← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

جانب البحر بيتا له بابان، يأكل لحم السمك. وخصيته تسمى الجندبادستر، وقد تقدم في باب الجيم، الكلام على ذلك. القندس: قال ابن دحية: إنه كلب الماء، وفسر به حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، الذي رواه الجماعة، غير النسائي، أن النبي ﷺ قال: «تقاتلون بين يدي الساعة قوما نعالهم الشعر» «١» . وفي رواية: «يلبسون الشعر، ويمشون في الشعر، وجوههم كالمجان المطرقة، حمر الوجوه، صغار الأعين ذلف الأنوف» . قال ابن دحية: قوله يلبسون الشعر، إشارة إلى الشرابيش التي يدار عليها بالقندس، والقندس كلب الماء وهو من ذوات الشعر كالمعز، وذوات الصوف الضأن، وذوات الوبر والإبل انتهى. وسيأتي، إن شاء الله تعالى، في باب الكاف حكم الكلب المائي. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: بحثنا عن القندس فلم يتبين لنا أنه مأكول أو غيره، فينبغي أن يتورع عن الصلاة فيه، ولنا وجهان فيما أشكل من الحيوان فلم يعلم أنه مأكول أو غيره. القنعاب: كسنجاب العظيم من الوعول السمين. القنفذ: بالذال المعجمة وبضم الفاء وفتحها البري منه، كنيته أبو سفيان وأبو الشوك، والأنثى أم دلدل، والجمع القنافذ. ويقال لها: العساعس لكثرة ترددها بالليل، ويقال للقنفذ: أنقد وهو صنفان قنفذ يكون بأرض مصر قدر الفار، ودلدل يكون بأرض الشام والعراق في قدر الكلب القلطي، والفرق بينهما كالفرق بين الجرذ والفأر. قالوا: إن القنفذ، إذا جاع يصعد الكرم منكسا، فيقطع العناقيد ويرمي بها، ثم ينزل فيأكل منها ما أطاق، فإن كان له فراخ تمرغ في الباقي ليشتبك في شوكه ويذهب به إلى أولاده وهو لا يظهر إلا ليلا قال الشاعر: قنافذ هداجون حول بيوتهم ... بما كان إياهم عطية عودا وهو مولع بأكل الأفاعي ولا يتألم لها، وإذا لدغته الحية أكل السعتر البري، فيبرأ وله خمسة أسنان في فيه، والبرية منها تستفد قائمة وظهر الذكر لاصق ببطن الأنثى. وروى الطبراني في معجمه الكبير والحافظ بن منير الحلبي وغيرهما، عن قتادة بن النعمان، قال: كانت ليلة شديدة الظلمة والمطر، فقلت: لو أني اغتنمت الليلة شهود العتمة مع رسول الله ﷺ ، ففعلت، فلما رآني قال ﷺ : «قتادة» . قلت: لبيك يا رسول الله، ثم قلت: علمت أن شاهد الصلاة هذه الليلة قليل، فأحببت أن أشهدها معك. فقال رسول الله ﷺ : «إذا انصرفت فائتني» . فلما فرغت من الصلاة أتيت إليه فأعطاني عرجونا كان في يده، وقال: «هذا يضيء أمامك عشرا ومن خلفك عشرا» . ثم قال ﷺ : «إن الشيطان قد خلفك في أهلك، فاذهب بهذا العرجون فاستضىء به حتى تأتي بيتك فتجده في زاوية البيت فاضربه بالعرجون» . قال: فخرجت من المسجد، فأضاء العرجون مثل الشمعة نورا، فاستضأت به وأتيت أهلي فوجدتهم قد

стр. 877

رقدوا، فنظرت إلى الزاوية فإذا فيها قنفذ، فلم أزل أضربه بالعرجون حتى خرج. ورواه الإمام أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح. فائدة : روى البيهقي، في أواخر دلائل النبوة، عن أبي دجانة واسمه سماك بن خرشة قال: شكوت إلى النبي ﷺ ، أني نمت في فراشي، فسمعت صريرا كصرير الرحى ودويا كدوي النحل، ولمعا كلمع البرق، فرفعت رأسي فإذا أنا بظل أسود يعلو ويطول في صحن داري فمسست جلده، فإذا هو كجلد القنفذ فرمى في وجهي مثل شرر النار. فقال ﷺ : «عامر دارك يا أبا دجانة» . ثم طلب ﷺ دواة وقرطاسا، وأمر عليا رضي الله تعالى عنه أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد رسول رب العالمين إلى من يطرق الدار من العمار والزوار، إلا طارقا يطرق بخير أما بعد فإن لنا ولكم في الحق سعة فإن كنت عاشقا مولعا، أو فاجرا مقتحما، فهذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون، ورسلنا يكتبون ما تمكرون، اتركوا صاحب كتابي هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام، وإلى من يزعم أن مع الله إلها آخر، لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون حم لا ينصرون حم عسق تفرق أعداء الله وبلغت حجة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسيكفيهم الله وهو السميع العليم. قال أبو دجانة ﵁: فأخذت الكتاب، وأدرجته وحملته إلى داري وجعلته تحت رأسي فبت ليلتي، فما انتبهت إلا من صراخ صارخ يقول: يا أبا دجانة أحرقتنا بهذه الكلمات فبحق صاحبك إلا ما رفعت عنا هذه الكلمات، فلا عود لنا في دارك ولا في جوارك ولا في موضع يكون فيه هذا الكتاب، قال أبو دجانة: فقلت: والله لا أرفعه حتى أستأذن رسول الله ﷺ ، قال أبو دجانة: فلقد طالت علي ليلتي بما سمعت، من أنين الجن وصراخهم وبكائهم، حتى أصبحت فغدوت فصليت الصبح مع رسول الله ﷺ وأخبرته بما سمعت من الجن ليلتي، وما قلت لهم؛ فقال رسول الله ﷺ : يا أبا دجانة ارفع عن القوم، فو الذي بعثني بالحق نبيا إنهم ليجدون ألم العذاب إلى يوم القيامة. قال البيهقي: وقد ورد في حرز أبي دجانة ﵁ حديث طويل، غير هذا موضوع، لا تحل روايته. وهذا الذي رواه البيهقي، رواه الديلمي الحافظ في كتاب الإنابة، والقرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار. الحكم : قال الشافعي: يحل أكل القنفذ لأن العرب تستطيبه، وقد أفتى ابن عمر بإباحته وقال أبو حنيفة والإمام أحمد: لا يحل لما روى أبو داود وحده أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سئل عنه، فقرأ: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً «١» الآية فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: ذكر القنفذ عند رسول الله ﷺ ، فقال: «خبيث من الخبائث» «٢» . فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إن كان قد قال رسول الله ﷺ هذا فهو كما قال. قلت: والجواب أن رواته مجهولون. قال البيهقي: ولم يرو إلا من وجه واحد ضعيف لا يجوز الاحتجاج به. وما روي عن سعيد بن جبير، أنه قال: جاءت أم حفيد رضي الله تعالى عنها بقنفذ إلى رسول الله ﷺ ، فوضعته بين يديه، فنحاه رسول الله ﷺ ، ولم يأكله فهو مرسل. وقد روي مسندا

стр. 878

وليس فيه ذكر القنفذ. وقيل: أراد أنه خبيث الفعل دون اللحم، لما فيه من إخفاء رأسه عند التعرض لذبحه، وابداء شوكه عند أخذه، وسئل مالك عنه، فقال: لا أدري. وقال القفال: إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى العرب هل تستطيبه أم لا. وقال الرافعي: يقال إن له كرشا ككرش الشاة. الأمثال : قالوا: «أسرى من قنفذ» «١» وقالوا: «ذهبوا إسراء قنفذ» ، يعني ذهبوا ليلا، لأن القنفذ يسري في الليل كثيرا وقد تقدم هذا في باب الهمزة في لفظ أنقد. الخواص : مرارة البري منه، إذا طلي بها موضع الشعر المنتوف، لا ينبت فيه شعر أبدا. وإذا اكتحل بها أزالت البياض من العين، وإذا خلطت بشيء من الكبريت وطلي بها البهق أزالته وإن شرب من مرارته نفع من الجذام والسل والزحير، وإن خلطت بدهن ورد وقطر في أذن من به صمم قديم أبرأه إذا داوم عليه أياما، ولحمه إذا أكل نفع من السل والجذام والبرص والتشنج ووجع الكلى، وإن مسح بشحمه ودمه وبراثنه المعقود عن النساء حله، وطحاله يسقى لمن به وجع الطحال، بشراب العسل فإنه يبرئه، وكليته تجفف ويسقى منها وزن درهم، مسحوقا بماء الحمص الأسود، من به عسر البول فيبرأه سريعا. وإن قتل قنفذ، وقطع رأسه بسيف لم يقتل به إنسان، وعلق على المجنون والمصروع والمختل أبرأه. وإن قطع طرف رجله اليمنى وهو حي وعلقت على صاحب الحمى الحارة والباردة، من غير أن يعلم ما هو، مربوطا في خرقة كتان، أبرأه. وعينه اليمنى تغلى بشيرج، وتجعل في إناء نحاس، فمن اكتحل به لم يخف عليه شيء في الليل، بل يراه كأنه نهار، وشطار العيارين يفعلون ذلك. وعينه اليسرى تغلى بزيت وترفع في قارورة، فإذا أردت أن تنوم إنسانا فخذ منه بطرف الميل، وادنه إلى أنفه، فإنه ينام من ساعته. وأظفار يده اليمنى يبخر بها المحموم، فتذهب حماه. وطحاله إذا شوي وأكله من به وجع الطحال أبرأه، والأول أسرع وهو ما تقدم. ومرارته تعجن بسمن عتيق، وتتحمل بها المرأة في قبلها، فإنها تلقي ما في جوفها. ودمه يطلى به على عضة الكلب، يسكن ألمها، ولحمه المملح ينفع من داء الفيل والجذام، وهو جيد لمن يبول في فراشه. وجميع أصناف القنافذ بيضها أصفر جدا لا يؤكل، وإذا أخذ بول القنفذ وسقي بشراب لمن أعياه مرضه ثلاثة أيام أبرأه. وإن علق قلبه على من به حمى الربع أبرأه، وإذا طلي المجذوم بشحمه نفعه. وأما رؤيته في المنام فإنه يدل على المكر والخداع والتجسس، والاحتقار والشر، وضيق القلب وسرعة الغضب وقلة الرحمة، وربما يدل على فتنة يشهر فيها السلاح، والله تعالى أعلم. القنفذ البحري: قال القزويني: مقدمه يشبه مقدم القنفذ البري، ومؤخره يشبه السمك، طيب اللحم جدا. قال ابن زهر: ويعالج به عسر البول، وريشه لين يشبه الشعر. القنفشة: دويبة معروفة عند أهل البادية حكاه ابن سيده. القهبى: بالفتح اليعقوب وقيل: العنكبوت.

стр. 879

القهيبة: طائر يكون بتهامة فيه بياض وخضرة، وهو نوع من الحجل، قاله ابن سيده أيضا. القوافر : الضفادع، وقد تقدم ما فيها في باب الضاد المعجمة. القواع: بضم القاف الذكر من الأرانب. القوب: الفرخ، ومنه قولهم في المثل «تخلصت قائبة من قوب» «١» فالقائبة قشر البيضة، قال الكميت: لهنّ وللمشيب ومن علاها ... من الأمثال قائبة وقوب وقال أعرابي من بني أسد لتاجر استخفره: إذا بلغت بك مكان كذا وكذا فبرئت قائبة من قوب أي أنا بريء من خفارتك. قوبع: بضم القاف وفتح الباء الموحدة، طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه. تقدم في آخر باب العين المهملة. القوثع: بفتح الثاء المثلثة الظليم، وقد تقدم في باب الظاء المعجمة. القوق: بالضم طائر مائي طويل العنق قاله في العباب. قوقي س: قال القزويني: إنه طائر بأرض الهند، من شأنه أنه عند التزاوج يجمع حطبا كثيرا في عشه، ولا يزال الذكر منه يحك منقاره بمنقار الأنثى، حتى تأجج النار من حكهما في ذلك الحطب، وتشتعل ويحترقان فيها، فإذا سقط المطر على ذلك الرماد تولد منه دود، ثم تنبت له أجنحة ثم يصير طيرا، ثم يفعل كفعل الأول من الحك والاحتراق. قوقي: بضم القاف الأولى وكسر الثانية، صنف من السمك عجيب جدا، على رأسه شوكة قوية، يضرب بها. حكى الملاحون أن هذه السمكة، إذا جاعت رمت نفسها إلى شيء من الحيوان فيبتلعها، ثم إنها تضرب بشوكتها أحشاءه حتى تهلكه. وربما تخرج من شق بطنه تتغذى منه هي وغيرها، وإذا قصدها قاصد في الماء، تضربه بالشوكة فيهلك، ولعلها تضرب السفينة بالشوكة فتخرقها، وتغرق أهلها وتأكل منهم، والملاحون يعرفون ذلك فيجعلون على السفينة جلد تلك السمكة، فإن شوكتها لا تعمل فيه كذا قاله القزويني. قيد الأوابد: الفرس الجواد، قيل له ذلك لأنه يمنع الوحش الفوات لسرعته، والأوابد الوحوش. قال «٢» امرؤ القيس: بمنجرد قيد الأوابد هيكل قيق: بكسر أوله طائر على قدر اليمامة، وأهل الشام يسمونه أبا زريق، وهو ألوف للناس

стр. 880

فيه قبول للتعلم وسرعة إدراك لما يعلم. وقد تقدم في باب الزاي. أم قشعم: بفتح القاف النسر والعنكبوت والضبع واللبوة والمنية والداهية والحرب والدنيا أيضا. قال زهير «١» : فشد ولم ينظر بيوتا كثيرة ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم قيل: أراد أحد هذه الأشياء وقال آخر: فخر صريعا لليدين وللفم ... إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم أبو قير: طائر معروف، قاله ابن الأثير وغيره، وقد تقدم. أم قيس: هي بقرة بني إسرائيل، وقد تقدم ذكرها في باب الباء، وفي باب العين المهملة في العجل. باب الكاف الكاسر: العقاب، يقال له كسر الطائر يكسر كسرا وكسورا، إذا ضم جناحيه يريد الوقوع وعقاب كاسر. قال الشاعر: كأنه بعد كلال الزاجر ... ومسحه مر عقاب كاسر ويعدى فيقال: كسر جناحيه، قال ابن سيده. كاسر العظام: المكلفة وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الميم. الكبش: فحل الضأن في أي سن كان، وقيل: إذا أثنى، وقيل: إذا أربع، والجمع أكبش وكباش. روى الجماعة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر ووضع رجله على صفاحهما. وروى «٢» أبو داود وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوأين فلما وجههما قال ﷺ : «إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا» . إلى قوله: «وأنا من المسلمين اللهم منك وإليك عن محمد وأمته بسم الله والله أكبر» . ثم ذبح. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قوله: أملحين الأملح الذي بياضه أكثر من سواده، وقيل: هو النقي البياض. وفي الحديث الآخر، في صحيح مسلم: «يطأ في سواد ويبرك في سواد وينظر في سواد» .

стр. 881

ومعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. ونقل عن أصحاب الحديث، أن معنى كونه ينظر في سواد ويبرك في سواد ويطأ في سواد أن ذلك يكون في ظل نفسه لسمنه. وروى ابن سعد في طبقاته أن النبي ﷺ أهدي له ترس، فيه تمثال كبش، «فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال» . وفي رواية أنه كان له ﷺ ترس، وفيه تمثال كبش. وفي رواية تمثال عقاب فكره النبي ﷺ مكانه، فأصبح وقد أذهبه الله تعالى. وفي سنن أبي داود وابن ماجه، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «أوحى الله تعالى إلى بعض الأنبياء قل للذين يتفقهون لغير الدين، ويتعلمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة، ويلبسون للناس صوف الكباش، وقلوبهم كقلوب الذئاب، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، إياي يخادعون وبي يستهزؤون، لأتيحن لهم فتنة تدع الحكيم حيران» «١» . وروى البيهقي، في الشعب، عن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: نظر النبي ﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلا وعليه إهاب كبش، قد تنطق به، فقال ﷺ : «أنظروا إلى هذا الذي نور الله قلبه، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب، ولقد رأيت عليه حلة اشتريت بمائتي درهم، فدعاه حب الله وحب رسوله إلى ما ترون» انتهى. وفي الصحيحين «٢» ، عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع رسول الله ﷺ نلتمس وجه الله ، فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم نجد له ما نكفنه به إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه. فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الأذخر. ومنا من أينعت له ثمرته، فهو يهد بها أي يجتنيها. وهو إشارة إلى ما فتح الله عليهم من الدنيا، بعد وفاة رسول الله ﷺ . والكبش هو الذبح العظيم الذي فدى الله به اسماعيل ﵊، وإنما سمي عظيما لأنه رعى في الجنة أربعين عاما، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: وهو الكبش الذي قربه هابيل فتقبل منه. قال: ولو تمت تلك الذبيحة لصارت سنة ولذبح الناس أبناءهم، واستشهد أبو حنيفة رحمه الله تعالى بهذه القصة، على أن من نذر ذبح ولده، يلزمه ذبح شاة. ومنع الجمهور ذلك لقوله ﷺ : «لا نذر في معصية الله ولا نذر لابن آدم فيما لا يملك» «٣» . وقد اختلف العلماء في الذبيح هل هو اسماعيل أو إسحاق عليهما الصلاة والسلام، فذهب قوم إلى أنه إسحاق منهم عمر وعلي وابن مسعود والعباس وكعب وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء والزهري والسدي، قالوا: كانت هذه القصة بالشام. وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: أري ابراهيم ﵊ ذبح إسحاق في المنام، فسار به مسيرة شهر، في روحة واحدة، حتى

стр. 882

أتى به المنحر في منى، فلما أمره الله تعالى بذبح الكبش ذبحه، وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت لهما الأودية والجبال. واحتجوا أيضا بقوله ﵎: فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ «١» فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ . قالوا: وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى ما قال في سورة هود فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ «٢» . وممن ذهب إلى أنه إسحاق شيخ التفسير محمد بن جرير الطبري رحمة الله عليه وروي عن مالك. وقالت فرقة: الذبيح إسماعيل، واحتجوا بأن الله تعالى ذكر البشارة باسحاق، بعد الفراغ من قصة الذبيح. فقال: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ «٣» فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة منه؟ قال محمد بن كعب القرظي: سأل عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه رجلا من علماء يهود، وكان قد أسلم وحسن إسلامه، أي ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل. ثم قال: يا أمير المؤمنين إن يهود لتعلم ذلك، ولكنهم يحسدونكم يا معشر العرب، على أن يكون أبوكم الذي أمر الله تعالى بذبحه، ويزعمون أنه إسحاق أبوهم، ومن الدليل عليه أن قرني الكبش، كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت، واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج. قال الشعبي ﵀: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: والذي نفسي بيده، لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد وخش. يعني قد يبس. وقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح، إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا أصمعي أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه. وقال محمد بن إسحاق: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل، حمل على البراق فيغدو من الشام ويقيل بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشأم، حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي، وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أمر في المنام أن يذبحه، وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا، فلما أصبح روى في نفسه، أي فكر أمن الله هذا أم من الشيطان. فمن ثم سمي يوم التروية. فلما أمسى رأى ما رأى في المنام ثانيا، فلما أصبح عرف أنه من الله تعالى، فمن ثم سمي يوم عرفة، فهم بنحر ابنه ففداه الله تعالى بالكبش. وروى البيهقي، في البعث والنشور، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لما فدى إسحاق بالكبش قال الله : إن لك دعوة مستجابة. فقال له إبراهيم: تعجل دعوتك لا يدخل الشيطان فيها شيئا. قال إسحاق: اللهم من لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئا فاغفر له» . وكنية جماعة من الصحابيات رضي الله تعالى عنهن أم كبشة، منهن أم كبشة بنت معد يكرب عمة الأشعث بن قيس. روى الدارقطني عن معاوية بن حديج، بحاء مهملة مضمومة ودال مهملة مفتوحة وبالجيم في آخره، أن أم كبشة هذه سألت النبي ﷺ أنها آلت أن تطوف بالبيت الحرام حبوا، فقال لها

стр. 883

رسول الله ﷺ : «طوفي على رجليك سبعين: سبعا عن يديك وسبعا عن رجليك» . قلت: والحكم المذكور غريب لم أر من صرح به من الفقهاء، فلذلك ذكرته هنا، وإن لم يكن له تعلق بالكتاب، ثم رأيته بعد ذلك في آخر باب النذر من المحرر لمجد الدين بن تيمية من الحنابلة. فقال: ومن نذر أن يطوف على أربع لزمه أن يطوف طوافين نص عليه. يعني الإمام أحمد، ثم رأيته في تاريخ مكة لأبي الوليد الأزرقي، مرويا من حديث عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن امرأة نذرت أن تطوف على أربع قال: تطوف عن يديها سبعا وعن رجليها سبعا. فائدة : روى «١» البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جيء بالموت، كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة النار ثم يذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت» . ثم قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ «٢» . وفي رواية الترمذي: «فيقال هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت. فيضجع فيذبح، فلولا أن الله تعالى قضى لأهل الجنة بالحياة والبقاء لماتوا فرحا، ولولا أن الله تعالى قضى لأهل النار بالحياة والبقاء لماتوا ترحا» . وإنما جيء بالموت على هيئة كبش، لما جاء أن ملك الموت ﵇ أتى آدم ﵊ في صورة كبش أملح قد نشر من أجنحته أربعمائة جناح. قال ابن عباس والكلبي ومقاتل في قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ «٣» خلقهما جسمين، جعل الموت في هيئة كبش أملح لا يمر على شيء، ولا يجد ريحه شيء إلا مات. والحياة على هيئة فرس أنثى بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام يركبونها، خطوها مد البصر فوق الحمار ودون البغل، لا تمر على شيء ولا تطأ شيئا، ولا يجد ريحها شيء إلا حي، وهي التي أخذ السامري من ترابها فألقاه على العجل انتهى. وهذه هي الحكمة في فداء الذبيح بكبش ليكون فدى من الموت بشكل الموت، ولما سر بذبحه سر أهل الجنة أيضا بذبحه منة عليهم. ونقل القرطبي عن كتاب خلع النعلين، أن الذابح للكبش بين الجنة والنار، يحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام، بين يدي رسول الله ﷺ إذ في اسمه إشارة إلى الحياة الأبدية. وذكر صاحب كتاب الفردوس، أن الذي يذبحه جبريل ﵇. فائدة أخرى : قال ابن عباس وابن عمر وابن عمرو وسعيد بن جبير والضحاك والحسن رضي الله تعالى عنهم، في قوله تعالى قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً، أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ «٤» إن الذي يكبر في صدورهم الموت. قال السهيلي: وهو تفسير يحتاج إلى تفسير. قال: وقال بعض المتأخرين: إن الموت الذي يستعظمونه سيفنى حين يذبح بين الجنة والنار، فكذلك أنتم تفنون. ورأيت في الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال: إن لله تعالى في

стр. 884

السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء تجتمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح يسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. فائدة أخرى : قال البوني في اللمعة النورانية، من السر البديع: إذا كان الإنسان يخاف على نفسه من قتل أو عذاب أو غيره، فليذبح كبشا سمينا سليما من العيوب، كما في الأضحية، يذبحه في موضع خال ذبحا سريعا موجها إلى القبلة، ويقول عند الذبح: اللهم هذا لك ومنك، اللهم إنه فدائي فتقبله مني. ويحفر لدمه حفرة، ويردمها بالتراب، حتى لا يطأ أحد على دمه، ويبضعه ستين جزءا: الجلد جزء، والرأس جزء، والبطن جزء، إلى أن يأتي على الستين جزءا، ولا يأكل منه شيئا لا هو ولا من تجب عليه نفقته، ويفرقه على الفقراء والمساكين، فإنه يكون فداء له، ولا يناله مكروه من جهة الأمر الذي يخشاه. وهو متفق عليه، مجرب معمول به، والله تعالى المحسن لعبيده المنعم عليهم. قال: وإن كان يخاف من أمر دون ذلك، فليطعم ستين مسكينا من أفضل الطعام، ويشبعهم ويقول: اللهم إني أستكفي الأمر الذي أخافه بهم هؤلاء، وأسألك بأنفسهم وأرواحهم وعزائمهم، أن تخلصني مما أخاف وأحذر، فإنه يفرج عنه. وهذا أيضا متفق عليه، معمول به مستفيض عند أهل الطريقة. وحكم الكبش : تقدم، ومنه أنه تحرم المناطحة بالكباش، لما روى «١» أبو داود والترمذي، من حديث مجاهد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ : «نهى عن التحريش بين البهائم» . والتحريش الإغراء وتهييج بعضها على بعض، كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها. وفي الكامل، في ترجمة غالب بن عبد الله الجزري، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى لعن من يحرش بين البهائم» . قال الحليمي: وهو حرام ممنوع منه، لا يؤذن لأحد فيه، لأن كل واحد من المتهارشين يؤلم صاحبه ويجرحه، ولو أراد المحرش أن يفعل ذلك بيده ما حل له. وعن الإمام أحمد في ذلك روايتان: التحريم والكراهة. الأمثال : قالوا: «عند النطاح يظهر الكبش الأجم» «٢» وهو الذي لا قرن له، يضرب لمن غلبه صاحبه بما أعد له. وكان الحسن يقول: يا ابن آدم السكين تحد، والتنور يسجر، والكبش يعتلف. وروى السهيلي وغيره أن عبد الله بن الزبير ولما ولد قال النبي ﷺ : «هو هو» . فلما سمعت بذلك أمه أسماء بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما أمسكت عن ارضاعه فقال «٣» لها النبي ﷺ : «أرضعيه ولو بماء عينيك، كبش بين ذئاب، وذئاب عليها ثياب، ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه» . ومما قيل في ليالي صفين: الليل داج الكباش تنتطح ... نطاح أسد ما أراها تصطلح فمن يقاتل في وغاها ما نجا ... ومن نجا برأسه فقد ربح

стр. 885

الخواص : خصية الكبش تشوى وتطعم، لمن يبول في الفراش، يبرأ من ذلك إذا داوم عليه، وإن تعسر على المرأة الولادة، فليؤخذ شحم كبش، وشحم بقر، وماء الكراث، وتخلط جميعا، وتتحمل به المرأة فإنها تلد بسهولة، وكليته إذا نزعت بعروقها، وجففت في الشمس، وأذيبت بدهن الزئبق، وطلي به مكان نبت فيه شعر، ومرارته إذا طلي بها الثديان انقطع اللبن. روى «١» الإمام أحمد، بإسناد صحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ «كان يصف من عرق النسا ألية كبش عربي أسود ليس بالعظيم ولا بالصغير، تجزأ ثلاثة أجزاء فيذاب ويشرب منه كل يوم جزء» . ورواه الحاكم وابن ماجه ولفظهما أن النبي ﷺ قال: «شفاء عرق النسا أن يؤخذ ألية كبش فتذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء ثم تشرب على الريق ثلاثة أيام في كل يوم جزء» . قال عبد اللطيف البغدادي: هذه المعالجة تصلح للأعراب الذين يعرض لهم هذا المرض من يبس. التعبير : الكبش في الرؤيا، رجل شريف القدر، لأنه أشرف الدواب، بعد ابن آدم، لأنه كان فداء لاسماعيل ﵇. ومن رأى كبشا ينطح فرج امرأة، فإنها تأخذ بالمقراض ما على فرجها من الشعر. ومن رأى أنه أخذ ألية كبش، أخذ مال رجل شريف القدر، أو يتزوج بابنته، لأن ألية الكبش مال الرجل. ومن يتبعه من عقبه. ومن ذبح كبشا لغير الأكل، فإنه يقتل رجلا عظيما وإن ذبحه للأكل نجا من هم على يد رجل عظيم القدر، وإن كان مريضا فإنه يبرأ من مرضه. وقال ارطاميدورس: الكبش يدل على رجل رئيس لتقدمه على الغنم، وهو دليل خير لمن يركبه إذا كان الموضع مرتفعا، والكبش الأجم معزول، ورجل ذليل أو خصي. ومن نكح كبشا، فرق بينه وبين ماله رجل عظيم، ومن ركب كبشا من مكان مستو من الأرض، وكان من الأوباش الخداعين، الذين يحبون الفتن والكلام، فإنه يصلب لأن هذا الحيوان من حيوان عطارد، ومن حمل كبشا على ظهره فإنه يتقلد مؤنة رجل ضخم. ومن رأى نعجته صارت كبشا، فإن زوجته لا تحمل، فإن لم تكن له زوجه نال قوة ونصرة على عدوه. وكبش الإنسان سلطانه وأميره، وقد يكون كبشه كيسه، فإذا حدث فيه شيء فانسبه إلى الكيس. أتى شخص إلى ابن سيرين رحمه الله تعالى فقال: رأيت كبشين يتناطحان على فرج امرأتي. فقال له: إن امرأتك قد أخذت بالمقراض شعر فرجها لتعذر الموسى. ومن ضحى بكبشين، فإنه ينجو من جميع الهموم، وإن كان مسجونا خرج من السجن، وإن كان في حرب سلم، وإن كان عليه دين قضى، وإن كان مريضا شفي، ومن رأى كبشين يتناطحان فإنهما ملكان يقتتلان، فأيهما هزم صاحبه فهو الغالب. وتنسب السود من الكباش إلى العرب، والبيض إلى العجم، وإن تساويا في الألوان، فانظر إلى الجهة التي كانت الثابت فيها، كان أهلها منصورين، ومهما أخذ الإنسان من أصوافها، أو قرونها فهو مال يناله، وقس على هذا والله تعالى أعلم.

стр. 886

الكبعة: بفتح الكاف وإسكان الباء الموحدة، دابة من دواب البحر، قاله ابن سيده. الكتفان: بضم الكاف وإسكان التاء المثناة فوق، وبعدها فاء، الجراد أول ما يطير، الواحدة كتفانة، ويقال: هو الجراد بعد الغوغاء، أوله السرور ثم الدبى ثم الغوغاء ثم الكتفان. الكتع: كرطب أردأ ولد الثعلب، والجمع كتعان بكسر الكاف. الكدر: بضم الكاف وإسكان الدال المهملة، طير في ألوانها كدرة. روى ابن هشام وغيره أن النبي ﷺ «غزا قرقرة الكدر، في النصف من المحرم، على رأس ثلاثة عشر شهرا من مهاجرته ﷺ ، وهي ناحية بأرض سليم على ثمانية برد من المدينة، وحمل لواءه ﷺ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، فأخذ ﷺ نعمهم وقسم غنائمهم، وهي خمسمائة بعير فأخرج ﷺ خمسة، وقسم أربعة أخماسه على المسلمين، فأصاب كل واحد منهم بعيرين، وكانوا مائتي رجل وصار يسار رضي الله تعالى عنه في سهم النبي ﷺ ، فأعتقه حين رآه يصلي، وغاب ﷺ عن المدينة خمسة عشرة ليلة» ، وقرقرة بفتح القافين أرض ملساء، وقال البكري: هي بضم القاف وإسكان الراء وبعدهما مثلهما والمعروف في ضبطهما الفتح. الكركر: كجعفر طائر ببحر الصين، يطير تحت طائر يقال له شنة يتوقع ذرقه، لأن غذاءه منه. وخرشنة طائرا أكبر من الحمام وهو لا يذرق إلا وهو طائر، كذا ذكره القزويني. الكركند: رأيت بخط اسماعيل بن محمد الأمير، ما مثاله: روي أنه في جزائر الصين والهند الكركند حيوان طوله مائة ذراع فأكثر من ذلك، له ثلاثة قرون: قرن بين عينيه، وقرنان على أذنيه، يطعن الفيل فيأخذه في قرنه، ويبقى بين عينيه مدة، ويبقى ولد الكركند في بطن أمه أربع سنين، وإذا تم له سنة، يخرج رأسه من بطن أمه، فيرعى الشجر مما يصل إليه، وإذا تم له أربع سنين، وقع من بطن أمه وفر كالبرق، حتى لا تدركه فتلحسه بلسانها، لأن لسانها فيه شوك كبير غليظ، إذا لحسته أزالت لحمه عن عظمه في لحظة واحدة. وملوك الصين إذا عذبوا أحدا سلموه إلى الكركند يلحسه فيبقى عظاما ليس عليه من اللحم شيء انتهى. وسماه الجاحظ الكركدن، ويسمى الحمار الهندي، ويسمى الحريش كما تقدم، وهو عدو الفيل ومعادنه بلاد الهند والنوبة، وهو دون الجاموس، ويقال: إنه متولد بين الفرس والفيل، وله قرن واحد عظيم في رأسه، لا يستطيع لثقله أن يرفع رأسه، وهذا القرن مصمت قوي الأصل، حاد الرأس، يقاتل به الفيل فلا يفيد معه ناباه، وإذا نشر قرنه طولا، تخرج منه الصور المختلفة بياض في سواد كالطاوس والغزال، وأنواع الطير والشجر، وصور بني آدم وغير ذلك من عجائب النقوش، يتخذون منه صفائح على سرر الملوك ومناطقهم، ويتغالون في أثمانها. وزعم أهل الهند أن الكركند، إذا كان بأرض لم يدع شيئا من الحيوانات، إلا ما كان بينه وبينه مائة فرسخ، من جميع الجهات هيبة له وهربا منه. ويزعمون أنه ربما نطح الفيل فرفعه على قرنه، ويقال: إن الأنثى تحمل كأنثى الفيل ثلاث سنين أو سبع سنين، ويخرج ولدها نابت الأسنان والقرون، قوي

стр. 887

الحوافر. وقيل: إذا قاربت الأنثى أن تضع يخرج الولد رأسه منها، فيرعى أطراف الشجر ثم يرجع. وقد أنكر الجاحظ هذا. وليس في الحيوان ذو قرن مشقوق الطرف غيره، وهو يجتر كالبقر والغنم والإبل، ويأكل الحشيش، لكنه شديد العداوة للإنسان إذا شم رائحته، أو سمع صوته طلبه، فإذا أدركه قتله. ولا يأكل منه شيئا، ويقال للأنثى كركندة قاله الزمخشري. وأما حكمه فلم أر أحدا تعرض له مع التتبع الشديد، والسؤال العديد، والظاهر حله، لأكله الشجر ولكونه يجتر، ولا يمنع من ذلك كونه يعادي الإنسان، فالضبع يعاديه ويؤكل، فإن ثبت أنه متولد من الفرس والفيل حرم، وهو بعيد. الخواص : على رأس قرنه شعبة مخالفة لانحناء القرن، وهي لها خواص عجيبة، وعلامة صحتها أن يرى منها شكل فارس، ولا توجد تلك الشعبة إلا عند ملوك الهند. ومن خواصها حل كل عقد، فلو أخذها صاحب القولنج بيده شفي في الحال. والمرأة التي ضربها الطلق، إن أمسكتها بيدها تلد في الحال، وإن سحق منها شيء يسير وسقي المصروع أفاق، وحاملها يأمن من عين السوء، ولا يكبو به الفرس، وإذا تركت في الماء الحار عاد باردا، وعينه اليمنى تعلق على الإنسان تزول عنه الآلام كلها، ولا يقربه الجن ولا الحيات، واليسرى تنفع من النافض والحمى، ويتخذ من جلده التجافيف فلا تعمل فيها السيوف. خاتمة : قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب الأمم: أشرف حلى أهل الصين من قرن الكركند فإن قرونها متى قطعت ظهر منها صور عجيبة مختلفة، فيتخذون منها مناطق تبلغ قيمة المنطقة منها أربعة آلاف مثقال ذهبا، والذهب عندهم هين عليهم، حتى يتخذوا منه لجم دوابهم وسلاسل كلابهم. قال: وأهل الصين بيض إلى الصفرة، فطس الأنوف، يبيحون الزنا ولا ينكرون شيئا منه، ويورثون الأنثى أكثر من الذكر، ولهم عيد عند نزول الشمس الحمل، يأكلون فيه ويشربون سبعة أيام. واقليمهم واسع فيه نحو ثلاثمائة مدينة، وفيه عجائب كثيرة. قال: والأصل في ذلك أن عامور بن يافث بن نوح ﵇ نزلها، وابتنى بها المدائن هو وأولاده، وعملوا فيها العجائب، وكانت مدة ملك عامور ثلاثمائة سنة، ثم ملك بعده ابنه صاين بن عامور مائتي سنة، وبه سميت الصين، فجعل حينئذ تمثالا من ذهب على صورة أبيه على سرير من ذهب، وعكف هو وقومه على عبادته، وفعلوا بجميع ملوكهم ذلك، وهم على دين الصابئين. قال: ووراء الصين أمم عراة منهم أمة يلتحفون بشعورهم، وأمم لا شعر لهم، وأمم حمر الوجوه شقر الشعور، وأمم إذا طلعت الشمس هربوا إلى مغارات يأوون إليها إلى أن تغرب الشمس، وأكثر ما يأكلون نبات يشبه الكمأة وسمك البحر، ثم ذكر بعد هؤلاء يأجوج ومأجوج. قال: وأجمعوا على أنهم من ولد يافث بن نوح. ثم ختم الكتاب بأن النبي ﷺ سئل عن يأجوج ومأجوج، هل بلغتهم دعوتك؟ فقال ﷺ : «مررت بهم ليلة أسري بي فدعوتهم فلم يجيبوا» . وأما تعبير رؤيته في المنام : فإنه ملك عظيم جائر، وقيل: إن رؤيته تدل على الحرب والمخادعة مع حقارته وعجمته ودناءة أصله، وربما كان مسلطا بماله وولده. الكركي: طائر كبير معروف، والجمع الكراكي، وكنيته أبو عريان وأبو عينا وأبو العيزار

стр. 888

وأبو نعيم وأبو الهيصم، وذهب بعض الناس إلى أنه الغرنوق، وهو أغبر طويل الساقين، والأنثى منه لا تقعد للذكر عند السفاد، وسفاده سريع كالعصفور، وهو من الحيوان الذي لا يصلح إلا برئيس، لأن في طبعه الحذر والتحارس في النوبة، والذي يحرس يهتف بصوت خفي، كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته قام الذي كان نائما يحرس مكانه حتى يقضى كل ما يلزمه من الحراسة ولها مشات ومصايف، ومنها ما يلزم موضعا واحدا ومنها ما يسافر بعيدا، وفي طبعه التناصر، ولا تطير الجماعة منه متفرقة، بل صفا واحدا، يقدمها واحد منها، كالرئيس لها وهي تتبعه، يكون ذلك حينا، ثم يخلفه آخر منها مقدما، حتى يصير الذي كان مقدما مؤخرا، وفي طبعه أن أبويه إذا كبرا عالهما، وقد مدح هذا الخلق أبو الفتح كشاجم حيث يقول مخاطبا لولده: اتخذ في خلة الكراكي ... أتخذ فيك خلة الوطواط أنا إن لم تبرني في عناء ... فببري ترجو جواز الصراط ومعنى قوله خلة الوطواط، أنه يبر ولده فلا يتركه بمضيعة، بل يحمله معه حيثما توجه، وقد كذب المحدثون جميع بن عمير التيمي في قوله: إن الكراكي تفرخ في السماء ولا تقع فراخها، وله في السنن الأربعة ثلاثة أحاديث وحسن له الترمذي لكنه من عتق الشيعة. قال القزويني: والكراكي لا يمشي على الأرض إلا بإحدى رجليه، ويعلق الأخرى، وإن وضعها وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به الأرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى، في مالك الحزين طرف من هذا. ولملوك مصر وأمرائها في صيده تغال لا يدرك حده، وإنفاق مال لا يستطاع حصره وعده، فلذلك علت مملكتهم على كثير من الممالك، ولن يهلك على الله إلا هالك أو متهالك. وفي مصنف عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس وأبي موسى، أن عبد الله بن مسعود ﵁ كان نقش خاتمه كركي له رأسان، قال ابن بطال: وهذا إن كان صحيحا، فلا حجة فيه لإباحة ذلك لترك الناس العمل به، ولنهيه ﷺ عن التصوير. فائدة : ذكر السهيلي عن رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ لما كان في بني سعد، نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه، ومج الآخر في فيه بمنقاره ثلجا، أو بردا أو نحو هذا. قال: وهي رواية غريبة ذكرها يونس عنه. وفي أوائل المجالسة للدينوري، أنه «أقبل عليه ﷺ طيران أبيضان، كأنهما نسران» . إلى آخره. وفي المستدرك: «فأقبل عليه ﷺ طيران أبيضان كأنهما نسران» . وذكر الحديث بطوله. وروى ابن أبي الدنيا وغيره، بإسناد يرفعه إلى أبي ذر ﵁، قال: قلت: يا رسول الله كيف علمت أنك نبي وبم علمت حتى استيقنت؟ قال ﷺ : «يا أبا ذر أتاني ملكان فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو. قال: فزنه برجل، فوزنني برجل فرجحته. ثم قال: زنه بعشرة فوزنني بعشرة فرجحتهم. ثم قال: زنه بمائة فوزنني فرجحتهم. ثم قال: زنه بألف فوزنني فرجحتهم. ثم قال أحدهما

стр. 889

لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني، فأخرج قلبي، فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم، ثم قال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني، وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن، ووليا عني فكأني أعاين الأمر معاينة» اهـ. قلت: وفي هذا الحديث من الفوائد أن خاتم النبوة لم يكن قبل ذلك، واختلف العلماء في صفته على عشرين قولا حكاها الحافظ قطب الدين. ففي سيرة ابن هشام أنه كأثر المحجمة القابضة على اللحم. وفي الحديث أنه كان حوله خيلان فيها شعرات سود. وروي أنه كان كالتفاحة، وكزر الحجلة، مكتوب عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقد تقدم في باب الحاء المهملة ما وقع فيه للترمذي. وروى أنه كان كبيضة الحمامة. وروى الحاكم والترمذي في المناقب عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال «١» : خرج أبو طالب إلى الشأم، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب، هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ وقال: هذا سيد الخلق أجمعين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ قريش: ما أعلمك بهذا؟ فقال: إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا لله تعالى، وسلم على رسول الله ﷺ ، ولا يفعل ذلك إلا لنبي وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به لم يجده وكان ﷺ في رعية الإبل، فقال: ارسلوا إليه، فأرسلوا إليه فأقبل ﷺ وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس ﷺ مال فيء الشجرة عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا هو بسبعة من الروم قد أقبلوا، فاستقبلهم وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: أخبرنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا وقد بعث إليه أناس، وإنا قد أخبرنا يقينا أنه في طريقك هذا. فقال: هل خلفتم أحدا هو خير منكم؟ قالوا: لا وإنما اخترنا طريقك هذا لأجلك. قال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس أن يرده؟ قالوا: لا. قال: فبايعوه، فبايعوه وأقاموا معه. ثم قال: أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالا ﵄، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. اهـ ورجال سنده جميعهم مخرج لهم في الصحيح. قال الحافظ الدمياطي: في هذا الحديث وهمان، الأول قوله فبايعوه وأقاموا معه، والثاني قوله وبعث معه أبو بكر وبلالا، ولم يكونا معه، ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبو بكر بعد، بل كان أبو بكر حينئذ لم يبلغ عشرين سنة، ولم يملك بلالا إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاما.

стр. 890

قال السهيلي: و الحكم ة في خاتم النبوة على جهة الاعتبار، أنه ﷺ لما ملىء قلبه حكمة ويقينا ختم عليه، كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درا. وأما وضعه أسفل من غضروف الكتف، فلأنه ﷺ معصوم من وسوسة الشيطان، وذلك الموضع منه يوسوس الشيطان لابن آدم، لما روى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أن رجلا سأل ربه سنة أن يريه موضع الشيطان منه، فأري جسدا كالبلور، يرى داخله من خارجه، والشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه، يحاذي قلبه له خرطوم كخرطوم البعوضة، قد أدخله إلى قلبه يوسوس له، فإذا ذكر الله العبد خنس. وقد تقدم هذا في باب الضاد المعجمة في الضفدع منقولا عن الزمخشري. قلت: وانشقاق الصدر حصل له ﷺ مرتين: إحداهما في صغره وهي هذه، والأخرى في كبره ليلة الإسراء. ففي الصحيحين «١» من حديث أنس وأبي ذر أنه ﷺ قال: «فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطشت من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه» . وقال أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أنه ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به قال: «بينا أنا في الحطيم، وربما قال في الحجر بين النائم واليقظان، إذ نزل علي رجلان، فأتيت بطشت من ذهب مملوء حكمة وإيمانا، فشق صدري من النحر إلى مراق البطن، واستخرج قلبي فغسل، ثم حشي ثم أعيد» . وقال سعيد بن هشام: «ثم غسل البطن بماء زمزم ثم ملىء إيمانا وحكمة ثم أتيت بالبراق فركبته» . الحديث بطوله. وقال قوم: عرج به ﷺ من دار أم هانىء أخت علي بن أبي طالب ﵄. الحكم : يحل أكله بلا خلاف، وما أوهمه العبادي من جريان، خلاف طير الماء الأبيض فيه شاذ مردود. وقال الأصحاب: ما كان من الطيور المأكولة أكبر من الحمام كالبط والكركي، إذا قتلها المحرم أو قتلت في الحرم، فيه قولان: أحدهما إيجاب الشاة إلحاقا بالحمام من باب أولى، لأنه أكبر شكلا من الحمام، ويشهد له قول عطاء في عظام الطير شاة كالكركي والحبارى والأوز، والقول الثاني اعتبار القيمة، وهو القياس، فإن الشاة في الحمام لا تباع النقل. ويشهد له قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ما كان سوى حمام الحرم، ففيه ثمنه إذا أصابه المحرم. الأمثال : قالوا: «فلان أحرس من الكركي» لأنه يقوم الليل كله على إحدى رجليه كما تقدم. ومن أحسن ما يحكى عن الإمام الزاهد القدوة أبي سليمان الداراني أنه قال: اختلفت إلى مجلس قاص فتكلم فأحسن في كلامه فأثر كلامه في قلبي، فلما قمت لم يبق في قلبي منه شيء، فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقي في قلبي أثر كلامه في الطريق، ثم زال ثم عدت ثالثا، فبقي في قلبي أثر كلامه حتى رجعت إلى منزلي، فلزمت الطريق. فحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى. فقال «عصفورا اصطاد كركيا» أراد بالعصفور ذلك القاص وبالكركي أبا سليمان.

стр. 891

الخواص : لحم الكركي بارد يابس لا دسم له أجوده صيد البازي، ينفع أصحاب الكد لكنه سيء الهضم، ويدفع ضرره إنضاجه بالأبازير الحارة، وهو يولد دما غليظا، ويوافق أصحاب الأمزجة الحارة، لا سيما الشباب، وأجود أكله في الشتاء، ويختار أن يتحلى بعده بالحلوى العسلية، فإنها مما يسهل خروجه، ويجب أن لا يؤكل إلا بعد يوم أو يومين. وتشد في أرجلها الحجارة، وتعلق ليرخص لحمها، وتنضج في طبخها وتستمرىء عند أكلها، وكذلك يفعل فيما لحمه كذلك غليظ عسر الاستمراء، لا سيما إناثها، ومرارته تنفع من القرع، وإذا خلطت مع دماغه بزئبق، وسعط بها الذي ينسى، فإنه يذكر ما ينساه. ومن أحب أن لا ينبت في بدنه من الشعر فليأخذ جزءا من الذراريح، ومثله مخ كركي ويدفهما جميعا ويطلي بهما أي موضع اختاره من بدنه، فإنه لا يطلع فيه شعر. التعبير : الكركي في المنام تدل رؤيته على رجل مسكين غريب، ومن رأى كأنه راكب كركيا فإنه يفتقر، ومن رأى أنه ملك كثيرا منها أو وهب له، فإنه ينال رياسة ومالا، ولحم الكركي لمن أراد المشاركة أو الزواج دليل خير، لأنها لا تفترق في طيرانها، وقيل: إن من رأى أنه أخذ كركيا صاهر قوما سيئة أخلاقهم. وقالت النصارى والروم: من رأى كركيا سافر سفرا بعيدا، وإن رآه مسافرا رجع إلى بلده. وقال ارطاميدورس: الكركي في الشتاء تدل على اللصوص، وقطاع الطريق، وهي دليل خير من أراد الأولاد، لأنها تعين آباءها عند الكبر والله أعلم. الكروان: بفتح الكاف والراء المهملة طائر يشبه البط لا ينام الليل، سمي بضده من الكرى، والأنثى كروانة وجمع كروان كروان بكسر الكاف كورشان وورشان على غير قياس قال بكر «١» بن سوادة في خالد «٢» بن صفوان: عليم بتنزيل الكتاب ملقن ... ذكور بما أسداه أول أولا ترى خطباء الناس يوم ارتجاله ... كأنهم الكروان عاين أجدلا وقال طرفة في أبياته التي كانت سبب قتله «٣» : لنا يوم وللكروان يوم ... تطير اليابسات ولا نطير فأما يومهن فيوم سوء ... تطاردهن بالحرب الصقور وأما يومنا فنظلّ ركبا ... وقوفا ما نحلّ ولا نسير فكتب له عمرو بن هند وللمتلمس كتابين إلى عامله المكعبر بقتلهما، فقتل طرفة وسلم المتلمس لما قرئت عليه الصحيفة، والقصة في ذلك مشهورة، وتقدمت الإشارة إليها في القبرة. ووقع ذكر هذه الصحيفة في سنن أبي داود في آخر كتاب الزكاة، وذلك أن عيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن

стр. 892

حابس التميمي قدما على النبي ﷺ ، فسألاه، فأمر لهما ﵊ بما سألاه. وأملى ﵊ معاوية رضي الله تعالى عنه، فكتب لهما بما سألاه، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته، وانطلق إلى قومه. وأما عيينه فأخذ كتابه وأتى به النبي ﷺ فقال: يا محمد أتراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصيحفة المتلمس؟ فقال ﷺ : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار» «١» . قالوا: يا رسول الله وما الذي يغنيه؟ قال ﷺ : «قدر ما يغديه أو يعشيه» اهـ. وحكمه : حل الأكل بالإجماع. الأمثال : قالوا: «أجبن «٢» من كروان» لأنه إذا قيل له: «أطرق «٣» كروان النعام في القرى» التصق بالأرض، فيلقى عليه ثوب فيصاد، وهذا المثل يضرب للمعجب بنفسه، قال «٤» الشاعر: أمير أبي موسى يرى الناس حوله ... كأنهم الكروان أبصر بازيا وقالوا «٥» فيه: شهدت بأن الخبز باللحم طيب ... وإن الحبارى خالة الكروان يضرب عند الشيء يتمنى ولا يقدر عليه. الخواص : قال القزويني: إن لحمه وشحمه يحركان الباه تحريكا عجيبا. الكسعوم: كحلقوم الحمار لغة حميرية والميم زائدة فيه، وكسع حي من حمير باليمن رماة منه قولهم: «ندمت ندامة الكسعي» وهو رجل من كسع اسمه مجاور بن قيس، رأى نبعة فرباها، حتى اتخذ منها قوسا فرمى الوحش عنها ليلا فأصاب، وظن أنه أخطأ، فكسر القوس، فلما أصبح رأى ما أصمى من الصيد فندم. قال الشاعر: ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناه ما صنعت يداه روى الطبراني وغيره من حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال: «لا زكاة في الكسعة والجبهة والنخة» . فسره أبو عبيد وغيره، بأن الكسعة الحمير، والجبهة الخيل، والنخة العبيد. وقال الكسائي: إنما هو النخة بضم النون وهي البقر العوامل. الكعيت: البلبل جاء مصغرا كما تقدم وجمعه كعتان. عجيبة : ذكر الأزرقي، في تاريخ مكة أن طائرا أصغر من الكعيت، لونه لون الحبرة بريشة حمراء، وريشة سوداء، دقيق الساقين طويلهما، له عنق طويل، دقيق المنقار طويله، كأنه من طير البحر، أقبل يوم السبت، يوم سبع وعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين ومائتين، حين طلعت الشمس، والناس إذ ذاك في الطواف، كثير من الحاج وغيرهم، وعبر من ناحية أجياد،

стр. 893

حتى وقع في المسجد الحرام، قريبا من زمزم مقابل الحجر الأسود، فمكث ساعة طويلة ثم طار، حتى صدم الكعبة في نحو وسطها بين الركن اليماني والحجر الأسود، وهو إلى الحجر الأسود أقرب. ثم وقع على منكب رجل في الطواف عند الحجر الأسود، من الحاج من أهل خراسان محرم، فلبى وهو على منكبه الأيمن، فطاف به الرجل أسابيع، والناس يدنون منه وينظرون إليه وهو ساكن غير مستوحش منهم، والرجل الذي هو عليه يمشي في الطواف في وسط الناس، وهم ينظرون إليه ويتعجبون، وعينا الرجل تدمعان على خديه ولحيته. قال عبد الله بن ربيعة: رأيته على منكبه الأيمن، والناس يدنون منه وينظرون إليه، فلا ينقل منهم ولا يطير، فطفت أسابيع ثلاثة كل ذلك أخرج من الطواف فأركع خلف المقام، ثم أعود وهو على منكب الرجل. قال: ثم جاء إنسان من أهل الطواف، فوضع يده عليه فلم يطر، وطاف به بعد ذلك ثم طار هو من قبل نفسه حتى وقع على يمين المقام، ومكث ساعة طويلة وهو يمد عنقه ويقبضها إلى جناحه، والناس ينظرون إليه، فأقبل فتى من الحجبة فضرب بيده فيه فأخذه ليريه رجلا منهم كان يركع خلف المقام، فصاح الطير في يده أشد صياح، بصوت لا يشبهه أصوات الطيور، ففزع منه وأرسله من يده فطار حتى أتى بين يدي دار الندوة، خارجا من الظلال، قريبا من الأسطوانة الحمراء، واجتمع الناس ينظرون إليه، وهو مستأنس في ذلك كله غير مستوحش من الناس، ثم طار من قبل نفسه فخرج من باب المسجد الذي بين دار الندوة ودار العجلة نحو قعيقعان، وقد تقدم في باب الهمزة، في الأديم ما ذكره الأزرقي مما يشبه هذا. الككم: طائر بأرض طبرستان حسن موشى حسن العينين جدا سمي باسم صياحه الذي يصيحه، وربما اصطاد العصافير وصغار الطير مما يكون في الآجام والمياه وغيرها، لكن لا في جميع السنة بل في فصل الربيع، فإذا صاح اجتمعت عليه العصافير وصغار الطيور مما يكون في الآجام والمياه، وغيرها فتزقه من أول النهار فإذا كان آخر النهار أخذ واحدا منها فأكله، فذلك فعله في كل يوم إلى أن ينقضي فصل الربيع، فإذا انقضى انعكست عليه، فلا تزال تجتمع عليه وتطرده وتضربه، وهو يهرب منها ولا يسمع له صوت، إلى فصل الربيع الآخر. وذكر علي بن زيد الطبري صاحب فردوس الحكمة أن هذا الطائر لا يكاد يرى قدماه على الأرض، بل يطأ على إحدى رجليه على البدن. وذكر الجاحظ أن الككم من عجائب الدنيا، وأنه لا يطأ على الأرض بقدميه جميعا خشية أن تنخسف من تحته، كما تقدم في الكركي. ومثل هذا يأتي إن شاء الله تعالى في مالك الحزين والنحام. الكلب: حيوان معروف، وربما وصف به فقيل للرجل كلب وللمرأة كلبة، والجمع أكلب وكلاب وكليب، مثل أعبد وعباد وعبيد وهو جمع عزيز. والأكالب جمع أكلب قال ابن سيده: وقد قالوا في جمع كلب كلابات. قال الشاعر: أحبّ كلب في كلابات الناس ... إلي نهجا كلب أمّ عباس وكلاب اسم رجل من أجداد النبي ﷺ وهو كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

стр. 894

وكلاب إما منقول من المصدر، الذي هو في معنى المكالبة، نحو كالبت العدو مكالبة وكلابا، وإما جمع كلب، وسموه بذلك طلبا للكثرة كما سموا سباع، وأنمار. قيل لأبي الدقيش الأعرابي: لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب؟ وعبيدكم بأحسنها نحو مرزوق ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا وعبيدنا لأنفسنا. وكأنهم قصدوا بذلك التفاؤل بمكالبة العدد وقهره، والكلبة أنثى الكلاب، وجمعها كلبات ولا تكسر. والكلب حيوان شديد الرياضة كثير الوفاء، وهو لا سبع ولا بهيمة، حتى كأنه من الخلق المركب لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية ما أكل لحم الحيوان، لكن في الحديث إطلاق البهيمة عليه. روى مسلم أن النبي ﷺ قال: «بينما امرأة تمشي بفلاة من الأرض، اشتد عليها العطش، فنزلت بئرا فشربت ثم صعدت، فوجدت كلبا يأكل الثرى من العطش، فقالت: لقد بلغ بهذا الكلب مثل الذي بلغ بي، ثم نزلت البئر فملأت خفها وأمسكته بفيها، ثم صعدت فسقته، فشكر الله لها ذلك، وغفر لها» . قالوا: يا رسول الله أو لنا في البهائم أجر؟ قال: «نعم في كل كبد رطبة أجر» «١» . وهو نوعان: أهلي وسلوقي نسبة إلى سلوق، وهي مدينة باليمن تنسب إليها الكلاب السلوقية، وكلا النوعين في الطبع سواء، وفي طبعه الاحتلام، وتحيض إناثه وتحمل الأنثى ستين يوما، ومنها ما يقل عن ذلك وتضع جراها عميا، فلا تفتح عيونها إلا بعد اثني عشر يوما، والذكور تهيج قبل الإناث وهي تنزو إذا كمل لها سنة، وربما تسفد قبل ذلك، وإذا سفد الكلبة كلاب مختلفة الألوان أدت إلى كل كلب شبهه. وفي الكلب من اقتفاء الأثر، وشم الرائحة ما ليس لغيره من الحيوانات، والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض. ويأكل العذرة ويرجع في قيئه، وبينه وبين الضبع عداوة شديدة وذلك أنه إذا كان في مكان عال أو موضع مرتفع، ووطئت الضبع ظله في القمر رمى بنفسه عليها مخذولا، فتأخذه فتأكله، وإذا دهن كلب بشحمها جن واختلط، وإذا حمل الإنسان لسان ضبع لم تنبح عليه الكلاب، ومن طبعه أن يحرس ربه ويحمي حرمه شاهدا وغائبا، ذاكرا وغافلا، نائما ويقظان، وهو أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجته إلى النوم، وإنما غالب نومه نهارا عند الاستغناء عن الحراسة، وهو في نومه، أسمع من فرس، وأحذر من عقعق، وإذانام كسر أجفان عينيه ولا يطبقها، وذلك لخفة نومه، وسبب خفته أن دماغه بارد بالنسبة إلى دماغ الإنسان، ومن عجيب طباعه أنه يكرم الجلة من الناس وأهل الوجاهة، ولا ينبح أحدا منهم، وربما حاد عن طريقه وينبح الأسود من الناس والدنس الثياب والضعيف الحال. ومن طباعه البصبصة والترضي والتودد والتألف، بحيث إذا دعي بعد الضرب والطرد رجع، وإذا لاعبه ربه عضه العض الذي لا يؤلم، وأضراسه لو أنشبها في الحجر لنشبت، ويقبل التأديب والتلقين والتعليم، حتى لو وضعت على رأسه مسرجة وطرح له مأكول لم يلتفت إليه مادام على تلك الحالة، فإذا أخذت المسرجة عن رأسه وثب إلى مأكوله، وتعرض له أمراض سوداوية في زمن مخصوص، ويعرض له الكلب بفتح اللام وهو داء يشبه الجنون، وعلامة ذلك أن تحمر عيناه

стр. 895

وتعلوهما غشاوة، وتسترخي أذناه، ويندلع لسانه ويكثر لعابه، وسيلان أنفه، ويطأطىء رأسه وينحدب ظهره، ويتعوج صلبه إلى جانب، ولا يزال يدخل ذنبه بين رجليه ويمشي خائفا مغموما كأنه سكران، ويجوع فلا يأكل، ويعطش فلا يشرب، وربما رأى الماء فيفزع منه، وربما يموت منه خوفا، وإذا لاح له شبح حمل عليه من غير نبح، والكلاب تهرب منه، فإن دنا منها غفلة، بصبصت له وخضعت، وخشعت بين يديه، فإذا عقر هذا الكلب إنسانا عرض له أمراض رديئة، منها أن يمتنع من شرب الماء حتى يهلك عطشا، ولا يزال يستقي حتى إذا سقي الماء لم يشربه، فإذا استحكمت هذه العلة به، فقعد للبول خرج منه شيء على هيئة الكلاب الصغار. قال صاحب الموجز في الطب: الكلب حالة كالجذام تعرض للكلب والذئب وابن آوى وابن عرس والثعلب، ثم ذكر غالب ما تقدم، وقال غيره: الكلب جنون يصيب الكلاب فتموت وتقتل كل شيء عضته إلا الإنسان، فإنه قد يعالج فيسلم. قال: وداء الكلب يعرض للحمار ويقع في الإبل أيضا، فيقال: كلبت الإبل تكلب كلبا وأكلب القوم إذا وقع في إبلهم. ويقال: كلب الكلب واستكلب، إذا ضرى، وتعود أكل الناس انتهى. وذكر القزويني، في عجائب المخلوقات، أن بقرية من أعمال حلب بئرا، يقال لها بئر الكلب، إذا شرب منها من عضه الكلب برىء، وهي مشهورة. قال: وقد أخبرني بعض أهل القرية، أن المكلوب إذا لم يجاوز أربعين يوما، وشرب منها برىء أما إذا جاوز الأربعين فإنه يموت ولو شرب منها. وذكر أنه شاهد ثلاثة أنفس مكلوبين، شربوا منها فسلم اثنان، وكانا لم يبلغا الأربعين، ومات الثالث وكان قد جاوز الأربعين. وهذه البئر يشرب منها أهل الضيعة. وأما السلوقي فمن طباعه أنه إذا عاين الظباء قريبة منه أو بعيدة عرف المقبل من المدبر، ومشي الذكر من مشي الأنثى، ويعرف الميت من الناس والمتماوت، حتى إن الروم لا تدفن ميتا حتى تعرضه على الكلاب، فيظهر لهم من شمها إياه علامة تستدل بها على حياته أو موته، ويقال: إن هذا لا يوجد إلا في نوع منها يقال له القلطي، وهو صغير الجرم قصير القوائم جدا، ويسمى الصيني. وإناث السلوقي أسرع تعلما من الذكور، والفهد بالعكس كما تقدم، والسود من الكلاب أقل صبرا من غيرها. وفي كتاب فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، لمحمد بن خلف المرزبان «١» عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه، قال: رأى رسول الله ﷺ رجلا قتيلا، فقال ﷺ : «ما شأنه» ؟ قالوا: إنه وثب على غنم بني زهرة، فأخذ منها شاة، فوثب عليه كلب الماشية فقتله. فقال ﷺ : «قتل نفسه، وأضاع ديته، وعصى ربه، وخان أخاه وكان الكلب خيرا منه» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كلب أمين خير من صاحب خؤون. قال: وكان للحارث بن صعصعة ندماء لا يفارقهم، وكان شديد المحبة لهم، فخرج في بعض منتزهاته، ومعه

стр. 896

ندماؤه فتخلف منهم واحد، فدخل على زوجته، فأكلا وشربا ثم اضطجعا، فوثب الكلب عليهما فقتلهما. فلما رجع الحارث إلى منزله وجدهما قتيلين. فعرف الأمر فأنشأ يقول: وما زال يرعى ذمتي ويحوطني ... ويحفظ عرسي والخليل يخون «١» فيا عجبا للخلّ يهتك حرمتي ... ويا عجبا للكلب كيف يصون وذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي في بعض مصنفاته، أن رجلا خرج في بعض أسفاره فمر على قبة مبنية أحسن بناء، بالقرب من ضيعة هناك، وعليها مكتوب: من أحب أن يعلم سبب بنائها، فليدخل القرية. فدخل القرية، وسأل أهلها عن سبب بناء القبة، فلم يجد عند أحد خبرا من ذلك، إلى أن دل على رجل قد بلغ من العمر مائتي سنة، فسأله فأخبره عن أبيه أنه حدثه أن ملكا كان بتلك الأرض، وكان له كلب لا يفارقه في سفر ولا حضر، ولا نوم ولا يقظة، وكانت له جارية خرساء مقعدة، فخرج ذات يوم إلى بعض منتزهاته وأمر بربط الكلب لئلا يذهب معه، وأمر طباخه أن يصنع له طعاما من اللبن كان يهواه، وأن الطباخ صنعه وجاء به فوضعه عند الجارية والكلب وتركه مكشوفا، وذهب فأقبلت حية عظيمة إلى الإناء، فشربت من ذلك الطعام وردته وذهبت. ثم أقبل الملك من منتزهه، وأمر بالطعام فوضع بين يديه، فجعلت الجارية تصفق بيديها، وتشير إلى الملك أن لا يأكله فلم يعلم أحد ما تريد، فوضع الملك يده في الصفحة، وجعل الكلب يعوي ويصيح، ويجذب نفسه من السلسلة، حتى كاد أن يقتل نفسه، فتعجب الملك من ذلك وأمر بإطلاقه فأطلق فغدا إلى الملك وقد رفع يده باللقمة إلى فيه فوثب الكلب وضربه على يده فأطار اللقمة منها فغضب الملك، وأخذ خنجرا كان بجنبه، وهم أن يضرب به الكلب، فأدخل الكلب رأسه في الإناء، وولغ من ذلك الطعام، فانقلب على جنبه وقد تناثر لحمه. فعجب الملك ثم التفت إلى الجارية، فأشارت إليه بما كان من أمر الحية. ففهم الملك الأمر وأمر بإراقة الطعام، وتأديب الطباخ على كونه ترك الإناء مكشوفا، وأمر بدفن الكلب وببناء القبة عليه، وبتلك الكتابة التي رأيتها. قال: وهي من أغرب ما يحكى. وفي كتاب النشوان عن أبي عثمان المديني، أنه قال: كان في بغداد رجل يلعب بالكلاب، فتركه ومشى حتى انتهى إلى قوم كان بينه وبينهم عداوة، فصادفوه بغير عدة فقبضوا عليه، والكلب يراهم، فأدخلوه الدار ودخل الكلب معهم فقتلوا الرجل وألقوه في بئر وطموا رأس البئر، وضربوا الكلب، فأخرجوه وطردوه، فخرج يسعى إلى بيت صاحبه فعوى فلم يعبأوا به، وافتقدت أم الرجل ابنها، وعلمت أنه قد تلف، فأقامت عليه المأتم وطردت الكلاب عن بابها، فلزم ذلك الكلب الباب ولم ينطرد فاجتاز يوما بعض قتلة صاحبه بالباب، والكلب رابض، فلما رآه وثب عليه، فخمش ساقه ونهشه وتعلق به، واجتهد المجتازون في تخليصه منه، فلم يمكنهم، وارتفعت للناس ضجة عظيمة، وجاء حارس الدرب وقال: لم يتعلق هذا الكلب بالرجل إلا وله معه قصة؟

стр. 897

ولعله هو الذي جرحه. وسمعت أم القتيل الكلام فخرجت فحين رأت الكلب متعلقا بالرجل، تأملت في الرجل، فتذكرت أنه كان أحد أعداء ابنها وممن يتطلبه، فوقع في نفسها أنه قاتل ابنها، فتعلقت به فرفعوهما إلى أمير المؤمنين الراضي بالله، فادعت عليه القتل، فأمر بحبسه بعد أن ضربه فلم يقر، فلزم الكلب باب الحبس، فلما كان بعد أيام أمر الراضي بإطلاقه، فلما خرج من باب الحبس، تعلق به الكلب كما فعل أولا، فتعجب الناس من ذلك وجهدوا على خلاصه منه، فلم يقدروا على ذلك إلا بعد جهد جهيد، فأخبر الراضي بذلك فأمر بعض غلمانه أن يطلق الرجل، ويرسل الكلب خلفه ويتبعه فإذا دخل الرجل داره بادره، وأدخل الكلب معه فمهما رأى الكلب يعمل يعلمه بذلك، ففعل ما أمره به، فلما دخل الرجل داره بادره غلام الخليفة ودخل وأدخل الكلب معه، ففتش البيت فلم ير أثرا ولا خبرا وأقبل الكلب ينبح، ويبحث عن موضع البئر التي طرح فيها القتيل، فتعجب الغلام من ذلك، وأخبر الراضي بأمر الكلب، فأمر بنبش البئر فنبشوها، فوجدوا الرجل قتيلا، فأخذوا صاحب الدار إلى بين يدي الراضي، فأمر بضربه فأقر على نفسه، وعلى جماعته بالقتل. فقتل وطلب الباقون فهربوا. وفي عجائب المخلوقات، أن شخصا قتل شخصا بأصبهان وألقاه في بئر، وللمقتول كلب يرى ذلك، فكان يأتي كل يوم إلى رأس البئر، وينحي التراب عنه، ويشير إليها، وإذا رأى القاتل نبح عليه، فلما تكرر ذلك منه حفروا البئر، فوجدوا القتيل بها، ثم أخذوا الرجل وقرروه فأقر فقتلوه به. وفي الإحياء، عن بعض الصوفية، قال: كنا بطرسوس فاجتمعنا جماعة وخرجنا إلى باب الجهاد فتبعنا كلب من البلد، فلما بلغنا باب الجهاد، وإذا نحن بدابة ميتة فصعدنا إلى موضع خال فقعدنا، فلما نظر الكلب إلى الميتة، رجع إلى البلد، ثم عاد ومعه نحو من عشرين كلبا، فجاء إلى تلك الميتة وقعد ناحية، ووقعت الكلاب في الميتة، فما زالت تأكل إلى أن شبعت، وذلك الكلب قاعد ينظر إلى الميتة، حتى أكلت وبقيت العظام، فلما رجعت الكلاب إلى البلد، قام ذلك الكلب إلى العظام فأكل ما بقي عليها من اللحم ثم انصرف. وفي الشعب للبيهقي وغيرها عن الفقيه منصور اليمني الشافعي الضرير، وله مصنفات في المذهب وشعر حسن أنه كان ينشد «١» لنفسه: الكلب أحسن عشرة ... وهو النهاية في الخساسه ممن ينازع في الريا ... سة قبل إبان الرياسه ثم قال البيهقي: وكان الشيخ الإمام القاضي أبو الطيب الطبري يقول: «من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه» . وقال شعيب بن حرب: «من رضي أن يكون ذنبا أبى الله إلا أن يجعله

стр. 898

رأسا» . ومن محاسن شعر الفقيه منصور اليمني المتقدم ذكره، ووفاته في سنة ست وخمسين وثلاثمائة قوله «١» : لي حيلة فيمن ينم ... وليس في الكذاب حيله من كان يخلق ما يقو ... ل فحيلتي فيه قليله ولقد أجاد علي بن عبد الواحد البغدادي المعروف بصريع الدلاء «٢» في قوله: من فاته العلم وأخطاه الغنى ... فذاك والكلب على حدّ سوا وهذا البيت آخر قصيدة له في المجون، ذكر فيها من صنعة الغزل فنونا، ولو لم يكن له سواه لكفاه، وهي طويلة طنانه عجز فحول الشعراء أن يزيدوا فيها بيتا واحدا. وتوفي في رجب سنة اثنتي عشرة وأربعمائة فجأة بشرقة لحقته عند الشريف البطحاوي. وذكر ابن خلكان أن الحسين بن أحمد المعروف بابن الحجاج الشاعر المشهور، لما حضرته الوفاة أوصى بأن يدفن عند رجلي الإمام موسى بن جعفر أحد الأئمة الإثني عشر ﵃ على رأي الإمامية وأن يكتب على قبره وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ «٣» . قال: وابن الحجاج ذو خلاعة ومجون. وقيل: إنه دعي إلى دعوة وتأخر الطعام عنه فقال «٤» : يا ذاهبا في داره جائيا ... من غير معنى بل ولا فائده قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده ودعوة الطعام بفتح الدال. وأما قول قطرب في مثلثته، فقلت: عندي دعوة بضم الدال فمردود عليه انتهى. فائدة : ذكر ابن عبد البرّ في كتابه بهجة المجالس وأنس المجالس، أنه قيل لجعفر الصادق ﵁، وهو أحد الأئمة الإثني عشر: كم تتأخر الرؤيا؟ فقال: خمسين سنة لأن النبي ﷺ رأى كأن كلبا أبقع ولغ في دمه، فأوّله بأن رجلا يقتل الحسين ابن بنته رضي الله تعالى عنه. فكان الشمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين، وكان أبرص. فتأخرت الرؤيا بعده خمسين سنة، كما تقدم في باب الهمزة في الأوز. وفي هذا الكتاب أشياء تصلح للمذاكرة، منها أن النبي ﷺ رأى في منامه أنه دخل الجنة، فرأى فيها عذقا مدلى فأعجبه، فقال: «لمن هذا» ؟ فقيل: هذا لأبي جهل. فشق عليه ﷺ ذلك. فقال: «ما لأبي جهل والجنة؟ والله لا يدخلها أبدا، فإنه لا يدخلها إلا نفس مؤمنة» . فلما أتاه عكرمة بن أبي جهل رضي الله تعالى عنه مسلما، فرح به وقام إليه، وتأول ذلك العذق عكرمة ابنه.

стр. 899

ومنها أن بعض الشاميين كان عاملا لعمر رضي الله تعالى عنه، فقال له: يا أمير المؤمنين رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا، ومع كل واحد منهما فرقة من النجوم، فقال له: مع أيهما كنت؟ فقال: مع القمر. قال: مع الآية الممحوة، لا عملت لي عملا أبدا، فعزله. وقتل ذلك الرجل مع معاوية ﵁ بصفين. ومنها أن عائشة رضي الله تعالى عنها، رأت ثلاثة أقمار سقطن في حجرها، فقال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: إن صدقت رؤياك، فإنه يدفن في بيتك ثلاثة من خيار أهل الأرض. فلما دفن ﷺ في بيتها قال لها أبو بكر رضي الله تعالى عنه: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها. وفيه أشياء كثيرة وكان الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، إمام عصره في الحديث والأثر وهو أحد نقلة المذاهب، وتوفي هو والإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن ثابت الخطيب البغدادي الشافعي حافظ المشرق في سنة ثلاث وستين وأربعمائة. ومما ينشد «١» للشافعي رحمه الله تعالى: ليت الكلاب لنا كانت مجاورة ... وليتنا لا نرى ممن نرى أحدا إن الكلاب لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا وفي الميزان للذهبي، في ترجمة أحمد بن زرارة المدني بسند مظلم، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال: «كيف أنتم إذا كان زمن يكون الأمير فيه كالأسد، والحاكم فيه كالذئب الأمعط، والتاجر فيه كالكلب الهرار، والمؤمن بينهم كالشاة الولهاء بين الغنم ليس لها مأوى، فكيف حال شاة بين أسد وذئب وكلب!» . وفي أمالي أبي بكر القطيعي، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله ﷺ فمر بنا كلب فما بلغت يده رجله حتى مات. فلما انصرف رسول الله ﷺ من صلاته، قال: «من الداعي على هذا الكلب آنفا؟» فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله. فقال: «ما قلت» ؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام اكفني هذا الكب بما شئت. فقال «٢» النبي ﷺ : «لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى» والحديث في السنن الأربعة وفي مسند الإمام أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان بغير قصة الكلب. وأفاد الطبراني، من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن هذه الصلاة كانت صلاة العصر يوم الجمعة، وأن الرجل المذكور الداعي على هذا الكلب سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه. فقال له النبي ﷺ : «يا سعد لقد دعوت في يوم وساعة بكلمات، لو دعوت بهن على من في السموات والأرض استجيب لك فأبشر يا سعد» . وروى الإمام أحمد في الزهد، عن جعفر بن سليمان، قال: رأيت مع مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه كلبا فقلت: ما تصنع بهذا يا أبا يحيى؟ فقال: هذا خير من جليس السوء!

стр. 900

وفي مناقب الإمام أحمد، أنه بلغه أن رجلا من وراء النهر عنده أحاديث ثلاثية، فرحل الإمام أحمد إليه، فوجد شيخا يطعم كلبا، فسلم عليه فرد ﵇، ثم اشتغل الشيخ بإطعام الكلب، فوجد الإمام في نفسه إذ أقبل الشيخ على الكلب ولم يقبل عليه، فلما فرغ الشيخ من طعمة الكلب، التفت إلى الإمام أحمد، وقال له: كأنك وجدت في نفسك، إذ أقبلت على الكلب ولم أقبل عليك؟ قال: نعم. فقال الشيخ: حدثني أبو الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «من قطع رجاء من ارتجاه قطع الله منه رجاءه يوم القيامة فلم يلج الجنة» . وأرضنا هذه ليست بأرض كلاب، وقد قصدني هذا الكلب، فخفت أن أقطع رجاءه فيقطع الله رجائي منه يوم القيامة. فقال الإمام أحمد: هذا الحديث يكفيني ثم رجع. ويقرب من هذا ما في رسالة القشيري، في باب الجود والسخاء، أن عبد الله بن جعفر ﵄، خرج إلى ضيعة له، فنزل على نخيل قوم، وفيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى الغلام بغدائه، وهي ثلاثة أقراص، فرمى بقرص منها إلى كلب كان هناك فأكله، ثم رمى إليه الثاني فأكله والثالث فأكله، وعبد الله بن جعفر ينظر، فقال: يا غلام كم قوتك كل يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت هذا الكلب؟ فقال: إن هذه الأرض ليست بأرض كلاب، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا، فكرهت رده! فقال له عبد الله: فما أنت صانع اليوم؟ قال: أطوي يومي هذا. فقال عبد الله بن جعفر لأصحابه: ألام على السخاء وهذا أسخى مني؟ ثم اشترى الغلام وأعتقه، واشترى الحائط وما فيه ووهب ذلك له. وتقدم في باب الحاء المهملة، في الحمار، أن الحاكم روى عن جابر رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «١» : «إذا سمعتم نباح الكلب ونهيق الحمار بالليل فتعوذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنها ترى ما لا ترون وأقلوا الخروج إذا هدأت الرجل، فإن الله تعالى يبث في الليل من خلقه ما شاء» . غريبة : في كتاب البشر بخير البشر، عن مالك بن نفيع أنه قال: ند بعير لي، فركبت نجيبة لي وطلبته حتى ظفرت به، فأخذته وانكفأت راجعا إلى أهلي، فأسريت ليلتي حتى كدت أصبح، فأنخت النجيبة والبعير وعقلتهما، واضطجعت في ذرا كثيب رمل، فلما كحلني الوسن، سمعت هاتفا يقول: يا مالك يا مالك، لو فحصت عن مبرك القعود البارك، لسرك ما هنا لك، قال: فثرت وأثرت البعير عن مبركه، وحفرت فعثرت على صنم في صورة امرأة من صفاة صفراء كالورس، مجلوّا كالمرآة، فأخرجته ومسحته بثوبي ونصبته قائما فما تمالكت أن خررت له ساجدا. ثم قمت فنحرت البعير له ورششته بدمه، وسميته غلابا ثم حملته على النجيبة، وأتيت به أهلي، فحسدني عليه كثير من قومي، وسألوني نصبه لهم ليعبدوه معي، فأبيت عليهم وانفردت لعبادته، وجعلت على نفسي كل يوم عتيرة، وكانت لي ثلة من الضأن، فأتيت على آخرها، فأصبحت يوما وليس لي ما أعتره، وكرهت الاخلال بنذري، فأتيته فشكوت إليه ذلك فإذا هاتف من جوفه يقول: يا مال يا مال، لا تأس على مال، سر إلى طوى الأرقم، فخذ الكلب الأسحم، الوالغ في

стр. 901

الدم ثم صد به تغنم. قال مالك: فخرجت من فوري إلى طوى الأرقم، فإذا كلب أسحم هائل المنظر، قد وثب على قرهب، يعني ثورا وحشيا، فصرعه وأنا أنظر إليه، ثم بقر بطنه وجعل يلغ في دمه فتهيبته، ثم تجاسرت فتقدمت عليه وهو مقبل على عقيرته، لم يلتفت إلي فشددت في عنقه حبلا، ثم جذبته فتبعني فأتيت راحلتي فأثرتها وقدتها، إلى القرهب وأنختها فجررته وحملته عليها، ثم قدتها وسرت قاصدا إلى الحي والكلب يلوذ بي، فعنت لي ظبية فجعل الكلب يثب ويجاذبني الحبل، فترددت في إرساله ثم أرسلته، فمر كالسهم حتى اختطفها، فأتيته فجاذبته إياها، فأرسلها من يديه، فاستقر بي السرور، وأتيت إلى أهلي فعترت الظبية لغلاب، ووزعت لحم القرهب وبت بخير ليلة. ثم باكرت به الصيد، فلم يفته حمار ولا ماطلة ثور، ولا اعتصم منه وعل، ولا أعجزه ظبي، فتضاعف سروري به، وبالغت في إكرامه وسميته سحاما. فلبثت كذلك ما شاء الله. فإني لذات يوم أصيد به، إذ بصرت بنعامة على أدحيها، وهي قريبة مني فأرسلته عليها فأجفلت أمامه، وأتبعتها على فرس جواد، فلما كاد الكلب أن يثب عليها، انقضت عليه عقاب من الجو، فكر راجعا نحوي، فصحت به فما كذب، وأمسكت الفرس فجاء سحام حتى دخل بين قوائمها، ونزلت العقاب أمامي على شجرة، وقالت: سحام! قال الكلب: لبيك. قالت: هلكت الأصنام، وظهر الإسلام، فأسلم تنج بسلام، وإلا فليست بدار مقام. ثم طارت العقاب وتبصرت سحاما فلم أره وكان آخر عهدي به. قوله طوى أرقم، الطوى بئر مطوية بالحجارة، والأسحم الأسود وبه سمي الكلب سحاما، فهو فعال من ذلك. وقوله: بنعامة على أدحيها، أي الموضع الذي فيه بيضها وقوله ما كذب أي ما توقف ولا انثنى. فائدة : روى الحاكم في المستدرك، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، قالت: قدمت امرأة من أهل دومة الجندل علي تبتغي رسول الله ﷺ ، بعد موته بيسير، تسأله عن شيء دخلت فيه، من أمر السحر لم تعلم به، قالت: فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ ، حتى إني لأرحمها من كثرة بكائها، وهي تقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، فسألتها عن قصتها، فقالت: كان لي زوج قد غاب عني، فدخلت علي عجوز فشكوت لها حالي، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فإنه يأتيك بعلك! فقلت: إني أفعل. فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما، وتركت الآخر، فلم يكن بأسرع حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري! وارجعي. فأبيت وقلت: لا أرجع. قالا: فاذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فاقشعر جلدي ففزعت منه، ولم أفعل فرجعت إليهما، فقالا لي: فعلت؟ قلت: نعم. قالا: هل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا. فقالا: لم تفعلي. ارجعي إلى بلادك لا تكفري، فأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه فذهبت إليه فاقعشر جلدي وخفت ثم رجعت إليهما فقالا لي: ما رأيت؟ إلى أن قالت: فذهبت في الثالثة فبلت فيه فرأيت فارسا مقنعا بالحديد، خرج مني حتى ذهب في السماء، فأتيتهما فأخبرتهما فقالا: صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، اذهبي.

стр. 902

فقلت للمرأة: والله ما علمت شيئا، ولا قالا لي شيئا! فقالت لي: بلى لن تريدي شيئا إلا كان. خذي هذا القمح فابذريه، فأخذته فبذرته. وقلت له: اطلع فطلع ثم قلت استحصد فاستحصد، ثم قلت: انطحن فانطحن، ثم قلت: انخبز فانخبز. فلما رأيت أني لا أقول شيئا إلا كان سقط في يدي فندمت، والله يا أم المؤمنين ما فعلت قط ولا أفعله أبدا. فسألت أصحاب رسول الله ﷺ فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب أن يفتيها بما لا يعلم إلا أنهم قالوا لها: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك. ثم قال الحاكم: صحيح انتهى. قال هشام بن عروة، وهو راوي الحديث، عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنهم كانوا أي الصحابة ﵃ أهل ورع وخشية لله، وبعد من التكلف والجراءة على الله، فلذلك أمسكوا عن الفتيا لها ولو جاءتنا اليوم لوجدت الأمر بخلاف ذلك. قال بعض الحنابلة: قلت: فقد بان بهذا أن السحر والإيمان لا يجتمعان في قلب، ولا يصير ساحرا وفي قلبه إيمان، فاعتبر بحال هذه المرأة المسكينة كيف ألقاها الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء، في ورطة هلكة لا تجبر مصيبتها، وهذا دأب المعاصي تنكس الرؤوس وتوجب الحبوس، وتضاعف البؤس، ولقد أحسن القائل حيث قال: إذا ما دعتك النفس يوما لحاجة ... وكان عليها للخلاف طريق فخالف هواها ما استطعت فإنما ... هواها عدو والخلاف صديق تذنيب : للسحر حقيقة وتأثير وقيل لا، والصحيح أن الصواب الأول، دل عليه ظاهر القرآن والسنة. قال المازري: اختلف العلماء في القدر الذي يقع به السحر، ولهم فيه اضطراب، فقال بعضهم: لا يزيد تأثيره على قدر التفريق بين المرء وزوجه، لأن الله تعالى إنما ذكر ذلك تعظيما لما يكون عنده، وتهويلا له في حقنا فلو وقع به أعظم منه لذكره، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة، إلا بأعلى أحوال المذكور. ومذهب الأشعريين أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك، قال: وهذا هو الأصح، لأنه لا فاعل إلا الله تعالى، وما وقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى، ولا تفترق الأفعال في ذلك وليس بعضها أولى من بعض، ولو ورد الشرع بقصوره عن مرتبة، لوجب المصير إليه. ولكن لا يوجد شرع قاطع بوجوب الاقتصار على ما قال القائل الأول، وذكر التفرقة بين الزوجين في الآية ليس بنص في منع الزيادة وإنما النظر في أنه ظاهر أم لا. فإن قيل: إذا جوزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر، فبماذا يتميز عن النبي؟ فالجواب أن العادة تنخرق على يد النبي والولي والساحر، لكن النبي يتحدى الخلق بها، ويستعجزهم عن الاتيان بمثلها، ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة بها لتصديقه، فلو كان كاذبا لم تنخرق على يديه، ولو خرقها الله على يد كاذب لخرقها على يد المعارضين للأنبياء، وأما الولي والساحر فلا يتحديان الخلق، ولا يستدلان على نبوة، ولو ادعيا شيئا من ذلك، لم تنخرق العادة لهما. وأما الفرق بين الولي والساحر، فمن وجهين أحدهما، وهو المشهور، اجماع المسلمين على أن

стр. 903

السحر لا يظهر إلا على يد فاسق، والكرامة لا تظهر إلا على يد ولي، ولا تظهر على يد فاسق، وبهذا جزم إمام الحرمين، وأبو سعيد المتولي وغيرهما. والثاني أن السحر يكون ناشئا بفعل ومزج ومعاناة وعلاج، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك وفي كثير من الأوقات يقع ذلك اتفاقا، من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله تعالى أعلم. وأما ما يتعلق بالمسألة من فروع الفقه، فتعلم السحر وتعليمه حرام على الصحيح. والصواب عدم جواز تعليمه لكل أحد يريد تعلمه، وقال القاضي حسين وإبراهيم المروزي: إن كان في تعليمه ترك طاعة لله لا يجوز، وإن لم يكن فإن قصد بتعلمه دفع ضرر سحر الناس عن نفسه جاز، وإن قصد تعلمه ليسحر الناس لم يجز انتهى. والخلاف فيما إذا كان لا يتوقف على اعتقاد كفر أو مباشرة محظور كترك صلاة وغيرها، أما إذا توقف على ذلك فتعلمه حرام بالإجماع، والسحر من الكبائر. ومذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أن الساحر يكفر لقوله «١» تعالى: وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ لأنهم إنما نسبوا سليمان ﵇ إلى السحر لا إلى الكفر. ولقوله تعالى حكاية عن الملكين إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ «٢» ومذهب الشافعي أنه لا يكفر إلا أن يكون فيه قول أو فعل يقتضي الكفر. قال الرافعي: من اعتقد إباحته فهو كافر. وقال ابن الصباغ: إن اعتقد التقرب إلى الكواكب السبعة وإنها تجيب إلى ما يقترح منها، فهو كافر. وعن القفال أنه لو قال: أنا أفعل السحر بقدرتي دون قدرة الله تعالى فهو كافر. فلو تاب الساحر قبلت توبته عند الشافعي ﵀. وقال مالك ﵀: السحر زندقة، فإن قال: أنا أحسن السحر قتل، ولا تقبل توبته كما لا تقبل توبة الزنديق. وعن أبي حنيفة ﵀ مثله. وعن الإمام أحمد ﵀ روايتان كالمذهبين. وقال أبو حنيفة ﵁: إن المرأة الساحرة تحبس ولا تقتل، وأما الساحر الذمي فلا يقتل إلا أن يضر بالمسلمين فيقتل لنقضه العهد. وقال أبو حنيفة ﵁: يقتل مطلقا، ويقال للرجل المسحور مطبوب. يقال طب الرجل إذا سحر، فكنوا بالطب عن السحر، كما كنوا بالسليم عن اللديغ. قال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طب وللسحر طب، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب أي حاذق سمي طبيبا لحذقه وفطنته والله تعالى أعلم. فائدة أدبية : دخل أبو العلاء المعري يوما على الشريف المرتضى فعثر برجل، فقال له الرجل: من هذا الكلب؟ فقال أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما. فقربه المرتضى واختبره فوجده علامة. ثم جرى ذكر المتنبي يوما فتنقصه الشريف المرتضى وذكر معايبه، فقال المعري: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله «٣» : لك يا منازل في القلوب منازل لكفاه فضلا وشرفا، فغضب الشريف المرتضى وأمر بسحبه برجله وإخراجه من المسجد، ثم

стр. 904

قال لمن يحضر مجلسه: تدرون أي شيء أراد هذا الأعمى بذكر هذه القصيدة وللمتنبي أجود منها ولم يذكره؟ قالوا: لا. قال: إنما أراد أن يذمني بقوله «١» فيها: وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل وسئل شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد «٢» عن أبي العلاء المعري، فقال: هو في حيرة. وهذا أحسن ما قيل فيه. فائدة أخرى : قال «٣» أبو نواس محمد بن هانىء في طريدته: أتعب كلبا أهله في كده ... قد سعدت جدودهم بجده فكلّ خير عندهم من عنده ... وكلّ رفد نالهم من رفده يظلّ مولاه له كعبده ... يبيت أدنى صاحب من فهده إذا عرى جلله ببرده ... ذا غرة محجلا بزنده يلذّ منه العين حسن قده ... يا حسن شدقيه وطول خده قيل: دخل أبو بكر الخالدي على الخليفة، فأنشده قصيدة امتدحه بها فأجازه، وكان بين يديه صحن يشم أزرق، فلمحه أبو بكر فأعطاه الخليفة إياه فخرج من عنده وهو مسرور، فمر على أبي الفتح بن خالويه فهناه أبو الفتح بذلك، فلما أصبح جاء إلى الخدمة، فقال له الخليفة: كيف حالك وكيف كان مبيتك؟ قال: بخير ودعا له، وقال: بتنا ندعوا لمولانا أمير المؤمنين، وبت أتفنن في الصحن وأتملى بحسنه، فأضفته إلى صدقات مولانا ورفده، وكل خير عندنا من عنده، فتنمر أمير المؤمنين، واستشاط غضبا وزجره، فخرج من عنده حزينا كئيبا، فمر على ابن خالويه فسأله عن السبب وما الخبر فأخبره بما قال، فقال له أبو الفتح: أو قلتها؟ فقال: نعم. فقال: أين أنت؟ أتجعل أمير المؤمنين كلبا أين ذهب عقلك؟ أو ما سمعت قول أبي نواس في طريدته: فكلّ خير عندهم من عنده ... وكلّ رفد نالهم من رفده فكاد الخالدي أن يموت فزعا ثم قال له: عرفني كيف المخلص؟ قال: تمارض مدة ثم أظهر أنك شفيت ثم تأتي أمير المؤمنين، فإذا سألك عن سبب مرضك، فقل له: طالعت طريدة أبي نواس، فلما فعل ذلك رضي عنه أمير المؤمنين. فائدة أخرى : اختلفوا في قوله «٤» تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً أكثر أهل التفسير على أن كلب أهل الكهف كان من جنس الكلاب. وروى عن ابن جريج أنه قال: كان أسدا ويسمى الأسد كلبا لأن النبي ﷺ دعا

стр. 905

على عتبة بن أبي لهب «أن يسلط الله عليه كلبا من كلابه» فأكله الأسد. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان كلبا أغبر. وفي رواية عنه أحمر، واسمه قطمير. وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرطبي: صفرته تضرب إلى الحمرة. وقال الكلبي: كان خلنجي اللون. وقيل: كان لونه لون السماء. وقيل: كان أبلق أبيض وأسود وأحمر. وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: اسمه ريان. وقال الأوزاعي: مشير. وقال سعيد الحمال: حران. وقال عبد الله بن سلام: بسيط. وقال كعب الأحبار: صيها، وقال وهب: نقيا. وقصة الإمام مالك في ذلك مشهورة معروفة. وقال فرقة: كان رجلا طباخا لهم، حكاه الطبري. وقال فرقة: كان أحدهم. وكان قد قعد عند باب الغار طليعة لهم فسمي باسم الحيوان الملازم لذلك الموضع من الناس، كما سمي النجم التابع للجوزاء كلبا، لأنه منها كالكلب من الإنسان. وهذا القول يضعفه بسط الذراعين، فإنه في العرف من صفة الكلب. وحكى أبو عمرو المطرزي في كتاب اليواقيت وغيره، أن جعفر بن محمد الصادق قرأ: (وكالبهم) فيحتمل أنه يريد هذا الرجل. وقال خالد بن معدان: ليس في الجنة من الدواب سوى كلب أهل الكهف، وحمار العزيز، وناقة صالح وقد تقدم في أوائل باب السين المهملة في السبع الكلام على قوله «١» تعالى: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ونزيد هنا أن قوله «٢» تعالى: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أن المثبت في حق الله تعالى الأعلمية، وفي حق القليل العالمية، فلا تعارض بينهما. قال ابن عطية المفسر: حدثني أبي أنه سمع أبا الفضل بن الجوهري، في سنة تسع وستين وأربعمائة، يقول: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم. كلب أحب أهل فضل وصحبهم، فذكره الله في القرآن معهم. وأما الوصيد، فاختلف المفسرون فيه فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الوصيد فناء الكهف، وهو قول مجاهد رضي الله تعالى عنه، وقال سعيد بن جبير: الوصيد التراب. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضا. وقال السدي: الباب. وهو رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأنشد في ذلك: بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر أي بابها وقال عطاء: الوصيد عتبة الباب. وقال العتبي: هو البناء الذي من فوقه ومن تحته، مأخوذ من قولهم أوصدت الباب وآصدته. أي أغلقته وأطبقته لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ «٣» يا محمد لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً «٤» ، أي هربا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً «٥» ، لما ألبسهم الله ومن الهيبة، حتى لا يصل إليهم واصل منعهم بالرعب، لئلا يراهم أحد. وقيل: إنما ذلك من وحشة المكان الذي هم فيه. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو

стр. 906

الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب أهل الكهف الذين ذكرهم الله في القرآن، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، فقلت له: ليس لك ذلك قد منع الله ذلك من هو خير منك، فقال «١» تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم. ثم بعث ناسا لينظروا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فذهبوا فلما دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم. وذكر الثعلبي وغيره أن النبي ﷺ سأل الله أن يريه إياهم، فقال تعالى: إنك لن تراهم ولكن ابعث إليهم أربعة من كبار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك فقال النبي ﷺ لجبريل: «كيف أبعث إليهم» ؟ فقال له جبريل ﵇: أبسط كساءك واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر، وعلى الطرف الثاني عمر، وعلى الطرف الثالث عثمان، وعلى الطرف الرابع عليا، ثم ادع الريح الرخاء المسخرة لسليمان، فإن الله يأمرها أن تطيعك. ففعل ذلك ﷺ ، فحملتهم الريح إلى باب الكهف فقلعوا منه حجرا، فحمل عليهم الكلب، فلما رآهم حرك رأسه وبصبص إليهم وأومأ إليهم برأسه، أن ادخلوا فدخلوا الكهف. فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله إلى الفتية أرواحهم، فقاموا بأجمعهم فقالوا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقالوا: معشر الفتية، إن النبي محمد بن عبد الله ﷺ يقرأ عليكم السلام، فقالوا: وعلى محمد السلام مادامت السموات والأرض، وعليكم بما أبلغتم، وقبلوا دينه، ثم قالوا: اقرؤوا على محمد ﷺ منا السلام، وأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان، عند خروج المهدي، فيقال: إن المهدي يسلم عليهم، فيحييهم الله ويردون ﵇، ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون حتى تقوم الساعة. ثم ردتهم الريح فقال لهم النبي ﷺ : «كيف وجدتموهم» ؟ فأخبروه الخبر فقال النبي ﷺ : «اللهم لا تفرق بيني وبين أصحابي وأنصاري، واغفر لمن أحبني، وأحب أهل بيتي وخاصتي» . واختلف في سبب مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن اسحاق: مرح أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا، وأطغتهم الجن حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وكانت فيهم بقايا على دين المسيح، يعبدون الله، وكان ملكهم اسمه دقيانوس، وكان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وهي أفسوس، فهرب منه أهل الإيمان، وكان حين قدمها، أمر أن يجمع له أهل الإيمان، فمن وقع به خيره بين القتل وعبادة الأصنام، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى فيقتل. ثم أمر بأجسادهم أن تعلق على سور المدينة وعلى كل باب، فحزن هؤلاء الفتية، وأقبلوا على الصلاة والصيام والتسبيح والدعاء، وكانوا ثمانية من أشراف القوم، فعثر عليهم الملك فقال لهم: اختاروا: إما أن تعبدوا آلهتنا، وإما أن أقتلكم! فقال مكسلمينا، وهو أكبرهم: إن لنا إلها هو ملك السموات والأرض، وهو أعظم وأجل من كل شيء، وهو المعبود، فلن ندعو من دونه إلها. فقال الملك: ما يمنعني أن أعجل لكم العقوبة إلا أنكم شباب، وأحب أن أجعل لكم أجلا

стр. 907

لعلكم تتذكرون فيه، وتراجعون عقولكم. فأخذوا من بيوتهم نفقة، وخرجوا إلى الكهف يعبدون الله، فأتبعهم كلب كان لهم، وقال كعب: بل مروا بكلب، فنبح بهم فطردوه، فعاد فطردوه مرارا، وهو يعود فقام الكلب على رجليه ورفع يديه إلى السماء، كهيئة الداعي ونطق فقال: لا تخافوا مني فإني أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هربوا ليلا، وكانوا سبعة، فمروا براع معه كلب فأتبعهم على دينهم فجعلوا يعبدون الله في الكهف، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان يبتاع لهم طعامهم من المدينة، وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا دخل المدينة لبس ثياب المساكين، واشترى طعامهم وتجسس لهم الأخبار، فلبثوا كذلك زمانا، ثم أخبرهم تمليخا أن الملك يتطلبهم، ففزعوا لذلك وحزنوا، فبينما هم كذلك عند غروب الشمس، يتحدثون ويتدارسون، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، فسمع الملك أنهم في جبل فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، حتى يموتوا جوعا وعطشا وهو يظنهم أيقاظا، أراد الله بذلك أن يكرمهم، وأن يجعلهم آية لخلقه. وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، والملائكة تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ثم عمد رجلان مؤمنان كانا في بيت الملك، فكتبا شأن الفتية وأسماءهم وأنسابهم، في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلاه في البنيان. وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتية مطوقين مصورين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيد فخرجوا في عيد لهم وأخرجوا آلهتهم التي كانوا يعبدونها فقذف الله في قلوبهم الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم إيمانه عن صاحبه، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، ثم خرج آخر فرآه فظن أن يكون على مثل أمره، وجاء من غير أن يظهر له ذلك، ثم خرج الآخرون واحدا بعد واحد حتى اجتمعوا تحت الشجرة. فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم ههنا؟ ثم قالوا: ليخرج كل فتيين فيخلوا ثم يفش كل واحد منهما أمره إلى صاحبه، فخرج فتيان فذكر كل واحد منهما لصاحبه أمره، فأقبلا مستبشرين قد اتفقا على أمر واحد، ثم فعلوا جميعا كذلك فإذا هم جميعا على الإيمان. فقال بعضهم لبعض: ائووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهييء لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف ومعهم كلبهم، فناموا ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، فلما لم يجدوهم كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا فقدناهم، في شهر كذا في سنة كذا، في مملكة فلان بن فلان. ووضعوا اللوح في خزانة الملك، وقالوا: ليكونن لهذا شأن. وقال السدي: لما خرجوا، مروا براع معه كلب، فقال الراعي: إني أتبعكم على أن أعبد الله معكم، قالوا: سر فسار معهم، وتبعهم الكلب فقالوا: يا راعي هذا الكلب ينبح علينا، وينبه بنا فما لنا به من حاجة. فطردوه فأبى إلا أن يلحق بهم، فرجموه فرفع يديه كالداعي، وأنطقه الله تعالى فقال: يا قوم لم تطردونني لم تضربونني لم ترجمونني؟ فو الله لقد عرفت الله قبل أن

стр. 908

تعرفوه بأربعين سنة فتعجبوا من ذلك وزادهم الله بذلك هدى. وقال محمد الباقر: كان أصحاب الكهف صياقلة، واسم الكهف حيوم، والقصة طويلة مشهورة في كتاب التفاسير والقصص مطولا ومختصرا، وقد وقفت على جمل من ذلك. فمن ذلك ما ساقه الإمام أبو اسحاق محمد بن أحمد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، في كتابه الكشف والبيان في تفسير القرآن، وربما يتكرر شيء مما تقدم، فيما آتي به. قال: قوله «١» تعالى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً يعني ليسوا من أعجب آياتنا، فإنّ فيم خلقت من السموات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب منهم. والكهف هو الغار في الجبل. واختلفوا في الرقيم، فقال وهب: حدثني «٢» النعمان بن بشير الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يذكر الرقيم، قال: إن ثلاثة نفر خرجوا مرتادين لأهليهم، فبينما هم يمشون إذ أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف، فانحطت صخرة من الجبل، فانطبقت على باب الكهف، فأوصد عليهم، فقال قائل منهم: اذكروا أيكم عمل عملا حسنا، لعل الله برحمته أن يرحمنا، فقال رجل منهم: إني قد عملت حسنة مرة، كان لي أجراء يعملون عملا لي، استأجرت كل رجل منهم في نهاره بأجرة معلومة، فجاءني رجل منهم ذات يوم وسط النهار، فاستأجرته بشطر أجرة أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله، فرأيت علي من الذمام، أن لا أنقصه عما استأجرت من أصحابه، لما رأيت من جهده في عمله. فقال رجل منهم: أتعطي هذا مثل ما أعطيتني ولم يعمل إلا وسط النهار؟ فقلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت. فغضب وترك أجره فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثم مرت بي بعد ذلك بقر فاشتريت له بها فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمر بي بعد حين رجل شيخ كبير لا أعرفه، فقال لي: إن لي عندك حقا فذكرنيه حتى عرفته، قلت له: إياك أبغي، وهذا حقك وعرضتها عليه جميعا، فقال: يا عبد الله لا تسخر بي إن لم تصدق علي فأعطني حقي! قلت: والله ما أسخر بك إنها لحقك، مالي فيها شيء فدفعتها إليه جميعا. اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر، فانصدع الحجر ففرج حتى رأوا وأبصروا. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي فضل، وأصابت الناس شدة، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا، فقلت لها: والله ما هو دون نفسك، فأبت علي وذهبت، ثم رجعت فذكرتني بالله ، والله مطلع عليها فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك، فأبت علي وذهبت، وذكرت لزوجها فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك! فرجعت إلي ونشدتني بالله، فأبيت عليها وقلت لها: والله ما هو دون نفسك! فلما رأت ذلك، أسلمت إلي نفسها، فلما كشفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ فقالت: إني أخاف الله رب العالمين! فقلت لها: خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء! وتركتها وأعطيتها ما يحق علي بما كشفتها. اللهم إن كنت

стр. 909

فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا الحجر فانصدع حتى عرفوا وتبين لهم. وقال الآخر: قد عملت حسنة مرة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكان لي غنم فكنت أطعم والدي وأسقيهما، ثم أرجع إلى غنمي، فأصابني يوما غيث، فحبسني حتى أمسيت، فأتيت أهلي وأخذت محلبي، فحلبت غنمي وتركتها قائمة، ومضيت إلى أبوي، فوجدتهما قد ناما، فشق علي أن أوقظهما، وشق علي أن أترك غنمي، فما برحت جالسا ومحلبي على يدي، حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. قال النعمان بن بشير: لكأني أسمع من رسول الله ﷺ يقول: «قال الجبل طاق طاق ففرج الله عنهم فخرجوا» . وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الرقيم واد بين عمان وأيلة دون فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف. وقال كعب: هي قريتهم وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي، وهو موضع الماء منه، تقول العرب: عليك بالرقمة ودع الضفة. والضفتان جانبا الوادي. وقال سعيد بن جبير: الرقيم لوح من حجارة. وقيل: من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف، وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم أي الكتاب المرقوم. والرقم الخط والعلامة والرقم الكتابة. ثم ذكر صفتهم فقال «١» تعالى: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي رجعوا وصاروا إليه. واختلفوا في سبب مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن اسحاق: مرح أهل الإنجيل وكثرت الخطايا فيهم، وعظمت الذنوب وطغت فيهم الملوك، حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح عيسى ابن مريم ﵉، متمسكين بعبادة الله وتوحيده. فكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم من الروم، يقال له دقيانوس، كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، وقتل من خالفه في ذلك ممن أقام على دين المسيح، وكان ينزل قرى الروم فكان لا يترك فيها أحدا مؤمنا إلا فتنة، حتى يعبد الأصنام ويذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وهي أفسوس، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه، وهربوا في كل وجه. وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبع أهل الإيمان في أماكنهم، فيجمعوا له واتخذ شرطة من الكفار، من أهلها فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان، في أماكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس، فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت، فيخيرهم بين القتل وعبادة الأصنام والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله تعالى فيقتل. فلما رأى أهل ذلك البلد الشدة في الإيمان بالله جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقطعون ويعلق ما قطع من أجسادهم على سور المدينة ونواحيها كلها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة على أهل الإيمان منهم، من أقر فترك، ومنهم من صلب على دينه فقتل.

стр. 910

فلما رأى ذلك الفتية، حزنوا حزنا شديدا فصلوا وصاموا واشتغلوا بالتسبيح والدعاء لله تعالى، وكانوا من أشراف الروم، وكانوا ثمانية فتفرقوا، وتضرعوا، وجعلوا يقولون «١» : رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ، اللهم اكشف عن عبادك المؤمنين، هذه الفتنة وادفع البلاء والغم عن عبادك، الذين آمنوا بك، حتى يعلنوا عبادتهم إياك، فبينما هم على ذلك إذا أدركهم الشرطة، وكانوا قد دخلوا في مصلى لهم، فوجدوهم سجدا على وجوههم يبكون ويتضرعون إلى الله تعالى، ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفتنته. فلما رآهم أولئك الكفرة، قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثم خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: نجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون بك ويعصون أمرك! فلما سمع ذلك منهم أتى بهم وأعينهم تفيض من الدمع، معفرة وجوههم في التراب، فقال لهم: ما منعكم أن تشهدوا الذبح للآلهة التي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم كغيركم؟ فاختاروا إما أن تذبحوا لآلهتنا كما يذبح الناس، وإما أن أقتلكم؟ فقال مكسلمينا، وكان أكبرهم: إن لنا إلها ملأت السموات والأرض عظمته لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً «٢» ولن نقر بهذا الذي تدعو إليه أبدا، ولكنا نعبد الله ربنا، له الحمد والشكر والتسبيح من أنفسنا خالصا أبدا، إياه نعبد وإياه نسأل النجاة والخير، فأما الطواغيت وعبادتها فلن نعبدها أبدا، اصنع ما بدا لك. ثم قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمر فنزع منهم الملبوس الذي كان عليهم من لبوس عظمائهم، وقال: إن فعلتم ما فعلتم فإني سأؤخركم وأفرغ لكم وأنجزكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن أعجل ذلك لكم إلا أني أراكم شبابا حديثة أسنانكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا، تتذاكرون فيه وتراجعون عقولكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم، ثم أمر بهم فأخرجوا من عنده وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم التي هم بها قريبة منهم، لبعض أموره فلما علم الفتية أن دقيانوس خرج من مدينتهم، بادروا قدومه وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم فائتمروا بينهم، أن يأخذ كل رجل منهم نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا منها، ثم يتزودوا بما بقي ثم ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة، في جبل يقال له منحلوس، فيمكثون فيه ويعبدون الله تعالى، حتى إذا جاء دقيانوس، أتوه فقاموا بين يديه، فيصنع بهم ما شاء. فلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كل فتى منهم إلى بيت أبيه، فأخذ نفقة فتصدقوا منها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، واتبعهم كلب كان لهم. حتى أتوا ذلك الكهف في الجبل فلبثوا فيه. وقال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي فأنا أحب أحباب الله. فناموا حتى أحرسكم. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هربوا ليلا من دقيانوس بن حلانوس حين دعاهم

стр. 911

إلى عبادة الأصنام، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، فخرجوا من البلد فآووا إلى الكهف وهو قريب من البلدة، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا، وكان من أجملهم وأجلدهم، فكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويلبس كثياب المساكين، الذين يطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة ثم ينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويسمع ويتجسس لهم الخبر، هل ذكر أصحابه بشيء أم لا ثم يرجع إلى أصحابه. فلبثوا كذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة فأمر العظماء، فذبحوا للطواغيت، ففزع لذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه الطعام والشراب، فرجع لأصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا مع عظماء المدينة، ليذبحوا الطواغيت، فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجدا يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه، ويتعوذون به من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم: يا اخوتاه ارفعوا رؤوسكم وأطعموا من رزق الله، وتوكلوا عليه، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع، حزنا وخوفا على أنفسهم، فطعموا منه وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويذكر بعضهم بعضا، فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم. فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعض أصحابه: قد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، وما كنت لأجهل عليهم، ولا على واحد منهم إن تابوا وعبدوا إلهي. فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، قد كنت أجلتهم أجلا، ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك: غضب غضبا شديدا، ثم أرسل إلى آبائهم فسأل عنهم؛ ثم قال: أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟ فقالوا له: أما نحن فلن نعصيك، فلم تقتلنا بقوم مردة ذهبوا بأموالنا فأهلكوها بأسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل يقال له منحلوس، فلما قالوا له ذلك، خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يفعل بالفتية، فألقى الله في نفس دقيانوس أن يأمر بالكهف فيسد عليهم. وأراد الله أن يذكرهم ويجعلهم آية، ويستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتون عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم. وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشيه ما غشيهم ذات اليمين وذات الشمال.

стр. 912

ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس، يكتمان إيمانهما، كان اسم أحدهما مندروس، والآخر دوماس، ائتمرا أن يكتبا أسماء الفتية وأنسابهم وخبرهم، في لوح رصاص يجعلاه في تابوت من نحاس، ثم يجعلا التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين، قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم خبرهم، حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا ثم بنيا عليهم فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقومه وقرون بعد ذلك كثيرة، وخلفاء الملوك بعد الملوك. وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب «١» ، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم، في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن أخيه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يظهر بعضهم على بعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لئلا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره، من غير أن يظهر له ذلك، فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤوا وجلسوا إليهما. واجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخر: ما حملكم؟ وكل واحد يكتم عن صاحبه إيمانه، مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم ليفش كل واحد منهما لصاحبه أمره، فخرج فتيان منهم، فتوافقا. ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، فإذا هم جميعا على أمر واحد، وهو الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهييء لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم، فناموا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا. وفقدهم الملك وقومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص: فلان وفلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن من بعد قرن. وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها إلا سجد له، فكره أن يدخلها وأتى حماما قريبا من تلك المدينة، فكان فيه وكان يؤاجر نفسه من الحمامي في حمامه، ويعمل فيه ورأى الحمامي في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، فجعل يقوم عليه وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة، حتى آمنوا بالله وصدقوه. وكانوا على مثل حاله من حسن الهيئة، وكان شرط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني وبينه أحد، ولا بين الصلاة، وكان على ذلك، حتى أتى ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحمامي، وقال له: أنت ابن الملك

стр. 913

وتدخل مع هذه! فاستحيا وذهب، ثم رجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره، ولم يلتفت إليه حتى دخلاه جميعا فماتا معا في الحمام. فأتى الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فلم يقدر عليه وهرب. فقال: من كان يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على مثل إيمانهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم، وكان معه كلب، حتى آواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت ههنا الليلة ثم نصبح، فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يطلبهم، فتبعوهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم دخوله، أرعب فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فقال قائل من أصحاب الملك: أليس لو كنت تقدر عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف، واتركهم فيه يموتون جوعا وعطشا، ففعل ذلك. قال وهب: فمكثوا بعد ما سد عليهم باب هذا الكهف، زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند باب الكهف، فقال في نفسه: لو فتحت باب هذا الكهف، وأدخلت فيه غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله عليهم أرواحهم من الغد، حين أصبحوا. قال محمد بن اسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له تاودوسيوس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وثمانين سنة، فتحزب الناس في ملكه، وكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، وشكا إلى الله وتضرع إليه، وحزن حزنا شديدا، لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فأما الجسد فتأكله الأرض، ونسوا ما في الكتاب. فجعل تاودوسيوس يرسل إلى كل من يظن فيه خيرا وأنه معه على الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة، حتى كادوا يحولون الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تاودوسيوس، دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا، وجعل تحته رمادا ثم جلس عليه، فدأب ليلا ونهارا يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس، ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث إليهم من يبين لهم. ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية تبين لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يستجيب لعبده الصالح تاودوسيوس، وأن يتم نعمته عليه، وأن لا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك الجبل، الذي به أهل الكهف أن يبني فيه حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الأحجار، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى فرغ ما على فم الكهف، وفتح عليهم باب الكهف، وحجبهم الله عن الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم، من يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم،

стр. 914

إلى باب الكهف قائما، فلما نزعت الحجارة، وفتح عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان، محيي الموتى، أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم، طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها، إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرى في وجوههم، ولا في أبشارهم، ولا في ألوانهم شيء يكرهونه، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم. فلما قضوا صلاتهم، قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: ائتنا يا أخي بالذي قال الناس في شأننا، عشية أمس عند الجبار، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون أمس، وقد خيل إليهم أنهم ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ «١» وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يأتي بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا اخوتاه، اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدا. ثم قال لتمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نذكر به عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرن بنا أحدا، وابتغ لنا طعاما وائتنا به، فإنه قد نالنا الجوع وزدنا على الطعام الذي تجيئنا به العادة، فإنه كان قليلا وقد أصبحنا جياعا. ففعل تمليخا كما كان يفعل، وخرج ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورقا من نفقتهم، التي كانت معهم، التي ضربت بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجا، فلما مر بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مر فلم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا، يصد عن الطريق تخوفا من أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس الجبار، ولم يشعر بالعبد الصالح، وأن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة. فلما رأى تمليخا باب المدينة، رفع رأسه فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ممن يعرفه. ثم ترك ذلك الباب، وتحول إلى باب آخر من أبوابها، فرأى مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يعرفهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب منهم ومن نفسه، ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يتعجب منهم ومن نفسه، ويقول: يا ليت شعري أما هذه عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة، ويستخفون بها فأما اليوم فإنها ظاهرة، لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم. فأخذ كساءه وجعله على رأسه، ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناسا كثيرين يحلفون بالله، ثم بعيسى ابن مريم فزاده عجبا! ورأى كأنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدران المدينة، ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على

стр. 915

وجه الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى ابن مريم ولا يخاف. ثم قال في نفسه: لعل هذه المدينة ليست التي أعرفها، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم. والله ما أعلم مدينة أقرب من مدينتنا، ثم قام كالحيران لا يتوجه وجها، ثم لقي فتى من أهل المدينة، فقال: يا فتى ما اسم هذه المدينة؟ فقال: افسوس. فقال في نفسه: لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع إلى الخروج منها، قبل أن أخرج منها ويصيبني سوء فاهلك. هذا الذي حدث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم. ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة، قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي، فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلا منهم فقال: يا عبد الله بعني بهذه الورق طعاما، فأخذها الرجل، ونظر إلى ضرب الورق ونقشها، وعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم، من رجل إلى رجل، وهم يعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون من أجله، ويقول بعضهم: إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وحزن حزنا عظيما، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه، وإنما يريدون أن يحملوه إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم، وهو شديد الفرق: اقضوني حاجتي، فقد أخذتم ورقي، وإلا فامسكوا طعامك فلا حاجة لي فيه. فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا، فانطلق معنا وشاركنا فيه، يخف عليك ما وجدت، فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم، عجب في نفسه وقال: قد وقعت في كل شيء أحذر منه، ثم قالوا: يا فتى والله أنك لا تستطيع أن تكتم شيئا وجدته، ولا تظن في نفسك أن ستخفى عليك. فجعل تمليخا لا يدري ما يقول، وما يرجع إليهم وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا. فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبلا، حتى سمع به كل من فيها. فقيل: أخذ رجل عنده كنز، واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط وما نعرفه، فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم، مع ما سمع منهم. فلما اجتمع عليه أهل المدينة، فرق وسكت ولم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدق. وكان مستيقنا أن أباه وأخوته بالمدينة، وأن حسبه في أهل المدينة، من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه عشية أمس، كان يعرف كثيرا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحد. فبينما هو قائم كالحيران ينتظر من يأتيه من أهله إما أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، اسم أحدهما أرموس والآخر اصطفوس، فلما انطلق به إليهما، ظن تمليخا إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه. فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وجعل الناس يسخرون
следующие страницы →