← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

قطعة فروة، وتعلق على الجانب الأيسر وتترك بطول الجمعة وهذه صورة ما يكتب: اد اح ح هم ما مل ملما محد الى راى ١٨٩٧٣ صالح صح وصح م له صالح دون مانع من الى ان تنصره ومره ومما جرب للطحال أيضا أن يكتب ويعلق على العضد الأيسر وهو هذا: ٢٥٩٤٨١٩٢٣ ح ح د د صو ع ومما جرب للطحال أيضا، أن يكتب في ورقة ويحرق في ملعقة على الطحال: وعلم بضميرهم. ومما جرب أيضا أن يكتب في يوم السبت، قبل طلوع الشمس، ويربط بخيط صوف، ويعلق على الجانب الأيمن مثل تعليق السيف وهو هذا كما ترى: ح ح هـ د م ص ها اص اح اا ح ماتت الى الابد وروينا في كتاب المجالسة للدينوري المالكي، وفي آخر الجزء العاشر عن إسماعيل بن يونس، قال: سمعت الرياشي يقول عن أبي عبيدة وأبي زيد، أنهما قالا: الفرس لا طحال له، والبعير لا مرارة له، والظليم لا مخ له. قال أبو زيد: وكذلك طير الماء، وحيتان البحر لا ألسنة لها، ولا أدمغة. والسمك لا رئة له، ولذلك لا يتنفس وكل ذي رئة يتنفس. وروى الجماعة إلا ابن ماجه، من حديث مالك عن الزهري، عن سالم وحمزة ابني عبد الله بن عمر، عن أبيهما ﵃ أن النبي ﷺ قال «١» : «إن يكن الخير في شيء ففي ثلاث: المرأة والدار والفرس» . وفي رواية «٢» «الشؤم في ثلاث: المرأة والدار والفرس» وفي رواية «الشؤم في أربع: المرأة والدار والفرس والخادم» . قلت: وقد اختلفت العلماء في معنى الحديث، فقيل: معناه على اعتقاد الناس في ذلك لا أنه خبر من النبي ﷺ عن إثبات الشؤم. وروي ذلك عن عائشة رضي الله تعالى عنها ففي مسند أبي داود الطيالسي، عنها أنه قيل لها: إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله ﷺ : «الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس» . فقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يحفظ أبو هريرة لأنه دخل ورسول الله ﷺ يقول: «قاتل الله اليهود، يقولون: الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس» . فسمع آخر الحديث ولم يسمع أوله انتهى. قال البطليوسي: وهذا غير منكر أن يعرض لأنه ﵊ كان يذكر في مجالسة

стр. 807

الأخيار حكاية ويتكلم بما لا يريد به أمرا ولا نهيا، ولا أن يجعله أصلا في دينه، وذلك معلوم من فعله، مشهور من قوله. وهذا نظير ما اتفق في قوله «١» ﷺ «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» . وفي الصحيحين لكن قالت عائشة رضي الله تعالى عنها إنما مر رسول الله ﷺ على يهودية، وهم يبكون عليها فقال ﵊ «إنهم يبكون وإنها لتعذب ببكاء أهلها عليها» . وقال مالك وطائفة: قوله ﷺ «الشؤم في ثلاث» الحديث. على ظاهره، فإن الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر والهلاك، وكذلك المرأة والفرس والخادم، يجعل الله الهلاك أو الضرر عند وجودهم بقضاء الله وقدره. وقال ابن القاسم: سئل مالك عن هذا، فقال: كم من دار سكنها قوم فهلكوا، ثم سكنها آخرون فهلكوا. يعني أنه عام على ظاهره. وقال الخطابي: وكثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي أن الطيرة منهي عنها، إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم يكره إقامتهما، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وطلاق المرأة. وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم، وشؤم المرأة عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها. وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم سوى خلقه وقلة تعهده لما فرض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة. واعترض بعض الملحدة بحديث «لا طيرة» على هذا، وأجاب ابن قتيبة وغيره بأن هذا مخصوص من حديث لا طيرة، أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة. قال الحافظ الدمياطي: ومن أغرب ما وقع لي في تأويله، ما رويناه بالإسناد الصحيح عن يوسف بن موسى القطان، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري عن سالم، عن أبيه رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال «٢» : «البركة في ثلاث: في الفرس والمرأة والدر» . قال يوسف: سألت سفيان بن عيينة عن معنى هذا الحديث، فقال سفيان: سألت عنه الزهري، فقال الزهري: سألت عنه سالما، فقال سالم: سألت عنه أبي عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن عمر: سألت عنه النبي ﷺ فقال: «إذا كان الفرس ضروبا فهو مشؤوم، وإذا كانت المرأة قد عرفت زوجا غير زوجها فحنت إلى الزوج الأول فهي مشؤومة، وإذا كانت الدار بعيدة عن المسجد فلا يسمع فيها الأذان والإقامة فهي مشؤومة، وإذا كن بغير هذه الصفات فهن مباركات» . وفي الموطأ أن رجلا أخبر النبي ﷺ أنهم سكنوا دارا وعددهم كثير، ومالهم وافر فقل العدد وذهب المال فقال النبي ﷺ : «دعوها ذميمة» «٣» . وأمرهم ﷺ بالخروج منها، لاعتقادهم ذلك فيها، وظنهم أن الذهاب للعدد والنفاد للمال، إنما كان منها، وليس كما ظنوا ولكن الباري جعل ذلك وقتا لظهور قضائه وقدره، فيجهل الخلق ذلك، فينسبونه إلى الجماد الذي لا ينفع ولا يضر، وهذا كقوله «٤» ﵊: «لا عدوى ولا طيرة ولا يورد ممرض على مصح» . لأن الله تعالى يخلق الجرب في الصحيح فيعتقد المصح أن ذلك من

стр. 808

الجرب فيتأذى قلبه ودينه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، وهذه الدار كانت دار الأسود بن عوف أخي عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه وهو السائل. وفي سنن أبي داود، من حديث فروة بن مسيك رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، أرض عندنا يقال لها أرض أبين، هي أرض ريفنا وميرتنا، وإنها وبيئة، أو قال: وباؤها شديد، فقال رسول الله ﷺ : «دعها عنك فإن من القرف التلف» . قال ابن الأثير: القرف ملابسة الداء ومداناة المرض، والتلف الهلاك وليس هذا من باب العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام. فائدة : قال السهيلي في الكلام على غزوة ذي قرد: في الفرس عشرون عضوا، كلّ عضو منها يسمى باسم طائر، فمنها النسر والنعامة والهامة والباز والسمامة والسعدانة، وهي الحمامة، والقطاة والذباب والعصفور والغراب والصرد والخرب، وهو ذكر الحبارى، والناهض، وهو فرخ العقاب، والخطاف، ذكرها وبقيتها الأصمعي. وروى فيها شعرا لجرير. تتمة : روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي الطفيل، أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله ﷺ ، فأتى به النبي ﷺ فأخذ ﵊ ببشرة جبهته «١» و «دعا له بالبركة» ، فنبتت شعرة جبهته كهيئة غرة الفرس، وشب الغلام، فلما كان زمن الخوارج أحبهم، فسقطت الشعرة من جبهته، فأخذه أبوه فقيده وحبسه، مخافة أن يلحق بهم. قال: فدخلنا عليه فوعظناه، وقلنا له: ألم تر إلى بركة دعوة رسول الله ﷺ كيف وقعت من جبهتك؟ فمازلنا به حتى رجع عن رأيهم، فرد الله الشعرة بعد في جبهته، وتاب ولم تزل إلى أن مات. وروى الطبراني عن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال: أصابتني رمية وأنا أقاتل مع رسول الله ﷺ يوم خيبر في وجهي فلما سالت الدماء على وجهي ولحيتي وصدري، سلت رسول الله ﷺ الدماء عني، ثم دعا لي فكان ذلك الموضع الذي أصابته يد رسول الله ﷺ في صدري له غرة سائلة كغرة الفرس. وذكر ابن ظفر، في أعلام النبوة، أن حبرا يهوديا، أوطن مكة فأتى ذات غدوة إلى مجلس فيه ملأ من بني عبد مناف وبني مخزوم، فقال: هل ولد الليلة فيكم مولود؟ فقالوا: ما نعلمه. فقال: أما إذا أخطأكم، فاحفظوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي هذه الأمة الآخرة، وآيته أن بين كتفيه شامة صفراء، حولها شعرات متتابعات، كأنهن عرف فرس، يمتنع من الرضاع ليلتين. فتصدع القوم من مجلسهم يتعجبون لقوله، فلما صاروا إلى منازلهم، أخبرهم نساؤهم أنه ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فلما التقوا في ناديهم، تحدثوا بذلك، وجاءهم اليهودي فأخبروه، فقال: اذهبوا بي إليه حتى أراه، فخرجوا به فدخلوا على آمنة، وقالوا: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته لهم، فكشفوا عن ظهره فرأوا خاتم النبوة، فأغمي على اليهودي، فلما أفاق سألوه، فقال:

стр. 809

خرجت النبوة من بني إسرائيل. ثم قال: لا تفرحوا به فو الله ليسطون عليكم سطوة، يخرج خبرها إلى المشرق والمغرب. وذكر الكلبي، في تفسير قوله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ «١» الآية، أن النصارى كانوا على دين الإسلام إحدى وثمانين سنة، بعدما رفع عيسى ﵊ يصلون إلى القبلة، ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس، وكان قتل جملة من أصحاب عيسى ﵊، فقال يوما لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا به فالنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، ولكن سأحتال وأضلهم حتى يدخلوا النار، وكان له فرس يقال له العقاب، يقاتل عليه، فعرقب فرسه وأظهر الندامة، ووضع على رأسه التراب، فقالت له النصارى: من أنت؟ فقال: بولس عدوكم، وقد نوديت من السماء أن ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، فدخل بيتا فيها، فأقام سنة لا يخرج منه لا ليلا ولا نهارا، حتى تعلم الإنجيل، ثم خرج، فقال: نوديت أن الله تعالى قد قبل توبتك، فصدقوه وأحبوه. ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال لهم: لم يكن عيسى بإنس ولا بجن ولكنه ابن الله، وعلم ذلك رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له يعقوب، ثم دعا رجلا يقال له ملكان، وقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: أنت خالصتي وقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني. وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي فادع الناس إلى نحلتك، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى. فلما كان يوم ثالثة دعا كل واحد منهم الناس إلى نحلته، فتبع كل واحد منهم طائفة من الناس، فافترقت النصاري ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكية، فاختلفوا واقتتلوا، فقال الله تعالى: وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ «٢» الآية. قال أهل المعاني: لم يذكر الله تعالى قولا مقرونا بالأفواه والألسن إلا كان ذلك زورا. وذكر الإمام ابن بليان والغزالي وغيرهما، أن الرشيد لما ولي الخلافة زاره العلماء بأسرهم، إلا سفيان الثوري فإنه لم يأته، وكان بينه وبينه صحبة، فشق عليه ذلك، فكتب إليه الرشيد كتابا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هارون أمير المؤمنين، إلى أخيه في الله سفيان بن سعيد الثوري، أما بعد يا أخي، فقد علمت أن الله آخى بين المؤمنين، وقد آخيتك في الله مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك، ولم أقطع منها ودك، وإني منطو لك على أفضل المحبة، وأتم الإرادة، ولولا هذه القلادة التي قلدنيها الله تعالى، لأتيتك ولو حبوا لما أجد لك في قلبي من المحبة، وأنه لم يبق أحد من إخواني وإخوانك، إلا زارني وهنأني بما صرت إليه، وقد فتحت بيوت الأموال، وأعطيتهم المواهب السنية ما فرحت به نفسي، وقرت به عيني، وقد استبطأتك، وقد كتبت كتابا

стр. 810

مني إليك، أعلمك بالشوق الشديد إليك، وقد علمت يا أبا عبد الله ما جاء في فضل زيارة المؤمن ومواصلته، فإذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل. ثم أعطى الكتاب لعباد الطالقاني، وأمره بايصاله إليه وأن يحصي عليه بسمعه وقلبه، دقيق أمره وجليله، ليخبره به. قال عباد: فانطلقت إلى الكوفة، فوجدت سفيان في مسجده، فلما رآني على بعد، قام وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وأعوذ بك اللهم من طارق يطرق إلا بخير، قال: فنزلت عن فرسي بباب المسجد، فقام يصلي ولم يكن وقت صلاة، فدخلت وسلمت فما رفع أحد من جلسائه رأسه إلي، قال: فبقيت واقفا وما منهم أحد يعرض علي الجلوس، وقد علتني من هيبتهم الرعدة، فرميت بالكتاب إليه، فلما رأى الكتاب، ارتعد وتباعد منه، كأنه حية عرضت له في محرابه، فركع وسجد وسلم، وأدخل يده في كمه، وأخذه وقلبه بيده، ورماه إلى من كان خلفه، وقال: ليقرأ بعضكم فإني أستغفر الله أن أمس شيئا مسه ظالم بيده. قال عباد: فمد بعضهم يده إليه، وهو يرتعد كأنه حية تنهشه، ثم قرأه فجعل سفيان يبتسم تبسم المتعجب، فلما فرغ من قراءته، قال: اقلبوه واكتبوا للظالم على ظهره، فقيل له: يا أبا عبد الله إنه خليفة، فلو كتبت إليه في بياض نقي لكان أحسن، فقال: اكتبوا للظالم في ظهر كتابه، فإن كان اكتسبه من حلال فسوف يجزى به، وإن كان اكتسبه من حرام فسوف يصلى به، ولا يبقى شيء مسه ظالم بيده عندنا فيفسد علينا ديننا! فقيل له: ما نكتب إليه؟ قال: اكتبوا له: بسم الله الرحمن الرحيم، من العبد الميت سفيان، إلى العبد المغرور بالآمال هارون، الذي سلب حلاوة الإيمان، ولذة قراءة القرآن، أما بعد، فإني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك، وقطعت ودك، وإنك قد جعلتني شاهدا عليك بإقرارك على نفسك في كتابك، بما هجمت على بيت مال المسلمين، فأنفقته في غير حقه وأنفذته بغير حكمه ولم ترض بما فعلته وأنت ناء عني، حتى كتبت إلي تشهدني على نفسك، فأما أنا قد شهدت عليك، أنا وإخواني الذين حضروا قراءة كتابك، وسنؤدي الشهادة غدا بين يدي الله الحكم العدل، يا هارون هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضي بفعلك المؤلفة قلوبهم، والعاملون عليها في أرض الله، والمجاهدون في سبيل الله، وابن السبيل؟ أم رضي بذلك حملة القرآن، وأهل العلم يعني العاملين، أم رضي بفعلك الأيتام والأرامل، أم رضي بذلك خلق من رعيتك؟ فشد يا هارون مئزرك، وأعد للمسألة جوابا، وللبلاء جلبابا، واعلم أنك ستقف بين يدي الحكم العدل، فاتق الله في نفسك، إذ سلبت حلاوة العلم والزهد، ولذة قراءة القرآن، ومجالسة الأخيار، ورضيت لنفسك أن تكون ظالما، وللظالمين إماما، يا هارون قعدت على السرير، ولبست الحرير، وأسبلت ستورا دون بابك، وتشبهت بالحجبة برب العالمين، ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك وسترك، يظلمون الناس ولا ينصفون، ويشربون الخمر ويحدون الشارب، ويزنون ويحدون الزاني، ويسرقون ويقطعون السارق، ويقتلون ويقتلون القاتل، أفلا كانت هذه الأحكام عليك وعليهم، قبل أن يحكموا بها على الناس! فكيف بك يا هارون غدا إذا نادى المنادي من قبل الله: أحشروا الظلمة وأعوانهم!؟ فتقدمت بين يدي الله ويداك مغلولتان إلى عنقك، لا يفكهما إلا عدلك وانصافك، والظالمون حولك وأنت لهم إمام أو سائق إلى النار، وكأني بك يا هارون وقد

стр. 811

أخذت بضيق الخناق ووردت المساق، وأنت ترى حسناتك في ميزان غيرك، وسيآت غيرك في ميزانك، على سيآتك بلاء على بلاء، وظلمة فوق ظلمة، فاتق الله يا هارون في رعيتك، واحفظ محمدا ﷺ في أمته، واعلم أن هذا الأمر لم يصر إليك إلا وهو صائر إلى غيرك، وكذلك الدنيا، تفعل بأهلها واحدا بعد واحد، فمنهم من تزود زادا نفعه، ومنهم من خسر دنياه وآخرته، وإياك ثم إياك، أن تكتب إلي بعد هذا فإني لا أجيبك، والسلام. وألقى الكتاب منشورا من غير طي ولا ختم، فأخذته وأقبلت به إلى سوق الكوفة، وقد وقعت الموعظة بقلبي فناديت يا أهل الكوفة من يشتري رجلا هرب إلى الله؟ فأقبلوا إليّ بالدراهم والدنانير، فقلت: لا حاجة لي بالمال ولكن جبة صوف وعباءة قطوانية، فأتيت بذلك فنزعت ما كان علي من الثياب، التي كنت أجالس بها أمير المؤمنين، وأقبلت أقود الفرس الذي كان معي، إلى أن أتيت باب الرشيد حافيا راجلا، فهزأ بي من كان على الباب، ثم استؤذن لي، فلما رآني على تلك الحالة قام وقعد وجعل يلطم رأسه ووجهه، ويدعو بالويل والحرب، ويقول: انتفع الرسول وخاب المرسل! ما لي وللدنيا والملك يزول عني سريعا! فألقيت الكتاب إليه مثل ما دفع إلي فأقبل يقرؤه ودموعه تتحدر على وجهه، وهو يشهق، فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين قد اجترأ عليك سفيان، فلو وجهت إليه فأثقلته بالحديد وضيقت عليه السجن، فجعلته عبرة لغيره، فقال هارون: اتركوا سفيان وشأنه يا عبيد الدنيا، المغرور من غررتموه، والشقي والله حقا من جالستموه، إن سفيان أمة وحده. ولم يزل كتاب سفيان عند الرشيد يقرؤه دبر كل صلاة ويبكي حتى توفي رحمه الله تعالى. وذكر ابن السمعاني وغيره أن المنصور كان يبلغه عن سفيان الإنكار عليه في عدم إقامة الحق، فتطلبه المنصور فهرب إلى مكة، فلما حج المنصور بعث بالخشابين أمامه، وقال: حيثما وجدتم سفيان فاصلبوه، فوصل الخشابون ونصبوا الخشب فأتى الخبر بذلك وسفيان نائم، ورأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجلاه في حجر سفيان بن عيينه، فقالا له خوفا عليه وشفقة: لا تشمت بنا الأعداء، فقام ومشى إلى الكعبة والتزم أستارها عند الملتزم، ثم قال: ورب هذه البنية لا يدخلها يعني المنصور، فزلقت راحلته في الحجون، فوقع من على ظهرها، فمات لوقته. فخرج سفيان وصلى عليه. وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر شيء من مناقبه ووفاته في باب الحاء المهملة، في لفظ الحمار. الحكم : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ما لزم اسم الخيل من العراب والمقاريف والبراذين، فأكلها حلال، وهو قول القاضي شريح والحسن وابن الزبير وعطاء وسعيد بن جبير وحماد بن زيد والليث بن سعد وابن سيرين والأسود بن يزيد وسفيان الثوري وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وابن المبارك وأحمد واسحاق وأبي ثور وجماعة من السلف. وقال سعيد بن جبير: ما أكلت أطيب من معرقة برذون، ودليل هذا ما اتفق عليه البخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأرخص في لحوم الخيل» «١» وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنها مكروهة، إلا أن كراهتها عند مالك كراهة

стр. 812

تنزيه لا كراهة تحريم. واستدلوا بما في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه أن النبي ﷺ «نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» «١» ، لقوله «٢» تعالى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وقال صاحب الهداية من الحنفية: فإن قلت الآية خرجت مخرج الامتنان، والأكل من أعلى منافعها، والحكيم لا يترك الامتنان بأعلى النعم ويمتن بأدناها. قلت: الجواب أن الآية خرجت مخرج الغالب لأن الغالب في الخيل إنما هو الزينة، والركوب دون الأكل، كما خرج قوله «٣» ﷺ : «وليستنج بثلاثة أحجار» ، مخرج الغالب لأن الغالب أن الاستنجاء لا يقع إلا بالأحجار انتهى. وقال الشافعي ومن وافقه: ليس المراد من الآية بيان التحليل والتحريم، بل المراد منها تعريف الله عباده نعمه وتنبيههم على كمال قدرته وحكمته، وأما الحديث الذي استدل به أبو حنيفة ومالك ومن وافقهما، فقال الإمام أحمد: ليس له إسناد جيد وفيه رجلان لا يعرفان ولا ندع الأحاديث الصحيحة لهذا الحديث. وقد روى «٤» الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل» . وفي لفظ «أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر الأهلية» . رواه الترمذي وصححه. وفي لفظ «سافرنا، يعني مع النبي ﷺ ، فكنا نأكل لحوم الخيل، ونشرب ألبانها» . وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما أنها قالت «٥» : نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناها. وفي رواية: ونحن بالمدينة. وفي مسند الإمام أحمد: نحرنا فرسا على عهد رسول الله ﷺ فأكلناها نحن وأهل بيته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن الفرس إذا التقت الفئتان تقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، ولذلك كان له من الغنيمة سهمان. وكذلك رواه عبد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ . ولا يعطى إلا لفرس واحد عربيا كان أو غير عربي، لأن الله قال «٦» : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ ولم يفرق بين عربي وغيره، ولم يرد في شيء من الأحاديث تفرقة، بل الجمع مثل قوله «٧» ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة» الأجر والغنيمة. وقال الإمام أحمد: لما سوى العربي سهم وللعربي سهمان لأثر ورد في ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه لكنه لم يصح عنه. ولا يعطى لفرس أعجف وما لا غناء به، لأنه كل على صاحبه.

стр. 813

ويتعهد الإمام الخيل إذا دخل دار الحرب، ولا يدخل إلا فرسا شديدا، ويسهم للفرس المستعار والمستأجر، ويكون ذلك للمستعير والمستأجر. والأصح أنه يسهم للفرس المغصوب لحصول النفع به، والأصح أنه للراكب، وقيل للمالك ولو كان القتال في ماء أو حصن وأحضر فرس أسهم له، لأنه قد يحتاج إليه ولو أحضر اثنان فرسا مشتركا بينهما فقيل: لا يعطيان سهم الفرس، لأنه لم يحضروا واحد منهما بفرس تام. وقيل يعطى كل واحد منهما سهم فرس لأن معه فرسا قد يركبها، وقيل يعطيان سهم فرس مناصفة ولعل هذا هو الأصح. ولو ركب اثنان فرسا، وشهدا الوقعة، فعن بعض الأصحاب أنهما كفارسين لهما ستة أسهم، وعن بعضهم أنهما كراجلين لتعذر الكر والفر، وقيل لهما أربعة أسهم: سهمان لهما، وسهمان للفرس. واختار ابن كج وجها رابعا حسنا، وهو أنه إن كان فيه قوة الكر والفر مع ركوبهما فأربعة أسهم، وإلا فسهمان. فائدة أجنبية : قال في شرعة الإسلام: إن مقدم العسكر ينبغي له أن يتشبه بأصناف من الخلق فيكون في قلب الأسد، لا يجبن ولا يفر وفي كبر النمر لا يتواضع للعدو، وفي شجاعة الدب يقاتل بجميع جوارحه، وفي الحملة كالخنزير لا يولى دبره إذا حمل، وفي الغارة كالذئب إذا أيس من وجه أغار من وجه، وفي حمل السلاح الثقيل كالنملة تحمل أضعاف وزن بدنها، وفي الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه، وفي الصبر كالحمار، إذ أثقله ضرب السيوف، وطعن الرماح، ونصول السهام، وفي الوفاء كالكلب إذا دخل سيده النار تبعه، وفي التماس الفرصة كالديك، وفي الحراسة كالكركي، وفي التعب كاليعر، وهي دويبة تكون بخراسان تسمن على التعب والكد والشقاء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الياء. فرع : حمار نزا على فرس فأحبلها يكون لبن الفرس حلالا طاهرا ولا حكم للفحل في اللبن في هذا الموضع بخلاف الأناسي لأن لبن الفرس حادث من العلف، فهو تابع للحمها ولم يسر وطء الفحل إلى هذا اللبن، فإنه لا حرمة هناك تنتشر من جهة الفحل، إلا إلى الولد خاصة، فإنه يكون منه ومن الأم فغلب عليه التحريم. وأما اللبن فلم يتكون بوطئه وإنما تكون من العلف لم يكن حراما. فائدة : كان للنبي ﷺ أفراس: السكب: اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشرة أواق بالمدينة، وكان أدهم وكان اسمه عند الأعرابي الضرس فسماه النبي ﷺ السكب، وهو من سكب الماء، كأنه سيل، والسكب أيضا شقائق النعمان، وهو أول فرس غزا عليه رسول الله ﷺ . وسبحة هو الذي سابق عليه ﷺ فسبق ففرح بذلك. والمرتجز الذي تقدم ذكره، سمي بذلك لحسن صهيله. ولزاز، قال السهيلي: ومعناه أنه لا يسابق شيئا إلا لزه أي أثبته. والظرب، واللحيف، قال السهيلي: كأنه يلحف الأرض بجريه، ويقال فيه اللخيف بالخاء المعجمة ذكره البخاري في جامعه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والورد أهداه له تميم الداري فأعطاه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فحمل عليه في سبيل الله تعالى وهو الذي وجده يباع برخص هذه السبعة متفق عليها. وقيل: كان له ﷺ غيرها، وهي الأبلق وذو العقال والمرتجل وذو

стр. 814

اللمة والسرحان واليعسوب والبحر وكان كميتا، والأدهم وملاوح والطرف بكسر الطاء المهملة والسحا والمراوح والمقدام ومندوب والضرير ذكره السهيلي في أفراسه ﷺ . فهذه خمسة عشر فرسا مختلف فيها، وقد بسط الكلام عليها الحافظ الدمياطي وغيره. الأمثال : قال ﷺ : «بعثت أنا والساعة كفرسي رهان، كادت تسبق إحدهما الأخرى بأذنها» «١» . وقالوا: هما كفرسي رهان يضرب للإثنين يستويان في الشيء، وهذا التشبيه يقع في الابتداء لا في الانتهاء، لأن النهاية تجلى عن سبق أحدهما لا محالة. وقالوا: «أبصر من فرس» «٢» وأطوع «٣» وأشد «٤» . وقالوا: «فلان كالأشقر إن تقدم نخر وإن تأخر عقر» «٥» . لأن العرب تتشاءم من الأفراس بالأشقر. تتمة : ذكر في الإحياء، في الباب الثالث من كتاب أحكام الكسب، روي عن بعض الغزاة في سبيل الله، قال: حملت على فرسي لأقتل علجا فقصر بي فرسي فرجعت، ثم دنا مني العلج فحملت ثانية فقصر بي فرسي، ثم حملت الثالثة فقصر بي فرسي، وكنت لا أعتاد منه ذلك فرجعت حزينا، وجلست منكس الرأس منكسر القلب، لما فاتني من العلج، وما ظهر لي من خلق الفرس، فوضعت رأسي على عمود الفسطاط، وفرسي قائم فرأيت في المنام كأن الفرس يخاطبني، ويقول لي: بالله عليك أردت أن تأخذ العلج على ثلاث مرات، وأنت بالأمس اشتريت لي علفا، ودفعت في ثمنه درهما زائفا لا يكون هذا أبدا. فانتبهت فزعا وذهبت إلى العلاف وأبدلت له ذلك الدرهم اهـ. تتمة أخرى : روى ابن بشكوال، في كتاب المستغيثين بالله ، عن عبد الله بن المبارك المجمع على دينه وعلمه وورعه، أنه قال: خرجت إلى الجهاد ومعي فرس فبينا أنا في بعض الطريق إذ صرع الفرس، فمر بي رجل حسن الوجه طيب الرائحة، فقال: أتحب أن تركب فرسك؟ قلت: نعم. فوضع يده على جبهة الفرس حتى انتهى إلى مؤخره، وقال: أقسمت عليك أيتها العلة بعزة عزة الله وبعظمة عظمة الله وبجلال جلال الله وبقدرة قدرة الله وبسلطان سلطان الله وبلا إله إلا الله وبما جرى به القلم من عند الله وبلا حول ولا قوة إلا بالله إلا انصرفت. قال: فانتفض الفرس وقام، فأخذ الرجل بركابي وقال: اركب فركبت ولحقت بأصحابي، فلما كان من غداة غد وظهرنا على العدو فإذا هو بين أيدينا، فقلت: ألست صاحبي بالأمس؟ قال: بلى. فقلت: سألتك بالله من أنت؟ فوثب قائما فاهتزت الأرض تحته خضراء، فإذا هو الخضر ﵇. قال ابن المبارك رضي الله تعالى عنه: فما قلت هذه الكلمات على عليل إلا شفي بإذن الله تعالى. الخواص : إذا علقت سن الفرس العربي على صبي سهل طلوع أسنانه بلا ألم، وإن وضعت سنه تحت رأس من يغط في النوم انقطع غطيطه، ولحمه يطرد الرياح، وعرقه يطلى به عانة الصبي وإبطه فلا ينبت فيهما شعر، وهو سم قاتل للسباع والثعابين جميعا، وإذا أخذت شعرة من

стр. 815

ذنب الفرس، وجعلت على باب بيت ممدودة، لم يدخل ذلك البيت بق مادامت الشعرة كذلك، وإن شربت امرأة دم برذون لم تحبل أبدا. ورماد حافر الفرس إذا خلط بزيت، وجعل على الخنازير أبرأها، وإذا سقيت امرأة لبن فرس، وهي لا تعلم أنه لبن فرس، وجامعها زوجها من ساعتها، حملت منه بإذن الله تعالى، وإن شربته بالعسل صارت مجامعتها لذيذة، وإذا سحق بصل الفأر ومسح به أسنان الفرس الحرون لان وذهبت صعوبته، وزبل الفرس إذا جفف وسحق وذر على الجراحات قطع دمها، وإن كحل به البياض العارض في العين أزاله وإن دخن به أخرج الولد من البطن. فصل في صبغ البراذين: قال صاحب عين الخواص: إذا سخن الماء تسخينا شديدا بحيث يذهب الشعر، وصب على البرذون فإنه يحلق شعره ذلك، وينبت له شعر مخالف لما ذهب عنه من اللون. قال: ومما يصير الأشهب أدهم أن يؤخذ مردارسنج وعفص وزنجار ونورة وزاج الأساكفة وطين خوري بالسوية، يدق الجميع ويعجن بماء حار ويصبغ به الفرس البرذون ويترك يوما وليلة، ثم يغسل من الغد، فيصير أدهم. وإن طلي بعض جسده بذلك وترك بعضه كان أبلق، ومما يصير به الأدهم أبرش الحرض إذا طبخ مع ورق الدفلى، وصفي ماؤه ثم طبخ أيضا مع القلى ومخ جوز سائل ثم يغسل به البراذين فتصير شهباء. ومما يصير الأشهب أدهم أيضا، أن يؤخذ قشور الجوز الرطب وتطبخ مع الآس، ووسخ الحديد ثم يغسل به البرذون غسلا نقيا ويطلى بذلك فيصير أدهم، ويبقى سواده ستة أشهر والله أعلم. التعبير : الفرس في الرؤيا تعبر بالحامل بولد ذكر فارس، وتعبر برجل وتجارة وشريك وامرأة، فمن رأى فرسا مات في يده فذلك موت من ينسب إليه الفرس من الولد أو المرأة أو الشريك، والفرس الأبلق في الرؤيا أمير مشهور، وقد تقدم ذكره في باب الخاء المعجمة، في لفظ الخيل، والفرس الأسود والأدهم يدلان على المال، والأصفر والمريض يدلان على المرض لمن ركب أحدهما أو كليهما، والأشقر يدل على دين وحزن، وقيل فتنة. وقال ابن سيرين ﵀: لا أحب الأشقر لشبهه بالدم، والأشهب يعبر برجل صاحب قلم، كذا عبره ابن سيرين وقال: ألا تراه سوادا في بياض؟ والكميت يدل على القوة واللهو وربما دل على الحرب والضرب، ومن ركب فرسا وأجراه حتى عرق فإنه يركب أمرا فيه هوى نفس، وتلف مال لمكان العرق، والعرق أيضا تعب، وأما الركض فإنه ارتكاب هوى لقوله «١» تعالى: لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومن نزل عن فرسه، ولم يكن له نية في الرجوع، فإنه يعزل إن كان واليا. والفرس الجموح رجل مجنون، والحرون متهاون بطيء بطر. ومن رأى شعر ذنب فرسه كثيرا زاد ماله وأولاده، وإن كان سلطانا كثر جيشه، ومن قطع ذنب فرسه فإنه لا يخلف ولدا، وإن كان له أولاد فإنهم يموتون وإن كان سلطانا ذهب جيشه، وكذلك إذا كان منتوفا تفرق الجيش الذي يتبع صاحب الفرس، ومن ركب فرسا وكان ممن يليق به ركوب الخيل، نال عزا وجاها ومالا،

стр. 816

لقوله ﵊: «الخيل معقود في نواصيها الخير» «١» . وربما صادف رجلا جوادا، وربما سافر لأن السفر مشتق من الفرس، فإذا كان حصانا تحصن من عدوه، وإن كان مهرا رزق ولدا جميلا، وإن كان اكديشا ربما عاش زمانا، وإن كان برذونا توسط حاله وعاش لا يستغني ولا يفتقر، وإن كان الفرس حجرا تزوج إن كان أعزب امرأة ذات جمال ومال ونسل، والأصيل شريف بالنسبة إلى غير الأصيل، وربما دلت الفرس على الدار الحسنة البناء. وقال ابن المقري: من رأى أنه ركب فرسا أشهب، نال عزا ونصرا على العدا، لأنه من خيل الملائكة. والأدهم هم، والأغر المحجل علم وورع ودين، لقوله ﷺ : «إنكم ستردون على يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء» «٢» . ومن ركب كميتا ربما شرب خمرا لأنه من أسمائها ومن ركب فرسا لغيره، نال منزلته أو عمل بسنته خصوصا إن كان مركوبا معروفا يليق به انتهى. ومن رأى أنه يقود فرسا، فإنه يطلب خدمة رجل شريف، ولا خير في ركوب الفرس في غير محل الركوب كالسطح والحائط والحبس، وربما دل الفرس الخصي على خادم واعتبر بكل مركوب ما يليق فالسرج للفرس، والكور للجمل وكذلك المحمل والهودج والمحفة للبغال والبرادع للحمير، فمن ركب حيوانا بما لا يليق به من العدة، تكلف أو كلف غيره ما لا يطيق، والدابة بلا لجام ولا مقود امرأة زانية، لأنها كيفما أرادت مشت. وكذلك الفرس العائز، ومن رأى أنه يأكل لحم فرس نال ثناء حسنا واسما صالحا، وقيل إنه مرض لصفرته، ومن نازعه فرسه خرج عليه عبده وإن كان تاجرا خرج عليه شريكه، ومن الرؤيا المعبرة أن رجلا أتى ابن سيرين رحمة الله تعالى عليه، فقال: رأيت كأني راكب على فرس قوائمه من حديد، فقال له ابن سيرين ﵀: توقع الموت والله تعالى أعلم. فرس البحر: حيوان يوجد في نيل مصر، له ناصية كناصية الفرس، ورجلاه مشقوقتان كالبقر، وهو أفطس الوجه، له ذنب قصير، يشبه ذنب الخنزير، وصورته تشبه صورة الفرس، إلا أن وجهه أوسع وجلده غليظ جدا وهو يصعد إلى البر، فيرعى الزرع وربما قتل الإنسان وغيره. وحكمه : حل الأكل لأنه كالخيل المتوحشة التي تعدو في غالب أحيانها. الخواص : إذا أحرق جلده وخلط بدقيق كرسنة، وإلي به داء السرطان أبرأه في ثلاثة أيام. ومرارته إذا تركت في الماء ثلاثين يوما ثم سحق واكتحل بها أربعة عشر يوما، أو أربعة وعشرين يوما بعسل لم تصبه النار، أذهبت الماء الأسود من العين. وسنة نافعة لوجع البطن، إذا علقت على من أشرف على الموت، من وجع المعدة من التخمة والامتلاء، يبرأ بإذن الله تعالى. وجلده إذا دفن في وسط قرية لم يقع فيها شيء من الآفات، وإذا أحرق وجعل على الورم أذهبه وسكن وجعه. التعبير : الفرس البحري في الرؤيا يدل على كذب وأمر لا يتم. فصل : والبحر في الرؤيا يعبر بملك وحبس لمن وقع فيه، ولم يمكنه الخروج منه وبرجل عالم

стр. 817

وكريم، فيقال بحر علم وبحر كرم، ويعبر بالدنيا، فمن رأى كأنه قاعد على متن البحر أو مضطجع عليه فإنه يداخل ملكا ويكون منه على خطر، لأن الماء لا يؤمن من الغرق فيه، ومن رأى أنه شرب من ماء البحر، نال مالا من الملك فإن شربه كله نال مال الملك كله ومن رأى البحر من بعيد ولم يخالطه فإن ذلك أمر يفوته، ومن رأى أنه يشرب من مائه وله شريك فانه يفارقه لقوله تعالى وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ «١» ومن رأى كأنه يمشي في البحر، وفي طريق يابس، فإنه يأمن من الخوف لقوله تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى «٢» . ومن رأى أنه غاص في البحر، ليخرج شيئا من الدر، فإنه يدخل في غامض العلم، ومن قطع البحر سبحا إلى الجانب الآخر، فإنه ينجو من هول وغم، ومن سبح في البحر في زمن الشتاء، ناله هم من قبل ملك أو أصابه مرض أو يحبس أو يناله وجع من الرياح، وإذا دخل البحر إلى درب الناس، وبل القماش أو أكل وحشه طعام الناس، فإن الملك يظلم أهل تلك الناحية. وربما دل على طول الشقاء في تلك السنة، لا سيما إذا كان مضطربا كثير الموج فإنه يدل على مضار كثيرة. والبحيرة في الرؤيا تدل على القضاة والولاة والموالي الذين يفعلون الأشياء بالأمر، والبحيرة الصغيرة تدل على امرأة غنية، والبحر إذا كان هادئا دل على البطالة، والبحيرة للمسافر تدل على تعذر السفر. تتمة : وأما النهر في الرؤيا فإنه يدل على رجل جليل، فمن دخل في نهر فإنه يخالط رجلا من الأكابر، ولا يحمد الشرب من النهر، وقيل: إنه يدل على سفر لمن دخله لأن ماءه منتقل مسافر، ومن رأى أنه وثب من النهر إلى الجانب الآخر، فإنه ينجو من هم وينصر على عدوه، والدخول في النهر دخول في عمل السلطان، وإذا جرى الماء في الأسواق، والناس يتوضؤون منه وينتفعون به، فذلك عدل من سلطان، فإن جرى فوق الأسطحة وبل قماش الناس في دورهم، فذلك جور من السلطان أو عدو يطغى على الناس، ومن رأى نهرا خرج من داره ولم يضر أحدا، فإنه معروف منه يصل إلى الناس، ومن رأى أنه صار نهرا فإنه يموت بنزف الدم. فصل : وأما رؤية عين الماء، فإنها كرامة ونعمة وبلوغ أمنية إذا كان الرائي مستورا، ومن رأى كأن عينا نبعت من داره، دل على مشتري جارية، فإن خرجت من الدار إلى ظاهرها فإنه مال قد ذهب، والماء الراكد في الدار هم باق فإن كان صافيا فهم مع صحة جسم، ولا يكره من العيون إلا ما ركد ماؤه ولم يجر، ومن شرب من ماء عين أصابه هم، فإن كان باردا فلا بأس به والله تعالى أعلم. الفرش: صغار الإبل، وقيل: هو من الإبل والبقر والغنم ما لا يصلح إلا للذبح ومنه قوله تعالى: حَمُولَةً وَفَرْشاً «٣» قدم الحمولة على الفرش، لأنها أعظم في الانتفاع إذ ينتفع بها في الأكل والحمل. قال الفراء: ولم أسمع للفرش بجمع. قال: ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به من قولهم فرشها الله تعالى فرشا أي بثها بثا.

стр. 818

الفرانق: بضم الفاء الببر البريد وهو الذي ينذر بالأسد، وقد تقدم في باب الباء الموحدة. الفرفر: كهدهد طير من طيور الماء صغير الجثة على قدر الحمام. الفرفور: كعصفور طائر، قاله الجوهري ولعله الذي قبله. الفرع : بفتح الفاء والراء المهملة وبالعين المهملة في آخره أول نتاج البهيمة. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «لا فرع ولا عتيرة» «١» . وذلك أنهم كانوا يذبحونه ولا يأكلونه رجاء البركة في الأم وكثرة نسلها. والعتيرة بفتح العين المهملة ذبيحة كانوا يذبحونها في اليوم الأول من شهر رجب ويسمونها الرجبية. الحكم : في كراهتهما وجهان الصحيح الذي نص عليه الشافعي واقتضته الأحاديث، أنهما لا يكرهان بل يستحبان. وروى أبو داود بإسناد حسن أن النبي ﷺ «نهى عن معاقرة الأعراب» «٢» . وهي مفاخرتهم فإنهم كانوا يتفاخرون بأن يعقر كل واحد منهم عددا من إبله فأيهم كان عقره أكثر كان غالبا، فكره النبي ﷺ لحمها لئلا يكون مما أهل به لغير الله تعالى. وروى «٣» أبو داود أيضا أن النبي ﷺ «نهى عن طعام المتبارين» . فائدة : حكى الإمام العلامة أبو الفرج الأصبهاني وغيره، أن الفرزدق الشاعر المشهور، واسمه همام بن غالب كما تقدم، كان أبوه غالب رئيس قومه، وأن أهل الكوفة أصابتهم مجاعة فعقر غالب أبو الفرزدق المذكور لأهله ناقة وصنع منها طعاما، وأهدى إلى قوم من بني تميم جفانا من ثريد، ووجه جفنة منها إلى سحيم بن وثيل الرياحي رئيس قومه وهو القائل «٤» : أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني وقد تمثل بذلك الحجاج في خطبته يوم قدم الكوفة أميرا، فكفأها سحيم وضرب الذي أتى بها وقال: أنا مفتقر إلى طعام غالب إذ نحر هو ناقة نحرت أنا أخرى، فوقعت المعاقرة بينهما فعقر سحيم لأهله ناقة، فلما كان من الغد عقر لهم غالب ناقتين، فعقر سحيم لأهله ناقتين، فلما كان اليوم الثالث عقر غالب لأهله ثلاثا، فعقر سحيم لأهله ثلاثا، فلما كان اليوم الرابع عقر غالب مائة ناقة فلم يكن عند سحيم هذا القدر فلم يعقر شيئا، وأسرها في نفسه. فلما انقضت المجاعة ودخل الناس الكوفة، قال بنو رياح لسحيم: جررت علينا عار الدهر: هلا نحرت مثل ما نحر غالب، وكنا نعطيك مكان كل ناقة ناقتين، فاعتذر بأن إبله كانت غائبة. ثم عقر ثلاثمائة ناقة! وقال للناس: شأنكم والأكل وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي عنه، فاستفتي في حل الأكل منها فقضى بحرمتها. وقال: هذه ذبحت لغير مأكلة ولم يكن

стр. 819

المقصود منها إلا المفاخرة والمباهاة فألقيت لحومها على كناسة الكوفة. فأكلها الكلاب والعقبان والرخم. الفرعل: كقنفذ ولد الضبع والجمع الفراعل. روى البيهقي عند عبد الله بن زيد قال: سألت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، عن ولد الضبع، فقال: ذاك الفرعل فيه نعجة من الغنم قال أبو عبيد: الفرعل عند العرب ولد الضبع والذي يراد من هذا الحديث قوله نعجة من الغنم يعني أنها حلال بمنزلة الغنم. قال الكميت «١» : وتسمع أصوات الفراعل حوله ... يعاوين أولاد الذئاب الهقالسا يعني حول الماء الذي وردوه. الأمثال : قالوا: «أغزل من فرعل» «٢» وهو من الغزل والمراودة. وقال الميداني: هو من الغزل بمعنى الخرق، يقال: غزل الكلب إذا تبع الغزال، فإذا أدركه ثغا الغزال في وجهه ففتر ودهش. ولعل الفرعل يفعل ذلك إذا تبع صيده. فقالوا: «أغزل من فرعل» انتهى. وقال ابن هشام: إن عكرمة بن أبي جهل، ألقى رمحه يوم الخندق وانهزم، فقال فيه حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: وفرّ وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظلي ... م ما أن يجوز عن المعدل ولم تبق ظهرك مستأنسا ... كان قفاك قفا فرعل الفرقذ: ولد البقرة وأبو فرقد كنية الثور الوحشي. الفرنب: بكسر الفاء قال ابن سيده: هو الفأر وقيل ولد الفأر من اليربوع. الفرهود: كجلمود. ولد السبع وقيل: ولد الوعل ويقال أيضا للغلام الغليظ وصرفوه. فقالوا تفرهد إذا سمن. الفروج: الفتي من الدجاج والضم فيها لغة حكاها اللحياني والجمع الفراريج. أنشد الجوهري عن الأصمعي: أقبلن من بئر ومن سواج ... والقوم قد ملّوا من الإدلاج «٣» يمشون أفواجا على أفواج ... مشي الفراريج مع الدّجاج وحكمه وخواصه : كالدجاج. وأما تعبيره : فالفراريج في الرؤيا هي أولاد السبي، لأن الدجاج جوار ومن سمع أصوات

стр. 820

الفراريج، فإنه يسمع كلام قوم فسقة، ومن أكل لحم الفراريج، أكل مالا من رجل كريم. والفراريج تدل على أمر يتألف عاجلا بلا تعب، لأن الفراريج لا تحتاج إلى كلفة التربية، والله تعالى أعلم. الفرير والفرار: ولد النعجة والماعزة والبقرة، ويقال: هو من أولاد المعز ما صغر جسمه. وقيل: الفرير واحد والفرار جمع قاله ابن سيده. فسافس: كخنافس حيوان كالقراد شديد النتن، قاله ابن سينا. وقال القزويني: يشبه أن يكون البق، إذا سحقت وجعلت في ثقبة الإحليل نفعت من عسر البول. وقد تقدم في باب الباء الإشارة إلى هذا. الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن رضاع أمه، وهو فعيل بمعنى مفعول كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول، والجمع فصلان بضم الفاء وفصال بكسرها. روى الإمام أحمد ومسلم عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه، قال: خرج النبي ﷺ على أهل قباء وهم يصلون الضحى، فقال ﷺ : «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال» «١» . وهو أن تحمى الرمضاء، وهو الرمل، فتبرك الفصال من شدة حرها واحراقها أخفافها. وروى الإمام أحمد أيضا وأبو داود من حديث دكين بن سعيد الخثعمي قال: أتينا رسول الله ﷺ ، ونحن أربعون وأربعمائة راكب نسأله الطعام فقال ﵊: «يا عمر اذهب فأطعمهم» «٢» . فقام عمر وقمنا معه فصعد بنا إلى غرفة فأخرج المفتاح ففتح الباب، فإذا في الغرفة من التمر شبه الفصيل الرابض، فقال: شأنكم فأخذ كل منا ما شاء من ذلك التمر، ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنما لم نرزأ منه تمره. وقال ابن عطية، في تفسير سورة الفلق: حدثني ثقة أنه رأى عند بعضهم خيطا أحمر، وقد عقدت فيه عقد على فصلان فمنعت بذلك رضاع أمهاتها، فكان إذا حل عقدة جرى ذلك الفصيل إلى أمه في الحين فرضع. فرع : دخل فصيل رجل في بيت رجل، ولم يمكن إخراجه إلا بنقض البناء، فإن كان بتفريط صاحب البيت، بأن غصبه وأدخله نقض، ولم يغرم صاحب الفصيل شيئا، وإن كان بتفريط صاحب الفصيل، نقض البناء ولزمه أرش النقض، وإن دخل بنفسه نقض أيضا، ولزم صاحب الفصيل أرش النقض على المذهب، وبه قطع العراقيون، وقيل: وجهان ثانيهما لا أرش عليه. الأمثال : قالوا: «أتخم من فصيل» «٣» لأنه يرضع أكثر مما يطيق، ثم يتخم، وقالوا: «كفضل ابن المخاض على الفصيل» «٤» . أي الذي بينهما من الفضل قليل يضرب للمتقاربين في رجوليتهما. وقالوا: «استنت الفصال حتى القرعى» «٥» . يضرب للذي يتكلم، مع الذي لا ينبغي له أن يتكلم بين يديه، لجلالة قدره، والقرعى: جمع قريع كمريض ومرضى، وهو الذي به قرع بالتحريك، وهو بثر أبيض يطلع في الفصال، ودواؤه الملح وحباب ألبان الإبل والله تعالى أعلم.

стр. 821

التعبير : الفصيل في المنام ولد شريف، وكل صغير من الحيوان إذا مسّه الإنسان فهو هم والله تعالى أعلم. الفلحس: كجعفر: الدب والكلب المسن، وفلحس رجل من رؤساء بني شيبان، كان إذا أعطي سهمه من الغنيمة، سأل سهما لامرأته، وسهما لناقته، فقيل: «أسأل من فلحس» «١» . الفلو: والفلو بضم الفاء وفتحها وكسرها المهر الصغير، والجمع افلاء. قال سيبويه: لم يكسروه على فعل كراهة الإخلال، ولا كسروه على فعلان كراهة الكسرة قبل الواو، وإن كان بينهما حاجز، لأن الساكن ليس بحاجز حصين. قاله ابن سيده، وقال الجوهري: الفلو بتشديد الواو المهر لأنه يفتلي عن أمه أي يفطم. وقد قالوا للأنثى: فلوة، كما قالوا عدو وعدوة والجمع أفلاء مثل عدو وأعداء وفلاوى، مثل خطايا. وأصله فعائل. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت. فقلت: فلو مثال جرو، وفلوته عن أمه وافتليته إذا فطمته، وفرس مفل ومفلية ذات فلو اهـ. وفي الصحيحين «٢» وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «ما تصدق أحد بصدقة من كسب طيب، إلا أخذه الرحمن بيمينه، وإن كان تمرة فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه، حتى تكون مثل الجبل أو أعظم» . وفي رواية «فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل» . قال الماوردي وغيره: هذا الحديث وشبهه إنما عبر به النبي ﷺ على ما اعتاده في خطابهم ليفهموا، فكنى هنا عن قبول الصدقة بأخذها بالكف، وعن تضعيف أجرها بالتربية. قال القاضي عياض: لما كان الشيء الذي يرتضى ويعز يتلقى باليمين ويؤخذ بها استعمل في مثل هذا، واستعير للقبول والرضا إذ الشمال بضد ذلك في هذا. قال: وقيل: المراد بكف الرحمن هنا وبيمينه كف الذي يدفع إليه الصدقة ويمينه، واضافتها إلى الله تعالى إضافة ملك واختصاص، لتوضع هذه الصدقة فيها لله . قال: وقد قيل في تربيتها وتعظيمها حتى تكون أعظم من الجبل، أن المراد بذلك تعظيم ذاتها ويبارك الله تعالى فيها، ويزيدها من فضله حتى تثقل في الميزان. وهذا الحديث نحو قوله «٣» تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وفي سنن أبي داود، من حديث «٤» الزبير بن العوام أنه حمل على فرس يقال له غمر أو غمرة، فرأى مهرا أو مهرة من أفلائها تباع تنسب إلى فرسه فنهي عنها، أي نهي عن ابتياعها، وعن ادخالها في ملكه، بعد أن تصدق بها والله تعالى أعلم. الفناة: البقرة والجمع فنوات. الفنك: كالعسل دويبة يؤخذ منها الفرو، قال ابن البيطار: إنه أطيب من جميع الفراء يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة، ويشبه أن يكون في لحمه حلاوة، وهو أبرد من السمور، وأعدل وأحر من السنجاب يصلح لأصحاب الأمزجة المعتدلة.

стр. 822

وحكمه : الحل، لأنه من الطيبات، ونقل الإمام أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، عن أبي يوسف أنه قال في الفنك والسنجاب والسمور: كل ذلك سبع مثل الثعلب وابن عرس. الفنيق: الفحل الكريم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته عليهم، وجمعه فنق وأفناق، ومنه حديث الحجاج لما حاصر ابن الزبير بمكة، ونصب المنجنيق عليها، وقال: خطاؤه كالجمل الفنيق. الفهد: واحد الفهود، وفهد الرجل أشبه الفهد في كثرة نومه وتمرده، وفي حديث أم زرع: «إن دخل فهد» . وزعم أرسطو أنه يتولد بين نمر وأسد، ومزاجه كمزاج النمر، وفي طبعه مشابهة لطبع الكلب في أدوائه ودوائه. ويقال: إن الفهدة إذا أثقلت بالحمل حن عليها كل ذكر يراها من الفهود، ويواسيها من صيده، فإذا أرادت الولادة هربت إلى موضع قد أعدته لذلك. ويضرب بالفهد المثل في كثرة النوم، وهو ثقيل الجثة يحطم ظهر الحيوان في ركوبه. ومن خلقه الغضب، وذلك أنه إذا وثب على فريسة لا يتنفس حتى ينالها، فيحمى لذلك وتمتلىء رئته من الهواء الذي حبسه فإذا أخطأ صيده رجع مغضبا وربما قتل سائسه. قال ابن الجوزي: إن الفهد يصاد بالصوت الحسن قال: ومتى وثب على الصيد ثلاث مرات، ولم يدركه غضب. ومن خلقه أنه يأنس لمن يحسن إليه. وكبار الفهود أقبل للتأديب من صغارها، وأول من اصطاد به كليب بن وائل، وأول من حمله على الخيل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وأكثر من اشتهر باللعب بها أبو مسلم الخراساني. فائدة : سئل الكيا الهراسي الفقيه الشافعي عن يزيد بن معاوية هل هو من الصحابة أم لا وهل يجوز لعنه أم لا؟ فأجاب أنه لم يكن من الصحابة لأنه ولد في أيام عثمان رضي الله تعالى عنه، وأما قول السلف ففيه لكل واحد من أبي حنيفة ومالك وأحمد قولان: تصريح وتلويح. ولنا قول واحد: التصريح دون التلويح، وكيف لا يكون كذلك وهو المتصيد بالفهد واللاعب بالنرد ومدمن الخمر؟ ومن شعره في الخمر قوله «١» : أقول لصحب ضمت الكأس شملهم ... وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من نعيم ولذة ... فكلّ وإن طال المدى يتصرم وكتب فصلا طويلا أضربنا عن ذكره ثم قلب الورقة وكتب: ولو مددت ببياض لأطلقت العنان وبسطت الكلام في مخازي هذا الرجل. وقد أفتى الغزالي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرخصا فيه؟ وهل كان يريد قتل الحسين، أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت عنه أفضل؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا ومن لعن المسلم فهو المعلون، وقد قال ﵊: «المسلم ليس بلعان» «٢» . وكيف يجوز لعن المسلم وقد ورد النهي عن ذلك؟ وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، بنص من النبي ﷺ ، ويزيد صح إسلامه وما صح قتله للحسين رضي الله تعالى عنه ولا

стр. 823

أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك عنه لم يجز أن يظن ذلك به فإن إساءة الظن أيضا بالمسلم حرام. قال «١» الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وقال «٢» ﷺ : «إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء» . ومن أراد أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك، وإذا لم يعلم وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به. ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر، والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل، فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه، فكيف من تاب من قتل؟ ولم يعرف أن قاتل الحسين مات قبل التوبة وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فإذا لا يجوز لعن أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله ، ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يقال له في القيامة: لم لم تلعن إبليس؟ ويقال للاعن: لم لعنت ومن أين عرفت أنه ملعون؟ والملعون هو المبعد من الله ، وذلك لا يعرف إلا فيمن مات كافرا فإن ذلك علم بالشرع، وأما الترحم عليه فجائز بل مستحب، بل داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنه كان مؤمنا. اهـ. والكيا الهراسي هو أبو الحسن عماد الدين علي بن محمد الطبري، كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين وثاني الغزالي، وتوفي في المحرم سنة أربع وخمسمائة ببغداد، وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزينبي وقاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني مقدما الطائفة الحنفية، وكان بينهما وبينه في حال الحياة منافسة، فوقف أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال «٣» ابن الدامغاني: وما تغني النوادب والبواكي ... وقد أصبحت مثل حديث أمس وأنشد «٤» الزينبي: عقم النساء فلا يلدن شبيهه ... إنّ النساء بمثله عقم وقد تقدم في باب الحاء المهملة، في الحمام ذكر شيء من مناقب الإمام الغزالي ووفاته رحمه الله تعالى. وذكر ابن خلكان أن الرشيد خرج مرة إلى الصيد، فانتهى به الطرد إلى موضع قبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الآن، فأرسل فهودا على صيد فتبعت الصيد إلى موضع قبره، ووقفت الفهود عند موضع القبر الآن، ولم تتقدم على الصيد، فتعجب الرشيد من ذلك! فجاءه رجل من أهل الخبرة وقال: يا أمير المؤمنين أرأيتك إن دللتك على قبر ابن عمك علي بن أبي طالب ما لي عندك؟ قال: أتم مكرمة. قال: هذا قبره. فقال له الرشيد: من أين علمت بذلك؟ قال: كنت أجيء مع أبي فيزور قبره، وأخبرني أنه كان يجيء مع جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه فيزوره، وأن جعفرا كان يجيء مع أبيه محمد الباقر فيزوره، وأن محمدا كان يجيء مع أبيه علي زبن

стр. 824

العابدين فيزوره، وأن عليا كان يجيء مع أبيه الحسين فيزوره، وكان الحسين أعلمهم بمكان القبر. فأمر الرشيد أن يحجر الموضع، فكان أول أساس وضع فيه، ثم تزايدت الأبنية فيه، في أيام السامانية، وبني حمدان وتفاقم في أيام الديلم أي أيام بني بويه. قال: وعضد الدولة هو الذي أظهر قبر علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وعمر المشهد هناك وأوصى أن يدفن فيه، وللناس في هذا القبر اختلاف متباين حتى قيل إنه قبر المغيرة بن شعبة الثقفي رضي الله تعالى عنه. وأصح ما قيل إنه مدفون بقصر الإمارة بالكوفة انتهى. قلت: وعلي رضي الله تعالى عنه لا يعرف قبره على الحقيقة. وعضد الدولة اسمه فناخسر وأبو شجاع بن ركن الدولة أبي علي الحسن بن بويه الديلمي. وكان عضد الدولة أعظم بني بويه مملكة دانت له العباد والبلاد، وأطاعه كل صعب القياد، وهو أول من خوطب بالملك في الإسلام كما تقدم، وأول من خطب له على المنابر ببغداد بعد الخليفة، ويلقب بتاج الملة أيضا وكان محبا للعلوم وأهلها، وكان يحسن إليهم ويجلس معهم، ويفاوضهم في المسائل، فقصده العلماء والشعراء من كل بلد، وصنفوا له الكتب وامتدحوه وقد تقدم ذكر وفاته «١» في باب الهمزة في لفظ الأوز. الحكم : يحرم أكله لأنه ذو ناب فأشبه الأسد لكنه يجوز بيعه للصيد به ولا خلاف في جواز إجارته. الأمثال : قالوا: «أثقل رأسا من الفهد» «٢» و «أنوم «٣» من فهد، وأوثب «٤» من فهد، وأكسب «٥» من فهد» وذلك أن الفهود الهرمة التي تعجز عن الصيد لأنفسها تجتمع على فهد فتي، فيصيد لها في كل يوم شبعها. الخواص : أكل لحمه يورث حدة الذهن وقوة البدن، ومن سقي من دمه غلبت عليه البلاهة، وبرثنه إذا ترك في موضع هرب منه الفأر. وقال صاحب عين الخواص: قرأت في بعض الكتب، أن بول الفهد إذا تحملت به امرأة لم تحبل، وربما تصير عاقرا. التعبير : الفهد في المنام عدو مذبذب، لا يظهر العداوة ولا الصداقة، فمن نازعه نازع إنسانا كذلك. وقال ابن المقري: إن رؤيته تدل على العز والرفعة والدلال مع الصخب والعياط، وربما دل على ما يدل عليه الجارح من الوحش والله تعالى أعلم. الفور: بالضم الظباء وهو جمع لا واحد له من لفظه، يقال «٦» : «لا أفعل كذا ما لألأت بأذنابها» أي حركتها، ويروى ما لألأت العفر بأذنابها وهي الظباء أيضا. الفولع: طائر أحمر الرجلين كأن رأسه شيب مصبوغ، ومنها ما يكون أسود الرأس وسائر خلقه أغبر حكاه ابن سيده.

стр. 825

الفيصور: كقيطون الحمار النشيط. الفويسقة: الفأرة روى البخاري وأبو داود والترمذي، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «١» : «خمروا الآنية، وأوكئوا الأسقية، وأجيفوا الأبواب، وكفوا صبيانكم، فإن للجن سيارة خطفة وأطفئوا المصابيح عند الرقاد، فإن الفويسقة ربما أخذت الفتيلة وأحرقت أهل البيت» . قيل: سميت فويسقة لخروجها عن الناس، واغتيالها إياهم في أموالهم بالفساد، وأصل الفسق الخروج، ومن هذا سمي الخارج عن الطاعة فاسقا. يقال فسقت الرطبة عن قشرها إذا خرجت عنه. الفياد: كصياد، ذكر البوم ويقال الصدى. الفيل: معروف وجمعه أفيال وفيول وفيلة، قال ابن السكيت: ولا تقل أفيلة، وصاحبه فيال. قال سيبويه: يجوز أن يكون أصل فيل فعل، فكسر من أجل الياء كما قالوا: أبيض وبيض وكنيته أبو الحجاج وأبو الحرمان وأبو غفل وأبو كلثوم وأبو مزاحم، والفيلة أم شبل. وفي ربيع الأبرار كنية فيل ابرهة ملك الحبشة أبو العباس واسمه محمود، وقد ألغز بعضهم في اسمه فقال: ما اسم شيء تركيبه من ثلاث ... وهو ذو أربع تعالى الاله قيل تصحيفه ولكن إذا ما ... عكسوه يصير لي ثلثاه والفيلة ضربان: فيل وزندبيل، وهما كالبخاتي والعراب والجواميس والبقر والخيل والبراذين والجرذ والفأر والنمل والذر، وبعضهم يقول: الفيل الذكر، والزندبيل الأنثى، وهذا النوع لا يلاقح إلا في بلاده ومعادنه ومغارس اعراقه، وإن صار أهليا. وهو إذا اغتلم أشبه الجمل في ترك الماء والعلف حتى يتورم رأسه، ولم يكن لسواسه إلا الهرب منه، وربما جهل جهلا شديدا، والذكر ينزو إذا مضى له من العمر خمس سنين، وزمان نزوه الربيع، والأنثى تحمل سنتين، وإذا حملت لا يقربها الذكر ولا يمسها ولا ينزو عليها إذا وضعت إلا بعد ثلاث سنين. وقال عبد اللطيف البغدادي: إنها تحمل سبع سنين ولا ينزو إلا على فيلة واحدة، وله عليها غيرة شديدة، فإذا تم حملها وأرادت الوضع دخلت النهر حتى تضع ولدها، لأنها لا تلد إلا وهي قائمة، ولا فواصل لقوائمها فتلد، والذكر عند ذلك يحرسها وولدها من الحيات. ويقال: إن الفيل يحقد كالجمل، فربما قتل سائسه حقدا عليه، وتزعم الهند أن لسان الفيل مقلوب ولولا ذلك لتكلم. ويعظم ناباه وربما بلغ الواحد منهما مائة من، وخرطومه من غضروف وهو أنفه ويده التي يوصل بها الطعام والشراب إلى فيه، ويقاتل بها ويصيح، وليس صياحه على مقدار جثته لأنه كصياح الصبي، وله فيه من القوة بحيث يقلع به الشجرة من منابتها، وفيه من الفهم ما يقبل به التأديب ويفعل ما يأمره به سائسه، من السجود للملوك وغير ذلك من الخير والشر، في حالتي السلم والحرب وفيه من الأخلاق أن يقاتل بعضه بعضا، والمقهور منهما يخضع للقاهر، والهند تعظمه لما اشتمل عليه من الخصال المحمودة، من علو سمكه وعظم صورته، وبديع منظره،

стр. 826

وطول خرطومه، وسعة أذنيه، وثقل حمله، وخفة وطئه، فإنه ربما مر بالإنسان فلا يشعر به لحسن خطوه واستقامته. ويطول عمره، فقد حكى أرسطو أن فيلا ظهر أن عمره أربعمائة سنة، واعتبر ذلك بالوسم. وبينه وبين السنور عداوة طبيعية، حتى إن الفيل يهرب منه، كما أن السبع يهرب من الديك الأبيض، وكما أن العقرب متى أبصرت الوزغة ماتت. وذكر القزويني أن فرج الفيلة تحت إبطها، فإذا كان وقت الضراب، ارتفع وبرز للفحل، حتى يتمكن من إيتانها، فسبحان من لا يعجزه شيء. وفي الحلية، في ترجمة أبي عبد الله القلانسي «١» ، أنه ركب البحر في بعض سياحاته، فعصفت عليهم الريح، فتضرع أهل السفينة إلى الله تعالى ونذروا النذور، إن نجاهم الله تعالى، وألحوا على أبي عبد الله في النذر، فأجرى الله على لسانه أن قال: إن خلصني الله تعالى مما أنا فيه، لا آكل لحم الفيل. فانكسرت السفينة وأنجاه الله تعالى وجماعة من أهلها إلى الساحل. فأقاموا به أياما من غير زاد، فبينما هم كذلك، إذا هم بفيل صغير فذبحوه وأكلوا لحمه، سوى أبي عبد الله، فلم يأكل منه وفاء بالعهد الذي كان منه. قال: فلما نام القوم، جاءت أم ذلك الفيل تتبع أثره وتشم الرائحة، فكل من وجدت منه رائحة لحمه داسته بيديها ورجليها إلى أن تقتله. قال: فقتلت الجميع، ثم أتت إلي فلم تجد مني رائحة اللحم، فأشارت إلي أن أركبها، فركبتها فسارت بي سيرا شديدا الليل كله، ثم أصبحت في أرض ذات حرث وزرع، فأشارت إلى أن أنزل، فنزلت عن ظهرها فحملني أولئك القوم إلى ملكهم، فسألني ترجمانه، فأخبرته بالقصة. فقال لي: إن الفيلة قد سارت بك في هذه الليلة مسيرة ثمانية أيام. قال: فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت إلى أهلي. وفي كتاب الفرج بعد الشدة للقاضي التنوخي، قال: حدثني الأصبهاني من حفظه، قال: قرأت في بعض أخبار الأوائل، أن الاسكندر لما انتهى إلى الصين ونازلها، أتاه حاجبه ذات ليلة وقد مضى من الليل شطره، فقال له: إن رسول ملك الصين بالباب، يستأذن بالدخول عليك، فقال: ائذن له، فلما دخل وقف بين يديه وقبل الأرض ثم قال: إن رأى الملك أن يخليني فليفعل، فأمر الاسكندر من بحضرته بالانصراف، فانصرفوا ولم يبق سوى حاجبه، فقال له الرسول: إن الذي جئت له، لا يحتمل أن يسمعه غير الملك، فأمر الاسكندر بتفتيشه، ففتش فلم يوجد معه شيء من السلاح، فوضع الاسكندر بين يديه سيفا مصلتا، وقال له: قف مكانك. وقل ما شئت، وأمر حاجبه بالانصراف، فلما خلا المكان قال له الرسول: اعلم أني أنا ملك الصين لا رسول له، وقد حضرت بين يديك، لأسألك عما تريد مني، فإن كان مما يمكن الانقياد له، ولو على أصعب الوجوه، أجبت إليه واغتنيت أنا وأنت عن الحرب. فقال له الاسكندر: وما آمنك مني؟ قال: لعلمي بأنك رجل عاقل، وأنه ليس بيننا عداوة متقدمة، ولا مطالبة بدخل، ولعلمي أيضا أنك تعلم أن أهل الصين، متى قتلتني لا يسلمون إليك ملكهم، ولا يمنعهم عدمهم إياي أن ينصبوا لأنفسهم ملكا غيري، ثم تنسب أنت إلى غير الجميل وضد الحزم. فأطرق الاسكندر

стр. 827

مفكرا في مقالته، ثم رفع رأسه إليه، وقد تبين له صدق قوله، وعلم أنه رجل عاقل. فقال له: أريد منك ارتفاع ملكك ثلاث سنين عاجلا، ونصف ارتفاعه في كل سنة. فقال له ملك الصين: هل غير هذا شيء؟ قال: لا. قال: قد أجبتك إلى ذلك. قال: فكيف يكون حالك حينئذ؟ قال: أكون قتيل أول محارب، وأكلة أول مفترس. قال: فإن قنعت منك بارتفاع سنتين، كيف يكون حالك؟ قال: أصلح ما يكون ذلك مذهبا لجميع لذاتي. قال: فإن قنعت منك بالسدس. قال: يكون السدس موفرا، والباقي للجيش ولأسباب الملك. قال: قد اقتصرت منك على هذا، فشكره وانصرف. فلما أصبح الصباح وطلعت الشمس، أقبل جيش الصين حتى طبق الأرض كثرة، وأحاط بجيش الاسكندر، حتى خافوا الهلاك، فتواثبوا إلى خيولهم فركبوها واستعدوا، فبينما هم كذلك، إذ ظهر ملك الصين على فيل عظيم وعليه التاج، فلما رأى الاسكندر، ترجل ومشى إليه، وقبل الأرض بين يديه، فقال الاسكندر: أغدرت؟ قال: لا والله. فقال: ما هذا الجيش؟ قال: أردت أن أعلمك أني لم أطعك من قلة ولا ضعف، وأن ترى هذا الجيش، وما غاب عنك أكثر منه، لكني رأيت العالم الأكبر مقبلا عليك ممكنا لك، ممن هو أقوى مني ومنك، وأكثر عددا، فعلمت أنه من حارب الاله غلب وقهر، فأردت طاعته بطاعتك، والذلة لأمره بالذلة لك. فقال له الاسكندر: ليس ينبغي أن يؤخذ من مثلك شيء، وما رأيت أحدا يستحق التفضيل والوصف بالعقل غيرك، وقد أعفيتك من جميع ما أردته منك، وأنا منصرف عنك. فقال له ملك الصين: أما إذ فعلت ذلك فإنك لا تخسر، ثم قدم له ملك الصين من الهدايا والتحف والالطاف، أضعاف ما قرره معه، ورحل الاسكندر عنه. قلت: وقد أذكرتني هذه الحكاية، ما حكاه صاحب ابتلاء الأخبار، عن الاسكندر مع ملكة الصين الأقصى، قال: إن الاسكندر لما سار في الأرض، وفتح البلاد سمعت به ملكة الصين، فأحضرت من أبصر صورة الاسكندر، ممن يعرف التصوير، وأمرتهم أن يصوروا صورته، في جميع الصنائع، خوفا منه، فصوروه في البسط والأواني والرقوم، ثم أمرت بوضع ما صنعوه بين يديها، وصارت تنظر لذلك، حتى أثبتت معرفته، فلما قدم عليها الاسكندر ونازل بلدها، قال الاسكندر للخضر يوما: قد خطر لي شيء أقوله لك، قال: وما هو؟ قال: أريد أن أدخل هذه البلدة متنكرا، وأنظر كيف يعمل فيها؟ قال: افعل ما بدا لك. فلما دخلها الاسكندر، نظرت إليه الملكة من حصنها، فعرفته بالصور التي عندها، فأمرت باحضاره فلما مثل بين يديها، أمرت به فوضع في مطمورة، لا يعرف الليل فيها من النهار، فبقي فيها ثلاثة أيام لا يأكل ولا يشرب، حتى كادت قوته أن تسقط، واختبط عسكره لأجل غيبته، والخضر يسكنهم ويسليهم، فلما كان اليوم الرابع، مدت ملكة الصين سماطا نحو مائة ذراع، ووضعت فيه أواني الذهب والفضة والبلور، وملأت أواني الذهب باللؤلؤ والزبرجد، وأواني الفضة بالدر والياقوت الأحمر والأصفر، وأواني البلور بالذهب والفضة، وما في ذلك شيء يؤكل، إلا أنه مال لا يعلم قدره إلا الله تعالى. وأمرت فوضع في أسفل السماط، صحن فيه رغيف من خبز البر وشربة من الماء، وأمرت باخراج الاسكندر، وأجلسته على رأس السماط، فنظر إليه فأبهره ذلك! وأخذت تلك الجواهر ببصره ولم ير فيه شيئا للأكل، ثم نظر فرأى في أدنى السماط إناء فيه طعام، فقام من مكانه ومشى إليه وجلس عنده، وسمى وأكل، فلما فرغ من أكله، شرب من الماء

стр. 828

كفايته، ثم حمد الله تعالى وقام وجلس مكانه أولا، فخرجت عليه، فقالت له: يا سلطان بعد ثلاثة أيام أما صد عنك هذا الذهب والفضة والجوهر سلطان الجوع؟ وقد أغناك عن هذا كله ما قيمته درهم واحد؟ فمالك والتعرض إلى أموال الناس، وأنت بهذه المثابة؟ فقال لها الاسكندر: لك بلادك وأموالك، ولا بأس عليك بعد اليوم، فقالت له: أما إذا فعلت هذا فإنك لا تخسر، ثم إنها قدمت له جميع ما كانت قد أحضرته، وكان شيئا يحير الناظر، ويذهل الخاطر، ومن المواشي شيئا كثيرا. فنزل إلى عسكره، وقبل هديتها ورحل عنها. وذكر غيره أنه كان في الهدية ثلاثمائة فيل، وأنه دعاها إلى الله تعالى فآمنت وآمن أهل مملكتها. غريبة : ذكر صاحب النشوان أن خارجيا خرج على ملك الهند، فأنفذ إليه الجيوش، فطلب الأمان فأمنه فسار الخارجي إلى الملك، فلما قرب من بلد الملك، أمر الملك الجيش بالخروج إلى لقائه، فخرج الجيش بآلات الحرب، وخرجت العامة تنتظر دخوله، فلما أبعدوا في الصحراء، وقف الناس ينتظرون قدوم الرجل، فأقبل وهو راجل في عدة رجال، وعليه ثوب ديباج ومئزر في وسطه، جريا على زي القوم، فتلقوه بالإكرام، ومشوا معه حتى انتهى إلى فيلة عظيمة، قد أخرجت للزينة، وعليها الفيالون، وفيها فيل عظيم يختصه الملك لنفسه، ويركبه في بعض الأوقات، فقال له الفيال لما قرب منه: تنح عن طريق فيل الملك، فلم يبد له جوابا، فأعاد عليه القول، فلم يبد له جوابا، فقال له: يا هذا احذر على نفسك وتنح عن طريق فيل الملك، فقال له الخارجي: قل لفيل الملك يتنحى عن طريقي، فغضب الفيال وأغرى الفيل به بكلام كلمه به، فغضب الفيل وعدا إلى الخارجي، ولف خرطومه عليه، وشاله الفيل شيلا عظيما، والناس يرونه ثم خبط به الأرض، فإذا هو قد وقع منتصبا على قدميه قابضا على خرطوم الفيل، فزاد غضب الفيل فشاله الثانية، أعظم من الأولى، وعدا ثم رمى به الأرض فإذا هو قد حصل مستويا على قدميه، منتصبا قابضا على الخرطوم، ولم ينح يده عنه فشاله الفيل الثالثة، وفعل به مثل ذلك فحصل على الأرض منتصبا قابضا على الخرطوم، وسقط الفيل ميتا، لأن قبضه على الخرطوم تلك المدة منعه من التنفس فقتله. فأخبر الملك بذلك، فأمر بقتله، فقال له بعض وزرائه: يجب أيها الملك أن يستبقى مثل هذا، ولا يقتل فإن فيه جمالا للمملكة، ويقال إن للملك خادما، قتل فيلا بقوته وحيله، من غير سلاح، فعفا عنه واستبقاه. وذكر الطّرطوشي «١» وغيره أن الفيل دخل دمشق، في زمن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، فخرج أهل الشام لينظروه لأنهم لم يكونوا رأوا الفيل قبل ذلك، وصعد معاوية سطح القصر للفرجة، فلاحت منه التفاتة، فرأى رجلا مع بعض حظاياه في بعض حجر القصر، فنزل مسرعا إلى الحجرة، فطرق بابها فقيل: من؟ قال: أمير المؤمنين، ففتح الباب، إذ لا بد من فتحه طوعا أو كرها، فدخل أمير المؤمنين معاوية فوقف على رأس الرجل وهو منكس رأسه، وقد خاف خوفا عظيما، فقال له معاوية: يا هذا ما الذي حملك على ما صنعت من دخولك قصري،

стр. 829

وجلوسك مع بعض حرمي؟ أما خفت نقمتي؟ أما خشيت سطوتي؟ أخبرني يا ويلك، ما الذي حملك على ذلك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، حملني على ذلك حلمك. فقال له معاوية: أرأيت إن عفوت عنك تسترها علي، فلا تخبر بها أحدا؟ قال: نعم. فعفا عنه ووهب له الجارية، وما في حجرتها وكان شيئا له قيمة عظيمة. قال الطرطوشي: فانظر إلى هذا الدهاء العظيم والحلم الواسع كيف طلب الستر من الجاني انتهى. فائدة : لما كان أول المحرم سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة من تاريخ ذي القرنين، وكان النبي ﷺ يومئذ حملا في بطن أمه، حضر أبرهة الأشرم ملك الحبشة يريد هدم الكعبة، وكان قد بنى كنيسة بصنعاء، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من بني كنانة، فقعد فيها ليلا فأغضبه ذلك، وحلف ليهدمن الكعبة، فخرج ومعه جيش عظيم، ومعه فيله محمود، وكان قويا عظيما، واثنا عشر فيلا غيره، وقيل: ثمانية. فلما بلغ المغمس، وهو على ثلثي فرسخ من مكة، مات دليلة أبو رغال هناك، فرجمت العرب قبره. والناس يرجمونه إلى الآن. وروى أبو علي بن السكن، في سننه الصحاح، أن النبي ﷺ كان إذا كان بمكة، وأراد أن يقضي حاجة الإنسان، خرج إلى المغمس. ثم إن أبرهة بعث خيلا له إلى مكة، فأخذت مائتي بعير لعبد المطلب، فهم أهل الحرم بقتاله، ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به فتركوه. وبعث أبرهة إلى أهل مكة يقول لهم: إني لم آت لحربكم وإنما جئت لهدم هذا البيت، فإن لم تتعرضوا دونه بحرب، فلا حاجة لي بدمائكم! فقال عبد المطلب لرسوله: والله لا نريد حربه، وما لنا من حاجة، هذا بيت الله وبيت خليله ابراهيم ﷺ فهو يحميه ممن يريد هدمه. ثم خرج عبد المطلب إلى أبرهة، وكان عبد المطلب جسيما وسيما ما رآه أحد إلا أحبه، وكان مجاب الدعوة، فقيل لأبرهة: هذا سيد قريش الذي يطعم الناس في السهل، ويطعم الوحش والطير في رؤوس الجبال، فلما رآه أجله وأجلسه معه على سريره. ثم قال لترجمانه: قل له: سل حاجتك. فقال: حاجتي أن يرد الملك علي مائتي بعير أصابها لي. فلما قال ذلك، قال له أبرهة: قل له: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم زهدت فيك حين كلمتني! أتكلمني في مائتي بعير وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه فلم تكلمني فيه؟ فقال عبد المطلب: إني أنا رب الإبل وإن للبيت ربا سيمنعه منك. قال أبرهة: ما كان ليمتنع مني. فقال عبد المطلب: أنت وذاك. فرد أبرهة على عبد المطلب إبله، ثم انصرف إلى قريش فأخبرهم الخبر، وأمرهم بالخروج من مكة إلى الجبال والشعاب، ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة ودعا الله تعالى ثم قال «١» : لا همّ أن المرء يمنع ... رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك

стр. 830

ثم أرسل حلقة الباب، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى الجبال، ينظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا دخلها، فحينئذ جاءت قدرة الواحد الأحد القادر المقتدر، فأصبح أبرهة متهيئا لدخول مكة وهدم البيت، وقدم فيله محمودا أمام جيشه، فلما وجه الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب، كذا في سيرة ابن هشام. وقال السهيلي: نفيل بن عبد الله بن جزء بن عامر بن مالك، فأخذ بأذن الفيل وقال: ابرك محمودا وارجع راشدا فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل فضربوه بالحديد حتى أدموه ليقوم فأبى! فوجهوه إلى اليمن فقام يهرول، فوجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، فوجهوه إلى مكة فبرك. فعند ذلك أرسل الله تعالى عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فتساقطوا بكل طريق، وهلكوا على كل منهل، وأصيب أبرهة حتى تساقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع قلبه عن صدره، وانفلت وزيره وطائر يحلق فوقه، حتى بلغ النجاشي، فقص عليه القصة، فلما أتمها وقع عليه الحجر، فخر ميتا بين يديه. وإلى هذه القصة أشار النبي ﷺ بقوله في الحديث «١» الصحيح: «إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين» . وفي صحيح «٢» البخاري وسنن أبي داود والنسائي، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم رضي الله تعالى عنهما، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية، حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل فألحت، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل» . الخلاء في الإبل كالحران في الخيل، والمعنى في التمثيل بحبس الفيل أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم، وأريق فيه دماء وكان منه الفساد ولعل الله قد سبق في علمه، ومضى في قضائه، أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار، وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون، فلو استبيحت مكة لانقطع ذلك النسل وتعطلت تلك العواقب والله أعلم. قيل: كان أبرهة المذكور جد النجاشي الذي كان في زمن النبي ﷺ ، وكان مولد رسول الله ﷺ عام الفيل، بعد هلاك أصحاب الفيل بخمسين يوما، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: رأيت قائد الفيل وسائسه أعميين مقعدين يستطعمان الناس بمكة. وروي أن عبد الملك بن مروان، قال لقباث بن أشيم الكناني: يا قباث أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ؟ فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني، وأنا أسن منه، ولد ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمي على روث الفيل وهو أخضر، وأنا أعقله. قال السهيلي: قوله فبرك الفيل، فيه نظر، لأن الفيل لا يبرك، فيحتمل أن يكون فعل فعل البارك، الذي يلزم موضعه، ولا يبرح، فعبر بالبروك عن ذلك. ويحتمل أن يكون بروكه سقوطه إلى الأرض، لما دهمه من أمر الله .

стр. 831

قال: وقد سمعت من يقول: إن في الفيلة صنفا يبرك كما يبرك الجمل، فإن صح، وإلا فتأويله كما قدمناه. قال: وقول عبد المطلب: لا هم ... الخ. إن العرب تحذف الألف واللام من اللهم وتكتفي بما بقي. والحلال متاع البيت، وأراد به سكان الحرم. ومعنى محالك كيدك وقوتك. والكنيسة التي بناها أبرهة بصنعاء تسمى القليس، مثل القبيط سميت بذلك لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرؤوس، يقال: تقلس الرجل وتقلنس إذا لبس القلنسوة، وتقلس طعاما إذا ارتفع من معدته إلى فيه. وكان أبرهة قد استذل أهل اليمن في بنائها، وكلفهم فيها أنواعا من السخر وكان ينقل إليها الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب والفضة، من قصر بلقيس صاحبة سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام، وكان من موضع هذه الكنيسة على فراسخ، ونصب فيها صلبانا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والآبنوس، وكان يشرف منها على عدن. وكان حكمه في العامل فيها إذا طلعت عليه الشمس، قبل أن يعمل قطع يده، فنام رجل من العمال ذات يوم حتى طلعت الشمس، فجاءت أمه معه، وهي امرأة عجوز، فتضرعت إليه تستشفع لابنها، فأبى إلا قطع يده، فقالت: اضرب بمعولك اليوم، فاليوم لك وغدا لغيرك! فقال: ويحك ما قلت؟ قالت: نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك، فهو خارج عن يدك بمثل ما صار إليك! فأخذته موعظتها، وعفا عن ولدها وأعفى الناس من السخر فيها. فلما هلك ومزقت الحبشة كل ممزق، أقفر ما حول هذه الكنيسة، وكثر حولها السباع والحيات، وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن، فبقيت من ذلك العهد بما فيها من العدد والخشب المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير مقنطرة من الأموال إلى زمن أبي العباس السفاح. فذكروا له أمرها وما يتهيب من جنها، فلم يرعه ذلك، وبعث إليها أبا العباس بن الربيع عامله على اليمن، ومعه أهل الحزم والجلادة، فخربها واستأصلها، وحصل منها مالا كثيرا، وباع منها ما أمكن بيعه من رخامها وآلاتها. فخفي بعد ذلك رسمها وانقطع خبرها ودرست آثارها. وكان الذي يصيبهم من الجن، ينسبونه إلى كعيب وامرأته وهما صنمان كانت الكنيسة بنيت عليهما، فلما كسر كعيب وامرأته، أصيب الذي كسرهما بالجذام، فافتتن بذلك رعاع اليمن وطغامهم، وذكر أبو الوليد الأزرقي أن كعيبا كان من خشب وكان طوله ستين ذراعا. وإلى قصة أبرهة أشرت بقولي في المنظومة في أول كتاب السير: فجاءهم أبرهة بالفيله ... وبجيوش أقبلت محتلفه وأمهم في عسكر كالليل ... مستظهرا برجله والخيل وقد أتى الأسود نحو الحرم ... واستاق ما كان به من نعم فأم ذاك الوقت عبد المطلب ... أبرهة والسعي في الخير طلب فمذ رأى أبرهة وجها سما ... مهابة عظمه ربّ السما انحطّ عن سريره منهبطا ... وقعدا على بساط بسطا وقال: سل ما شئت من أمور ... فقال رد مائتي بعير

стр. 832

قد أخذت من جملة الأموال ... فقال: قد هونت في السؤال لو قلت لي لا تهدمن البيتا ... وارجع وعد من حيثما أتيتا قابلت ما قلت بالامتثال ... من غير إمهال ولا إهمال فقال: هذي إبلي وهذا ... بيت له خالقه أعاذا لا أسأل اليوم سواء فيه ... إن له ربا علا يحميه ثم أتى شيبة باب الكعبة ... فقال: إذ يسأل فيه ربه يا ربّ لا أرجو لهم سواكا ... يا ربّ فامنع عنهم حماك إنّ عدوّ البيت من عاداك ... فامنعهم أن يخربوا قراكا فأجلبوا برجلهم والخيل ... وأقبلوا كقطع من ليل محموده من فوقه مذموم ... بهيمة سواده بهيم يروم هدم البيت ذي الأركان ... وقتل ما فيه من السكان ويستحلّ الجرم المعظما ... ويستبيح البلد المحرما فقام يدعو الله عبد المطلب ... بدعوات جيشهن ما غلب في يده حلقته الوثقى التي ... ما خاب من أمسكها في أزمة فأنجز الله له ما طلبه ... وأنجح الربّ العظيم مطلبه وفيلهم محمود ليل داج ... وكان يكنى بأبي الحجاج وقال قوم بأبي العباس ... وكان معروفا بعظم الباس أمسكه بأذنه نفيل ... قال له وشاع هذا القيل: ابرك أو ارجح راشدا محمود ... فإنّ هذا بلد محمود فأوجعوه بالحديد ضربا ... للسير نحو البيت وهو يأبى وأن يوجه لسواه يبتدر ... ثم عليه أحد لم يقتدر فأرسل الله على الذي فجر ... طيرا أبابيل رمت جنس الحجر مهيئا للقوم من سجّيل ... فهم كعصف بعدها مأكول والملك المطاع عضوا عضوا ... مزّق ثم لم ينل مرجوا وكان عام الفيل عام المولد ... لأحمد خير الورى محمد فائدة أخرى : إذا دخل إنسان على من يخاف شره فليقرأ: كهيعص حم عسق، وعدد حروف الكلمتين عشرة، يعقد لكل حرف أصبعا من أصابعه، يبدأ بإبهام يده اليمنى، ويختم بإبهام يده اليسرى، فإذا فرغ عقد جميع الأصابع، قرأ في نفسه سورة الفيل، فإذا وصل إلى قوله تعالى تَرْمِيهِمْ «١» كرر لفظ ترميهم عشر مرات، يفتح في كل مرة إصبعا من الأصابع المعقودة، فإذا فعل ذلك، أمن شره وهو عجيب مجرب.

стр. 833

ومن الفوائد المجربة : ما أفادنيه بعض أهل الخير والصلاح، أن من قرأ سورة الفيل، ألف مرة، في كل يوم مائة مرة، عشرة أيام متوالية، ويقصد من يريده بالضمائر، وفي اليوم العاشر، يجلس على ماء جار، ويقول: اللهم أنت الحاضر المحيط بمكنونات الضمائر، اللهم عزّ الظالم وقل الناصر، وأنت المطلع العالم، اللهم إنّ فلانا ظلمني وأذاني، ولا يشهد بذلك غيرك، اللهم إنك مالكه فأهلكه، اللهم سربله سربال الهوام، وقمصه قميص الردى، اللهم اقصفه. يكرر هذه اللفظة عشر مرات، ثم يقول: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ، وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ «١» فإن الله يهلكه ويكفيه شره. وهو سر لطيف مجرب. وروي أن عمرو بن معد يكرب «٢» رضي الله تعالى عنه حمل يوم القادسية على رستم، وهو الذي كان قدمه يزدجرد ملك الفرس يوم القادسية على قتال المسلمين، فاستقبل عمرو رستم وكان رستم على فيل عظيم، فحذف عمرو قوائمه بضربة، فسقط رستم وسقط الفيل عليه، مع خرج كان عليه، فيه أربعون ألف دينار، فقتل رستم وانهزمت العجم. وهذه الضربة لم يسمع بمثلها في الجاهلية ولا في الإسلام. وروي أن الروم حملت القوائم المذكورة، وعلقوها في كنيسة لهم. فكانوا إذا عيروا بانهزام، يقولون: لقينا قوما هذه ضربتهم، فيترجل أبطال الروم فيرونها، ويتعجبون من ذلك. وذكر أبو العباس المبرد، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال يوما: من أجود العرب؟ قيل له: حاتم. قال: فمن فارسها؟ قيل: عمرو بن معد يكرب. قال: فمن شاعرها؟ قيل: امرؤ القيس. قال: فأي سيوفها أمضى؟ قيل: صمصامة عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه. وأفاد السهيلي أن صمصامة عمرو بن معد يكرب كانت حديدة، وجدت عند الكعبة، من دفن جدهم أو غيره، وأن ذا الفقار سيف رسول الله ﷺ ، كان من تلك الحديدة أيضا. قال: وإنما سمي ذا الفقار لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، وكان قبله ﷺ للعاص بن منبه، سلبه منه يوم بدر. الحكم : يحرم أكل الفيل على المشهور، وعلله في الوسيط، بأنه ذو ناب مكادح أي مغالب مقاتل. وفي وجه شاذ حكاه الرافعي عن أبي عبد الله البوشنجي، وهو من أئمة أصحابنا أنه حلال. وقال الإمام أحمد: ليس الفيل من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: وهو منسوخ، وكرهه أبو حنيفة، ورخص في أكله الشعبي، ويصح بيعه لأنه يحمل عليه ويقاتل به وعليه، وراكبه يرضخ له من الفيء أكثر من راكب البغل. ولا يطهر الفيل عندنا بالذبح، ولا يطهر عظمه بالتنقية، سواء أخذ منه بعد ذكاته، أو بعد موته، ولنا وجه شاذ أن عظام الميتة طاهرة، وهو قول أبي حنيفة، ومن وافقه لكن المذهب نجاستها مطلقا. وعند مالك أن عظمه يطهر بصقله، كما تقدم في باب السين المهملة، في لفظ السلحفاة. ولا

стр. 834

يجوز بيعه ولا يحل ثمنه، وبهذا قال طاوس وعطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز ومالك وأحمد. وقال ابن المنذر: خص فيه عروة بن الزبير وابن سيرين وابن جريج. وفي الشامل أن جلد الفيل لا يؤثر فيه الدباغ لكثافته. وفي صحة المسابقة على الفيل وجهان: وقيل قولان أصحهما أنها تصح لما روى الشافعي وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان، وصححه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل» «١» والسبق بفتح الباء ما يجعل للسابق على سبقه من جعل، وجمعه أسباق، وأما السبق بإسكان الباء، فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه، والرواية الصحيحة في هذا الحديث لا سبق بفتح الباء، وأراد به أن الجعل والعطاء لا يستحق إلا في سباق الخيل والإبل والنصال، لأن هذه الأمور عدة في قتال العدو، وفي بذل الجعل عليها ترغيب في الجهاد ولم يذكر الشافعي الفيل، وقال أبو اسحاق: تجوز المسابقة عليه لأنه يلقي عليه العدو كما يلقي على الخيل، ولأنه ذو خف والصورة النادرة تدخل في العموم، على الأصح عند الأصوليين. ومن الأصحاب من قال: لا تصح المسابقة عليه، وبه قال أحمد وأبو حنيفة، لأنه لا يحصل الكر والفر عليه، فلا معنى للمسابقة عليه، فإن قال قائل: فالإبل كالفيل في هذا المعنى، فالجواب أن العرب تقاتل على الإبل أشد القتال، وذلك لهم عادة غالبة والفيل ليس كذلك. ومن قال بالأول، قال: إنه يسبق الخيل في بلاد الهند والله أعلم. تذنيب : في سنة تسعين وخمسمائة سار نيارس أكبر ملوك الهند، وقصد بلاد الإسلام فطلبه الأمير شهاب الدين الغوري صاحب غزنة، فالتقى الجمعان على نهر ماجون، قال ابن الأثير: وكان مع الهندي سبعمائة فيل ومن العسكر ألف ألف نفس، فصبر الفريقان، وكان النصر لشهاب الدين الغوري، وكثر القتل في الهنود حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدين تسعين فيلا، وقتل ملكهم نيارس، وكان قد شد أسنانه بالذهب، فما عرف إلا بذلك. ودخل شهاب الدين بلاد نيارس، وأخذ من خزائنه ألفا وأربعمائة حمل من المال، وعاد إلى غزنة. قال: وكان من جملة الفيلة التي أخذها شهاب الدين الغوري فيل أبيض، حدثني بذلك من رآه انتهى. الأمثال : قالوا: «آكل «٢» من فيل وأشد «٣» من فيل وأعجب من خلق فيل» . روي أنه كان في مجلس الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، جماعة يأخذون عنه العلم، فقال قائل: قد حضر الفيل، فخرج أصحابه كلهم للنظر إليه إلا يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، فإنه لم يخرج، فقال له مالك: لم لم تخرج لترى هذا الخلق العجيب فإنه لم يكن ببلادك؟ فقال: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجىء لأنظر إلى الفيل. فأعجب به مالك رضي الله تعالى عنه، وسماه عاقل أهل الأندلس، ثم إن يحيى عاد إلى الأندلس، وانتهت إليه الرياسة بها. وبه اشتهر مذهب مالك في تلك البلاد، وأشهر روايات الموطأ وأحسنها رواية يحيى وكان معظما

стр. 835

عند الأمراء، وكان مجاب الدعوة. توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين، وقبره بمقبرة ابن عباس بظاهر قرطبة يستسقى به. ونظير هذه الحكاية ما اتفق لأبي عاصم النبيل، واسمه الضحاك بن مخلد بن الضحاك، فإنه كان بالبصرة فقدمها فيل، فذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: ما لك لا تخرج تنظر إلى الفيل؟ فقال: لأني لا أجد منك عوضا! فقال له: أنت النبيل. فكان إذا أقبل، يقول ابن جريج: جاء النبيل. قال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عقلت أن الغيبة حرام، ما اغتبت أحدا قط. وقالوا: «أثقل من فيل» . قال «١» الشاعر: أنت يا هذا ثقيل ... وثقيل ثقيل أنت في المنظر إنسان ... وفي الميزان فيل الخواص : من سقي من وسخ أذن الفيل ينام سبعة أيام، ومرارته يطلى بها البرص ويترك ثلاثة أيام، فإنه يذهب. وعظمه يعلق على رقاب الصبيان يدفع عنهم الصرع، وإذا علق العاج، الذي هو عظمه، على شجرة لم تثمر تلك السنة. وإذا بخر الكرم والزرع والشجر بعظمه لم يقرب ذلك المكان دود، وإن دخن به في بيت فيه بق مات البق. ومن سقي من نشارة العاج في كل يوم، وزن درهمين بماء وعسل جاد حفظه، وإن شربتها المرأة العاقر سبعة أيام، ثم جومعت بعد ذلك حبلت بإذن الله تعالى. وجلده إذا شد منه قطعة على من به حمى نافض تزول عنه، وإذا نام عليه صاحب التشنج يزول عنه، وإذا أحرق زبله وسحق بعسل وطلي به الأجفان التي سقط شعرها نبت، وإذ شربت المرأة بوله، وهي لا تعلم، ثم جومعت لم تحبل. وزبله إذا علق عليها لم تحبل أيضا، ما دام عليها. ودخان جلده يبرىء البواسير. التعبير : الفيل في المنام ملك أعجمي مهاب، بليد القلب حامل الأثقال عارف بالحرب والقتال، فمن ركب فيه فيلا أو ملكه أو تحكم عليه، اتصل بسلطان ونال منه منزلة سنية، وعاش عمرا طويلا في عز ورفعة، وقيل: إن الفيل رجل ضخم أعجمي، فمن ركب فيلا وكان ذا طوع له، فإنه يقهر رجلا ضخما أعجميا شحيحا. ومن ركب فيلا في نومه بالنهار فإنه يطلق زوجته، لأنه كان في الزمن المتقدم في بلاد الفيلة من طلق زوجته أركب فيلا، وطيف به حتى يعلم الناس، ومن ركب من الملوك فيلا وهو في حرب فإنه يهلك لقوله «٢» تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ إلى آخر السورة، ومن ركب فيلا بسرج، تزوج بنت رجل ضخم أعجمي، وإن كان تاجرا عظمت تجارته، ومن افترسه فيل نزلت به آفة من سلطان، وإن كان مريضا مات ومن رعى فيلة فإنه يواخي ملوك العجم وينقادون له، ومن حلب فيلة فإنه يمكر برجل أعجمي. وينال منه مالا، وقالت اليهود: الفيل في المنام ملك كريم لين الجانب ذو مدارة صبور، ومن ضربه فيل بخرطومه نال خيرا، ومن ركبه نال وزارة وولاية، ومن أخذ شيئا من ورثة استغنى. ويدل أيضا على قوم صالحين. وقيل: من يرى الفيل يرى أمرا شديدا، ثم ينجو منه. وقالت النصارى: من رأى فيلا ولم يركبه أصابه نقصان في بدنه أو خسران في ماله. ومن رأى فيلا

стр. 836

مقتولا في بلدة، مات ملكها، أو يقتل رجل مذكور. ومن قتل فيلا قهر رجلا أعجميا، ومن ألقاه الفيل تحته ولم يفارقه، فإنه يموت، وإذا رؤي الفيل في غير بلاد النوبة، فإنه يدل على فتنة، وذلك لقبح لونه وسماجته. وإن رؤي في البلاد التي يوجد فيها فهو رجل من أشراف الناس. والمرأة إذا رأت الفيل فلا يحمد لها ذلك، على أي صفة رأته. وتعبر الفيلة بالسنين كالبقر، وخروج الفيل من بلد فيه طاعون دليل خير لهم وزوال الطاعون عنهم، وإذا ركب الفيل في بلد فيه بحيرة فهو ركوب سفينة، والله تعالى أعلم. فصل في فضل العقل وزينه، وقبح الجهل وشينه: قال بعض الحكماء: العقل ما عقل به عن السيئات، وحض القلب على الحسنات، والعقل معقل عن الدنيات، ونجاة من المهلكات، والنظر في العواقب قبل حلول المصائب، والوقوف عند مقادير الأشياء، قولا وفعلا، لقوله «١» ﷺ : «أعقلها وتوكل» . وقد أجمع الحكماء والعلماء والفقهاء، أن جميع الأمور كلها، قليلها وجليلها، محتاجة إلى العقل، والعقل محتاج إلى التجربة، وقالوا: العقل سلطان وله جنود، فرأس جنوده التجربة، ثم التمييز ثم الفكر ثم الفهم ثم الحفظ ثم سرور الروح، لأن به ثبات الجسم والروح سراج نوره العقل. وفي الحديث: «ما قسم الله لعباده خيرا من العقل» وروي أن جبريل ﵊، أتى آدم ﵇ فقال: إني أتيتك بثلاث: فاختر واحدة منها، فقال: وما هي؟ فقال: الحياء والعقل والدين. فقال آدم ﵇: قد اخترت العقل. فخرج جبريل ﵊ إلى الحياء والدين، فقال: ارجعا فقد اختار العقل عليكما. فقالا: إنا أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان. وقال بعضهم: من استرشد إلى طريق الحزم بغير دليل العقل فقد أخطأ منهاج الصواب. والعقل مصباح يكشف به عن الجهالة، ويبصر به الفضل من الضلالة، ولو صور العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صور الجهل لأضاء معه الليل، وما شيء أحسن من عقل زانه أدب، ومن علم زانه ورع، ومن حلم زانه رفق، ومن رفق زانه تقوى. وروي أن جبريل ﵊ أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أتيتك بمكارم الأخلاق كلها في الدنيا والآخرة. فقال: «وما هي» ؟ فقال «٢» : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ، وهو يا محمد عفوك عمن ظلمك، واعطاء من حرمك، وصلة من قطعك، وإحسانك إلى من أساء إليك، واستغفارك لمن اغتابك، ونصحك لمن غشك، وحلمك عمن أغضبك. فهذه الخصال قد تضمنت مكارم الأخلاق، في الدنيا والآخرة. وأنشد بعضهم في معنى ذلك فقال: خذ العفو وأمر بعرف كما ... أمرت وأعرض عن الجاهلين ولن في الكلام لكلّ الأنام ... فمستحسن من ذوي الجاه لين «٣»

стр. 837

ومن طرق العقل الحميدة: القناعة وهي كنز لا يفنى، والصدقة وهي عز باق، وتمام عز الرجل استغناؤه عن الناس. ومن طرقه أيضا الحياء، وقد قيل: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه ومن طرقه أيضا حسن الخلق. روي عنه ﷺ أنه قال: «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» «١» . وروي أن يحيى بن زكريا ﵉ لقي عيسى ابن مريم ﵉ فتبسم عيسى في وجهه، فقال يحيى: ما لي أراك لاهيا كأنك آمن! فقال عيسى: ما لي أراك عابسا كأنك آيس! فقالا: لا نبرح حتى ينزل علينا وحي. فأوحى الله تعالى إليهما: أحبكما إلي أحسنكما خلقا. تتمة : ذكر الغزالي وابن بلبان وغيرهما، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار الندوة، وكان يخرج سحرا فيطوف بالبيت، فخرج ذات ليلة سحرا فبينما هو يطوف، إذ سمع قائلا يقول: اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحق وأهله من الطمع. فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ مسامعه، ثم رجع لدار الندوة، وقال لصاحب الشرطة: إن بالبيت رجلا يطوف فائتني به. فخرج صاحب الشرطة فوجد رجلا عند الركن اليماني، فقال: أجب أمير المؤمنين، فلما دخل عليه، قال: ما الذي سمعتك آنفا تشكو إلى الله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع؟ فو الله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني! فقال له: يا أمير المؤمنين إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله، وامتلأت بلاد الله بذلك بغيا وفسادا أنت! فقال المنصور: ما هذا؟ أو قال: ويحك كيف يدخلني الطمع، والصفراء والبيضاء ببابي، وملك الأرض في قبضتى؟! فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهل دخل أحدا من الطمع ما دخلك؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم، فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، واتخذت بينك وبين رعيتك حجابا من الجص والآجر، وحجبة معهم السلاح، وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفرا استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم، ولا الجائع ولا العاري ولا أحد إلا وله في هذا المال حق! فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، تجمع الأموال ولا تقسمها، قالوا: هذا قد خان الله ورسوله، فما لنا لا نخونه؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أمور الناس إلا ما أرادوا، فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، فإذا جاء المظلوم إلى بابك، وجدك قد أوقفت ببابك رجلا ينظر في مظالم الناس، فإن كان الظالم من بطانتك، علل صاحب المظالم بالمظلوم، وسوّف به من وقت إلى وقت، فإذا جهد وظهرت أنت، صرخ بين يديك، فيضرب ضربا شديدا ليكون نكالا لغيره! وأنت ترى ذلك ولا تنكر، ولقد كانت الخلفاء قبلك، من بني أمية، إذا انتهت إليهم الظلامة أزيلت في الحال. ولقد كنت أسافر الصين يا أمير المؤمنين فقدمته مرة، فوجدت الملك الذي به قد فقد سمعه فبكى، فقال له وزراؤه: ما يبكيك أيها الملك لا أبكى الله لك عينا؟ فقال: والله ما بكيت لمصيبة

стр. 838

نزلت بي، وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب، فلا أسمع صوته. ثم قال: إن كان سمعي قد ذهب فإن بصري لم يذهب، نادوا في الناس أن لا يلبس أحدا ثوبا أحمر إلا مظلوما. وكان يركب الفيل طرفي النهار، ويدور في البلد لعله يجد أحد لابسا ثوبا أحمر، فيعلم أنه مظلوم فينصفه، هذا يا أمير المؤمنين رجل مشرك غلبت رأفته على شح نفسه بالمشركين! فكيف لا تغلب رأفتك على شح نفسك بالمؤمنين وأنت مؤمن بالله وابن عم رسول الله ﷺ ؟! يا أمير المؤمنين: إنما تجمع المال لإحدى ثلاث: إن قلت: إنما أجمع المال للولد، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد، فلم يغن ذلك عنه، بل ربما مات فقيرا ذليلا حقيرا، إذ قد يسقط الطفل من بطن أمه وليس له مال، ولا على وجه الأرض من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه، فلم يزل يلطف الله تعالى بذلك الطفل، حتى تعظم رغبة الناس فيه، ويحوي ما حوته تلك اليد الشحيحة، ولست بالذي تعطي، وإنما الله المعطي. وإن قلت: إنما أجمعه لمصيبة تنزل بي، فقد أراك الله عبرة في الملوك والقرون الذين خلوا من قبلك، ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد. وإن قلت: إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فو الله ما فوق منزلتك إلا منزلة، لا تدرك إلا بالعمل الصالح. فبكى المنصور بكاء شديدا ثم قال: كيف أعمل والعلماء قد فرت مني، والعباد لم تقرب مني، والصالحون لم يدخلوا علي؟ فقال: يا أمير المؤمنين افتح الباب، وسهل الحجاب، وانتصر للمظلوم، وخذ من المال ما حل وطاب، وأقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب منك أن يعود إليك! فقال المنصور: نفعل إن شاء الله تعالى. وجاءه المؤذنون فآذنوه بالصلاة، فقام وصلى. فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده. فقال لصاحب الشرطة: علي بالرجل الساعة فخرج يتطلبه، فوجده عند الركن اليماني، فقال له: أجب أمير المؤمنين. فقال له: ليس إلى ذلك سبيل. فقال: إذا يضرب عنقي! فقال: لا، ولا الى ضرب عنقك من سبيل. ثم أخرج من مزود كان معه رقا مكتوبا، فقال: خذه فإن فيه دعاء الفرج، من دعا به صباحا، ومات من يومه مات شهيدا، ومن دعا به مساء، ومات من ليلته مات شهيدا، وذكر له فضلا عظيما وثوابا جزيلا. فأخذه صاحب الشرطة، وأتى المنصور فلما رآه قال له: ويلك أو تحسن السحر! قال: لا والله يا أمير المؤمنين، ثم قص عليه فأمر المنصور بنقله، وأمر له بألف دينار. وهو هذا: اللهم كما لطفت في عظمتك وقدرتك دون اللطفاء، وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمت ما تحت أرضك كعلمك ما فوق عرشك، فكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك، وعلانية القول كالسر في علمك، فانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل غم وهم أصبحت أو أمسيت فيه فرجا ومخرجا، اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه منك، مما قصرت فيه فصرت أدعوك آمنا، وأسألك مستأنسا، فإنك المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي، فيما بيني وبينك تتودد إلي بالنعم، وأتبغض إليك بالمعاصي، فلم أجد كريما أعطف منك على عبد لئيم مثلي، ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك، فجد اللهم بفضلك وإحسانك علي، إنك أنت الرؤوف الرحيم. وروي أن الرجل المذكور كان الخضر ﵇.

стр. 839

الفينة: طائر يشبه العقاب، إذا خاف البرد انحدر إلى اليمن، قاله ابن سيده. والفينات الساعات يقال لقيته الفينة بعد الفينة، أي الحين بعد الحين، وإن شئت حذفت الألف واللام، فقلت: لقيته فينة بعد فينة، فكأن هذا الطائر لما كان في حين ينحدر إلى اليمن، وفي حين آخر يذهب عنها سمي باسم الزمان. أبو فراس: كنية الأسد، يقال: فرس الأسد فريسته يفرسها فرسا وافترسها، أي دق عنقها وأصل الفرس هذا ثم كثر حتى قيل لكل قتل فرس، وبه سمي أبو فراس بن حمدان، أخو سيف الدولة بن حمدان، وكان ملكا جليلا وشاعرا مجيدا حتى قيل: بدىء الشعر بملك، وختم بملك: بدىء بامرىء «١» القيس واسمه حندج، وختم بأبي فراس «٢» . ونظير ذلك قولهم: بدئت الرسائل بعبد الحميد «٣» ، وختمت بابن العميد «٤» والله تعالى أعلم. باب القاف القادحة: الدودة، يقال: قدح الدود في الأسنان والشجر قدحا. قاله الجوهري. القارة: الدبة. القارية: كسارية، هذا الطائر القصير الرجلين، الطويل المنقار، الأخضر الظهر، تحبه العرب وتتيمن به، ويشبهون به الرجل السخي. وهي مخففة قال الشاعر: أمن ترجيع قارية تركتم ... سباياكم وأبتم بالعناق قال ابن الأعرابي: معنى البيت أفزعتم لما سمعتم ترجيع هذا الطائر وتركتم سباياكم ورجعتم بالخيبة؟ فالعناق هنا الخيبة، والجمع القواري. قال يعقوب: والعامة تقول: قاريّة بالتشديد. كذا قاله الجوهري. وقال البطليوسي، في الشرح: العرب تتيمن بالقواري وتتشاءم بها، فأما تيمنهم بها فإنها تبشر بالمطر، إذا جاءت. والسماء خالية من السحاب. قال النابغة الجعدي «٥» : ولا زال يسقيها ويسقي بلادها ... من المزن زحاف يسوق القواريا وأما تشاؤمهم بها، فإن أحدهم إذا لقي منها واحدة من غير غيم ولا مطر خاف ورجع. وقال ابن سيده: القاريّة طير خضر يحبها الأعراب، ويشبهون الرجل السخي بها، وذلك لأنها تنذر بالمطر.

стр. 840

قال بعضهم: ومن ذلك قول النبي ﷺ : «الناس قواري الله في الأرض» . أي شهوده، لأن بعضهم يتبع أحوال بعض، فإذا شهدوا الإنسان بخير أو شر فقد وجب، والقواري واحدها قار وهو جمع شاذ. قلت: ويدل لصحة هذا المعنى قوله ﵊: «أنتم شهداء الله في الأرض» «١» . وحكمه ا : الحل لأن العرب كانت تأكلها، قاله الصيمري وغيره، وقالوا في كتاب الحج: الحمام يفدى بشاة، وما دونه من القواري وغيرها يفدى بالقيمة. وهذا دليل على حل أكلها، وتصريح بأن القارية ليست من الحمام. وكلام أهل اللغة لا يساعده. فقد قال ابن السكيت، في إصلاح المنطق: القواري طيور خضر لها ترجيع. وقد تقدم تفسير هدير الحمام بالترجيع في صوته، وتقدم أن غير الحمام يشاركه في اللعب وإذا كان غير الحمام يشاركها في اللعب ألغى اعتباره، ووجب اعتبار الهدير وهو الترجيع، فوجب أن تكون القارية من الحمام، وأنها تفدى بشاة دون القيمة، كسائر الحمام وللنظر في هذا التعارض مجال. القاق: طائر مائي طويل العنق. وحكمه : حل الأكل كما تقدم. القاقم: دويبة تشبه السنجاب، إلا أنه أبرد منه مزاجا وأرطب، ولهذا هو أبيض يقق، ويشبه جلده جلد الفنك، وهو أعز قيمة من السنجاب. وحكمه : الحل لأنه من الطيبات. القانب: الذئب العواء والمقانب الذئاب الضاربة، وقد تقدم لفظ الذئب في باب الذال المعجمة. القاوند: طائر يتخذ وكره على ساحل البحر، ويحضن بيضه سبعة أيام في الرمل، ويخرج أفراخه في اليوم السابع، ثم يزقها سبعة أيام أيضا، والمسافرون في البحر يتيمنون بهذه الأيام، ويوقنون بطيب الوقت وحلول أوان السفر. وقيل: إن الله تعالى إنما يمسك البحر عن هيجانه في زمن الشتاء، عن بيض هذا الطائر وفراخه، لبره بأيويه، عند كبرهما، وذلك أنهما إذا كبرا حمل إليهما قوتهما، وعالهما حياتهما إلى أن يموتا. وهذا الطائر المتخذ منه شحم القاوند المعروف، وهو يقيم المقعد ويحلل البلاغم المزمنة. وفي المفردات: دهن القاوند معروف كالسمن، يؤتى به من بلاد اليمن، ومن الحبشة والهند، ويقال إنه يستخرج من ثمر شجرة كالجوز، ويطحن في المعاصر، ويستخرج، ينفع الأمراض الباردة وأوجاع الأعصاب. القبج: بفتح القاف وإسكان الباء الموحدة، وبالجيم في آخره، واحدة قبجة الحجل، والقبجة اسم جنس يقع على الذكر والأنثى، حتى تقول: يعقوب، فيختص بالذكر، وكذلك

стр. 841

الدراجة حتى تقول حيقطان، والبومة حتى تقول صدي أوفياد، والحبارى حتى تقول خرب، وكذا النعامة حتى تقول ظليم، والنحلة حتى تقول يعسوب، ومثله كثير. وقال كراع في المجرد: القبج فارسي معرب، لأن القاف والجيم أو الكاف لا يجتمعان في كلام العرب، كالجوالق وجلق والقبج والكليجة وهو مكيال صغير، وما كان نحو ذلك. وفراخ القبج تخرج كما الفراريج، كما تقدم، وإناثه تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر يوصف بالقوة على السفاد، كما يوصف الديك والعصفور، ولكثرة سفاده يقصد موضع البيض، فيكسره لئلا تشتغل الأنثى بحضنه عنه، ولهذا، الأنثى إذا أتى أوان بيضها، تهرب وتختبىء رغبة في الفراخ، وهي إذا هربت بهذا السبب ضاربت الذكور بعضها بعضا، وكثر صياحها، ثم إن المقهور يتبع القاهر، ويسفد القوي الضعيف، والقبج يغير أصواته بأنواع شتى، بقدر حاجته إلى ذلك، ويعمر خمس عشرة سنة، ومن عجيب أمرها ما حكاه القزويني: أنها إذا قصدها الصياد، خبأت رأسها تحت الثلج، وتحسب أن الصياد لا يراها، وذكورها شديدة الغيرة على إناثها، والأنثى تلقح من رائحة الذكر، وهذا النوع كله يحب الغناء والأصوات الطيبة، وربما وقعت من أوكارها عند سماع ذلك فيأخذها الصياد. وحكمها : حل الأكل لأنها من الطيبات. الخواص : قال عبد الملك بن زهر: مرارة الذكر منها، إذا اكتحل بها تنفع من نزول الماء، وإن خلطت مع ماء الرازيانج واكتحل بها أبرأت من العشى بالليل، وشحمه ينفع السكتة واللوقة سعوطا، وقال أرسطو: مرارة القبج، إذا خلطت بدهن زئبق وسعط بها المحموم ساعة يحم، فإنه يبرأ. قال: وصفة صيدهن أن يعجن لهن دقيق الشعير بالخمر، ويوضع لهن حتى يأكلن، فإذا أكلنه سكرن. فيصيدن. القبرة: بضم القاف وتشديد الباء الموحدة واحدة القبر، قال الجوهري: وقد جاء في الشعر قنبرة كما تقوله العامة، وقال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: وقنبرة أيضا بإثبات النون، قال: وهي لغة فصيحة، وهو ضرب من الطير يشبه الحمرة، وكنية الذكر منه أبو صابر وأبو الهيثم، والأنثى أم العلعل قال «١» طرفة وكان يصطادها: يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري قد رفع الفخّ فماذا تحذري ... ونقّري ما شئت أن تنقّري قد ذهب الصياد عنك فابشري ... لا بد من أخذك يوما فاحذري والسبب في قوله ذلك أنه كان مع عمه في سفر وهو ابن سبع سنين فنزلوا على ماء، فذهب طرفة بفخ له، فنصبه للقنابر وبقي عامة يومه لم يصد شيئا ثم حمل فخه وعاد إلى عمه، فحملوا ورحلوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب، فقال ذلك. قال أبو عمرو: والمراد بالجو هنا ما اتسع من الأودية، وحذف طرفة النون من قوله: فماذا تحذري، لوفاق القافية أو لالتقاء

стр. 842

الساكنين، قال أبو عبيدة: يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال «١» لابن الزبير، حين خرج الحسين رضي الله تعالى عنه إلى العراق: خلا لك الجو فبيضي واصفري ولطرفة بن العبد، قصة عجيبة مع عمرو بن المنذر بن امرىء القيس، لما كتب له وللمتلمس صحيفتين، ويقال له عمرو بن هند، وكان لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لشدة ملكه، فإنه ملك ثلاثا وخمسين سنة، وكانت العرب تهابه هيبة شديدة. وقال السهيلي: إنه هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء، وهند أمه وسمي أبوه المنذر بابن ماء السماء لشدة جماله، وهو المنذر بن الأسود، ويعرف عمرو بمحرّق، لأنه حرق مدينة يقال لها ملهم، وهي عند اليمامة، وقال العتبي والمبرد: سمي محرقا لأنه حرق مائة من بني تميم. ملك ثلاثا وخمسين سنة. وكان طرفة غلاما معجبا فجعل يتخلج في مشيته بين يديه، فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه من مجلسه، فقال له المتلمس حين قاما: يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك، فقال طرفة: كلا. ثم إنه كتب لهما كتابين إلى المكعبر وكان عامله على البحرين وعمان، فخرجا من عنده وسارا حتى إذا هبطا بأرض قريبة من الحيرة، فإذا هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقصع القمل، فقال له المتلمس: بالله ما رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! فقال له: وما الذي أنكرت علي؟ فقال: تتبرز وتأكل وتقصع القمل! قال: إني أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوا! ولكن أحمق مني وألأم حامل حتفه بيمينه، لا يدري ما فيه! فتنبه المتلمس، وكأنما كان نائما، فإذا هو بغلام من أهل الحيرة يسقي غنيمة له من نهر الحيرة، فقال له المتلمس: يا غلام أتقرأ؟ قال: نعم. قال: اقرأ هذه، فإذا فيها باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر، إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا. فألقى الصحيفة في النهر، وقال: يا طرفة معك والله مثلها. فقال: كلا، ما كان ليكتب لي مثل ذلك. ثم أتى طرفة إلى المكعبر، فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا. فضرب المثل بصحيفة المتلمس، لمن يسعى في حتفه بنفسه، ويغرر بها. وستأتي الإشارة إلى هذه القصة، في باب الكاف، في لفظ الكروان. وكان سبب إحراق عمرو بن هند لبني تميم، كما قاله العتبي والمبرد أن عمرا كان له أخ، وهو أسعد بن المنذر، وكان مسترضعا في بني دارم، فانصرف ذات يوم من صيده وبه نبيذ، فمر بابل لسويد بن ربيعة التميمي، فنحر منها بكرة فرماه سويد بسهم فقتله. فلما سمع عمرو بن هند بقتل أخيه حلف ليحرقن منهم مائة رجل، فأخذ منهم تسعة وتسعين رجلا، فقذفهم في النار، ثم أراد أن يبر قسمه بعجوز منهم ليكمل العدد، فقالت: هلا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت: هيهات صارت الفتيان حمما! ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة اللحم، فظن أن الملك قد اتخذ طعاما، فعرج إليه فأتى به إليه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا وافد البراجم، فقال «٢» له عمرو:

стр. 843

«إن الشقي وافد البراجم» ، فذهبت مثلا ثم أمر به فقذف في النار، وقد أشار إلى ذلك ابن دريد في مقصورته بقوله: ثم ابن هند باشرت نيرانه ... يوم أوارات تميما بالصّلى وأورات موضع، وهو جمع واحدة أوارة، وتميم قبيلة، والصلى وهج النار. والقبرة غبراء كبيرة المنقار كأنما على رأسها قبرة، وهذا الضرب من العصفور قاسي القلب، وفي طبعه أنه لا يهوله صوت صائح، وربما رمي بالحجر، فاستخف بالرامي ولطأ بالأرض، حتى يتجاوز الحجر، وبهذا السبب لا يزال مأخوذا أو مقتولا، لأن الرامي يحمله الحنق عليه على مداومة ضربه حتى يصيبه، وهو يضع وكره على الجادة حبا للأنس. روى الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، بإسناده عن داود بن أبي هند، قال: صاد رجل قبرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك وآكلك! فقالت: والله إني لا أسمن ولا أغني من جوع، وما أشفي من قرم، ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي: أما الواحدة فأعلمك إياها وأنا على يدك، والثانية إذا صرت على الشجرة، والثالثة إذا صرت على الجبل. قال: نعم. فقالت وهي على يده: لا تأسفن على ما فاتك، فخلى عنها، فلما صارت على الشجرة قالت: لا تصدقن بما لا يكون، فلما صارت على الجبل، قالت: يا شقي لو ذبحتني لوجدت في حوصلتي درة وزنها عشرون مثقالا. قال: فعض على شفته وتلهف، ثم قال: هاتي الثالثة. فقالت: قد نسيت الثنتين الأوليين، فكيف أعلمك الثالثة؟ قال: وكيف؟ قالت: ألم أقل لك لا تأسفن على ما فاتك وقد تأسفت علي، وقلت لك: لا تصدقن بما لا يكون؟ وقد صدقت فإنه لو جمعت عظامي وريشي ولحمي لم تبلغ عشرين مثقالا، فكيف يكون في حوصلتي درة وزنها عشرون مثقالا. وحكى القشيري في رسالته، عن ذي النون المصري ﵀، أنه سئل عن سبب توبته، فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى فنمت في بعض الصحارى، ثم فتحت عيني فإذا أنا بقبرة عمياء سقطت من وكرها، فانشقت لها الأرض، وخرج منها سكرجتان إحداهما فضة والأخرى ذهب، في إحداهما سمسم والأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذه وتشرب من هذه، قال: فتبت ولزمت الباب إلى أن قبلني، وعلمت أن من لم يضيع القبرة لا يضيعني. وحكمها : حل الأكل بالاجماع، ووجوب الجزاء على المحرم بقتلها. الخواص : لحمها يحبس البطن ويزيد في الباه، وبيضها يفعل ذلك، وإذا ديف زبلها بريق إنسان وطلي به الثآليل قطعها، وإذا كرهت المرأة زوجها، فليطل ذكره بشحمها ويجامعها، فإنها تحبه. تتمة : في الأسماء قنبر، بضم القاف وإسكان النون وفتح الباء الموحدة، جد سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر، وسيبويه لقب له، وهي لفظة أعجمية معناها رائحة التفاح وقنبر بضمتين جد ابراهيم بن علي بن قنبر البغدادي، عن نصر الله القزاز وجد أبي الفتح محمد بن أحمد بن قنبر

стр. 844

البزاز وغيرهما، وأما قنبر بفتح القاف والباء فأبو الشعثاء قنبر، وهو يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره ذكره ابن حبان في الثقات وقنبر مولى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال ابن أبي حاتم: روي عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه، وكان حاجبه. قال الشيخ في المهذب، في كتاب القضاء: ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبا، لأن يرفأ كان حاجب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والحسن كان حاجب عثمان رضي الله تعالى عنه، وقنبر كان حاجب علي رضي الله تعالى عنه. قال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم، ورأس المداراة ترك المماراة. قيل: جلس أبو يوسف يعقوب بن السكيت يوما مع المتوكل، وكان يؤدب أولاده، فجاءه المعتز والمؤيد ولدا المتوكل فقال له: يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فقال: والله إن قنبرا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك، فمات في ليلة الإثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين. ثم إن المتوكل أرسل لولده عشرة آلاف درهم، وقال: هذه دية والدك. كذا حكاه ابن خلكان في ترجمته «١» . ومن العجب أنه كان قبل ذلك بيسير أنشد لولدي المتوكل وهو يعلمهما: يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل فعثرته بالقول تذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل ومن محاسن «٢» شعر ابن السكيت: إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب وأوطنت المكاره واستقرت ... وأرست في أماكنها الخطوب ولم تر لانكشاف الضرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب «٣» أتاك على قنوط منك عفو ... يمن به اللطيف المستجيب وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فرج قريب وعرف أبوه بالسكيت، لأنه كان كثير السكوت، طويل الصمت، وكل ما كان على فعيل أو فعليل فإنه مكسور الأول. وكان ابن السكيت، ﵀، إماما في اللغة، مكثرا من نقل الغريب، وله تصانيف مفيدة. القبعة: بضم القاف وتخفيف الباء الموحدة، والعين المهملة المفتوحتين، طير أبقع مثل العصفور، يكون عند حجرة الجرذان، فإذا فزع أو رمي بحجر انقبع فيها. ذكره ابن السكيت المذكور قبله. وقوله: انقبع فيها أي دخل الجحر فالتجأ فيه. القبيط: كحمير طائر معروف.

стр. 845

القتع: بفتح القاف والتاء المثناة والعين المهملة، دود يكون في الخشب يأكله، الواحدة قتعة ينزو ثم يقع. ابن قترة: ضرب من الحيات لا يسلم من لدغته، وقيل: هو ذكر الأفعى، وهو نحو من الشبر، وأبو قترة كنية إبليس قاله ابن سيده وغيره. القدان: بكسر القاف وبالدال المهملة المشددة: البراغيث، قاله ابن سيده. وقال غيره: هو دويبة تقرب من البرغوث تقرص قال الراجز: يا أبتا أرقني القدان ... فالنوم لا تطعمه العينان قاله أبو حاتم في كتاب الطير، وقيل: القدان يوجد كثيرا بالبلاد والطرق الرملة، والناس يسمونه الدلم يقرص الإبل وغيرها. القراد: واحد القردان، يقال قرد بعيرك أي انزع منه القراد، وقد تقدم الكلام عليه في الحلم. وقد ذكرنا أن مذهبنا استحباب قتل القراد في الإحرام وغيره، وقال العبدري: يجوز للمحرم عندنا أن يقرد بعيره، وبه قال ابن عمر وابن عباس وأكثر الفقهاء، وقال مالك: لا يقرده. قال ابن المنذر: وممن أباح تقريد البعير عمر وابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والشافعي وأحمد واسحاق وأصحاب الرأي، وكرهه ابن عمر ومالك. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في المحرم يقتل قرادة: يتصدق بتمرة أو تمرتين. قال ابن المنذر: وبالأول أقول. وتقريد البعير أن ينزع القراد منه، وفسره ابن الأثير وغيره بأنه الطبوع الذي يلصق بجسمه. وفي قصيدة كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه: يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... عنها لبان وأقراب زهاليل «١» اللبان الصدر، والأقراب الخواصر، والزهاليل الملس. وفي حديث أبي جهل، أن محمدا نزل يثرب وأنه حنق عليكم، نفيتموه نفي القراد عن المسامع. يعني الآذان أي أخرجتموه من مكة إخراج استئصال، لأن أخذ القراد عن الدابة قلعه بالكلية، والأذن أخف الأعضاء شعرا، بل أكثرها لا شعر عليه، فيكون النزع منها أبلغ. الأمثال : قالوا: «أسمع من قراد» «٢» ، وذلك أنه يسمع وطء أخفاف الإبل من مسيرة يوم، فيتحرك لها، قال أبو زياد الأعرابي: ربما رحل الناس عن ديارهم بالبادية وتركوها قفارا، والقردان منتشرة في أعطان الإبل، ثم لا يعودون إليها عشر سنين وعشرين سنة، ولا يخلفهم فيها أحد سواهم، ثم يرجعون إليها فيجدون القردان في تلك المواضع أحياء، وقد أحست بروائح الإبل قبل أن توافي فتتحرك لها، ولذلك قالت العرب: «أعمر من قراد» «٣» . وقال حمزة: العرب
следующие страницы →