأي الشيخ المسن خير من رأي الغلام ومعرفته. والعود المطافيل، تقدم ذكرها في أول الباب، في لفظ عائد. قال الجوهري: يقال لها ذلك إذا ولدت لعشرة أيام أو خمسة عشر يوما ثم هي مطفل بعد والجمع مطافيل ومطافل.
العواساء:
بفتح العين ممدود الحامل من الخنافس حكاه أبو عبيدة.
العوس:
بالضم ضرب من الغنم يقال كبش عوسي.
العومة:
بالضم دويبة تسبح في الماء، كأنها فص أسود مد ملكة والجمع عوم. قاله الجوهري.
العوهق:
الخطاف الجبلي ويقال للغراب الأسود، ويقال للبعير الأسود الجسيم العوهق الطويل يستوي فيه الذكر والأنثى.
العلا:
القطا وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف.
العلام:
الباشق، وقد تقدم ذكره في باب الباء.
العيثوم:
الضبع حكاه الجوهري عن أبي عبيدة، وقال غيره: العيثوم أنثى الفيل.
العير:
الحمار الوحشي والأهلي أيضا والجمع أعيار ومعيوراء وعيور. روى «٢» ابن ماجه من حديث عتبة بن عبد الله السلمي أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين» ورواه البزار من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه والطبراني من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وروى النسائي في عشرة النساء، من حديث عبد الله بن سرجس أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم أهله فليلق على نفسه ثوبا ولا يتجردا تجرد العيرين» «٣» . وروى
стр. 745
أبو منصور الديلمي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لا يقعن أحدكم على أهله كما يقع الحمار وليكن بينهما رسول» قالوا: وما الرسول؟ قال: «القبلة والكلام اللين» .
وفي الحديث: «إذا أراد الله بعبد سوءا أمسك عليه ذنوبه حتى يوافيه يوم القيامة كأنه عير» «١» . شبه لعظم ذنوبه بالحمار الوحشي، وقيل: أراد الجبل الذي بالمدينة اسمه عير وكان النبي ﷺ يكرهه، فكان يضرب به المثل في المكروهات غالبا. وعير العين جفنها قال الشاعر:
زعموا أن كلّ من ضرب العير ... موال لنا وأنّى الولاء
قال أبو عمرو بن العلاء: ذهب من كان يعرف معنى هذا البيت.
فائدة
: روي أن خالد بن سنان العبسي، لما حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا أنا دفنت فإنه سيجيء عانة من حمير يقدمها عير فيضرب قبري بحافره، فإذا أنتم رأيتم ذلك فانبشوا عني فإني سأخرج فأخبركم بعلم الأولين والآخرين، فلما مات واتفق ما قاله لقومه أرادوا أن يخرجوه، فكره ذلك بعض ولده وقالوا: إنا نخاف أن ينسب إلينا إنا نبشنا قبر أبينا. ولو فعلوا لخرج إليهم وأخبرهم لكن أراد الله غير ذلك. وقد تقدم أن ابنته أتت النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقال لها: أهلا ببنت خير نبي أو نحو ذلك. وروي أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
«٢» فقالت:
كأن أبي يقرأ هذا. وروي أن النبي ﷺ قال: «ذاك نبي أضاعه قومه» . وقال الشاعر يهجو رجلا:
لو كنت سيفا كنت غير عضب ... أو كنت ماء كنت غير عذب
أو كنت لحما كنت لحم كلب ... أو كنت عيرا كنت غير ندب
أي غير صريع في الحاجات.
الأمثال
: قالت العرب: «معيوراء تكادم الأعيار» «٣» جمع عير، والتكادم التعارض، يضرب مثلا للسفهاء تتهارش. وقالوا «٤» : «نجي عيرا سمنه» قال أبو زيد: زعموا أن حمرا كانت هزالا فهلكت في جدب، ونجا منها حمار، كان سمينا فضرب به المثل في الحزم قبل وقوع الأمر. أي انج قبل أن لا تقدر على ذلك. ويضرب أيضا لمن خلصه ماله من مكروه. وقالت العرب: قد حيل بين العير والنزوان يضرب لمن أيس منه. قال «٥» الشاعر:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
وذكر ابن خلكان في ترجمة أبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري من ذلك شيئا ينبغي الوقوف عليه. قال: كان الصاحب بن عباد يود الاجتماع بأبي أحمد العسكري ولا يجد إليه سبيلا، فقال لمخدومه مؤيد الدولة بن بويه: إن عسكر مكرم قد اختلت أحوالها وأحتاج إلى أن أكشفها بنفسي، فأذن له في ذلك فلما أتاها توقع أن يزوره أبو أحمد المذكور فلم يزره فكتب
стр. 746
الصاحب إليه «١» :
ولما أبيتم أن تزوروا وقلتم ... ضعفنا فلم نقدر على الوخدان
أتيناكم من بعض أرض نزوركم ... وكم منزل بكر لنا وعوان
نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان
وكتب مع هذه الأبيات شيئا من النثر، فجاوبه أبو أحمد عن النثر بنثر مثله وعن هذه الأبيات بالبيت المشهور وهو:
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فلما وقف الصاحب على الجواب، عجب من اتفاق هذا البيت له، وقال: والله لو علمت أنه يقع له هذا البيت، لما كتبت إليه على هذا الروي. وهذا البيت لصخر أخي الخنساء. وهو من جملة أبيات مشهورة. وكان صخر المذكور قد حضر محاربة بني أسد، فطعنه ربيعة بن ثور الأسدي فأدخل بعض حلقات الدرع في جنبه، وبقي مدة حول في أشد ما يكون من المرض، وأمه وزوجته سليمى يمرضانه. فضجرت زوجته منه، فمرت بها امرأة فسألتها عن حاله، فقالت: لا هو حي فيرجى ولا ميت فينسى فسمعها صخر فأنشد «٢» :
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان
لعمري لقد نبهت من كان نائما ... وأسمعت من كانت له أذنان
وأي امرىء ساوى بأم حليلة ... فلا عاش إلا شقا وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
فللموت خير من حياة كأنها ... معرس يعسوب برأس سنان
وقالوا: «كل شواء العير جوفان» «٣» ، قيل: اجتمع فزاري وثعلبي وكلبي في سفر، فاشتووا حمارا وحشيا، فغاب الفزاري في بعض حاجاته، فأكل صاحباه العير، واختبآ له غرموله، فلما جاء قدماه له وقالا: هذا قد اختبأناه لك، فجعل يأكل ولا يسيغه فضحكا منه، فاخترط سيفه وقال:
لأقتلنكما إن لم تأكلاه! فأبى أحدهما، فضربه بالسيف، فأبان رأسه. وكان اسمه مرقمة، فقال صاحبه: طاح مرقمة! فقال الفزاري: وأنت إن لم تلقمه أراد إن لم تلقمها طرحت رأسك. وقد عيرت فزارة بهذا الخبر حتى قال سالم بن دارة في ذلك «٤» :
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
لا تأمننه ولا تأمن بوائقه ... بعد الذي امتل اير العير بالنار
أطعمتم الضيف جوفانا مخاتلة ... فلا سقاكم إلهي الخالق الباري
стр. 747
وقالوا: «أذل من عير» . قيل: المراد به الوتد، لأنه يشج رأسه أبدا. وقيل: المراد به الحمار، وقال الشاعر:
ولا يقيم على خسف يراد به ... إلا الاذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمته ... وذا يشج فلا يرثى له أحد
وقال خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، عند موته: لقيت كذا وكذا زحفا، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ثم ها أنا أموت حتف أنفي كما يموت العير ، لا نامت أعين الجبناء.
العير:
بالكسر الإبل التي تحمل الميرة، ويجوز أن تجمعه على عيرات. وفي الحديث أنهم كانوا يترصدون عيرات قريش.
فائدة
: قال الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها
«١» قال ابن عطية: القرية مصر. قاله ابن عباس وغيره، وهو مجاز، والمراد أهلها. وكذلك قوله والعير هذا قول الجمهور وهو الصحيح. وحكى أبو المعالي في التلخيص، عن بعض المتكلمين، أنه قال:
هذا من الحذف، وليس من المجاز، قال: وإنما المجاز لفظة تستعار لغير ما هي له، وحذف المضاف هو غير المجاز، هذا مذهب سيبويه وغيره من أهل النظر، وليس كل حذف مجازا. ورجح أبو المعالى في هذه الآية أنه مجاز، وحكى أنه قول الجمهور، أو نحو هذا. وقالت فرقة: بل أحالوه على سؤال الجمادات والبهائم حقيقة من حيث هو نبي فلا يبعد أن تخبره بالحقيقة، قال: وهذا وان جوز فبعيد.
فائدة أخرى
: أول من قال: «لا في العير ولا في النفير» «٢» أبو سفيان بن حرب، وذلك أنه لما أقبل بعير قريش، وكان النبي ﷺ تحين انصرافها من الشأم، فندب المسلمين للخروج معه وأقبل أبو سفيان حتى دنا من المدينة، وقد خاف خوفا شديدا، فقال للمجد بن عمرو: هل أحسست بأحد من أصحاب محمد؟ فقال: ما رأيت أحدا أذكره إلا راكبين أتيا إلى هذا المكان، وأشار إلى مكان عديا وبسيسا عيني رسول الله ﷺ ، فأخذ أبو سفيان أبعارا من أبعار بعيريهما وفركها فإذا فيها نوى، فقال: علائف يثرب، هذه عيون محمد فضرب وجوه عيره عن يسار بدر، وقد كان بعث إلى قريش يخبرهم بما يخافه من النبي ﷺ ، فأقبلت قريش من مكة، فأرسل إليهم أبو سفيان يخبرهم أنه قد أحرز العير ويأمرهم بالرجوع، فأبت قريش أن ترجع، ومضت إلى بدر ورجع بنو زهرة منصرفين إلى مكة، فصادفهم أبو سفيان فقال: يا بني زهرة «لا في العير ولا في النفير» «٣» . قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع. ومضت قريش إلى بدر، فأظهر الله نبيه ﷺ عليهم ولم يشهد بدرا من بني زهرة أحد. قال الأصمعي: يضرب هذا المثل للرجل يحط أمره ويصغر قدره، والله تعالى أعلم.
عير السراة:
طائر كهيئة الحمامة.
стр. 748
العيس:
بكسر العين الإبل البيض يخالط بياضها شيء من الشقرة، واحدها أعيس والأنثى عيساء، ويقال هي كرام الإبل وما أحسن قول الأول:
ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
وفي حديث سواد بن قارب «وشدت العيس بأحلاسها» .
العيساء:
بفتح العين الأنثى من الجراد، وقد تقدم ما في الجراد في باب الجيم.
العيلام:
والعيلان بفتح العين فيهما الذكر من الضباع وفي الحديث، أن الخليل ﵊ يريد أن يحمل أباه آزر ليجوز به الصراط فينظر إليه فإذا هو عيلام أمدر، والعيلام ذكر الضباع، والياء والألف زائدتان قاله في نهاية الغريب.
العيثوم:
الضبع عن أبي عبيدة، وقد تقدم قبل ذلك بورقة، وقال الغنوي: والعيثوم الأنثى من الفيلة وأنشد «١» الأخطل:
تركوا أسامة في اللقاء كأنما ... وطئت عليه بخفّها العيثوم
العين:
من الألفاظ المشتركة، قال بعض أهل اللغة ممن تكلم على الألفاظ المشتركة: إن العين طائر أصفر البطن والظهر في حد القمري.
العيهل:
الناقة السريعة، قال أبو حاتم: ولا يقال جمل عيهل.
عيجلوف:
كحيزبون اسم النملة المذكورة في القرآن، وسيأتي إن شاء الله تعالى اختلاف العلماء في اسمها في باب النون في لفظ النمل.
ابن عرس:
وكنيته أبو الحكم وأبو الوثاب وهي دابة تسمى بالفارسية راسو، وهي بكسر العين وإسكان الراء المهملتين، تجمع على بنات عرس وبني عرس، حكاه الأخفش. قال القزويني: هو حيوان دقيق يعادي الفأر، يدخل جحره ويخرجه، ويعادي التمساح فإن التمساح لا يزال مفتوح الفم، وابن عرس يدخل فيه وينزل جوفه ويأكل أحشاءه ويمزقها، ويخرج ويعادي الحية أيضا، ويقتلها. وإذا مرض يأكل بيض الدجاج فيزول مرضه.
وحكي أن ابن عرس تبع فأرة فصعدت شجرة، فلم يزل يتبعها حتى انتهت إلى رأس الغصن، ولم يبق لها مهرب، فنزلت على ورقة وعضت طرفها، وعلقت نفسها بها، فعند ذلك صاح ابن عرس، فجاءته زوجته فلما انتهت إلى تحت الشجرة، قطع ابن عرس الورقة التي عضتها الفأرة فسقطت فاصطادها ابن عرس التي كانت تحت الشجرة.
وقال عبد اللطيف البغدادي: وأظنه الحيوان المسمى بالدلق، وإنما يختلف لونه ووبره
стр. 749
بحسب البلاد قال في طبعه: إنه يسرق ما وجد من فضة وذهب، كما يفعل الفأر وربما عادى الفأر فقتله، ولكن خوف الفأر من السنور أشد من خوفه منه. قال: وهو كثير الوجود في منازل أهل مصر، قال: وقد حكي من فطنته، أن رجلا صاد فرخا منها وحبسه في قفص بحيث تراه أمه، فلما رأته ذهبت ثم جاءت وفي فمها دينار، فألقته بين يديه كأنها تفتدي ولدها فلم يتركه لها، فذهبت وعادت بدينار آخر حتى كمل العدد خمسا، فلما رأت أنه لا يطلقه ذهبت وعادت بخرقة كأنها تشير إلى فراغ حاصلها فلم يكترث بها، فلما رأت ذلك منه عادت إل دينار منها لتأخذه، فخشي الرجل من ذلك فأطلق لها ولدها. وقد تقدم في باب الجيم في الجرذ حديث ضباعة بنت الزبير، أن المقداد بن الأسود ذهب يقضي حاجته فإذا جزد يخرج من جحره دينارا ثم دينارا ثم لم يزل كذلك، إلى أن أخرج سبعة عشر دينارا، ثم أخرج خرقة حمراء قد بقي فيها دينار واحد، فكانت ثمانية عشر، فذهب بها إلى رسول الله ﷺ فأخبره وقال: خذ صدقتها. فقال ﵊:
«هل هويت إلى الجحر بيدك؟ «١» » فقال: لا. فقال له ﵊: «بارك الله لك فيها» . قال الجاحظ: ابن عرس نوع من الفأر وأنشد «٢» قول الشمقمق:
نزل الفارات بيتي ... رفقة من بعد رفقه «٣»
ثم قال «٤» :
وابن عرس رأس بيتي ... صاعدا في رأس طبقه
ثم قال «٥» يصفه:
صبغة أبصرت منها ... في سواد العين زرقه
مثل هذا في ابن عرس ... أغبش تعلوه بلقه «٦»
فوصفه بكونه أغبش أبلق، وأنه من الفأر. وهو أنواع ثلاثة عشر ستأتي في أماكنها، إن شاء الله تعالى. وقال أرسطاطاليس، في نعوت الحيوان، والتوحيدي في الامتاع والمؤانسة: إن الأنثى من بنات عرس، تلقح من أفواهها وتلد من أذنابها. وقال في كفاية المتحفظ: ابن عرس هو السرعوب، ويقال له النمس، وهو غلط. والذي قبله قريب منه. والجمع بينه وبين كلام الجاحظ عسر لأن النمس ليس من جنس الفأر، والصواب ما قاله الجاحظ من أنه نوع من الفأر. وقال الشيخ قطب الدين السنباطي: بنات عرس هي هذه التي في بيوت مصر، وفيما قاله قصور، فإن بنات عرس أنواع كما يأتي عن الرافعي قريبا.
الحكم
: قيل: يحرم أكله لأنه كالفأر، والمشهور حله، بل قال في شرح المهذب: يحل بلا
стр. 750
خلاف، وفيه وجه حكاه الماوردي أنه يحرم. وحكى في الشرح الصغير الوجهين، وقال: الأظهر الحل، وهذه المسألة ساقطة من الشرح الكبير والروضة، والأشبه أنه من صنيع النساخ، وإلا فكلام الشرح لا يستقيم إلا بذكرها، ولذلك كتبها فيه، كما في الشرح الصغير، الشيخ عز الدين النشائي على حاشية نسخته. وقال الرافعي، في كتاب الحج: إن بنات عرس أنواع. والغزالي قال: إنه يشبه الثعلب، وكلام الغزالي يقتضي أن ابن عرس هو النمس، لأنه يشبه الثعلب بأسنانه وطول ذنبه، وإن كان أصغر منه جثة. وقال القاضي أبو الطيب: لا أعلم خلافا بين الأصحاب في حل ابن عرس، لأنه لا يتقوى بنابه، وكذا ذكر صاحب البحر. والمشهور الحل، كما في الشرح الصغير والمختصرات المشهورة كالتنبيه والوجيز والحاوي الصغير.
الخواص
: دماغه يكتحل به فينفع من ظلمة العين، وإن جفف وشرب بخل نفع من الصرع، ولحمه يستعمل ضمادا لوجع المفاصل، وشحمه يطلى به السن تقع سريعا، ومرارته إن شربت، وهي حارة، قتلت من وقتها. ودمه يطلى به الخنازير يحللها. وإن خلط دمه بدم الفأر، ومزج بماء، ورش في بيت، وقعت الخصومة بين أهله، وإن دفن ابن عرس وفأرة في بيت، فعل كما يفعل الدم، وزبله يجعل على الجراحات يقطع الدم، وإن أخذ كفاه وعلقتا على امرأة لم تحبل مادام ذلك عليها والله تعالى أعلم.
وهو في الرؤيا
: يدل على الزواج للأعزب بامرأة صبية والله تعالى أعلم.
أم عجلان:
طائر، قاله الجوهري، وقال ابن الأثير: طائر أسود، يقال له قوبع، وقيل:
طائر أسود أبيض الذنب، يكثر تحريك ذنبه يقال له الفتاح.
أم عزة:
الظبية وعزة ابنتها.
أم عويف:
دويبة صغيرة، ضخمة الرأس مخضرة، لها ذنب طويل، وأربعة أجنحة، إذا رأت الإنسان قامت على ذنبها، ونشرت أجنحتها، وهي لا تطير. ويقال لها ناشرة برديها، يلعب بها الصبيان ويقولون لها:
أمّ عويف انشري برديك ... ثمت طيري بين صحراويك
إن الأمير خاطب بنتيك ... بجيشه وناظر إليك
كذا قاله في المرصع. وهذه تشبه أن تكون أم حبين المتقدمة في باب الحاء المهملة.
أم العيزار:
السبيطر، ووقع في المهذب، في باب الهدنة أن عاقر ناقة صالح اسمه العيزار بن سالف، وهو تصحيف بلا خلاف، وإنما عاقر الناقة اسمه قدار بضم القاف، ثم دال مهملة مخففة ثم ألف ثم راء مهملة هكذا ذكره جميع أهل التواريخ والقصص والأسماء وأهل اللغة كالجوهري وغيره ونبه عليه النووي رحمه الله تعالى.
باب الغين المعجمة
الغاق:
والغاقة: نوع من طير الماء معروف مشهور.
стр. 751
الغداف:
غراب القيظ وجمعه غدفان، بكسر الغين المعجمة، وربما سموا النسر الكثير الريش غدافا. وكذلك الشعر الأسود الطويل، وقال ابن فارس: الغداف هو الغراب الضخم.
وقال العبدري وغيره من أئمة أصحابنا: هو غراب صغير أسود لونه كلون الرماد.
الحكم
: أباح الشعبي أكل الغراب الأسود الكبير، الذي يأكل الحبوب والزرع، فأشبه الحجل. وقال أبو حنيفة: الغربان كلها حلال. وروى هشام بن عروة، عن أبيه عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: «إني لأعجب ممن يأكل الغراب وقد أذن النبي ﷺ في قتله للمحرم وسماه فاسقا، والله ما هو من الطيبات» «١» وأما مذهب الشافعي، فحاصل ما في الروضة أن الغداف يحرم أكله، والذي في الرافعي أنه حلال، وهذا هو المعتمد في الفتوى، كما نبه عليه شيخنا في المهمات.
الخواص
: قال القزويني: إذا أخذت شحم الغداف مع دهن ورد، ودهنت به وجهك، ودخلت على السلطان قضى حاجتك.
الغذي:
السخلة والجمع غذاء، مثل فصيل وفصال، ومنه قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعامل الصدقة: احتسب عليهم بالغذاء، ولا تأخذها منهم. وأنشد الأصمعي:
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... غذى بهم ولقمانا وذا جدن
ورواه خلف الأحمر غذى بالتصغير حكاه الجوهري وغيره.
الغراب:
معروف، وسمي بذلك لسواده. ومنه قوله تعالى: وَغَرابِيبُ سُودٌ
«٢» وهما لفظان بمعنى واحد. ومن أحاديث راشد بن سعد أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى يبغض الشيخ الغربيب» فسره راشد بن سعد بالذي يخضب بالسواد. وجمعه غربان وأغربة وأغرب وغرابين وغرب. وقد جمعها ابن مالك في قوله:
بالغرب أجمع غرابا ثم أغربة ... وأغرب وغرابين وغربان
وكنيته أبو حاتم وأبو جحادف وأبو الجراح وأبو حذر وأبو زيدان وأبو زاجر وأبو الشؤم وأبو غياث وأبو القعقاع وأبو المرقال قال الشاعر:
إن الغراب وكان يمشي مشية ... فيما مضى من سالف الأجيال
حسد القطاة ورام يمشي مشيها ... فأصابه ضرب من العقال
فأضلّ مشيته وأخطأ مشيها ... فلذاك سموه أبا المرقال
ويقال له ابن الأبرص وابن بريح وابن داية، وهو أصناف: الغداف والزاغ والأكحل،
стр. 752
وغراب الزرع والأورق. وهذا الصنف يحكي جميع ما يسمعه. والغراب الأعصم عزيز الوجود.
قالت «١» العرب: «أعز من الغراب الأعصم» .
وقال ﷺ : «مثل المرأة الصالحة في النساء، كمثل الغراب الأعصم في مائة غراب» . رواه الطبراني من حديث أبي أمامة.
وفي رواية ابن أبي شيبة، قيل: يا رسول الله وما الغراب الأعصم؟ قال: «الذي إحدى رجليه بيضاء» . وروى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه، عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمر الظهران، فإذا بغربان كثيرة، فيها غراب أعصم أحمر المنقار والرجلين، فقال ﷺ : «لا يدخل الجنة من النساء إلا مثل هذا الغراب، في هذه الغربان» «٢» وإسناده صحيح. وهو في السنن الكبرى للنسائي. قال في الإحياء: الأعصم أبيض البطن. وقال غيره: الأعصم أبيض الجناحين. وقيل: أبيض الرجلين أراد ﵊ قلة الصالحة في النساء، وقلة من يدخل الجنة منهن، لأن هذا الوصف في الغربان عزيز قليل.
وفي وصية لقمان لابنه: يا بني اتق المرأة، فإنها تشيبك قبل المشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر. وقال الحسن: والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار. وقال عمر رضي الله تعالى عنه: خالفوا النساء، فإن في خلافهن البركة. وقد قيل: شاوروهن وخالفوهن. وفي السيرة، في قصة حفر زمزم لما رأى عبد المطلب قائلا يقول له: احفر طيبة، قال: وما طيبة؟ قال: زمزم. قال: وما علامتها؟ قال: بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم. قال السهيلي: في ذلك إشارة إلى أن الذي يهدم الكعبة صفته كصفة الغراب، وهو ذو السويقتين. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٣» : «يخرب الكعبة ذو السويقتين رجل من الحبشة» . وفي البخاري، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ ، أنه قال «٤» : «كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرا حجرا» . وفي حديث حذيفة الطويل، «كأني بحبشي أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، وأصحابه ينقضونها حجرا حجرا، ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر» . يعني الكعبة.
ذكره أبو الفرج ابن الجوزي، وذكر الحليمي أن هذا يكون في زمن عيسى ﵇. وفي الحديث: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع فقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة» .
وغراب الليل، قال الجاحظ: هو غراب ترك أخلاق الغربان، وتشبه بأخلاق البوم، فهو من طير الليل. وسمعت بعض الثقات يقول: إن هذا الغراب يشاهد كثيرا في الليل. وقال ارسطاطاليس، في النعوت: الغربان أربعة أجناس، أسود حالك، وأبلق ومطرف ببياض لطيف الجرم يأكل الحب، وأسود طاوسي براق الريش، ورجلاه كلون المرجان، يعرف بالزاغ، وفي
стр. 753
الغراب كله الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة، ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه.
والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها، لأنها تخرج قبيحة المنظر جدا، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرؤوس والمناقير، جرداء اللون، متفاوتة الأعضاء، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه، فيجعل الله قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه، فيعود إليه أبواه. وعلى الأنثى أن تحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم.
وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد، بل إن وجد جيفة، أكل منها وإلا مات جوعا، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير، وفيه حذر شديد وتنافر. والغداف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكله، ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه، يحمل الذكر والأنثى في أرجلهما حجارة، ويتحلقان الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه.
قال الجاحظ: قال صاحب منطق الطير: الغراب من لئام الطير، وليس من كرامها، ولا من أحرارها ومن شأنه أكل الجيف والقمامات، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله في الناس الزنج فإنهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا، كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام، أو ثخنت بلاده فأحرقته الأرحام، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول، وكمالهم فوق الكمال، لأجل ما فيها من الاعتدال. فالغراب الشديد السواد، ليس له معرفة ولا كمال، والغراب الأبقع كثير المعرفة، وهو الأم من الأسود انتهى. والعرب تتشاءم بالغراب، ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب.
فائدة أجنبية
: اسم الغربة مجموع من أسماء دالة على محصول اسم الغربة فالغين من غدر وغرور وغيبة وغم وغلة، وهي حرارة الحزن، وغرة وغول وهي كل مهلكة، والراء من رزء وردع وردى وهو الهلاك، والباء من بلوى وبؤس وبرح وهو الداهية، وبوار وهو الهلاك، والهاء من هوان وهول وهم وهلك، قاله محمد بن ظفر، في السلوان. وغراب البين الأبقع. قال الجوهري:
هو الذي فيه سواد وبياض. وقال صاحب المجالسة: سمي غراب البين لأنه بان عن نوح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، لما وجهه لينظر إلى الماء، فذهب ولم يرجع. ولذلك تشاءموا به. وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا، فيما أرى، لتخلفه حين أرسله نوح ﵇، ليأتيه بخبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة. قال عنترة:
ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع
وقال صاحب منطق الطير: الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرام، من الفواسق، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس، لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس، واشتق ذلك أيضا لكل شيء اشتد أذاه. وأصل الفسق الخروج عن الشيء، وفي الشرع الخروج عن الطاعة انتهى.
قال الجاحظ: غراب البين نوعان، أحدهما غراب صغير معروف باللؤم والضعف، وأما الآخر فإنه ينزل في دور الناس، ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها، وبانوا منها. قال:
وكل غراب غراب البين، إذا أرادوا به الشؤم لا غراب البين نفسه الذي هو غراب صغير أبقع.
стр. 754
وإنما قيل: لكل غراب غراب البين، لأنه يسقط في منازلهم إذا ساروا منها وبانوا عنها، فلما كان هذا الغراب لا يوجد إلا عند بينونتهم عن منازلهم، اشتقوا له هذا الاسم من البينونة.
وقال المقدسي، في كشف الأسرار، في حكم الطيور والأزهار، في صفة غراب البين: هو غراب أسود ينوح نوح الحزين المصاب، وينعق بين الخلان والأحباب، إذا رأى شملا مجتمعا أنذر بشتاته، وإن شاهد ربعا عامرا بشر بخرابه، ودروس عرصاته، يعرف النازل والساكن بخراب الدور والمساكن، ويحذر الآكل غصة المآكل، ويبشر الراحل بقرب المراحل، ينعق بصوت فيه تحزين، كما يصيح المعلن بالتأذين وأنشد على لسان حاله:
أنوح على ذهاب العمر مني ... وحقّ أن أنوح وأن أنادي
وأندب كلما عاينت ركبا ... حدا بهمو لو شك البين حادي
يعنفني الجهول إذا رآني ... وقد ألبست أثواب الحداد
فقلت له: اتعظ بلسان حالي ... فإني قد نصحتك باجتهاد
وها أنا كالخطيب وليس بدعا ... على الخطباء أثواب السواد
ألم ترني إذا عاينت ركبا ... أنادي بالنوى في كل ناد
أنوح على الطلول فلم يجبني ... بساحتها سوى خرس الجماد
فأكثر في نواحيها نواحي ... من البين المفتت للفؤاد
تيقظ يا ثقيل السمع وافهم ... إشارة من تسير به العوادي
فما من شاهد في الكون إلا ... عليه من شهود الغيب بادي
وكم من رائح فيها وغاد «١» ... ينادي من دنو أو بعاد
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
فدل قوله: وقد ألبست أثواب الحداد، وليس بدعا على الخطباء أثواب السواد، أنه أسود. وقوله:
فلم يجبني بساحتها سوى خرس الجماد، أنه يوجد عند مفارقة أهل المواضع لها، وأما قوله: وينغق بين الخلان والأحباب، فهو بالغين المعجمة، عند جمهور أهل اللغة، وهو الذي قاله ابن قتيبة، وجعل غيره خطأ.
ونقل البطليوسي، عن صاحب المنطق، أنه قال: نعق الغراب ونغق. قال: وهو بالغين المعجمة أحسن. وحكى ابن جني مثل ذلك. وقد أحسن الصاحب بهاء الدين زهير وزير الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بقوله في البين من أبيات:
لقد ظلمتني واستطالت يد النوى ... وقد طمعت في جانبي كل مطمع «٢»
إلى كم أقاسي فرقة بعد فرقة ... وحتى متى يا بين أنت معي معي
وقالت علمنا ما جرى منك بعدنا ... فلا تظلميني ما جرى غير أدمعي
стр. 755
وله ملغزا في قفل وقد أجاد:
وأسود عار أنحل البرد جسمه ... ومازال من أوصافه الحرص والمنع «١»
وأعجب شيء كونه الدهر حارسا ... وليس له عين وليس له سمع
وله شعر جيد، وشعره عند أهل الصناعة يسمى السهل الممتنع. وكان متمكنا من الملك الصالح ولا يتوسط إلا بالخير، وكانت وفاته سنة ست وخمسين وستمائة رحمه الله تعالى.
ويقال: إذا صاح الغراب مرتين، فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات فهو خير على قدر عدد الحروف. ولما كان صافي العين حاد البصر سموه أعور. وقال الجاحظ: إنهم إنما سموه بالأعور تطيرا منه وتشاؤما به وليس به عور. وقيل: إنما سموه أعور تفاؤلا بالسلامة منه، كما سموا البرية بالمفازة، واليد الشمال باليسار.
والتطير أصله من الطير إذا مر بارحا أو سانحا أو قعيدا أو ناطحا، فالبارح ما أتى من ناحية الميامن والسانح، بالنون والحاء المهملة ما أتى من ناحية المياسر، والناطح ما تلقاك والقعيد ما استدبرك. وإنما كان الغراب هو المقدم عندهم في باب الشؤم، لأنه لما كان أسود ولونه مختلفا إن كان أبقع، ولم يكن على إبلهم شيء أشد من الغراب. وكان حديد البصر يخاف من عينيه كما يخاف من عين المعيان قدموه في باب الشؤم انتهى. وقيل: إنما سموه أعور لتغميض إحدى عينيه أبدا، من قوة بصره. قاله ابن الأعرابي، وسيأتي في الأمثال شيء من هذا.
فائدة
: قال صاحب العشرات: اسم الغراب من الأسماء المشتركة، يقع على الثلج وعلى الضفيرة من الشعر وعلى المعول وعلى رأس الورك وعلى الغراب نفسه. قال: أنشدني أبو عبد الله المهلبي، يعني نفطويه كنى عنه لأنه كان في زمانه، عن ثعلب عن ابن الأعرابي:
يا عجبا للعجب العجاب ... خمسة غربان على غراب
وقال ارسطاطاليس في النعوت: غراب البين جسمه أسود ومنقاره ورجلاه صفر، ومأكله من جميع النبات واللحوم. وفي الحديث أن النبي ﷺ «نهى عن نقرة الغراب» «٢» . يريد بذلك تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه، إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله. وروى البخاري في الأدب، والحاكم في المستدرك والبيهقي في الشعب، وابن عبد البر وغيرهم عن عبد الله بن الحارث الأموي، عن أمه ريطة بنت مسلم، عن أبيها، أنه قال: شهدت مع النبي ﷺ حنينا، فقال: «ما اسمك» ؟ قلت: اسمي غراب. فقال ﷺ : «بل أنت مسلم» «٣» . وإنما غير النبي ﷺ اسمه لأنه حيوان خبيث الفعل، خبيث المطعم، ولذلك أمر ﷺ بقتله في الحل والحرم.
وفي سنن أبي داود أن النبي ﷺ أتاه رجل فقال: «ما أسمك» ؟ قال: أصرم. قال: «بل أنت زرعة» . وإنما غيره لما فيه من معنى الصرم وهو القطع. قال أبو داود: وغير النبي ﷺ اسم
стр. 756
العاص وعزيز وعقلة وشيطان والحكم وحباب وشهاب وأرض تسمى عفرة فسماها النبي ﷺ خضرة. فالعاص كرهه لمعنى العصيان، وإنما صفة المؤمن الطاعة والاستسلام. وعزيز إنما غيره لأن العزة لله تعالى وشعار العبد الذلة والاستكانة، وقد قال الله تعالى عندما قرع بعض أعدائه:
ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ
«١» وعقلة معناه الشدة والغلظة، ومن صفة المؤمن اللين والسهولة. قال ﷺ : «المؤمنون هينون لينون» . والشيطان اشتقاقه من البعد عن الخير. والحكم هو الحاكم الذي لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله . والحباب اسم الشيطان، والشهاب اسم للشعلة من النار والنار عقوبة الله تعالى، وهي محرقة مهلكة، نسأل الله النجاة منها. وأما عفرة فهو نعت لأرض لا تنبت شيئا، فسماها خضرة على معنى التفاؤل لتخضر وتزرع.
وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن شبل، وليس له في الكتب الستة سواه أن النبي ﷺ «نهى المصلي عن نقرة الغراب» «٢» . ورواه الحاكم بلفظ «نهى عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان كما يوطنه البعير» . يريد بنقرة الغراب تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.
وروى أبو يعلى الموصلي، والطبراني، في معجمه الأوسط، عن سلمة بن قيصر أن النبي ﷺ قال: «من صام يوما ابتغاء وجه الله، باعده الله من النار كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرما» . وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه كلام.
وروى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه مثله عن رسول الله ﷺ . ورواه الإمام أحمد في الزهد والبزار، وفيه رجل لم يسم، وقد تقدم في باب الحاء المهملة، في لفظ الحية، ما رواه الدارقطني عن أبي أمامة قال: دعا النبي ﷺ بخفيه ليلبسهما فلبس أحدهما ثم جاء غراب فاحتمل الآخر ورمى به فخرجت منه حية فقال ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما» «٣» وفي إسناده هشام بن عمر، وذكره ابن حبان في الثقات وهو حديث صحيح إن شاء الله تعالى. وقد تقدم في الأسود السالخ حديث نظير هذا.
وروى الإمام أحمد في الزهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه كان إذا نعب الغراب قال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك. وروينا عن ابن طبرزذ، بإسناده إلى الحكم بن عبد الله بن حطان عن الزهري، عن أبي واقد عن روح بن حبيب قال:
بينما أنا عند أبي بكر رضي الله تعالى عنه، إذ أتي بغراب، فلما رآه بجناحين حمد الله تعالى ثم قال:
قال رسول الله ﷺ : «ما صيد قط صيد إلا بنقص من تسبيح، ولا أنبت الله تعالى نابتة إلا وكل بها ملكا يحصي تسبيحها حتى يأتي به يوم القيامة، ولا عضدت شجرة ولا قطعت، إلا بنقص من تسبيح، ولا دخل على امرىء مكروه إلا بذنب، وما عفا الله عنه أكثر» . يا غراب اعبد الله، ثم خلى سبيله. وسيأتي نظير هذا في لفظ القسورة، من كلام عمر رضي الله تعالى عنه.
стр. 757
فائدة أخرى
: قال أبو الهيثم: يقال: إن الغراب يبصر من تحت الأرض بقدر منقاره.
والحكمة في أن الله تعالى بعث إلى قابيل، لما قتل أخاه هابيل، غرابا ولم يبعث له غيره من الطير، ولا من الوحش أن القتل كان مستغربا جدا، إذ لم يكن معهودا قبل ذلك فناسب بعث الغراب.
قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً
«١» الآيات. قال المفسرون: كان قابيل صاحب زرع، فقرب أرذل ما عنده وأدناه، وكان هابيل صاحب غنم فعمد إلى أفضل كباشه فقربه. وكان دليل القبول أن تأتي نار تأكل القربان، فأخذت النار الكبش الذي قربه هابيل، فكان ذلك الكبش يرعى في الجنة، حتى أهبط إلى إبراهيم ﵊ في فداء ولده إسماعيل ﵊. وكان قابيل أسن ولد آدم ﵊.
وروي أن آدم حج إلى مكة وجعل قابيل وصيا على بنيه فقتل قابيل هابيل فلما رجع آدم قال: أين هابيل؟ فقال: لا أدري. فقال آدم: اللهم العن أرضا شربت دمه! فمن ذلك الوقت لم تشرب الأرض دما.
ثم إن آدم بقى مائة عام لا يبتسم، حتى جاءه ملك الموت، فقال له: حياك الله يا آدم وبياك، قال: وما بياك؟ قال: أضحكك. وروي أن قابيل حمل أخاه هابيل ومشى به حتى أروح، ولم يدر ما يصنع به، فبعث الله غرابين، فقتل أحدهما الآخر، ثم بحث في الأرض بمنقاره ودفنه، فاقتدى به قابيل، فكان بعث الغراب حكمة كبرى ليرى ابن آدم كيف المواراة، وهو معنى قوله «٢» تعالى: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
وروى أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «امتن الله تعالى على ابن آدم بالريح بعد الروح ولولا ذلك ما دفن حبيب حبيبا» .
وقابيل أول من يساق إلى النار من ولد آدم قال «٣» الله تعالى: رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
وهما قابيل وإبليس.
وروى أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ سئل عن يوم الثلاثاء، فقال: «يوم الدم فيه حاضت حواء، وفيه قتل ابن آدم أخاه «٤» » . قال مقاتل: وكان قبل ذلك السباع والطيور تستأنس بآدم، فلما قتل قابيل هابيل، هربت منه الطير والوحش، وشاكت الأشجار، وحمضت الفواكه، وملحت المياه، واغبرت الأرض. وروى أبو داود، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أنه قال: يا رسول الله إن دخل علي إنسان في الفتنة، وبسط إلي يده فقال: «كن كخير ابني آدم» «٥» . وتلا هذه الآية.
عجيبة
: نقل القزويني عن أبي حامد الأندلسي أن على البحر الأسود، من ناحية الأندلس، كنيسة من الصخر، منقورة في الجبل، عليها قبة عظيمة وعلى القبة غراب لا يبرح، وفي مقابل القبة مسجد يزوره الناس، يقولون: إن الدعاء فيه مستجاب، وقد شرط على القسيسين ضيافة
стр. 758
من يزور ذلك المسجد من المسلمين، فإذا قدم زائر، أدخل الغراب رأسه في روزنة على تلك القبة، وصاح صيحة، وإذا قدم اثنان صاح صيحتين، وهكذا كلما وصل زوار صاح على عددهم، فتخرج الرهبان بطعام يكفي الزائرين. وتعرف تلك الكنيسة بكنيسة الغراب، وزعم القسيسون أنهم ما زالوا يرون غرابا على تلك القبة، ولا يدرون من أين يأكل أو يشرب.
عجيبة أخرى
: قال أبو الفرج المعافى بن زكريا، في كتاب الجليس والأنيس له: كنا نجلس في حضرة القاضي أبي الحسن فجئنا على العادة فجلسنا عند بابه، وإذا أعرابي جالس كانت له حاجة، إذ وقع غراب على نخلة في الدار فصرخ ثم طار، فقال الأعرابي: إن هذا الغراب يقول:
إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام، قال: فزجرناه فقام وانصرف، ثم خرج الإذن من القاضي إلينا فدخلنا فوجدناه متغير اللون مغتما، فقلنا له: ما الخبر؟ فقال: رأيت البارحة في النوم شخصا يقول:
منازل آل عباد بن زيد ... على أهليك والنعم السلام
وقد ضاق صدري لذلك، فدعونا له وانصرفنا. فلما كان في اليوم السابع من ذلك اليوم دفن. قال القاضي أبو الطيب الطبري: سمعت هذه الحكاية من لفظ شيخنا أبي الفرج المذكور.
عجيبة أخرى
: قال يعقوب بن السكيت: كان أمية بن أبي الصلت في بعض الأيام يشرب، فجاء غراب فنعب نعبة، فقال له أمية: بفيك التراب، ثم نعب أخرى، فقال له أمية:
بفيك التراب. ثم أقبل على أصحابه، فقال: أتدرون ما يقول هذا الغراب؟ زعم أني أشرب هذا الكأس فأموت، وأمارة ذلك أنه يذهب إلى هذا الكوم فيبتلع عظما فيموت. قال: فذهب الغراب إلى الكوم فابتلع عظما فمات ثم شرب أمية الكأس فمات من حينه اهـ.
قلت: وأمية بن أبي الصلت الكافر مذكور في مختصر المزني والمهذب وغيرهما، في كتاب الشهادات. وسمع النبي ﷺ شعره الذي فيه حكمة واقراره بالوحدانية والبعث. واسم أبي الصلت عبد الله بن ربيعة بن عوف وكان أمية يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث وينشد في ذلك الشعر الحسن وأدرك الإسلام ولم يسلم. وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد رضي الله تعالى عنه، قال: ردفت رسول الله ﷺ يوما فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء» «١» قلت: نعم. فقال: «هيه» فأنشدته بيتا، فقال: «هيه» ثم أنشدته بيتا.
فقال: «هيه» حتى أنشدته مائة بيت فقال ﷺ : «إن كاد ليسلم» . وفي رواية: «لقد كاد أن يسلم بشعره» وإنما قال ﷺ ذلك لما سمع قوله:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا ... فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجد
وفي مسند الدارمي، من حديث عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صدّق النبي ﷺ أمية بن أبي الصلت في أبيات من شعره في قوله «٢» :
стр. 759
زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال ﷺ : «صدق» . قال:
والشمس تطلع كلّ آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد
فقال ﷺ : «صدق» . قال:
تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد
فقال ﷺ : «صدق» . قال السهيلي، في التعريف والاعلام، في قوله «١» تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
الآية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنها نزلت في بلعام بن باعورا، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: إنها نزلت في أمية بن أبي الصلت الثقفي.
وكان قد قرأ التوراة والإنجيل في الجاهلية، وكان يعلم أنه سيبعث نبي من العرب فطمع أن يكون هو، فلما بعث النبي ﷺ وخرجت النبوة عن أمية حسده وكفر. وهو أول من كتب باسمك اللهم، ومنه تعلمت قريش، فكانت تكتب به في الجاهلية.
ولتعلم أمية هذه الكلمة نبأ عجيب ذكره المسعودي، وذلك أن أمية كان مصحوبا تبدو له الجن، فخرج في عير من قريش، فمرت بهم حية فقتلوها، فاعترضت لهم حية أخرى تطلب بثأرها، وقالت: قتلتم فلانا! ثم ضربت الأرض بقضيب، فنفرت الإبل فلم يقدروا عليها، إلا بعد عناء شديد، فلما جمعوها، جاءت فضربت ثانية فنفرت، فلم يقدروا عليها إلا بعد نصف الليل، ثم جاءت فضربت ثالثة فنفرتها، فلم يقدروا عليها حتى كادوا أن يهلكوا بها عطشا وعناء، وهم في مفازة لا ماء فيها. فقالوا لأمية: هل عندك من حيلة؟ قال: لعلها. ثم ذهب حتى جاوز كثيبا، فرأى ضوء نار على بعد فاتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيا، فقال: اذهب فإن جاءتكم فقولوا: باسمك اللهم سبعا. فرجع إليهم وقد أشرفوا على الهلكة فأخبرهم بذلك فلما جاءتهم الحية قالوا ذلك، فقالت: تبا لكم من علمكم هذا؟ ثم ذهبت. وأخذوا إبلهم وكان فيهم حرب بن أمية بن عبد شمس، جد معاوية بن أبي سفيان، فقتله الجن بعد ذلك بثأر الحية المذكورة وقالوا «٢» فيه:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
وقد أسلمت عاتكة أخت أمية بن أبي الصلت هذا، وأخبرت عنه بخبر، ذكره عبد الرزاق في تفسيره. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في هذا الكتاب، في باب النون، في الكلام على النسر ما يوافق ذلك.
الحكم
: يحرم أكل الغراب الأبقع الفاسق، وأما الأسود الكبير وهو الجبلي، فهو حرام
стр. 760
أيضا، على الأصح، وبه قطع جماعة، وغراب الزرع حلال على الأصح. وقد تقدم حكم العقعق والغداف. وقال أبو حنيفة: الغربان كلها حلال. روى «١» البخاري في صحيحه، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال: «خمس من الدواب ليس على قاتلهن جناح:
الغراب والحدأة والفأرة والحية والكلب العقور» . وفي سنن ابن ماجه والبيهقي، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «الحية فاسقة، والفأرة فاسقة، والغراب فاسق» «٢» . وفي سنن ابن ماجه أيضا قيل لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أيؤكل الغراب «٣» قال:
ومن يأكله بعد قول رسول الله ﷺ فيه إنه فاسق؟. وهذه الفواسق الخمس لا ملك لأحد فيها ولا اختصاص، كذا نقله الرافعي في كتاب ضمان البهائم، عن الإمام وأقره. وعلى هذا فلا يجب ردها على غاصبها.
الأمثال
: قال الشاعر:
ومن يكن الغراب له دليلا ... يمرّ به على جيف الكلاب
وقالوا: «لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب» «٤» ، أي لا أفعل أبدا، لأن الغراب لا يشيب أبدا.
روى الحافظ أبو نعيم في حليته، في ترجمة سفيان بن عيينة، عن مسعر بن كدام، أن رجلا ركب البحر فانكسرت السفينة فوقع في جزيرة، فمكث ثلاثة أيام لم ير أحدا، ولم يأكل ولم يشرب، فتمثل بقول القائل:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي ... وصار القار كاللبن الحليب
فأجابه صوت مجيب لا يراه:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب
فنظر فإذا سفينة قد أقبلت، فلوح إليهم فأتوه فحملوه، فأصاب خيرا كثيرا. وقالوا: «أبصر من غراب» «٥» . زعم ابن الأعرابي أن العرب تسمي الغراب الأعور لأنه يغمض أبدا إحدى عينيه، ويقتصر على النظر بإحداهما من قوة بصره. وقال غيره: إنما سموه أعور لحدة بصره على طريق التفاؤل قال بشار بن برد الأعمى:
وقد ظلموه حين سمّوه سيدا ... كما ظلم الناس الغراب بأعورا
وقد تقدم عن أبي الهيثم، أن الغراب يبصر من تحت الأرض، بقدر منقاره. وقالوا: «أخيل من غراب» «٦» «وأزهى «٧» وأبكر من غراب «٨» » ، فإنه أشد الطير بكورا. وقالوا: «أبطأ من غراب
стр. 761
نوح» «١» . وذلك أن نوحا ﵊ أرسله لينظر هل غرقت البلاد ويأتيه بالخبر، فوجد جيفة طافية على وجه الماء فاشتغل بها، ولم يأته بالخبر، فدعا عليه فعقلت رجلاه، وخاف من الناس. وقالوا «٢» : «كأنهم كانوا غرابا واقعا» ، يضرب فيما ينقضي سريعا، فإن الغراب، إذا وقع لا يلبث أن يطير. وقالوا: «كالغراب والذئب» يضرب للرجلين بينهما موافقة فلا يختلفان، لأن الذئب إذا أغار على غنم تبعه الغراب ليأكل ما فضل منه. وقالوا: «الغراب أعرف بالتمر» «٣» .
وذلك أن الغراب لا يأخذ إلا الأجود منه، ولذلك يقال: «وجد تمرة الغراب» «٤» ، إذا وجد شيئا نفيسا.
وقالوا: «أشأم من غراب البين» «٥» ، وإنما لزمه هذا الاسم لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة، وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمقم فيتشاءموا به، ويتطيروا منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا، فلذلك سموه غراب البين. وقال فيه شاعرهم:
وصاح غراب فوق أعواد بانة ... بأخبار أحبابي فهيمني الفكر
فقلت: غراب باغتراب وبانة ... ببين النوى تلك العيافة والزجر
وهبّت جنوب باجتنابي منهم ... وهاجت صبا قلت: الصبابة والهجر
وقالوا: «أحذر من غراب» «٦» . حكى المسعودي، عن بعض حكماء الفرس، أنه قال: أخذت من كل شيء أحسن ما فيه، حتى انتهى بي ذلك إلى الكلب والهرة والخنزير والغراب، قيل له: فما أخذت من الكلب؟ قال: ألفه لأهله، وذبه عن صاحبه. قيل: فما أخذت من الهرة؟ قال: حسن تأنيها، وتملقها عند المسألة. قيل: فما أخذت من الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه. قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره. وقالوا: «أغرب من غراب» «٧» ، و «أشبه بالغراب من الغراب» «٨» .
غريبة
: رأيت في كتاب الدعوات، للإمام أبي القاسم الطبراني، وفي تاريخ ابن النجار، في ترجمة أبي يعقوب يوسف بن الفضل الصيدلاني، وفي الإحياء، في كتاب آداب السفر، عن زيد بن أسلم عن أبيه، قال: بينما عمر رضي الله تعالى عنه جالس يعرض الناس، إذ هو برجل معه ابنه فقال له: ويحك ما رأيت غرابا أشبه بغراب من هذا بك قط! قال: يا أمير المؤمنين، هذا ما ولدته أمه إلا وهي ميتة! فاستوى عمر جالسا وقال له: حدثني حديثه، قال: يا أمير المؤمنين خرجت لسفر، وأمه حامل به، فقالت: تخرج وتتركني على هذا الحال حاملا مثقلة؟ فقلت:
استودع الله ما في بطنك. ثم خرجت فغبت أعواما ثم قدمت فإذا بابي مغلق. فقلت: ما فعلت فلانة، قالوا: ماتت. فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم انطلقت إلى قبرها، فبكيت عندها، ثم رجعت فجلست إلى بني عمي، فبينما أنا كذلك، إذ ارتفعت لي نار من بين القبور، فقلت لبني عمي: ما هذه النار؟ فقالوا: ترى على قبر فلانة كل ليلة! فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أما
стр. 762
والله لقد كانت صوامة قوامة عفيفة مسلمة، انطلقوا بنا إليها فانطلقنا، فأخرت الناس وأتيت القبر فإذا القبر مفتوح، وإذا هي جالسة، وهذا الولد يدور حولها، وإذا مناد ينادي: أيها المستودع ربه وديعته خذ وديعتك. أما والله لو استودعت أمه لوجدتها! فأخذته وعاد القبر كما كان والله يا أمير المؤمنين. قال أبو يعقوب: فحدثت بهذا الحديث في الكوفة، فقالوا: نعم هذا الرجل كان يقال له خزين القبور.
وقريب من هذا الخبر في غريب اتفاقه، ولطيف مساقه، ما حكاه الحافظ المزني في تهذيبه، في ترجمة عبيد بن واقد الليثي البصري، أنه قال: خرجت أريد الحج، فوقفت على رجل بين يديه غلام من أحسن الغلمان صورة، وأكثرهم حركة، فقلت: من هذا؟ ومن يكون؟ قال: ابني.
وسأحدثك عنه. خرجت مرة حاجا، ومعي أم هذا الغلام، وهي حامل به، فلما كنا في بعض الطريق، ضربها الطلق فولدت هذا الغلام وماتت. وحضر الرحيل، فأخذت الصبي، فلففته في خرقة، وجعلته في غار، وبنيت عليه أحجارا، وارتحلت وأنا أرى أنه يموت من ساعته. فقضينا الحج، ورجعنا فلما نزلنا ذلك المنزل، بادر بعض أصحابي إلى الغار فنقض الأحجار فإذا هو بالصبي يلتقم إبهاميه فنظرنا فإذا اللبن يخرج منهما. فاحتملته معي فهو الذي ترى.
الخواص
: إذا علق منقار الغراب على إنسان حفظ من العين، وكبده تذهب الغشاوة اكتحالا، وإذا علق طحاله على إنسان هيج الشبق، وإذا سقي إنسان من دمه مع نبيذ أبغض النبيذ حتى لا يرجع يشربه، وبيضه إذا طرح في النورة نفع مستعمله. ودمه إذا جفف وحشي به البواسير أبرأها. وقلبه ورأسه إذا طرحا في النبيذ وسقي الإنسان منه من يريد محبته، فإن الشارب يحب الساقي محبة عظيمة. ولحم المطوق إذا أكل مشويا، نفع القولنج. ومرارة الغراب إذا طلي بها إنسان مسحور بطل عنه السحر. وإذا غمس الغراب الأسود بريشه في الخل وطلي به الشعر سوده. وزبل الغراب الأبلق الذي يسمى اليهودي ينفع الخنازير والخوانيق. وإن صرفي خرقة وعلق على الصبي الذي لم يبلغ الحلم، نفعه من السعال المزمن وقطعه. وإذا أكل الغراب الكتلة سقط ولم يقدر على الطيران، لا سيما في زمن الصيف.
التعبير
: الغراب في المنام يدل على رجل مخامر غدار واقف مع حظ نفسه، وربما دل على الحرص في المعاش، وربما كان حفارا. وممن يستحل قتل النفس، وربما دل على الحفر في الأرض ودفن الأموات، لقوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ
«١» الآية. وربما دل الغراب على الغربة والتشاؤم بالأخبار، والغموم والأنكاد، وطول السفر، وعلى ما يوجب الدعاء عليه من أهله وأقاربه، أو سلطانه لسوء تدبيره.
وغراب الزرع يدل على ولد الزنا، والرجل الممزوج بالخير والشر، والغراب الأبقع يدل على رجل معجب بنفسه كثير الخلاف، وهو من الممسوخ. فمن صاد غرابا نال مالا حراما في ضيق بمكابدة. ولحم كل طير وريشه وعظمه مال لمن حواه في المنام. وإذا رأى الغراب على زرع أو شجر فإنه شؤم، ومن رأى غرابا في داره فإن فاسقا يخونه في امرأته، ومن رأى غرابا يحدثه فإنه
стр. 763
يرزق ولدا خبيثا. وقال ابن سيرين: بل يغتم غما شديدا، ثم يفرج عنه، ومن رأى كأنه يأكل لحم غراب، فإنه يأخذ مالا من قبل اللصوص، ومن رأى غرابا على باب الملك، فإنه يجني جناية يندم عليها، أو يقتل أخاه ثم يندم على ذلك، لقوله تعالى: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ
«١» فإن رأى الغر اب يبحث فالدليل قوي على قتل الأخ، ومن رأى غرابا خدشه، فإنه يهلك في البرية أو يناله ألم ووجع، ومن رأى كأنه أعطي غرابا، نال سرورا. وقال أرطاميدورس: الغراب الأبقع يدل على طول الحياة وبقاء المتاع، وربما دل على العجائز، وذلك لطول عمر الغراب وهن رسل النساء. ومن الرؤيا المعبرة أن رجلا رأى كأن غرابا سقط على الكعبة، فقصها على ابن سيرين فقال: رجل فاسق يتزوج بامرأة شريفة، فتزوج الحجاج بابنة عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
الغر:
بضم الغين ضرب من طير الماء أسود الواحدة غرة الذكر والأنثى في ذلك سواء قاله ابن سيده.
الغرنيق:
بضم الغين وفتح النون قال الجوهري والزمخشري: إنه طائر أبيض طويل العنق، من طير الماء، وقال في نهاية الغريب: إنه الذكر من طير الماء، ويقال له: غرنيق وغرنوق.
وقيل هو الكركي. وعن أبي صبرة الأعرابي أنه إنما سمي بذلك لبياضه. قال الهذلي يصف غواصا:
أجاز إليها لجة بعد لجة ... أزل كغرنيق الضّحول عموج
وإذا وصف به الرجال، فواحدهم غرنيق وغرنوق بكسر الغين وفتح النون فيهما وغرنوق بالضم فيهما. وقيل: الغرانيق والغرانقة طيور سود في قدر البط.
روى الطبراني بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير أنه قال: مات ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بالطائف، فشهدنا جنازته، فجاء طائر لم ير مثله على خلقة الغرنيق، حتى دخل في نعشه ثم لم ير خارجا منه. فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر، لم ندر من تلاها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي
«٢» ثم روى مسلم عن عبد الله بن ياسين نحوه. إلا أنه قال: جاء طائر أبيض يقال له الغرنوق. وفي رواية كأنه قبطية. والقبطية ثياب بيض من كتان نسج مصر، تنسب إلى القبط بالضم فرقا بين الأيام والثياب والجمع القباطي.
قال القزويني: الغرنوق من الطيور القواطع وهي إذا أحست بتغير الزمان عزمت على الرجوع إلى بلادها، فعند ذلك تتخذ قائدا حارسا، ثم تنهض معا فإذا طارت ترتفع في الهواء حتى لا يعرض لها شيء من السباع، فإذا رأت غيما أو غشيها الليل أو سقطت للطعم أمسكت عن الصياح كي لا يحس بها العدو، وإذا أرادت النوم، أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه، لعلمه أن الجناح أحمل للصدمة من الرأس، لما فيه من العين التي هي أشرف الأعضاء، والدماغ
стр. 764
الذي هو ملاك البدن، وينام كل واحد منها قائما على إحدى رجليه، حتى لا يكون نومه ثقيلا، وأما قائدها وحارسها فلا ينام، ولا يدخل رأسه في جناحه ولا يزال ينظر في جميع الجوانب، فإذا أحسن بأحد صاح بأعلى صوته.
ثم حكى عن يعقوب بن اسحاق السراج أنه قال: رأيت رجلا من أهل رومية قال: ركبت بحر الزنج فألقتني الريح إلى بعض الجزائر، فوصلت منها إلى مدينة أهلها أناس قامتهم قدر ذراع، وأكثرهم عور، فاجتمع عليّ منهم جمع فأخذوني وانتهوا بي إلى ملكهم، فأمر بحبسي، فحبست في شبه قفص، ثم رأيتهم في بعض الأيام يستعدون للقتال، فسألتهم فقالوا: لنا عدو يأتينا في مثل هذه الأيام، فلم نلبث إلا وقد طلعت عليهم عصابة من الغرانيق، وكان عورهم من نقرها أعينهم، فأخذت عصا وشددت عليها فطارت وهربت فأكرموني لذلك.
فائدة
: قال القاضي عياض وغيره: إن النبي ﷺ لما قرأ سورة والنجم وقال «١» : أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
قال: (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى) فلما ختم السورة سجد، وسجد من معه من المسلمين والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم. ثم أنزل الله تعالى عليه: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
الآية «٢» . وأجابوا عنه بضعف الحديث، فإنه لم يخرج أحد من أهل الصحيح ولا رواه ثقة بإسناد صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون لكل صحيح وسقيم.
والذي منه في الصحيح أن النبي ﷺ قرأ والنجم وهو بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا توهيمه من جهة النقل، وأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة، وأجمعت الأمة، على عصمته ﷺ ونزاهته عن مثل هذا، ولم يجعل الله تعالى للشيطان عليه، ولا على أحد من الأنبياء سبيلا. وعلى تقدير صحة ما رووه، وقد أعاذنا الله من صحته، فالراجح في تأويله عند المحققين أنه ﵊ كان كما أمره الله تعالى يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل الآيات تفصيلا في قراءته، فمن ثم ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودس كلاما في تلك الكلمات محاكيا نغمة رسول الله ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قوله ﷺ ، ولم يقدح ذلك عند المسلمين.
بل روى محمد بن عقبة أن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقاها الشيطان في أسماع الكفار وعقولهم. وأيضا فمجاهد والكلبي فسر الغرانيق العلا بأنها الملائكة، وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله تعالى. كما حكاه جل وعلا عنهم ورده عليهم في السورة بقوله تعالى: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى
«٣» فأنكر الله تعالى كل ذلك من قولهم. ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح. فلما تأوله المشركون على أن المراد به ذكر آلهتهم، ولبس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم، نسخ الله تعالى ما ألقى الشيطان، وأحكم آياته، ورفع تلاوة ما
стр. 765
حاوله الشيطان، كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة.
وفي نسخه حكم ليضل به من يشاء ويهدي به من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين، ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم الذي أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم.
فائدة أخرى
: روى الإمام محمد بن الربيع الجيزي، في مسند من دخل مصر من الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كنت عند رسول الله ﷺ أخدمه، فإذا أنا برجال من أهل الكتاب معهم مصاحف أو كتب، فقالوا: استأذن لنا على رسول الله ﷺ ، فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم فقال ﷺ : «ما لي ولهم يسألونني عما لا أدري إنما أنا عبد لا علم لي إلا ما علمني ربي » ثم قال ﷺ : «ابغني وضوءا» فتوضأ. ثم قام إلى مسجد في بيته فركع ركعتين، فلم ينصرف حتى عرفت السرور في وجهه والبشر. ثم قال ﷺ : «اذهب فأدخلهم ومن وجدت من أصحابي بالباب فأدخله معهم» قال: فأدخلتهم، فلما رفعوا إلى رسول الله ﷺ قال: «إن شئتم أخبرتكم عما أردتم أن تسألوني قبل أن تتكلموا، وإن شئتم تكلموا به وأخبركم» . فقالوا: بل أخبرنا قبل أن نتكلم قال ﷺ : «جئتم تسألونني عن ذي القرنين، وسأخبركم عما تجدونه مكتوبا عندكم إن أول أمره أنه غلام من الروم أعطي ملكا، فسار حتى بلغ ساحل أرض مصر، فابتنى عنده مدينة يقال لها الاسكندرية، فلما فرغ من بنائها، أتاه ملك فعرج به حتى استقله، فرفعه ثم قال له: انظر ماذا ترى تحتك، قال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به وقال: انظر ماذا تحتك قال: قد اختلطت مدينتي مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال: انظر فقال: أرى مدينتي وحدها لا أرى معها غيرها فقال له الملك: إنما تلك الأرض كلها، والذي ترى محيطا بها هو البحر. وإنما أراد ربك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطانا. وسوف يعلم الجاهل ويثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين، وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد، ثم جاء يأجوج ومأجوج ثم قطعهم فوجد قوما وجوههم وجوه الكلاب، يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد قوما قصارا يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى فوجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم أفضى إلى البحر المحيط بالأرض» فقالوا: نشهد أن أمره كان هكذا كما ذكرت وإنا نجده هكذا في كتبنا.
وروي أن ذا القرنين، لما بنى السد وأحكمه، انطلق يسير حتى وقع على أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، مقسطة مقتصدة يقسمون بالسوية، ويحكمون بالعدل، ويتراحمون حالهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مستقيمة، وطريقتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس لبيوتهم أغلاق، وليس عليهم أمراء، ولا بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا فقراء، ولا أشراف ولا ملوك، لا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون ولا يتسابون، ولا يقتتلون ولا يضحكون، ولا يحزنون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس
стр. 766
فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ غليظ.
فلما رأى ذلك ذو القرنين، عجب من أمرهم وقال: خبروني أيها القوم خبركم فإني قد أحصيت الدنيا كلها، برها وبحرها، شرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم، قالوا: نعم فسل عما تريد، فقال: خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟ قالوا: عمدا فعلنا ذلك لئلا ننسى الموت، ولئلا يخرج ذكره من قلوبنا. قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أغلاق؟
قالوا: ليس فينا متهم وليس منا إلا أمين. قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟ قالوا: لا حاجة لنا بذلك. قال: فما بالكم ليس عليكم حكام؟ قالوا: لأنا لا نختصم قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟ قالوا: لأننا لا نتكاثر بالأموال. قال: فما بالكم ليس فيكم ملوك؟ قالوا: لأنا لا نرغب في ملك الدنيا. قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟ قالوا: لأنا لا نتفاخر. قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟ قالوا: من صلاح ذات بيننا. قال: فما بالكم لا تقتتلون؟ قالوا: من أجل أنّا سسنا أنفسنا بالحلم. قال: فما بال كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة؟ قالوا: من قبل انّا لا نتكاذب ولا نتخادع ولا يغتاب بعضنا بعضا. قال: فأخبروني من أي شيء تشابهت قلوبكم واعتدلت سرائركم؟ قالوا: صحت نياتنا فنزع بذلك الغل من صدورنا، والحسد من قلوبنا.
قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟ قالوا: من قبل إنّا نقتسم بالسوية. قال: فما بالكم ليس فيكم فظ غليظ؟ قالوا: من قبل الذل والتواضع لربنا. قال: فلأي شيء أنتم أطول الناس أعمارا؟ قالوا: من قبل أنا نتعاطى بالحق ونحكم بالعدل. قال: فلأي شيء لا تضحكون؟ قالوا: لئلا نغفل عن الاستغفار. قال: فما بالكم لا تحزنون؟ قالوا: من أجل أنّا وطنا أنفسنا للبلاء، مذ كنا أطفالا، فأحببناه وحرصنا عليه. قال: فلأي شيء لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس؟ قالوا: لأنا لا نتوكل على غير الله تعالى، ولا نعمل بالأنواء والنجوم.
قال: حدثوني هكذا وجدتم آباءكم؟ قالوا: نعم وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون على من جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلواتهم، ويوفون بعهودهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله بذلك أمرهم، وحفظهم ماداموا أحياء، وكان حقا عليه أن يخلفهم بذلك في عقبهم. فقال ذو القرنين: لو كنت مقيما عند أحد، لأقمت عندكم، ولكن لم أؤمر بالإقامة. وقد ذكرنا الاختلاف بين العلماء في نسبه واسمه ونبوته في باب السين المهملة في السعلاة.
الحكم
: يحل أكل الغرانيق لأنها من الطيبات.
الخواص
: زبل الغرنيق يسحق بالماء وتبل فيه فتيلة ويجعل في الأنف ينفع من كل قرحة تكون فيها والله أعلم.
الغرغر:
بالكسر الدجاج البري، الواحدة غرغرة وأنشد أبو عمرو لابن أحمر:
ألفهم بالسيف من كلّ جانب ... كما لفت العقبان حجلي وغرغرا
стр. 767
وفي كتاب الغريب، قال الأزهري: كان بنو إسرائيل، من أهل تهامة، أعز الناس على الله، فقالوا قولا لم يقله أحد، فعاقبهم الله تعالى بعقوبة ترونها الآن بأعينكم، جعل رجالهم القردة، وبرهم الذرة، وكلابهم الأسود، ورمانهم الحنظل، وعنبهم الأراك، وجوزهم السرو، ودجاجهم الغرغر، وهو دجاج الحبش لا ينتفع بلحمه لرائحته.
وحكمه
: حل الأكل، لأن العرب لا تستخبثه والله أعلم.
الغرناق:
بالكسر طائر حكاه ابن سيده.
الغزال:
ولد الظبية إلى أن يقوى ويطلع قرناه، والجمع غزلة وغزلان، مثل غلمة وغلمان، والأنثى غزالة. كذا قاله ابن سيده وغيره. واستعمله الحريري في آخر المقامة الخامسة، كذلك في قوله: فلما ذر قرن الغزالة طمر طمور الغزالة أراد بالأول الشمس، وبالثاني الأنثى من أولاد الظباء، وقد غلطه في ذلك بعضهم. والصواب عدم تغليطه، فإنه مسموع مستعمل نظما ونثرا. قال الصلاح الصفدي، في شرح لامية العجم: وما أحسن قول القائل:
غدوت مفكرا في سرّ أفق ... إذا ما العلم مبدؤه الجهاله
فما طويت له سبل الدراري ... إلى أن أظفرته بالغزاله
قال: وأنشدني لنفسه العلامة أبو الثناء محمود في وصف العقاب:
ترى الطير والوحش في كفها ... ومنقارها ذا عظام مزاله
فلو أمكن الشمس من خوفها ... إذا طلعت ما تسمت غزاله
قال: وقد غلطوا الحريري في قوله: فلما ذر قرن الغزالة طمر طمور الغزالة، قالوا: لم تقل العرب الغزالة إلا للشمس، فلما أرادوا تأنيث الغزال، قالوا: الظبية. ثم هي بعد ذلك ظبية والذكر ظبي، قاله في التحرير، وقال: اعتمده، فقد وقع فيه تخليط في كتب الفقهاء.
قلت: وقد وقع هو في ذلك، في باب محرمات الاحرام. ووقع للرافعي أيضا بعض اختلاف تقدم التنبيه على بعضه، في الكلام على حكم الظبي، وقد تنازع جمال الدين يحيى بن مطروح، وأبو الفضل جعفر «١» ابن شمس الخلافة في بيت كل منهما ادعاه وهو هذا:
وأقول: يا أخت الغزال ملاحة ... فتقول: لا عاش الغزال ولا بقى
وبها سميت المرأة غزالة، وهي امرأة شبيب «٢» بن يزيد الشيباني الخارجي، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، والحجاج أمير العراق يومئذ، وخرج بالموصل وهزم عساكر الحجاج وحصره في قصر الكوفة، وضرب باب القصر بعموده فنقبه، وبقيت الضربة فيه إلى أن خرب قصر الإمارة، وكانت زوجته غزالة، نذرت أن تصلي في مسجد الكوفة ركعتين، تقرأ فيهما بسورة البقرة وآل
стр. 768
عمران، ففعلت وكانت شجيعة وقيل «١» فيها:
وفت غزالة نذرها ... يا ربّ لا تغفر لها
وهرب الحجاج في بعض حروبه مع شبيب من غزالة، فعيره عمران بن قحطان «٢» السدوسي بقوله «٣» :
أسد علي وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصافر
هلا كررت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
وحكي أن الحجاج، لما برز له شبيب الخارجي، في بعض أيام محاربته، أبرز إليه غلاما له ألبسه لباسه المعروف به، وأركبه فرسه الذي لم يكن يقاتل إلا عليه، فلما رآه شبيب غمس نفسه في الحرب إلى أن خلص إليه، فضربه بعمود، وكان بيده، وهو يظنه الحجاج، فلما أحس الغلام بالضربة، قال: أخ بالخاء المعجمة، فعرف شبيب منه بهذه اللفظة، أنه عبد فانثنى عنه، وقال:
قبح الله ابن أم الحجاج، أيتقي الموت بالعبيد؟.
قال الجوهري: والعرب إنما تنطق بهذه اللفظة بالحاء المهملة، ولما عجز الحجاج عن شبيب، بعث إليه عبد الملك عساكر كثيرة من الشأم، فتكاثروا على شبيب فهرب فلما حصل على جسر دجلة بالأهواز، نفر به فرسه وعليه الحديد الثقيل، من درع ونحوه فألقاه في الماء، فقال له بعض أصحابه: أغرقا يا أمير المؤمنين؟ قال: ذلك تقدير العزيز العليم، فلما غرق ألقاه دجلة إلى الساحل، فحملوه إلى الحجاج فشق بطنه واستخرج قلبه، فإذا هو كالحجر، إذا ضربت به الأرض نبا عنها، فشق فكان داخله قلب صغير كالكرة، فشق فأصيب فيه علقة من الدم. وكان شبيب إذا صاح على الجيش لا يلوي أحد على أحد. ولما غرق أحضر عبد الملك عتبان الحروري، وهو يرى رأي الخوارج، فقال: يا عدو الله ألست القائل «٤» :
فإن يك منكم كابن مروان وابنه ... وعمرو ومنكم هاشم وحبيب
فمنا حصين والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب
فقال: لم أقل ذلك يا أمير المؤمنين، وإنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب، فقبل قوله وعفا عنه.
وهذا الجواب في نهاية الحسن، فإنه إذا كان قوله ومنا أمير المؤمنين شبيب مرفوعا كان مبتدأ فيكون شبيب أمير المؤمنين، وإذا نصب، كان معناه ومنا يا أمير المؤمنين شبيب.
ولم يخرج عليهم أحد مثل شبيب، فإن أيامه طالت وهزم عساكر كثيرة وجبى الخراج وقال أبو يوسف الجوهري:
стр. 769
وإذا الغزالة في السماء ترفّعت ... وبدا النهار لوقته يترجل
أبدت لقرن الشمس وجها مثله ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل
أراد بالغزالة الشمس وقت ارتفاعها فيقال: طلعت الغزالة، ولا يقال غربت الغزالة. وقد أبدع الصفي الحلي في غلام قلع ضرسه وأجاد حيث قال «١» :
لحى الله الطبيب لقد تعدى ... وجاء لقلع ضرسك بالمحال
أعاق الظبي في كلتا يديه ... وسط كلبتين على غزال
وفي سنن أبي داود، ومن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ لما قدم مكة، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم وهنتهم الحمى، فلما كان الغد جلسوا مما يلي الحجر، «فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جلدهم» «٢» ، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء كأنهم الغزلان، فإن قيل: هذا الحديث يعارضه ما في صحيح مسلم، عن ابن عمر وجابر ﵃ قالا: «إن النبي ﷺ رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف» «٣» ، فالجواب أن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، كان في عمرة القضاء، سنة سبع قبل فتح مكة وكان أهلها مشركين حينئذ وحديث ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم كان في حجة الوداع، فيكون متأخرا فتعين الأخذ به، وهو الصحيح من المذهب.
وحكم الغزال الحل
كما تقدم في باب الظاء، في لفظ الظبي، وفيه إذا قتله المحرم أو في الحرم عنز. كذا في المحرر والمنهاج والتنبيه والمناسك وغيرها. واستدلوا لذلك بقضاء الصحابة ﵃ فيه بذلك. والذي في زوائد الروضة، وصححه في شرح المهذب تبعا للإمام أن الغزال اسم للصغير من ولد الظباء ذكرا كان أو أنثى إلى أن يطلع قرناه، ثم الذكر ظبي والأنثى ظبية، ففي الغزال ما في الصغار، فإن كان ذكرا فجدي وإن كان أنثى فعناق.
الأمثال
: قالوا: «أنوم من غزال» «٤» لأنه إذا رضع أمه فروى امتلأ نوما، وقالوا: «تركت الشيء ترك الغزال لظله» «٥» وظله كناسه الذي يستظل به من شدة الحر، وهو إذا نفر منه لا يعود إليه البتة، وقالوا: «أغزل من غزال» ، ومغازلة النساء محادثتهن، ويوصف بالغزل غير الغزال من الحيوان كما قيل:
قد ألبستني في الهوى ... ملابس الصبّ الغزل
انسانة فتانة ... بدر الدجى منها خجل «٦»
стр. 770
إذا زنت عيني بها ... فبالدموع تغتسل
وقد تقدم في الظبي قولهم ترك الغزال لظله ومن محاسن شعر المتنبي:
بدت قمرا ومالت خوط بان ... وفاحت عنبرا ورنت غزالا
وأنشد الثعالبي لبعض شعراء عصره:
رنا ظبيا وغنى عندليبا ... ولاح شقائقا ومشى قضيبا
الخواص
: دماغ الغزال، يداف بدهن الغار ويغلى، ثم يؤخذ منه فيداف بماء الكمون، ويشرب منه قدر جرعة، ينفع للسعال، ومرارته تخلط بقطران وملح، ويشرب منها صاحب السعال، الذي يقذف القيح والدم جزءا بماء حار يبرأ بإذن الله تعالى. وشحمه إذا طلى به إنسان إحليله، وجامع امرأته لم تحب سواه. وقد تقدم في خواص الظبي، أن لحم الغزال حار يابس وأنه ينفع في القولنج والفالج، وأنه أصلح لحوم الصيد والله أعلم.
الغضارة:
القطاة قاله ابن سيده وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب القاف.
الغضب:
الثور والأسد، وقد تقدما في باب الهمزة والثاء المثلثة.
الغضف:
القطا الجوني شكل معروف عند العرب.
الغضوف:
الأسد والحية الخبيثة، وقد تقدما في باب الهمزة والحاء المهملة.
الغضيض:
ولد البقرة الوحشية، وقد تقدم لفظ البقرة الوحشية في باب الباء الموحدة.
الغطرب:
الأفعى، عن كراع، وقال بعضهم: هذا تصحيف إنما هو بالعين المهملة والظاء المعجمة.
الغطريف:
فرخ البازي، والذباب، والسيد الشريف والسخي، الجمع غطارفة.
الغطلس:
كمعملس، الذئب وقد تقدم في باب الذال المعجمة.
الغطاطا:
بالفتح ضرب من القطا غبر الظهور والبطون والأبدان سود بطون الأجنحة، طوال الأرجل والأعناق، لطاف لا تجتمع أسرابا، وأكثر ما تكون ثلاثا أو اثنتين، الواحدة غطاطة، كذا قاله الجوهري. وقال ابن سيده: الغطاط القطا. وقيل: القطا ضربان فالقصار الأرجل الصفر الأعناق السود القوادم الصهب الخوافي، هي الكدرية والجونية، والطوال الأرجل البيض البطون الغبر الظهور الواسعة العيون هي الغطاط. وقيل: الغطاط ضرب من الطير ليس من القطا.
الغفر:
بالضم، ولد الأروية، والجمع أغفار. والغفر بالكسر ولد البقرة الوحشية.
الغماسة:
مشددة طائر ينغمس في الماء كثيرا، ولذلك عدوه من طير الماء، والجمع غماس.
الغنافر:
بالضم الضبعان الكثير الشعر، وقد تقدم لفظ الضبع في باب الضاد المعجمة.
стр. 771
الغنم:
الشاء لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم وأغانم وغنم مغنمة أي كثيرة، هذه عبارة المحكم. وقال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا، وإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور فتؤنث العدد، وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم ذكور لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى. والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه، وقد أجاد الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث يقول «١» :
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ... ولا أنثر الدرّ النفيس على الغنم
فإن يسّر الله الكريم بفضله ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم
فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
روى عبد بن حميد بسنده إلى عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل» «٢» . وهو في الصحيحين بألفاظ مختلفة منها «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر» . وفي لفظ «الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أصحاب الشاء» . أراد بالسكينة السكون، وبالوقار التواضع، وأراد بالفخر التفاخر بكثرة المال والجاه، وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، وبالخيلاء التكبر والتعاظم. ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
«٣» ومراده بالوبر أهل الإبل لأنه لها كالصوف للضأن والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
«٤» وهذا منه ﷺ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل وأغلبه. وقيل: أراد به ﵊ أي بأهل الغنم أهل اليمن، لأن أكثرهم أهل غنم، بخلاف ربيعة ومضر، فإنهم أصحاب إبل.
وروى «٥» مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا فو الله إن محمدا ليعطي عطاء رجل لا يخاف الفقر.
وقد تقدم في باب الدال المهملة في الكلام على الدجاج، الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج» ، وقال عند اتخاذ الأغنياء الدجاج: «يأذن الله بهلاك القرى» «٦» . وقد بينا معناه، في شرح سنن ابن ماجه، وبينا أن في إسناده علي بن عروة الدمشقي، وأن ابن حبان قال: كان يضع الحديث.
стр. 772
والغنم على ضربين ضائنة وماعزة، قال الجاحظ: اتفقوا على أن الضأن أفضل من المعز.
قلت: وصرح الأصحاب بذلك في الأضحية وغيرها واستدلوا على أفضليته بأوجه منها: أن الله تعالى بدأ بذكر الضأن في القرآن، فقال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
«١» ، ومنها قوله تعالى، حكاية على الخصمين: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«٢» ولم يقل تسع وتسعون غنزا، ولي عنز واحدة. ومنها قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
«٣» وأجمعوا كما قال الحافظ أنه كبش. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف.
ومنها أن الضأن تلد في السنة مرة وتفرد غالبا، والمعز تلد مرتين وقد تثنى وتثلث والبركة في الضأن أكثر. ومنها أن الضأن إذا رعت شيئا من الكلأ فإنه ينبت وإذا رعت المعز شيئا لا ينبت، وقد تقدم، لأن المعز تقلعه من أصوله والضأن ترعى ما على وجه الأرض. ومنها أن صوف الضأن أفضل من شعر المعز وأعز قيمة، وليس الصوف إلا للضأن. ومنها أنهم كانوا إذا مدحوا شخصا قالوا: إنما هو كبش، وإذا ذموه قالوا: إنما هو تيس، وإذا أرادوا المبالغة في الذم قالوا: إنما هو تيس في سفينة. ومما أهان الله به التيس، أن جعله مهتوك الستر مكشوف القبل والدبر، بخلاف الكبش. ولهذا شبه النبي ﷺ المحلل بالتيس المستعار. ومنها أن رؤوس الضأن أطيب وأفضل من رؤوس المعز، وكذلك لحمها فإن أكل لحم الماعز يحرك المرة السوداء، ويولد البلغم ويورث النسيان، ويفسد الدم، ولحم الضأن عكس ذلك انتهى.
فائدة
: قال أبو زيد: يقال لما تضعه الغنم من الضأن والمعز حال وضعه سخلة، ذكرا كان أو أنثى. والجمع سخل بفتح السين، وسخال بكسرها، ثم لا يزال اسمه ذلك مادام يرضع اللبن، ثم يقال للذكر والأنثى، بهمة بفتح الباء والجمع بهم بضمها، ويقال لولد المعز حين يولد سليل وسليط، فإذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه وأكل من البقل، فإذا كان من أولاد المعز فهو جفر. والأنثى جفرة والجمع جفار.
وذكر في كفاية المتحفظ، أن الجفر والجفرة يقعان على الطفل والطفلة من بني آدم حين يأكلان الطعام انتهى. فإذا قوي وأتى عليه حول فهو عريض بفتح العين المهملة وكسر الراء والياء المثناة التحتية، وبالضاد المعجمة في آخره وجمعه عرضان بكسر العين والعتود نوع منه وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتدة، وهو في كل ذلك جدي والأنثى عناق إذا كان من أولاد المعز، ويقال له إذا اتبع أمه تلو لأنه يتلو أمه، ويقال للجدي أمر بضم الهمزة وتشديد الميم وبالراء المهملة في آخره، ويقال له هلع وهلعة بضم الهاء وتشديد اللام، والبكرة العناق أيضا، والعطعط الجدي، فإذا أتى عليه حول، فالذكر تيس والأنثى عنز، ثم يكون جذعا في السنة الثانية والأنثى جذعة، فإذا طعن في السنة الثالثة فهو ثني، والأنثى ثنية، فإذا طعن في السنة الرابعة كان رباعيا والأنثى رباعية، ثم يكون خماسيا والأنثى خماسية، ثم يكون سداسيا والأنثى سداسية، ثم يكون ضالعا والأنثى كذلك. ويقال ضلع يضلع ضلوعا والجمع الضلع بتشديد الضاد واللام.
стр. 773
قال الأصمعي: الحلان والحلام من أولاد المعز خاصة. وفي الحديث «في الأرنب يصيبها المحرم حلان» . قال الجاحظ: وقد قالوا في أولاد الضأن، كما قالوا في أولاد المعز إلا في مواضع.
قال الكسائي: هو خروف في العريض من أولاد المعز، والأنثى خروفة. ويقال له حمل والأنثى رخل بفتح الراء المهملة وكسر الخاء المعجمة وجمعه رخال بضم الراء المهملة. وهو مما جمع على غير قياس كما قالوا في المرضع ظئر وظؤار، وفي ولد البقرة الوحشية فرير وفرار، وللشاة القريبة العهد بالنتاج ربى ورباب، وللعظم الذي عليه بقية من اللحم عرق وعراق، وللمولود مع قرينه توأم وتؤام، والبهمة للذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز جميعا، ولا يزال كذلك حتى يأكل ويجتر، ثم هو قرقر بقافين مكسورتين والجمع قرقار وقرقور. وهذا كله حين يأكل ويجتر. والجلام بكسر الجيم، الجدي أيضا والبذج بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة وبالجيم في آخره من أولاد الضأن خاصة، والجمع بذجان.
روى ابن ماجه وشيخه ابن أبي شيبة، باسناد صحيح عن أم هانىء رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال «١» لها: «اتخذي غنما فإن فيها بركة» وشكت إليه امرأة أن غنمها لا تزكو، فقال لها ﷺ : «ما ألوانها» . قالت: سود. فقال: «عفري» ، أي استبدلي، «أغناما بيضا فإن البركة فيها» . وفي الحديث «٢» : «صلوا في مرابض الغنم وامسحوا رغامها» . والرغام ما يسيل من الأنف وقد تقدم، في البهيمة ما رواه أبو داود في أبواب الطهارة، عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ ، كانت له مائة شاة لا يريد أن تزيد، وكانت كلما ولدت سخلة ذبح مكانها شاة.
وروى مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» «٣» . شعف الجبال، بفتح الشين المعجمة والعين المهملة رؤوسها وشعف كل شيء أعلاه قال ابن بطال: قال أبو الزناد: خص النبي ﷺ الغنم من بين سائر الأشياء حضا على التواضع، وتنبيها على إيثار الخمول، وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعى الأنبياء والصالحون الغنم. وقال «٤» ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا رعى غنما» . وأخبر «٥» ﷺ «أن السكينة في أهل الغنم» . وروى الطبراني والبيهقي في الشعب، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه خرج في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له، فوضعوا له السفرة فمر بهم راعي غنم، فسلم فقال له ابن عمر: هلم يا راعي فكل معنا، فقال: إني صائم. فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أتصوم في هذا اليوم الشديد الحر، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟ فقال له: إني والله أبادر أيامي هذه الخالية. فقال له ابن عمر يريد أن يختبر ورعه: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونطعمك من لحمها فتفطر عليه؟ فقال: إنها ليست لي، إنها غنم سيدي. فقال له ابن عمر: وما عسى سيدك فاعلا إذا فقدها؟ وقلت: أكلها الذئب! فولى الراعي
стр. 774
عنه وهو يقول: فأين الله يرفع بها صوته ويشير بأصبعه إلى السماء! فجعل ابن عمر يردد قول الراعي ذلك. فلما قدم المدينة، اشترى العبد الراعي والغنم، وأعتق العبد ووهب منه الأغنام.
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي اليسر عمرو بن كعب رضي الله تعالى عنه قال «١» : والله إني لمع رسول الله ﷺ بخيبر عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من اليهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ : «من يطعمنا من هذه الغنم» قلت: أنا يا رسول الله. قال:
«فافعل» . قال: فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما نظر إلي رسول الله ﷺ موليا قال: «اللهم أمتعنا به» فأدركت الغنم، وقد وصل أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من آخرها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ ، فذبحوهما وأكلوهما.
وكان أبو اليسر رضي الله تعالى عنه من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: امتعوني بعمري حتى صرت آخرهم موتا انتهى. وكان أبو اليسر آخر البدريين موتا رضي الله تعالى عنهم.
وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: «اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها» . فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فو الله لا أصبحك بعدها أبدا، فرجعت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي ﷺ وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟
فقال ﷺ : «إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك» . قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله ﷺ الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم.
وفي الحديث «٢» أنه ﵊ قال: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم» . قيل:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا» . وثبت في صحيح البخاري، وسنن ابن ماجه، واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط» «٣» . قال سويد:
يعني كل شاة بقيراط.
وفي غريب الحديث للقعنبي، «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» . وفي الحديث
стр. 775
«آجر موسى ﵊ نفسه بعفة فرجه، وشبع بطنه. فقال له ختنه شعيب ﵇: إن لك في غنمي ما جاءت به قالب لون» . جاء تفسيره في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها، كأن لونها قد انقلب.
والحكمة في أن الله تعالى جعل الرعي في الأنبياء تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت غنما سودا دخلت فيها غنم كثير بيض» . قالوا: فما أولته يا رسول الله؟
قال: «العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم» . قالوا: العجم؟ يا رسول الله قال: «لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم» . وفي رواية «١» قال ﷺ : «رأيت في المنام غنما سودا، يتبعها غنم عفر. يا أبا بكر عبرها» قال: هي العرب تتبعك ثم يتبعها العجم. فقال ﷺ : «هكذا عبرها الملك سحرا» .
وقد رأى النبي ﷺ أنه ينزع في قليب وحوله أغنام سود وغنم عفر، ثم جاء أبو بكر فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستحالت غربا يعني الدلو، فلم أر عبقريا يفري فريه.
فأولها الناس بالخلافة لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم. وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث. وذكره الإمام أحمد والبزار في مسنديهما وبه يصح المعنى.
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل:
السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال لهم معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.
فقال أبو مسلم: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وقاك سيدها. وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها، عاقبك سيدها.
وفي رسالة القشيري، في باب الدعاء، أن موسى ﵊ مر برجل يدعو ويتضرع فقال موسى: إلهي لو كانت حاجته بيدي لقضيتها! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وله غنم، وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري. فذكر موسى للرجل ذلك، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته.
وفي المجالسة للدينوري، من حديث حماد بن زيد، عن موسى بن أعين الراعي، قال:
كانت الغنم والأسد والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال: فحسبناه فوجدناه قد مات في تلك الساعة.
следующие страницы →