Полный текст (1 095 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الغنم:
الشاء لا واحد له من لفظه، والجمع أغنام وغنوم وأغانم وغنم مغنمة أي كثيرة، هذه عبارة المحكم. وقال الجوهري: الغنم اسم مؤنث موضوع للجنس، يقع على الذكور والإناث وعليهما جميعا، وإذا صغرتها ألحقتها الهاء فقلت: غنيمة، لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، يقال: له خمس من الغنم ذكور فتؤنث العدد، وإن عنيت الكباش إذا كان يليه من الغنم ذكور لأن العدد يجري في تذكيره وتأنيثه على اللفظ، لا على المعنى. والإبل كالغنم في جميع ما ذكرناه، وقد أجاد الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث يقول «١» :
سأكتم علمي عن ذوي الجهل طاقتي ... ولا أنثر الدرّ النفيس على الغنم
فإن يسّر الله الكريم بفضله ... وصادفت أهلا للعلوم وللحكم
بثثت مفيدا واستفدت ودادهم ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم
فمن منح الجهال علما أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم
روى عبد بن حميد بسنده إلى عطية، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
افتخر أهل الإبل وأهل الغنم عند رسول الله ﷺ ، فقال ﵊: «السكينة والوقار في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في أهل الإبل» «٢» . وهو في الصحيحين بألفاظ مختلفة منها «السكينة والوقار في أهل الغنم والفخر والرياء في الفدادين أهل الخيل والوبر» . وفي لفظ «الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أصحاب الشاء» . أراد بالسكينة السكون، وبالوقار التواضع، وأراد بالفخر التفاخر بكثرة المال والجاه، وغير ذلك من مراتب أهل الدنيا، وبالخيلاء التكبر والتعاظم. ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
«٣» ومراده بالوبر أهل الإبل لأنه لها كالصوف للضأن والشعر للمعز، ولذلك قال الله تعالى: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
«٤» وهذا منه ﷺ إخبار عن أكثر حال أهل الغنم وأهل الإبل وأغلبه. وقيل: أراد به ﵊ أي بأهل الغنم أهل اليمن، لأن أكثرهم أهل غنم، بخلاف ربيعة ومضر، فإنهم أصحاب إبل.
وروى «٥» مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن رجلا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين، فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا فو الله إن محمدا ليعطي عطاء رجل لا يخاف الفقر.
وقد تقدم في باب الدال المهملة في الكلام على الدجاج، الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ «أمر الأغنياء باتخاذ الغنم، وأمر الفقراء باتخاذ الدجاج» ، وقال عند اتخاذ الأغنياء الدجاج: «يأذن الله بهلاك القرى» «٦» . وقد بينا معناه، في شرح سنن ابن ماجه، وبينا أن في إسناده علي بن عروة الدمشقي، وأن ابن حبان قال: كان يضع الحديث.
стр. 772
والغنم على ضربين ضائنة وماعزة، قال الجاحظ: اتفقوا على أن الضأن أفضل من المعز.
قلت: وصرح الأصحاب بذلك في الأضحية وغيرها واستدلوا على أفضليته بأوجه منها: أن الله تعالى بدأ بذكر الضأن في القرآن، فقال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ، وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
«١» ، ومنها قوله تعالى، حكاية على الخصمين: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«٢» ولم يقل تسع وتسعون غنزا، ولي عنز واحدة. ومنها قوله تعالى: وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
«٣» وأجمعوا كما قال الحافظ أنه كبش. وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف.
ومنها أن الضأن تلد في السنة مرة وتفرد غالبا، والمعز تلد مرتين وقد تثنى وتثلث والبركة في الضأن أكثر. ومنها أن الضأن إذا رعت شيئا من الكلأ فإنه ينبت وإذا رعت المعز شيئا لا ينبت، وقد تقدم، لأن المعز تقلعه من أصوله والضأن ترعى ما على وجه الأرض. ومنها أن صوف الضأن أفضل من شعر المعز وأعز قيمة، وليس الصوف إلا للضأن. ومنها أنهم كانوا إذا مدحوا شخصا قالوا: إنما هو كبش، وإذا ذموه قالوا: إنما هو تيس، وإذا أرادوا المبالغة في الذم قالوا: إنما هو تيس في سفينة. ومما أهان الله به التيس، أن جعله مهتوك الستر مكشوف القبل والدبر، بخلاف الكبش. ولهذا شبه النبي ﷺ المحلل بالتيس المستعار. ومنها أن رؤوس الضأن أطيب وأفضل من رؤوس المعز، وكذلك لحمها فإن أكل لحم الماعز يحرك المرة السوداء، ويولد البلغم ويورث النسيان، ويفسد الدم، ولحم الضأن عكس ذلك انتهى.
فائدة
: قال أبو زيد: يقال لما تضعه الغنم من الضأن والمعز حال وضعه سخلة، ذكرا كان أو أنثى. والجمع سخل بفتح السين، وسخال بكسرها، ثم لا يزال اسمه ذلك مادام يرضع اللبن، ثم يقال للذكر والأنثى، بهمة بفتح الباء والجمع بهم بضمها، ويقال لولد المعز حين يولد سليل وسليط، فإذا بلغ أربعة أشهر وفصل عن أمه وأكل من البقل، فإذا كان من أولاد المعز فهو جفر. والأنثى جفرة والجمع جفار.
وذكر في كفاية المتحفظ، أن الجفر والجفرة يقعان على الطفل والطفلة من بني آدم حين يأكلان الطعام انتهى. فإذا قوي وأتى عليه حول فهو عريض بفتح العين المهملة وكسر الراء والياء المثناة التحتية، وبالضاد المعجمة في آخره وجمعه عرضان بكسر العين والعتود نوع منه وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتدة، وهو في كل ذلك جدي والأنثى عناق إذا كان من أولاد المعز، ويقال له إذا اتبع أمه تلو لأنه يتلو أمه، ويقال للجدي أمر بضم الهمزة وتشديد الميم وبالراء المهملة في آخره، ويقال له هلع وهلعة بضم الهاء وتشديد اللام، والبكرة العناق أيضا، والعطعط الجدي، فإذا أتى عليه حول، فالذكر تيس والأنثى عنز، ثم يكون جذعا في السنة الثانية والأنثى جذعة، فإذا طعن في السنة الثالثة فهو ثني، والأنثى ثنية، فإذا طعن في السنة الرابعة كان رباعيا والأنثى رباعية، ثم يكون خماسيا والأنثى خماسية، ثم يكون سداسيا والأنثى سداسية، ثم يكون ضالعا والأنثى كذلك. ويقال ضلع يضلع ضلوعا والجمع الضلع بتشديد الضاد واللام.
стр. 773
قال الأصمعي: الحلان والحلام من أولاد المعز خاصة. وفي الحديث «في الأرنب يصيبها المحرم حلان» . قال الجاحظ: وقد قالوا في أولاد الضأن، كما قالوا في أولاد المعز إلا في مواضع.
قال الكسائي: هو خروف في العريض من أولاد المعز، والأنثى خروفة. ويقال له حمل والأنثى رخل بفتح الراء المهملة وكسر الخاء المعجمة وجمعه رخال بضم الراء المهملة. وهو مما جمع على غير قياس كما قالوا في المرضع ظئر وظؤار، وفي ولد البقرة الوحشية فرير وفرار، وللشاة القريبة العهد بالنتاج ربى ورباب، وللعظم الذي عليه بقية من اللحم عرق وعراق، وللمولود مع قرينه توأم وتؤام، والبهمة للذكر والأنثى من أولاد الضأن والمعز جميعا، ولا يزال كذلك حتى يأكل ويجتر، ثم هو قرقر بقافين مكسورتين والجمع قرقار وقرقور. وهذا كله حين يأكل ويجتر. والجلام بكسر الجيم، الجدي أيضا والبذج بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة وبالجيم في آخره من أولاد الضأن خاصة، والجمع بذجان.
روى ابن ماجه وشيخه ابن أبي شيبة، باسناد صحيح عن أم هانىء رضي الله تعالى عنها، أن النبي ﷺ قال «١» لها: «اتخذي غنما فإن فيها بركة» وشكت إليه امرأة أن غنمها لا تزكو، فقال لها ﷺ : «ما ألوانها» . قالت: سود. فقال: «عفري» ، أي استبدلي، «أغناما بيضا فإن البركة فيها» . وفي الحديث «٢» : «صلوا في مرابض الغنم وامسحوا رغامها» . والرغام ما يسيل من الأنف وقد تقدم، في البهيمة ما رواه أبو داود في أبواب الطهارة، عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ ، كانت له مائة شاة لا يريد أن تزيد، وكانت كلما ولدت سخلة ذبح مكانها شاة.
وروى مالك والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن» «٣» . شعف الجبال، بفتح الشين المعجمة والعين المهملة رؤوسها وشعف كل شيء أعلاه قال ابن بطال: قال أبو الزناد: خص النبي ﷺ الغنم من بين سائر الأشياء حضا على التواضع، وتنبيها على إيثار الخمول، وترك الاستعلاء والظهور، وقد رعى الأنبياء والصالحون الغنم. وقال «٤» ﷺ : «ما بعث الله نبيا إلا رعى غنما» . وأخبر «٥» ﷺ «أن السكينة في أهل الغنم» . وروى الطبراني والبيهقي في الشعب، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه خرج في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له، فوضعوا له السفرة فمر بهم راعي غنم، فسلم فقال له ابن عمر: هلم يا راعي فكل معنا، فقال: إني صائم. فقال له ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أتصوم في هذا اليوم الشديد الحر، وأنت في هذه الجبال ترعى هذه الغنم؟ فقال له: إني والله أبادر أيامي هذه الخالية. فقال له ابن عمر يريد أن يختبر ورعه: هل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه فنعطيك ثمنها ونطعمك من لحمها فتفطر عليه؟ فقال: إنها ليست لي، إنها غنم سيدي. فقال له ابن عمر: وما عسى سيدك فاعلا إذا فقدها؟ وقلت: أكلها الذئب! فولى الراعي
стр. 774
عنه وهو يقول: فأين الله يرفع بها صوته ويشير بأصبعه إلى السماء! فجعل ابن عمر يردد قول الراعي ذلك. فلما قدم المدينة، اشترى العبد الراعي والغنم، وأعتق العبد ووهب منه الأغنام.
وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي اليسر عمرو بن كعب رضي الله تعالى عنه قال «١» : والله إني لمع رسول الله ﷺ بخيبر عشية، إذ أقبلت غنم لرجل من اليهود تريد حصنهم، ونحن محاصروهم، إذ قال رسول الله ﷺ : «من يطعمنا من هذه الغنم» قلت: أنا يا رسول الله. قال:
«فافعل» . قال: فخرجت أشتد مثل الظليم، فلما نظر إلي رسول الله ﷺ موليا قال: «اللهم أمتعنا به» فأدركت الغنم، وقد وصل أوائلها الحصن، فأخذت شاتين من آخرها، فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء، حتى ألقيتهما عند رسول الله ﷺ ، فذبحوهما وأكلوهما.
وكان أبو اليسر رضي الله تعالى عنه من آخر أصحاب رسول الله ﷺ موتا، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: امتعوني بعمري حتى صرت آخرهم موتا انتهى. وكان أبو اليسر آخر البدريين موتا رضي الله تعالى عنهم.
وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي، أنه أتى النبي ﷺ وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه الغنم فقال: يا رسول الله أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم. ثم قال: يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع فيها؟ فقال: «اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها» . فقام الأسود، فأخذ حفنة من حصى، ورمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فو الله لا أصبحك بعدها أبدا، فرجعت الغنم مجتمعة، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به إلى النبي ﷺ وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول الله ﷺ ثم أعرض عنه. فقالوا: يا رسول الله لم أعرضت عنه؟
فقال ﷺ : «إن معه الآن زوجتيه من الحور العين، ينفضان التراب عن وجهه، ويقولان: ترب الله وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك» . قال أبو عمرو: إنما رد رسول الله ﷺ الغنم إلى الحصن، لأن ذلك كان مصالحا عليه، أو كان قبل حل الغنائم.
وفي الحديث «٢» أنه ﵊ قال: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم» . قيل:
وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا» . وثبت في صحيح البخاري، وسنن ابن ماجه، واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط» «٣» . قال سويد:
يعني كل شاة بقيراط.
وفي غريب الحديث للقعنبي، «بعث موسى ﵊ وهو راعي غنم، وبعث داود ﵊ وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد» . وفي الحديث
стр. 775
«آجر موسى ﵊ نفسه بعفة فرجه، وشبع بطنه. فقال له ختنه شعيب ﵇: إن لك في غنمي ما جاءت به قالب لون» . جاء تفسيره في الحديث أنها جاءت على غير ألوان أمهاتها، كأن لونها قد انقلب.
والحكمة في أن الله تعالى جعل الرعي في الأنبياء تقدمة لهم، ليكونوا رعاة الخلق، ولتكون أممهم رعايا لهم. وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «رأيت غنما سودا دخلت فيها غنم كثير بيض» . قالوا: فما أولته يا رسول الله؟
قال: «العجم يشركونكم في دينكم وأنسابكم» . قالوا: العجم؟ يا رسول الله قال: «لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم» . وفي رواية «١» قال ﷺ : «رأيت في المنام غنما سودا، يتبعها غنم عفر. يا أبا بكر عبرها» قال: هي العرب تتبعك ثم يتبعها العجم. فقال ﷺ : «هكذا عبرها الملك سحرا» .
وقد رأى النبي ﷺ أنه ينزع في قليب وحوله أغنام سود وغنم عفر، ثم جاء أبو بكر فنزع نزعا ضعيفا، والله يغفر له، ثم جاء عمر فاستحالت غربا يعني الدلو، فلم أر عبقريا يفري فريه.
فأولها الناس بالخلافة لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ولولا ذكر الغنم السود والعفر لبعدت الرؤيا عن معنى الخلافة والرعاية، إذ الغنم السود والعفر عبارة عن العرب والعجم. وأكثر المحدثين لم يذكروا الغنم في هذا الحديث. وذكره الإمام أحمد والبزار في مسنديهما وبه يصح المعنى.
ودخل أبو مسلم الخولاني على معاوية، فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل:
السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقالوا: قل: السلام عليك أيها الأمير. فقال: السلام عليك أيها الأجير. فقال لهم معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلم بما يقول.
فقال أبو مسلم: إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها، وقاك سيدها. وإن أنت لم تهنأ جرباها، ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها، عاقبك سيدها.
وفي رسالة القشيري، في باب الدعاء، أن موسى ﵊ مر برجل يدعو ويتضرع فقال موسى: إلهي لو كانت حاجته بيدي لقضيتها! فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى أنا أرحم به منك، ولكنه يدعوني وله غنم، وقلبه عند غنمه، وأنا لا أستجيب لعبد يدعوني وقلبه عند غيري. فذكر موسى للرجل ذلك، فانقطع إلى الله تعالى بقلبه فقضيت حاجته.
وفي المجالسة للدينوري، من حديث حماد بن زيد، عن موسى بن أعين الراعي، قال:
كانت الغنم والأسد والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال: فحسبناه فوجدناه قد مات في تلك الساعة.
стр. 776
وعن عبد الواحد بن زيد، قال: سألت الله ثلاث ليال أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل لي:
يا عبد الواحد رفيقك في الجنة ميمونة السوداء. فقلت: وأين هي؟ فقيل لي: هي في بني فلان في الكوفة. فذهبت إلى الكوفة أسأل عنها، فإذا هي ترعى غنما، فأتيت إليها، فطذا غنمها ترعى مع الذئاب، وهي قائمة تصلي، فلما فرغت من صلاتها قالت: يا ابن زيد ليس هذا الموعد، إنما الموعد الجنة. فقلت لها: وما أدراك أني ابن زيد؟ فقالت: أما علمت أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. فقلت لها: عظيني. فقالت: واعجبا لواعظ يوعظ؟
فقلت لها: ما لي أرى أغنامك ترعى مع الذئاب؟ قالت: إني أصلحت ما بيني وبين الله، فأصلح ما بيني وبين غنمي والذئاب.
فائدة
: في الموطأ «١» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، قالا: إن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله تعالى، وقال الآخر: وكان أفقههما: أجل يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي أن أتكلم. فقال له: «تكلم» فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديته من غنمي بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته. فقال ﷺ : «أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، أما غنمك وجاريتك فرد عليك ويجلد ابنك مائة ويغرب عاما» .
وأمر ﷺ أنيسا الأسلمي «أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت فليرجمها فاعترفت فرجمها» . وهذا الحديث مذكور في الصحيحين.
وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه:
إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكان مما أنزل الله عليه آية الرجم قرأناها وعقلناها ووعيناها ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، وأخشى إن طال على الناس زمان، أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله.
والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، والرجم نسخت تلاوته وبقي حكمه. وقال أبو حنيفة: التغريب منسوخ في حق البكر، وعامة أهل العلم على أنه ثابت لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب، وأن عمر ضرب وغرب. والمحصن من اجتمعت فيه أربعة أوصاف: العقل والبلوغ والحرية والإصابة، فإن زنى فحده الرجم مسلما كان أو ذميا.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الإسلام من شرائط الإحصان، فلا رجم على الذمي عندهم.
ودليلنا أنه صح عن رسول الله ﷺ أنه رجم يهوديين كانا قد أحصنا. وإن كان الزاني غير محصن بأن لم تجتمع فيه هذه الأوصاف الأربعة، نظر إن كان غير بالغ أو كان مجنونا، فلا حد عليه، وإن كان حرا بالغا عاقلا، غير أنه لم يصب بنكاح صحيح، فعليه جلد مائة وتغريب عام وإن كان عبدا، فعليه جلد خمسين. وفي تغريبه قولان: فإن قلنا يغرب فقولان: أصحهما نصف سنة، كما
стр. 777
يجلد خمسين. ولهذه المسألة تتمات مذكورة في كتب الفقه.
وذكر المفسرون في قوله «١» تعالى: وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ
الآية. عن ابن عباس وقتادة والزهري أن رجلين دخلا على داود ﵇، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: إن هذا تفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي فأفسدته ولم تبق منه شيئا. فأعطاه داود رقاب الغنم بالحرث. فخرجا من عنده، فمرا على سليمان ﵇، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال سليمان: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا. فدعاه داود فقال له: بحق النبوة والأبوة يا بني إلا ما حدثتني بالذي هو أرفق بالفريقين. فقال سليمان: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها ونسلها وصوفها ومنافعها ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث، مثل حرثه فإذا صار الحرث كهيئته يوم أكل، دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء كما قضيت.
وكان عمر سليمان يوم حكم بهذا الحكم إحدى عشرة سنة. والنفش الرعي بالليل، والهمل الرعي بالنهار. وهما الراعي بلا راع.
ونختم الكلام على الغنم بما في أول عجائب المخلوقات عن موسى بن عمران ﵊، أنه اجتاز بعين ماء، في سفح جبل، فتوضأ منها ثم ارتقى الجبل ليصلي، إذا أقبل فارس فشرب من ماء العين، وترك عندها كيسا فيه دراهم، وذهب مارا، فجاء بعده راعي غنم فرأى الكيس فأخذه ومضى. ثم جاء بعده شيخ عليه أثر البؤس، وعلى رأسه حزمة حطب، فوضعها هناك ثم استلقى ليستريح، فما كان إلا قليل حتى عاد الفارس يطلب كيسه فلم يجده، فأقبل على الشيخ يطالبه به فأنكر، فلم يزالا كذلك حتى ضربه ولم يزل يضربه حتى قتله. فقال موسى: يا رب كيف العدل في هذه الأمور؟ فأوحى الله تعالى إليه إن الشيخ كان قد قتل أبا الفارس، وكان على الفارس دين لأبي الراعي مقدار ما في الكيس، فجرى بينهما القصاص وقضى الدين وأنا حكم عدل.
قال في كتاب المحكم والغايات: قال أصحاب التجارب: ومما يورث الغم المشي بين الأغنام، والتعمم جالسا ولبس السراويل قائما، وقص اللحية بالأسنان، والقعود على أسكفة الباب، والأكل بالشمال، ومسح الوجه بالأذيال، والمشي على قشور البيض، والاستنجاء باليمين والضحك في المقابر.
الحكم
: يحل أكل الغنم وبيعها بالنص والاجماع. ويجب في سائمتها الزكاة، ففي كل أربعين شاة شاة جذعة ضأن أو ثنية معز. وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان، وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه، وفي أربعمائة أربع شياه، ثم في كل مائة شاة شاة والسنة أن تقلد إذا جعلت هديا إلى البيت العتيق، لما روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: كنت أفتل قلائد الهدى للنبي ﷺ ، فقلد الغنم. وهذا الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور في
стр. 778
مشروعية ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: لا تقلد الغنم، والظاهر أن الحديث لم يبلغهما.
فرع
: فتح إنسان مراح غنم، فخرجت ليلا ورعت زرعا فإن كان الذي فتحه المالك، ضمن الزرع، وإن كان غير المالك لم يضمن. والفرق أن المالك يلزمه حفظها في الليل فإذا فتح عليها ضمن، وغير المالك لا يلزمه حفظها، فإذا فتح عليها لم يضمن. قاله في البحر وسيأتي في باب الميم، الإشارة إلى إتلاف الماشية.
وأما الأمثال
: فقد تقدم بعضها في باب الجيم، وبعضها في باب الشين المعجمة، وكذلك الخواص وسيأتي طرف منها في المعز في باب الميم، إن شاء الله تعالى.
التعبير
: الغنم في الرؤيا رعية صالحة طائعة، وتدل على الغنيمة والأزواج والأولاد والأملاك والزرع والأشجار الحافلة فالثمار، فذوات الصوف نساء كريمات جميلات ذوات مال وعرض مستور. والشعاري نساء صالحات فقيرات، ذوات عرض مبذول بكشف عوارتهن، خلافا لذوات الصوف فإن عوراتهن مستورة بالألية. قاله ابن المقري.
وقال المقدسي: من رأى أنه يسوق معزا وضأنا، فإنه يلي على عرب وعجم، فإن أخذ من ألبانها وأصوافها فإنه يجبي منهم أموالا، ومن رأى غنما واقفة في مكان، فإنهم رجال يجتمعون في ذلك الموضع، في أمر من الأمور. ومن رأى غنما استقبلته فإنهم أعداء يظفر بهم، ومن رأى شاة تمشي أمامه، وهو يمشي ولا يدركها، تعطلت عليه معيشته، وربما تبع امرأة ولا تحصل له. وألية الغنم مال المرأة، ومن رأى كأنه يجز شعر الغنم فليحذر من الخروج من داره ثلاثة أيام، وقال جاماسب: من رأى قطيع غنم سر دائما. ومن رأى شاة واحدة سر سنة. والنعجة امرأة، فمن ذبح نعجة افتض امرأة مباركة، لقوله تعالى: إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ
«١» ومن رأى أن صورته تحولت على صورة غنمه نال غنيمة.
الغواص:
طائر تسميه أهل مصر الغطاس وهو القرلي الآتي في باب القاف إن شاء الله تعالى.
قال القزويني في الأشكال: هو طائر يوجد بأطراف الأنهار، يغطس في الماء ويصطاد السمك، فيتقوت منه، وكيفية صيده أنه يغوص في الماء منكوسا بقوة شديدة، ويمكث تحت الماء، إلى أن يرى شيئا من السمك فيأخذه، ويصعد به ومن العجائب لبثه تحت الماء، ويوجد كثيرا بأرض البصرة انتهى.
قال بعضهم: رأيت غواصا غاص فطلع بسمكة، فغلبه غراب عليها، فأخذها منه، فغاص مرة أخرى وطلع بسمكة أخرى، فأخذها منه الغراب، ثم الثالثة كذلك، فلما اشتغل الغراب بالسمكة. وثب الغواص فأخذ برجل الغراب، وغاص به تحت الماء حتى مات الغراب، ثم خرج هو من الماء.
стр. 779
الحكم
: قال القزويني: إن أكله حلال وهو المفهوم من كلام الرافعي وغيره.
الخواص
: دمه يجفف ويسحق مع شعر إنسان، فإنه ينفع من الطحال، وكذلك عظمه يفعل به مثل ذلك والله أعلم.
الغوغاء:
الجراد إذا احمر وبدت أجنحته، وهو يذكر ويؤنث ويصرف ولا يصرف، واحدته غوغاءة وغوغاوة، وبه سميت سفلة الناس المنتسبو إلى الشر المسرعو إليه. قال أبو العباس الروياني:
الغوغاء من يخالط المفسدين والمجرمين، ويخاصم الناس بلا حاجة، ولذلك قالوا: أكثر من الغوغاء. وفي تاريخ ابن النجار عن ابن المبارك، قال: قدمت على سفيان الثوري بمكة، فوجدته مريضا شارب دواء فقلت له: إني أريد أن أسألك عن أشياء، قلت: أخبرني من الناس؟ قال:
الفقهاء. قلت: فمن الملوك؟ قال: الزهاد. قلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء. قلت: فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث، يريدون أن يأكلوا به أموال الناس. قلت: فمن السفلة؟
قال: الظلمة انتهى. والغوغاء أيضا شيء يشبه البعوض، إلا أنه لا يعض ولا يؤذي.
الغول:
بالضم، أحد الغيلان، وهو جنس من الجن والشياطين، وهم سحرتهم. قال الجوهري: هو من السعالي والجمع أغوال وغيلان، وكل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول، والتغول التلون. قال «١» كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله تعالى عنه:
فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول
ويقال: تغوّلت المرأة إذا تلونت. ويقال: غالته غول، إذا وقع في مهلكة. والغضب غول الحلم.
فائدة
: سأل رجل أبا عبيدة عن قوله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ
«٢» وإنما يقع الوعد والإيعاد، بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف فأجابه بأن الله تعالى كلم العرب على قدر كلامهم أما سمعت امرأ القيس كيف قال «٣» :
أتقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان يهولهم أوعدوا به، قال أبو عبيدة: ومن يومئذ عملت كتابي الذي سميته المجاز. وأبو عبيدة كنيته، واسمه معمر بن المثنى البصري النحوي العلامة، كان يعرف أنواعا من العلوم، وكانت العربية وأخبار العرب وأيامها أغلب عليه، وكان مع معرفته يكسر الشعر إذا أنشده، ويلحن إذا قرأ القرآن، وكان يرى رأي الخوارج، وكان لا يقبل شهادته أحد من الحكام، لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي: دخلت يوما أنا وأبو عبيدة إلى المسجد، فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة مكتوب «٤» :
صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا
قال: فقال لي: يا أصمعي امح هذا. فركبت ظهره ومحوته. ثم قلت: بقيت الطاء فقال: هي شر
стр. 780
الحروف، الطامة في الطاء، امحها. وقيل: إنه وجدت ورقة في مجلس أبي عبيدة فيها هذا البيت وبعده «١» :
فأنت عندي بلا شكّ بقيتهم ... منذ احتلمت وقد جاوزت تسعينا
وروي أن أبا عبيدة خرج إلى بلاد فارس قاصدا موسى بن عبد الرحمن الهلالي، فلما قدم عليه، قال لغلمانه: احترزوا من أبي عبيدة فإن كلامه كله دق، ثم حضر الطعام فصب بعض الغلمان على ذيله مرقا، فقال له موسى: قد أصاب ثوبك مرق، وأنا أعطيك عوضه عشرة أثواب، فقال أبو عبيدة: لا عليك فإن مرقكم لا يؤذي، أي ما فيه دهن، ففطن لها موسى وسكت.
توفي أبو عبيدة في سنة تسع ومائتين، وهذا أبو عبيدة بالهاء والقاسم بن سلام أبو عبيد بغير هاء، وكلاهما من أهل اللغة. ومعمر بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة وآخره راء مهملة.
وكان والد أبي عبيدة من قرية من أعمال الرقة، يقال لها باجروان، وهي القرية التي استطعم أهلها موسى والخضر ﵉، كذا قاله ابن خلكان وغيره، وتقدم في باب الحاء المهملة، في الحوت عن السهيلي أن القرية المذكورة في القرآن برقة، والله تعالى أعلم.
وروى الطبراني، في الدعوات والبزار برجال ثقات، من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٢» : «إذا تغولت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان، فإن الشيطان إذا سمع النداء، أدبر وله جصاص» . أي ضراط. قال النووي، في الاذكار: إنه حديث صحيح، أرشد ﷺ إلى دفع ضررها بذكر الله تعالى. ورواه النسائي، في آخر سننه الكبرى، من حديث الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، بلفظ أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت لكم الغيلان فبادروا بالأذان» .
قال النووي رحمه الله تعالى: ولذلك ينبغي أن يؤذن أذان الصلاة، إذا عرض للإنسان شيطان، لما روى مسلم عن سهيل بن أبي صالح أنه قال: أرسلني أبي إلى بني حارثة، ومعي غلام لنا أو صاحب لنا، فناداه مناد من حائط باسمه، فأشرف الذي معي على الحائط، فلم ير شيئا، فذكرت ذلك لأبي، فقال: لو شعرت أنك ترى هذا ما أرسلتك، ولكن إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة، فإني سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الشيطان إذا نودي بالصلاة أدبر» .
وروى مسلم عن جابر بن عبد الله، أنه قال إن النبي ﷺ قال: «لا عدوى ولا طيرة ولا غول» «٣» . قال جمهور العلماء: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي جنس من الشياطين، تتراءى للناس وتتغول تغولا أي تتلون تلونا، فتضلهم عن الطريق وتهلكهم، فأبطل النبي ﷺ ذلك، وقال آخرون: ليس المراد بالحديث نفي وجود الغول، وإنما معناه إبطال ما تزعمه العرب، من تلون الغول بالصور المختلفة واغتيالها، قالوا: ومعنى لا غول، أي لا تستطيع
стр. 781
أن تضل أحدا. ويشهد له حديث آخر: «لا غول ولكن السعالي» ، قال العلماء: السعالي بالسين المهملة المفتوحة والعين المهملة سحرة الجن كما تقدم.
ومنه ما روى «١» الترمذي والحاكم عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أنه قال:
كانت لي سهوة فيها تمر، فكانت تجيء الغول كهيئة السنور، فتأخذ منه فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: «اذهب فإذا رأيتها فقل بسم الله أجيبي رسول الله» . قال: فأخذها فحلفت أن لا تعود فأرسلها، وجاء إلى النبي ﷺ فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ قال: حلفت أن لا تعود.
قال ﷺ : «كذبت وهي معاودة للكذب» . قال: فأخذها مرة أخرى فحلفت أن لا تعود فأرسلها، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ قال: حلفت أن لا تعود، قال ﷺ : «كذبت وهي معاودة للكذب» قال: فأخذها، وقال: ما أنا بتاركك حتى أذهب بك إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: «إني ذاكرة لك شيئا آية الكرسي، اقرأها في بيتك فلا يقربك شيطان ولا غيره. فجاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «ما فعل أسيرك» ؟ فأخبره بما قالت، فقال ﷺ : «صدقت وهي كذوب» . قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وهذا روى مثله البخاري، فقال: قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: وكلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، وذكر القصة، وفيها فقلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله.
فقال ﷺ : «ما هي» ؟ قلت: قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي كلها فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال ﷺ : «وأما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة» ؟ قال: لا. قال ﷺ : «ذلك الشيطان» . قال النووي ﵀: وهذا الحديث متصل، فإن عثمان بن الهيثم أحد شيوخ البخاري الذين روى عنهم في صحيحه.
وأما قول أبي عبد الله الحميدي في الجمع بين الصحيحين إن البخاري أخرجه تعليقا، فغير مقبول، فإن المذهب الصحيح المختار عند العلماء، والذي عليه المحققون أن قول البخاري وغيره قال فلان، محمول على سماعه منه، واتصاله إذا لم يكن مدلسا. وكان قد لقيه، وهذا من ذلك، وإنما المعلق ما أسقط البخاري فيه شيخه أو أكثر، بأن يقول: في مثل هذا الحديث قال عوف أو قال محمد بن سيرين أو قال أبو هريرة.
وروى الحاكم في المستدرك وابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه كان له جرين تمر، وكان يجده ينقص فحرسه ليلة فإذا هو بمثل الغلام المحتلم، قال: فسلمت فرد علي السلام، فقلت: من أنت ناولني يدك؟ فناولني، فإذا يد كلب وشعر كلب! فقلت: أجني أم إنسي؟ فقال:
بل جني. فقلت: إني أراك ضئيل الخلقة أهكذا خلق الجن؟ قال: لقد علمت الجن أن ما فيهم أشد مني! فقلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببت أن أصيب من طعامك، فقلت: فما يجيرنا منكم؟ قال: تقرأ آية الكرسي، فإنك إن قرأتها غدوة، أجرت منا حتى تمسي، وإن قرأتها حين تمسي أجرت منا حتى تصبح. قال: فغدوت إلى
стр. 782
رسول الله ﷺ ، فأخبرته فقال: «صدقك الخبيث» . ثم قال: صحيح الإسناد.
وروى الحاكم أيضا عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قلت لمعاذ بن جبل: حدثني عن قصة الشيطان، حين أخذته. فقال: جعلني رسول الله ﷺ على صدقة المسلمين، فجعلت التمر في غرفة، فوجدت فيه نقصانا، فأخبرت النبي ﷺ فقال: هذا الشيطان يأخذ منه، قال: فدخلت الغرفة وأغلقت الباب علي، فجاءت ظلمة عظيمة، فغشيت الباب ثم تصور في صورة أخرى، ثم دخل لي من شق الباب، فشددت إزاري علي، فجعل يأكل من التمر فوثبت عليه فضبطته فالتفت يداي عليه، فقلت: يا عدو الله ما جاء بك ههنا؟ فقال: خل عني فإني شيخ كبير ذو عيال، وأنا فقير وأنا من جن نصيبين، وكانت لنا هذه القرية قبل أن يبعث صاحبكم، فلما بعث أخرجنا منها فخل عني فلن أعود إليك، فخليت عنه. وجاء جبريل ﵇ فأخبر النبي ﷺ بما قال.
قال: فصلى رسول الله ﷺ الصبح، ثم نادى مناديه أين معاذ؟ فقمت إليه. فقال ﷺ : «ما فعل أسيرك يا معاذ» ؟ فأخبرته، فقال: «أما انه سيعود» . قال: فعدت فدخلت الغرفة، وأغلقت علي الباب، فجاء الشيطان، فدخل من شق الباب فجعل يأكل من التمر، فصنعت به كما صنعت في المرة الأولى، فقال: خل عني فإني لن أعود إليك. فقلت: يا عدو الله ألم تقل في المرة الأولى لن أعود ثم عدت؟ قال: فإني لن أعود، وآية ذلك أن لا يقرأ أحد منكم خاتمة سورة البقرة، فيدخل أحد منا في بيته تلك الليلة. ثم قال: صحيح الإسناد.
وفي مسند الدارمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: خرج رجل من الإنس فلقيه رجل من الجن، فقال له: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية، إذا قرأتها، حين تدخل بيتك، لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه الإنسي. وقال: إني أراك ضئيلا شخيتا، كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني منهم لضليع، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك، فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنها لا تقرأ في بيت إلا خرج منه الشيطان له حبج كحبج الحمار، ثم لا يدخله حتى يصبح. فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ قال: ومن عسى أن يكون إلا عمر! قوله: الضئيل، معناه الدقيق النحيف، والشخيت الهزيل الخسيس المجفر الجنبين، والضليع الوافر الأضلاع، والحبج الضراط. وقوله إلا عمر بالرفع بدل من محل من، ومحله الرفع بالابتداء. وقد تقدم في باب الجيم في الكلام على لفظ الجن حديث في مسند الدارمي بهذا المعنى.
والذي ذهب إليه المحققون أن الغول شيء يخوف به ولا وجود له كما قال «١» الشاعر:
الغول والخل والعنقاء ثالثة ... أسماء أشياء لم توجد ولم تكن
ولذلك سموا الغول خيتعورا وهو كل شيء لا يدوم على حالة واحدة ويضمحل كالسراب وكالذي ينزل من الكوى في شدة الحر كنسج العنكبوت قال «٢» الشاعر:
стр. 783
كلّ أنثى وإن بدا لك منها ... آية الحبّ حبّها خيتعور
وقال قوم: الغول ساحرة الجن، وهي تتصور في صور شتى. وأخذوا ذلك من قول «١» كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله تعالى عنه:
فما تكون على حال تدوم بها ... كما تلوّن في أثوابها الغول
وقد تقدم ذلك قريبا، وفي دلائل النبوة للبيهقي، في أواخره، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا تغولت لأحدكم الغيلان، فليؤذن، فإن ذلك لا يضره. وتزعم العرب، أنه إذا انفرد الرجل في الصحراء ظهرت له في خلقة الإنسان، فلا يزال يتبعها حتى يضل عن الطريق، فتدنو منه وتتمثل له في صور مختلفة، فتهلكه روعا.
وقالوا: إذا أرادت أن تضل إنسانا، أوقدت له نارا فيقصدها فتفعل به ذلك. قالوا:
وخلقتها خلقة إنسان، ورجلاها رجلا حمار. قال القزويني: ورأى الغول جماعة من الصحابة، منهم عمر رضي الله تعالى عنه، حين سافر إلى الشام، قبل الإسلام، فضربها بالسيف. وذكر عن ثابت بن جابر الفهري أنه لقي الغول وذكر أبياته النونية في ذلك.
الأمثال
: قالت العرب: «فلان أقبح من الغول» «٢» ومن زوال النعمة، ومن قول بلا فعل، والله تعالى أعلم.
الغيداق:
بفتح الغين، ولد الضب، وهو أكبر من الحسل، وقال خلف الأحمر: الغياديق الحيات.
الغيطلة:
بالفتح أيضا البقرة الوحشية. قاله ابن سيده. ويقال لجماعة البقر الوحشي الربرب، بباءين موحدتين وراءين مهملتين، وكذلك الإجد، بكسر الهمزة والجيم قاله في الكفاية.
الغيلم:
كديلم ذكر السلاحف، وقد تقدم ذكر السلاحف، في باب السين المهملة.
الغيهب:
ذكر النعام، والغيهب: الذي لا عقل له. قاله السهيلي، في تفسير شعر مكرز بن حفص «٣» ، في أوائل غزوة بدر والله تعالى أعلم
باب الفاء
الفاختة:
واحدة الفواخت، من ذوات الأطواق، وهي بفتح الفاء وكسر الخاء المعجمة وبالتاء المثناة، في آخرها، قاله في الكفاية، ويقال للفاختة: الصّلصل أيضا بضم الصادين المهملتين انتهى.
وزعموا أن الحيات تهرب من صوتها، ويحكى أن الحيات كثرت في أرض فشكوا ذلك إلى
стр. 784
بعض الحكماء، فأمرهم بنقل الفواخت إليها، ففعلوا ذلك، فانقطعت الحيات عنها. وهي عراقية وليست بحجازية، وفيها فصاحة وحسن صوت، وصوتها يشبه المثلث، وفي طبعها الانس بالناس وتعيش في الدور، والعرب تصفها بالكذب، فإن صوتها عندهم، هذا أوان الرطب، وتقول ذلك والنخل لم يطلع، قال الشاعر:
أكذب من فاختة ... تقول وسط الكرب
والطلع لم يبدلها ... هذا أوان الرطب
قلت: ويحتمل أنها إنما وصفت بالكذب، لما قاله الغزالي رحمه الله تعالى، في الإحياء، في أواخر كتابي الصبر والشكر، إن كلام العشاق الذين أفرط حبهم يستلذ بسماعه، ولا يعول عليه، كما حكى أن فاختة كان يراودها زوجها، فمنعته نفسها، فقال لها: ما الذي يمنعك عني؟ ولو أردت أن أقلب لك ملك سليمان ظهرا لبطن لفعلت لأجلك؟ فسمعه سليمان ﵊، فاستدعاه وقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا نبي الله إني محب، والمحب لا يلام وكلام العشاق يطوى ولا يحكى، وهو كما قال الشاعر:
أريد وصاله ويريد هجري ... فاترك ما أريد لما يريد
وقد تقدم في العصفور نظير هذا.
فائدة
: اعلم أن الناس قد كثر كلامهم، في وصف المحبة، ونعت العشق، فسلك كل منهم مذهبا أداه إليه نظره واجتهاده، وسأختصر من أقوالهم قدرا يسيرا كافيا.
قال عبد الرحمن بن نصر: أهل الطب يجعلون العشق مرضا، يتولد من النظر والسماع، ويجعلون له علاجا كسائر الأمراض البدنية، وهو مراتب ودرجات بعضها فوق بعض.
فأول مرتبة منه تسمى الاستحسان، وهي المتولدة من النظر والسماع، ثم تقوى هذه المرتبة بطول الذكر في محاسن المحبوب وصفاته الجميلة، فتصير مودة، وهي الميل إليه والتألف بشخصه، ثم تتأكد المودة فتصير محبة، والمحبة هي الائتلاف الروحاني، فإذا قويت هذه المرتبة صارت خلة، والخلة من الآدميين هي تمكن محبة أحدهما من قلب صاحبه، حتى تسقط بينهما السرائر، فإذا قويت هذه المرتبة صارت هوى، والهوى هو أن المحب لا يخالطه في محبة محبوبه تغير، ولا يداخله تلون، ثم يزيد الحال فيصير عشقا، والعشق هو إفراط المحبة حتى لا يخلو المعشوق من تخيل العاشق، وفكره وذكره لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس عن تنبيه القوى الشهوانية، فيمتنع من الطعام والشراب لاشتغال النفس عن تنبيه القوى الشهوانية، ويمتنع من الفكر والذكر والتخيل والنوم، لاستضرار الدماغ، فإذا قوي العشق صار تيما، وفي هذه الحالة لا يوجد في قلبه فضل لغير صورة المعشوق، ولا ترضى نفسه سواها، فإذا تزايد الحال صار ولها، والوله هو الخروج عن الحدود والترتيب، فتتغير صفاته، ولا تنضبط أحواله، ويصير موسوسا لا يدري ما يقول، ولا أين يذهب فحينئذ تعجز الأطباء عن مداواته، وتقصر آراؤهم عن معالجته، لخروجه عن الحد الضابط. وقد أجاد القائل حيث قال:
стр. 785
يقول أناس لو نعت لنا الهوى ... وو الله ما أدري لهم كيف أنعت
فليس لشيء منه حد أحده ... وليس لشيء منه وقت موقت
إذا اشتد ما بي كان آخر حيلتي ... له وضع كفي فوق خدي وأصمت
وأنضح وجه الأرض طور بعبرتي ... وأقرعها طورا بظفري وأنكت
وقد زعم الواشون أني سلوتها ... فما لي أراها من بعيد فأبهت
قال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهو كامن في الدماغ والقلب والكبد، وفي الدماغ ثلاثة مساكن: التخيل في مقدمه، والفكر في وسطه، والذكر في مؤخره، فلا يكون أحد عاشقا، إلا إذا كان بحيث إذا فارق معشوقه لم يخيل من تخيله وفكره وذكره، فيمتنع من الطعام والشراب لاشتغال قلبه وكبده، ومن النوم لاشتغال الدماغ بالتخيل والفكر للمعشوق، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقا، فإذا لها العاشق خلت هذه المساكن، فرجع إلى حال الاعتدال.
وقال أبو علي الدقاق: العشق تجاوز الحد في المحبة، ولهذا لا يوصف الله تعالى بالعشق، لأنه لا يوصف بأن يجاوز الحد في محبة العبد، وإنما يوصف بالمحبة. كما قال تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
«١» فمحبة الله تعالى للعبد هي إرادته لإنعام مخصوص عليه، كما أن رحمته إرادة الإنعام.
وقال قوم: محبة الله تعالى للعبد مدحه وثناؤه عليه، وقيل: بل محبة الله لعبده صفة من صفات فعله، فهي إحسان مخصوص يليق بالعبد، وأما محبة العبد لله تعالى فحالة يجدها في قلبه يحصل منها التعظيم له، وايثاره رضاه، وقلة الصبر عنه والاحتياج إليه والاستئناس بذكره.
وقد اختلف في اشتقاق المحبة والعشق، فقال بعضهم: الحب اسم لصفاء المودة، لأن العرب تقول لصفاء بياض الأسنان ونضارتها حبب، وقيل: هو مشتق من حباب الماء بفتح الحاء، وهو معظمه، لأن المحبة معظم ما في القلوب من المهمات، وقيل: اشتقاقه من اللزوم والثبات، يقال: أحب البعير إذا برك فلم يقم، فكأن المحب لا ينزع قلبه عن ذكر محبوبه. وأما العشق فاشتقاقه من العشقة، وهو نبات يلتف بأصول الشجر التي يقاربها في منبتها، فلا تكاد تتخلص منه إلا بالموت، وقيل: إن العشقة نبات أصفر متغير الأوراق فسمي العاشق به لاصفراره وتغير حاله. وقيل: أعم حالات الحب وأشهرها وأعظم صفات الهوى وأظهرها ثلاثة أوصاف، ملازمة لا يستطيعون دفعها، وهي النحول والسقم والذبول، والله أعلم.
وهدا الطائر يعمر كثيرا، وقد ظهر منه ما عاش خمسا وعشرين سنة، وما عاش أربعين سنة، كما حكاه أبو حيان التوحيدي وأرسطو قبله.
الحكم
: يحل أكلها وبيعها بالاتفاق.
الأمثال
: قالوا «٢» : «أكذب من فاختة» . وقالوا «٣» : «فلان الفاختة عنده أبو ذر» .
الخواص
: دمها ودم الحمام الأسود، إذا طلي بهما البرص غير لونه. وزبلها، إذا علق على
стр. 786
صبي بصرع أبرأه. ودمها، إذا قطر في العين أذهب الآثار المزمنة من ضربة أو قرحة أو غيرهما.
التعبير
: قال ابن المقري: الفواخت والقماري والدبسي وما أشبهها، يدل ملكها في الرؤيا على العز والجاه وظهور النعم، لأنها لا تكون في الغالب إلا عند المتنعمين، وربما دلت على أهل العبادة، والانقطاع والقراءة والتسبيح والتهليل. قال الله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
«١» وربما دلت على المطربين، وأصحاب اللهو والغناء والرقص، وربما دلت على الزوجات والإماء. وقال المقدسي: الفاختة في المنام ولد كذاب، وقيل: الفاختة امرأة كذابة غير ألفة، وفي دينها نقص. وقال ارطاميدورس: الفاختة امرأة صاحبة مروءة وشكل، والله أعلم.
الفأر:
بالهمز جمع فأرة ومكان فترأى: كثير الفأر، وأرض فئرة أي ذات فأر، وكنية الفأرة:
أم خراب وأم راشد، وهي أصناف: الجرذ والفأر المعروفان وهما كالجاموس والبقر والبخاتي والعراب، ومنها: اليرابيع والزباب والخلد، فالزباب صم والخلد عمي، وفأرة البيش، وفأرة الإبل وفأرة المسك، وذات النطق، وفأرة البيت وهي الفويسقة التي أمر النبي ﷺ بقتلها في الحل والحرم.
وأصل الفسق الخروج عن الاستقامة والجور، وبه سمي العاصي فاسقا، وإنما سميت هذه الحيوانات فواسق على الاستعارة لخبثهن، وقيل: لخروجهن عن الحرمة في الحل والحرم، أي لا حرمة لهن بحال، وقيل: سميت بذلك لأنها عمدت إلى حبال سفينة نوح ﵊، فقطعتها، روى الطحاوي في أحكام القرآن بإسناده عن يزيد بن أبي نعيم، أنه سأل أبا سعيد الخدري ﵁ لم سميت الفأرة الفويسقة؟ فقال: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة، وقد أخذت فأرة فتيلة السراج لتحرق على رسول الله ﷺ البيت، فقام إليها وقتلها وأحل قتلها للحلال والمحرم. وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع درهم. الخمرة: السجادة التي يسجد عليها المصلي، سميت بذلك لأنها تخمر الوجه، أي تغطيه.
ورواه الحاكم عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال «٢» : جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فذهبت الجارية تزجرها، فقال النبي ﷺ : «دعيها» . فجاءت بها فألقتها بين يدي النبي ﷺ ، على الخمرة التي كان قاعدا عليها، فأحرقت منها موضع درهم، فقال ﵊: «إذا نمتم فأطفؤا سرجكم فإن الشيطان يدل مثل هذه على هذا فتحرقكم» . ثم قال:
صحيح الإسناد. وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي ﷺ «أمر بإطفاء النار عند النوم» وعلل ذلك بأن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم نارا. وفي الصحيح أيضا أن النبي ﷺ قال: «لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون حتى تطفؤوها» . قال النووي رحمه الله تعالى: هذا عام، يدخل فيه نار السراج وغيرها. وأما القناديل المعلقة في المساجد وغيرها، فإن خيف حريق بسببها دخلت في
стр. 787
الأمر بالإطفاء، وإن أمن ذلك كما هو الغالب، فالظاهر أنه لا بأس بتركها، لانتفاء العلة التي علل بها النبي ﷺ ، وإذا انتفت العلة زال المنع، وقد تقدم في باب الصاد المهملة، في لفظ الصيد الكلام على الفواسق الخمس، وما ألحق بها مما يباح قتله للمحرم، وفي الحرم.
والفأر نوعان: جرذان وفئران، وكلاهما له حاسة السمع والبصر، وليس في الحيوانات أفسد من الفأر ولا أعظم أذى منه، لأنه لا يبقي على حقير ولا جليل، ولا يأتي على شيء إلا أهلكه وأتلفه، ويكفيه ما يحكى عنه في قصة سد مأرب، وقد تقدمت في باب الخاء المعجمة، في لفظ الخلد، ومن شأنه أنه يأتي القارورة الضيقة الرأس، فيحتال حتى يدخل فيها ذنبه، فكلما ابتل بالدهن أخرجه وامتصه حتى لا يدع فيها شيئا. ولا يخفى ما بين الفأر والهر من العداوة، والسبب في ذلك ما تقدم في أول خواص الأسد من حديث زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه، أن نوحا ﵊ لما حمل في السفينة، من كل زوجين اثنين شكا أهل السفينة الفأرة وأنها تفسد طعامهم، ومتاعهم فأوحى الله تعالى إلى الأسد، فعطس فخرجت منه الهرة فتخبأت الفأرة منها.
تذنيب:
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: اتخذ نوح السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعا، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد.
وروي أن الطبقة السفلى، كانت للدواب والوحوش، والوسطى للإنس، والعليا للطير.
فلما كثرت أرواث الدواب، أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، ففعل فوقع منه خنزير وخنزيرة، فأقبلا على الروث. فلما وقع الفأر بحرف السفينة جعل يقرضها وحبالها، فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بين عيني الأسد فضرب، فخرج من منخره سنور وسنورة فأقبلا على الفأر.
وعن الحسن قال: كان طول السفينة ألفا ومائتي ذراع وعرضها ستمائة ذراع. والمعروف ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن طولها ثلاثمائة ذراع. وقال قتادة رضي الله تعالى عنه:
كان بابها في عرضها، وقال زيد بن أسلم: مكث نوح ﵇ مائة سنة يغرس الأشجار ويقطعها، ومائة عام يعمل الفلك. وقال كعب الأحبار: مكث نوح ﵇، في عمل السفينة ثلاثين سنة. وقيل: غرس الشجر أربعين سنة وجففه أربعين سنة.
وزعم أهل التوراة، أن الله تعالى أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج، وأن يضعه أزور، وأن يطليه بالقار من داخله ومن خارجه، وأن يجعل طوله ثمانين ذراعا، وعرضه خمسين ذراعا، وطوله في السماء ثلاثين ذراعا. والذراع إلى المنكب، وأن يجعله ثلاث أطباق: سفلى ووسطى وعليا، وأن يجعل فيه كوى فصنعه نوح كما أمر الله تعالى.
وأما الزباب والخلد:
فتقدما.
وأما اليربوع:
فسيأتي في بابه، وقد تقدم في باب العين المهملة في لفظ العقعق، عن سفيان
стр. 788
بن عيينة، أنه قال: ليس شيء من الحيوان يخبأ قوته إلا الإنسان والنملة والفأرة والعقعق، وبه جزم في الإحياء في باب التوكل. وعن بعضهم قال: رأيت البلبل يحتكر. ويقال إن للعقعق مخابىء إلا أنه ينساها. وفي البخاري ومسلم عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال «١» : «فقدت أمة من بني إسرائيل، ولا يدري ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر ألا تراها إذا وضع لها لبن الإبل لم تشربه، وإذا وضع لها لبن الشاة شربته» . قال النووي وغيره: ومعنى هذا أن لحوم الإبل وألبانها، حرمت على بني إسرائيل دون لحوم الغنم وألبانها، فدل امتناع الفأرة من لبن الإبل، دون لبن الغنم، على أنها مسخ من بني إسرائيل.
وأما فأرة البيش:
وهو بكسر الباء الموحدة، وبالياء المثناة تحت وبالشين المعجمة في آخره وهو السم، فدويبة تشبه الفأرة، وليست بفأرة ولكن هكذا يسمى، وتكون في الغياض والرياض وهي تتخللها طلبا لمنابت السموم، فتأكلها فلا تضرها، وكثيرا ما تطلب البيش وهو سم قاتل كما تقدم هنا. وفي باب السين المهملة في لفظ السمندلي، قاله القزويني، في الأشكال.
وأما ذات النطاق:
فهي فأرة منطقة ببياض، وأعلاها أسود، شبهوها بالمرأة ذات النطاق، وهي التي تلبس قميصين ملونين وتشد وسطها، ثم ترسل الأعلى على الأسفل. قاله القزويني أيضا.
وأما فأرة المسك:
فهي غير مهموزة، لأنها من فار يفور، وهي النافجة كذا قاله الجوهري.
وفي التحرير، فارة المسك مهموزة كفأر الحيوان، ويجوز ترك الهمز كما في نظائره. وقال الجوهري وابن مكي: ليست مهموزة وهو شذوذ منهما. وقول الشاعر:
كأنّ بين فكّها والفك ... فارة مسك ذبحت في سك
مراده شقت، والذبح أصله الشق والقطع، والسك ضرب من الطيب يركب من مسك وغيره.
وقال الجاحظ: فارة المسك نوعان: النوع الأول دويبة تكون في بلاد التبت تصاد لنوافجها وسررها فإذا صيدت شدت بعصائب، وتبقى متدلية فيجتمع فيها دمها، فإذا أحكم ذلك ذبحت فإذا ماتت قورت السرة التي عصبت، ثم تدفن في الشعير حينا حتى يستحيل ذلك الدم المختنق هناك الجامد بعد موتها، مسكا ذكيا، بعد أن كان لا يرام نتنا. وما أكثر من يأكلها أي الفأرة عندنا! قلت: وتعجبه من كثرة آكليها يدل على استطابتها، والفقهاء لم يتعرضوا لهذا النوع. ثم قال: والنوع الثاني جرذان سود، تكون في البيوت، ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة، وهذا النوع رائحته كرائحة المسك، إلا أنه لا يؤخذ منه المسك، وقد تقدم في باب الظاء المشالة في لفظ الظبي، ذكر المسك وحكمه. قلت: والمشهور أن فأرة المسك سرر الظباء كما تقدم.
وأما فأرة الإبل
فقال في الصحاح: هي أن تفوح منها ريح طيبة، وذلك إذا رعت العشب وزهره، ثم شربت وصدرت عن الماء نديت جلودها، ففاحت منها رائحة طيبة فيقال لتلك
стр. 789
الرائحة: فأرة الإبل. عن يعقوب، قال «١» الراعي يصف إبلا:
لها فأرة زفراء كلّ عشية ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه
وأما الفأرة التي خربت سد مأرب:
فهي الخلد، وقد تقدم ذكر قصتها، في باب الخاء المعجمة. وروى الحاكم والبيهقي عن مجاهد، في تفسير قوله «٢» تعالى: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها
يعني حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵇، فيسلم كل يهودي وكل نصراني وكل صاحب ملة، وتأمن الفأرة الهر والشاة الذئب ولا تقرض فأرة جرابا، وتذهب العداوة من الأشياء كلها وذلك ظهور الإسلام على الدين كله.
الحكم
: يحرم أكل جميع أنواع الفأر إلا اليربوع، كما سيأتي في بابه، إن شاء الله تعالى، ويكره أكل سؤر الفأر، وقال ابن وهب عن الليث: كان ابن شهاب يعني الزهري يكره أكل التفاح الحامض، وسؤر الفأر، ويقول: إنهما يورثان النسيان، وكان يشرب العسل، ويقول إنه يورث الذكاء. وقد جمع الشيخ علم الدين السخاوي «٣» ما يورث النسيان في أبيات فقال:
نوق خصالا خوف نسيان ما مضى ... قراءة ألواح القبور تديمها
وأكلك للتفاح ما كان حامضا ... وكزبرة خضراء فيها سمومها
كذا المشي ما بين القطار وحجمك ... القفاء ومنها الهمّ وهو عظيمها
ومن ذاك بول المرء في الماء راكدا ... كذلك نبذ القمل لست تقيمها
ولا تنظر المصلوب في حاله صلبه ... وأكلك سؤر الفأر وهو تميمها
تتمة
: روى البخاري عن ابن عباس، عن ميمونة بنت الحارث زوج النبي ﷺ قالت: إن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي ﷺ عنها، فقال «٤» : «ألقوها وما حولها وكلوه» . ورواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بمعناه. ورواه الترمذي عنه، ثم قال: وهو غير محفوظ. سمعت البخاري يقول: إنه خطأ، يعني من طريق أبي هريرة.
قلت: والصواب أنه صحيح، ورواه الطحاوي في بيان المشكل عنه، بلفظ: «إن كان جامدا فخذوها وما حولها فألقوه، وإن كان ذائبا فاستصبحوا به» . وإنما لم يدخل البخاري في الحديث قوله ﷺ : «وإن كان مائعا فأريقوه» ، لأنه من رواية معمر عن الزهري، فاستراب بانفراد معمر بها.
والعلماء مجمعون على أن حكم السمن الجامد، تقع فيه الميتة أنها تلقى وما حولها، ويؤكل بقيته. وأما المائع، كالخل والزيت والسمن المائع واللبن والشيرج والعسل المائع، فلا خلاف أنه لا يؤكل، والمشهور جواز الاستصباح به لكن يكره، وقيل: لا يجوز، لقوله «٥» تعالى: وَالرُّجْزَ
стр. 790
فَاهْجُرْ
. قال أبو العالية والربيع: الرجز بالضم والكسر: النجاسة والمعصية، وكل هذا في غير المساجد. فأما المساجد فلا يستصبح به فيها جزما. ويحل دهن السفن به، وأن يتخذ صابونا يغسل به ولا يباع. وقال أبو حنيفة والليث: يجوز بيع الدهن النجس، إذا بين نجاسته. وقال أهل الظاهر: لا يجوز بيع السمن، ولا الانتفاع به، إذا وقعت فيه الفأرة، ويجوز بيع الزيت والخل والعسل وجميع المائعات، إذا وقعت فيها. قالوا: لأن النهي إنما ورد في السمن دون غيره.
الأمثال
: قالوا «١» : «ألص من فأرة» و «أكسب من فأرة» «٢» و «أسرق من ذبابة» «٣» . وهي الفأرة البرية، تسرق كل ما تحتاج إليه وما تستغني عنه.
الخواص
: قال في كتاب عين الخواص: رأس الفأرة يشد في خرقة كتان، ويعلق على رأس صاحب الصداع الشديد، يزول صداعه، وينفع من الصرع، وعين الفأر تشد في قلنسوة إنسان يسهل المشي عليه، وإن بخر البيت بزبل ذئب أو زبل كلب، هربت منه الفيران. وإن خلط العجين بزبل حمام وأكله الفأر، أو أي حيوان كان مات. وإن دق بصل الفأر وجعل على أبواب حجرتهن فأي فأرشم رائحته مات. وإن جعل على باب جحر الفأر ورق الدفلى مع القلقند لم تبق فيه فأرة. وإن دق عظم ساق الجمل دقا ناعما، وديف بماء وسكب في جحرة الفيران، فإنه يقتلهن. وإن أخذت فأرة وقطع ذنبها ودفنت وسط البيت، لم يدخل ذلك البيت فأر ما دامت فيه، وإذا بخر بكمون ولوز ونطرون عند جحرتهن متن من ساعتهن، وإن بخر البيت بحافر بغل أسود هرب منه الفأر. وإن علقت عين فأرة على من به حمى الربع أبرأته. وذنب الفأر إذا جعل في جلد حمار، وجعلا في خرقة حرير وعلق على اليد اليسرى، فمن يكون له حاجة فإنها تقضى عند الملوك وغيرهم. وبول الفأر يقلع الكتابة من الورق، وطريق أخذ بوله أن يصاد في مصيدة بحديدة، ويوضع إناء وتجعل المصيدة من ناحية الحديدة، على فم الإناء، ويرى الفأر السنور، فإنه يبول من ساعته لشدة خوفه، ويكتب للفأر على أربع صفائح قصدير، وتجعل في أوكار الفأر وهو هذا: يا ربيق يا سلويرا.
قلت: وقد أذكرني هذا ما يقلع الزيت وغيره، من الأدهان من القرطاس والجلد والريش، وغير ذلك أن يؤخذ التراب الذي يجعله النساء في رؤوسهن في الحمام الأزرق المحترق فيدق ناعما كالكحل، ويوضع على القرطاس الذي أصابه الزيت، أو غيره ويثقل تثقيلا جيدا يوما وليلة، ثم يرفع، فإن القرطاس يصير نقيا ليس به أثر، وهو سر عجيب مجرب. وأما سم الفأر فهو التراب الهالك عند أهل العراق، وهو السك، يؤتى به من خراسان من معادن الفضة، وهو نوعان:
أبيض وأصفر، إن جعل في عجين وطرح في البيت، وأكل منه الفأر مات. وكذلك كل فأرة تجد ريح تلك الفأرة حتى يموت الجميع.
التعبير
: قال المعبرون: الفأرة في الرؤيا امرأة فاسقة، لأن النبي ﷺ قال «٤» : «اقتلوا الفويسقة» وقيل: الفأرة امرأة يهودية نائحة ملعونة، أو رجل يهودي فاسق، أو لص نقاب. وربما دل الفأر على الرزق، فمن رأى فأرا في بيته كثيرا، كثر رزقه لأنه لا يكون إلا في مكان فيه رزق،
стр. 791
ومن خرج الفأر من منزله، قلّت بركته ونعمته، ومن ملك فأرا ملك خادما، لأن الفأر يأكل مما يأكل الإنسان، وكذلك الخادم يأكل مما يأكل سيده. ومن رأى فأرا يلعب في داره نال خصبا في تلك السنة، لأن اللعب لا يكون إلا من الشبع، وأما الفأر الأبيض والأسود، فإنه يدل على الليل والنهار، فمن رآه يغدو ويروح فإنه يدل على طول حياته، ومن رأى الفأر كأنه يقرض في ثيابه، فهو معلن بما يمر من أجله، ومن رأى فأرا ينقب فإنه لص نقاب فليحذره والله تعالى أعلم.
الفادر:
المسن من الأوعال.
الفازر:
بالزاي قبل الراء، نمل أسود فيه حمرة.
الفاشية:
الماشية، وجمعها فواش، وهي التي تفشو من المال كالإبل والبقر والغنم السائمة، لأنها تفشو أي تنتشر في الأرض. ويقال: أفشى الرجل، إذا كثرت مواشيه. روى مسلم في الأشربة، وأبو داود في الجهاد، من حديث أبي خيثمة عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترسلوا مواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء» .
زاد أبو داود: «فإن الشياطين تعبث إذا غابت الشمس» «١» . وفحمة العشاء ظلمتها واسودادها، شبه سوادها بالفحم، وفسرها بعضهم باقبال أول ظلامه. وفي الحديث: «ضموا مواشيكم إذا دخل الليل» . وسيأتي، في باب الميم، إن شاء الله تعالى ذكر هذا الكلام.
الفاعوس:
كجاموس، الحية والوعل والأفعى. قاله ابن الأعرابي. وأنشد في ذلك:
قد يهلك الأرقم والفاعوس ... والأسد المدرّع الهوس
قال: ولم يأت في الكلام فاعول لام الفعل منه سين، إلا الفاعوس، وهو الحية والوعل، والبابوس وهو الصبي الرضيع، والراموس وهو القبر، والقاموس وهو وسط البحر، والقابوس وهو الجميل الوجه، والعاطوس هو دابة يتشاءم بها، والفانوس وهو النمام، والجاموس وهو ضرب من البقر، والجاروس وهو الكثير الأكل.
وقال ابن دريد: والكابوس وهو الذي يقع على الإنسان في نومه، والناموس وهو صاحب سر الخير، والجاسوس وهو صاحب سر الشر. وفي الصحيحين أن ورقة بن نوفل قال: هذا الناموس الذي أنزل على موسى بن عمران ﷺ .
قال النووي وغيره: اتفقوا على أن المراد به هنا جبريل ﵊. وسمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالوحي وعلم الغيب، وسيأتي هذا أيضا في باب النون، إن شاء الله تعالى، في لفظ الناموس. والله تعالى أعلم.
الفاطوس:
سمكة عظيمة تكسر السفن، والملاحون يعرفونها، فيتخذون خرق الحيض ويعلقونها على السفينة، فإنها تهرب منهم. قال القزويني: ولعل هذا هو حوت الحيض، وقد تقدم ذكره في باب الحاء المهملة.
стр. 792
الفالج:
بالجيم في آخره الجمل الضخم ذو السنامين يحمل من الهند، وهو الدهانج بفتح الدال وبالجيم في آخره، كما تقدم في باب الدال المهملة، وفي الحديث «أن فالجا تردى في بئر» .
فالية الأفاعي:
بنات وردان، وسيأتي إن شاء الله تعالى، في آخر باب الواو. وقيل هي ضرب من الخنافس رقط تألف العقارب في جحرة الضب.
الأمثال
: قالت العرب: «آيتكم فالية الأفاعي» . وجمعها الفوالي لأنها إذا خرجت، يعلم أن الضب خارج لا محالة، وإذا رؤيت في الجحر علم أن وراءها العقارب والحيات والأفاعي، يضرب لأول شر ينتظر بعده شر منه والله تعالى أعلم.
فتّاح:
كصياح طائر يكنى أم عجلان، تقدم في آخر باب العين المهملة.
الفتع:
دود أحمر يأكل الخشب قال الشاعر:
غداة غادرتهم قتلى كأنهم ... خشب تقصف في أجوافها الفتع
الواحدة فتعة قاله ابن سيده.
الفحل:
الذكر من ذي الحافر والظلف والخف وغير ذلك من ذي الروح، وجمعه: أفحل وفحول وفحولة وفحال وفحالة. قال البخاري، في الجهاد: وقال راشد بن سعد: كان السلف يستحبون الفحولة من الخيل، لأنها أجرى وأجرأ. أي أسرع وأجسر.
وروى الحافظ أبو نعيم من طريق غيلان بن سلمة الثقفي، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، في بعض أسفاره، فرأينا منه عجبا جاء رجل فقال: يا رسول الله إنه كان لي حائط فيه عيشي وعيش عيالي، ولي فيه ناضحان فحلان وقد منعاني أنفسهما، وحائطي وما فيه فلا يقدر أحد أن يدنو منهما، فنهض نبي الله ﷺ حتى أتى الحائط، فقال لصاحبه: «افتح» . فقال: إن أمرهما عظيم! فقال ﷺ : «افتح» فلما حرك الباب أقبلا ولهما رغاء وجلبة، فلما انفرج الباب ونظرا إلى رسول الله ﷺ بركا ثم سجدا، فأخذ النبي ﷺ برؤوسهما، ثم دفعهما إلى صاحبهما، وقال:
«استعملهما وأحسن علفهما» . فقال القوم: تسجد لك البهائم أفلا تأذن لنا بالسجود لك؟ فقال رسول الله ﷺ : «إن السجود لا ينبغي إلا للحي القيوم، الذي لا يموت ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» .
ورواه الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ورجاله ثقات، وروى الحافظ الدمياطي، في كتاب الخيل، عن عروة البارقي أنه قال: كانت لي أفراس، وفيها فحل شراؤه عشرون ألف درهم، ففقأ عينه دهقان، فأتيت عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبرته، فكتب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه؛ أن خير الدهقان بين أن يعطيه عشرين ألفا ويأخذ الفحل وبين أن يغرم ربع الثمن. فقال الدهقان: ما أصنع بالفحل؟ وغرم ربع الثمن. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا، في باب الحاء المهملة، في لفظ الحيوان. وفي الصحيحين وغيرهما:
стр. 793
«يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل» «١» . وفي السنن: «يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل» «٢» .
وروى الشافعي رحمه الله تعالى في مسنده بإسناد على شرط مسلم عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن لبن الفحل لا يحرم، ومعناه أن حرمة الرضاع لا تثبت بين المرتضع وبين زوج المرضعة الذي اللبن منه، وإنما تنتشر الحرمة إلى أقارب المرضعة لا غير.
وروي هذا عن ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم، وبه قال داود الأصم، وهو اختيار عبد الرحمن ابن بنت الشافعي.
والذي ذهب إليه الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وغيرهم من علماء الأمة، أن حرمة الرضاع تثبت بين المرتضع وبين المرضعة، وبين زوجها الذي منه اللبن فتكون المرضعة أما له وزوجها أبا له كما إذا ولدته من مائة، وكانا أبوين له، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها المتفق على صحته في قصة فلح بن أبي القعيس، وحديثها أيضا المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «٣» . وإنما تثبت حرمة الرضاع بشرطين: أحدهما أن يكون قبل استكمال المولود حولين، لقوله «٤» تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ
ولقوله ﷺ : «لا يحرم من الرضاع إلا ما يفتق الأمعاء» . وفي رواية «٥» «لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم» . وإنما يكون هذا في حال الصغر. وعند أبي حنيفة مدة الرضاع ثلاثون شهرا لقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً
«٦» . والشرط الثاني أن يكون خمس رضعات متفرقات، كل رضعة إلى الشبع. روي ذلك عن عائشة وعبد الله بن الزبير ﵃، وبه قال مالك والشافعي وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره محرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر ﵃. وروي عن سعيد بن المسيب، وإليه ذهب الثوري ومالك في إحدى الروايات، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وأبو حنيفة، فإن كان للرجل خمس بنات أو زوجات أو أمهات أولاد، فأرضعت كل واحدة رضعة واحدا جنينا واحدا، ففيه ثلاثة أوجه: أحدها لا يقع التحريم، والثاني يصير ابنا له ولا يصير ابنا للمرضعات، والثالث يصير ابنا له وللمرضعات، فإن وصل اللبن إلى جوفه بحقنة، ففيه قولان: وإن اختلط اللبن بمائع ووصل إلى جوفه ثبتت الحرمة، وإن كان مغلوبا على أصح القولين. وللمسألة فروع مبسوطة في كتب الفقه.
قلت: وقد أذكرني اللبن حديثا رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال «٧» : «لا أخاف على أمتي إلا اللبن فإن الشيطان بين الرغوة والضرع» . وروى أيضا من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «سيهلك من أمتي أهل اللبن» . قيل: من هم يا رسول الله؟ قال «٨» : «أناس يحبون اللبن فيخرجون من الجماعات
стр. 794
ويتركون الجمعات» . قال الحربي: أظنه أراد يتباعدون عن الأمصار وعن صلاة الجماعة، ويطلبون مواضع اللبن، في المراعي والبراري والبوادي. وقال غيره: أراد قوما أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.
وفي صحيح البخاري، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ «نهى عن عسب الفحل» «١» . والأشهر في تفسيره أنه ضراب الفحل كما قال الشاعر:
ولولا عسبه لرددتموه ... وشر منيحة فحل يعار
وقيل: المراد ثمن مائه، ففي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود، في بعض نسخه، نهى عن ثمن عسب الفحل، وقيل: العسب أجرة ضرابه، فيحرم ثمن مائه. وكذا أجرته في الأصح.
الأمثال
: قال العسكري: ومن الأمثال المستحسنة قولهم: «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» .
وقد تمثل به ورقة بن نوفل في النبي ﷺ حين خطب خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها.
ويقال: بل تمثل به أبو سفيان بن حرب حين خطب النبي ﷺ ابنته حبيبة رضي الله تعالى عنها.
قال: وأصحاب الحديث يرونه «الفحل لا يقرع أنفه» بالراء، انتهى. قال الشماخ «٢» :
إذا ما استافهنّ ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع
قوله: استافهن يعني حمارا يستاف أنثى، فيرمحنه إذا استافهن، والسوف الشم. وقوله: مكان الرمح من القدوع أراد بالقدوع المقدوع، وهذا من الأضداد. يقال: طريق ركوب إذا كانت تركب، ورجل ركوب للدواب إذا كان يركبها، وناقة رغوث إذا كانت ترضع، وحوار رغوث إذا كان يرضع، وشاة حلوب إذا كانت تحلب، ورجل حلوب إذا كان يحلب الشاة، والقدوع هنا البعير قدع أنفه، وهو أن يريد الناقة الكريمة، ولا يكون كريما فيضرب أنفه بالرمح حتى يرجع.
يقال: قدع أنفه عن كذا، أي منع عنه، وأنشد الشيخ شرف الدين الدمياطي في أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب لعبد الله بن يزيد الهلالي:
ما أنجبت نجيبة من فحل ... بجبل نعلمه أو سهل
كسته من بطن أمّ الفضل ... زوجة المصطفى ذي الفضل
خاتم الأنبياء وخير الرسل ... أكرم بها من كهلة وكهل
وقالوا: الفحل يحمي شوله معقولا، والشول تقدم في باب الشين المعجمة أنها النوق، التي جف لبنها وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، الواحدة شائلة، والشول: جمع على غير قياس. ومعقولا نصب على الحال، أي أن الحر يحتمل الأمر الجليل في حفظ أهله وحريمه، وإن كان به علة، وقد تمثل بذلك هاشم بن عتبة بن أبي وقاص أخي سعد بن أبي
стр. 795
وقاص، حين فقئت عينه باليرموك، وهو الذي افتتح جلولا من بلاد فارس، وهزم الفرس.
وكانت جلولا تسمى فتح الفتوح، وبلغت غنائمها ثمانية عشر ألف ألف، وشهد صفين مع علي ﵁، وكانت معه الراية وهو على الرجالة وقتل يومئذ وهو يقول «١» :
أعور يبغي أهله محلا ... قد عالج الحياة حتى ملا
لا بدّ أن يفلّ أو يفلا
فقطعت رجله يومئذ، وهو يقاتل من دنا منه وهو بارك، ويقول: «الفحل يحمي شوله معقولا» .
وفيه يقول أبو الطفيل عامر «٢» بن واثلة ﵁:
يا هاشم الخير جزيت الجنه ... قاتلت في الله عدوّ السنه
ومن أحكام الفحل، أن من غصب فحلا وأنزاه على شاته، فالولد للغاصب، ولا شيء عليه للإنزاع، لكن إذا نقص الفحل بذلك، غرم أرش نقصه. وإن غصب شاة وأنزى عليها فحلا فالولد لصاحب الشاة.
تذنيب
: قال يونس: جميع الألبان معتدلة، وقال الرازي: الحلو حار، وأجوده ما كان من ضأن فتى، وهو ينفع الصدر والرئة، ويضر أصحاب الحميات، وهو يولد غذاء جيدا، ويوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة والصبيان وأجود أكله في الربيع. وأما اللبن الحامض، فبارد رطب، وأجوده الكثير الزبد، وهو ينفع لتسكين العطش، ويضر بالأسنان واللثة، ويدفع ضرره التمضمض بماء العسل، ويولد خلطا محمودا، يوافق أصحاب الأمزجة المعتدلة والغلمان، وأجود استعماله في الصيف ويختار اللبن بعد الولادة بأربعين يوما، ويختلف بحسب صفته، فالمطبوخ مع الحنطة والأرز، يوافق أصحاب الأمزجة الحارة، وما نزع زبده ومائيته، ويقال له الودع ينفع الأمزجة الحارة، وإذا ألقى في اللبن الحصا المحمى حتى تذهب مائيته نفع من الذرب، والذي أخرج غلظه بالأنفحة، إذا خلط بالسكنجبين السكري نفع من الحكة والجرب، ولبن الاتن ينفع من السل والدق، ولبن اللقاح نافع من الاستسقاء إذا خلط مع أبوالها، وما خثر من اللبن فهو بارد يمسك الطبع، ويولد خلطا غليظا وسددا، وحجارة في الكلى انتهى.
تتمة
: اللبن في المنام فطرة الإسلام، وهو مال حلال يناله بلا تعب لقوله تعالى: لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
«٣» وأما الرائب فهو مال حرام لحموضته، وخروج دسومته، ولبن الغنم مال شريف، ولبن البقر غنى، ولبن الخيل ثناء حسن، ولبن الثعلب شفاء من مرض، ولبن البغل عسر وهول، ولبن النمر عدو يظهر، ولبن الأسد مال من سلطان، ولبن حمار الوحش شك في الدين، ولبن الخنزير مصيبة في العقل والمال لمن شربه في المنام، وقيل: إصابة مال عظيم، لكن
стр. 796
يخشى على عقل شاربه، ولبن ابن آدم زيادة في المال، إذ هو زاد في الثدي، ولا يحمد لمن رضعه فإنه يدل على داء مكروه. قال محمد بن سيرين: لا أحب الراضع ولا المرضع، فإن شربه المريض، شفي من مرضه، لأن به كان نشؤه وقوته ومن بدد اللبن فقد ضيع دينه، ومن رأى اللبن يخرج من الأرض، فإنها فتنة يراق فيها الدم على قدر ذلك اللبن، ولبن الكلاب والذئاب والسنانير خوف أو مرض. وقيل: إن لبن الذئب مال من سلطان، ورياسة على قوم. ولبن الهوام، من شربه فإنه يصالح أعداءه، والله تعالى أعلم.
الفدس:
بالضم العنكبوت، والجمع فدسة كفردة.
الفرأ:
الحمار الوحشي، والجمع الفراء، مثل جبل وجبال، وفي المثل «١» «كل الصيد في جوف الفرا» . قاله النبي ﷺ لأبي سفيان بن الحارث. وقيل: لأبي سفيان بن حرب، كذا قاله أبو عمر بن عبد البر، وقال السهيلي: الصحيح أنه ﷺ قاله لابن حرب يتألف به، وذلك أنه استأذن على النبي ﷺ ، فحجب قليلا ثم أذن له، فلما دخل قال: ما كدت تأذن لحجارة الجلهمتين، وهما جانبا الوادي، فقال النبي ﷺ : «يا أبا سفيان أنت كما قيل: «كل الصيد في جوف الفرا» ، قال له النبي ﷺ ذلك يتألفه عن الإسلام، يعني إذا حجبتك منع كل محجوب، وقال في كلامه على فتح مكة، الأصح أن النبي ﷺ قاله لأبي سفيان بن الحارث، وكان رضيع النبي ﷺ أرضعتهما حليمة، وكان آلف الناس له قبل النبوة لا يفارقه، فلما بعث ﷺ كان أبعد الناس وأهجاهم له، إلى أن أسلم، فكان أصح الناس إيمانا، وألزمهم لرسول الله ﷺ ، وأصل هذا المثل أن جماعة ذهبوا إلى الصيد، فصاد أحدهم ظبيا، والآخر أرنبا، والآخر حمار وحش، فاستبشر صاحب الأرنب وصاحب الظبي بما نالا، وتطاولا على الثالث فقال الثالث: «كل الصيد في جوف الفرا» ، أي الذي رزقت وظفرت به مشتمل على ما عندكما، وذلك أنه ليس فيما يصيده الناس أعظم من حمار الوحش. ثم اشتهر ذلك المثل واستعمل في كل حاو لغيره وجامع له قال الشاعر:
يقولون كافات الشتاء كثيرة ... وما هي إلا واحد غير ممتري
إذا صحّ كاف الكيس فالكل حاصل ... لديك وكل الصيد في جوف الفرا
الفراش:
دواب مثل البعوض، واحدتها فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج لضعف أبصارها، فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار، فإذا رأت فتيلة السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم، وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء، فلا تزال تطلب الضوء وترمي بنفسها إلى النار، فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة، ولم تقصدها على السداد، فتعود إليها مرة بعد مرة، حتى تحترق.
قال الإمام حجة الإسلام الغزالي: ولعلك تظن أن هذا لنقصان فهمها وجهلها، ثم قال:
فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها، بل صورة الإنسان في الاكباب على الشهوات، والتهافت فيها، أعظم جهالة منها، لأنه لا يزال يرمي بنفسه فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكا
стр. 797
مؤبدا. فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش، فإنها باغترارها بظاهر الضوء، إن احترقت، تخلصت في الحال، والآدمي يبقى في النار أبد الآباد، أو مدة مديدة، ولذلك كان رسول الله ﷺ يقول: «إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم» «١» . انتهى. ولقد أجاد مهلهل بن يموت «٢» في قوله «٣» :
جلّت محاسنه عن كلّ تشبيه ... وجلّ عن واصف في الحسن يحكيه
انظر إلى حسنه واستغن عن صفتي ... سبحان خالقه سبحان باريه
النرجس الغضّ والورد الجني له ... والأقحوان النضير الغض في فيه
دعا بألحاظه قلبي إلي عطبي ... فجاءه مسرعا طوعا يلبيه
مثل الفراشة تأتي إذا ترى لهبا ... إلى السراج فتلقي نفسها فيه
وقال «٤» عون الدين العجمي «٥» :
لهيب الخدّ حين بدا لطرفي ... هوى قلبي عليه كالفراش
فأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي
فائدة
: قال الله تعالى: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ
«٦» شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار، والضعف والذلة، والتطاير إلى الداعي، من كل جانب كما يتطاير الفراش.
روى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها، وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تتفلتون من يدي» «٧» وروى مسلم أيضا عن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به ومن فوقها، فيقبض منها، قال ﵎: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى
«٨» قال: فراش من ذهب. وروى البيهقي، في الشعب عن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٩» : «ما لي أراكم تتهافتون في الكذب، تهافت الفراش في النار، كل الكذب مكتوب إلا الكذب في الحرب، والكذب في إصلاح ذات البين، وكذب الرجل على امرأته ليرضيها» .
стр. 798
الحكم
: تحريم الأكل.
الأمثال
: قالوا: «أطيش من فراشة «١» وأضعف «٢» وأذل وأجهل «٣» وأخف «٤» وأخطأ «٥» من فراشة» ، لأنها تلقي نفسها في النار، كما قالوا: «أخطأ وأجهل من ذباب» «٦» ، لأنه يلقي نفسه في الطعام الحار وفيما يهلكه، قال الشاعر:
سفاهة سنور وحلم فراشة ... وأنك من كلب المهارش أجهل
التعبير
: الفراش في المنام عدو ضعيف مهين عظيم الكلام، وقال ارطاميدروس: الفراش للفلاحين يدل على البطالة والله أعلم.
الفرافصة:
بالضم اسم للأسد، وبالفتح اسم لرجل وقيل: كل فرافصة في العرب، فهو بالضم إلا فرافصة أبا نائلة صهر عثمان رضي الله تعالى عنه، فإنه بالفتح، وهو الذي ذكره مالك في الموطأ، في أبواب الصلاة عن يحيى بن سعيد عن ربيعة بن عبد الرحمن عن القاسم بن محمد أن الفرافصة بن عمير الحنفي قال: ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان إياها في الصبح من كثرة ما كان يرددها.
الفرخ:
ولد الطائر، هذا الأصل وقد استعمل في كل صغير من الحيوان والنبات، والأنثى فرخة وجمع القلة أفرخ وأفراخ، والكثرة فراخ. روى أبو داود بإسناد صحيح على شرط الشيخين، عن عبد الله بن جعفر أن النبي ﷺ أمهل آل جعفر ثلاثا ثم أتاهم فقال «٧» : «لا تبكوا على أخي بعد اليوم» ، ثم قال ﷺ : «ادعوا إلى بني أخي» . فجيء بنا كأننا أفرخ، فقال ﷺ : «ادعوا إلي الحلاق» ، فأمره فحلق رؤوسنا.
وروى البزار، عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ ، كان في بعض مغازيه فبينما هم يسيرون، إذ أخذوا فرخ طير فأقبل أحد أبويه، حتى سقط على أيدي الذين أخذوا الفرخ، فقال رسول الله ﷺ : «ألا تعجبون لهذا الطير أخذ فرخه فأقبل حتى سقط في أيديهم» ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. فقال «٨» ﷺ : «والله لله أرحم بعباده من هذا الطير بفرخه» .
وفي سنن أبي داود، في أوائل كتاب الجنائز، من حديث عامر الرام أخي الخضر بضم الخاء وإسكان الضادين المعجمتين، وهو فرد في الأسماء، قال «٩» : بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد لف عليه طرف كسائه، فقال: يا رسول الله إني لما رأيتك أقبلت، فمررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن فوضعتهن في كسائي، فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن، فلففتها معهن،
стр. 799
وها هن فيه معي. فقال ﷺ : «ضعهن عنك» . فوضعتهن وأبت أمهن إلا لزومهن، فقال النبي ﷺ لأصحابه: «أتعجبون لرحمة أم الفراخ فراخها» ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال ﷺ :
«فو الذي بعثني بالحق نبيا لله أرحم بعباده من أم هؤلاء الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن» . فرجع بهن وأمهن ترفرف عليهن.
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «١» : «إن لله مائة رحمة قسم منها رحمة في دار الدنيا فبها يعطف الرجل على ولده، والطير على فراخه، فإذا كان يوم القيامة صيرها مائة رحمة فعاد بها على الخلق» . قال أبو أيوب السجستاني: إن رحمة الله قسمها في دار الدنيا وأصابني منها الإسلام، وإني لأرجو من تسع وتسعين رحمة، ما هو أكثر من ذلك.
وروى «٢» مسلم أيضا والنسائي والترمذي، عن ثابت عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ عاد رجلا من المسلمين قد خفت، وفي رواية الترمذي: قد جهد فصار مثل الفرخ، فقال له النبي ﷺ : «هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه» ؟ قال: نعم. كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال رسول الله ﷺ : «سبحان الله لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» . قال: فدعا الله به فشفاه.
ومعنى قوله: مثل الفرخ أنه ضعف ونحل جسمه، وخفي كلامه. وتشبيهه له بالفرخ يدل على أنه تناثر أكثر شعره، ويحتمل أن يكون شبهه به لضعفه، والأول أوقع في التشبيه. ومعلوم أن مثل هذا المرض لا يبقى معه شعر ولا قوة. وفي هذا الحديث النهي عن الدعاء بتعجيل العقوبة، وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وفيه جواز التعجب بقول: سبحان الله، وقوله ﷺ : «إنك لا تطيقه» ، يعني أن عذاب الآخرة لا يطيقه أحد في الدنيا لأن نشأة الدنيا ضعيفة لا تحتمل العذاب الشديد، والألم العظيم، بل إذا عظم على الإنسان هلك ومات. وأما نشأة الآخرة، فهي للبقاء إما في النعيم أو العذاب، إذ لا موت، كما قال الله تعالى: في حق الكفار كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
«٣» نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، ثم إن النبي ﷺ أرشده إلى أحسن ما يقال لأنها من الدعوات الجوامع التي تتضمن خير الدنيا والآخرة، وذلك أن النكرة في سياق الطلب عامة، فكأنه يقول:
اعطني كل حالة حسنة في الدنيا والآخرة.
وقد اختلفت أقوال المفسرين في الآية اختلافا يدل على عدم التوفيق، وعلى قلة التأمل لوضع الكلمة، فقيل: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة والمغفرة، وقيل:
العافية، وقيل: المال وحسن المآل، وقيل: المرأة الصالحة والحور العين.
والصحيح الحمل على العموم، قال النووي: وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة أنها في الدنيا
стр. 800
العبادة والعافية وفي الآخرة الجنة والمغفرة. وقيل: الحسنة نعيم الدنيا ونعيم الآخرة.
وفي تاريخ ابن النجار وعوالي أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن المثنى بن أنس بن مالك الأنصاري قاضي البصرة وعالمها ومسندها، وهو من كبار شيوخ البخاري، من حديث الحسن بن أبي الحسن عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «كان فيمن قبلكم رجل يأتي وكر طائر، كلما أفرخ أخذ فراخه فشكا ذلك الطائر إلى الله تعالى ما يفعل به، فأوحى الله تعالى إليه إن عاد فسأهلكه، فلما أفرخ ذلك الطير، خرج ذلك الرجل كما كان يخرج، فبينما هو في بعض الطريق سأله سائل فأعطاه رغيفا كان معه يتغذاه، ثم مضى حتى أتى الوكر ووضع سلمه ثم صعد فأخذ الفرخين وأبواهما ينظران إليه، فقالا: ربنا إنك لا تخلف الميعاد، وقد وعدتنا أنك تهلك هذا إذا عاد، وقد عاد وأخذ فرخينا ولم تهلكه، فأوحى الله إليهما، ألم تعلما أني لا أهلك أحدا تصدق بصدقة في يومه بموتة سوء وقد تصدق» .
فائدة
: كانت رؤية فرخ الطائر سببا لتمني حنة امرأة عمران الولد، وذلك أنها كانت عاقر لم تلد إلى أن عجزت، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائرا يزق فرخا فتحركت نفسها للولد وتمنته فقالت: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
«١» ، أي السميع لدعائي العليم بضميري، فنذرت أن تتصدق به على بيت المقدس، فيكون من سدنته وخدمته، وكان ذلك في شريعتهم جائزا فحملت بمريم، وهلك عمران وهي حامل فَلَمَّا وَضَعَتْها، قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً
«٢» ووصفها بأنها أحصنت فرجها. قال الزمخشري: إحصانا كليا عن الحلال والحرام جميعا. كما قال «٣» تعالى: وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
وقال السهيلي: أحصنت فرجها، يريد فرج القميص، أي لم يتعلق بثوبها ريبة، فهي طاهرة الأثواب، وفروج القميص أربعة: الكمان والأعلى والأسفل فلا يذهبن فكرك إلى غير هذا، وهذا من لطيف الكناية لأن القرآن أنزه معنى وأوجز لفظا، وألطف إشارة، وأحسن عبارة، من أن يريد ما يذهب إليه وهم الجاهل، لا سيما والنفخ من روح القدس، بأمر القدوس، فأضف القدس إلى القدوس، ونزه المقدسة عن الظن الكاذب والحدس وبالله التوفيق.
فرع
: ومن أحكام الفرخ أنه إذا غصب إنسان بيضا فحضنه دجاجه، كانت الفراخ لصاحب البيض لأنها من عين المغصوب، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يضمن البيض ولا يرد الفراخ، واستدل على ذلك بأنه خلق سوى البيض، قال تعالى في سورة المؤمنون: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
«٤» .
وفي كتاب التحفة المكية للقاضي نصر العمادي، عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى أنه قال: بلغني أنه كان رجل من بني إسرائيل ذبح عجلا بين يدي أمه فأيبس الله يده، فبينما هو ذات
стр. 801
يوم جالس وإذا بفرخ طائر سقط من وكره فجعل ينظر ويبصبص إلى أبويه، وأبواه ينظران ويبصبصان إليه، فأخذه ذلك الرجل ورده إلى وكره رحمة له فرحمه الله لرحمته لذلك الفرخ، ورد عليه يده بما صنع والله تعالى أعلم.
التعبير
: الفراخ المشوية في المنام مال ورزق بتعب لمسه النار، فمن رأى أنه أكل لحم فرخ نيئا فإنه يغتاب أهل بيت النبي ﷺ وأشراف الناس، ومن أكل لحم فراخ السباع من الطير كالشاهين والصقر والعقاب ونحوها، فإنه يغتاب أولاد الملوك أو ينكحهم، ومن اشترى فرخا مشويا فإنه يستأجر أجيرا والله تعالى أعلم.
الفرس:
واحد الخيل، والجمع أفراس الذكر والأنثى في ذلك سواء، وأصله التأنيث، وحكى ابن جني والفراء فرسة. وقال الجوهري: هو اسم يقع على الذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة، وتصغير الفرس فريس، وإن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلا فريسه بالهاء، ولفظها مشتق من الافتراس، لأنها تفترس الأرض بسرعة مشيها. وراكب الفرس فارس، وهو مثل لابن وتامر أي صاحب لبن وصاحب تمر، وفارس أي صاحب فرس، ويجمع على فوارس، وهو شاذ لا يقاس عليه. روى أبو داود والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا، قال ابن السكيت: يقال لراكب ذي الحافر من فرس أو بغل أو حمار فارس. قال الشاعر:
وإني امرؤ للخيل عندي مزية ... على فارس البرذون أو فارس البغل
وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: لا أقول لصاحب البغل فارس، ولكن أقول بغّال، ولا أقول لصاحب الحمار فارس، ولكن أقول حمّار. وكنية الفرس: أبو شجاع، وأبو طالب، وأبو مدرك، وأبو مضي، وأبو المضمار، وأبو المنجي. والفرس أشبه الحيوان بالإنسان، لما يوجد فيه من الكرم وشرف النفس، وعلو الهمة. وتزعم العرب أنه كان وحشيا، وأول من ذلله وركبه إسماعيل ﵇. ومن الخيل ما لا يبول ولا يروث، مادام راكبه عليه. ومنها ما يعرف صاحبه، ولا يمكن غيره من الركوب عليه. وكان لسليمان ﵇ خيل ذوات أجنحة.
والخيل نوعان: هجين وعتيق، والفرق بينهما أن عظم البرذون أعظم من عظم الفرس، وعظم الفرس أصلب وأثقل من عظم البرذون، والبرذون أحمل من الفرس، والفرس أسرع من البرذون، والعتيق بمنزلة الغزال والبرذون بمنزلة الشاة، فالعتيق من الخيل ما أبواه عربيان، سمي بذلك لعتقه من العيوب، وسلامته من الطعن فيه بالأمور المنقصة، والعتيق الكريم من كل شيء، والخيار من كل شيء التمر والماء والبازي والشحم. وسميت الكعبة البيت العتيق لسلامتها من عيب الرق، لأنها لم يملكها ملك من الملوك الجبابرة قط. وسمي أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عتيقا لجماله، ويقال لأن النبي ﷺ قال له: «أنت عتيق الرحمن من النار» «١» . ولم يزل بعين الرضا من الله. ويقال لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما عاش سمته عتيقا لأنه عتق من الموت.
стр. 802
فائدة
: قال الزمخشري، في تفسير سورة الأنفال: وفي الحديث «أن الشيطان لا يقرب صاحب فرس عتيق، ولا دار فيها فرس عتيق» . وروى الحافظ شرف الدين الدمياطي، في كتاب الخيل، حديثا عزاه إلى ابن منده في كتاب الصحابة وإلى ابن سعد في الطبقات، وإلى ابن قانع في معجم الصحابة، من حديث عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال:
«إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق» انتهى. وكذلك رواه الحارث بن أبي أسامة، عن المليكي، عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ ، ورواه الطبراني في معجمه، وابن عدي في كامله، في ترجمة سعيد بن سنان، ثم ضعفه.
وروى القاضي أبو القاسم علي بن محمد النخعي، في كتاب الخيل، وهو كتاب لطيف نسخته موقوفة بالفاضلية، قال: حدثنا الحسن بن علي بن عفان، قال: حدثنا الحسن بن عطية، عن طلحة بن زيد عن الوضين بن عطاء عن سليمان بن يسار، أن النبي ﷺ ، قال في هذه الآية «١» وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
قال: هم الجن لا يدخلون دارا فيها فرس عتيق. وقال مجاهد، في تفسير هذه الآية: هم بنو قريظة. وقال السدي: هم أهل فارس.
وقال الحسن: هم المنافقون. وقيل: هم كفار الجن، كما تقدم. قال ابن عبد البر، في التمهيد:
الفرس العتيق هو الفاره عندنا. وقال صاحب العين: هو السابق.
وفي المستدرك، من حديث معاوية بن حديج، بالحاء المهملة المضمومة، والدال المهملة المفتوحة، وبالجيم في آخره، وهو الذي أحرق محمد بن أبي بكر بمصر رضي الله تعالى عنهما، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال «٢» : «ما من فرس عربي إلا يؤذن له كل يوم بدعوتين: يقول اللهم كما خولتني من خولتني فاجعلني من أحب ماله إليه» . ثم قال: صحيح الإسناد.
ولهذا الحديث قصة، ذكرها النسائي، في كتاب الخيل من سننه، فقال: قال أبو عبيدة:
قال معاوية بن حديج: لما افتتحت مصر، كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها دوابهم، فمر معاوية بأبي ذر رضي الله تعالى عنهما، وهو يمرغ فرسا له، فسلم عليه ثم قال: يا أبا ذر ما هذا الفرس؟
فقال: هذا فرس لا أراه إلا مستجاب الدعاء، قال: وهل تدعو الخيل وتجاب؟ قال: نعم، ليس من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ربه، فيقول: رب إنك سخرتني لابن آدم وجعلت رزقي في يده، اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده. فمنها المستجاب، ومنها غير المستجاب، ولا أرى فرسي هذا إلا مستجابا. وروى الحاكم عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه مرفوعا، قال: إذا أردت أن تغزو، فاشتر فرسا أدهم محجلا طلق اليمين، فإنك تغنم وتسلم. ثم قال: صحيح على شرط مسلم. والهجين الذي أبوه عربي وأمه عجمية، والمقرف، وهو بضم الميم وإسكان القاف، وبالراء المهملة والفاء في آخره عكسه. وكذلك في بني آدم، وأنشد «٣» أبو عبيد القاسم بن سلام لهند ابنة النعمان بن بشير:
стр. 803
وهل هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل
فإن نتجت مهرا كريما فبالحري ... وإن يك أقراف فمن قبل الفحل
قال البطليوسي في شرحه: هكذا رويناه: فمن قبل الفحل. والرواية الأخرى:
وإن يك أقراف فما أنجب الفحل
وقال: قد روي هذا الشعر لحميدة بنت النعمان بن بشير، وأنها قالته في الفيض بن عقيل الثقفي. فمن رواه لحميدة روى:
وما أنا إلا مهرة عربية
وكانت حميدة في أول أمرها تحت الحارث بن خالد المخزومي فتركته وقالت فيه:
فقدت الشيوخ وأشياعهم ... وذلك من بعض أقواليه
ترى زوجة الشيخ مغمومة ... وتمسي لصحبته قاليه «١»
فطلقها الحارث وتزوجها روح بن زنباع فتركته وقلته وهجته فقالت «٢» فيه:
بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجا من جذام المطارف «٣»
وقال العباء نحن كنا ثيابهم ... وأكسية مطروحة وقطائف
فطلقها روح، وقال: ساق الله إليك فتى يسكر ويقيء في حجرك، فتزوجها الفيض بن عقيل الثقفي، فكان يسكر ويقيء في حجرها. فكانت تقول: أجيبت في دعوة بن زنباع، وكانت تهجوه وتقول:
سمّيت فيضا وما شيء تفيض به ... إلا بسلحك بين الباب والدار
فتلك دعوة روح الخير أعرفها ... سقى الإله ثراه الأوطف الساري
قال البطليوسي: قد أنكر كثير من الناس رواية بغل بالباء، لأن البغل لا ينتج. قالوا: والصواب نغل بالنون، وهو الخسيس من الدواب.
وفي سنن البيهقي، في كتاب البيوع، وأن عبد الرحمن بن عوف اشترى من عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، فرسا بأربعين ألفا. والفرس الذي اشتراه النبي ﷺ من الأعرابي وشهد له به خزيمة اسمه المرتجز، واسم الأعرابي سواد بن الحارث المحاربي وكان النبي ﷺ ابتاعه منه، فاستتبعه ليقبض ثمنه منه، فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فساومه رجال لا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه منه، فنادى الأعرابي إن كنت مبتاعا هذا الفرس، وإلا بعته؟ فقال النبي ﷺ :
«أو ليس قد ابتعته منك» ؟ فقال الأعرابي: لا والله. وطفق الأعرابي يقول: هلم بشهيد! فقال خزيمة: أنا أشهد، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: «بم تشهد» قال: بتصديقك يا رسول الله،
стр. 804
فجعل رسول الله ﷺ «شهادة خزيمة بشهادة رجلين» . أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم.
وفي رواية في الحديث «هل حضرتنا يا خزيمة» ؟ قال: لا. قال: «فكيف تشهد بذلك» ؟
فقال خزيمة: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أصدقك على أخبار السماء، وما يكون في غد ولا أصدقك في ابتياعك هذا الفرس! فقال ﵊: «إنك لذو الشاهدتين يا خزيمة» .
وفي رواية صحيحة عند الطبراني أن النبي ﷺ ، قال: «من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه» . وقال السهيلي: وفي مسند الحارث زيادة، وهي أن النبي ﷺ رد الفرس على ذلك الأعرابي، وقال: «لا بارك الله لك فيها» . فأصبحت من الغد شائلة برجليها، أي ماتت.
ومن أغرب ما اتفق لخزيمة رضي الله تعالى عنه، ما رواه «١» الإمام أحمد من عدة طرق، برجال ثقات أنه رأى في النوم أنه سجد على جبهة رسول الله ﷺ ، فجاء النبي ﷺ ، فذكر له ذلك، فاضطجع له النبي ﷺ فسجد خزيمة على جبهته.
وفي مسند الإمام أحمد، عن روح بن زنباع أنه روى عن تميم الداري رضي الله تعالى عنه، أنه قال: إن النبي ﷺ قال «٢» : «من نقى لفرسه شعيرا ثم جاء حتى يعلفه كتب الله له بكل شعيرة حسنة» . ورواه ابن ماجه بمعناه.
وفي كتب الغريب أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب الرجل القوي المبدي المعيد على الفرس» . أي المبدي المعيد الذي أبدي في غزوه وأعاد، فغزا مرة بعد مرة، أي جرب الأمور طورا بعد طور. والفرس المبدي المعيد الذي غزا عليه صاحبه مرة بعد أخرى، وقيل: هو الذي قد ريض وأدب وصار طوع راكبه. وفي الصحيح «٣» أن النبي ﷺ ركب فرسا معرورا لأبي طلحة، وقال: «إن وجدناه لبحرا» . وفي الفائق، أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب ﷺ فرسا مقرفا وركض في آثارهم، فلما رجع قال: «إن وجدناه لبحرا» . قال حماد بن سلمة: كان هذا الفرس بطيئا. فلما قال النبي ﷺ هذا القول، صار سابقا لا يلحق.
وروى النسائي والطبراني من حديث عبد الله بن أبي الجعد أخي سالم بن أبي الجعد، عن جعيل الأشجعي رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، وأنا على فرس عجفاء، فكنت في آخر الناس، فلحقني النبي ﷺ فقال: «سر يا صاحب الفرس» ، فقلت: يا رسول الله إنها فرس عجفاء ضعيفة، قال: فرفع ﷺ مخفقة كانت معه فضربها بها، وقال: «اللهم بارك فيها» . فلقد رأيتني ما أملك رأسها حتى صرت قدام القوم، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا.
وروي عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، أنه كان لا يركب في القتال إلا الإناث لقلة صهيلها. قال ابن محيريز: كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف، وإناث الخيل عند البيات والغارات.
стр. 805
وروى البخاري عن سعيد المقبري، أنه قال: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول:
قال «١» النبي ﷺ : «من احتبس فرسا في سبيل الله تعالى إيمانا بالله واحتسابا وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة» . يعني حسنات.
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال «٢» : «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» ، فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله تعالى، فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفا أو شرفين كانت أبوالها وأرواثها له حسنات، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى منه كان ذلك له حسنات، فهي لذلك أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله تعالى في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر.
وسئل «٣» ﷺ عن الحمر فقال: «ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
«٤» وقد تقدم قريب من ذلك.
وروى ابن حبان، في صحيحه عن أبي عامر الهوزني، عن ابن كبشة الأنماري، واسمه عمرو بن سعد، أنه أتاه فقال: أطرقني فرسك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أطرق فرسا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسا حمل عليها في سبيل الله تعالى، وإن لم يعقب كان كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله» .
وفي طبع الفرس الزهو والخيلاء والسرور، بنفسه والمحبة لصاحبه، ومن أخلاقه الدالة على شرف نفسه وكرمه أنه لا يأكل بقية علف غيره، ومن علو همته أن أشقر مروان كان سائسه، لا يدخل عليه إلا بإذن وهو أن يحرك له المخلاة، فإن حمحم دخل، وإن دخل ولم يحمحم شد عليه، والأنثى من الخيل ذات شبق شديد، ولذلك تطيع الفحل من غير نوعها وجنسها. قال الجاحظ:
والحيض يعرض للإناث منهن لكنه قليل، والذكر ينزو إلى تمام أربعين سنة، وربما عمر إلى تسعين. والفرس يرى المنامات كبني آدم، وفي طبعه أنه لا يشرب الماء إلا كدرا، فإذا رآه صافيا كدره. ويوصف بحدة البصر، وإذا وطىء على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرك، ويخرج الدخان من جلده. قال الجوهري: ويقال إن الفرس لا طحال له، وهو مثل لسرعته وحركته. كما يقال: البعير لا مرارة له أي لا جسارة له.
وأفاد الإمام أبو الفرج بن الجوزي أن من واظب على البداءة في لبس النعل باليمين، والخلع باليسار أمن من وجع الطحال. وأفاد غيره أن سورة الممتحنة، إذا كتبت وغسلت أو سقي المطحول ماءها فإنه يبرأ بإذن الله تعالى. ومما جرب أيضا فوجد نافعا أن تكتب هذه الحروف على
стр. 806
قطعة فروة، وتعلق على الجانب الأيسر وتترك بطول الجمعة وهذه صورة ما يكتب:
اد اح ح هم ما مل ملما محد الى راى ١٨٩٧٣ صالح صح وصح م له صالح دون مانع من الى ان تنصره ومره ومما جرب للطحال أيضا أن يكتب ويعلق على العضد الأيسر وهو هذا:
٢٥٩٤٨١٩٢٣ ح ح د د صو ع ومما جرب للطحال أيضا، أن يكتب في ورقة ويحرق في ملعقة على الطحال:
وعلم بضميرهم.
ومما جرب أيضا أن يكتب في يوم السبت، قبل طلوع الشمس، ويربط بخيط صوف، ويعلق على الجانب الأيمن مثل تعليق السيف وهو هذا كما ترى:
ح ح هـ د م ص ها اص اح اا ح ماتت الى الابد وروينا في كتاب المجالسة للدينوري المالكي، وفي آخر الجزء العاشر عن إسماعيل بن يونس، قال: سمعت الرياشي يقول عن أبي عبيدة وأبي زيد، أنهما قالا: الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم لا مخ له. قال أبو زيد: وكذلك طير الماء، وحيتان البحر لا ألسنة لها، ولا أدمغة. والسمك لا رئة له، ولذلك لا يتنفس وكل ذي رئة يتنفس. وروى الجماعة إلا ابن ماجه، من حديث مالك عن الزهري، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما ﵃ أن النبي ﷺ قال «١» : «إن يكن الخير في شيء ففي ثلاث: المرأة والدار والفرس» . وفي رواية «٢» «الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس» وفي رواية «الشؤم في أربع: المرأة والدار والفرس والخادم» .
قلت: وقد اختلفت العلماء في معنى الحديث، فقيل: معناه على اعتقاد الناس في ذلك لا أنه خبر من النبي ﷺ عن إثبات الشؤم. وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها ففي مسند أبي داود الطيالسي، عنها أنه قيل لها: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ :
«الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس» . فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله انتهى.
قال البطليوسي: وهذا غير منكر أن يعرض لأنه ﵊ كان يذكر في مجالسة
стр. 807
الأخيار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا، ولا أن يجعله أصلا في دينه، وذلك معلوم من فعله، مشهور من قوله. وهذا نظير ما اتفق في قوله «١» ﷺ «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» .
وفي الصحيحين لكن قالت عائشة رضي الله تعالى عنها إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية، وهم يبكون عليها فقال ﵊ «إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها عليها» . وقال مالك وطائفة: قوله ﷺ «الشؤم في ثلاث» الحديث. على ظاهره، فإن الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر والهلاك، وكذلك المرأة والفرس والخادم، يجعل الله الهلاك أو الضرر عند وجودهم بقضاء الله وقدره.
وقال ابن القاسم: سئل مالك عن هذا، فقال: كم من دار سكنها قوم فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا. يعني أنه عام على ظاهره. وقال الخطابي: وكثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي أن الطيرة منهي عنها، إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم يكره إقامتهما، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها. وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوى خلقه وقلة تعهده لما فرض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة.
واعترض بعض الملحدة بحديث «لا طيرة» على هذا، وأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث لا طيرة، أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة. قال الحافظ الدمياطي: ومن أغرب ما وقع لي في تأويله، ما رويناه بالإسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال «٢» : «البركة في ثلاث: في الفرس والمرأة والدر» . قال يوسف: سألت سفيان بن عيينة عن معنى هذا الحديث، فقال سفيان: سألت عنه الزهري، فقال الزهري: سألت عنه سالما، فقال سالم: سألت عنه أبي عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: سألت عنه النبي ﷺ فقال: «إذا كان الفرس ضروبا فهو مشؤوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد فلا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشؤومة، وإذا كن بغير هذه الصفات فهن مباركات» . وفي الموطأ أن رجلا أخبر النبي ﷺ أنهم سكنوا دارا وعددهم كثير، ومالهم وافر فقل العدد وذهب المال فقال النبي ﷺ : «دعوها ذميمة» «٣» . وأمرهم ﷺ بالخروج منها، لاعتقادهم ذلك فيها، وظنهم أن الذهاب للعدد والنفاد للمال، إنما كان منها، وليس كما ظنوا ولكن الباري جعل ذلك وقتا لظهور قضائه وقدره، فيجهل الخلق ذلك، فينسبونه إلى الجماد الذي لا ينفع ولا يضر، وهذا كقوله «٤» ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا يورد ممرض على مصح» . لأن الله تعالى يخلق الجرب في الصحيح فيعتقد المصح أن ذلك من
стр. 808
الجرب فيتأذى قلبه ودينه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وهذه الدار كانت دار الأسود بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وهو السائل.
وفي سنن أبي داود، من حديث فروة بن مسيك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وإنها وبيئة، أو قال:
وباؤها شديد، فقال رسول الله ﷺ : «دعها عنك فإن من القرف التلف» . قال ابن الأثير: القرف ملابسة الداء ومداناة المرض، والتلف الهلاك وليس هذا من باب العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام.
فائدة
: قال السهيلي في الكلام على غزوة ذي قرد: في الفرس عشرون عضوا، كلّ عضو منها يسمى باسم طائر، فمنها النسر والنعامة والهامة والباز والسمامة والسعدانة، وهي الحمامة، والقطاة والذباب والعصفور والغراب والصرد والخرب، وهو ذكر الحبارى، والناهض، وهو فرخ العقاب، والخطاف، ذكرها وبقيتها الأصمعي. وروى فيها شعرا لجرير.
تتمة
: روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي الطفيل، أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ فأخذ ﵊ ببشرة جبهته «١» و «دعا له بالبركة» ، فنبتت شعرة جبهته كهيئة غرة الفرس، وشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أحبهم، فسقطت الشعرة من جبهته، فأخذه أبوه فقيده وحبسه، مخافة أن يلحق بهم. قال: فدخلنا عليه فوعظناه، وقلنا له: ألم تر إلى بركة دعوة رسول الله ﷺ كيف وقعت من جبهتك؟ فمازلنا به حتى رجع عن رأيهم، فرد الله الشعرة بعد في جبهته، وتاب ولم تزل إلى أن مات.
وروى الطبراني عن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: أصابتني رمية وأنا أقاتل مع رسول الله ﷺ يوم خيبر في وجهي فلما سالت الدماء على وجهي ولحيتي وصدري، سلت رسول الله ﷺ الدماء عني، ثم دعا لي فكان ذلك الموضع الذي أصابته يد رسول الله ﷺ في صدري له غرة سائلة كغرة الفرس.
وذكر ابن ظفر، في أعلام النبوة، أن حبرا يهوديا، أوطن مكة فأتى ذات غدوة إلى مجلس فيه ملأ من بني عبد مناف وبني مخزوم، فقال: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ فقالوا: ما نعلمه. فقال:
أما إذا أخطأكم، فاحفظوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي هذه الأمة الآخرة، وآيته أن بين كتفيه شامة صفراء، حولها شعرات متتابعات، كأنهن عرف فرس، يمتنع من الرضاع ليلتين. فتصدع القوم من مجلسهم يتعجبون لقوله، فلما صاروا إلى منازلهم، أخبرهم نساؤهم أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فلما التقوا في ناديهم، تحدثوا بذلك، وجاءهم اليهودي فأخبروه، فقال:
اذهبوا بي إليه حتى أراه، فخرجوا به فدخلوا على آمنة، وقالوا: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته لهم، فكشفوا عن ظهره فرأوا خاتم النبوة، فأغمي على اليهودي، فلما أفاق سألوه، فقال:
стр. 809
خرجت النبوة من بني إسرائيل. ثم قال: لا تفرحوا به فو الله ليسطون عليكم سطوة، يخرج خبرها إلى المشرق والمغرب.
وذكر الكلبي، في تفسير قوله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
«١» الآية، أن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة، بعدما رفع عيسى ﵊ يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، وكان قتل جملة من أصحاب عيسى ﵊، فقال يوما لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا به فالنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، ولكن سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار، وكان له فرس يقال له العقاب، يقاتل عليه، فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: من أنت؟ فقال: بولس عدوكم، وقد نوديت من السماء أن ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، فدخل بيتا فيها، فأقام سنة لا يخرج منه لا ليلا ولا نهارا، حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، فقال: نوديت أن الله تعالى قد قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه.
ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال لهم: لم يكن عيسى بإنس ولا بجن ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له ملكان، وقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، وقال:
إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى. فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس، فافترقت النصاري ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكية، فاختلفوا واقتتلوا، فقال الله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ
«٢» الآية. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا.
وذكر الإمام ابن بليان والغزالي وغيرهما، أن الرشيد لما ولي الخلافة زاره العلماء بأسرهم، إلا سفيان الثوري فإنه لم يأته، وكان بينه وبينه صحبة، فشق عليه ذلك، فكتب إليه الرشيد كتابا يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين، إلى أخيه في الله سفيان بن سعيد الثوري، أما بعد يا أخي، فقد علمت أن الله آخى بين المؤمنين، وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك، ولم أقطع منها ودك، وإني منطو لك على أفضل المحبة، وأتم الإرادة، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله تعالى، لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة، وأنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك، إلا زارني وهنأني بما صرت إليه، وقد فتحت بيوت الأموال، وأعطيتهم المواهب السنية ما فرحت به نفسي، وقرت به عيني، وقد استبطأتك، وقد كتبت كتابا
стр. 810
مني إليك، أعلمك بالشوق الشديد إليك، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومواصلته، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل. ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني، وأمره بايصاله إليه وأن يحصي عليه بسمعه وقلبه، دقيق أمره وجليله، ليخبره به.
قال عباد: فانطلقت إلى الكوفة، فوجدت سفيان في مسجده، فلما رآني على بعد، قام وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير، قال: فنزلت عن فرسي بباب المسجد، فقام يصلي ولم يكن وقت صلاة، فدخلت وسلمت فما رفع أحد من جلسائه رأسه إلي، قال: فبقيت واقفا وما منهم أحد يعرض علي الجلوس، وقد علتني من هيبتهم الرعدة، فرميت بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب، ارتعد وتباعد منه، كأنه حية عرضت له في محرابه، فركع وسجد وسلم، وأدخل يده في كمه، وأخذه وقلبه بيده، ورماه إلى من كان خلفه، وقال: ليقرأ بعضكم فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده. قال عباد: فمد بعضهم يده إليه، وهو يرتعد كأنه حية تنهشه، ثم قرأه فجعل سفيان يبتسم تبسم المتعجب، فلما فرغ من قراءته، قال: اقلبوه واكتبوا للظالم على ظهره، فقيل له: يا أبا عبد الله إنه خليفة، فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن، فقال: اكتبوا للظالم في ظهر كتابه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا فيفسد علينا ديننا! فقيل له: ما نكتب إليه؟ قال: اكتبوا له:
بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الميت سفيان، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن، أما بعد، فإني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك، وقطعت ودك، وإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه وأنفذته بغير حكمه ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني، حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا قد شهدت عليك، أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة غدا بين يدي الله الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم يعني العاملين، أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جوابا، وللبلاء جلبابا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق الله في نفسك، إذ سلبت حلاوة العلم والزهد، ولذة قراءة القرآن، ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالما، وللظالمين إماما، يا هارون قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت ستورا دون بابك، وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم، قبل أن يحكموا بها على الناس! فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله:
أحشروا الظلمة وأعوانهم!؟ فتقدمت بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك، لا يفكهما إلا عدلك وانصافك، والظالمون حولك وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار، وكأني بك يا هارون وقد
следующие страницы →