Полный текст (1 095 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الدراجة حتى تقول حيقطان، والبومة حتى تقول صدي أوفياد، والحبارى حتى تقول خرب، وكذا النعامة حتى تقول ظليم، والنحلة حتى تقول يعسوب، ومثله كثير.
وقال كراع في المجرد: القبج فارسي معرب، لأن القاف والجيم أو الكاف لا يجتمعان في كلام العرب، كالجوالق وجلق والقبج والكليجة وهو مكيال صغير، وما كان نحو ذلك. وفراخ القبج تخرج كما الفراريج، كما تقدم، وإناثه تبيض خمس عشرة بيضة، والذكر يوصف بالقوة على السفاد، كما يوصف الديك والعصفور، ولكثرة سفاده يقصد موضع البيض، فيكسره لئلا تشتغل الأنثى بحضنه عنه، ولهذا، الأنثى إذا أتى أوان بيضها، تهرب وتختبىء رغبة في الفراخ، وهي إذا هربت بهذا السبب ضاربت الذكور بعضها بعضا، وكثر صياحها، ثم إن المقهور يتبع القاهر، ويسفد القوي الضعيف، والقبج يغير أصواته بأنواع شتى، بقدر حاجته إلى ذلك، ويعمر خمس عشرة سنة، ومن عجيب أمرها ما حكاه القزويني: أنها إذا قصدها الصياد، خبأت رأسها تحت الثلج، وتحسب أن الصياد لا يراها، وذكورها شديدة الغيرة على إناثها، والأنثى تلقح من رائحة الذكر، وهذا النوع كله يحب الغناء والأصوات الطيبة، وربما وقعت من أوكارها عند سماع ذلك فيأخذها الصياد.
وحكمها
: حل الأكل لأنها من الطيبات.
الخواص
: قال عبد الملك بن زهر: مرارة الذكر منها، إذا اكتحل بها تنفع من نزول الماء، وإن خلطت مع ماء الرازيانج واكتحل بها أبرأت من العشى بالليل، وشحمه ينفع السكتة واللوقة سعوطا، وقال أرسطو: مرارة القبج، إذا خلطت بدهن زئبق وسعط بها المحموم ساعة يحم، فإنه يبرأ. قال: وصفة صيدهن أن يعجن لهن دقيق الشعير بالخمر، ويوضع لهن حتى يأكلن، فإذا أكلنه سكرن. فيصيدن.
القبرة:
بضم القاف وتشديد الباء الموحدة واحدة القبر، قال الجوهري: وقد جاء في الشعر قنبرة كما تقوله العامة، وقال البطليوسي، في شرح أدب الكاتب: وقنبرة أيضا بإثبات النون، قال:
وهي لغة فصيحة، وهو ضرب من الطير يشبه الحمرة، وكنية الذكر منه أبو صابر وأبو الهيثم، والأنثى أم العلعل قال «١» طرفة وكان يصطادها:
يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري
قد رفع الفخّ فماذا تحذري ... ونقّري ما شئت أن تنقّري
قد ذهب الصياد عنك فابشري ... لا بد من أخذك يوما فاحذري
والسبب في قوله ذلك أنه كان مع عمه في سفر وهو ابن سبع سنين فنزلوا على ماء، فذهب طرفة بفخ له، فنصبه للقنابر وبقي عامة يومه لم يصد شيئا ثم حمل فخه وعاد إلى عمه، فحملوا ورحلوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب، فقال ذلك. قال أبو عمرو: والمراد بالجو هنا ما اتسع من الأودية، وحذف طرفة النون من قوله: فماذا تحذري، لوفاق القافية أو لالتقاء
стр. 842
الساكنين، قال أبو عبيدة: يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال «١» لابن الزبير، حين خرج الحسين رضي الله تعالى عنه إلى العراق:
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ولطرفة بن العبد، قصة عجيبة مع عمرو بن المنذر بن امرىء القيس، لما كتب له وللمتلمس صحيفتين، ويقال له عمرو بن هند، وكان لا يبتسم ولا يضحك، وكانت العرب تسميه مضرط الحجارة لشدة ملكه، فإنه ملك ثلاثا وخمسين سنة، وكانت العرب تهابه هيبة شديدة. وقال السهيلي: إنه هو عمرو بن المنذر بن ماء السماء، وهند أمه وسمي أبوه المنذر بابن ماء السماء لشدة جماله، وهو المنذر بن الأسود، ويعرف عمرو بمحرّق، لأنه حرق مدينة يقال لها ملهم، وهي عند اليمامة، وقال العتبي والمبرد: سمي محرقا لأنه حرق مائة من بني تميم. ملك ثلاثا وخمسين سنة.
وكان طرفة غلاما معجبا فجعل يتخلج في مشيته بين يديه، فنظر إليه نظرة كادت تبتلعه من مجلسه، فقال له المتلمس حين قاما: يا طرفة إني أخاف عليك من نظرته إليك، فقال طرفة: كلا.
ثم إنه كتب لهما كتابين إلى المكعبر وكان عامله على البحرين وعمان، فخرجا من عنده وسارا حتى إذا هبطا بأرض قريبة من الحيرة، فإذا هما بشيخ معه كسرة يأكلها وهو يتبرز ويقصع القمل، فقال له المتلمس: بالله ما رأيت شيخا أحمق وأضعف وأقل عقلا منك! فقال له: وما الذي أنكرت علي؟ فقال: تتبرز وتأكل وتقصع القمل! قال: إني أخرج خبيثا، وأدخل طيبا، وأقتل عدوا! ولكن أحمق مني وألأم حامل حتفه بيمينه، لا يدري ما فيه! فتنبه المتلمس، وكأنما كان نائما، فإذا هو بغلام من أهل الحيرة يسقي غنيمة له من نهر الحيرة، فقال له المتلمس: يا غلام أتقرأ؟ قال:
نعم. قال: اقرأ هذه، فإذا فيها باسمك اللهم، من عمرو بن هند إلى المكعبر، إذا أتاك كتابي هذا مع المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حيا. فألقى الصحيفة في النهر، وقال: يا طرفة معك والله مثلها. فقال: كلا، ما كان ليكتب لي مثل ذلك. ثم أتى طرفة إلى المكعبر، فقطع يديه ورجليه ودفنه حيا. فضرب المثل بصحيفة المتلمس، لمن يسعى في حتفه بنفسه، ويغرر بها. وستأتي الإشارة إلى هذه القصة، في باب الكاف، في لفظ الكروان.
وكان سبب إحراق عمرو بن هند لبني تميم، كما قاله العتبي والمبرد أن عمرا كان له أخ، وهو أسعد بن المنذر، وكان مسترضعا في بني دارم، فانصرف ذات يوم من صيده وبه نبيذ، فمر بابل لسويد بن ربيعة التميمي، فنحر منها بكرة فرماه سويد بسهم فقتله. فلما سمع عمرو بن هند بقتل أخيه حلف ليحرقن منهم مائة رجل، فأخذ منهم تسعة وتسعين رجلا، فقذفهم في النار، ثم أراد أن يبر قسمه بعجوز منهم ليكمل العدد، فقالت: هلا فتى يفدي هذه العجوز بنفسه؟ ثم قالت:
هيهات صارت الفتيان حمما! ومر وافد البراجم، فاشتم رائحة اللحم، فظن أن الملك قد اتخذ طعاما، فعرج إليه فأتى به إليه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا وافد البراجم، فقال «٢» له عمرو:
стр. 843
«إن الشقي وافد البراجم» ، فذهبت مثلا ثم أمر به فقذف في النار، وقد أشار إلى ذلك ابن دريد في مقصورته بقوله:
ثم ابن هند باشرت نيرانه ... يوم أوارات تميما بالصّلى
وأورات موضع، وهو جمع واحدة أوارة، وتميم قبيلة، والصلى وهج النار. والقبرة غبراء كبيرة المنقار كأنما على رأسها قبرة، وهذا الضرب من العصفور قاسي القلب، وفي طبعه أنه لا يهوله صوت صائح، وربما رمي بالحجر، فاستخف بالرامي ولطأ بالأرض، حتى يتجاوز الحجر، وبهذا السبب لا يزال مأخوذا أو مقتولا، لأن الرامي يحمله الحنق عليه على مداومة ضربه حتى يصيبه، وهو يضع وكره على الجادة حبا للأنس.
روى الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، بإسناده عن داود بن أبي هند، قال: صاد رجل قبرة، فقالت: ما تريد أن تصنع بي؟ قال: أذبحك وآكلك! فقالت: والله إني لا أسمن ولا أغني من جوع، وما أشفي من قرم، ولكن أعلمك ثلاث خصال هي خير لك من أكلي: أما الواحدة فأعلمك إياها وأنا على يدك، والثانية إذا صرت على الشجرة، والثالثة إذا صرت على الجبل. قال: نعم. فقالت وهي على يده: لا تأسفن على ما فاتك، فخلى عنها، فلما صارت على الشجرة قالت: لا تصدقن بما لا يكون، فلما صارت على الجبل، قالت: يا شقي لو ذبحتني لوجدت في حوصلتي درة وزنها عشرون مثقالا. قال: فعض على شفته وتلهف، ثم قال: هاتي الثالثة. فقالت: قد نسيت الثنتين الأوليين، فكيف أعلمك الثالثة؟ قال: وكيف؟ قالت: ألم أقل لك لا تأسفن على ما فاتك وقد تأسفت علي، وقلت لك: لا تصدقن بما لا يكون؟ وقد صدقت فإنه لو جمعت عظامي وريشي ولحمي لم تبلغ عشرين مثقالا، فكيف يكون في حوصلتي درة وزنها عشرون مثقالا.
وحكى القشيري في رسالته، عن ذي النون المصري ﵀، أنه سئل عن سبب توبته، فقال: خرجت من مصر إلى بعض القرى فنمت في بعض الصحارى، ثم فتحت عيني فإذا أنا بقبرة عمياء سقطت من وكرها، فانشقت لها الأرض، وخرج منها سكرجتان إحداهما فضة والأخرى ذهب، في إحداهما سمسم والأخرى ماء، فجعلت تأكل من هذه وتشرب من هذه، قال: فتبت ولزمت الباب إلى أن قبلني، وعلمت أن من لم يضيع القبرة لا يضيعني.
وحكمها
: حل الأكل بالاجماع، ووجوب الجزاء على المحرم بقتلها.
الخواص
: لحمها يحبس البطن ويزيد في الباه، وبيضها يفعل ذلك، وإذا ديف زبلها بريق إنسان وطلي به الثآليل قطعها، وإذا كرهت المرأة زوجها، فليطل ذكره بشحمها ويجامعها، فإنها تحبه.
تتمة
: في الأسماء قنبر، بضم القاف وإسكان النون وفتح الباء الموحدة، جد سيبويه عمرو بن عثمان بن قنبر، وسيبويه لقب له، وهي لفظة أعجمية معناها رائحة التفاح وقنبر بضمتين جد ابراهيم بن علي بن قنبر البغدادي، عن نصر الله القزاز وجد أبي الفتح محمد بن أحمد بن قنبر
стр. 844
البزاز وغيرهما، وأما قنبر بفتح القاف والباء فأبو الشعثاء قنبر، وهو يروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره ذكره ابن حبان في الثقات وقنبر مولى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال ابن أبي حاتم: روي عن علي كرم الله وجهه ورضي عنه، وكان حاجبه.
قال الشيخ في المهذب، في كتاب القضاء: ولا يكره للإمام أن يتخذ حاجبا، لأن يرفأ كان حاجب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والحسن كان حاجب عثمان رضي الله تعالى عنه، وقنبر كان حاجب علي رضي الله تعالى عنه. قال محمد بن السماك: من عرف الناس داراهم، ومن جهلهم ماراهم، ورأس المداراة ترك المماراة. قيل: جلس أبو يوسف يعقوب بن السكيت يوما مع المتوكل، وكان يؤدب أولاده، فجاءه المعتز والمؤيد ولدا المتوكل فقال له: يا يعقوب أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ فقال: والله إن قنبرا خادم علي بن أبي طالب خير منك ومن ابنيك. فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك، فمات في ليلة الإثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين. ثم إن المتوكل أرسل لولده عشرة آلاف درهم، وقال: هذه دية والدك. كذا حكاه ابن خلكان في ترجمته «١» . ومن العجب أنه كان قبل ذلك بيسير أنشد لولدي المتوكل وهو يعلمهما:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل
فعثرته بالقول تذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل
ومن محاسن «٢» شعر ابن السكيت:
إذا اشتملت على اليأس القلوب ... وضاق لما به الصدر الرحيب
وأوطنت المكاره واستقرت ... وأرست في أماكنها الخطوب
ولم تر لانكشاف الضرّ وجها ... ولا أغنى بحيلته الأريب «٣»
أتاك على قنوط منك عفو ... يمن به اللطيف المستجيب
وكلّ الحادثات إذا تناهت ... فموصول بها فرج قريب
وعرف أبوه بالسكيت، لأنه كان كثير السكوت، طويل الصمت، وكل ما كان على فعيل أو فعليل فإنه مكسور الأول. وكان ابن السكيت، ﵀، إماما في اللغة، مكثرا من نقل الغريب، وله تصانيف مفيدة.
القبعة:
بضم القاف وتخفيف الباء الموحدة، والعين المهملة المفتوحتين، طير أبقع مثل العصفور، يكون عند حجرة الجرذان، فإذا فزع أو رمي بحجر انقبع فيها. ذكره ابن السكيت المذكور قبله. وقوله: انقبع فيها أي دخل الجحر فالتجأ فيه.
القبيط:
كحمير طائر معروف.
стр. 845
القتع:
بفتح القاف والتاء المثناة والعين المهملة، دود يكون في الخشب يأكله، الواحدة قتعة ينزو ثم يقع.
ابن قترة:
ضرب من الحيات لا يسلم من لدغته، وقيل: هو ذكر الأفعى، وهو نحو من الشبر، وأبو قترة كنية إبليس قاله ابن سيده وغيره.
القدان:
بكسر القاف وبالدال المهملة المشددة: البراغيث، قاله ابن سيده. وقال غيره: هو دويبة تقرب من البرغوث تقرص قال الراجز:
يا أبتا أرقني القدان ... فالنوم لا تطعمه العينان
قاله أبو حاتم في كتاب الطير، وقيل: القدان يوجد كثيرا بالبلاد والطرق الرملة، والناس يسمونه الدلم يقرص الإبل وغيرها.
القراد:
واحد القردان، يقال قرد بعيرك أي انزع منه القراد، وقد تقدم الكلام عليه في الحلم. وقد ذكرنا أن مذهبنا استحباب قتل القراد في الإحرام وغيره، وقال العبدري: يجوز للمحرم عندنا أن يقرد بعيره، وبه قال ابن عمر وابن عباس وأكثر الفقهاء، وقال مالك: لا يقرده. قال ابن المنذر: وممن أباح تقريد البعير عمر وابن عباس وجابر بن زيد وعطاء والشافعي وأحمد واسحاق وأصحاب الرأي، وكرهه ابن عمر ومالك. وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال في المحرم يقتل قرادة: يتصدق بتمرة أو تمرتين. قال ابن المنذر: وبالأول أقول. وتقريد البعير أن ينزع القراد منه، وفسره ابن الأثير وغيره بأنه الطبوع الذي يلصق بجسمه. وفي قصيدة كعب بن زهير رضي الله تعالى عنه:
يمشي القراد عليها ثم يزلقه ... عنها لبان وأقراب زهاليل «١»
اللبان الصدر، والأقراب الخواصر، والزهاليل الملس. وفي حديث أبي جهل، أن محمدا نزل يثرب وأنه حنق عليكم، نفيتموه نفي القراد عن المسامع. يعني الآذان أي أخرجتموه من مكة إخراج استئصال، لأن أخذ القراد عن الدابة قلعه بالكلية، والأذن أخف الأعضاء شعرا، بل أكثرها لا شعر عليه، فيكون النزع منها أبلغ.
الأمثال
: قالوا: «أسمع من قراد» «٢» ، وذلك أنه يسمع وطء أخفاف الإبل من مسيرة يوم، فيتحرك لها، قال أبو زياد الأعرابي: ربما رحل الناس عن ديارهم بالبادية وتركوها قفارا، والقردان منتشرة في أعطان الإبل، ثم لا يعودون إليها عشر سنين وعشرين سنة، ولا يخلفهم فيها أحد سواهم، ثم يرجعون إليها فيجدون القردان في تلك المواضع أحياء، وقد أحست بروائح الإبل قبل أن توافي فتتحرك لها، ولذلك قالت العرب: «أعمر من قراد» «٣» . وقال حمزة: العرب
стр. 846
تزعم أن القراد يعيش سبعمائة سنة، وهذا من أكاذيبهم، وإنما الضجر منهم به دعاهم إلى هذا القول فيه.
وهو في الرؤيا
: يدل على الأعداء والحساد الأخساء، وإن رأى الدلم منتشرا في الأرض والرمل، فهو كذلك أيضا والله تعالى أعلم.
القرد:
حيوان معروف، وكنيته أبو خالد وأبو حبيب وأبو خلف وأبو ربة وأبو قشة، وهو بكسر القاف وسكون الراء، وجمعه قرود، وقد يجمع على قردة، بكسر القاف وفتح الراء المهملة، والأنثى قردة بكسر القاف وإسكان الراء، وجمعها قرد بكسر القاف وفتح الراء، مثل قربة وقرب.
وهو حيوان قبيح مليح ذكي سريع الفهم يتعلم الصنعة.
حكي أن ملك النوبة أهدى إلى المتوكل قردا خياطا، وآخر صائغا. وأهل اليمن يعلمون القردة القيام بحوائجهم حتى إن القصاب والبقال يعلم القرد حفظ الدكان حتى يعود صاحبه، ويعلم السرقة فيسرق.
نقل الشيخان عن القاضي حسين أنه قال: لو علم القرد النزول إلى الدار وإخراج المتاع، فنقب وأرسل القرد فأخرج المتاع، ينبغي أن لا يقطع لأن للحيوان اختيارا. ونقل البغوي في باب حد الزنا أن المرأة لو مكنت من نفسها قردا فوطئها. فعليها ما على واطىء البهيمة فتعزر في الأصح، وتحد في قول، وتقتل في قول.
فائدة
: قال ابن عباس وعكرمة رضي الله تعالى عنهم في قوله «١» تعالى: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
أي أتقنه وقالا: ليست است القرد حسنة، ولكنها متقنة محكمة، فجميع المخلوقات حسنة، وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن. قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
«٢» . والقردة تلد في البطن الواحد العشرة، والإثني عشر، والذكر ذو غيرة شديدة على الإناث. وهذا الحيوان شبيه بالإنسان في غالب حالته، فإنه يضحك ويطرب ويقعى ويحكي، ويتناول الشيء بيده، وله أصابع مفصلة إلى أنامل وأظافر، ويقبل التلقين والتعليم، ويأنس بالناس، ويمشي على أربع مشيه المعتاد ويمشي على رجليه حينا يسيرا، ولشفر عينيه الأسفل أهداب، وليس ذلك لشيء من الحيوان سواه.
وهو كالإنسان، وإذا سقط في الماء غرق كالآدمي الذي لا يحسن السباحة، ويأخذ نفسه بالزواج والغيرة على الإناث، وهما خصلتان من مفاخر الإنسان وإذا زاد به الشبق، استمنى بفيه، وتحمل الأنثى أولادها، كما تحمل المرأة، ومن سر هذا الحيوان أن الطائفة من هذا النوع، إذا أرادت النوم ينام الواحد في جنب الآخر، حتى يكونوا سطرا واحدا، وإذا تمكن النوم منها، نهض أولها من الطرف الأيسر، فإذا قعد صاح فينهض من كان يليه، ويفعل كفعله حتى يكون هذا إلى آخرهم، يفعلون ذلك في الليل كله مرارا، وسبب ذلك أنه يبيت في أرض ويصبح في أخرى، وفيه من قبول التأديب والتعليم ما لا يخفى. ولقد درب قرد ليزيد على ركوب الحمار، وسابق به
стр. 847
مع الخيل، وفيه يقول «١» يزيد لما سبق بأتان ركبها فارسا:
من مبلغ القرد الذي سبقت به ... جواد أمير المؤمنين أتان
تعلق أبا قش بها إن ركبتها ... فليس عليها إن هلكت ضمان
روى ابن عدي، في كامله، عن أحمد بن طاهر بن حرملة بن أخي حرملة بن يحيى، أنه قال:
رأيت بالرملة قردا يصوغ، فإذا أراد أن ينفخ، أشار إلى رجل حتى ينفخ له. وفيه، في ترجمة محمد بن يوسف بن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ «كان إذا رأى القرد خر ساجدا» .
وهو في المستدرك، قبيل كتاب الجمعة. ذكره شاهدا، وفيه في ترجمة ضمام بن اسماعيل، أنه روى عن أبي قنبل، أن معاوية صعد المنبر يوم جمعة، فقال في خطبته: أيها الناس إن المال مالنا، والفيء فيؤنا، من شئنا أعطينا، ومن شئنا منعنا، فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية، قال كذلك فلم يجبه أحد. فلما كانت الجمعة الثالثة قال كذلك، فقام إليه رجل فقال: كلا يا معاوية، ألا إن المال مالنا، والفيء فيؤنا، من حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بأسيافنا. فنزل معاوية، وأرسل إلى الرجل، فأدخل عليه، فقال القوم: هلك الرجل، ثم فتح معاوية الأبواب، فدخل عليه الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير! فقال معاوية: أيها الناس إن هذا الرجل أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة» ، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد علي أحد شيئا، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد علي أحد شيئا، فقلت في نفسي أنت من القوم، فتكلمت في الجمعة الثالثة، فقام إلي هذا الرجل، فرد علي فأحياني، أحياه الله، فرجوت أن يخرجني الله منهم. ثم أعطاه وأجازه. ورواه ابن سبع، في شفاء الصدور كذلك، ورواه الطبراني في معجمه الكبير والأوسط ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ورجاله ثقات.
وذكر القزويني في عجائب المخلوقات، أن من تصبح بوجه قرد، عشرة أيام، أتاه السرور ولا يكاد يحزن، واتسع رزقه وأحبته النساء حبا شديدا، وأعجبن به. وفيما قاله نظر ظاهر.
فائدة أخرى
: روى الإمام أحمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال «٢» : «إن رجلا حمل معه خمرا في سفينة ليبيعه، ومعه قرد قال: فكان الرجل إذا باع الخمر، شابه بالماء ثم باعه، قال: فأخذ القرد الكيس، فصعد به فوق الدقل، فجعل يطرح دينارا في البحر ودينارا في السفينة حتى قسمه» .
ورواه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أيضا بمعناه. ولفظه أن النبي ﷺ قال «٣» :
«لا تشربوا اللبن بالماء، فإن رجلا كان فيمن قبلكم يبيع اللبن ويشوبه بالماء، فاشترى قردا وركب البحر حتى إذا لجج فيه ألهم الله القرد صرة الدنانير، فأخذ وصعد الدقل ففتح الصرة، وصاحبها
стр. 848
ينظر إليه فأخذ دينارا فرمى به في البحر ودينارا في السفينة، حتى قسمها نصفين، فألقى ثمن الماء في البحر وثمن اللبن في السفينة» . قال: ومر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بإنسان يحمل لبنا وقد خلطه بالماء، فقال له أبو هريرة: كيف بك يوم القيامة، حيث يقال لك خلص الماء من اللبن؟
وقد تقدم في باب الهمزة، في لفظ الأسود السالخ حديث يتعلق بهذا والله تعالى أعلم.
فائدة أخرى
: روى الحاكم، في المستدرك عن الأصم، عن الربيع عن الشافعي، عن يحيى بن سليم عن ابن جريج، عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس ﵄، وهو يقرأ في المصحف، قبل أن يذهب بصره، ويبكي، فقلت له: ما يبكيك جعلني الله فداك؟ فقال: هذه الآية وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ
الآية «١» . ثم قال: أتعرف أيلة؟ قلت:
وما أيلة؟ قال: قرية كان بها أناس من اليهود، حرم الله عليهم صيد الحيتان يوم السبت، فكانت الحيتان تأتيهم في يوم سبتهم شرعا بيضا سمانا كأمثال المخاض، فإذا كان غير يوم السبت، لا يجدونها ولا يدركونها إلا بمشقة ومؤنة، ثم إن رجلا منهم أخذ حوتا يوم السبت، فربطه إلى وتد في الساحل، وتركه في الماء، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله ففعل ذلك أهل بيت منهم، فأخذوا وشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء، ففعلوا كفعلهم، وكثر ذلك فيهم فافترقوا فرقا: فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم؟! فقالت الفرقة التي نهت: إنا نحذركم غضب الله وعقابه، أن يصيبكم بخسف أو قذف، أو بعض ما عنده من العذاب، والله ما نساكنكم في مكان أنتم فيه، وخرجوا من السور ثم غدوا عليه من الغد، فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد فتسور إنسان منهم السور، فقال: قردة والله لها أذناب تتعاوى، ثم نزل ففتح الباب، ودخل الناس عليهم فعرفت القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة! قال:
فيأتي القرد إلى نسيبه وقريبه فيحتك به ويلصق إليه، فيقول الإنسي: أنت فلان؟ فيشير برأسه أن نعم، ويبكي وتأتي القردة إلى نسيبها وقريبها الإنسي، فيقول: أنت فلانة فتشير برأسها أن نعم وتبكي. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فاسمع الله يقول «٢» : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
فلا أدري ما فعلت الفرقة الثالثة، فكم قد رأينا من منكر ولم ننه عنه.
قال عكرمة: فقلت: ما ترى، جعلني الله فداك أنهم قد أنكروا وكرهوا، حين قالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين، فكسانيهما. ثم قال: هذا صحيح الإسناد. وأيلة بين مدين والطور على شاطىء البحر. وقال الزهري: القرية طبرية.
وفي معالم التنزيل، قال عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك، ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه، وقالوا: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا؟ وإن لم يقل الله أنجيتهم لم يقل أهلكتهم. فأعجبه قولي ورضي به، وأمر لي ببردين غليظين، فكسانيهما وقال:
نجت الساكتة.
стр. 849
وفي المستدرك أيضا: عن مسلم الزنجي، عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ ، قال: «رأيت في منامي كأن بني الحكم بن أبي العاص، ينزون على منبري، كما تنزو القردة» . فما رؤي النبي ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى مات. ثم قال: صحيح الإسناد على شرط مسلم. وروى الطبراني، في معجمه الأوسط، من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : «في آخر الزمان تأتي المرأة فتجد زوجها قد مسخ قردا لأنه لا يؤمن بالقدر» .
فائدة أخرى
: اختلف العلماء في الممسوخ هل يعقب أم لا؟ على قولين أحدهما نعم، وهو قول الزجاج والقاضي أبي بكر بن العربي المالكي، وقال الجمهور: لا يكون ذلك. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يعش ممسوخ قط أكثر من ثلاثة أيام، ولا يأكل ولا يشرب. واحتج الأولون بقوله ﷺ : «فقدت أمة من بني إسرائيل، لا أدري ما فعلت ولا أراها إلا الفأر ألا ترونها إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشربها، وإذا وضع لها ألبان غيرها شربتها «١» » . خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وبحديث الضب الذي رواه مسلم عن أبي سعيد وجابر قالا: إن النبي ﷺ أتي بضب فأبى أن يأكله، وقال «٢» : «لا أدري لعله من القرود التي مسخت» . قال أبو بكر بن العربي المالكي: وفي البخاري عن عمر بن ميمون، أنه قال: رأينا في الجاهلية قردة قد زنت، فرجموها ورجمتها معهم. ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط من بعضها. والجواب عن ذلك أن الحميدي، في الجمع بين الصحيحين، قال: حكى أبو مسعود الدمشقي أن لعمرو بن ميمون الأزدي في الصحيحين «٣» حكاية من رواية حصين عنه، قال: رأيت في الجاهلية قردة قد زنت، اجتمع عليها قردة فرجموها ورجمتها معهم. كذا حكاه أبو مسعود، ولم يذكر في أي موضع أخرجه البخاري.
فبحثنا عن ذلك فوجدناه في بعض النسخ لا في كلها، مذكورا في كتاب أيام الجاهلية، وليس في رواية الفربري أصلا شيء من هذا الخبر في القردة، ولعلها من المقحمات في كتاب البخاري، والذي قاله البخاري في التاريخ الكبير، قال: قال لي نعيم بن حماد: أخبرنا هشيم، عن أبي المليح وحصين عن عمرو بن ميمون الأزدي، قال: رأيت في الجاهلية قردة اجتمع عليها قردة، فرجموها ورجمتها معهم. وليس فيه قد زنت، فلئن صحت هذه الرواية، فإنما أخرجها البخاري دليلا على أن عمرو بن ميمون قد أدرك الجاهلية، ولم يبال بظنه الذي ظنه، وذكر أبو عمر بن عبد البر، في الاستيعاب، عن عمرو بن ميمون، وقال: إنه معدود من التابعين من الكوفيين، قال: وهو الذي رأى الرجم في الجاهلية بين القردة، إن صح ذلك، لأن رواته مجهولون.
وذكر البخاري، عن نعيم عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون الأزدي مختصرا، قال: «رأيت في الجاهلية قردة زنت فرجموها» . فذكره، ثم قال: والقصة بطولها تدور على عبد
стр. 850
الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، وليسا ممن يحتج بهما. وهذا عند جماعة من أهل العلم منكر إضافة الزنا إلى غير مكلف، وإقامة الحدود على البهائم. ولو صح، لكانوا من الجن، لأن العبادات والتكليفات في الجن والإنس دون غيرهما اهـ.
وعمرو بن ميمون المذكور، خرج له أصحاب الكتب الستة، وحج ستين حجة توفي في سنة سبع وخمسين. وكان من الذين إذا روا ذكر الله تعالى. وأما حديث الضب والفأر فكان ذلك قبل أن يوحى إليه ﷺ أن الله تعالى لم يجعل للممسوخ نسلا، فلما أوحى إليه، زال عنه ذلك المتخوف، وعلم أن الضب والفأر ليسا مما مسخ، فعند ذلك أخبرنا بقوله ﷺ ، لمن سأله عن القردة والخنازير، أهي مما مسخ؟ فقال ﷺ : «إن الله لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك» «١» . وهذا نص صريح، رواه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقد أخرجه مسلم في كتاب القدر، وثبتت النصوص بأكل الضب بحضرته ﷺ ، وعلى مائدته فلم ينكره. فدل ذلك على صحة ما قلناه.
وعن مجاهد في تفسير آية المسخ، في بني إسرائيل: إنما مسخت قلوبهم فقط، وردت أفهامهم كأفهام القردة. وهذا قول تفرد به عن جميع المسلمين.
الحكم
: أكل القرد حرام عندنا. وبه قال عكرمة وعطاء ومجاهد والحسن وابن حبيب من المالكية. وقال مالك وجمهور أصحابه: ليس بحرام. وأما بيعه فيجوز، لأنه يقبل التعليم فيمسك الشمعة، ويحفظ الأمتعة. وقال ابن عبد البر، في أوائل التمهيد: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافا في أن القرد لا يؤكل، ولا يجوز بيعه، لأنه مما لا منفعة فيه. وما علمت أحدا رخص في أكله. والكلب والفيل وذو الناب كله عندي مثله. والحجة في قول رسول الله ﷺ لا في قول غيره. وما يحتاج القرد ومثله إلى النهي عنه، لأنه ينهي عن نفسه بزجر الطباع والنفوس لنا عنه، ولم يبلغنا عن العرب ولا عن غيرهم أكله. وروي عن الشعبي، قال: إن النبي ﷺ ، «نهى عن لحم القرد» لأنه سبع فيدخل في عموم الخبر.
الأمثال
: منها قوله:
واسجد لقرد السوء في زمانه ... وداره مادمت في سلطانه
وقالوا: «أزنى «٢» من قرد» و «أحكى «٣» من قرد» لأنه يحكي الإنسان في أفعاله سوى المنطق قال أبو الطيب:
يرومون شأوي في الكلام وإنما ... يحاكي الفتى فيها خلا المنطق القرد «٤»
وقالوا: «أقبح «٥» من قرد» و «أولع «٦» من قرد» . لأنه إذا رأى الإنسان، تولع بفعل شيء أخذ بفعله مثله.
стр. 851
الخواص
: قال الجاحظ: لحم القرد شبيه لحم الكلب، بل هو شر وأخبث؛ قال ابن السويدي: إذا علق سنه على إنسان لم يغلبه النوم ولا الفزع بالليل، وأكل لحمه يمنع من الجذام، وجلده إذا علق على شجرة دفع عنها ضرر البرد، وإذا اتخذ من جلده غربال وغربل به الزريعة وزرعت فإنها تسلم من آفات الجراد، وإذا سقي إنسان من دم قرد وهو حار خرس من وقته، وإذا رأى القرد طعاما مسموما خاف وصاح، وإذا جعل شعره تحت رأس نائم رأى أهوالا تفزعه.
التعبير
: القرد في المنام رجل فيه كل عيب مخالف، لأن الله تعالى نهاه فلم ينته فمسخه، ومن رأى قردا يقاتله وغلب القرد فإن الرائي يمرض ويبرأ، فإن غلبه القرد فلا يرجى برؤه، ومن رأى أنه أكل لحم قرد فإنه يعالج داء لا يرجى برؤه منه، وقالت النصارى: من أكل لحم قرد لبس جديدا، ومن وهب قردا في منامه انتصر على عدوه، ومن رأى قردا عضه خاصم إنسانا، ومن رأى قردا في فراشه فإنه يهوديا يفجر بامرأته، وكذلك إذا أكل على مائدته، والقرد رجل زالت نعمته لكبيرة ارتكبها، ومن نكح قردا ارتكب فاحشة، أو خاصم إنسانا، وقال ارطاميدورس: القرد رجل مكار خداع، ويدل على مرض المريض، وما يحدث من القمر، لأن القرد من حيوان القمر.
وقال جاماسب: من صاد قردا انتفع من جهة السحرة والكهنة، والله تعالى أعلم.
القردوح:
الضخم من القردان، قاله ابن سيده.
القرش:
بكسر القاف، وإسكان الراء المهملة، وبالشين المعجمة في آخره دابة عظيمة من دواب البحر، تمنع السفن من السير في البحر وتدفع السفينة، فتقلبها وتضربها فتكسرها. قال الزمخشري: سمعت بعض التجار بمكة، ونحن قعود عند باب بني شيبة، وهو يصف لي القرش، فقال: هو مدور الخلقة، وعظمه كما من مقامنا هذا إلى الكعبة. ومن شأنه أن يتعرض للسفن الكبار فلا يرده شيء إلا أن يأخذ أهلها المشاعل فيمر على وجهه مثل البرق، ولا يهاب شيئا إلا النار، وبه سميت قريش قريشا قال الشاعر:
وقريش هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا
تأكل الغثّ والسمين ولا تترك ... فيه لذي جناحين ريشا
هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا
ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا
الخموش الخدوش، وأكلا كميشا أي سريعا، وقال ابن سيده: قريش دابة في البحر لا تدع دابة إلا أكلتها. فجميع الدواب تخافها، ثم أنشد البيت الأول، وقال المطرزي: هي سيدة الدواب البحرية. وأشدها، وكذلك قريش سادات الناس، وحكى أبو الخطاب بن دحية، في تسمية قريش، وفي أول من تسمى به عشرين قولا.
فائدة أجنبية
: قريش بن مالك بن النضر بن كنانة جد النبي ﷺ ، هو الذي تنسب إليه قريش، ومن ولده بدر بن قريش الذي سميت به بدر بدرا وأم النضر برة بنت مر بن أد بن طابخة، تزوجها كنانة بعد موت أبيه خزيمة، فولدت له النضر على ما كانت الجاهلية تفعله، إذا
стр. 852
مات الرجل خلفه على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها.
كذا قاله السهيلي رحمه الله تعالى، تبعا للزبير بن بكار. قال: ولذلك قال الله :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ
«١» أي من تحليل ذلك قبل الإسلام.
وفائدة الاستثناء هنا لئلا يعاب نسب النبي ﷺ وليعلم أنه ﷺ ، لم يكن في أجداده نكاح سفاح.
ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن نحو: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى
«٢» وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ
«٣» ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها، إلا ما قد سلف إلا في هذه الآية. وفي الجمع بين الأختين، فإن الجمع بينهما كان مباحا في شرع من قبلنا، وقد جمع يعقوب ﵊ بين الأختين وهما راحيل وليا، فقوله تعالى: إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ*
«٤» التفات إلى هذا المعنى. قال: وهذه النكتة من الإمام أبي بكر بن العربي، قال الحافظ قطب الدين عبد الكريم:
ولما وقفت على هذا، أقمت مفكرا مدة لكون أن برة المذكورة كانت زوجا لخزيمة، فخلف عليها كنانة بن خزيمة، فجاء له منها النضر بن كنانة وإن هذا وقع في نسب النبي ﷺ وقد روينا عن النبي ﷺ أنه قال: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء، إنما ولدت من نكاح كنكاح الإسلام» إلى أن رأيت أبا عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قال، في كتاب له سماه بكتاب الأصنام:
وخلف كنانة بن خزيمة على زوجة أبيه، بعد وفاته، وهي برة بنت أد بن طابخة، جد كنانة بن خزيمة، ولم تلد لكنانة ولدا ذكرا ولا أنثى، ولكن كانت ابنة أخيها برة بنت مرة بن أد بن طابخة تحت كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة.
قال: وإنما غلط كثير من الناس، لما سمعوا أن كنانة خلفه على زوجة أبيه لاتفاق اسمهما، وتقارب نسبهما، وهذا الذي عليه مشايخنا وأهل العلم والنسب. قال: ومعاذ الله أن يكون أصاب نسب النبي ﷺ نكاح مقت، وقد قال ﷺ : «مازلت أخرج من نكاح كنكاح الإسلام حتى خرجت من بين أبي وأمي» . ثم قال: ومن اعتقد غير هذا فقد كفر وشك في هذا الخبر. قال: والحمد لله الذي نزهه عن كل وصم، وطهره تطهيرا انتهى.
قلت: وهذا أرجو به الفوز للجاحظ في منقلبه، وأن يتجاوز الله عنه ما سطره في كتبه، وأشرت إلى ذلك في أول كتاب السير من المنظومة بقولي:
محمد خير جميع الخلق ... جاء من الحقّ لنا بالحق
دعوة ابراهيم الخليل ... بشارة المسيح في التنزيل
الطيب الأصول والفروع ... الطاهر المحتد والينبوع «٥»
آباؤه قد طهرت أنسابا ... وشرفت بين الورى أحسابا
نكاحهم مثل نكاح الاسلام ... كذا رواه النجباء الأعلام
стр. 853
ومن أبى أو شك في هذا كفر ... وذنبه بما جناه ما اغتفر
نقل ذا الحافظ قطب الدين ... عن صاحب البيان والتبيين
الحكم
: أفتى شيخنا الشيخ جمال الدين الأسنوي «١» رحمه الله تعالى بحل أكل القرش، وبه صرح الشيخ محب الدين الطبري شارح التنبيه، في الكلام على التمساح، ثم استشكل به تحريم التمساح، وهذا يدل على أنه لا خلاف فيه.
وفي نهاية ابن الأثير التصريح بحله، لكن قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنه يأكل ولا يؤكل، ولعل مراده أنه يأكل الحيوانات البحرية، ولا يستطيع أحد منها أن يأكله. والقرش يوجد ببحر القلزم الذي غرق فيه فرعون، وهو عند عقبة الحاج، كما تقدم في باب السين المهملة، في الكلام على السقنقور، وإطلاق الجمهور ونص الإمام الشافعي والقرآن العزيز يدل على جواز أكل القرش، لأنه من السمك، ومما لا يعيش إلا في الماء. وقد ذكر النووي، في شرح المهذب، أن الصحيح أن كل ما في البحر حلال، ويحمل ما استثناه الأصحاب على ما يعيش في غير الماء.
التعبير
: رؤيته في المنام تدل على علو الهمة والشرف في النسب، فإنه يعلو ولا يعلى عليه والله تعالى أعلم.
القرقس:
بكسر القافين، البعوض، قال الأصحاب: يستحب قتل المؤذيات للمحرم وغيره، كالحية والعقرب والخنزير والكلب العقور والغراب والحدأة والذئب والأسد والنمر والدب والنسر والعقاب والبرغوث والبق والزنبور والقراد والحلمة والقرقس وما أشبهها.
القرشام والقرشوم والقراشم:
القراد الضخم.
القرعبلانة:
دويبة عريضة محبنطئة الظهر والبطن، وأصله قرعبل فزيدت فيه ثلاث أحرف، لأن الاسم لا يكون على أكثر من خمسة أحرف وتصغيره قريعبة قاله الجوهري.
القرعوش:
القراد الغليظ.
القرقف:
كهدهد طير صغير.
القرقفنة:
بالنون المشددة، كذا ضبطه في العباب، روى الدينوري في المجالسة، وابن الأثير، من حديث وهب، «إذا كان الرجل لا ينكر عمل السوء على أهله، طار طائر يقال له القرقفنة، فيقع على مشريق بابه، فيمكث هناك أربعين يوما، فإن أنكر طار وذهب، وإن لم ينكر مسح بجناحيه على عينيه فصار قندعا ديوثا، فلو رأى الرجال مع امرأته، لم ير ذلك قبيحا.
فذلك القندع الديوث الذي لا ينظر الله تعالى إليه» .
قال ابراهيم الحربي: مشريق الباب مدخل الشمس، والقندع الديوث الذليل الذي لا يغار
стр. 854
ولا يفهم، وذكره الهروي بمعناه.
القرلي:
بضم القاف وكسرها وفتحها ملاعب ظله، وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الميم. قال الجواليقي: هو فارسي معرب، وقال الميداني: إنه طائر صغير الجرم، حديد البصر، سريع الاختطاف، لا يرى إلا فرقا على وجه الماء على جانب كطيران الحدأة، يهوي بإحدى عينيه إلى قعر الماء طمعا، ويرفع الأخرى إلى الهواء حذرا، فإن أبصر في الماء ما يستقل بحمله من السمك أو غيره، انقض عليه كالسهم المرسل، فأخرجه من قعر الماء، وإن أبصر في الهواء جارحا مر في الأرض، ومن أسجاع ابنة الخس: كن حذرا كالقرلى، إن رأى خيرا تدلى، أو رأى شرا تولى، وقال حمرة: قد خالف رواة النسب هذا التفسير، فقالوا: إن قرلى اسم رجل من العرب، كان لا يتخلف عن طعام أحد، ولا يترك موضع طعم إلا قصد إليه، وإن صادف في طريق قد سلكه خصومة، ترك ذلك الطريق ولم يمر به، فذلك قالوا فيه: «أطمع من قرلى» «١» فهذا ما حكاه النسابون، في تفسير هذا المثل، ثم قال: وأنا أقول: إنه خليق أن يكون هذا الرجل تشبه بهذا الطائر وتسمى باسمه قال الشاعر:
يا من جفاني وملا ... نسيت أهلا وسهلا
ومات مرحب لما ... رأيت ما لي قلا
إني أظنك تحكى ... بما فعلت القرلى
الحكم
: يحل أكله لأنه من طير الماء.
الأمثال
: قالوا: «أخطف «٢» وأطمع «٣» من قرلى» و «أحذر «٤» وأحزم «٥» من قرلى» .
القرمل:
ولد البختى والقرامل الإبل ذوات السنامين. وفي الحديث: تردى قرمل لبعض الأنصار على رأسه في بئر فلم يقدروا على نحره فسألوه ﷺ : فقال: «حرقوه ثم قطعوا أعضاءه» .
وأما قولهم في المثل: «دليل عاذ بقرملة» فهي شجرة ضعيفة لا شوك لها. قال «٦» جرير:
كأنّ الفرزدق إذ يعوذ بخاله ... مثل الذليل يعود تحت القرمل
يضرب لمن استعان بضعيف لا نصرة له، لأن القرملة شجرة على ساق لا تكن ولا تظل.
القرميد:
الأروية.
القرمود:
بفتح القاف ذكر الوعول حكاه ابن سيده.
القرنبى:
مقصور، دويبة طويلة الرجلين مثل الخنفساء، أو أعظم منها بيسير. وقال
стр. 855
الميداني، في قولهم «ألزق من القرنبى» «١» : إنها الجعل، وقال في موضع آخر: مثل الخنفس منقطة الظهر طويلة القوائم. وفي أدب الكاتب أنها أكبر من الخنفساء، قال الأخطل يصف جارية وبعلها:
ألا يا عباد الله قلبي متيم ... بأحسن من صلى وأقبحهم بعلا
ينام إذا نامت على عكناتها ... ويلثم فاها كالسلافة أو أحلى
يدبّ إلى أحشائها كلّ ليلة ... دبيب القرنبى بات يعلو نقا سهلا
قال الجاحظ: إنها تقتات الروث وتطلبه كما يطلبه الجعل.
الأمثال
: قالوا: «القرنبى في عين أمها حسناء» «٢» . وقالوا: «ألزق من قرنبى» لأن كل من بات بالصحراء، وكل من قام إلى الغائط تتبعه لأنها نوع من الجعل قال الشاعر:
ولا أطرق الجارات بالليل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاحره
القرهب:
كثعلب، الثور المسن، قاله الجوهري رحمه الله تعالى وغيره.
القزر:
بكسر القاف وبالزاي نوع من السباع، قال «٣» الحطيئة، لما حبسه عمر رضي الله تعالى عنه:
ماذا تقول لأفراخ بذي مرح ... خمص الحواصل لا ماء ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... القى إليك مقاليد النّهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدّموك لها ... لكن لأنفسهم كانت لها الأثر
فامنن على صبية بالرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاها بها القزر
أهلي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض دوية ما يفنى بها الخبر
القرم:
الفحل الكريم من الإبل الذي يترك من الركوب والعمل، ويودع القحة، والجمع قروم، والقرم من الرجال السيد العظيم، المجرب للأمور، وعلى المثل من ذلك قال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم
عطف صفة على صفة، لشيء واحد، كقولك: جاءني الظريف والعاقل، وأنت تريد شخصا واحدا، روى مسلم والنسائي وأبو داود، من حديث ابن شهاب، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب وقالا: لو بعثنا هذين الغلامين عبد المطلب بن ربيعة والفضل إلى رسول الله ﷺ ، وكلماه فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس وأصابا مما أصاب الناس، فبينما هما في ذلك، إذ جاء علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فوقف عليهما فذكرا له ذلك، فقال: لا تفعلا، فو الله ما هو بفاعل. وألقى علي رداءه
стр. 856
ثم اضطجع عليه وقال: أنا أبو حسن القرم، والله لا أبرح من مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما، فلما رجعا قالا: ذهبنا إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح، وقد جئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب ما يصيبون. فسكت ﷺ طويلا، ثم قال «١» : «إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا محمئة بن جزء ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب» . قالا: فجاآه، فقال لمحمئة:
«أنكح الفضل ابنتك» فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: «أنكح عبد المطلب ابنتك» . فأنكحه.
وقال لمحمئة: «أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا» . وكان رسول الله ﷺ استعمله على الأخماس انتهى.
ملخصا قوله أنا أبو حسن القرم، هو بتنوين حسن، والقرم مرفوع، قال ذلك لأجل الذي كان عنده من علم ذلك. وكان رضي الله تعالى عنه يقول هذه الكلمة عند الأخذ في بيان قضية تشكل على غيره، وهو يعرفها. ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل، حتى قالوا: «قضية ولا أبا حسن لها» ، أي هذه قضية مشكلة وليس هناك من يبينها، كما كان يفعل أبو الحسن رضي الله تعالى عنه، الذي هو علي بن أبي طالب.
القرة:
بالضم الضفدعة قاله الجوهري رحمه الله تعالى.
القسورة:
الأسد، قال الله تعالى: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ
«٢» . روى البزار بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: القسورة الأسد، قال الشاعر:
مضمر يحذره الأبطال ... كأنه القسورة الرئبال
وروى ابن طبرزذ، بإسناده إلى الحكم بن عبد الله بن خطاب عن الزهري عن أبي واقد، قال: لما نزل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الجابية، أتاه رجل من بني تغلب، يقال له روح بن حبيب بأسد في تابوت، حتى وضعه بين يديه، فقال رضي الله تعالى عنه: أكسرتم له نابا أو مخلبا؟
قالوا: لا. قال: الحمد لله سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما صيد مصيد إلا بنقص في تسبيحه» .
يا قسورة اعبد الله، ثم خلى سبيله.
وقد تقدم في باب الغين المعجمة، أنه روي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مثل ذلك في الغراب. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في القسورة: هو بلسان العرب الأسد، وبلسان الحبشة القسورة، وبلسان فارس سير، وبلسان النبط أرنا. وقيل القسورة فعولة من القسر، وهو القهر، سمي الأسد بذلك لأنه يقهر السباع، وقال ابن جبير: القسورة رجال القنص، وقيل القسورة الرجال الشداد، وقال ثعلب: القسورة سواد أول الليل خاصة لا آخره، والمعنى فرت من ظلمة الليل ولا شيء أشد نفارا من حمر الوحش. واللفظة مأخوذة من القسر الذي هو الغلبة والقهر.
стр. 857
القشعمان:
كالعقربان والثعلبان، النسر، قال الشاعر:
تركت أباك قد أطلى ومالت ... عليه القشعمان من النسور
يقال أطلى الرجل أي مالت عنقه للموت أو لغيره.
القشبة:
القردة قاله الجوهري رحمه الله تعالى، وقال الأصمعي: هي الصغيرة من أولادها.
الأمثال
: قالوا: «أكيس من قشبة» «١» . يضرب مثلا للصغار خاصة.
القصيرى:
مقصورا مصغرا ضرب من الأفاعي.
القط:
السنور والأنثى قطة، والجمع قطاط وقططة. قال ابن دريد: لا أحسبها عربية صحيحة. قلت: وهو محجوج بقوله ﷺ : «عرضت على جهنم فرأيت فيها المرأة الحميرية صاحبة القط الذي ربطته فلم تطعمه ولم تسرحه» . كذا رواه الربيع الجيزي فيمن ورد مصر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولما اتصلت ميسون بنت بحدل الكلبية أم يزيد بن معاوية بمعاوية، وكانت ذات جمال باهر، وحسن غامر، أعجب بها معاوية رضي الله تعالى عنه، وهيأ لها قصرا مشرفا على الغوطة، وزينه بأنواع الزخارف، ووضع فيه من أواني الفضة والذهب ما يضاهيه، ونقل إليه من الديباج الرومي الملون والموشى ما هو لائق به، ثم أسكنها، مع وصائف لها، كأمثال الحور العين، فلبست يوما أفخر ثيابها، وتزينت وتطيبت بما أعد لها، من الحلي والجوهر، الذي لا يوجد مثله، ثم جلست في روشنها، وحولها الوصائف، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها، وسمعت تجاوب الطير في أوكارها، وشمت نسيم الأزهار وروائح الرياحين والنوار، فتذكرت نجدا، وحنت إلى أترابها وأناسها، وتذكرت مسقط رأسها، فبكت وتنهدت فقالت لها بعض حظاياها: ما يبكيك وأنت في ملك يضاهي ملك بلقيس؟ فتنفست الصعداء، ثم أنشدت:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحبّ إلي من قصر منيف
ولبس عباءة وتقرّ عيني ... أحبّ إلي من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحبّ إلي من أكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فجّ ... أحبّ إلي من نقر الدفوف
وكلب ينبح الطراق دوني ... أحبّ إلي من قطّ ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعب ... أحبّ إلي من بغل زفوف
وخرق من بني عمي نحيف ... أحبّ إلي من علج عنوف
فلما دخل معاوية، عرفته الحظية بما قالت، وقيل: إنه سمعها، وهي تنشد ذلك، فقال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجا عنوفا، هي طالق ثلاثا، مروها فلتأخذ جميع ما في القصر،
стр. 858
فهو لها. ثم سيرها إلى أهلها بنجد. وكانت حاملا بيزيد فولدته بالبادية، وأرضعته سنتين ثم أخذه معاوية رضي الله تعالى عنه منها بعد ذلك. والأرواح جمع ريح قال ذو الرمة:
إذا هبت الأرواح من نحو جانب ... به أهل حبي هاج قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها
فقد أبدع وأحسن، فمن قال: هبت الأرياح فقد أخطأ ووهم، والصواب هبت الأرواح، كما قال ذو الرمة. وقد تقدم عن ميسون، والعلة في ذلك أن أصل ريح روح، لاشتقاقها من الروح.
وروي هذا الخبر على غير هذا الوجه، فأوردته لتحصل منه الفائدة. وهو: قيل: لما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية، ونقلها من البدو إلى الشأم، كانت تكثر الحنين إلى أناسها، والتذكر لمسقط رأسها فاستمع عليها معاوية ذات يوم، وهي تنشد الأبيات المتقدمة، فلما سمع معاوية الأبيات، قال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجا عنوفا، هي طالق.
وحكى ابن خلكان وغيره، في ترجمة الإمام أبي الحسن طاهر بن أحمد بن بابشاذ النحوي، أنه كان يوما على سطح جامع مصر يأكل شيئا، وعنده بعض أصحابه، فحضرهم قط، فرموا له لقمة، فأخذها في فيه وغاب عنهم، ثم عاد إليهم فرموا له لقمة ثانية، فأخذها وذهب ثم عاد، فرموا له شيئا فأخذه وذهب ثم عاد، ففعل ذلك مرارا كثيرة، وهم يرمون له وهو يأخذ ويغيب ثم يعود من فوره، فتعجبوا منه فتبعوه فإذا هو يأخذ ذلك الطعام، ويدخل به إلى خربة، فيها شبه البيت الخراب، وفي سطح ذلك البيت قط أعمى، فإذا هو يضع الطعام بين يديه، فتعجبوا من ذلك. فقال الشيخ ابن بابشاذ: إذا كان هذا حيوانا أخرس، قد سخر الله له هذا القط، وهو يقوم بكفايته ولم يحرمه الرزق، فكيف يضيع مثلي؟ ثم قطع الشيخ علائقه، وترك خدمة السلطان ولزم بيته وترك جميع أشغاله توكلا على الله تعالى، إلى أن مات في شهر رجب سنة تسع وستين وأربعمائة. وبابشاذ كلمة أعجمية يتضمن معناها الفرح والسرور.
وحكمه
: تقدم بعضه في باب السين المهملة، في لفظ السنور، وسيأتي إن شاء الله تعالى، بعضه في باب الهاء، في لفظ الهر.
وتعبيره
: سيأتي إن شاء الله تعالى، أيضا في باب الهاء.
القطا:
طائر معروف، واحده قطاط، والجمع قطوات وقطيات، وممن ذكر أن القطا من الحمام الرافعي في كتاب الحج والأطعمة، ومن أهل اللغة ابن قتيبة، وأنشد قول «١» النابغة الذبياني:
واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد
قال الأصمعي: هذه زرقاء اليمامة نظرت إلى قطا. قال البطليوسي، في الشرح: وليس في بيت النابغة دليل على أنه أراد بالحمام القطا، وإنما علم ذلك بالخبر المروي عن زرقاء اليمامة، أنها نظرت
стр. 859
إلى قطا فقالت:
يا ليت ذا القطا لنا ... ومثل نصفه معه
إلى قطاة أهلنا ... إذا لنا قطا مائه
قال: وقوله واحكم كحكم فتاة الحي، أي أصب في أمرك كإصابة فتاة الحي، فهو من الحكم الذي يراد به الحكمة لا من الحكم الذي يراد به القضاء، قال الله تعالى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
«١» أي حكمة. قال: وكان الأصمعي يروي شراع بالشين المعجمة، يريد الذي شرع في الماء. وروى غيره سراع بالسين المهملة، والثمد الماء القليل انتهى. وكانت عدة الحمام الذي رأته ستا وستين فتمنت، أن يكون لها هذا الحمام، ومثل نصفه وهو ثلاثة وثلاثون، ومجموع ذلك تسع وتسعون، فإذا ضم إلى حمامتها كان مائة. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك، في باب الحاء المهملة في الحمام. ويقال للقطاة: أم ثلاث، لأنها أكثر ما تبيض ثلاث بيضات قال الشاعر:
وأمّ ثلاث إن شببن عققنها ... وإن متن كان الصبر منها على نصب
يقول: إن شبّت فراخها فارقتها، فكان ذلك عقوقا لها، وإن متن لم تصبر إلا وهي حزينة قلقة.
والنصب: التعب والبلاء، ويقال للقطا والحمام وأنواعها أمهات الجوازل، والجوازل فراخها الواحد جوزل قال «٢» ذو الرمة:
سوى ما أصاب الذئب منه وسربه ... أطافت به من أمهات الجوازل
وقد تقدم قريب من هذا في باب الجيم. وسميت القطا بحكاية صوتها فإنها تقول ذلك، ولذلك تصفها العرب بالصدق، قال «٣» الكميت في وصفها:
لا تكذب القول إن قالت القطا صدقت ... إذ كلّ ذي نسبة لا بدّ ينتحل
وأنشد أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، قول «٤» الشاعر. قال المبرد: وأظنه توبة بن الحمير:
كأنّ القلب حين يقال يغدى ... بليلى العامرية أو يراح
قطاة غرّها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح
فلا في الليل نالت ما ترجى ... ولا في الصبح كان لها براح
ثم قال: وقوله: غرها قد تصحف عليه، فقال: غرها من الغرور، وليس كذلك، إنما هو عزها أي غلبها، كما قالت العرب «من عز بز ومن غلب سلب» «٥» . وغلق الجناح بالغين المعجمة من قولهم: لا يغلق الرهن على راهنه وقد تصحف بالعين المهملة انتهى.
стр. 860
نكتة
: ذكر الحريري في الدرة، أن ليلى الأخيلية، وهي المذكورة في الشعر كانت تتكلم بلغة بهراء، وذلك أنهم يكسرون حرف المضارعة، فيقولون أنت تعلم، وأنها استأذنت على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبي، فقال له: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في أن أضحكك منها؟ فقال:
افعل. فلما استقر بها المجلس، قال لها الشعبي: يا ليلى ما بال قومك لا يكتنون؟ فقالت له: ويحك أما نكتني؟ بكسر حرف المضارعة، فقال لها: لا والله، لو فعلت لاغتسلت! فخجلت من ذلك، واستغرق عبد الملك في الضحك. وفي غير رواية ابن هشام، في أبيات هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
مشى القطا النواتق
كما ذكره الزبير بن بكار، وقاله السهيلي في الروض الأنف، والمراد بالطارق النجم تريد أن أبانا نجم في شرفه وعلوه، قال «١» الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ
يعني النجم يطرق ليلا ويخفى نهارا. قال الثعلبي: أنشد أبو القاسم الحسن بن محمد المفسر، قال: أنشدني أبو الحسن الكازروني، قال «٢» : أنشدني ابن الرومي:
يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إنّ الحوادث قد تطرقن أسحارا
لا تفرحن بليل طاب أوله ... فربّ آخر ليل أجج النارا
ثم فسره تعالى بأنه النجم الثاقب أي المضيء. قال أبو زيد: كانت العرب تسمي الثريا النجم الثاقب، وقيل: هو زحل سمي به لارتفاعه، وروى ابن الجوزي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: الطارق نجم في السماء السابعة، لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء، هبط وكان معها، ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل فهو طارق حين ينزل، وطارق حين يصعد، والنواتق الكثيرات الأولاد، كأنها ترمي بالأولاد رميا والنتق الرمي والنفض والحركة، والقطا نوعان: كدري وجوني، وزاد الجوهري نوعا ثالثا وهو الغطاط، فالكدري غبر اللون رقش البطون والظهور صفر الحلوق قصار الأذناب، وهي ألطف من الجونية، والجونية سود بطون الأجنحة والقوادم، وظهرها أغبر أرقط تعلوه صفرة، وهي أكبر من الكدري تعدل جونية بكدريتين، وإنما سميت الجونية لأنها لا تفصح بصوتها إذا صوتت، وإنما تغرغر بصوت في حلقها. والكدرية فصيحة تنادي باسمها. ولا تضع القطاة بيضها، إلا أفرادا، وفي طبعها أنها إذا أرادت الماء ارتفعت من أفاحيصها أسرابا لا متفرقة عند طلوع الفجر، فتقطع إلى حين طلوع الشمس مسيرة سبع مراحل، فحينئذ تقع على الماء، فتشرب نهلا، والنهل شرب الإبل والغنم أول مرة فإذا شربت، أقامت حول الماء متشاغلة، إلى مقدار ساعتين أو ثلاث ثم تعود إلى الماء ثانية، وهذا يبعد ما حكاه الواحدي المفسر في شرحه لديوان أبي الطيب المتنبي في قوله «٣» :
وإذا المكارم والصوارم والقنا ... وبنات أعوج كلّ شيء يجمع
стр. 861
إن أعوج فحل كريم كان لبني هلال بن عامر، وإنه قيل لصاحبه: ما رأيت من شدة عدوه؟
فقال: ضللت في بادية وأنا راكبه، فرأيت سرب قطا يقصد الماء، فتبعته وأنا أغض من لجامه، حتى توافينا الماء دفعة واحدة اهـ. قلت: وهذا أغرب شيء يكون، فإن القطا شديد الطيران، وإذا قصدت الماء اشتد طيرانها أكثر، ثم ما كفاه حتى قال: وأنا أغض من لجامه، ولولا ذلك لكان سبق القطا.
وتوصف القطا بالهداية، والعرب تضرب بها المثل في ذلك، لأنها تبيض في القفر، وتسقي أولادها من البعد في الليل والنهار، فتجيء في الليلة المظلمة، وفي حواصلها الماء، فإذا صارت حيال أولادها، صاحت: قطا قطا فلم تخط بلا علم ولا إشارة ولا شجرة، فسبحان من هداها لذلك قال الشاعر:
والناس أهدى في القبيح من القطا ... وأضلّ في الحسنى من الغربان
وقال أبو زياد الكلابي: إن القطا تطلب الماء من مسيرة عشرين ليلة، وفوقها ودونها والجونية منها، تخرج إلى الماء قبل الكدرية قال «١» عنترة:
وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم «٢»
وقال «٣» الشاعر في وصفها:
أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتا يوافق معنى بعض ما فيها
سكاء مخضوبة في ريشها طرف ... سود قوادمها صهب خوافيها «٤»
وقال مزاحم «٥» العقيلي في القطاة وفرخها:
فلما دعته بالقطاة أجابها ... بمثل الذي قالت له لم تبدل «٦»
وأنشد «٧» ياقوت في معجم البلدان لأبي العباس الصيمري:
كم مريض قد عاش من بعد يأس ... بعد موت الطبيب والعوّاد
قد يصاد القطا فينجو سليما ... ويحل القضاء بالصياد
ذكر أنه كان بين أبي الفضل المعروف بابن القطا الشاعر المشهور بالبغدادي، وبين الحيص بيص التميمي الشاعر مناظرات، منها أنهما حضرا على سماط الوزير، فأخذ أبو الفضل قطاة مشوية
стр. 862
وقدمها إلى الحيص بيص، فقال الحيص بيص للوزير: يا مولاي هذا الرجل يؤذيني، قال: كيف؟
قال: يشير إلى قول «١» الشاعر:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت
أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... جلال المخازي عن تميم تجلّت
ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكرّ على صفي تميم لولت
ولأبي الفضل نوادر منها: أنه قعد يوما يأكل مع زوجته طعاما فقال لها: اكشفي رأسك. ففعلت، فقرأ سورة الإخلاص، فقالت: ما الخبر؟ فقال: إذا كشفت المرأة رأسها لم تحضر الملائكة، وإذا قرئت سورة الإخلاص هربت الشياطين، وأنا أكره الزحمة على المائدة.
فائدة
: العرب تصف القطا بحسن المشي لتقارب خطاها، ومشيها يشبه مشي النساء الخفرات بمشيتهن. ومن أحسن ما رأيت في ذلك قول هند بنت عتبة يوم أحد في غير رواية ابن هشام:
نحن بنات طارق ... نمشي على النمارق
مشي القطا النواتق
إلى آخر الرجز كما رواه الزبير بن بكار كما سبق. قال السهيلي، في الروض: يقال: إنهال تمثلت بهذا الرجز وإنه لهند بنت طارق بن فياض الأودية، قالته في حرب الفرس لإياد، فعلى هذا يكون إنشاده بنات طارق بالنصب على الاختصاص. كما قال:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل.
وإن كانت أرادت النجم، فبنات مرفوع لأنه خبر مبتدأ، أي نحن شريفات رفيعات كالنجوم. قال: وهذا التأويل عندي بعيد لأن طارقا وصف للنجم لطروقه، فلو أرادته لقالت:
نحن بنات الطارق. إلا أني رأيت الزبير بن بكار قال، في كتاب أنساب قريش: حدثني يحيى بن عبد الملك الهرمزي، قال: جلست ليلة وراء الضحاك «٢» بن عثمان الجذامي، في مسجد رسول الله ﷺ ، وأنا متقنع، فذكر الضحاك وأصحابه قول هند يوم أحد نحن بنات طارق، ثم قالوا: ما طارق؟ فقلت: النجم فالتفت الضحاك وقال: يا أبا زكريا كيف ذلك؟ فقلت: قال الله تعالى: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ
«٣» كأنها قالت: نحن بنات النجم، فقال: أحسنت انتهى. ومرادها بالقطا النواتق الكثيرات الأولاد، قال الجوهري: نتقت المرأة إذا كثر ولدها، فهي ناتق ومنتاق. ومن هذا الحديث الذي رواه ابن ماجه أن النبي ﷺ قال: «عليكم بالأبكار فإنهن أعذب أفواها، وأنتق أرحاما وأرضى باليسير» «٤» .
стр. 863
وحكمها
: حل الأكل بالإجماع، وعد الرافعي والأصحاب، في كتاب الحج، القطا من الحمام فأوجبوا على المحرم إذا قتل الواحدة، شاة وإن كان لا مثل لها من النعم. قال الشيخ محب الدين الطبري: وكذلك عدها من الحمام الجوهري والمشهور خلافه.
الأمثال
: قالوا: «أنسب من قطاة» «١» . وهو من النسبة، وذلك أنها إذا صوتت فإنها تنتسب، لأنها تصوت باسم نفسها فتقول: قطا قطا. وقالوا: «أصدق من القطاة» «٢» و «أقصر من إبهام القطاة» . وقالوا: «لو ترك القطا ليلا لنام» «٣» . وسبّبه أن عمرو بن امامة نزل على قوم من مراد فطرقوه ليلا فأثاروا القطا من أماكنها فرأتها امرأة طائرة، فنبهت زوجها فقال: إنما هذه القطا، فقالت: «لو ترك القطا ليلا لنام» . يضرب لمن حمل على مكروه من غير إرادته. وقيل:
قالته امرأة يقال لها حذام لما رأت القطا طار ليلا قالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لنام
فلم يلتفتوا إلى قولها وأخلدوا إلى مضاجعهم. فقام فيهم رجل وقال «٤» :
إذا قالت حذام فصدّقوها ... فإن القول ما قالت حذام
فنفر القوم وارتحلوا والتجؤوا إلى واد قريب منهم، فاعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا من عدوهم. يضرب هذا البيت لمن ظهر منه الصدق. وحذام مبني على الكسر مثل أمس. وقالوا:
«بيض القطا يحضنه الأجدل» «٥» وقد تقدم. وقالوا «٦» : «ليس قطا مثل قطى» ، أي ليس الأكابر مثل الأصاغر.
الخواص
: إذا أحرقت عظام القطا، وأخذ من رمادها وأغلي بالزيت الحار، وطلي به رأس الأقرع وموضع داء الثعلب أنبت الشعر. وقال ابن زهر: إنه جربه. ولحمها عسر الهضم رديء الغذاء، وإذا أخذ رأسها ويبس وصرفي خرقة كتان جديدة، وعلق على فخذ امرأة وهي نائمة أخبرت بجميع ما في نفسها، وبما فعلته فإن خلطت في الكلام فارم به عنها، لئلا تتوسوس، وإذا شق بطن قطاتين ذكر وأنثى وطبخ بطنهما وأخذ دسمهما وجعل في قارورة ودهن به إنسان، وهو لا يعلم أحب الداهن حبا شديدا.
خاتمة
: روى ابن حبان وغيره من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٧» : «من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة، بنى الله تعالى له في الجنة بيتا» . وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال «٨» : «من بنى لله مسجدا، بنى الله له بيتا في الجنة مثله» . مفحص القطاة بفتح الميم موضعها الذي تجثم فيه، وتبيض كأنها تفحص عنه التراب، أي تكشفه، والفحص البحث والكشف، وخصصت القطاة
стр. 864
بهذا لأنها لا تبيض في شجر ولا على رأس جبل، إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطيور، فلذلك شبه به المسجد، ولأنها توصف بالصدق كما تقدم. فكأنه أشار بذلك إلى الإخلاص في بنائه، كما قال سيدي الشيخ، العارف بالله تعالى، أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: خالص العبودية الاندماج في طي الاحكام من غير شهوة ولا إرادة، وهذا شأن هذا الطائر. وقيل: إنما شبه بذلك لأن أفحوصها يشبه محراب المسجد في استدراته وتكوينه، وقيل:
خرج ذلك مخرج الترغيب بالقليل عن الكثير، كما خرج التحذير بالقليل عن الكثير قوله «١» ﷺ :
«لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده» . ولأن الشارع يضرب المثل في الشيء بما لا يكاد يقع كقوله ﷺ : «ولو سرقت فاطمة بنت محمد» . وهي رضوان الله عليها لا يتوهم منها سرقة. وكقوله «٢» ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا ولو عبدا حبشيا» . يعني فأطيعوه، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال «٣» : «الأئمة من قريش» . وقيل: المراد طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشيا.
التعبير
: القطا في المنام يدل على الصدق والفصاحة والألفة والأنس، وربما دلت القطاة على امرأة معجبة بنفسها، وهي ذات جمال غير الفة والله تعالى أعلم.
القطا:
بتشديد الطاء، قال القزويني: سمكة عظيمة ذكروا أن عظم ضلعها يتخذ منه قنطرة يعبر الناس عليها وشحمه إذا طلي به البرص يزول.
القطامي:
الصقر تضم قافه وتفتح وهو من أعظم الطيور التي يصاد بها وهو عزيز الوجود.
قطرب:
طائر يجول الليل كله لا ينام، وقالو: «أجول من قطرب» «٤» و «أسهر «٥» من قطرب» . وقطرب لقب محمد بن المستنير النحوي صاحب المثلث وغيره، كان من أهل العربية، وكان حريصا على الاشتغال والتعلم، فكان يبكر إلى سيبويه قبل حضور أحد من التلامذة، فقال له يوما: ما أنت إلا قطرب ليل! فبقي عليه هذا اللقب. توفي سنة ست ومائتين.
والقطرب والقطروب، قال ابن سيده: إنه الذكر من السعالي، وقيل: هما صغار الجن، وقيل: القطارب صغار الكلاب واحدها قطرب، والقطرب دويبة لا تستريح نهارها سعيا. وقال الإمام محمد بن ظفر: القطرب حيوان يكون بالصعيد من أرض مصر، يظهر للمنفرد من الناس، فربما صده عن نفسه إذا كان شجاعا، وإلا لم ينته حتى ينكحه، فإذا نكحه هلك. وهم إذا رأوا من ظهر له القطرب قالوا: أمنكوح أم مروع؟ فإن قال: منكوح أيسوا من حياته، وإن قال:
مروع عالجوه. قال: وقد رأيت أهل مصر يلهجون بذكره انتهى.
والقطرب الفأر والذئب الأمعط والسفيه ونوع من الماليخوليا وفي الحديث «لا يلقين أحدكم جيفة ليل قطرب نهار» . وهذا من كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. رواه عنه آدم بن أبي
стр. 865
إياس العسقلاني في كتاب الثواب، موقوفا عليه. وقيل: مرفوعا وقالوا في معناه: إن القطرب لا يستريح في النهار، والمراد لا ينامن أحدكم الليل كله كأنه جيفة، ثم يكون بالنهار كأنه قطرب، لكثرة جولانه وطوفانه في أمر دنياه، فإذا أمسى، كان كالا تعبا، فينام ليله كله حتى يصبح كالجيفة لا يتحرك.
القشعبان:
كمهرجان دويبة كالخنفساء قاله في العباب.
القعود:
من الإبل ما اتخذه الراعي للركوب وحمل الزاد، والجمع أقعدة وقعد وقعدان وقعائد، وقيل: القعود القلو ص، وقيل البكر قبل أن يثني ثم هو جمل والقعود الفصيل.
القعيد:
بفتح القاف الجراد الذي لم يستو جناحاه، والقعيد من الوحش الذي يأتيك من ورائك وهو خلاف النطيح.
القعقع:
كفلفل طائر أبلق ضخم من طير الماء طويل المنقار قاله الجوهري رحمه الله تعالى.
زاد ابن سيده: وفيه بياض وسواد.
القلو:
بالكسر الحمار الخفيف في السير.
القلقاني:
طائر كالفاختة. قاله الجوهري وغيره.
القلوص:
من النوق الشابة، وهي بمنزلة الجارية من النساء، وجمعها قلص وقلائص مثل قدوم وقدائم قال الراجز:
متى تقول القلص الرواسما ... يحملن أم قاسم وقاسما
نصب القلص كما ينصب بالظن وهي لغة سليم ومنه قول عمر بن أبي ربيعة «١» :
أما الرحيل فدون بعد غد ... فمتى تقول الدار تجمعنا «٢»
وقال العدوي: القلوص أول ما يركب من إناث الإبل إلى أن تثني، فإذا أثنت فهي ناقة وقد تقدم في باب العين المهملة في الكلام على العير قول «٣» سالم بن دارة «٤» :
لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار
روى ابن المبارك، في الزهد والرقائق، عن القاسم مولى معاوية، قال: أقبل أعرابي إلى النبي ﷺ على قلوص له صعب، فسلم فجعل كلما دنا إلى النبي ﷺ ليسأله: نفر به القلوص، وجعل أصحاب النبي ﷺ يضحكون، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم وقصه فقتله. فقيل: يا رسول الله
стр. 866
إن الأعرابي قتله قلوصه، حين صرعه. فقال ﷺ : «نعم وأفواهكم ملأى من دمه» . كذا رواه ابن المبارك مرسلا، وهو في الإحياء في الآفة العاشرة من آفات اللسان.
وفي سنن أبي داوود عن اسحاق بن عبد الله بن الحارث مرسلا، أن النبي ﷺ «اشترى ببضعة وعشرين قلوصا حلة فأهداها إلى ذي يزن» «١» .
وفي كامل ابن عدي، في ترجمة عمارة بن زادان الصيدلاني، عن ثابت عن أنس بن مالك أن ذا يزن أهدى النبي ﷺ حلة، قومت بعشرين بعيرا، فلبسها ﷺ ثم كساها عمر رضي الله تعالى عنه، ثم قال: «إياك أن تخدع عنها» . وروى الحاكم عن أبي الزبير عن جابر، قال: «استأجرت خديجة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ سفرتين إلى جرش، كل سفرة بقلوص» . ثم قال:
صحيح الإسناد.
والمعروف من ذلك ما في طبقات ابن سعد. قال: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد علينا الزمان، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشأم، وخديجة بنت خوليد تبعث رجالا من قومك في عيرها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها، لأسرعت إليك. وبلغ ذلك خديجة، فأرسلت إليه ﷺ وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. وفي رواية أن أبا طالب أتاها، فقال لها: هل لك أن تستأجرى محمدا، فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات؟ فقالت خديجة ﵂: لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا، فكيف وقد سألت لحبيب قريب! فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك.
فخرج ﷺ مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدموا بصرى من الشأم، فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلا نبي، ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي، لبعد العهد بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين قبل ذلك. والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام. فتكون الشجرة على هذا مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وذكر أبو عمر بن عبد البر أن نسطورا رآه، وقد أظلته غمامة، فقال: هذا نبي، وهو آخر الأنبياء. ثم باع رسول الله ﷺ سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله ﷺ : «ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما» . فقال الرجل:
القول قولك. وكان ميسرة، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول الله ﷺ من الشمس! وكان الله تعالى قد ألقى عليه المحبة من ميسرة ﵁، فكان كأنه عبد له، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول الله ﷺ ، وأخبر خديجة رضي الله تعالى عنها بالربح، ثم قدم ميسرة ﵁ فأخبرها
стр. 867
بذلك، وبما شاهده من رسول الله ﷺ ، وبما قاله الراهب. فأضعفت لرسول الله ﷺ ما سمت له.
وقد تقدم للقلوص ذكر في لفظ الفلو في قوله ﷺ : «إن الله يربي الصدقة للمتصدق كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه» «١» . والقلوص أيضا الأنثى من النعام.
القليب:
كالسكين، الذئب وكذلك القلوب كالخنوص قال الشاعر:
أيا أمنا أبكى على أمّ واهب ... أكيلة قلّوب بإحدى المذانب
القمري:
طائر مشهور، كنيته أبو زكرى وأبو طلحة، وهو حسن الصوت والأنثى قمرية والذكر ساق حر، والجمع قماري غير مصروف. قال ابن السمعاني في الأنساب: القمرة بلدة تشبه الجص لبياضها وأظنها بمصر، منها الحجاج بن سليمان بن أفلح القمري مصري روى عن مالك بن أنس والليث بن سعد وغيرهما، مات فجأة سنة ثمان وتسعين ومائة.
وروى عنه محمد بن سلمة المرادي وغيره. قال: والقمري طائر منسوب إلى هذه البلدة.
هكذا ذكره صاحب المجمل. وقال ابن سيده: القمري طائر صغير من الحمام والأنثى قمرية وجمعها قماري وقمر. انتهى.
وكان عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، لما طلق زوجته عاتكة بنت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ينشد «٢» :
أعاتك لا أنساك ما ذرّ شارق ... وما ناح قمري الحمام المطوق
ولم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها من غير جرم يطلق
أعاتك قلبي كلّ يوم وليلة ... إليك بما تخفي النفوس معلق
لها خلق جزل ورأي ومنصب ... وخلق سوي في الحياة ومنطق
فرق له أبوه وأمره أن يراجعها. والقصة في ذلك حسنة طويلة جدا، مذكورة في الاستيعاب والتمهيد وغيرهما.
وقال القزويني: إذا ماتت ذكور القماري لم تتزاوج إناثها بعدها، وتنوح عليها إلى أن تموت، ومن العجب أن بيض القماري يجعل تحت الفواخت، وبيض الفواخت تحت القماري. وذكر أن الهوام تهرب من صوت القماري. روى أبو المظفر بن السمعاني عن والده، قال: أنشدنا سعيد بن المبارك النحوي لنفسه:
أرى الفضل منّاح التأخر أهله ... وجهل الفتى يسعى له في التقدم
كذاك أرى الخفاش ينجيه قبحه ... ويحتبس القمري حسن الترنم
فائدة
: كان الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه جالسا بين يدي الإمام مالك بن أنس
стр. 868
رضي الله تعالى عنه، فجاء رجل فقال لمالك: إني رجل أبيع القماري، وإني بعت في يومي هذا قمريا فرده علي المشتري، وقال: قمريك لا يصيح، فحلفت له بالطلاق أنه لا يهدأ من الصياح، فقال له الإمام مالك: طلقت زوجتك ولا سبيل لك عليها! وكان الإمام الشافعي يومئذ ابن أربع عشرة سنة، فقال لذلك الرجل: أيما أكثر: صياح قمريك أم سكوته؟ فقال: لا بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك. فعلم بذلك الإمام مالك، فقال: يا غلام من أين لك هذا؟ فقال: لأنك حدثتني عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أن فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إن أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال «١» ﷺ : «أما معاوية فصعلوك لا مال له وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه» . وقد علم رسول الله ﷺ أن أبا جهم كان يأكل وينام ويستريح، وقد قال ﷺ : «لا يضع عصاه» على المجاز، والعرب تجعل أغلب الفعلين كمداومته، ولما كان صياح قمري هذا أكثر من سكوته، جعلته كصياحه دائما. فتعجب الإمام رضي الله تعالى عنه من احتجاجه، وقال له: أفت فقد آن لك أن تفتي فأفتى من ذلك السن.
غريبة
: ذكر ابن خلكان وابن الأثير، في تاريخهما، أن بعض الملوك بقلاع الهند، أهدى للسلطان محمود بن سبكتكين «٢» هدايا كثيرة من جملتها طائر على هيئة القمري، من خاصيته أنه إذا حضر الطعام وفيه سم دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجر، فإذا حك ووضع على الجراحات الواسعة يختمها. ذكر ذلك ابن الأثير في حوادث سنة أربع وعشرين وأربعمائة، وذكره ابن خلكان، في ترجمة السلطان المذكور. ثم ذكر ابن خلكان في ترجمته، عن إمام الحرمين عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد الله الجويني «٣» ، أن السلطان المذكور كان حنفي المذهب، وكان مولعا بعلم الحديث، وكان يسمع عنده الحديث، وكان يسأل عن معناه، فيجد أكثره موافقا لمذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فجمع فقهاء المذهبين، والتمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين، فوقع الاتفاق على أن يصلى بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي، ثم على مذهب الإمام أبي حنيفة ركعتان، فنيظر السلطان إلى ذلك، ويختار الأحسن.
فصلى القفال المروزي «٤» بطهارة سابغة، وشرائط معتبرة من الطهارة، والسترة، واستقبال القبلة، وأتى بالأركان والهيآت، والسنن والأبعاض والآداب، على وجه الكمال، وكانت صلاة لا يجوز الشافعي دونها.
ثم صلى ركعتين على ما يجوز أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، فلبس جلد كلب كان مدبوغا، ولطخ بعضه بالنجاسة، وتوضأ بنبيذ التمر، وكان ذلك في صميم الصيف، فاجتمع عليه الذباب والبعوض وكان وضوؤه منكسا منعكسا، ثم استقبل القبلة، وأحرم بالصلاة من غير نية في
стр. 869
الوضوء، وكبر بالفارسية، ثم قرأ بها دو برك سبز ثم نقر كنقرات الديك، من غير فصل بينها، ومن غير طمأنينة، وتشهد وضرط في آخرهما، وخرج من غير نية السلام، وقال: أيها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة! فقال السلطان: لو لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأن مثل هذه الصلاة لا يجوزها ذو دين، فأنكرت الحنفية أن تكون هذه الصلاة جائزة عند أبي حنيفة، فطلب القفال كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان بإحضارها، وأمر نصرانيا أن يقرأ كتب المذهبين جميعا، فوجدت الصلاة التي صلاها القفال جائزة عند أبي حنيفة، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة، وتمسك بمذهب الشافعي ﵄. وتوفي السلطان بغزنة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وتفسير دو برك سبز ورقتان خضراوتان، وهو معنى قوله «١» تعالى: مُدْهامَّتانِ
قلت:
وقد ذكر أنه أتى بالسنن والأبعاض والآداب والهيآت، فقوله: لا يجوز الشافعي دونها غير مستقيم، والمشهور أنه أتى بما لا تصح الصلاة إلا به.
وحكمه
: حل الأكل بالإجماع، كالحمام لأنه نوع منه كما تقدم.
التعبير
: القمرية في المنام امرأة دينة، وقيل: القمري رجل قارىء لقصائد الشعر طيب الحنجرة. وقالت اليهود: من رأى قمريا أو بلبلا، أو ما أشبه ذلك، نال خيرا، وإن كان له مسافر قدم عليه، وإن كان في غم فرج الله تعالى عنه، وإن كانت له حاجة بعيدة قربت، ومن رأى هذه الأشياء، في زمن الربيع، قضيت حاجته، وإن رآها في غير زمن الربيع تأخرت حاجته إلى زمن الربيع. وتدل رؤيتها للحامل، على وضع ذكر. والله تعالى أعلم.
القمعة:
بالتحريك ذباب يركب الإبل والظباء إذا اشتد الحر، يقال: الحمار يقمع أي يحرك رأسه. وقال الجاحظ: هو ضرب من ذباب الكلاب، قال في الكفاية: القمع ذباب أزرق عظيم.
القمعوط والقمعوطة:
دويبة حكاه ابن سيده.
القمل:
معروف واحدته قملة. ويقال لها أيضا قمال. قاله ابن سيده، والقمل جمع قملة، وقد قمل رأسه قملا، وكنية القملة أم عقبة، وأم طلحة ويقال للذكر أبو عقبة، والجمع بنات عقبة وبنات الدروز والدروز الخياطة، سميت بذلك لملازمتها إياها. وقملة الزرع دويبة تطير كالجراد في خلقة الحلم، وجمعها قمل، قاله الجوهري. والقمل المعروف يتولد من العرق والوسخ إذا أصاب ثوبا أو بدنا أو ريشا أو شعرا، حتى يصير المكان عفنا، وقال الجاحظ: ربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظف وتعطر وبدل الثياب، كما عرض لعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، حتى استأذنا «٢» رسول الله ﷺ في لبس الحرير، «فأذن لهما فيه» ولولا أنهما كانا في حد الضرورة، لما أذن لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد. فلما كان في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه رأى على بعض بني المغيرة من أخواله قميص حرير، فعلاه بالدرة فقال المغيري: أو ليس عبد الرحمن بن عوف لبس الحرير؟ قال عمر رضي الله تعالى عنه: وأنت مثل عبد الرحمن بن عوف لا أم لك؟
стр. 870
قال: ومن طبع القمل أنه يكون في شعر الرأس الأحمر أحمر، وفي الشعر الأسود أسود، وفي الشعر الأبيض أبيض، ومتى تغير الشعر تغير إلى لونه. قال: وهو من الحيوان الذي إناثه أكبر من ذكوره، وقيل: إن ذكوره الصيبان، وقيل: الصيبان بيضه، كما تقدم في باب الصاد المهملة.
روى «١» الحاكم، في أوائل المستدرك، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، أنه قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال ﷺ : «الأنبياء» . قال: ثم من؟ قال ﵊: «العلماء» . قال: ثم من؟ قال ﵊: «الصالحون كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى لا يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» . ثم قال: صحيح الإسناد على شرط مسلم.
والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام ويعرض للقردة. وأما قملة النسر، فهي التي تكون في بلاد الجبل، وتسمى بالفارسية دره، وهي إذا عضت قتلت، وهي أعظم من القمل، وإنما سميت قملة النسر لأنها تخرج منه.
فائدة
: اختلف العلماء في القمل المرسل على بني إسرائيل، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وقال مجاهد والسدي والكلبي رضي الله تعالى عنهم:
هو الجراد الطيار الذي له أجنحة. وقيل: الدبا، وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له. وقال عكرمة رضي الله تعالى عنه: بنات الجراد، وقال أبو عبيد: هو الحمنان، وهو ضرب من القراد.
وقال أبو زيد: البراغيث. وقال الحسن وسعيد بن جبير: دواب سود صغار. وقال عطاء الخراساني رضي الله تعالى عنه: هو القمل المعروف باسكان الميم.
روي أن موسى ﵊، مشى بعصاه إلى كثيب أعفر مهيل بقرية من قرى مصر تدعى عين شمس، فضربه بعصاه، فانتشر كله قملا في مصر، فتتبع ما بقي من حروثهم وأشجارهم ونباتهم، فأكله ولحس الأرض، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده فيعضه، وكان أحدهم يأكل الطعام، فيمتلىء قملا، فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من ذلك القمل، فإنه أخذ بشعورهم وأبشارهم، وأشفار عيونهم وحواجبهم، ولزم عيونهم وجلودهم، كأنه الجدري فمنعهم النوم والقرار فصرخوا وصاحوا إلى موسى ﵇: إنا نتوب فادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء، فدعا لهم موسى ﵇، فرفع الله القمل عنهم بعدما أقام عليهم سبعة أيام، من السبت إلى السبت. والقمل هو أحد الآيات الخمس، قال «٢» الله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ
يتبع بعضها بعضا وتفصيلها أن كل عذاب يمتد أسبوعا، وبين كل عذابين شهر. قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن اسحاق رضي الله تعالى عنهم، في تفسير هذه الآية: لما آمنت السحرة، ورجع فرعون مغلوبا، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات.
стр. 871
فلما أتاهم موسى بالآيات الأربع: اليد والعصا والسنين ونقص الثمرات، أبوا أن يؤمنوا وأصروا على كفرهم. فدعا عليهم موسى ﵊ فقال: رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغا وعتا، وإن قومه قد نقضوا عهدك، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم ولقومي عظة، ولمن بعدهم آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان، وهو الماء أرسل الله عليهم السماء، وكانت بيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة ومختلطة، فامتلأت بيوت القبط، حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة. وركد الماء على أراضيهم، لا يقدرون على حرث ولا غيره من الأعمال أسبوعا من السبت إلى السبت، وقال مجاهد وعطاء رضي الله تعالى عنهما: الطوفان الموت. وقال وهب: الطوفان الطاعون بلغة اليمن، وقال أبو قلابة: الطوفان الجدري، وهو أول ما عذب به، فبقي في الأرض.
قال نحاة الكوفة: الطوفان مصدر لا يجمع كالرجحان والنقصان، وقال أهل البصرة: هو جمع واحده طوفانة.
فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا البلاء، فلئن كشف عنا هذا البلاء، لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان، وأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر، وأخصبت بلادهم، فقالوا: ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا، فلم يؤمنوا وأقاموا شهرا في عافية. فبعث الله تعالى عليهم الجراد، فأكل عامة زرعهم وثمارهم وأوراق الشجر، حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت، والخشب والثيات والأمتعة، ومسامير الأبواب من الحديد، حتى وقعت دورهم، وابتلوا بالجوع، فكانوا لا يشبعون، ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء، فعجوا وضجوا إلى موسى ﵇، وسألوه رفع ذلك عنهم، فدعا له فكشف الله عنهم الجراد، بعدما أقام أسبوعا من السبت إلى السبت.
روي أن موسى ﵇ برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب، فرجعت الجراد من حيث جاءت. فأقاموا مصرين على كفرهم شهرا في عافية، ثم بعث الله تعالى عليهم القمل، وقد تقدم ذكره، فعجوا وضجوا، وسألوا رفع ذلك عنهم، وقالوا: إنا نتوب، فدعا موسى ﵊ ربه أن يرفع ذلك القمل فرفع الله تعالى عنهم القمل بعدما أقام عليهم أسبوعا، من السبت إلى السبت، فنكثوا وعادوا إلى أخبث أعمالهم، فأقاموا شهرا في عافية، فبعث الله عليهم الضفادع، فامتلأت منها بيوتهم وأفنيتهم، وكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وأطعمتهم وآنيتهم، فلا يكشف أحد منهم طعاما ولا إناء إلا وجد فيه الضفادع، وكان الرجل يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه. وكانت تلقي نفسها في القدر وهي تغلي، فتفسد طعامهم، وتطفىء نيرانهم، ولا يعجنون عجينا إلا انشدخت فيه، وإذا اضطجع أحدهم تركبه الضفادع، حتى تكون عليه ركاما، حتى لا يستطيع أن ينصرف إلى شقه الآخر. فلقوا منها أذى شديدا، فضجوا وصرخوا، وصاحوا وسألوا موسى ﵇، فقالوا:
ادع لنا ربك يكشفها عنا، فدعا ربه فرفع الله تعالى عنهم الضفادع، بعدما أقامت عليهم أسبوعا من السبت إلى السبت، فأقاموا شهرا في عافية، ثم نقضوا العهود وعادوا لكفرهم، فأرسل الله تعالى عليهم الدم، فسال النيل عليهم دما، وصارت مياههم دما، فما يستقون من الآبار إلا دما
стр. 872
عبيطا أحمر، فشكوا إلى فرعون، فقالوا: ليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم.
وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دما، حتى كانت المرأة من آل فرعون تأتي المرأة من بني إسرائيل، حين جهدهم العطش، فتقول: اسقيني من مائك، فتصب لها من قربتها فيعود في الإناء دما، حتى كانت تقول: اجعليه في فيك ثم مجيه في فمي، فتأخذ في فيها ماء، فإذا مجته في فيها صار دما، وإن فرعون اعتراه العطش حتى إنه اضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة، فإذا مضغها، يصير ماؤها في فيه ملحا أجاجا، فمكثوا كذلك أسبوعا من السبت إلى السبت لا يشربون إلا الدم. وقال زيد بن أسلم: الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى ﵇، وقالوا: ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك، ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا لهم فرفع عنهم الدم، فلم يؤمنوا. فذلك قوله «١» قوله : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ
وهو ما ذكره الله من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقال ابن جبير: الرجز الطاعون، وهو العذاب السادس بعد الآيات الخمس حتى مات منهم سبعون ألفا في يوم واحد.
روينا عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما: أسمعت رسول الله ﷺ يقول في الطاعون شيئا؟ فقال أسامة: سمعت رسول الله ﷺ يقول «٢» : «الطاعون رجز أرسل على بني إسرائيل أو على من قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه» .
فسألوا موسى ﵇ فدعا ربه فكشفه عنهم، فتمادوا في كفرهم وطغيانهم إلى أن أغرق الله تعالى فرعون وملأه في اليم وقد تقدم ذكر غرقه، في باب الحاء المهملة، في لفظ الحصان.
قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة، وعاش ستمائة وعشرين سنة، لا يرى مكروها، ولو حصل له في تلك المدة جوع يوم، أو حمى ليلة، أو وجع ساعة، لما ادعى الربوبية قط.
وقد ظفرت بهذه القصة مختصرة، فأوردتها عقب هذا، لتحصل الفائدة، وهو أن موسى ﵇ مشى بعصاه إلى كثيب أعفر مهيل، فضربه فانتشر كله قملا في مصر، ثم إنهم قالوا:
ادع لنا ربك في كشف هذا عنا فدعا فكشف عنهم، فرجعوا إلى طغيانهم، فبعث الله عليهم الضفادع، فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم، وإذا هم الرجل أن يتكلم دخلت الضفادع في فيه وتلقي نفسها في القدر، وهي تغلي. فقالوا: ادع لنا ربك يكشفها فكشف عنهم، فرجعوا إلى كفرهم، فبعث الله تعالى عليهم الدم، فرجع ماؤهم الذي كانوا يشربونه دما، فكان الرجل منهم إذا استقى من البئر وارتفع إليه الدلو عاد دما. وقيل: سلط الله تعالى عليهم الرعاف.
стр. 873
فائدة أخرى
: «نهى النبي ﷺ أن تقصع القملة بالنواة» أي تقتل، والقصع الدلك بالظفر وإنما خص النوى لأنهم كانوا يأكلونه عند الضرورة، وقيل: لأن النواة كانت مخلوقة من فضلة طينة آدم ﵊. وفي الحديث: «أكرموا النخلة فإنها عمتكم» . وفي حديث آخر «نعمت العمة لكم النخلة» . وقيل: لأن النوى قوت الدواب، وقال الجوهري في الحديث: إنه نهى عن قصع الرطبة، وهو عصرها لتقشر.
الحكم
: يحرم أكل القمل بالإجماع، وإذا ظهر على بدن المحرم أو ثيابه لم يكره له تنحيته، فإن قتله لم يلزمه شيء لكن يكره أن يفلي رأسه أو لحيته، فإن فعل وأخرج منهما قملة فقتلها تصدق ولو بلقمة. قال الأكثرون: هذا التصدق مستحب، وقيل: واجب لما فيه من إزالة الأذى عن الرأس واللحية، وليس هذا التصدق فداء للقمل، حتى يدل ذلك على حل الأكل، وإنما التصدق في مقابلة الترفه الحاصل للمحرم. وأفاد الترمذي الحكيم أنه إذا وجد الجالس على الخلاء قملة، لا يقتلها بل يدفنها. فقد روي أنه من قتل قملة وهو على رأس خلائه بات معه في شعاره شيطان فينسيه ذكر الله أربعين صباحا. وقيل: من قتل قملة على رأس خلائه لن يكفي الهم ما عاش.
وفي فتاوى قاضي خان، لا بأس بطرح القملة حية والأدب أن يقتلها.
فرع
: يجوز لبس الثوب الحرير لدفع القمل، لأنه لا يقمل بالخاصية، ولذلك رخص النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما في لبسه لذلك، كما تقدم.
رواه الشيخان والأصح أنه لا يختص بالسفر، وفي وجه اختاره الشيخ أبو محمد الجويني وابن الصلاح يختص به، لأن الرواية مقيدة بذلك. وقال مالك: لا يجوز لبسه مطلقا لأن وقائع الأحوال عنده لا تعم وهو وجه بعيد عندنا.
فرع
: إذا رأى المصلي في ثوبه قملة، أو برغوثا؟ قال الشيخ أبو حامد: الأولى أن يتغافل عنها فإن ألقاها بيده أو أمسكها حتى يفرغ فلا بأس، فإن قتلها في الصلاة عفي عن دمها دون جلدها، وإن قتلها وتعلق جلدها بظفره أو بثوبه بطلت صلاته. قال: ولا بأس بقتلها في الصلاة كما لا بأس بقتل الحية والعقرب، فإن ألقى القملة بيده فلا بأس. قال القمولي: وينبغي أن يختص جواز إلقائها بغير المسجد، والذي قاله صحيح متعين لقوله «١» ﷺ : «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليصرها في ثوبه حتى يخرج من المسجد» . رواه أحمد في مسنده، بإسناد صحيح. وفي المسند أيضا عن شيخ من أهل مكة من قريش، قال: وجد رجل في ثوبه قملة، فأخذها ليطرحها في المسجد، فقال له رسول الله ﷺ : «لا تفعل ردها في ثوبك حتى تخرج من المسجد» . وإسناده أيضا صحيح. وقال البيهقي: إنه مرسل حسن. ثم روى عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه رأى قملة، على ثوب رجل في المسجد، فأخذها فدفنها في الحصا، ثم قال أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
«٢» قال: ويذكر نحو هذا عن مجاهد.
وعن ابن المسيب أنه يدفنها كالنخامة قال: وروينا عن مالك بن عامر، أنه قال: رأيت معاذ
стр. 874
بن جبل رضي الله تعالى عنه يقتل البراغيث والقمل في الصلاة، وفي رواية رأيت معاذا يقتل القمل في الصلاة ولكن لا يعبث.
وروى البزار والطبراني في معجمه الأوسط، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليدفنها» . وقال أبو عمر بن عبد البر في التمهيد: وأما القملة والبرغوث فأكثر أصحابنا يقولون: لا يؤكل طعام مات فيه شيء منهما لأنهما نجسان، وهما من الحيوان الذي عيشه من دم حيوان، لا عيش لهما غير الدم، ولهما دم فهما نجسان. وكان سليمان بن سالم القاضي الكندي من أهل أفريقية يقول: إن ماتت القملة في ماء طرح ولا يشرب، وإن وقعت في دقيق، ولم تخرج في الغربال، لم يؤكل الخبز، وإن ماتت في شيء جامد طرحت وما حولها كالفأرة. وقال غيره من أصحابنا وغيرهم: إن القملة كالذباب سواء، وقال في التمهيد أيضا: ذكر نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، أن النبي ﷺ «كان يقتل القمل في الصلاة أو قتل القمل في الصلاة» . قال نعيم: هذا أول حديث سمعته من ابن المبارك.
الأمثال
: قالت العرب: «غل قمل» «١» يضرب للمرأة السيئة الخلق. قال ابن سيده في الحديث: «النساء غل قمل» يقذفها الله في عنق من يشاء ثم لا يخرجها إلا هو، وهذا بعض أثر.
وفي الفائق في آخر باب الهاء مع الباء، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: النساء ثلاث هينة لينة عفيفة مسلمة، تعين أهلها على العيش، ولا تعين العيش على أهلها، وأخرى وعاء للولد، وأخرى غل قمل يضعه الله في عنق من يشاء، ويكفه عمن يشاء. والرجال ثلاثة: رجل ذو رأي وعقل، ورجل إذا حز به أمر أتى ذا رأي فاستشاره، ورجل حائر بائر لا يأتمر رشيدا، ولا يطيع مرشدا. وقال الأصمعي: كانوا يغلون الأسير بالقيد وعليه الوبر فإذا طال الغل عليه قمل فيلقى منه جهدا. يضرب لكل من يلقى في شدة، قال: وهذا هو السبب في قول حاتم الطائي: «لو غير ذات سوار لطمتني» ، وذلك أنه مر ببلاد نميرة في بعض الأشهر الحرم، فناداه أسير لهم: يا أبا سفانة أكلني الإسار والقمل، فقال: ويحك أسأت إذ نوهت باسمي في غير بلاد قومي، فساوم القوم به ثم قال: أطلقوه واجعلوا يدي في الغل مكانه ففعلوا، فجاءته امرأة ببعير لتفديه، فقام فنحره فلطمته، فقال: لو غير ذات سوار لطمتني، يعني أني لا أقتص من النساء فعرف ففدى نفسه.
الخواص
: قال الجاحظ: القمل يعتري ثياب غير المجذومين، قال ابن الجوزي: والحكمة في ذلك أنه لما تولع الجذام بأطرافهم صعب عليهم الحك، فمنع الله عنهم ذلك لطفا بهم، كما أنه منع عن الأخرس السمع لطفا به، وإذا ألقيت القملة وهي حية أورثت النسيان. كذا رواه ابن عدي في كامله، في ترجمة أبي عبد الله الحكم بن عبد الله الأيلي، أنه روى بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ قال: «ست خصال تورث النسيان: أكل سؤر الفأر، القاء القملة وهي حية، والبول في الماء الراكد، وقطع القطار، ومضغ العلك، وأكل التفاح الحامض، وبضد ذلك اللبان الذكر» «٢»
стр. 875
وأشار إلى ذلك الجاحظ بقوله: وفي الحديث أن أكل التفاح الحامض، وسؤر الفأر، ونبذ القملة يورث النسيان.
قال: وفي حديث آخر «إن الذي يلقي القملة لا يكفى الهم» . وقيل: إن قراءة ألواح القبور، والمشي بين المرأتين والنظر إلى المصلوب، وأكل الكزبرة الخضراء، وأكل الخبز الحار يورث النسيان، وأكل الحلوى وشرب العسل، وأكل الخبز البارد، يورث الذكاء، والعامة تزعم أن لبس النعال السود يورث النسيان.
وإذا أردت أن تعلم هل المرأة حامل بذكر أم أنثى؟ فخذ قملة واحلب عليها من لبنها في كف إنسان، فإن خرجت القملة من اللبن فهي حامل بجارية، وإن لم تخرج فهي حامل بذكر! وإن احتبس على إنسان بوله فخذ قملة من قمل بدنه، واجعلها في إحليله فإنه يبول من وقته.
وإن غسلت المرأة أصول شعرها بماء السلق منع القمل. ودهن القرطم إذا دهن به إنسان مات قمله، وإن غسل البدن بخل وماء البحر قتل القمل، وإذا مسح الرأس والبدن بزئبق مقتول بدهن سمسم منع القمل من الرأس والثياب.
التعبير
: القمل في المنام على وجوه: فإذا كان في قميص جديد فإنه مال وهو للسلطان جند وأعوان، وللوالي زيادة في ماله. ومن رأى القمل في ثوب خلق، فهو دين يخشى زيادته، والقمل على الأرض قوم ضعاف، فإن دب إلى جانب إنسان فإنه يخالطهم، ومن رأى القمل وكرهه فإنه يرى أعداء ولا يقدرون له على مضرة، ومن رأى أنه قرصه القمل، فإن قوما ضعفاء يرمونه بكلام، ومن حكه القمل، فلا بد أن يطالب بدين. والقملة تعبر بامرأة، لأن ابن سيرين أتاه رجل، فقال: رأيت كأن إنسانا أخذ من كمي قملة فألقاها. فقال ابن سيرين: تطلق زوجتك على يده، فكان كذلك. ومن رأى قملة طارت من صدره فإن أجيره أو غلامه أو ولده قد هرب، والقمل الكثير مرض أو حبس، لأنها أكثر ما تحدث على هؤلاء القوم. وربما دلت رؤية القمل على العيال. وتعبر رؤية القمل للملك بجيشه وأعوانه وللوزير بشرطته، وللقاضي بالمتوصلين إليه.
ومن رأى أنه رمى قملة، فإنه مخالف لسنة من السنن، لأن النبي ﷺ «نهى عن رمي القمل» «١» ومن أكل قملة فإنه يغتاب إنسانا فإن وجد لها دما، فإنه يغتاب رجلا ذا مال. والقمل يعبر بأقوام يمشون بالنميمة بين الأقرباء، وقتل القمل في المنام قهر الأعداء. وقال جاماست: من التقط القمل فإنه يكذب عليه كذب فاحش والله أعلم.
القمقام:
صغار القردان، وضرب من القمل شديد التشبث بأصول الشعر، الواحدة قمقامة، وتسميه العامة الطبوع وقد تقدم.
الأمثال
: قالت العرب: «قمقامة حكت بجنب البازل» . البازل من الإبل ما دخل في السنة التاسعة كما تقدم، وهو أقواها يضرب للضعيف الذليل يحتك بالقوي العزيز.
قندر:
قال القزويني: هو حيوان بري بحري يكون في الأنهار العظام، يتخذ في البر إلى
стр. 876
جانب البحر بيتا له بابان، يأكل لحم السمك. وخصيته تسمى الجندبادستر، وقد تقدم في باب الجيم، الكلام على ذلك.
القندس:
قال ابن دحية: إنه كلب الماء، وفسر به حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الذي رواه الجماعة، غير النسائي، أن النبي ﷺ قال: «تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر» «١» . وفي رواية: «يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر، وجوههم كالمجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين ذلف الأنوف» . قال ابن دحية: قوله يلبسون الشعر، إشارة إلى الشرابيش التي يدار عليها بالقندس، والقندس كلب الماء وهو من ذوات الشعر كالمعز، وذوات الصوف الضأن، وذوات الوبر والإبل انتهى. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف حكم الكلب المائي. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: بحثنا عن القندس فلم يتبين لنا أنه مأكول أو غيره، فينبغي أن يتورع عن الصلاة فيه، ولنا وجهان فيما أشكل من الحيوان فلم يعلم أنه مأكول أو غيره.
القنعاب:
كسنجاب العظيم من الوعول السمين.
القنفذ:
بالذال المعجمة وبضم الفاء وفتحها البري منه، كنيته أبو سفيان وأبو الشوك، والأنثى أم دلدل، والجمع القنافذ. ويقال لها: العساعس لكثرة ترددها بالليل، ويقال للقنفذ:
أنقد وهو صنفان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفار، ودلدل يكون بأرض الشام والعراق في قدر الكلب القلطي، والفرق بينهما كالفرق بين الجرذ والفأر.
قالوا: إن القنفذ، إذا جاع يصعد الكرم منكسا، فيقطع العناقيد ويرمي بها، ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق، فإن كان له فراخ تمرغ في الباقي ليشتبك في شوكه ويذهب به إلى أولاده وهو لا يظهر إلا ليلا قال الشاعر:
قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا
وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم لها، وإذا لدغته الحية أكل السعتر البري، فيبرأ وله خمسة أسنان في فيه، والبرية منها تستفد قائمة وظهر الذكر لاصق ببطن الأنثى.
وروى الطبراني في معجمه الكبير والحافظ بن منير الحلبي وغيرهما، عن قتادة بن النعمان، قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر، فقلت: لو أني اغتنمت الليلة شهود العتمة مع رسول الله ﷺ ، ففعلت، فلما رآني قال ﷺ : «قتادة» . قلت: لبيك يا رسول الله، ثم قلت:
علمت أن شاهد الصلاة هذه الليلة قليل، فأحببت أن أشهدها معك. فقال رسول الله ﷺ : «إذا انصرفت فائتني» . فلما فرغت من الصلاة أتيت إليه فأعطاني عرجونا كان في يده، وقال: «هذا يضيء أمامك عشرا ومن خلفك عشرا» . ثم قال ﷺ : «إن الشيطان قد خلفك في أهلك، فاذهب بهذا العرجون فاستضىء به حتى تأتي بيتك فتجده في زاوية البيت فاضربه بالعرجون» . قال:
فخرجت من المسجد، فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا، فاستضأت به وأتيت أهلي فوجدتهم قد
стр. 877
رقدوا، فنظرت إلى الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج. ورواه الإمام أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.
فائدة
: روى البيهقي، في أواخر دلائل النبوة، عن أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة قال:
شكوت إلى النبي ﷺ ، أني نمت في فراشي، فسمعت صريرا كصرير الرحى ودويا كدوي النحل، ولمعا كلمع البرق، فرفعت رأسي فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول في صحن داري فمسست جلده، فإذا هو كجلد القنفذ فرمى في وجهي مثل شرر النار. فقال ﷺ : «عامر دارك يا أبا دجانة» . ثم طلب ﷺ دواة وقرطاسا، وأمر عليا رضي الله تعالى عنه أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من يطرق الدار من العمار والزوار، إلا طارقا يطرق بخير أما بعد فإن لنا ولكم في الحق سعة فإن كنت عاشقا مولعا، أو فاجرا مقتحما، فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون حم لا ينصرون حم عسق تفرق أعداء الله وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسيكفيهم الله وهو السميع العليم.
قال أبو دجانة ﵁: فأخذت الكتاب، وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي فبت ليلتي، فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا بهذه الكلمات فبحق صاحبك إلا ما رفعت عنا هذه الكلمات، فلا عود لنا في دارك ولا في جوارك ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: فقلت: والله لا أرفعه حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، قال أبو دجانة: فلقد طالت علي ليلتي بما سمعت، من أنين الجن وصراخهم وبكائهم، حتى أصبحت فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله ﷺ وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي، وما قلت لهم؛ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا دجانة ارفع عن القوم، فو الذي بعثني بالحق نبيا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة. قال البيهقي: وقد ورد في حرز أبي دجانة ﵁ حديث طويل، غير هذا موضوع، لا تحل روايته. وهذا الذي رواه البيهقي، رواه الديلمي الحافظ في كتاب الإنابة، والقرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار.
الحكم
: قال الشافعي: يحل أكل القنفذ لأن العرب تستطيبه، وقد أفتى ابن عمر بإباحته وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يحل لما روى أبو داود وحده أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سئل عنه، فقرأ: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
«١» الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: ذكر القنفذ عند رسول الله ﷺ ، فقال: «خبيث من الخبائث» «٢» . فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إن كان قد قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال. قلت: والجواب أن رواته مجهولون. قال البيهقي: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. وما روي عن سعيد بن جبير، أنه قال: جاءت أم حفيد رضي الله تعالى عنها بقنفذ إلى رسول الله ﷺ ، فوضعته بين يديه، فنحاه رسول الله ﷺ ، ولم يأكله فهو مرسل. وقد روي مسندا
стр. 878
وليس فيه ذكر القنفذ. وقيل: أراد أنه خبيث الفعل دون اللحم، لما فيه من إخفاء رأسه عند التعرض لذبحه، وابداء شوكه عند أخذه، وسئل مالك عنه، فقال: لا أدري. وقال القفال: إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرب هل تستطيبه أم لا. وقال الرافعي: يقال إن له كرشا ككرش الشاة.
الأمثال
: قالوا: «أسرى من قنفذ» «١» وقالوا: «ذهبوا إسراء قنفذ» ، يعني ذهبوا ليلا، لأن القنفذ يسري في الليل كثيرا وقد تقدم هذا في باب الهمزة في لفظ أنقد.
الخواص
: مرارة البري منه، إذا طلي بها موضع الشعر المنتوف، لا ينبت فيه شعر أبدا.
وإذا اكتحل بها أزالت البياض من العين، وإذا خلطت بشيء من الكبريت وطلي بها البهق أزالته وإن شرب من مرارته نفع من الجذام والسل والزحير، وإن خلطت بدهن ورد وقطر في أذن من به صمم قديم أبرأه إذا داوم عليه أياما، ولحمه إذا أكل نفع من السل والجذام والبرص والتشنج ووجع الكلى، وإن مسح بشحمه ودمه وبراثنه المعقود عن النساء حله، وطحاله يسقى لمن به وجع الطحال، بشراب العسل فإنه يبرئه، وكليته تجفف ويسقى منها وزن درهم، مسحوقا بماء الحمص الأسود، من به عسر البول فيبرأه سريعا. وإن قتل قنفذ، وقطع رأسه بسيف لم يقتل به إنسان، وعلق على المجنون والمصروع والمختل أبرأه. وإن قطع طرف رجله اليمنى وهو حي وعلقت على صاحب الحمى الحارة والباردة، من غير أن يعلم ما هو، مربوطا في خرقة كتان، أبرأه. وعينه اليمنى تغلى بشيرج، وتجعل في إناء نحاس، فمن اكتحل به لم يخف عليه شيء في الليل، بل يراه كأنه نهار، وشطار العيارين يفعلون ذلك. وعينه اليسرى تغلى بزيت وترفع في قارورة، فإذا أردت أن تنوم إنسانا فخذ منه بطرف الميل، وادنه إلى أنفه، فإنه ينام من ساعته. وأظفار يده اليمنى يبخر بها المحموم، فتذهب حماه. وطحاله إذا شوي وأكله من به وجع الطحال أبرأه، والأول أسرع وهو ما تقدم. ومرارته تعجن بسمن عتيق، وتتحمل بها المرأة في قبلها، فإنها تلقي ما في جوفها. ودمه يطلى به على عضة الكلب، يسكن ألمها، ولحمه المملح ينفع من داء الفيل والجذام، وهو جيد لمن يبول في فراشه. وجميع أصناف القنافذ بيضها أصفر جدا لا يؤكل، وإذا أخذ بول القنفذ وسقي بشراب لمن أعياه مرضه ثلاثة أيام أبرأه. وإن علق قلبه على من به حمى الربع أبرأه، وإذا طلي المجذوم بشحمه نفعه.
وأما رؤيته في المنام
فإنه يدل على المكر والخداع والتجسس، والاحتقار والشر، وضيق القلب وسرعة الغضب وقلة الرحمة، وربما يدل على فتنة يشهر فيها السلاح، والله تعالى أعلم.
القنفذ البحري:
قال القزويني: مقدمه يشبه مقدم القنفذ البري، ومؤخره يشبه السمك، طيب اللحم جدا. قال ابن زهر: ويعالج به عسر البول، وريشه لين يشبه الشعر.
القنفشة:
دويبة معروفة عند أهل البادية حكاه ابن سيده.
القهبى:
بالفتح اليعقوب وقيل: العنكبوت.
стр. 879
القهيبة:
طائر يكون بتهامة فيه بياض وخضرة، وهو نوع من الحجل، قاله ابن سيده أيضا.
القوافر
: الضفادع، وقد تقدم ما فيها في باب الضاد المعجمة.
القواع:
بضم القاف الذكر من الأرانب.
القوب:
الفرخ، ومنه قولهم في المثل «تخلصت قائبة من قوب» «١» فالقائبة قشر البيضة، قال الكميت:
لهنّ وللمشيب ومن علاها ... من الأمثال قائبة وقوب
وقال أعرابي من بني أسد لتاجر استخفره: إذا بلغت بك مكان كذا وكذا فبرئت قائبة من قوب أي أنا بريء من خفارتك.
قوبع:
بضم القاف وفتح الباء الموحدة، طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه. تقدم في آخر باب العين المهملة.
القوثع:
بفتح الثاء المثلثة الظليم، وقد تقدم في باب الظاء المعجمة.
القوق:
بالضم طائر مائي طويل العنق قاله في العباب.
قوقي س:
قال القزويني: إنه طائر بأرض الهند، من شأنه أنه عند التزاوج يجمع حطبا كثيرا في عشه، ولا يزال الذكر منه يحك منقاره بمنقار الأنثى، حتى تأجج النار من حكهما في ذلك الحطب، وتشتعل ويحترقان فيها، فإذا سقط المطر على ذلك الرماد تولد منه دود، ثم تنبت له أجنحة ثم يصير طيرا، ثم يفعل كفعل الأول من الحك والاحتراق.
قوقي:
بضم القاف الأولى وكسر الثانية، صنف من السمك عجيب جدا، على رأسه شوكة قوية، يضرب بها. حكى الملاحون أن هذه السمكة، إذا جاعت رمت نفسها إلى شيء من الحيوان فيبتلعها، ثم إنها تضرب بشوكتها أحشاءه حتى تهلكه. وربما تخرج من شق بطنه تتغذى منه هي وغيرها، وإذا قصدها قاصد في الماء، تضربه بالشوكة فيهلك، ولعلها تضرب السفينة بالشوكة فتخرقها، وتغرق أهلها وتأكل منهم، والملاحون يعرفون ذلك فيجعلون على السفينة جلد تلك السمكة، فإن شوكتها لا تعمل فيه كذا قاله القزويني.
قيد الأوابد:
الفرس الجواد، قيل له ذلك لأنه يمنع الوحش الفوات لسرعته، والأوابد الوحوش. قال «٢» امرؤ القيس:
بمنجرد قيد الأوابد هيكل
قيق:
بكسر أوله طائر على قدر اليمامة، وأهل الشام يسمونه أبا زريق، وهو ألوف للناس
стр. 880
فيه قبول للتعلم وسرعة إدراك لما يعلم. وقد تقدم في باب الزاي.
أم قشعم:
بفتح القاف النسر والعنكبوت والضبع واللبوة والمنية والداهية والحرب والدنيا أيضا. قال زهير «١» :
فشد ولم ينظر بيوتا كثيرة ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
قيل: أراد أحد هذه الأشياء وقال آخر:
فخر صريعا لليدين وللفم ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم
أبو قير:
طائر معروف، قاله ابن الأثير وغيره، وقد تقدم.
أم قيس:
هي بقرة بني إسرائيل، وقد تقدم ذكرها في باب الباء، وفي باب العين المهملة في العجل.
باب الكاف
الكاسر:
العقاب، يقال له كسر الطائر يكسر كسرا وكسورا، إذا ضم جناحيه يريد الوقوع وعقاب كاسر. قال الشاعر:
كأنه بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر
ويعدى فيقال: كسر جناحيه، قال ابن سيده.
كاسر العظام:
المكلفة وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم.
الكبش:
فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع أكبش وكباش.
روى الجماعة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما.
وروى «٢» أبو داود وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوأين فلما وجههما قال ﷺ : «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا» . إلى قوله: «وأنا من المسلمين اللهم منك وإليك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر» . ثم ذبح. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قوله: أملحين الأملح الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض.
وفي الحديث الآخر، في صحيح مسلم: «يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد» .
следующие страницы →