Полный текст (1 095 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
إلى عبادة الأصنام، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم، فخرجوا من البلد فآووا إلى الكهف وهو قريب من البلدة، فلبثوا فيه، ليس لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، ابتغاء وجه الله، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، يقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرا، وكان من أجملهم وأجلدهم، فكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويلبس كثياب المساكين، الذين يطعمون فيها، ثم يأخذ ورقة ثم ينطلق إلى المدينة فيشتري لهم طعاما وشرابا، ويسمع ويتجسس لهم الخبر، هل ذكر أصحابه بشيء أم لا ثم يرجع إلى أصحابه.
فلبثوا كذلك ما لبثوا، ثم قدم دقيانوس الجبار المدينة فأمر العظماء، فذبحوا للطواغيت، ففزع لذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه الطعام والشراب، فرجع لأصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن الجبار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم قد ذكروا مع عظماء المدينة، ليذبحوا الطواغيت، فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجدا يدعون الله تعالى، ويتضرعون إليه، ويتعوذون به من الفتنة، ثم إن تمليخا قال لهم: يا اخوتاه ارفعوا رؤوسكم وأطعموا من رزق الله، وتوكلوا عليه، فرفعوا رؤوسهم وأعينهم تفيض من الدمع، حزنا وخوفا على أنفسهم، فطعموا منه وذلك عند غروب الشمس، ثم جلسوا يتحدثون ويتدارسون، ويذكر بعضهم بعضا، فبينما هم على ذلك إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون ونفقتهم عند رؤوسهم.
فلما كان الغد تفقدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعض أصحابه: قد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوا بي غضبا عليهم لجهلهم ما جهلوا من أمري، وما كنت لأجهل عليهم، ولا على واحد منهم إن تابوا وعبدوا إلهي.
فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة، مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، قد كنت أجلتهم أجلا، ولو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنهم لم يتوبوا. فلما قالوا له ذلك: غضب غضبا شديدا، ثم أرسل إلى آبائهم فسأل عنهم؛ ثم قال:
أخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني؟ فقالوا له: أما نحن فلن نعصيك، فلم تقتلنا بقوم مردة ذهبوا بأموالنا فأهلكوها بأسواق المدينة، ثم انطلقوا فارتقوا إلى جبل يقال له منحلوس، فلما قالوا له ذلك، خلى سبيلهم، وجعل ما يدري ما يفعل بالفتية، فألقى الله في نفس دقيانوس أن يأمر بالكهف فيسد عليهم.
وأراد الله أن يذكرهم ويجعلهم آية، ويستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتون عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم. وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، قد غشيه ما غشيهم ذات اليمين وذات الشمال.
стр. 912
ثم إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس، يكتمان إيمانهما، كان اسم أحدهما مندروس، والآخر دوماس، ائتمرا أن يكتبا أسماء الفتية وأنسابهم وخبرهم، في لوح رصاص يجعلاه في تابوت من نحاس، ثم يجعلا التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين، قبل يوم القيامة، فيعلم من فتح عليهم خبرهم، حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا ثم بنيا عليهم فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقومه وقرون بعد ذلك كثيرة، وخلفاء الملوك بعد الملوك.
وقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوقين مسورين ذوي ذوائب «١» ، وكان معهم كلب صيدهم فخرجوا في عيد لهم عظيم، في زي وموكب، وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان، وكان أحدهم وزير الملك، فآمنوا وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن أخيه، فقالوا في أنفسهم، من غير أن يظهر بعضهم على بعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم، لئلا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة، فجلس فيه ثم خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره، من غير أن يظهر له ذلك، فجلس إليه ثم خرج الآخرون فجاؤوا وجلسوا إليهما.
واجتمعوا، فقال بعضهم لبعض: ما جمعكم؟ وقال آخر: ما حملكم؟ وكل واحد يكتم عن صاحبه إيمانه، مخافة على نفسه، ثم قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثم ليفش كل واحد منهما لصاحبه أمره، فخرج فتيان منهم، فتوافقا. ثم تكلما، فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما، فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد، فإذا هم جميعا على أمر واحد، وهو الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: فأووا إلى الكهف، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهييء لكم من أمركم مرفقا، فدخلوا الكهف ومعهم كلب صيدهم، فناموا ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعا.
وفقدهم الملك وقومهم فطلبوهم فعمى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدروا عليهم، كتبوا أسماءهم وأنسابهم في لوح من رصاص: فلان وفلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان، ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا: ليكونن لهذا شأن ومات ذلك الملك وجاء قرن من بعد قرن.
وقال وهب بن منبه: جاء حواري عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها إلا سجد له، فكره أن يدخلها وأتى حماما قريبا من تلك المدينة، فكان فيه وكان يؤاجر نفسه من الحمامي في حمامه، ويعمل فيه ورأى الحمامي في حمامه البركة، ودر عليه الرزق، فجعل يقوم عليه وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة، حتى آمنوا بالله وصدقوه. وكانوا على مثل حاله من حسن الهيئة، وكان شرط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني وبينه أحد، ولا بين الصلاة، وكان على ذلك، حتى أتى ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحمامي، وقال له: أنت ابن الملك
стр. 913
وتدخل مع هذه! فاستحيا وذهب، ثم رجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك فسبه وانتهره، ولم يلتفت إليه حتى دخلاه جميعا فماتا معا في الحمام.
فأتى الملك، فقيل له: صاحب الحمام قتل ابنك، فالتمس فلم يقدر عليه وهرب. فقال:
من كان يصحبه؟ فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمروا على صاحب لهم في زرع، وهو على مثل إيمانهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم، وكان معه كلب، حتى آواهم الليل إلى كهف، فقالوا: نبيت ههنا الليلة ثم نصبح، فترون رأيكم فضرب الله على آذانهم، فخرج الملك في أصحابه يطلبهم، فتبعوهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد الرجل منهم دخوله، أرعب فلم يطق أحد منهم أن يدخله، فقال قائل من أصحاب الملك: أليس لو كنت تقدر عليهم قتلتهم؟ قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف، واتركهم فيه يموتون جوعا وعطشا، ففعل ذلك.
قال وهب: فمكثوا بعد ما سد عليهم باب هذا الكهف، زمانا بعد زمان، ثم إن راعيا أدركه المطر عند باب الكهف، فقال في نفسه: لو فتحت باب هذا الكهف، وأدخلت فيه غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتحه، ورد الله عليهم أرواحهم من الغد، حين أصبحوا.
قال محمد بن اسحاق: ثم ملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له تاودوسيوس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وثمانين سنة، فتحزب الناس في ملكه، وكانوا أحزابا، فمنهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، وشكا إلى الله وتضرع إليه، وحزن حزنا شديدا، لما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ويقولون: لا حياة إلا الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد، فأما الجسد فتأكله الأرض، ونسوا ما في الكتاب.
فجعل تاودوسيوس يرسل إلى كل من يظن فيه خيرا وأنه معه على الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة، حتى كادوا يحولون الناس عن الحق وملة الحواريين، فلما رأى ذلك الملك الصالح تاودوسيوس، دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا، وجعل تحته رمادا ثم جلس عليه، فدأب ليلا ونهارا يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس، ويقول: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث إليهم من يبين لهم.
ثم إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد، أراد أن يظهر الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية تبين لهم، وحجة عليهم، ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يستجيب لعبده الصالح تاودوسيوس، وأن يتم نعمته عليه، وأن لا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين، فألقى الله في نفس رجل من أهل ذلك الجبل، الذي به أهل الكهف أن يبني فيه حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين، فجعلا ينزعان تلك الأحجار، ويبنيان بها تلك الحظيرة، حتى فرغ ما على فم الكهف، وفتح عليهم باب الكهف، وحجبهم الله عن الناس بالرعب، فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم، من يدخل من باب الكهف، ثم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم،
стр. 914
إلى باب الكهف قائما، فلما نزعت الحجارة، وفتح عليهم باب الكهف، أذن الله ذو القدرة والعظمة والسلطان، محيي الموتى، أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مستبشرة وجوههم، طيبة أنفسهم فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون فيها، إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها، ثم قاموا إلى الصلاة، فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرى في وجوههم، ولا في أبشارهم، ولا في ألوانهم شيء يكرهونه، إنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبار في طلبهم.
فلما قضوا صلاتهم، قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: ائتنا يا أخي بالذي قال الناس في شأننا، عشية أمس عند الجبار، وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون أمس، وقد خيل إليهم أنهم ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
«١» وكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتمستم بالمدينة، وهو يريد أن يأتي بكم اليوم، فتذبحون للطواغيت، أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا: يا اخوتاه، اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدا. ثم قال لتمليخا: انطلق إلى المدينة، فتسمع ما يقال لنا بها اليوم، وما الذي نذكر به عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرن بنا أحدا، وابتغ لنا طعاما وائتنا به، فإنه قد نالنا الجوع وزدنا على الطعام الذي تجيئنا به العادة، فإنه كان قليلا وقد أصبحنا جياعا.
ففعل تمليخا كما كان يفعل، وخرج ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ ورقا من نفقتهم، التي كانت معهم، التي ضربت بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف الربع، فانطلق تمليخا خارجا، فلما مر بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن باب الكهف، فعجب منها، ثم مر فلم يبال بها حتى أتى باب المدينة مستخفيا، يصد عن الطريق تخوفا من أن يراه أحد من أهلها، فيعرفه فيذهب به إلى دقيانوس الجبار، ولم يشعر بالعبد الصالح، وأن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة.
فلما رأى تمليخا باب المدينة، رفع رأسه فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلما رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا، فنظر يمينا وشمالا فلم ير أحدا ممن يعرفه. ثم ترك ذلك الباب، وتحول إلى باب آخر من أبوابها، فرأى مثل ذلك، فجعل يخيل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرفها، ورأى ناسا كثيرين محدثين لم يكن يعرفهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويتعجب منهم ومن نفسه، ويخيل إليه أنه حيران ثم رجع إلى الباب الذي أتى منه، فجعل يتعجب منهم ومن نفسه، ويقول: يا ليت شعري أما هذه عشية أمس كان المسلمون يخفون هذه العلامة، ويستخفون بها فأما اليوم فإنها ظاهرة، لعلي حالم! ثم يرى أنه ليس بنائم.
فأخذ كساءه وجعله على رأسه، ثم دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهراني سوقها فيسمع ناسا كثيرين يحلفون بالله، ثم بعيسى ابن مريم فزاده عجبا! ورأى كأنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدران المدينة، ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا؟ أما عشية أمس فليس على
стр. 915
وجه الأرض إنسان يذكر عيسى ابن مريم إلا قتل، وأما الغداة فأسمع كل إنسان يذكر أمر عيسى ابن مريم ولا يخاف. ثم قال في نفسه: لعل هذه المدينة ليست التي أعرفها، أسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم. والله ما أعلم مدينة أقرب من مدينتنا، ثم قام كالحيران لا يتوجه وجها، ثم لقي فتى من أهل المدينة، فقال: يا فتى ما اسم هذه المدينة؟ فقال: افسوس. فقال في نفسه: لعل بي مسا أو أمرا أذهب عقلي، والله يحق لي أن أسرع إلى الخروج منها، قبل أن أخرج منها ويصيبني سوء فاهلك.
هذا الذي حدث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم. ثم إنه أفاق فقال: والله لو عجلت الخروج من المدينة، قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي، فدنا من الذين يبيعون الطعام، فأخرج الورق التي كانت معه، فأعطاها رجلا منهم فقال: يا عبد الله بعني بهذه الورق طعاما، فأخذها الرجل، ونظر إلى ضرب الورق ونقشها، وعجب منها ثم طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم، من رجل إلى رجل، وهم يعجبون منها، ثم جعلوا يتشاورون من أجله، ويقول بعضهم: إن هذا الرجل قد أصاب كنزا خبيئا في الأرض منذ زمان ودهر طويل، فلما رآهم يتشاورون من أجله فرق فرقا شديدا، وحزن حزنا عظيما، وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه، وإنما يريدون أن يحملوه إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرفونه، فقال لهم، وهو شديد الفرق: اقضوني حاجتي، فقد أخذتم ورقي، وإلا فامسكوا طعامك فلا حاجة لي فيه.
فقالوا له: من أنت يا فتى وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأولين وأنت تريد أن تخفيه منا، فانطلق معنا وشاركنا فيه، يخف عليك ما وجدت، فإنك إن لم تفعل نأت بك السلطان فنسلمك إليه فيقتلك، فلما سمع قولهم، عجب في نفسه وقال: قد وقعت في كل شيء أحذر منه، ثم قالوا: يا فتى والله أنك لا تستطيع أن تكتم شيئا وجدته، ولا تظن في نفسك أن ستخفى عليك. فجعل تمليخا لا يدري ما يقول، وما يرجع إليهم وفرق حتى ما يحير إليهم جوابا.
فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه فطوقوه في عنقه، ثم جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكبلا، حتى سمع به كل من فيها. فقيل: أخذ رجل عنده كنز، واجتمع عليه أهل المدينة صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذا الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط وما نعرفه، فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم، مع ما سمع منهم. فلما اجتمع عليه أهل المدينة، فرق وسكت ولم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدق. وكان مستيقنا أن أباه وأخوته بالمدينة، وأن حسبه في أهل المدينة، من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه عشية أمس، كان يعرف كثيرا من أهلها، وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحد.
فبينما هو قائم كالحيران ينتظر من يأتيه من أهله إما أبوه أو بعض إخوته، فيخلصه من أيديهم، إذ اختطفوه فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبران أمرها، وهما رجلان صالحان، اسم أحدهما أرموس والآخر اصطفوس، فلما انطلق به إليهما، ظن تمليخا إنما ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه. فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وجعل الناس يسخرون
стр. 916
به، كما يسخرون من المجنون والحيران، وجعل تمليخا يبكي ثم رفع رأسه إلى السماء، وقال:
اللهم إله السماء وإله الأرض، أفرغ علي اليوم صبرا، وأولج معي روحا منك، تؤيدني به عند هذا الجبار، وجعل تمليخا يبكي ويقول في نفسه: فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت، وأين يذهب به فلو أنهم يعلمون فيأتوني، فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا توافقنا لنكونن معا لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا، ولا نعبد الطواغيت من دون الله ، فرق بيني وبينهم فلم أرهم ولم يروني، وقد كنا توافقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا، يا ليت شعري ما هو فاعل بي أقاتلي أم لا؟
هذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حين رجع إليهم، ثم انتهي به إلى الرجلين الصالحين أرموس واصطفوس، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أرموس واصطفوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها، ثم قال له أحدهما: أين الكنز الذي وجدته يا فتى؟ فهذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا! فقال له تمليخا: ما وجدت كنزا، ولكن هذا الورق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها. ولكني والله ما أدري ما شأني وما أدري ما أقول لكم! فقال أحدهما: من أنت؟ فقال له تمليخا: أما ما أرى، فإني كنت أرى أني من أهل هذه المدينة. فقالوا له: من أبوك ومن يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه. فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق، فلم يدر تمليخا ما يقول لهم، غير أنه نكس رأسه إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا الرجل مجنون، وقال بعضهم: ليس بمجنون ولكنه يحمق نفسه عمدا، لكي يفلت منكم. فقال له أحدهما ونظر إليه نظرا شديدا:
أتظن أنا نرسلك ونصدقك هذا مال أبيك، ونقش هذا الورق وضربها، أكثر من ثلاثمائة سنة؟
وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا، ونحن شمط كما ترى، وحولك سراة «١» أهل المدينة، وولاة أمرها وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار.
وإني لأظنني سآمر بك فتضرب وتعذب عذابا شديدا، ثم أوثقك حتى تقر بهذا الكنز الذي وجدت.
فلما قال له ذلك، قال له تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدقتكم ما عندي؟ قالوا: سل لا نكتمك شيئا. قال: فما فعل الملك دقيانوس؟ فقالوا له: ليس نعرف اليوم على وجه الأرض ملكا يسمى دقيانوس، ولم يكن إلا ملكا قد هلك منذ زمان ودهر طويل، وقد هلكت بعده قرون كثيرة.
فقال لهم تمليخا: فو الله ما يصدقني أحد من الناس بما أقول: لقد كنا فتية الملك، وأنه أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت، فهربنا منه عشية أمس، فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسس لهم الأخبار، فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل منحلوس، أريكم أصحابي، فلما سمع أرموس واصطفوس ما يقول تمليخا، قالا:
يا قوم لعل هذه آية من آيات الله ، جعلها الله لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه
стр. 917
يرينا أصحابه كما قال. فانطلق معه أرموس واصطفوس، وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم.
ولما رأى الفتية أصحاب الكهف، تمليخا قد احتبس عنهم بطعامهم وشرابهم، عن القدر الذي كان يأتيهم فيه، ظنوا أنه قد أخذ وذهب إلى ملكهم دقيانوس، الذي هربوا منه. فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه إذا سمعوا الأصوات، وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، فظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس، بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة وسلم بعضهم على بعض، وقالوا: انطلقوا بنا إلى أخينا تمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبار دقيانوس، ينتظر متى نأتيه.
فبينما هم يقولون ذلك وهم جلوس بين ظهراني الكهف فلم يروا إلا أرموس وأصحابه، وقوما وقوفا على باب الكهف، وقد سبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو يبكي، فلما رأوه يبكي بكوا معه، ثم سألوه عن شأنه فأخبرهم بخبره وقص عليهم المسألة فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بإذن الله تعالى ذلك الزمان كله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها.
ثم دخل على أثر تمليخا أرموس، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة، فقام بباب الكهف ودعا رجالا من عظماء أهل المدينة، ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص، مكتوبا فيهما: إن مكسلمينا وامليخا (أو تمليخا) مرطوكش ونوالس وسانيوس وبطنيوس وكشفوطط كانوا فتية، هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار، مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا في هذا الكهف، فلما أخبر بمكانهم أمر بهذا الكهف فسد عليهم بالحجارة، وأنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلم من بعدهم إن عثر عليهم.
فلما قرؤوه عجبوا وحمدوا الله ، الذي أراهم آية البعث فيهم. ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه ثم دخلوا على الفتية الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيه ووجوههم مشرقة لم تبل ثيابهم. فخر أرموس وأصحابه سجدا لله تعالى وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثم كلم بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس الجبار. ثم إن أرموس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تاودوسيوس، أن عجل لعلك تنظر إلى آية من آيات الله تعالى، جعلها الله آية على ملكك وجعلها آية للعالمين ليكون ذلك نورا وضياء وتصديقا بالبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله وكان قد توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة.
فلما أتى الملك الخبر قام من السدة التي كان عليها ورجع إليه عقله، وذهب عنه همه، ورجع إلى الله تعالى، وقال: أحمد الله رب العالمين رب السموات والأرض، وأعبدك وأسبح لك تطولت علي ورحمتني برحمتك، فلم تطفىء النور الذي كنت جعلته لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك، فلما أنبىء به أهل المدينة ركبوا إليه وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه، فلما رأوا الفتية تاودوسيوس، فرحوا به وخروا سجدا على وجوههم. وقام تاودوسيوس قدامهم، ثم اعتنقهم وبكى، وهم جلوس بين يديه على الأرض، يسبحون الله تعالى ويحمدونه، ثم قال الفتية لتاودوسيوس: نستودعك الله، ونقرأ عليك السلام، حفظك الله ومد ملكك، ونعيذك بالله من
стр. 918
شر الجن والإنس. فبينما الملك قائم، رجعوا إلى مضاجعهم فناموا، وتوفى الله أرواحهم.
وقام الملك فجعل ثيابه عليهم، وأمر أن يجعل لكل واحد تابوت من ذهب. فلما أمسوا ونام، أتوه في المنام، وقالوا: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، ولكنا خلقنا من التراب وإلى التراب نصير. فاتركنا كما كنا في الكهف على التراب، حتى يبعثنا الله، فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج، فجعلوا فيه. وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد أن يطلع عليهم، وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجدا يصلى فيه. وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة.
وقيل: إنهم لما أتوا باب الكهف، قال لهم تمليخا: دعوني حتى أدخل على أصحابي فأبشرهم، فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم، فدخل فبشرهم، وقبض الله روحه وأرواحهم، وعمي عليهم فلم يهتدوا إليهم. فهذا حديث أصحاب الكهف.
ويقال إن النبي ﷺ سأل ربه أن يريه إياهم، فقال تعالى: إنك لن تراهم في دار الدنيا، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك. فقال رسول الله ﷺ لجبريل: كيف أبعث إليهم؟ فقال «١» : ابسط كساءك، واجلس على طرف من أطرافه أبا بكر، وعلى الثاني عمر، وعلى الثالث عليا، وعلى الرابع أبا ذر، ثم ادع الرخاء المسخرة لسليمان بن داود ﵉، فإن الله تعالى أمرها أن تطعيك. ففعل النبي ﷺ ما أمر به، فحملتهم الريح حتى انطلقت بهم إلى باب الكهف، فلما دنوا من الباب قلعوا منه حجرا، فقام الكلب فنبح عليهم حين أبصر الضوء، وهر وحمل عليهم، فلما رآهم حرك رأسه وبصبص بذنبه، وأومأ برأسه أن ادخلوا الكهف، فدخلوا فقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد الله عليهم أرواحهم، فقاموا بأجمعهم، وقالوا: وعليكم السلام وعلى محمد رسول الله ﷺ مادامت السموات والأرض، وعليكم بما بلغتم ثم جلسوا بأجمعهم يتحدثون، فآمنوا بمحمد ﷺ وقبلوا دين الإسلام. وقالوا: اقرؤوا محمدا منا السلام، ثم أخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم، إلى آخر الزمان، عند خروج المهدي. ويقال إن المهدي يسلم عليهم فيحييهم الله ثم يرجعون إلى رقدتهم فلا يقومون إلى يوم القيامة.
وقد رأيت في كتاب الشفاء، للإمام أبي الربيع سليمان بن سبع، ما نصه: روي أن عيسى ﵇ يعمر بعد الدجال ويأجوج ومأجوج أربعين سنة، ويكون حواريوه أصحاب الكهف والرقيم ويحجون معه، لأنهم لم يحجوا. انتهى ما نقله ابن سبع.
ثم نرجع إلى سياق الثعلبي، قال: ثم جلس كل واحد منهم على مكانه وحملتهم الريح، فهبط جبريل على النبي ﷺ وأخبره بما كان منهم. فلما أتوا النبي ﷺ قال ﷺ : كيف وجدتموهم وما الذي أجابوا؟ فقالوا: يا رسول الله دخلنا عليهم فسلمنا عليهم، فقاموا بأجمعهم فردوا علينا السلام، وبلغناهم رسالتك فأجابوا وأنابوا، وشهدوا أنك رسول الله حقا، وحمدوا الله على ما
стр. 919
أكرمهم بخروجك وتوجيه رسلك إليهم. وهم يقرؤونك السلام. فقال رسول الله ﷺ : اللهم لا تفرق بيني وبين أصهاري وأحبابي، واغفر لمن أحبني، وأحب أهل بيتي وأحب أصحابي. فذلك قوله تعالى إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
«١» أي صار يضم الفتية. قال الثعلبي: كان أصحاب الكهف صيارفة.
قوله إِلَى الْكَهْفِ
هو غار بجبل منحلوس. وقيل: بناحيوس واسم الكهف حرم، وقيل خدم. قوله «٢» تعالى: فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً
أي يسر لنا ما نلتمس من رضاك، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رشدا أي مخرجا من الغار في سلامة، وقيل: صوابا. قوله «٣» تعالى: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ
وهذا من فصاحات القرآن، التي أقرت العرب القصور عن الإتيان بمثله. ومعناه أنمناهم وألقينا وسلطنا عليهم النوم.
كما يقال ضرب الله فلانا بالفالج، أي ابتلاه به وأرسله عليه. وقيل: معناه حجبناهم عن السمع، وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم. وهذا وصف الأموات والنيام. وقال قطرب: هو كقول العرب ضرب الأمير على يد الرعية، إذا منعهم من العبث والفساد، وضرب السيد على يد عبده المأذون له في التجارة، إذا منعه من التصرف. وقال الأسود «٤» بن يعفر، وكان ضريرا، في ذلك:
ومن الحوادث لا أبالي أنني ... ضربت على الأرض بالأسداد
قوله «٥» سِنِينَ عَدَداً
أي معدودة وهي نعت السنين، والعد المصدر والعدد الاسم المعدود كالنقض والنقض، والقص والقصص، والخبط والخبط.
وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر. قوله «٦» تعالى: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ
يعني من بعد موتهم، لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً
«٧» وذلك حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف، في قدر مدة لبثهم في الكهف. فقال المسلمون الأولون: لبثوا في الكهف ثلاثمائة سنين وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل لبثوا كذا وكذا. فقال الأولون: الله أعلم بما لبثوا. فذلك قوله تعالى:
ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ
«٨» أي: أي الفريقين أحصى، أي أضبط وأحفظ، لما لبثوا، أي مكثوا في كهفهم نياما أمدا، غاية. وقال مجاهد: عددا. وفي نصبه وجهان: أحدهما على التفسير والثاني مفعول لبثوا.
قوله «٩» : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ
أي نقرأ وننزل عليك نَبَأَهُمْ بِالْحَقِ
«١٠» ، أي خبر أصحاب الكهف. إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ
«١١» أي شباب وأحداث آمَنُوا بِرَبِّهِمْ
«١٢» ، حكم الله لهم بالفتوة، حين آمنوا بلا واسطة. لذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوة بذل الندى، وكف
стр. 920
الأذى، وترك الشكوى. وقيل: الفتوة شيآن: اجتناب المحارم واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدعي قبل الفعل، ولا يذكي نفسه بعد الفعل. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السياط، إنما الفتى من يجوز على الصراط، وليس الفتى من يصبر على المسكين إنما الفتى من يطعم المسكين.
قوله «١» تعالى: وَزِدْناهُمْ هُدىً
أي إيمانا وبصيرة وايقانا. وَرَبَطْنا
«٢» أي شددنا عَلى قُلُوبِهِمْ
«٣» بالصبر، وألهمناهم ذلك وقويناهم بنور الإيمان حين صبروا على هجران دار قومهم، وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش، وفروا بدينهم إلى الكهف إِذْ قامُوا
«٤» بين يدي دقيانوس فَقالُوا
«٥» حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً
«٦» ، أي لا نعبد من دونه إلها، لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً
«٧» ، قال ابن عباس ومقاتل رضي الله تعالى عنهم:
جورا. وقال قتادة، رحمه الله تعالى: كذبا.
وأصل الشطط والإشطاط مجاوزة القدر والافراط. هؤُلاءِ قَوْمُنَا
«٨» : بمعنى أهل بلدهم، اتَّخَذُوا
«٩» أي عبدوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً
«١٠» يعني من دون الله الأصنام يعبدونها. لَوْلا
«١١» هلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ
«١٢» على عبادتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
«١٣» ، أي حجة واضحة فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
«١٤» . بزعم أن له شريكا وولدا. ثم قال بعضهم لبعض: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
«١٥» ، يعني قومهم وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
«١٦» ، أي واعتزلتم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله.
وكذلك هو في مصحف عبد الله: وما يعبدون من دون الله.
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
«١٧» أي صيروا إليه يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً:
«١٨» أي رزقا رغدا. والمرفق ما يرتفق به الإنسان. وفيه لغتان مرفق بفتح الميم وكسر الفاء، وهي قراءة أهل المدينة والشأم وعاصم في بعض الروايات. ومرفق بكسر الميم وفتح الفاء وهي قراءة الباقين. قوله «١٩» تعالى: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ
أي وترى يا محمد الشمس إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ
«٢٠» أي تتزاور. قرأ أهل الكوفة بالتخفيف على حذف إحدى التاءين، وقرأ أهل الشأم ويعقوب: تزور، على وزن تحمر وكلها بمعنى واحد أي تميل وتعدل عن كهفهم، ذاتَ الْيَمِينِ
«٢١» أي جانب اليمين. وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ
«٢٢» . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تدعهم. وقال مقاتل بن حيان: تجاوزهم. وأصل القرض القطع ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ
«٢٣» . أي متسع من الكهف. وجمعها فجوات وأفجاء وفجاء.
أخبرنا الله بحفظه إياهم في مضجعهم، واختياره لهم أصلح المواضع للرقاد، فأعلمنا أنه يراهم في فضاء من الكهف، مستقبلا بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة وجارية، فلا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها، وتغير من ألوانهم وتبلي ثيابهم، وأنهم في متسع منه ينالهم فيه برد الريح ونسميها، وتنفي عنهم كربة الغار وغمومه، ذلِكَ
«٢٤» ما ذكرنا من أمر الفتية مِنْ آياتِ اللَّهِ
«٢٥» ، أي من عجائب صنع الله ودلالات قدرته.
قوله «٢٦» : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً
لأن التوفيق والخذلان بيد الله ، وَتَحْسَبُهُمْ
«٢٧» يا محمد أَيْقاظاً
«٢٨» منتبهين جمع يقظ ويقظ،
стр. 921
مثل قولك رجل نجد ونجد للشجاع وجمعه أنجاد، وَهُمْ رُقُودٌ
«١» يعني نيام، جمع راقد، مثل قاعد وقعود. وَنُقَلِّبُهُمْ
«٢» بالتخفيف والتشديد، ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ
«٣» ، مرة للجنب الأيمن ومرة للجنب الأيسر.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا يقلبون في السنة مرة، من جانب إلى جانب لئلا تأكل الأرض لحومهم، ويقال: إن يوم عاشوراء كان يوم تقلبهم، وقال أبو هريرة: كان لهم في السنة تقليبتان وَكَلْبُهُمْ
«٤» ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان أحمر. وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرطبي: من شدة صفرته يضرب إلى الحمرة. وقال الكلبي: لونه كالخلنج. وقيل:
لون الحجر، وقيل: لون السماء.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان اسمه ريان. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قطمير. وقال الأوزاعي: مشير. وقال سعيد الحمال: حران. وقال عبد الله بن كثير:
إن اسم كلبهم قطمور. وقال السدى. اسمه تون. وقال عبد الله بن سلام: بسيط. وقال كعب:
صيهان. وقال وهب: اسمه نقيا. وقيل: قطفير. وقيل: قطيفير. وقال عروة: مما أخذ على العقرب، أن لا يضر بأحد في ليل ولا نهار، قال: سَلامٌ عَلى نُوحٍ
«٥» قال: ومما أخذ على الكلب أن لا يضر بأحد، ممن حمل عليه، إذ قال: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
«٦» وقرأ جعفر الصادق: وكالبهم، يعني صاحب الكلب باسط ذراعيه بالوصيد. وقال مجاهد والضحاك:
الوصيد فناء الكهف، وهي رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
وقال سعيد بن جبير: الوصيد الصعيد، وهو التراب وهي رواية عطية العوفي، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال السدي: الوصيد الباب، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس وأنشد قول الشاعر:
بأرض فضاء لا يسد وصيدها ... علي ومعروفي بها غير منكر
أي بابها.
وقال عطاء: الوصيد عتبة الباب. وقال العتبي: الوصيد البناء، وأصله من قول العرب أصدت الباب وأوصدته، إذا أغلقته وأطبقته. قوله تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ
«٧» يا محمد لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً
«٨» لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة، حتى لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله تعالى من رقدتهم، لإرادة الله أن يجعلهم آية وعبرة لمن يشاء من خلقه، ليعلموا أن وعد الله حق، وأن الساعة لا ريب فيها وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
«٩» أي خوفا. وقرأ أهل الكوفة: لملئت بالتشديد، قيل: إنما قال ذلك لوحشة المكان الذي هم فيه. وقال الكلبي وغيره: لأن أعينهم مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم، وهم نيام. وقيل: إن الله منعهم بالرعب، لئلا يراهم أحد.
стр. 922
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه غزا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم، فمروا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، الذين ذكرهم الله في القرآن فقال معاوية: لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم؟ فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
ليس لك ذلك، قد منع الله ذلك من هو خير منك. قال الله تعالى: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً
«١» فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث ناسا، فقال: اذهبوا فادخلوا الكهف، فانظروا ففعلوا. فلما دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم.
قوله «٢» وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ
يعني كما أنمناهم في الكهف، ومنعنا من الوصول إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على ممر الأيام بقدرتنا، فكذلك بعثناهم من النومة التي تشبه الموت، لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ
«٣» أي ليتحدثوا ويسأل بعضهم بعضا، قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
«٤» ، يعني رئيسهم مكسلمينا: كَمْ لَبِثْتُمْ
«٥» في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول نومهم. ويقال: إنهم راعهم ما فاتهم من الصلاة! فقال ذلك. قالُوا: لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ
«٦» ، لأنهم دخلوا الكهف غدوة، فلما رأوا الشمس، قالوا: أو بعض يوم، توقيا من الكذب.
وكان قد بقيت من الشمس بقية.
ويقال كان بعد زوال الشمس، فلما نظروا إلى أظفارهم وأبشارهم، تيقنوا أن لبثهم كان أكثر من يوم، ف قالُوا: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ
«٧» ويقال: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم، قال ذلك: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ
«٨» ، يعني تمليخا، بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ
«٩» ، والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة، والدليل عليه أن عرفجة بن سعد أصيب أنفه يوم الكلاب، فاتخذ أنفا من ورق وفيه لغات: بورقكم ساكنة الراء. وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وخلف وأبي بكر. وبورقكم بكسر الراء وادغام القاف، وهي قراءة بعض، وبورقكم بفتح الواو وكسرا الراء، وهي قراءة أكثر القراء.
ورق وورق مثل كبد وكبد وكلم وكلم، والمدينة أفسوس، وقيل: طرسوس، ويقال:
أرسوس كان اسمها في الجاهلية أفسوس، فلما جاء الإسلام سموها طرسوس. فلينظر أيها أزكى طعاما.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه: أحل ذبيحة لأن عامتهم كانوا مجوسا، ومنهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم. وقال الضحاك: أطيب. وقال مقاتل وابن حيان: أجود، وقال ابن شهاب: أرخص. وقال قتادة: أخير. وقال عكرمة: أفضل، وأكثر. وأصل الزكاة: الزيادة والنماء. قال الشاعر:
قبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... كذا السبع أزكى من ثلاث وأطيب
فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
«١٠» أي قوت وطعام، وَلْيَتَلَطَّفْ
«١١» أي وليرفق في الشراء، وفي طريقه وفي دخوله المدينة، وَلا يُشْعِرَنَ
«١٢» ولا يعلمن بِكُمْ أَحَداً
«١٣» من الناس إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا
стр. 923
عَلَيْكُمْ
فيعلموا بمكانكم يَرْجُمُوكُمْ
«١» قال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول. ويقال:
يقتلوكم ويقال: كان من عادتهم القتل بالرجم، وهو من أخبث القتل. ويقال: يضربوكم أو يعيدوكم في ملتهم أي دينهم الكفر، ولن تفلحوا إذا أبدا إن عدتم إليهم.
قوله «٢» : وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ
أي اطلعنا عليهم، يقال: عثرت على الشيء:
اطلعت عليه، وأعثرت غيري وأطلعته عليه لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
«٣» يعني قوم تاودوسيوس، وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ
«٤» قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يتنازعون في البنيان والمسجد، فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدا، لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل نسبنا. وقال عكرمة: يتنازعون في الأرواح والأجساد.
فقال المسلمون: البعث للأجساد والأرواح، وقال المشركون: البعث للأرواح دون الأجساد. فبعثهم الله تعالى من رقادهم، وأراهم أن البعث للأجساد والأرواح. وقيل: يتنازعون في عددهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ
«٥» ، تاودوسيوس الملك وأصحابه لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً
«٦» .
قوله «٧» : سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ
وذلك أن السيد والعاقب وأصحابهما، من نصارى نجران، كانوا عند النبي ﷺ فجرى ذكر أهل الكهف، فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم، وكان السيد يعقوبيا، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. فحقق الله قول المسلمين وصدقهم بعدما حكى قول النصارى فقال: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ
«٨» أي قذفا بالظن من غير يقين كقول الشاعر:
وأجعل قول الحقّ قولا مرجّما
وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
«٩» قال بعضهم: هذه واو الثمانية، وذلك أن العرب تقول واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية لأن العقد عندهم كان سبعة، كما هو اليوم عندنا عشرة. ونظيره قوله «١٠» تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وقوله تعالى لأزواج النبي ﷺ : ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً
«١١» وقال بعضهم: هذه واو الحكم والتحقيق، فإن الله حكى اختلافهم فتم الكلام عند قوله وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ
«١٢» ثم حكى أن ثامنهم كلبهم، الثامن لا يكون إلا بعد السبع. فهذا تحقيق قول المسلمين.
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
«١٣» قال مجاهد وقتادة: قليل من الناس، وقال
стр. 924
عطاء وقتادة أيضا: يعني بالقليل أهل الكتاب. وقال ابن عباس، في قوله: ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
«١» قال: أنا من أولئك القليل، وهم مكسلمينا وتمليخا ومرطونس وبنيونس وساربونس ودوانوانس وكند سلططنوس، وهو الراعي. والكلب اسمه قطمير كلب أنمر فوق القلطي، ودون الكردي. والقلطي كلب صيني.
قال محمد بن المسيب: وما بقي بنيسابور محدث إلا كتب عني هذا الحديث، إلا من لم يقدر له. وكتبه علي أبو عمر والجبري زاد الإمام أبو الحسن في روايته فقال: قلت: وصدق ابن المسيب. فقد رأيت في تفسير أبي عمرو الجبري هذا الحديث، مرويا عن ابن المسيب، ثم قال:
أعني الإمام أبا الحسن بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: إن الله عدهم حتى انتهى إلى السبعة، وأنا من القليل الذين يعلمونهم هم سبعة يعني أصحاب الكهف.
قال الثعلبي: قوله تعالى: فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً
«٢» وهو ما نص عليه، في كتابه العزيز من خبرهم، يقول تعالى: حسبك ما قصصت عليك فلا تمار فيهم وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً
«٣» من أهل الكتاب. وقوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
«٤» قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: يعني إن عزمت على أن تفعل غدا شيئا، أو تحلف على شيء أنت فاعله غدا، فقل: إن شاء الله، فإن نسيت الاستثناء، ثم ذكرته فقله، ولو بعد سنة، وهذا تأديب من الله تعالى لنبيه ﷺ ، حين سئل عن المسائل الثلاثة: أهل الكهف والروح وذي القرنين، فوعدهم أن يجيبهم غدا، ولم يقل إن شاء الله ولم يستثن.
روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يتم إيمان العبد حتى يستثني في كل كلامه.
قوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ
«٥» قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والحسن رضي الله تعالى عنهم: معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرته فاستثن. وقال عكرمة رضي الله تعالى عنه:
معناه واذكر ربك إذا غضبت. فقد روى وهب بن منبه، قال: مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم اذكرني حين تغضب، أذكرك حين أغضب، وإلا أمحقك فيمن أمحق. وإذا ظلمت فلا تنتصر، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة لقوله «٦» ﷺ :
«من نسي صلاة أو نام عنها، فليصلها متى ذكرها» . وقال أهل الإشارة: معناه اذكر ربك، إذا نسيت غيره. ويؤيده قول ذي النون المصري رحمه الله تعالى: من ذكر الله على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، فإذا نسي في جنب ذكره كل شيء، حفظ الله له كل شيء، وكان له عوضا من كل شيء. وقيل: معناه واذكر ربك، إذا تركت ذكره والنسيان هو الترك.
قوله «٧» وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً
أي يثبتني على طريق
стр. 925
هو أقرب إليه وأرشد. وقيل: معناه لعل الله يهديني فيرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم، أنه سيكون إن هو شاء. وقيل: إن الله أمره أن يذكره إذا نسي شيئا، ويسأله أن يذكره فيذكره ويهديه، لما هو خير له من تذكره ما نسيه.
ويقال: إن هؤلاء القوم، لما سألوه عن قصة أصحاب أهل الكهف، على وجه العناد، أمره الله أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوته، وما دعاهم إليه من الحق زيادة على ما سألوه، ثم إن الله تعالى فعل ذلك به حيث آتاه من علم غيوب المسلمين، وخبرهم ما كان أوضح الحجج، وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقال بعضهم: هذا شيء أمر ﷺ أن يقوله مع قوله: إن شاء الله إذا ذكر الاستثناء بعد ما نسيه، فإذا نسي الإنسان «إن شاء الله» فتوبته من ذلك وكفارته أن يقول: عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا.
وقوله «١» تعالى: وَلَبِثُوا
يعني أصحاب الكهف، فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
«٢» قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، وقالوا: لو كان خبرا من الله عن قدر لبثهم في الكهف، لم يكن لقوله «٣» قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وجه مفهوم، فقد أعلم الله خلقه قدر لبثهم. وهذا القول قول قتادة، يدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود: فقالوا لبثوا في كهفهم.
وقال مطر الوراق في هذه الآية: هذا شيء قالته اليهود، فرد الله عليهم، فقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
«٤» .
وقال آخرون: هذا إخبار من الله تعالى عن قدر لبثهم في الكهف، وقالوا: معنى قوله «٥» تعالى: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
أن أهل الكتاب على عهد رسول الله ﷺ ، قالوا: إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله عليهم ذلك.
قال ﷺ : «الله أعلم بما لبثوا بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله وغير من أعلمه ذلك» . وقال الكلبي: قالت النصارى، أهل نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها. فنزلت «٦» قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي يعلم ما غاب فيهما من العباد.
واختلفوا في قوله «٧» : ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ
فقرأ أهل الكوفة بغير تنوين، بمعنى فلبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة. وقال الضحاك ومقاتل: نزلت «٨» وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ
فقالوا:
أياما أو أشهرا أو سنين. فلذلك قال: سنين. ولم يقل سنة انتهى. ما ساقه الإمام أبو اسحاق محمد بن أحمد الثعلبي، من قصة أصحاب الكهف، وقد ذكرها الحافظ أبو محمد بن جرير بن يزيد الطبري في تاريخه الكبير، وفيها زيادة فوائد فلنأت بها.
قال: ومما كان في أيام ملوك الطوائف ما ذكره الله تعالى في كتابة العزيز من أمر الفتية، الذين أووا إلى الكهف فضرب على آذانهم، قال: وكان أصحاب الكهف فتية آمنوا بربهم، كما وصفهم الله في تنزيله، فقال لنبيه محمد ﷺ : أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ
стр. 926
آياتِنا عَجَباً
«١» والرقيم هو الكتاب الذي كان القوم الذين منهم، كان الفتية كتبوه في لوح بذكر خبرهم وقصصهم، ثم جعلوه على باب الكهف الذي أووا إليه، أو نقروه في الجبل الذي أووا إليه، أو كتبوه في لوح وجعلوه في صندوق خلفوه عندهم، إذا أوى الفتية إلى الكهف.
وكان عدد الفتية فيما ذكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سبعة وثامنهم كلبهم. قال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: أنا من ذلك القليل الذي استثنى الله كانوا سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ
«٢» وكان اسم أحدهم تمليخا وهو الذي كان يلي شراء الطعام لهم الذي ذكر الله عنهم أنهم قالوا. إذ هبّوا من رقدتهم: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ
«٣» قال مجاهد في قوله «٤» تعالى فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ
اسمه تمليخ.
وأما ابن اسحاق، فإنه قال: اسمه يمليخا. وكان ابن اسحاق يقول: عدد الفتية ثمانية فعلى قوله كان تاسعهم كلبهم. وإنه كان يسميهم فيقول: كان أحدهم، وهو أكبرهم، والذي كلم الملك عن سائرهم مكسلمينا، والآخر مجسلمينا، والثالث يمليخا، والرابع مرطوس، والخامس كفشطيوس، والسادس ينيونس، والسابع ميموس، والثامن بطنيوس، والتاسع طالوس، وكانوا أحداثا.
وعن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة أسنانهم وضح الورق، وكانوا من قوم يعبدون الأوثان من الروم فهداهم الله للإسلام، وكانت شريعتهم شريعة عيسى ابن مريم ﵊، في قول جماعة من سلف علمائنا.
وعن عمرو يعني بن قيس الملائي، في قوله «٥» تعالى: أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً
قال: كانت الفتية على دين عيسى ابن مريم ﵊، وكان ملكهم كافرا، وكان بعضهم يزعم أن أمرهم ومصيرهم إلى الكهف، كان قبل المسيح، وأن المسيح أخبر قومه خبرهم وأن الله بعثهم من رقدتهم، بعدما رفع المسيح ﵇ في الفترة التي بينه وبين محمد ﷺ ، والله أعلم، أي ذلك كان.
فأما الذي عليه علماء الإسلام، فعلى أن أمرهم كان بعد المسيح. وأما أنه كان في أيام ملوك الطوائف، فإن ذلك لا يرفعه رافع من أهل العلم بأخبار الناس القديمة، وكان لهم في ذلك الزمن ملك يقال له دقيانوس، يعبد الأصنام فيما ذكر، فبلغه عن الفتية خلافهم إياه في دينه، فطلبهم فهربوا منه بدينهم، حتى صاروا إلى جبل لهم، يقال له منحلوس.
وكان سبب إيمانهم وخلافهم لقومهم ما ذكر عن وهب بن منبه، أنه قال: جاء حواري عيسى ابن مريم إلى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخل أحد إلا سجد له، فكره أن يدخلها. فأتى حماما كان قريبا من تلك المدينة، فكان يعمل،
стр. 927
فيه يؤاجر نفسه من صاحب الحمام، فرأى الرجل في حمامه البركة ودر عليه الرزق، فجعل يعرض عليه الإسلام، وجعل يسترسل إليه، وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض، وخبر الآخرة حتى آمنوا بما يقوله وصدقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة، وكان يشترط على صاحب الحمام، أن الليل لا يحول بيني وبينه أحد، ولا بين الصلاة إذا حضرت، فكان على ذلك، حتى جاء ابن الملك بامرأة، فدخل بها الحمام، فعيره الحواري «١» ، وقال له:
أنت ابن الملك وتدخل معك هذه التي هي كذا وكذا. فاستحيا وذهب، فرجع مرة أخرى، فقال له مثل ذلك، فسبه وانتهره ولم يلتفت إليه حتى دخل، ودخلت معه المرأة فماتا في الحمام جميعا.
فأتى الملك، فقيل له: إن صاحب الحمام قد قتل ابنك فالتمس فلم يقدر عليه، وهرب كل من كان يصحبه، فسموا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة فمروا بصاحب لهم في زرع، وهو على مثل أمرهم، فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم ومعه الكلب حتى آواهم الليل إلى الكهف، فدخلوا وقالوا: نبيت ههنا الليلة، ثم نصبح إن شاء الله فترون رأيكم. فضرب على آذانهم فخرج الملك في أصحابه يتبعونهم، حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، فكلما أراد رجل أن يدخل الكهف أرعب، فلم يطق أحد أن يدخله فقال قائل: أليس لو كنت قدرت عليهم قتلتهم؟
قال: بلى. قال: فابن عليهم باب الكهف ودعهم يموتون عطشا وجوعا. ففعل فغبر بعد ما بنى عليهم باب الكهف، زمان بعد زمان.
ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهف، فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح، فأدخل فيه غنمه، ورد الله تعالى إليهم أرواحهم في أجسادهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري لهم طعاما، فلما أتى باب مدينتهم لم ير شيئا ينكره، حتى دخل على رجل فقال له: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس فآوانا الليل حتى أصبحوا، فأرسلوني. فقال: هذه الدراهم كانت على عهد الملك فلان، فأنى لك بها؟ فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا، فقال:
من أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس حتى أدركنا الليل في كهف كذا وكذا فلما أصبحوا أمروني أن أشتري لهم طعاما. قال: وأين أصحابك؟ قال: في الكهف.
فانطلقوا معه حتى أتوا باب الكهف، فقال: دعوني أدخل إلى أصحابي قبلكم، فلما رأوه ودنا منهم، ضرب الله على آذانه وآذانهم، فجعلوا كلما دخل رجل أرعب، فلم يقدروا أن يدخلوا إليهم. فبنوا عنده كنيسة واتخذوها مسجدا يصلون فيه.
وعن قتادة عن عكرمة قال: كان أصحاب الكهف أبناء ملوك الروم، رزقهم الله الإسلام، فتعوذوا بدينهم واغتالوا قومهم، حتى انتهوا إلى الكهف، فضرب الله على صماخهم فلبثوا دهرا طويلا حتى هلكت أمتهم، وجاءت أمة مسلمة، وكان ملكهم مسلما، واختلفوا في الروح والجسد، فقال قائل: تبعث الروح والجسد جميعا، وقال قائل: تبعث الروح لا غير، فأما الجسد فتأكله الأرض، فلا يكون شيئا، فشق على ملكهم اختلافهم، فانطلق فلبس المسوح وجلس على
стр. 928
الرماد، ثم دعا الله تعالى فقال: أي رب قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم ما يبين لهم.
فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يشتري لهم طعاما، فدخل السوق فجعل ينكر الوجوه، ويعرف الطريق ويرى الإيمان بالمدينة ظاهرا فانطلق وهو مستخف، حتى أتى رجلا يشتري منه الطعام، فلما نظر الرجل إلى الورق أنكرها. قال: حسبت أنه قال: كأنها أخفاف الربع، يعني الإبل الصغار. فقال الفتى: أليس ملككم فلانا؟ قال: لا بل ملكنا فلان. فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك، فسأله الملك فأخبره الفتى خبر أصحابه. فبعث الملك في الناس فجمعهم، فقال: إنكم قد اختلفتم في الروح والجسد، وإن الله قد بعث لكم آية، فهذا الرجل من قوم فلان يعني ملكهم الذي مضى، فقال الفتى: انطلقوا معي إلى أصحابي، فلما أبصرهم ضرب على آذانه وآذانهم، فلما استبطؤوه دخل الملك ودخل معه الناس، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئا غير أنها لا أرواح فيها! فقال الملك: هذه آية بعثها الله لكم.
قال قتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بالكهف فإذا فيه عظام، فقال رجل: هذه عظام أهل الكهف. فقال ابن عباس ﵄: لقد ذهبت عظامهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. وقال وهب والسدي وغيرهما: وأسماؤهم مكسلمينا وهو أكبرهم ورئيسهم، وأمليخا وهو أجملهم وأعبدهم وأنشطهم، ومرطونس، ويوناس، وساربنوس، وبطنيوس وكندسلططنوس، وكلبهم قطمير يكتب ذلك للنوم ولبكاء الأطفال.
ومما يكتب لنوم الصبيان وبكائهم: أعوذ بكلمات الله التامات التي نام بها أصحاب الكهف والرقيم، الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، اللهم الق النوم والسكينة على حامل هذا الكتاب، بألف لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فائدة أخرى
: وقد تقدمت قبل ذلك، وهي عن عمرو بن دينار أنه قال: مما أخذ على العقرب أن لا تضر أحدا في ليل أو نهار أن يصلي على نوح ﷺ . ومما أخذ على الكلب، أن لا يضر أحدا حمل عليه في ليل أو نهار، إذ قرأ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ
«١» إلى هنا انتهى ما تقدم.
وقال القرطبي في كتاب التذكار في أفضل الأذكار: بلغنا عمن تقدم أن في سورة الرحمن آية تقرأ على الكلب إذا حمل على الإنسان، وهي قوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
«٢» فإنه لا يؤذيه بإذن الله تعالى. وفي تاريخ الإسلام للذهبي في سنة ثلاثمائة أن ممشاد الدينوري رحمه الله تعالى، خرج من داره فنبحه كلب، فقال: لا إله إلا الله فمات الكلب مكانه.
الحكم
: يحرم أكل الكلاب بجميع أنواعها إلا ابن آوى، فإنه من جنس الكلاب وفيه خلاف سبق في باب الهمزة. وروى ابن عبد البر، في التمهيد، عن الشعبي، أنه سئل عن رجل
стр. 929
يتداوى بلحم الكلاب! فقال: لا شفاه الله. وعلى مقتني الكلب المباح اقتناؤه، أن يطعمه أو يرسله، أو يدفعه لمن يريد الانتفاع به، ولا يحل حبسه ليهلك جوعا.
فرع
: لو كان لإنسان كلب محترم مضطر، ومع غيره شاة، جاز له مكالبته عليها لإطعامه ويضمنها له.
فرع
: لو عض كلب كلب شاة فكلبت نحرت، ولا يؤكل لحمها. قال أبو حيان التوحيدي من أصحابنا في كتاب الامتاع: إذا كلب الجمل نحر، ولا يؤكل لحمه انتهى. والظاهر أن ذلك خشية الإيذاء.
فرع
: لو غصب نجاسة تنفع ككلب معلم، وجلد ميتة وسرجين، فهل له كسر بابه ونقب جداره، إذا لم يصل إليها إلا بذلك؟ الظاهر أنه يجوز له ذلك، كالمال لأنها حق، ويجوز الدفع عنها كالمال والله أعلم.
تنبيه
: الكلاب كلها نجسة المعلمة وغيرها الصغير والكبير وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد واسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره، ولا بين كلب البدوي والحضري لعموم الأدلة.
وفي مذهب مالك رحمه الله تعالى أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون في اتخاذه دون غيره، وهذه الثلاثة عن مالك. والرابع عن عبد الملك بن الماجشون أنه يفرق بين البدوي والحضري، وقال الزهري ومالك وداود: إنه طاهر وإنما يغسل الإناء من ولوغه تعبدا.
ويحكى هذا عن الحسن البصري وعروة بن الزبير، محتجين بقوله «١» تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
ولم يذكر غسل موضع إمساكها.
وبحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كانت الكلاب تقبل وتدبر في مسجد رسول الله ﷺ وتبول، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ذكره البخاري في صحيحه. واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة رضية الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات، إحداهن بالتراب» . قالوا: ولو لم يكن نجسا لما أمر بإراقته لأنه حينئذ يكون اتلاف مال. وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال البيهقي: أجمع المسلمون على أن بول الكلاب نجس، وعلى وجوب الرش من بول الصبي، والكلب أولى. فكان حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب، أو أن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله.
فرع
: اختلف الأصحاب في موضع عض الكلب من الصيد، والأصح أنه لا يعفى عنه، كما لو أصاب ثوبا أو إناء، فلا بد من غسله وتعفيره. والثاني يعفى عنه، والثالث يكفي غسله بالماء مرة، والرابع أنه طاهر، والخامس يجب تقويره، والسادس إن أصاب عرقا نضاخا بالدم حرم
стр. 930
أكله، والنضاخ الفوار. قال «١» الله : يهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ
وأحكام التتريب وشرطوه مبسوطة في كتب الفقه.
روى مسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قال «٢» رسول الله ﷺ : «يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود» . قيل لأبي ذر رضي الله تعالى عنه: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ مثل ما سألتني، فقال:
«الكلب الأسود شيطان» . فحمله بعض العلماء على ظاهره، وقال: الشيطان يتصور بصورة الكلب الأسود. ولذلك قال ﷺ : «اقتلوا منها كل أسود بهيم» «٣» . وقيل: لما كان الكلب الأسود أشد ضررا من غيره وأشد ترويعا، كان المصلي إذا رآه اشتغل عن صلاته، فانقطعت عليه لذلك.
ولذلك تأول الجمهور قوله ﷺ «يقطع الصلاة المرأة والحمار» بأن ذلك مبالغة الخوف على قطعها وإفسادها من الشغل بهذه المذكورات. وذلك لأن المرأة تفتن، والحمار ينهق، والكلب الأسود يروع ويشوش الفكر، فلما كانت هذه الأمور، آيلة إلى القطع، جعلها قاطعة. وذهب ابن عباس وعطاء رضي الله تعالى عنهم، إلى أن المرأة التي تقطع الصلاة، إنما هي الحائض لما تستصحبه من النجاسة. واحتج أحمد ﵀ بحديث الكلب الأسود على أنه لا يجوز صيده ولا يحل، لأنه شيطان. واختاره أبو بكر الصيرفي من أصحابنا. وقال الشافعي ﵀ ومالك وأبو حنيفة وجماهير العلماء رحمة الله تعالى عليهم: يحل صيده كغيره. وليس المراد بالحديث، إخراجه عن جنس الكلاب، ولهذا إذا ولغ في إناء أو غيره وجب غسله وتعفيره كولوغ الكلب الأبيض.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه، قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال «٤» ﷺ : «ما بالهم وبال الكلاب» . ثم رخص ﷺ في كلب الصيد وكلب الغنم. فحمل الأصحاب الأمر بقتلها على الكلب الكلب والكلب العقور، واختلفوا في قتل ما لا ضرر فيه منها. فقال القاضي حسين وإمام الحرمين والماوردي، في باب بيع الكلاب، والنووي في أول البيع، من شرحي المهذب ومسلم: لا يجوز قتلها. وقال في باب المحرمات الإحرام: إنه الأصح، وإن الأمر بقتلها منسوخ. وعلى الكراهة اقتصر الرافعي في الشرح وتبعه في الروضة وزاد أنها كراهة تنزيه لا تحريم.
لكن، قال الشافعي في الأم، في باب الخلاف، في ثمن الكلاب: واقتلوا الكلاب التي لا نفع فيها حيث وجدتموها، وهذا هو الراجح في المهمات ولا يجوز اقتناء الكلب الذي لا منفعه فيه.
وذلك لما في اقتنائها من مفاسد الترويع والعقر للمار. ولعل ذلك لمجانبة الملائكة لمحلها، ومجانبة الملائكة أمر شديد لما في مخالطتهم من الإلهام إلى الخير والدعاء إليه.
واختلف الأصحاب في جواز اتخاذ الكلب لحفظ الدرب والدور على وجهين: أصحهما
стр. 931
الجواز، واتفقوا على جواز اتخاذه للزراعة والماشية والصيد، لكن يحرم اقتناء كلب الماشية قبل شرائها، وكذلك كلب الزرع والصيد لمن لا يزرع ولا يصيد، فلو خالف واقتنى نقص من أجره كل يوم قيرطان. وفي رواية: قيراط، وكلاهما في الصحيح «١» .
وحمل ذلك على نوع من الكلاب، إذ بعضها أشد أذى من بعض أو لمعنى فيها، أو يكون ذلك مختلفا باختلاف المواضع، فيكون القيراطان في المدائن ونحوها، والقيراط في البوادي أو يكون ذلك في زمنين. فذكر القيراط أولا ثم زاد في التغليظ، فذكر القراطين. والمراد بالقيراط مقدار معلوم عند الله ينقص من أجر عمله. واختلفوا في المراد بما نقص منه. فقيل: مما مضى من عمله، وقيل: من مستقبله، وقيل: قيراط من عمل الليل، وقيراط من عمل النهار، وقيل: قيراط من عمل الفرض، وقيراط من عمل النفل.
وأول من اتخذ الكلب للحراسة نوح ﵇، روى القاسم بن سلمة، بإسناده عن علقمة عن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: أول من اتخذ الكلب للحراسة نوح ﵇، وذلك أنه قال: يا رب أمرتني أن أصنع الفلك وأنا في صناعته أصنع أياما، فيجيئون في الليل فيفسدون كل ما عملت، فمتى يلتئم لي ما أمرتني به فقد طال علي أمدي؟ فأوحى الله إليه:
يا نوح اتخذ كلبا يحرسك، فاتخذ نوح ﵇ كلبا، وكان يعمل بالنهار وينام بالليل. فإذا جاء قومه ليفسدوا بالليل عمله نبحهم الكلب فينتبه نوح ﵇ فيأخذ الهراوة ويثب لهم فيهربون منه. فالتأم له ما أراد.
قال الحافظ أبو عمرو بن الصلاح، في مناسكه في قوله ﷺ : «لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس» : فإن وقع ذلك من جهة غيره، ولم يستطع إزالته فليقل: اللهم إني أبرأ إليك مما فعله هؤلاء، فلا تحرمني ثمرة صحبة ملائكتك وبركتهم ومعونتهم أجمعين. وأما قوله «٢» ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» . فقال العلماء: سبب امتناعهم من البيت الذي فيه صورة، كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله تعالى، وبعضها في صورة ما يعبد من دون الله تعالى وسبب امتناعهم من البيت الذي فيه الكلب كثرة أكله النجاسات، ولأن بعض الكلاب يسمى شيطانا. كما جاء في الحديث و «الملائكة ضد الشياطين» ، ولقبح رائحة الكلب، والملائكة تكره الرائحة الخبيثة، ولأنها منهي عن اتخاذها فعوقب متخذها بحرمانه دخول الملائكة بيته، وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبركها عليه في بيته، ودفعها أذى الشياطين.
والملائكة الذين لا يدخلون بيتا فيه كلب ولا صورة هم ملائكة يطوفون بالرحمة والتبرك والاستغفار، وأما الحفظة والموكلون بقبض الأرواح فيدخلون في كل بيت، ولا تفارق الحفظة بني آدم في حال من الأحوال، لأنهم مأمورون بإحصاء أعمالهم وكتابتها.
قال الخطابي: وإنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة، مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس اقتناؤه بحرام من كلب الصيد، والزرع والماشية، والصورة التي تمتهن في
стр. 932
البساط والوسادة وغيرهما، فلا يمتنع دخو الملائكة بسببه. وأشار القاضي إلى نحو ما قال الخطابي، قال النووي: والأظهر أنه عام في كل كلب وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث. ولأن الجرو الذي كان في بيت رسول الله ﷺ تحت السرير، كان له فيه عذر ظاهر، فإنه لم يعلم به ومن هذا امتنع جبريل ﵇ من دخول البيت بسببه، فلو كان العذر في وجود الكلب والصورة لا يمنعهم لم يمتنع جبريل ﵇.
قال الجاحظ: روي أن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ذهبوا إلى بيت رجل من الأنصار ليعودوه في مرض، فهرت في وجوههم كلاب من دار الأنصاري، فقال الصحابة: لا تدع هؤلاء من أجر فلان شيئا، كل كلب من هؤلاء ينقص من أجره كل يوم قيراطا. فدل هذا على أن القيراط يتعدد بتعدد الكلاب، وقد سئل الشيخ الإمام تقي الدين السبكي عن ذلك فأجاب بأنه لا يتعدد كما لو ولغت الكلاب في الإناء، فإن الأصح عدم تعدد الغسلات، وقد قالوا بتعدد القيراط إذا صلى على جنائر دفعة واحدة.
وقال الغزالي في منكرات الشرع من الإحياء: من كان له كلب عقور على باب داره، يؤذي الناس يجب منعه منه، وإن كان لا يؤذي إلا بتنجيس الطريق وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه، وإن كان يضيق الطريق ببسط ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق، أو يقعد قعودا يضيق الطريق، فكلبه أولى بالمنع. ولا يصح بيع جميع الكلاب عندنا، خلافا لمالك، فإنه أباح بيعها، حتى قال سحنون: ويحج بثمنها. وقال أبو حنيفة: يجوز بيع غير العقور.
والأصح عدم صحة إجارة الكلاب المعلمة، لأن اقتناءها لهذه المنافع إنما جوز لأجل الحاجة، وما جوز للحاجة لا يجوز أخذ العوض عليه، ولأنه لا قيمة لعينه، فكذلك منفعته. وقال صاحب التلخيص: لا تجوز لأنها منفعة مقصودة، واختاره الروياني وابن أبي عصرون، وبناهما الماوردي على اختلاف أصحابنا في أن منفعة الكلب، هل هي مملوكة أو مستباحة؟ وفيها وجهان: فعلى الأول يجوز إجارته، وعلى الثاني لا.
ومن أحكامه
: أن من كان في داره كلب عقور فاستدعى إنسانا فعقره وجب عليه ضمانه على الأصح في تصحيح النووي. وقيل: لا قطعا، وهو المجزوم به في أصل الروضة، لأن للكلب اختيارا، ويمكن دفعه بعصا وغيرها، هذا إذا لم يعلم الداخل أنه عقور، فإن علم ذلك فلا ضمان جزما، وكذلك لو كان مربوطا فسار إليه المستدعي جاهلا بحاله، فلا ضمان أيضا، ومن له كلب عقور ولم يحفظه فقتل إنسانا في ليل أو نهار، ضمنه لتفريطه. وفي معناه الهرة المملوكة التي تأكل الطيور كما سيأتي، إن شاء الله تعالى في باب الهاء. وقيل: لا ضمان فيها لأن العادة لم تجر بربطها.
فرع
: لو سرق قلادة من عنق كلب، أو سرقها مع الكلب، قطع وحرز الكلب كحرز الدواب. وإذا وقع في الغنيمة كلب ينتفع به للاصطياد، أو الماشية والزرع. حكى الإمام عن العراقيين أن للإمام أن يسلمه إلى واحد من المسلمين، لعلمه بحاجته إليه، ولا يحسب عليه، واعترض بأن الكلب منتفع به، فليكن حق اليد فيه لجميعهم كما لو مات وله كلب لا يستبد به بعض الورثة. الموجود في كتاب العراقيين، انه إن أراده بعض الغانمين أو أهل الخمس، ولم ينازعه
стр. 933
غيره سلم إليه، وإن تنازعوا فإن وجدنا كلابا وأمكنت القسمة عددا قسم، وإلا أقرع بينهم.
وهذا هو المذهب، وههنا المعتبر قيمتها عند من يرى لها قيمة ويعتبر منافعها، كما في الوصية من الروضة.
تتمة
: قوله تعالى: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
«١» أي من العلم الذي كان علمكم الله دل على أن للعالم فضيلة ليست للجاهل، لأن الكلب إذا علم تحصل له فضيلة على غير المعلم، والإنسان إذا كان له علم أولى أن يكون له فضل على غيره كالجاهل، لا سيما إذا عمل بما علم. كما قال علي رضي الله تعالى عنه: لكل شيء قيمة، وقيمة المرء ما يحسنه. وقال لقمان لابنه، واسمه ثاران: وقيل: أنعم يا بني لكل قوم كلب، فلا تكن كلب قومك. وروى الإمام أحمد، في مسنده، والبزار والطبراني، من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال «٢» : «ضاف رجل رجلا من بني إسرائيل، وفي داره كلبة مجح، فقالت الكلبة: لا والله لا أنبح ضيف أهلي! قال:
فعوت جراؤها في بطنها فقيل: ما هذا؟ فأوحى الله إلى رجل منهم: هذا مثل أمة تكون من بعد يقهر سفاؤها حلماءها» . والمجح بالجيم المكسورة قبل الحاء المهملة. قيل: هي الحامل التي قرب ولادتها.
وفي صحيح «٣» مسلم وسنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ أتي بامرأة مجح على باب فسطاط، فقال النبي ﷺ : «لعله يريد أن يلم بها» . فقالوا: نعم. فقال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له» .
الأمثال
: قال الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
«٤» قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضي الله تعالى عنهم أجمعين: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم بن باعوراء، وقيل بلعام بن باعر، وقال عطية عن ابن عباس: أصله من بني إسرائيل ولكنه كان مع الجبارين.
وقال مقاتل: هو من مدينة بلقاء، وكانت قصته على ما ذكره ابن عباس والسدي وغيرهما أن موسى ﷺ لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض كنعان من أرض الشأم، أتي قوم بلعم وكانوا كفارا، وكان بلعم عنده اسم الله الأعظم، وكان مجاب الدعوة، فقالوا له: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه قد جاء ليخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج وادع الله أن يردهم عنا.
فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي!؟ فراجعوه وألحوا عليه، فقال: حتى أؤامر ربي
стр. 934
وكان لا يدعو بشيء، حتى ينظر ما يؤمر به في المنام، فوامر بالدعاء عليهم، فقيل له في المنام: لا تدع عليهم. فقال لهم: إني قد آمرت ربي وإني نهيت. فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال:
حتى أؤامر ربي فآمره، فلم يجز إليه بشيء. فقال: قد وامرت فلم يجز إلي بشيء. فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم، لنهاك كما نهاك المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن، وركب أتانا له متوجها إلى جبل يطلع منه على عسكر بني إسرائيل، يقال له حسان، فما سار عليها غير كثير حتى ربضت به فنزل عنها، وضربها حتى إذا أذلقها الضرب، قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك، فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فأذن الله تعالى لها بالكلام، فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي يردوني عن وجهي هذا أتذهب إلى نبي الله والمؤمنين، تدعو عليهم؟ فلم ينزع فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت على جبل حسان، جعل يدعو عليهم بالاسم الأعظم الذي كان عنده، فاستجيب له ووقع موسى ﵇ وبنو إسرائيل في التيه.
فقال موسى: يا رب بأي ذنب أوقعتنا في التيه؟ قال تعالى: بدعاء بلعام. قال موسى ﵇: يا رب فكما سمعت دعاءه علينا فاسمع دعائي عليه. فدعا موسى عليه أن ينزع الله تعالى منه الاسم الأعظم. فنزع الله منه المعرفة وسلخه منها، فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. قاله مقاتل.
وقال ابن عباس والسدي: لما دعا بلعام على موسى وقومه، قلب الله لسانه، فجعل لا يدعو عليهم بشيء من الشر إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو بشيء من الخير، إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: يا بلعم أتدري ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وعلينا! فقال:
هذا ما أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، فنسي الاسم الأعظم واندلع لسانه على صدره. فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال عليهم، جملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبتعنها فيه، ومروهن أن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى واحد منهم كفيتموهم. ففعلوا.
فلما أتى النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كستى بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل، يقال له زمري بن شلوم، رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف على موسى ﵇، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام علي! فقال موسى: أجل هي حرام عليك لا تقربنها. قال: فو الله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبة، فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.
وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى ﵇، وكان رجلا قد أعطي بسطة في الخلق، وقوة في البطش وكان غائبا، حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء الطاعون يجوس بني إسرائيل، فأخبر الخبر فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليهما القبة، وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى الحيية وكان بكر العيزار، فجعل يقول:
اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل بالطاعون فيما
стр. 935
بين أصاب زمري المرأة إلى أن قتلهما فنحاص، فوجد قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها: القبة والذراع واللحى لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه وإسناده إياها إلى الحيية، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم، لأنه كان بكر العيزار. ويقال: إنه لما انتظمهما بالحربة وخرج بهما كانا في الحربة كحالهما في حالة الزنا. فكان ذلك آية.
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، أن هذه الآية نزلت في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ التوراة والإنجيل، وكان يعلم أن الله تعالى يرسل رسولا من العرب، فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله تعالى محمدا ﷺ حسده وكفر به، وكان صاحب حكمة وموعظة حسنة، وكان قصد بعض الملوك، فلما رجع مر على قتلى بدر، فسأل عنهم من قتلهم؟ فقيل قتلهم محمد ﷺ . فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. وسيأتي إن شاء الله تعالى له ذكر في الوعل أيضا.
وقالت فرقة: إنها نزلت في رجل من بني إسرائيل، كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال: لك منها واحدة فما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها. فكانت كذلك. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه، فغضب الزوج، ودعا عليها فصارت كلبة نباحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا قرار، وقد صارت أمنا كلبة نباحة، والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله لها فعادت كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها. والقولان الأولان أظهر.
وقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبي ﷺ ، كما يعرفون أبناءهم. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله تعالى لكل من عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله. قال الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها
«١» أي وفقناه للعمل بها، فكنا نرفع بذلك منزلته في الدنيا والآخرة. ولكنه أخلد إلى الأرض، أي ركن إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها.
قال الزجاج: خلد وأخلد واحد، وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام. يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا أقام به. والأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن ما فيها من العقار والرباع كلها أرض وسائر متاعها مستخرج من الأرض. واتبع هواه انقاد إلى ما دعاه إليه الهوى، فعوقب في الدنيا بأنه كان يلهث كما يلهث الكلب، فشبه به صورة وهيئة. قال القتبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال التعب وحال الراحة، وفي حال الري وحال العطش، فضربه الله مثلا لمن كذّب بآيات الله. فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب، إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث انتهى.
واللهث تنفس بسرعة، وتحرك أعضاء الفم معه، وامتداد اللسان وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال. قال الواحدي وغيره: وهذه الآية من أشد الآي على ذوي العلم، وذلك أن الله
стр. 936
تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم، والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا واتباع الهوى تغيير النعمة عليه، والانسلاخ عنها. ومن الذي يسلم من هاتين الحالتين إلا من عصمه الله تعالى! نسأل الله التوفيق والهداية بمنه وكرمه. وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: إن النبي ﷺ قال «١» : «الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه» . وفي رواية: «كمثل الكلب يقيء ثم يعود في قيئه فيأكله» .
قال عمر رضي الله تعالى عنه: حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه وظننت أن يبيعه برخص فسألت النبي ﷺ ، فقال: «لا تشتره ولو باعكه بدرهم، ولا تعد في صدقتك فإن العائد في صدقته، كالعائد في قيئه» . وقال الجاحظ: لكل جيفة كلب، ولكل قدر طالب، ولكل نحو راغب، ولكل وسخ حامل، ولكل صم جارع، ولكل طعام آكل، ولكل ساقط لاقط، ولكل ثوب لابس، ولكل فرج ناكح انتهى.
وقالت العرب: «آلف «٢» من كلب» و «أبصر «٣» وأبخل «٤» وأطوع «٥» وأفحش «٦» وألأم «٧» وأبول «٨» » فيجوز أن يراد به البول نفسه ويجوز أن يراد به كثرة الجراء، فإن البول في كلام العرب يكنى به عن الولد. وبذلك عبر ابن سيرين رحمه الله تعالى عليه، رؤيا عبد الملك بن مروان لما رأى أنه بال في محراب مسجد رسول الله ﷺ أربع مرات، فكتب إليه: إن صدقت رؤياك، فسيقوم من أولادك أربعة في المحراب، ويتقلدون الخلافة بعدك فوليها أربعة خلفاء من صلبه: الوليد وسليمان وهشام ويزيد.
وقالوا: «سمن كلبك يأكلك» «٩» ، وهو قريب من قولهم: «اتق إساءة من أحسنت إليه» ، وقالوا: «جوع «١٠» كلبك يتبعك» ، يضرب في معاشرة اللئام، وقالوا: «الكلاب على البقر» «١١» ، برفعها ونصبها، فالنصب على إضمار فعل تقديره خل كلاب الصيد، أودع الكلاب على بقر الوحش لتصطادها، والرفع على الابتداء، وما بعده خبره. ومعنى المثل: «إذا أمكنتك الفرصة فاغتنمها» . ويقال: معناه خل بين الناس خيرهم وشريرهم، واغتنم أنت طريق السلامة. وقد سئلت عن قول «١٢» الأخطل:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النار
فتمسك البول بخلا أو تجود به ... وما تبول لهم إلا بمقدار
والخبز كالعنبر الوردي عندهم ... والقمح سبعون أردبا بدينار «١٣»
стр. 937
فقلت: هذا عكس قول شاعر «١» الأنصار حيث يقول:
لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق في الزمان الأول
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضّل
يغشون حتى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شمّ الأنوف من الطّراز الأول
ومن شعر العتابي «٢» رحمه الله تعالى:
طاف الخيال بنا ليلا فحيّانا ... أهلا به من ملمّ زار عجلانا
ما ضرّ زائرنا المهدى تحيته ... في النوم إذ زارنا لو زار يقظانا
إني أهتدي وسواد الليل معتكر ... على تباعد مسراه ومسرانا
إن الأماني قد خيلن لي سكنا ... ردت تحيته قلبي كما كانا
حتى إذا هو ولى وانتبهت له ... هاجت زيارته شوقا وأحزانا
وقال علي بن محمد بن نصير في المعنى بيتا مفردا:
وكان خيالها يشفي سقاما ... فضنّت بالخيال على الخيال
وقالوا: «أشكر «٣» من كلب» .
حكى محمد بن حرب، قال: دخلت على العتابي فوجدته جالسا على حصير، وبين يديه شراب في إناء، وكلب رابض بالفناء بحياله، يشرب كأسا ويولغه أخرى، فقلت له: ما الذي أردت بما اخترت؟ فقال: أسمع أنه يكف عني أذاه، ويكفيني أذى من سواه، ويشكر قليلي ويحفظ مبيتي ومقيلي، وهو من بين الحيوان خليلي. قال ابن حرب: فتمنيت والله أن أكون كلبا له لأحوز هذا النعت منه.
الخواص
: لحمه يعلو شحمه، بخلاف لحم الشاة، فإن شحمها يعلو لحمها، فإذا ارتضعت الشاة من كلبة كان لحمها على صفة لحم الكلاب، وفي ذلك قصة شهيرة لربيعة ومضر وأنمار وإياد، تقدمت في باب الهمزة في الأفعى.
قال السهيلي: وفي الحديث «لا تسبوا ربيعة ومضر، فإنهما كانا مؤمنين» . قال: وإنما سمي ربيعة الفرس لأنه أعطي من ميراث أبيه الخيل، وأعطي أخوه الذهب، فسمي مضر الحمراء. ولا تقول العرب إلا ربيعة ومضر ولا يقولون مضر وربيعة أصلا.
стр. 938
ومن خواص الكلب العجيبة، أنه لا يلغ في دم مسلم. قال القاضي عياض، في الشفاء:
أفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل ابراهيم الفزاري، وكان شاعرا ماهرا متفننا في كثير من العلوم، وكان يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن أبي طالب، طلبا للمناظرة فضبطت عليه أمور منكرة من الاستهزاء بالله تعالى والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقتل ثم صلب منكسا، وأنزل وأحرق بالنار، ولما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي، استدارت وتحولت عن القبلة، وجاء كلب فولغ في دمه. فقال يحيى بن عمر: صدق رسول الله ﷺ فإنه قال: «لا يلغ الكلب في دم مسلم» .
وإذا قطع لسان كلب أسود، وأخذه إنسان في يده، لم تنبح عليه الكلاب، وإن أخذت قرادة من أذن كلب، وأمسكها إنسان في يده خضعت له الكلاب كلها حتى ذلك الكلب المأخوذة منه. وإن علقت أسنانه على صبي، خرجت أسنانه من غير تعب، وأنيابه إذا علقت على من به عضة الكلب الكلب سكن عنه وجعها، وإذا علقت على من به اليرقان الظاهر نفعه، وإن حمل إنسان معه ناب الكلب لم تنبحه الكلاب. وذكره إذا جفف وعلق على الفخد هيج الباه. ومن كان يلقى من القولنج شدة، فليقم كلبا نائما وليبل في مكانه، فإنه يزول عنه من وقته ويموت الكلب.
ونابه إذا علق على من يتكلم في نومه سكن، ولبن الكلبة إذا طلي به الشعر حلقه، وإن شرب بالماء سكن من وقته السعالي. وبوله إذا طلي به على الثآليل قلعها، وقراده إذا نقع في نبيذ وشربه شارب سكر من وقته. وشعر الكلب الأسود البهيم، إذا علق على المصروع نفعه، ومن كان عنده عبد أبق وأحب أن لا يأبق، فليأخذ جرو كلب صغيرا فيحرقه ثم يسحقه بزيت، ويطلي به رأسه فإنه لا يأبق، مجرب، قاله القزويني وغيره. ولبن الكلبة إذا شرب نفع من السموم القاتلة، ويخرج الأجنة والمشيمة، ومن اكتحل بلبن كلبة سهر ليله كله. وزبله إذا سحق وعجن بماء الكزبرة، وطلي به الأورام الحادة نفعها بإذن الله تعالى.
التعبير
: الكلاب في الرؤيا عند المسلمين عبيد، وفي الحديث «أن الكلب من الممسوخ» ، وأوله المعبرون برجل سفيه مجترىء على العاصي، وإذا نبح فهو سفيه مشنع طمع، فمن رأى كلبا عضه أو خدشه، ناله من عدوه هم بقدر الألم، وربما مرض، وربما دلت رؤية الكلب على الانكلاب على الدنيا، مع عدم الادخار ورؤية كلب أهل الكهف في المنام، تدل على الخوف أو السجن أو الهرب أو الاختفاء، ورؤيته في البلد دليل على تجديد ولاية، وربما دل الكلب على الكفر والإياس من رحمة الله تعالى، لقوله «١»
تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
الآية.
وكلب الصيد عز ورفعة ورزق، وكلب الماشية رجل صاحل غيور على الأهل والجار، قاله ابن المقري. ومن رأى كلبا مزق ثيابه، فإن سفيها يغتابه، وإن لم يسمع نباحه فهو عدو، وتزول عداوته بشيء يسير.
والكلب يعبر برجل من الأهل، فمن نازعه كلب نازعه رجل من أهله، وربما عبر بالمشنع إذا نبح، أو بسماع نواح، أو بفتح بيت الخلاء. والكلبة امرأة دنيئة من قوم معاندين، والجرو ولد
стр. 939
محبوب، فإن كان أبيض فهو مؤمن، وإن كان أسود فهو يسود قومه، وقيل: جرو الكلب لقيط سفيه، والكلب الكلب سفيه أيضا. ورؤية كلب الراعي تدل على فائدة من ملك أو وال، والكلب الذي يصاد به ملك وولاية، لمن رآه إذا كان أهلا لذلك، أو يصير إليه شيء يستغني به لقوله «١» تعالى: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
والكلب الصيني يدل على مخالطة قوم من الأعجام غير مسلمين.
ومن رأى أنه يصيد بالكلاب، فإنه يعطى بغيته وينال مناه، وقال ارسطاميدورس: من رأى كلاب الصيد خارجة فهي دليل خير لطالب الرزق والخدمة، وإذا رآها داخلة من الصيد، فإنها تدل على البطالة. والكلب الحارس في المنام يدل على صيانة الزوجة والمال. وقيل: الكلاب في المنام تدل على قوم أذلة. ومن رأى أنه صار كلبا، فإن الله تعالى قد آتاه علما فنسيه، لقوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها
«٢» إلى قوله تعالى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
«٣» الآية.
وقيل: الكلاب تعبر بغلمان الشرطة، والكلب عدو ضعيف لتحوله عن جوهر السباع، ثم يصير صديقا بعد العداوة، لقصة آدم ﵇، لما أهبط إلى الأرض وقد تقدم طرف منها، فجعل في التأويل عدوا ثم يرجع صديقا.
ومن الرؤيا المعبرة أن سيدنا أبابكر الصديق رضي الله تعالى عنه، رأى كأن كلبة من مكة تهر على الناس، فلما دنوا منها، استلقت على ظهرها ودرت ثدياها لبنا، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال:
«ذهب كلبهم، وأقبل درهم، وستلقونهم بعد ويسألونكم أرحامهم فإذا لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه» . فلما قدم المسلمون لفتح مكة، قاتل بعضهم وكان ما أخبر النبي ﷺ . ومن الرؤيا المعبرة أيضا أن رجلا أتى ابن سيرين، فقال: رأيت كلبين يقتتلان على فرج زوجتي، فقال: إنها أخذت المقراض، وجزت شعر فرجها والله تعالى أعلم.
خاتمة
: ومن الفوائد المجربة أن يكتب في إناء حديد، ويمسح بزيت، ويسقى للمكلوب، فإنه يشفى بإذن الله تعالى وهي هذه الأحرف: (اب ج م اع هـ د باب اللد) ، ويكتب أيضا للحامل في إناء جديد، ويغسل بماء ويسقى فإنه نافع إن شاء الله تعالى والله أعلم.
كلب الماء:
تقدم في القاف أنه القندس. وقال في عجائب المخلوقات: كلب الماء معروف، وهو حيوان مشهور يداه أطول من رجليه يلطخ بدنه بالطين، فيحسبه التمساح طينا، ثم يدخل جوفه فيقطع أمعاءه ويأكلها، ثم يمزق بطنه ويخرج. قال: ومن خواصه أن من كان معه شحم كلب الماء، أمن من غائلة التمساح. وذكر بعضهم أن جلد الجندبادستر خصية هذا الحيوان. وقد تقدمت صفة ذلك في باب الجيم.
الحكم
: سئل الليث بن سعد عن أكل لحم كلب الماء؟ فقال: لا بأس به، وقد تقدم في عموم السمك، أنها تحل إلا أربعة ليس هذا منها. وقيل: لا يؤكل لأن شبهه في البر لا يؤكل.
стр. 940
الخواص
: دم كلب الماء يخلط بماء الكمون الكرماني ويشرب في الحمام ينفع من تقطير البول وعسره، ودماغه ينفع من ظلمة العين اكتحالا، ومرارته قدر عدسة منها، سم قاتل. وقال ابن سينا: إن خصيته تنفع من نهش الحيات، وجلده يتخذ منه جورب يلبسه المنقرس يذهب عنه ذلك ويبرأ.
الكلثوم:
الفيل قاله ابن سيده. وقد تقدم حكمه في باب الفاء.
الكلكسة:
قال قوم: إنه ابن عرس، وقال قوم: إنه حيوان آخر غير ابن عرس، وزبله إذا سحق وديف بالخل، وطلي به مواضع النملة الظاهرة، نفع نفعا بينا. وفي كتاب دمقراطيس، أن الكلكسة تبيض من فيها.
الكميت:
الفرس الشديد الحمرة، ولا يقال كميت، حتى يكون عرفه وغرته وذنبه سودا، وإن كانت حمرا فهو أشقر، والورد فيما بين الكميت والأشقر، والجمع وردان. والكميت من أسماء الخمر، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي «١» ، وفيه تورية:
وحمراء لما ترشفتها ... جنيت بها اللهو فيما جنيت
ونلت المسرات دون الورى ... لأني سبقتهم بالكميت
الكندارة:
سمكة لها سنام معروفة عند أهل البحر.
الكنعبة:
الناقة العظيمة، وسيأتي إن شاء الله تعالى، حكم الناقة في باب النون.
الكعند والكعند:
كجعفر ضرب من السمك، قاله الجوهري وأنشد لجرير «٢» :
قوم إذا جعلوا في صيرهم بصلا ... ثم اشتووا كنعدا من مالح جدفوا
الكندش:
العقعق، قال «٣» أبو المغطش الحنفي يصف امرأة:
منيت بزمردة كالعصا ... ألصّ وأخبث من كندش
ولفظ زمردة فارسي معرب أي امرأة الرجل.
الكهف:
الجاموس المسن، وقد تقدم حكمه في باب الجيم.
الكودن:
البرذون البطيء، وقال الجوهري: هو البرذون يوكف ويشبه به البليد، وقال ابن سيده: الكودن البرذون، وقيل: البغل. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ «لم يعط الكودن شيئا» . وفي رواية: «أعطاه دون سهم العراب» . رواه الطبراني. وفي إسناده أبو
стр. 941
بلال الأشعري وهو ضعيف.
الكوسج:
سمكة في البحر لها خرطوم كالمنشار، تفترس، وربما التقمت ابن آدم وقصمته نصفين، وهي القرش. ويقال لها: اللخم أيضا، ويقال: إنها إذا صيدت بالليل وجدوا في جوفها شحمة طيبة، وإن صيدت نهارا لم يجدوها.
وقال القزويني: الكوسج نوع من السمك، وهو في الماء شر من الأسد في البر، يقطع الحيوان في الماء بأسنانه، كما يقطع السيف الماضي. قال: ورأيته وهو سمكة مقدار ذراع أو ذراعين، وأسنانه كأسنان الناس، تنفر منه الحيوانات البحرية، وله أوان معين يكثر فيه بدجلة البصرة.
وحكمه
عند الإمام أحمد تحريم الأكل. وقال أبو حامد من أصحابه: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج لأنهما يأكلان الناس. ولأنه ذو ناب انتهى. ومقتضى مذهبنا أنه حلال، ومن ألحقه بالقرش أجرى عليه حكمه الذي تقدم في باب القاف.
الكهول:
قال الأزهري: هو بفتح الكاف وضم الهاء العنكبوت، ومنه قول عمرو لمعاوية رضي الله تعالى عنهما: أتيتك وأمرك كحق الكهول. أي ضعيف كبيت العنكبوت. وضبطها الخطابي والزمخشري بغير ذلك، لكن قالا: إنها العنكبوت أيضا.
باب اللام
لأي:
على وزن لعي هو الثور الوحشي، والجمع ألآء على وزن ألعاء، مثل جبل وأجبال.
والأنثى لآة. وقال الفارسي: يجوز أن تكون ألفه منقلبة عن ياء من اللاي. وقال في المحكم:
ويجوز أن تكون منقلبة عن واو من اللاو، لأن الثور يوصف بالقوة كما قال ابن عقيل «١» :
يمشي بها دبّ الزناد كأنه ... فتى فارسي من سراويل رامج
وقد تقدم في باب الباء الموحدة، في ذكر أدم أهل الجنة أن النبي ﷺ قال: «أدامهم بالام ونون» «٢» . قالوا: ما هذا؟ قال: ثور وحوت. قال السهيلي، في أول الروض في لؤي: اسم جد النبي ﷺ قال ابن الأنباري: إنه تصغير اللأي، وهو الثور الوحشي. وقال أبو حنيفة: اللأي البقرة، قال: وسمعت أعرابيا يقول بكم لآك هذه.
اللباد
: بضم اللام، قاله الزبيدي في الأبنية، اسم طائر يلبد في الأرض، ولا يكاد يطير، إلا أن يطار، ولبد آخر نسور لقمان، وهو ينصرف لأنه ليس بمعدول، وخبره يأتي في باب النون في النسر إن شاء الله تعالى.
стр. 942
الأمثال
: قالوا: «أهرم «١» من لبد» . قال «٢» الشاعر:
إن معاذ بن مسلم رجل ... ليس لميقات عمره أمد
قد شاب رأس الزمان واكتهل ... الدهر وأثواب عمره جدد
قل لمعاذ إذا مررت به ... قد ضجّ من طول عمرك الأبد
يا بكر حواء كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد
مصححا كالظليم ترفل في ... برديك مثل السعير تتقد
صاحبت نوحا ورضت بغلة ذي ... القرنين شيخا لولدك الولد
فارحل ودعنا فإن غايتك ... الموت وإن شد ركنك الجلد
اللبوءة:
بضم الباء وبعدها همزة: أنثى الأسد، واللبأة واللبوة، ساكنة الباء، غير مهموزة لغتان فيها حكاهما ابن السكيت، ويقال لها: العرس أيضا.
قال عون بن أبي شداد العبدي: بلغني أن الحجاج بن يوسف الثقفي، لما ذكر له سعيد بن جبير رحمة الله تعالى عليه، بعد قتل عبد الرحمن بن الأشعث «٣» ، أرسل إليه قائدا من أهل الشأم من خاصة أصحابه، فبينما هم يطلبون، إذا هم براهب في صومعة له، فسألوه عنه فقال الراهب:
صفوه لي. فوصفوه له، فدلهم عليه، فانطلقوا فوجدوه ساجدا يناجي ربه تعالى بأعلى صوته، فدنوا منه وسلموا عليه فرفع رأسه، فأتم بقية صلاته، ثم رد ﵈، فقالوا له:
إن الحجاج أرسل إليك فأجبه. فقال: ولا بد من الإجابة؟ فقالوا: لا بد. فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي ﷺ ، ثم قام يمشي معهم حتى انتهوا إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم. فقال لهم: اصعدوا الدير، فإن اللبوة والأسد يأويان حول الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء ففعلوا ذلك، وأبى سعيد ﵁، أن يدخل الدير! فقالوا: ما نراك إلا تريد الهرب منا؟ قال: لا ولكني لا أدخل منزل مشرك أبدا.
فقالوا: إن لا ندعك فإن السباع تقتلك.
قال سعيد: فإن معي ربي يصرفها عني، ويجعلها حراسا حولي تحرسني من كل سوء، إن شاء الله تعالى. قالوا: فأنت من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء، ولكني عبد من عباد الله خاطىء مذنب. قالوا له: فاحلف لنا أنك لا تبرح. فحلف لهم. فقال لهم الراهب: اصعدوا الدير، وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح، فإنه كره الدخول علي في الصومعة، فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة قد أقبلت، فلما دنت من سعيد بن جبير، تحككت به وتمسحت به، ثم ربضت قريبا منه، وأقبل الأسد فصنع مثل ذلك، فلما رأى الراهب ذلك دخلت
стр. 943
في قلبه هيبة، فلما أصبحوا نزلوا إليه، فسأله الراهب عن شرائع دينه وسنن نبيه ﷺ فقرر له سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب وحسن إسلامه.
وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه، ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل يصلون عليه، ويقولون: يا سعيد حلفنا الحجاج بالطلاق والعتاق، إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه، فمرنا بما شئت. فقال سعيد: امضوا لشأنكم فإني لائذ بخالقي ولا راد لقضاء ربي.
فساروا حتى وصلوا إلى واسط، فلما انتهوا إليها، قال لهم سعيد رضي الله تعالى عنه: يا معشر القوم، قد تحرمت بكم وصحبتكم، ولست أشك أن أجلي قد قرب وحضر، وأن المدة قد انقضت ودنت، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت، وأستعد لمنكر ونكير، وأذكر عذاب القبر، وما يحثى على من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون، فقال بعضهم: لا نريد أثرا بعد عين. وقال بعضهم: إنكم قد بلغتم أمنكم، واستوجبتم جوائزكم من الأمير، فلا تعجزوا عنه. وقال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله تعالى. فنظروا إلى سعيد وقد دمعت عيناه واغبر لونه، وكان لم يأكل ولم يشرب ولم يضحك، منذ لقوه وصحبوه، فقالوا بأجمعهم: يا خير أهل الأرض ليتنا لم نعرفك ولم نرسل لك، الويل لنا كيف ابتلينا بك! فاعذرنا عند خالقنا، يوم الحشر الأكبر، فإنه القاضي الأكبر، والعادل الذي لا يجوز. فلما فرغوا من البكاء والمجاوبة له ولهم، قال كفيله: أسألك بالله يا سعيد إلا ما زودتنا من دعائك وكلامك، فإنا لن نلقي مثلك أبدا.
فدعا لهم سعيد رضي الله تعالى عنه. ثم خلوا سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه، وأقبل على الصلاة والدعاء والاستعداد للموت، ليله كله، وهم مختفون الليل كله فلما انشق عمود الصبح، جاءهم سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه فقرع الباب، فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه فبكى وبكوا معه طويلا، ثم ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير، فلما مثل بين يديه قال له:
ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. فقال: بل أنت شقي بن كسير. قال سعيد: بل أمي كانت أعلم باسمي منك. فقال الحجاج: شقيت أنت وشقيت أمك. فقال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال: لو علمت أن بيدك لاتخذتك إلها. قال:
فما قولك في محمد ﷺ ؟ قال: نبي الرحمة. قال: فما قولك في علي أفي الجنة هو أم النار؟ قال: لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما. قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل.
قال: فأيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقه. قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. قال: فما بالك لا تضحك؟ قال: أيضحك مخلوق خلق من الطين والطين تأكله النار؟ قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب. قال: ثم إن الحجاج أمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، وغير ذلك من الجواهر، فوضعت بين يدي سعيد، فقال سعيد رضي الله تعالى عنه: إن كنت جمعت هذا لتفدى به من فزع يوم القيامة، فصالح، وإلا ففزعة واحدة
стр. 944
تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا.
ثم دعا الحجاج بآلات اللهو، فضربت بين يدي سعيد فبكى سعيد. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد. فقال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة، وأدخل النار. فقال: يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك بها؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج، فو الله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.
قال: فتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو من الله فنعم، وأما منك أنت فلا. فقال: اذهبوا به فاقتلوه. فلما أخرج من الباب ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فأمر برده فقال: ما أضحكك وقد بلغني أن لك أربعين سنة لم تضحك؟ قال: ضحكت عجبا من جراءتك على الله، ومن حلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط بين يديه، وقال: اقتلوه.
فقال سعيد: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ*
«١» . ثم قال: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
«٢» . قال: وجهوه لغير القبلة. فقال سعيد: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
«٣» فقال: كبوه لوجهه. فقال: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
«٤» فقال الحجاج: اذبحوه. فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. ثم قال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي. فذبح على النطع رحمة الله تعالى عليه، فكان رأسه يقول بعد قطعه: لا إله إلا الله مرارا. وذلك في شعبان سنة خمس وتسعين. وكان عمر سعيد تسعا وأربعين سنة، وعاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة، ولم يسلط على قتل أحد بعده.
ولما بلغ الحسن البصري «٥» رضي الله تعالى عنه قتل سعيد بن جبير، قال: اللهم أنت على فاسق ثقيق رقيب، والله لو أن أهل المشرق والمغرب اشتركوا في قتله، لكبهم الله تعالى في النار، والله لقد مات وأهل الأرض من المشرق إلى المغرب محتاجون إلى علمه. ونقل أن سعيدا رضي الله تعالى عنه كان يقول: وشى بي واش، وأنا في بلد الله الحرام، أكله إلى الله، يعني خالد القسري.
وروي أن الحجاج لما حضرته الوفاة، كان يغيب ثم يفيق، ويقول: ما لي ولسعيد بن جبير.
وقيل: إنه كان في مدة مرضه كلما نام، رأى سعيد بن جبير آخذا بثوبه، وهو يقول: يا عدو الله فيم قتلتني فيستيقظ مذعورا.
وروي أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، رآه بعد موته في المنام، وهو جيفة منتنة، وأنه قال له: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني الله بكل قتيل قتلته قتلة واحدة، وقتلني بسعيد بن جبير سبعين قتلة.
فإن قيل ما الحكمة في أن الله تعالى قتل الحجاج بكل قتيل قتلة وقتله بسعيد سبعين قتلة؟
وقد قتل من هو أفضل من سعيد، وهو عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، لأنه صحابي،
стр. 945
وسعيد بن جبير تابعي والصحابي أفضل من التابعي؟
فالجواب أن الحجاج لما قتل ابن الزبير، كان له نظراء في العلم من الصحابة، كابن عمرو وأنس بن مالك وغيرهما، ولما قتل سعيدا لم يكن له نظير في العلم، فضوعف عليه العذاب بسبب ذلك. ويشهد لهذا القول ما تقدم عن الحسن البصري، لا لكونه أفضل من ابن الزبير والله أعلم.
التعبير
: اللبوة في المنام بنت ملك، فمن رأى أنه جامع لبوة نجا من شدة عظيمة، ويعلو شأنه ويظفر بأعدائه، فإن رأى ذلك ملك، وكان في حرب، فإنه يظفر بمن يحاربه ويملك بلادا كثيرة. وقيل: إن اللبوة تعبيرها كالسبع والله أعلم.
اللجأ:
بالجيم نوع من السلاحف يعيش في البر والبحر، ولها حيلة عجيبة وتوصل في صيد ما تصيده من طائر وغيره، وذلك أنها تغوص في الماء ثم تتمرغ في التراب، ثم تكمن للطير في مواضع شربها، فيختفي عليه لونها، فتمسكه وتغوص به في الماء حتى يموت.
ويقال: إن اللجأة تضع بيضها في البر، وأنها تحضنه بالنظر إليه. وقال أرسطاطاليس في النعوت: ما خرج من بيض اللجأة مستقبل البحر، صار إلى البحر، وما خرج منه مستقبل البر، صار إلى البر وكلهن يردن الماء، لأنهن من خلق الماء. قال: وهي تأكل الثعابين واللجأة البحرية لها لسان في صدرها من أصابته به من الحيوان قتلته. وقد تقدم ذكرها في باب السين.
الحكم
: صرح بتحريمها وبعدم جواز أكلها البغوي والنووي في شرح المهذب.
الخواص
: قال أرسطو: كبدها إذا أكل طريا نفع من داء الكبد، ولحمها إذا طبخ بخل صفة السكباج وشرب من مرقته من به استسقاء نفعه، وأد بل بطنه، وهو يشد الفؤاد ويذهب الرياح السوداوية والله أعلم.
التعبير
: اللجأة في المنام امرأة عفيفة، وسنة مقبلة ذات مال، وربما دلت على الوقاية من الأعداء، لاتخاذ الناس من ظهرها تجافيف يدفع الإنسان بها عن نفسه.
اللحكاء:
قال الأزهري: هي بضم اللام وفتح الحاء المهملة والكاف، وبالألف والمد، ويقال له: اللحكة على مثال الهمزة واللمزة، وحكى ابن قتيبة، في أدب الكاتب، الحلكاء بفتح الحاء وإسكان اللام وبالمد، وحكى في المقصور والممدود، الحلكا بضم الحاء وفتح اللام المشددة وبالقصر، شحمة الأرض تغوص في الرمل كما يغوص طير الماء في الماء. وقال غيره: الحلكة بالهاء وهي فيما ذكروا دويبة كأنها سمكة تكون في الرمل، فإذا أحست بالإنسان، دارت في الرمل وغاصت فيه. وقال غير الأزهري: الحلكة بتقديم الحاء على اللام، وكذلك الحلكاء على مثال العنقاء.
وحكى صاحب جامع اللغة فيها القصر أيضا. وقال الجوهري: اللحكة أظنها مقلوبة من الحلكة. قال ابن الصلاح «١» ، في مشكل الوسيط الذي ضبطناه، عن الأزهري، صاحب كتاب
стр. 946
تهذيب اللغة، الموثوق به: إنها مقصورة، وهي دويبة ملساء كأنها شحمة مشربة بحمرة، ويقال لها الحلكة مثل الهمزة انتهى. وقال الماوردي، في الحاوي: اللحكاء تشبه السمك وهي عريضة من أعلى، دقيقة من أسفل. وقال ابن السكيت، في إصلاح المنطق: اللحكة دويبة شبيهة بالعظاءة، زرقاء تبرق وليس لها ذنب طويل كالعظاءة وقوائمها خفية. وهذا القول أحسن من الذي نقله ابن الصلاح عن تهذيب الأزهري.
وقد تقدم في حرف الحاء الحلكة. وقال الصيدلاني والروياني: إنها دويبة مثل الإصبع تجري في الرمل ثم تغوص فيه. وهذا يقوي قول الجوهري إنها مقلوبة من الحلكة، لأنه فسرها بهذا فعلى ما قاله الأزهري من كونها ملساء كأنها شحمة مشربة بحمرة حسن تشبيه العرب أصابع النساء بها، إلا أن الاشتقاق لا يساعده، لأن الحلكة فيما يظهر شدة السواد، مأخوذ من قولهم: أسود حالك، ولما كانت زرقاء لشدة سوادها سموها بهذا الاسم. والعرب تسميها بنات النقا لأنها تسكن نقيات الرمل.
الحكم
: لا يحل أكلها لأنها من أنواع الوزغ.
اللخم:
بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة، ضرب من السمك ضخم يقال له الكوسج، وهو القرش كما تقدم. وأنشد ابن سيده لبعض الأدباء:
لصيد اللخم في البحر ... وصيد الأسد في البر
وقضم الثلج في القر ... ونقل الصخر في الحر
وإقدام على الموت ... وتحويل إلى القبر
لأشهى من طلاب العز ... ممن عاش في الفقر
وحكمه
: حل الأكل فيما يظهر، وقد قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، في كتابه نهاية غريب الحديث ما نصه: في حديث عكرمة رضي الله تعالى عنه، اللخم حلال، وهو ضرب من سمك البحر يقال اسمه القرش اهـ. وقد تقدم الكلام على القرش في باب القاف.
اللعوس:
الذئب سمي بذلك لسرعة أكله.
اللعوة:
بفتح اللام الكلبة، قالت العرب: «أجوع «١» من لعوة» .
اللقحة:
بالكسر والفتح، لغتان مشهورتان والكسر أشهر، والجمع لقح بكسر اللام وفتح القاف كبركة وبرك، وهي الناقة ذات اللبن، وقيل القريبة العهد من النتاج، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٢» : «تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط حوضه فما يصدر حتى تقوم الساعة» . وفيه من حديث النواس
стр. 947
بن سمعان في صفة الدجال: «ويبارك في الرسل يعني اللبن حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس» . الفئام الجماعة الكثيرة مأخوذ من الكثرة، والفخذ بالذال المعجمة الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن والبطن دون القبيلة. قال ابن فارس: الفخذ هنا باسكان الخاء المعجمة لا غير بخلاف الفخذ التي هي العضو فإنها تكسر وتسكن.
وكان للنبي ﷺ عشرون لقحة بالغابة وهي على بريد من المدينة بطريق الشأم، كان يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه فيها، وكان ﷺ يفرقها على نسائه وهي التي استاقها العرنيون وقتلوا راعيها يسارا ففعل رسول الله ﷺ بهم ما فعل.
وروى «١» الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أهدى إلى النبي ﷺ لقحة، فأثابه منها ست بكرات فتسخطها، فقال ﷺ : «من يعذرني من فلان؟ أهدى إلي لقحة فأثبته منها ست بكرات فتسخطها لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي» ثم قال: صحيح الإسناد.
وروى هو وأحمد والبيهقي، عن ضرار بن الأزور رضي الله تعالى عنه، قال: أهديت إلى النبي ﷺ لقحة، فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال ﷺ : «لا تفعل دع داعي اللبن» . وروى البزار عن بريرة أن النبي ﷺ أمر بحلاب لقحة، فقام رجل فقال له ﷺ :
«ما اسمك» ؟ فقال: مرة. فقال ﷺ : «اقعد» . فقام آخر، فقال له ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال:
يعيش. فقال ﷺ له: «احلب» .
ورواه مالك عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال له الرجل: مرة. فقال له رسول الله ﷺ «اجلس» .
ثم قال: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال: حرب. قال:
«اجلس» . ثم قال ﷺ : «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل فقال له ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال: يعيش.
فقال له ﷺ : «احلب» .
ثم روى عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال بحرة النار. قال: بأيها؟ قال: بذات لظى. فقال له عمر رضي الله تعالى عنه:
أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر رضي الله تعالى عنه.
وفي السيرة أنه ﷺ لما خرج إلى بدر، مر برجلين فسأل عن اسمهما، فقال له أحدهما:
مسلخ والآخر مخذل، فعدل عن طريقهما، وليس هذا من الطيرة التي نهى ﷺ عنها، بل من باب كراهة الاسم القبيح. فقد كان ﷺ يكتب إلى أمرائه: «إذا أبردتم إلي بريدا، فأبردوه حسن
стр. 948
الاسم حسن الوجه» . وفي حديث البزار ومالك زيادة، رواها ابن وهب وهي: فقام عمر فقال:
لا أدري أقول أم أسكت؟ فقال له رسول الله ﷺ : «قل» قال: فكيف نهيتنا عن الطيرة وتطيرت؟
فقال ﷺ : «ما تطيرت ولكني آثرت الاسم الحسن» .
وروى أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «١» : «الطيرة شرك وما منا إلا من تطير ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل» . قال الخطابي: معناه وما منا إلا من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه فحذفه اختصارا للكلام، واعتمادا على فهم السامع. قال البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذا، ويقول:
هذا ليس من قول النبي ﷺ وكأنه من كلام ابن مسعود ﵁.
قال الإمام عبد الصمد: لما رأيت في أطواق الذهب لجار الله العلامة أبي القاسم محمود الزمخشري قوله: رزق مبسوط ومقدر، وشرب صاف ومكدر، ورجل يحسو الماء القراح «٢» ، وآخر درت له اللقاح، وما أوتي هذا من عجز ووهن، وما أوتي ذاك من فضل وذكاء ذهن، ولكن تقدير من بيده الملكوت، وإليه الكتاب الموقوت، ذكرت هذين البيتين:
لم أوت من طلب ولا ... جدّ ولا هم شريف
لكنه قدر يزو ... ل من القوي إلى الضعيف
وما أحسن قول «٣» القائل حيث قال:
أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... على العباد من الرحمن أرزاق
لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
اللقوة:
العقاب الأنثى، واللقوة بالكسر مثله. قال أبو عبيد: سميت لقوة لسعة أشداقها، وقيل: لاعوجاج منقارها، واللقوة مرض يميل به الوجه إلى جانب. واللقوة الناقة السريعة اللقاح، ولقوة لقب الحجاج بن يوسف الثقفي البغدادي المعروف بابن الشاعر. روى عنه مسلم وأبو داود ووفاته سنة تسع وخمسين ومائتين.
اللقاط:
بالتشديد طائر معروف، سمي بذلك لأنه يلقط الحب.
وحكمه
: الحل، قال العبادي: اللقاط حلال، إلا ما استثناه النص. قال، في شرح المهذب: يعني به ذا المخلب وفيما قاله نظر، لأن المراد به ما يلقط الحب وذو المخلب، لم يدخل في اسم اللقاط حتى يصح استثناؤه منه، لكن يحتمل أنه أراد بالمستثنى الغراب الزرعي والاستثناء المنقطع لا تصح إرادته هنا، لأن الرافعي ﵀ قد نقل بعد ذلك، عن البوشنجي، أن اللقاط حلال، بغير استثناء.
стр. 949
ولعل أبا عاصم أراد بالمستثنى بالنص غراب الزرع، والغداف الصغير فإنهم يلقطان الحب، ويأكلان الزرع. كما قاله الماوردي في الحاوي، وفيهما وجهان أصحهما في الروضة تحريم الغداف وحل الزرعي. وقد تقدم طرف من هذا في أحكام الغراب، لكن كلام الرافعي يقتضي حلهما، فمن قال بتحريمهما استثناهما من اللقاط، ولم يحمل الأمر الوارد بقتل الغراب على الأبقع وحده، بل عليه وعلى غيره.
ونقل الجاحظ هذا الاحتمال عن صاحب المنطق، فقال: قال صاحب المنطق: الغراب جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحال والحرم، وهذا صريح في أن الجميع فواسق، وأن قتل جميعها مستحب.
وقد صرح في الحاوي باستحباب قتل الغراب الأسود الكبير، وألحقه بالأبقع وجعل النهي علة تحريمه، ومن قال: يحل اللقاط مطلقا لم يستثن شيئا، وحمل الأمر بقتل الغراب على الأبقع، لأنه قد ورد التقييد، في بعض الروايات بالغراب الأبقع. وهذا إنما يستقيم إذا قلنا: إنّ ذكر بعض أفراد العموم تخصيص، والصحيح أنه ليس بتخصيص. والغراب الأبقع، وإن كان يلقط الحب، فهو غير وارد على البوشنجي، لأن غالب أكله الخبائث، بخلاف الزرعي والغداف الصغير والله تعالى أعلم.
اللقلق:
طائر أعجمي طويل العنق وكنيته عند أهل العراق أبو خديج، وعبر عنه الجوهري بالقاف، وهو اسم أعجمي قال: وربما قالوا: اللغلغ، والجمع اللقالق، وهو يأكل الحيات، وصوته اللقلقة، وكذلك كل صوت فيه حركة واضطراب. ويوصف بالفطنة والذكاء، قال القزويني، في الأشكال: قال الرئيس: من ذكاء هذا الطائر أنه يتخذ له عشين يسكن في كل واحد منهما بعض السنة، وأنه إذا أحسّ بتغير الهواء عند حدوث الوباء، ترك عشه وهرب من تلك الديار، وربما ترك بيضه أيضا. قال: ومما يتوصل به إلى طرد الهوام اتخاذ اللقلق، فإن الهوام تهرب من مكان هو فيه، لفزعها منه وإذا ظهرت قتلها.
الحكم
: في حله وجهان: أحدهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: يحل كالكركي ورجحه الغزالي، والثاني يحرم، وصححه البغوي وجزم به العبادي، واحتج بأنه يأكل الحيات، ويصف في الطيران. وقد قال ﷺ : «كل ما دفّ ودّع ما صف» . يقال: دف الطائر في طيرانه إذا حرك جناحيه، كأنه يضرب بهما، وصف إذا لم يتحرك، كما تفعل الجوارح. ومنه قوله «١» تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ
. والأصح في شرح المهذب والروضة أنه حرام. واللقلق من طير الماء وقد تقدم استثناؤه.
الخواص
: إذا ذبح فرخ من فراخه وطلي به بدن المجذوم نفعه نفعا بينا، وإذا أخذ من دماغه وزن دانق ومن أنفحة الأرنب مثله، وأذيبا على النار، فمن طعم منه باسم آخر هيج روحانية المحبة في قلبه. وقال هرمس: من حمل عظم اللقلق معه زال همه، وإن كان عاشقا سلا ومن حمل
стр. 950
حبة عينه اليمنى لم ينم، ومن حمل حبة عينه اليسرى نام، ولم يتنبه ما لم تحل عنه، ومن حمل عينه ودخل الماء، لم يغرق، وإن لم يحسن السباحة.
التعبير
: اللقلق في المنام يدل على قوم يحبون المشاركة فإذا رآها إنسان مجتمعة في مكان، فإنهم لصوص وقطاع طريق وأعداء محاربة، وقيل: رؤية اللقلق تدل على تردد. ومن رأى اللقالق متفرقة فإنها دليل خير إن كان مسافرا أو أراد السفر، لأنها تظهر في الصيف، وتدل رؤياها على قدوم المسافر إلى وطنه والمقيم على سفره والله أعلم.
اللهق:
الثور الأبيض وقد تقدم ما في الثور في باب الثاء المثلثة.
اللهم:
الثور المسن، وقد تقدم والجمع لهوم.
اللوب والنوب:
الأول بضم اللام، والثاني بضم النون، جماعة النحل ومنه حديث ريان بن قسور رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النبي ﷺ وهو نازل بوادي الشوحط، فكلمته فقلت: يا رسول الله إن معنا لوبا لنا، يعني نحلا كانت في غيلم لنا، فيه طرم وشمع، فجاء رجل فضرب ميتين، فأنتج حيا وكفنه بالثمام، يعني قدح نارا بالزندين، ونحسه يعني دخنه، فطار اللولب هاربا، وأدلى مشواره في الغيلم، فاشتار العسل فمضى به، فقال رسول الله ﷺ : «ملعون من سرق شرو قوم فأضربهم أفلا تبعتم أثره وعرفتم خبره» . قال: قلت: يا رسول الله إنه دخل في قوم لهم منعة، وهم جيرتنا من هذيل. فقال رسول الله ﷺ : «صبرك صبرك ترد نهر الجنة، وإن سعته كما بين العقيقة والسحيقة يتسبب جريا بعسل صاف من قذاه ما تقيأه لوب ولا مجه نوب» انتهى.
الغيلم البئر وأراد بها ههنا الخلية.
والطرم العسل ذكره السهيلي في مقتل خبيب وأصحابه، بعد أحد. وذكره أبو عمر بن عبد البر وابن الأثير أبو السعادات، ونقلا عن ابن ماكولا، أنه قال: ذكره عبد الغني بن سعيد وغيره بإسناد ضعيف.
اللوشب:
ككوكب الذئب، وقد تقدم ما في الذئب في باب الذال المعجمة.
اللياء:
سمكة في البحر يتخذ من جلدها الترسة فلا يحيك فيها شيء من السلاح، ولا يقطع، وفي الحديث أن فلانا أهدى لرسول الله ﷺ بودان لياء مقشى. ومنه حديث معاوية رضي الله تعالى عنه أنه دخل عليه وهو يأكل لياء مقشى.
الليث:
الأسد، وجمعه ليوث. وهو أيضا ضرب من العناكب يصطاد الذباب، وهو أصغر من العنكبوت. والليث من الرجل: الشجاع وبنو ليث بطن من العرب، وبه سمي ليث بن سعد بن عبد الرحمن بن الحارث، إمام أهل مصر في الفقه. ولد بقلقشندة وهي قرية في أسفل مصر سنة أربع وتسعين. قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى نشأ فيهم الليث بن سعد فحدثهم بفضائل عثمان رضي الله تعالى عنه. فكفوا عن ذلك.
следующие страницы →