← Адаб

Адаб · id 10664

حياة الحيوان الكبرى

الدميري

Полный текст (1 095 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تهذيب اللغة، الموثوق به: إنها مقصورة، وهي دويبة ملساء كأنها شحمة مشربة بحمرة، ويقال لها الحلكة مثل الهمزة انتهى. وقال الماوردي، في الحاوي: اللحكاء تشبه السمك وهي عريضة من أعلى، دقيقة من أسفل. وقال ابن السكيت، في إصلاح المنطق: اللحكة دويبة شبيهة بالعظاءة، زرقاء تبرق وليس لها ذنب طويل كالعظاءة وقوائمها خفية. وهذا القول أحسن من الذي نقله ابن الصلاح عن تهذيب الأزهري. وقد تقدم في حرف الحاء الحلكة. وقال الصيدلاني والروياني: إنها دويبة مثل الإصبع تجري في الرمل ثم تغوص فيه. وهذا يقوي قول الجوهري إنها مقلوبة من الحلكة، لأنه فسرها بهذا فعلى ما قاله الأزهري من كونها ملساء كأنها شحمة مشربة بحمرة حسن تشبيه العرب أصابع النساء بها، إلا أن الاشتقاق لا يساعده، لأن الحلكة فيما يظهر شدة السواد، مأخوذ من قولهم: أسود حالك، ولما كانت زرقاء لشدة سوادها سموها بهذا الاسم. والعرب تسميها بنات النقا لأنها تسكن نقيات الرمل. الحكم : لا يحل أكلها لأنها من أنواع الوزغ. اللخم: بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة، ضرب من السمك ضخم يقال له الكوسج، وهو القرش كما تقدم. وأنشد ابن سيده لبعض الأدباء: لصيد اللخم في البحر ... وصيد الأسد في البر وقضم الثلج في القر ... ونقل الصخر في الحر وإقدام على الموت ... وتحويل إلى القبر لأشهى من طلاب العز ... ممن عاش في الفقر وحكمه : حل الأكل فيما يظهر، وقد قال أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، في كتابه نهاية غريب الحديث ما نصه: في حديث عكرمة رضي الله تعالى عنه، اللخم حلال، وهو ضرب من سمك البحر يقال اسمه القرش اهـ. وقد تقدم الكلام على القرش في باب القاف. اللعوس: الذئب سمي بذلك لسرعة أكله. اللعوة: بفتح اللام الكلبة، قالت العرب: «أجوع «١» من لعوة» . اللقحة: بالكسر والفتح، لغتان مشهورتان والكسر أشهر، والجمع لقح بكسر اللام وفتح القاف كبركة وبرك، وهي الناقة ذات اللبن، وقيل القريبة العهد من النتاج، وناقة لقوح إذا كانت غزيرة اللبن. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٢» : «تقوم الساعة والرجل يحلب اللقحة فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب فلا يتبايعانه حتى تقوم الساعة، والرجل يليط حوضه فما يصدر حتى تقوم الساعة» . وفيه من حديث النواس

стр. 947

بن سمعان في صفة الدجال: «ويبارك في الرسل يعني اللبن حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس» . الفئام الجماعة الكثيرة مأخوذ من الكثرة، والفخذ بالذال المعجمة الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن والبطن دون القبيلة. قال ابن فارس: الفخذ هنا باسكان الخاء المعجمة لا غير بخلاف الفخذ التي هي العضو فإنها تكسر وتسكن. وكان للنبي ﷺ عشرون لقحة بالغابة وهي على بريد من المدينة بطريق الشأم، كان يراح إليه ﷺ كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان أبو ذر رضي الله تعالى عنه فيها، وكان ﷺ يفرقها على نسائه وهي التي استاقها العرنيون وقتلوا راعيها يسارا ففعل رسول الله ﷺ بهم ما فعل. وروى «١» الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلا أهدى إلى النبي ﷺ لقحة، فأثابه منها ست بكرات فتسخطها، فقال ﷺ : «من يعذرني من فلان؟ أهدى إلي لقحة فأثبته منها ست بكرات فتسخطها لقد هممت أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي» ثم قال: صحيح الإسناد. وروى هو وأحمد والبيهقي، عن ضرار بن الأزور رضي الله تعالى عنه، قال: أهديت إلى النبي ﷺ لقحة، فأمرني أن أحلبها فحلبتها فجهدت حلبها، فقال ﷺ : «لا تفعل دع داعي اللبن» . وروى البزار عن بريرة أن النبي ﷺ أمر بحلاب لقحة، فقام رجل فقال له ﷺ : «ما اسمك» ؟ فقال: مرة. فقال ﷺ : «اقعد» . فقام آخر، فقال له ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال: يعيش. فقال ﷺ له: «احلب» . ورواه مالك عن يحيى بن سعيد أن النبي ﷺ قال للقحة تحلب: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال له الرجل: مرة. فقال له رسول الله ﷺ «اجلس» . ثم قال: «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل، فقال له النبي ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال: حرب. قال: «اجلس» . ثم قال ﷺ : «من يحلب هذه» ؟ فقام رجل فقال له ﷺ : «ما اسمك» ؟ قال: يعيش. فقال له ﷺ : «احلب» . ثم روى عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة. قال ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال بحرة النار. قال: بأيها؟ قال: بذات لظى. فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر رضي الله تعالى عنه. وفي السيرة أنه ﷺ لما خرج إلى بدر، مر برجلين فسأل عن اسمهما، فقال له أحدهما: مسلخ والآخر مخذل، فعدل عن طريقهما، وليس هذا من الطيرة التي نهى ﷺ عنها، بل من باب كراهة الاسم القبيح. فقد كان ﷺ يكتب إلى أمرائه: «إذا أبردتم إلي بريدا، فأبردوه حسن

стр. 948

الاسم حسن الوجه» . وفي حديث البزار ومالك زيادة، رواها ابن وهب وهي: فقام عمر فقال: لا أدري أقول أم أسكت؟ فقال له رسول الله ﷺ : «قل» قال: فكيف نهيتنا عن الطيرة وتطيرت؟ فقال ﷺ : «ما تطيرت ولكني آثرت الاسم الحسن» . وروى أبو داود والترمذي والحاكم وقال: صحيح عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «١» : «الطيرة شرك وما منا إلا من تطير ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل» . قال الخطابي: معناه وما منا إلا من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه فحذفه اختصارا للكلام، واعتمادا على فهم السامع. قال البخاري: كان سليمان بن حرب ينكر هذا، ويقول: هذا ليس من قول النبي ﷺ وكأنه من كلام ابن مسعود ﵁. قال الإمام عبد الصمد: لما رأيت في أطواق الذهب لجار الله العلامة أبي القاسم محمود الزمخشري قوله: رزق مبسوط ومقدر، وشرب صاف ومكدر، ورجل يحسو الماء القراح «٢» ، وآخر درت له اللقاح، وما أوتي هذا من عجز ووهن، وما أوتي ذاك من فضل وذكاء ذهن، ولكن تقدير من بيده الملكوت، وإليه الكتاب الموقوت، ذكرت هذين البيتين: لم أوت من طلب ولا ... جدّ ولا هم شريف لكنه قدر يزو ... ل من القوي إلى الضعيف وما أحسن قول «٣» القائل حيث قال: أنفق ولا تخش إقلالا فقد قسمت ... على العباد من الرحمن أرزاق لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق اللقوة: العقاب الأنثى، واللقوة بالكسر مثله. قال أبو عبيد: سميت لقوة لسعة أشداقها، وقيل: لاعوجاج منقارها، واللقوة مرض يميل به الوجه إلى جانب. واللقوة الناقة السريعة اللقاح، ولقوة لقب الحجاج بن يوسف الثقفي البغدادي المعروف بابن الشاعر. روى عنه مسلم وأبو داود ووفاته سنة تسع وخمسين ومائتين. اللقاط: بالتشديد طائر معروف، سمي بذلك لأنه يلقط الحب. وحكمه : الحل، قال العبادي: اللقاط حلال، إلا ما استثناه النص. قال، في شرح المهذب: يعني به ذا المخلب وفيما قاله نظر، لأن المراد به ما يلقط الحب وذو المخلب، لم يدخل في اسم اللقاط حتى يصح استثناؤه منه، لكن يحتمل أنه أراد بالمستثنى الغراب الزرعي والاستثناء المنقطع لا تصح إرادته هنا، لأن الرافعي ﵀ قد نقل بعد ذلك، عن البوشنجي، أن اللقاط حلال، بغير استثناء.

стр. 949

ولعل أبا عاصم أراد بالمستثنى بالنص غراب الزرع، والغداف الصغير فإنهم يلقطان الحب، ويأكلان الزرع. كما قاله الماوردي في الحاوي، وفيهما وجهان أصحهما في الروضة تحريم الغداف وحل الزرعي. وقد تقدم طرف من هذا في أحكام الغراب، لكن كلام الرافعي يقتضي حلهما، فمن قال بتحريمهما استثناهما من اللقاط، ولم يحمل الأمر الوارد بقتل الغراب على الأبقع وحده، بل عليه وعلى غيره. ونقل الجاحظ هذا الاحتمال عن صاحب المنطق، فقال: قال صاحب المنطق: الغراب جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحال والحرم، وهذا صريح في أن الجميع فواسق، وأن قتل جميعها مستحب. وقد صرح في الحاوي باستحباب قتل الغراب الأسود الكبير، وألحقه بالأبقع وجعل النهي علة تحريمه، ومن قال: يحل اللقاط مطلقا لم يستثن شيئا، وحمل الأمر بقتل الغراب على الأبقع، لأنه قد ورد التقييد، في بعض الروايات بالغراب الأبقع. وهذا إنما يستقيم إذا قلنا: إنّ ذكر بعض أفراد العموم تخصيص، والصحيح أنه ليس بتخصيص. والغراب الأبقع، وإن كان يلقط الحب، فهو غير وارد على البوشنجي، لأن غالب أكله الخبائث، بخلاف الزرعي والغداف الصغير والله تعالى أعلم. اللقلق: طائر أعجمي طويل العنق وكنيته عند أهل العراق أبو خديج، وعبر عنه الجوهري بالقاف، وهو اسم أعجمي قال: وربما قالوا: اللغلغ، والجمع اللقالق، وهو يأكل الحيات، وصوته اللقلقة، وكذلك كل صوت فيه حركة واضطراب. ويوصف بالفطنة والذكاء، قال القزويني، في الأشكال: قال الرئيس: من ذكاء هذا الطائر أنه يتخذ له عشين يسكن في كل واحد منهما بعض السنة، وأنه إذا أحسّ بتغير الهواء عند حدوث الوباء، ترك عشه وهرب من تلك الديار، وربما ترك بيضه أيضا. قال: ومما يتوصل به إلى طرد الهوام اتخاذ اللقلق، فإن الهوام تهرب من مكان هو فيه، لفزعها منه وإذا ظهرت قتلها. الحكم : في حله وجهان: أحدهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: يحل كالكركي ورجحه الغزالي، والثاني يحرم، وصححه البغوي وجزم به العبادي، واحتج بأنه يأكل الحيات، ويصف في الطيران. وقد قال ﷺ : «كل ما دفّ ودّع ما صف» . يقال: دف الطائر في طيرانه إذا حرك جناحيه، كأنه يضرب بهما، وصف إذا لم يتحرك، كما تفعل الجوارح. ومنه قوله «١» تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ . والأصح في شرح المهذب والروضة أنه حرام. واللقلق من طير الماء وقد تقدم استثناؤه. الخواص : إذا ذبح فرخ من فراخه وطلي به بدن المجذوم نفعه نفعا بينا، وإذا أخذ من دماغه وزن دانق ومن أنفحة الأرنب مثله، وأذيبا على النار، فمن طعم منه باسم آخر هيج روحانية المحبة في قلبه. وقال هرمس: من حمل عظم اللقلق معه زال همه، وإن كان عاشقا سلا ومن حمل

стр. 950

حبة عينه اليمنى لم ينم، ومن حمل حبة عينه اليسرى نام، ولم يتنبه ما لم تحل عنه، ومن حمل عينه ودخل الماء، لم يغرق، وإن لم يحسن السباحة. التعبير : اللقلق في المنام يدل على قوم يحبون المشاركة فإذا رآها إنسان مجتمعة في مكان، فإنهم لصوص وقطاع طريق وأعداء محاربة، وقيل: رؤية اللقلق تدل على تردد. ومن رأى اللقالق متفرقة فإنها دليل خير إن كان مسافرا أو أراد السفر، لأنها تظهر في الصيف، وتدل رؤياها على قدوم المسافر إلى وطنه والمقيم على سفره والله أعلم. اللهق: الثور الأبيض وقد تقدم ما في الثور في باب الثاء المثلثة. اللهم: الثور المسن، وقد تقدم والجمع لهوم. اللوب والنوب: الأول بضم اللام، والثاني بضم النون، جماعة النحل ومنه حديث ريان بن قسور رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النبي ﷺ وهو نازل بوادي الشوحط، فكلمته فقلت: يا رسول الله إن معنا لوبا لنا، يعني نحلا كانت في غيلم لنا، فيه طرم وشمع، فجاء رجل فضرب ميتين، فأنتج حيا وكفنه بالثمام، يعني قدح نارا بالزندين، ونحسه يعني دخنه، فطار اللولب هاربا، وأدلى مشواره في الغيلم، فاشتار العسل فمضى به، فقال رسول الله ﷺ : «ملعون من سرق شرو قوم فأضربهم أفلا تبعتم أثره وعرفتم خبره» . قال: قلت: يا رسول الله إنه دخل في قوم لهم منعة، وهم جيرتنا من هذيل. فقال رسول الله ﷺ : «صبرك صبرك ترد نهر الجنة، وإن سعته كما بين العقيقة والسحيقة يتسبب جريا بعسل صاف من قذاه ما تقيأه لوب ولا مجه نوب» انتهى. الغيلم البئر وأراد بها ههنا الخلية. والطرم العسل ذكره السهيلي في مقتل خبيب وأصحابه، بعد أحد. وذكره أبو عمر بن عبد البر وابن الأثير أبو السعادات، ونقلا عن ابن ماكولا، أنه قال: ذكره عبد الغني بن سعيد وغيره بإسناد ضعيف. اللوشب: ككوكب الذئب، وقد تقدم ما في الذئب في باب الذال المعجمة. اللياء: سمكة في البحر يتخذ من جلدها الترسة فلا يحيك فيها شيء من السلاح، ولا يقطع، وفي الحديث أن فلانا أهدى لرسول الله ﷺ بودان لياء مقشى. ومنه حديث معاوية رضي الله تعالى عنه أنه دخل عليه وهو يأكل لياء مقشى. الليث: الأسد، وجمعه ليوث. وهو أيضا ضرب من العناكب يصطاد الذباب، وهو أصغر من العنكبوت. والليث من الرجل: الشجاع وبنو ليث بطن من العرب، وبه سمي ليث بن سعد بن عبد الرحمن بن الحارث، إمام أهل مصر في الفقه. ولد بقلقشندة وهي قرية في أسفل مصر سنة أربع وتسعين. قال الشافعي: الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال عثمان بن صالح: كان أهل مصر ينتقصون عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، حتى نشأ فيهم الليث بن سعد فحدثهم بفضائل عثمان رضي الله تعالى عنه. فكفوا عن ذلك.

стр. 951

وكان أهل حمص ينتقصون عليا رضي الله تعالى عنه، حتى نشأ فيهما اسماعيل بن عياش «١» فحدثهم بفضائل علي رضي الله تعالى عنه فكفوا عن ذلك. وحج الليث، فقدم المدينة فبعث إليه الإمام مالك بن أنس بطبق رطب، فجعل على الطبق ألف دينار ورده إليه، وكان الليث ﵀ يستغل في كل سنة عشرين ألف دينار فينقفها وما وجبت عليه زكاة قط. وقالت له امرأة: يا أبا الحارث إن لي ابنا عليلا واشتهى عسلا، فقال: يا غلام اعطها مطرا من عسل، والمطر مائة وعشرون رطلا. فقيل له في ذلك، فقال: سألت على قدر حاجتها، ونحن أعطيناها على قدر نعمتنا. واشترى قوم منه ثمره ثم استقالوه، فأقالهم وأعطاهم خمسين دينارا، وقال: إنهم كانوا قد أملوا فيها أملا فأحببت أن أعرضهم عن أملهم. وكان رضي الله تعالى عنه حنفي المذهب، وولي القضاء بمصر وتوفي بها في شعبان سنة خمسن وسبعين ومائة. وقبره في القرافة الصغرى مشهور. وقلقشندة بفتح القاف ولام وقاف وشين معجمة مفتوحة ونون ساكنة ودال مهملة وهاء آخرها بينها وبين مصر مقدار ثلاثة فراسخ كذا قاله ابن خلكان. وحكى: عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: كان بأرض اليمامة رجل من ربيعة يقال له جحدر بن مالك العجلي، وكان شاعرا فحلا فاتكا قد أمر على أهل حجر وما يليها، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إلى عامله على اليمامة يوبخه ويلومه على تغلب جحدر في ولايته ويأمره بالتجرد في طلبه والبعث به إليه، إن ظفر به. فلما أتى العامل كتابه دس إليه فتية من قومه، ووعدهم أن يوفدهم معهم، فمكثوا لذلك أياما حتى إذا أصابوا منه غرة شدوا عليه فأوثقوه، وقدموا به على العامل. فبعث به إلى الحجاج فلما جاوزوا بجحدر حجرا أنشأ يقول: لقد ما هاجني فازددت شوقا ... بكاء حمامتين تغردان تجاوبتا بلحن أعجمي ... على غصنين من غرب وبان فقلت لصاحبي وكنت أحزو ... ببعض القول ماذا تحزوان فقالا: الدار جامعة قريبا ... فقلت وأنتما متمنيان فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير دان إذا جاوزتما نخلات حجر ... وأندية اليمامة فانعياني وقولا جحدر أمسى رهينا ... يعالج وقع مصقول يماني كذا المغرور بالدنيا سيردى ... وتهلكه المطامع والأماني فلما قدم به على الحجاج، قال له: أنت جحدر؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير. قال: فما حملك على ما صنعت؟ قال: جراءة الجنان، وكلب الزمان، وجفوة السلطان. قال: وما الذي بلغ من أمرك فيجرأ جنانك، ويكلب زمانك ويجفوك سلطانك؟ قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وأهم الفرسان، وأما جراءة جناني فإني لم ألق فارسا قط، إلا كنت عليه في نفسي

стр. 952

مقتدرا، فقال له الحجاج بن يوسف: إنا قاذفون بك في جب ليث، فإن هو قتلك كفانا مؤنتك، وإن أنت قتلته خلينا عنك وأحسنا جائزتك! قال: نعم، أصلح لله الأمير قربت المحنة، وأعظمت المنة، أنت أهل ذلك، إذا شئت فأمر به. فقيد وحبس. وكتب إلى عامله على كسكر يأمره بالبعثة إليه بأسد ضار، فبعث إليه بأسد قد أضر بأهل كسكر، في صندوق يجره ثوران، فلما قدم به على الحجاج، أمر به فأدخل في جب وسد بابه وجوعه ثلاثة أيام، ثم أتى بجحدر وأمكن من سيف قاطع، وجلس الحجاج والناس ينظرون إليهما فلما نظر الأسد إلى جحدر، وقد أقبل ومعه السيف يرسف في قيوده، تهيأ وتمطى فأنشد جحدر يقول: ليث وليث في مجال ضنك ... كلاهما ذو أنف وفتك «١» وسورة في وصلة ومحك ... أن يكشف الله قناع الشك من ظفري بحاجتي ودركي ... فذاك أحرى منزل بترك فوثب إليه الأسد وثبة شديدة فتلقاه جحدر بالسيف، فضرب هامته ففلقها حتى خالط ذباب السيف لهواته، وتخضبت ثيابه من دمه، فوثب وهو يقول: يا جمل إنك لو رأيت كريهتي ... في يوم هيج مسدف وعجاج «٢» وتقدمي لليث أرسف موثقا ... كيما أكابره على الإحراج جهم كأن جبينه لما بدا ... طبق الرحا متعجّر الأثباج يسمو بناظرتين تحسب فيهما ... لما أجالهما شعاع سراج فكأنما خيطت عليه عباءة ... برقاء أو قطع من الديباج قرنان مختصران قد مخضتهما ... أمّ المنية غير ذات نتاج ففلقت هامته فخر كأنه ... أطم تساقط مائل الأبراج «٣» ثم انثنيت وفي ثيابي شاهد ... مما جرى من شاخب الأوداج «٤» أيقنت أني ذو حفاظ ماجد ... من نسل أملاك ذوي أتواج مما يغار على النساء حفيظة ... إذ لا يثقن بغيرة الأزواج فقال له الحجاج: يا جحدر إن أحببت المقام معنا فأقم، وإن أحببت الانصراف إلى بلادك فانصرف. فقال: بل أختار صحبة الأمير والكينونة معه، ففرض له في شرف العطاء، وأقام ببابه فكان من خواص أصحابه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في باب الهاء في الهزبر ما قاله بشر بن أبي عوانة «٥» ، لما قتل الأسد، وقد أحسن إبراهيم بن محمد المغربي ﵀ حيث قال:

стр. 953

حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكثير العصائبا «١» وليل رجونا أن يهبّ عذاره ... فما اختطّ حتى صار بالفجر شائبا الليل: ولد الكروان، قالوا: «فلان أجبن من ليل» «٢» . وقال ابن فارس، في المجمل: يقال إن بعض الطير يسمى ليلا، ولا أعرفه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في حرف النون أن النهار ولد الحبارى والله أعلم. باب الميم مارية: بتشديد المثناة التحتية القطاة الملساء، وبالتخفيف البقرة الوحشية. وأما قولهم «٣» : «خذه ولو بقرطي مارية» . فهي مارية بنت ظالم بن وهب. وقيل: أم ولد جفنة. قال «٤» حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضّل يقال إنها أهدت إلى الكعبة قرطيها، وعليهما درتان كبيضتي الحمام، لم ير الناس مثلهما، ولم يدروا قدرهما ولا قيمتهما. يضرب في الشيء الثمين، أي لا يفوتنك بأي ثمن يكون. وسيأتي إن شاء الله تعالى، بعد هذا بأوراق يسيرة، في ترجمة المقوقس، ذكر مارية القبطية، أم ولد النبي ﷺ وقريبها مابور. المازور: طائر مبارك ببحر المغرب، يتيامن به أصحاب السفن، يبيض عند سكون البحر، على السواحل، فإذا رأوا بيضه، عرفوا أن البحر قد سكن. وهذا الطائر إذا كانت السفن قريبة من مكان مخوف، أو دابة مضرة يأتي فيطير أمام المركب، فيصعد وينزل كأنه يخبرهم حتى يدبروا أمرهم، والملّاحون يعرفونه. ذكره في تحفة الغرائب. الماشية: الإبل والبقر والغنم، والجمع المواشي، سميت ماشية لرعيها وهي تمشي، وقيل لكثرة نسلها، يقال أمشى الرجل، إذا كثرت ماشيته، وفيه يقول الشاعر: وكلّ فتى وإن أثرى وأمشى ... ستخلفه عن الدنيا المنون روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «لا ترسلوا مواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس حتى تذهب فحمة العشاء» «٥» . وفي سنن أبي داود والترمذي، عن الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذنه، فإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب ولا يحمل» . قال الترمذي:

стр. 954

حسن صحيح والعمل عليه عند بعض أهل العلم، وبه قال أحمد واسحاق وقال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح. وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال «١» : «لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» . ومن أحكام الماشية أنها إذا أفسدت زرعا لغير مالكها، ولم يكن معها، فإن كان ذلك بالنهار لم يضمن، وإن كان بالليل ضمن، لما روى أبو داود وغيره عن حرام بن سعيد ابن محيصة، قال: إن ناقة للبراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، دخلت حائط قوم فأفسدت، فقضى النبي ﷺ أن على أهل الأموال حفظ أموالهم بالنهار، وعلى أهل المواشي ما أصابته مواشيهم بالليل. وقد تقدم في الغنم فرع له تعلق بهذا. تذنيب : إذا اشترك أهل الزكاة في ماشية زكوا زكاة الرجل الواحد، فلو كان أحدهم كافرا أو مكاتبا، فلا أثر لخلطته وهي تسمى خلطة ملك، وخلطة أعيان وخلطة اشتراك، وإذا خلطا مجاورة فكذلك الحكم لقوله «٢» ﷺ : «لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» . ورواه البخاري ويشترط في هذه أن لا تتميز في المشرع والمسرح والمراح، وهو موضع الحلب بفتح اللام. وكذا الراعي والفحل على الصحيح، ولا تشترط النية على الصحيح، لأن خفة المؤنة واتحاد المرافق لا يختلف بالقصد وعدمه، والله تعالى أعلم. مالك الحزين: قال الجوهري: إنه من طير الماء، وقال ابن بري، في حواشيه إنه البلشون. قال: وهو طائر طويل العنق والرجلين انتهى. قال الجاحظ: من أعاجيب الدنيا أمر مالك الحزين لأنه لا يزال يقعد بقرب المياه، ومواضع نبعها من الأنهار وغيرها، فإذا نشفت يحزن على ذهابها، ويبقى حزينا كئيبا، وربما ترك الشرب حتى يموت عطشا، خوفا من زيادة نقصها بشربه منها. قال: وقريب من هذا دودة تضيء بالليل كضوء الشمع، وتطير بالنهار فيرى لها أجنحة، وهي خضراء ملساء غذاؤها التراب، لم تشبع منه قط، خوفا أن يفنى تراب الأرض فتهلك جوعا. قال: وفيها خواص كثيرة ومنافع واسعة. وهذا الطائر لما كان يقعد عند المياه التي انقطعت عن الجري، وصارت مخزونة، سمي مالكا، ولما كان يحزن على ذهابها سمي بالحزين، وهو عطف بيان لمالك، كما يقال: أبو حفص عمر. وقال التوحيدي، في كتاب الامتناع والمؤانسة: مالك الحزين ينشل الحيتان من الماء فيأكلها، وهي طعامه، وهو لا يحسن السباحة، فإن أخطأه الانتشال، وجاع طرح نفسه على شاطىء البحر وفي بعض ضحضاحاته، فإذا اجتمع إليه السمك الصغار، أسرع إلى خطف ما استطاع منها. ولا يحتاج إلى تزاوج ولا سفاد.

стр. 955

وحكمه : حل الأكل. ومن خواصه : أن لحمه غليظ بارد يولد إدمان أكله البواسير، وقد تقدم في خطبة الكتاب، أن ضبط هذا كان من جملة الأسباب الباعثة على تأليفه، خوفا من تصحيف لفظه. وتحريفه، والله تعالى الموفق. المتردية: هي التي وقعت في بئر، أو من مكان عال فماتت، ولا فرق بين أن تقع بنفسها أو بسبب آخر، فإنها متردية. وحكمها : تحريم الأكل بالإجماع. المجثّمة: بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة، هي التي تلقى على الأرض مربوطة، وتترك حتى تموت. قال القزويني: الجثوم للطير والناس بمنزلة البروك للبعير، ومنه قوله «١» تعالى: جاثِمِينَ* أي بعضهم على بعض، وجاثمين باركين على الركب أيضا، روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ : «نهى عن الجلالة، وعن المجثمة، وعن الخطفة» «٢» . المثا: الفراش وقد تقدم ما فيه في باب الفاء. المربح: طائر من طير الماء قبيح الهيئة، قاله ابن سيده. المرء: الرجل تقول هذا مرء صالح، ورأيت مرءا صالحا، ومررت بمرء صالح، ولا يجمع على لفظه. وبعضهم يقول: المرؤون، وربما سموا الذئب مرءا. وذكر يونس أن قول الشاعر: وأنت امرء تعدو على كلّ غرة ... فتخطىء فيها تارة وتصيب يعني به الذئب، والله تعالى أعلم. المرزم: من طير الماء طويل الرجلين والعنق، أعوج المنقار في أطراف جناحيه سواد، أكثر أكله السمك. وحكمه : حل الأكل. المرعة: بضم الميم وفتح الراء والعين المهملتين، كالهمزة. طائر حسن اللون، طيب الطعم، على قدر السماني، وجمعها مرع بضم الميم وفتح الراء. قاله ثعلب وابن السكيت وهي تشبه الدراجة. وحكمها : حل الأكل. الخواص : قال ابن زاهر: إذا شق جوفها، ووضع على الشوك والنصل الغائص في اللحم أخرجه من غير مشقة. مسهر: قال هرمس: إنه طائر لا ينام الليل كله، وهو في النهار يطلب معاشه وله في الليل

стр. 956

صوت حسن يكرره ويرجعه يلتذ به كل من يسمعه، ولا يشتهي النوم سامعه من لذة سماعه. ومن خواصه : أنه إذا جفف دماغه في ظل، وأخذ منه وزن درهم، وسعط به إنسان مع دهن اللوز، لا ينام أصلا، ويصيبه من الكرب أمر عظيم، حتى يظنه من يراه أنه شارب خمر ومن أمسك رأس هذا الطائر في يده أو علقه عليه، أذهب الوحشة والوسواس عنه، وأورثه من الطرب ما يخرجه إلى حد الرعانة. المطية: الناقة التي يركب مطاها، أي ظهرها. وجمعها مطايا ومطي. وقال الجوهري: المطي واحد وجمع يذكر ويؤنث، والمطايا فعالى، وأصله فعائل، إلا أنه فعل به ما فعل بخطايا. قال أبو العميثل: المطية تذكر وتؤنث، ولما رأى الشيخ أبو الفضل الجوهري مدينة النبي ﷺ أنشد يقول: رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام قد زوّرتنا خير من وطىء الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام الذمام بالذال المعجمة: الحرمة. وقال السهيلي، في غزوة مؤتة: وإذا المطي بنا بلغن محمدا هو من شعر أبي نواس، قال: وقد أحسن في ذلك، وقد أساء الشماخ حيث قال «١» : إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين وعرابة هذا رجل من الأنصار، وكان من الأجواد. قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيت رجلا طائفا بالبيت الحرام حاملا أمه على ظهره وهو يقول: إني لها مطية لا تذعر ... إذا الركاب نفرت لا تنفر ما حملت وأرضعتني أكثر ... الله ربي ذو الجلال أكبر وذكر ابن خلكان وغيره، أن أمدح بيت قالته العرب، قول «٢» جرير لعبد الملك بن مروان: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح وأهجى بيت قالته العرب قول «٣» الأخطل يهجو جريرا: قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار وأحكم بيت قالته العرب قول «٤» طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد

стр. 957

وأحمق بيت قالته العرب، قول «١» القائل، وهو الأعشى أبو محجن الثقفي: إذا متّ فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي بعد موتي عروقها ولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها وروى في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه، أنه قال لابن أبي محجن الثقفي: أبوك الذي يقول: إذا متّ فادفني، البيتين فقال «٢» : أبي الذي يقول: وقد أجود وما مالي بذي قنع ... وأكتم السرّ فيه ضربة العنق وأغزل بيت قالته العرب قول «٣» جرير: إنّ العيون التي في طرفها حور ... قتلننا ثم لم تحيين قتلانا يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله إنسانا فائدة : روى الطبراني في الدعوات، من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الجنة وبها ينجو من النار» . وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تسبوا الدنيا ففيها تصلون، وفيها تصومون، وفيها تعملون، فإن قيل: كيف يجمع بين هذا، وبين قوله «٤» ﷺ : «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما» . فالجواب ما قاله شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، في آخر الفتاوى الموصيلة: إن الدنيا التي لعنت هي المحرمة التي أخذت بغير حقها أو صرفت إلى غير مستحقها. وقد تقدم في باب الباء الموحدة في ذكر البعوض، ما قاله الشيخ أبو العباس القرطبي في ذلك وهو حسن فراجعه. وفي الحديث «٥» : «بئس مطية الرجل زعموا» شبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه، ويتوصل به إلى غرضه من قوله: زعموا كذا وكذا بالمطية التي يتوصل بها إلى الحاجة، وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا ثبت فيه. وإنما يحكى على الألسن على سبيل البلاغ، فذم من الحديث ما هذا سبيله. وفي الكشاف وغيره أن النبي ﷺ قال: «زعموا مطية الكذب» . وقال ابن عمر وشريح: لكل شيء كنية، وكنية الكذب زعموا. قال ابن عطية: ولا يوجد زعم مستعملة في فصيح الكلام، إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، وتبقى عهدته على الزاعم، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم، وقول سيبويه زعم الخليل كذا إنما يجيء فيما تفرد الخليل به. تتمة : قال شيخ الإسلام النووي: روينا بالإسناد الصحيح، في جامع الترمذي وغيره، عن

стр. 958

أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن يضرب الناس آباط المطي في طلب العلم، فلا يجدون عالما أعلم من عالم المدينة» . قال الترمذي: حديث حسن. قال: وقد روي عن سفيان ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس انتهى. والحديث المذكور رواه النسائي والحاكم، في أوائل المستدرك من حديث ابن عيينة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «١» : «يوشك أن تضربوا أكباد الإبل فلا تجدوا عالما أعلم من عالم المدينة» ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه انتهى. قلت: إنما لم يخرجه مسلم لأنه سأل البخاري عنه فقال: له علة وهي أن أبا الزبير، لم يسمع من أبي صالح، ولما روى النسائي، في السنن الكبرى هذا الحديث، من رواية ابن عيينة، عن ابن جريج عن أبي الزناد، عن أبي هريرة عقبه بقوله: هذا خطأ. والصواب عن أبي الزبير عن أبي صالح عن أبي هريرة وقيل: عالم المدينة عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني الزاهد، روى عنه ابن عيينة وابن المبارك وغيرهما. وكان من أزهد أهل زمانه وأشدهم تخليا للعبادة. وروي أن الرشيد قال: والله إني أريد الحج كل سنة، ما يمنعني من ذلك إلا رجل من ولد عمر ﵁ يسمعني ما أكره يعني العمري. توفي العمري سنة أربع وثمانين ومائة بعد مالك بنحو ست سنين وهو ابن ست وستين سنة. قال عمر بن شبة: حدثنا أبو يحيى الزهري، قال: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري عند موته: بنعمة ربي أحدث، لو أن الدنيا أصبحت تحت قدمي، لا يمنعني من أخذها إلا أن أزيل قدمي عنها ما أزلتها، وكتب العمري إلى مالك وابن أبي ذئب وابن دينار وغيرهم بكتب، أغلظ لهم فيها، فجاوبه مالك جواب فقيه. قال ابن عبد البر، في التمهيد: كتب العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، ويرغبه به عن الاجتماع عليه في العلم، فكتب إليه مالك أن الله قسم الأعمال، كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي فيه من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر. ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم الله له والسلام. وفي الإحياء، في الباب السادس من أبواب العلم، يحكى أن يحيى بن يزيد النوفلي، كتب إلى مالك بن أنس: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد في الأولين والآخرين من يحيى بن يزيد إلى مالك بن أنس، أما بعد فقد بلغني أنك تلبس الرقاق، وتأكل الرقاق، وتجلس على الوطاء، وتجعل على بابك حجابا، وقد جلست مجلس العلم، وضربت إليك آباط المطي، وارتحل إليك الناس، فاتخذوك إماما ورضوا بقولك، فاتق الله يا مالك، وعليك بالتواضع. كتبت إليك بالنصيحة مني كتابا، ما اطلع عليه إلا الله والسلام.

стр. 959

فكتب إليه مالك بن أنس: بسم الله الرحمن الرحيم من مالك بن أنس إلى يحيى بن يزيد، سلام عليك أما بعد فقد وصل إلي كتابك، فوقع مني موقع النصيحة من المشفق، أمتعك الله بالتقوى، وجزاك وخولك بالنصيحة خيرا، وسأل الله التوفيق، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأما ما ذكرت، من أني آكل الرقاق وألبس الرقاق وأجلس على الوطاء، فنحن نفعل ذلك ونستغفر الله تعالى، وقد قال سبحانه: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «١» وإني لا أعلم أن ترك ذلك، خير من الدخول فيه، فلا تدعنا من كتابك فإنا ليس ندعك من كتابنا والسلام. وفيه أيضا وروي أن الرشيد أعطاه ثلاثة آلاف دينار فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق، قال لمالك: ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان ﵁ الناس على القرآن. فقال له: أما حمل الناس على الموطأ فليس إلى ذلك سبيل، فإن أصحاب محمد ﷺ افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا فعند أهل كل مصر علم، وقد قال ﷺ : «اختلاف أمتي رحمة» وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال ﷺ : «المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» . وقال «٢» ﷺ : «المدينة تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد» . وهذه دنانيركم كما هي، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها. يعني إنما تكلفني الخروج معك، ومفارقة المدينة بما اصطنعته لدي. فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله ﷺ . وهذا يدل على زهده في الدنيا رحمه الله تعالى. وفيه أيضا أن الشافعي ﵀، قال: شهدت مالكا ﵀ وقد سئل عن ثمان وأربعين مسألة؛ فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري وهذا يدل على أنه كان يريد بعلمه وجه الله تعالى، فإن من يريد غير وجه الله بعلمه لا تسمح نفسه بأن يقر على نفسه بأنه لا يدري. ولذلك قال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك البحر، وما أحد أمن علي من مالك. وقيل: إن أبا جعفر المنصور منعه من رواية الحديث في طلاق المكره، ثم دس عليه من سأله؛ فروى عن ملأ من الناس: ليس على مكره طلاق. فضربه بالسياط. فانظر كيف اختار ضرب السياط، ولم يترك رواية الحديث. وفي الحلية أن الشافعي ﵀، قال: قالت لي عمتي، ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبا! فقلت لها: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قائلا يقول لي: مات الليلة أعلم أهل الأرض. قال الشافعي: فحسبنا ذلك فإذا هي ليلة مات مالك بن أنس رحمه الله تعالى. وقال عبد الرحمن بن مهدي: لا أقدم على مالك أحدا. وكان مالك يقول: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير، لم يكن للناس فيه خير. وفي الحلية أيضا، قال مالك: ما بت ليلة إلا رأيت فيها رسول الله ﷺ انتهى. وكان مالك ﵀ إماما عالما عابدا زاهدا ورعا عارفا بالله تعالى، وكان مبالغا في تعظيم علم الدين، لا سيما حديث رسول الله ﷺ ، فإنه كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر

стр. 960

فراشه، وسرح لحيته وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث. فقيل له في ذلك، فقال: إني أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ . وكان يقول: العلم نور يجعله الله حيث شاء، وليس هو بكثرة الرواية وقد مدحه بعض العلماء فقال «١» : يدع الكلام فلا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان سيما الوقار وعز سلطان التقى ... فهو المهيب وليس ذا سلطان توفي الإمام مالك رحمه الله تعالى، في سنة تسع وسبعين ومائة. المعراج: دابة عظيمة عجيبة مثل الأرنب صفراء اللون، على رأسها قرن واحد أسود، لم يرها شيء من السباع والدواب إلا هرب. ذكرها القزويني في جزائر البحار. المعز: بفتح الميم والعين المهملة وتسكينها لغتان: نوع من الغنم خلاف الضأن وهي ذوات الشعور والأذناب القصار، وهو اسم جنس وكذلك المعيز والأمعوز والمعزى وواحد المعز ماعز، مثل صاحب وصحب، وتاجر وتجر، والأنثى ما عزة والجمع مواعز. وأمعز القوم كثرت معزاهم. وكنيتها أم السخال. وفي حديث علي ﵁: وأنتم تنفرون منه نفور المعزى من وعوعة الأسد أي صوته، ووعوعة الناس ضجتهم. وروى البزار وابن قانع أن النبي ﷺ قال: «احسنوا إلى المعزى، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة» . وفي الحديث: «استوصوا بالمعزى خيرا فإنه مال رقيق، وأنقوا عطنه» . أي نقوا مرابضها مما يؤذيها من حجارة وشوك وغير ذلك، وهي مع ذلك موصوفة بالحمق، وتفضل على الضأن بغزارة اللبن وثخانة الجلد، وما نقص من ألية المعز، زاد في شحمه، ولذلك قالوا: ألية المعز في بطنه. ولما خلق الله تعالى جلد الضأن رقيقا غزر صوفه، ولما خلق جلد المعز ثخينا قلل شعره، فسبحان اللطيف الخبير. الخواص : لحمه يورث الهم والنسيان، ويولد البلغم، ويحرك السوداء، لكنه نافع جدا لمن به الدماميل، وقرن المعز الأبيض يسحق ويشد في خرقة ويجعل تحت رأس النائم، فإنه لا ينتبه مادام تحت رأسه. ومرارة التيس تخلط بمرارة البقر، وتلطخ بها فتيلة، وتجعل في الأذن تزيل الطرش وتمنع نزول الماء. وإذا اكتحل بمرارة التيس بعد نتف الشعر الذي في باطن الجفن منع من انباته، ويمنع أيضا من الغشاوة اكتحالا، ومن العشا ويقلع اللحمة الزائدة التي يقال لها التوتة، وينفع طلاء من الورم الذي يقال له داء الفيل. وأكل مخه يورث الهم والنسيان ويحرك السوداء. قال الرئيس ابن سينا: بعر المعزى يحلل الخنازير بقوة فيه، وإذا احتملته المرأة بصوفة منع سيلان الدم من الفرج ويقطع النزيف. ابن مقرض: بضم الميم وكسر الراء وبالضاد المعجمة، دويبة كحلاء اللون، طويلة الظهر

стр. 961

ذات قوائم أربع أصغر من الفأر، تقتل الحمام وتقرض الثياب، ولذلك قالوا: ابن مقرض. الحكم : حكى الرافعي في حله الوجهين، في ابن عرس وقال: إنه الدلق، قال في المهمات: الصحيح على ما يقتضيه كلام الرافعي الحل. وقد وقعت المسألة في الحاوي الصغير، على الصواب فأباح ابن مقرض وحرم ابن عرس. وقد تقدم في باب الدال المهملة الكلام على الدلق مستوفى، والله الموفق. المقوقس: طائر معروف مطوق سواده في البياض، كالحمام وهو لقب لجريج بن مينا القبطي ملك مصر، وكان من قبل هرقل، ويقال: إن هرقل عزله لما رأى ميله إلى الإسلام. وأهدى لرسول الله ﷺ فرسا يقال له الزاز، وبغلته الدلدل، وحمارا أو غلاما خصيا اسمه مابور. وقد ذكره ابن منده وأبو نعيم في أصحاب رسول الله ﷺ غلطا في ذلك فإنه لم يسلم ومات على نصرانيته. ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. ومابور المذكور كان ابن عم مارية القبطية، وكان يأوي إليها فقال الناس: علج يدخل على علجة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فبعث عليا ليقتله، فقال: يا رسول الله أقتله أم أرى رأيي فيه؟ فقال ﷺ : «بل ترى رأيك فيه» فلما رأى الخصي عليا، ورأى السيف في يده، تكشف فإذا هو مجبوب ممسوح فرجع علي إلى النبي ﷺ ، وأخبره بذلك فقال ﷺ : «إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» . وروى «١» مسلم في آخر باب التوبة، بعد حديث الإفك عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن رجلا كان متهما بأم ولد رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ لعلي: «اذهب فاضرب عنقه» . فأتاه علي فإذا هو على ركى يتبرد فيها، فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر فكف علي عنه ثم أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنه لمجبوب. والذي رواه الطبراني، في هذه القصة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ دخل على مارية القبطية أم ولده إبراهيم، وهي حامل به فوجد عندها نسيبا لها، كان قد قدم معها من مصر فأسلم وحسن إسلامه، وكان يدخل عليها وأنه رضي من مكانه من أم ولد رسول الله ﷺ أن يجب نفسه فقطع ما بين رجليه، حتى لم يبق لنفسه قليلا ولا كثيرا، فدخل رسول الله ﷺ يوما على أم ولده إبراهيم، فوجد قريبها عندها، فوقع في نفسه من ذلك شيء كما يقع في أنفس الناس، فرجع متغير اللون، فلقي عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبره بما وقع في نفسه من قريب أم إبراهيم، فأخذ عمر رضي الله تعالى عنه السيف، وأقبل يسعى حتى دخل على مارية فوجد قريبها ذلك، عندها فأهوى إليه بالسيف ليقتله، فلما رأى ذلك منه كشف عن نفسه، فلما رأى ذلك عمر رضي الله تعالى عنه، رجع إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره، فقال له رسول الله ﷺ : «ألا أخبرك يا عمر أن جبريل أتاني فأخبرني أن الله قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي، وبشرني أن في بطنها غلاما مني وأنه أشبه الخلق بي، وأمرني أن أسميه إبراهيم، وكناني بأبي إبراهيم، ولولا أني أكره أن أحول كنيتي التي عرفت بها، لتكنيت بأبي إبراهيم كما كناني

стр. 962

جبريل» . ثم مات الخصي في زمن عمر فجمع الناس لشهود جنازته وصلى عليه عمر ودفن بالبقيع. وأهدى المقوقس أيضا للنبي ﷺ قدحا من قوارير، كان ﷺ يشرب فيه، وثيابا من قباطي مصر ومطرفا من مطرفاتهم، وطرفا من طرفهم، وألف مثقال ذهبا وعسلا من عسل بنها. فأعجب النبي ﷺ العسل ودعا في عسلها بالبركة. ووصلت الهدايا إلى النبي ﷺ سنة سبع وقيل سنة ثمان. وهلك المقوقس في ولاية عمرو بن العاص ودفن في كنيسة أبي يحنس على نصرانيته. وكان الرسول إليه من قبل النبي ﷺ حاطب بن بلتعة رضي الله تعالى عنه الذي شهد له بالإيمان، وكان حاطب عاقلا لبيبا حازما لا يخدع، باع بعض أصحابه بيعة غبن فيها لغيبة حاطب فقال «صفقة لم يحضرها حاطب» ، فضرب ذلك مثلا في شراء كل صفقة ربح بائعها. قال حاطب: لما بعثني النبي ﷺ إلى المقوقس، جئته بكتاب رسول الله ﷺ فأنزلني في منزله، وأقمت عنده ليالي، ثم بعث إلي وقد جمع بطارقته، فقال: إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهمه مني. قال: فقلت: هلم. فقال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبيا؟ قال: قلت: بلى. قال: هو رسول الله؟ قلت: بلى هو رسول الله ﷺ . قال: فما باله، حيث كان هكذا لم يدع على قومه، لما أخرجوه من بلده إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم أتشهد أنه رسول الله؟ قال: كذا. قلت: فما باله، حيث أخذه قومه، وأرادوا صلبه، لم يدع عليهم بأن يهلكهم الله، بل رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أحسنت أنت حكيم من حكيم. المكاء: بضم الميم وبالمد والتشديد طائر يصوت في الرياض، يسمى مكاء لأنه يمكو أي يصفر كثيرا ووزنه فعال كخطاف. والأصوات في الأكثر تأتي على فعال بتخفيف العين كالبكاء والصراخ والرغاء والنباح والجؤار ونحوه. وجمعه المكاكي وهذا الطائر يصفر ويصوت كثيرا. قال البغوي في تفسير المكاء: الصفير وهو في اللغة اسم طائر أبيض يكون بالحجاز له صفير، وقال ابن السكيت في إصلاح المنطق: يقال: مكا الطائر ومكا الرجل يمكو مكوا، إذا جمع يديه وصفر فيهما، وكأنهم اشتقوا له هذا الاسم من الصياح. وجمعه المكاكي والمكاء الصفير قال الله تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً «١» أي صفيرا أو تصفيقا. وقال ابن قتيبة: المكاء الصفير أي بالتخفيف والمكاء بالتشديد طائر يصفر في الرياض ويمكو أي يصفر. قال الشاعر: إذا غرّد المكاء في غير روضة ... فويل لأهل الشاء والحمرات قال البطليوسي في الشرح: إن المكاء إنما يألف الرياض فإذا غرد في غير روضة، فإنما يكون ذلك لإفراط الجدب وعدم النبات، وعند ذلك يهلك الشاء والحمير، فالويل لمن لم يكن له مال غيرهما.

стр. 963

والحمرات في البيت: جمع حمر بضم الميم، وحمر جمع حمار بمنزلة كتاب وكتب. ويجوز أن يكون جمع حمير كقضيب وقضب. وقولهم: حمير ليس بجمع ولكنه اسم للجمع، بمنزلة العبيد والكتيب قال ابن عطية: والذي مربي، من أمر العرب، في غير ما ديوان، أن المكاء والتصدية كانا من فعل العرب قديما قبل الإسلام، على جهة التقرب به والتشرع. قال: ورأيت عن بعض أقوياء العرب، أنه كان يمكو على الصفا فيسمع من حراء وبينهما أربعة أميال. انتهى. وكذلك كان مخرمة بن قيس بن عبد مناف يصفر عند البيت فيسمع من حراء، وكان قبل مولد النبي ﷺ عام الفيل، وكانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. وقال القزويني: المكاء من طير البادية يتخذ أفحوصا عجيبا، وبينه وبين الحية عداوة، فإن الحية تأكل بيضه وفراخه. وحدث هشام بن سالم أن حية أكلت بيض مكاء، فجعل المكاء يشرشر أي يرفرف على رأسها ويدنو منها، حتى إذا فتحت فاها ألقى في فيها حسكة فأخذت بحلق الحية فماتت. المكلفة: طائر، قال الجاحظ: لما كانت العقاب سيئة الخلق تبيض ثلاث بيضات، فتخرج فراخها فتلقى واحدا منها، فيأخذه هذا الطائر الذي يتكلف به قيل له: المكلفة ويسمى كاسر العظام، فيربيه كما تقدم اهـ. واختلفوا في سبب فعل العقاب ذلك، فقال بعضهم: لأنها لا تحضن إلا بيضتين، وقال بعضهم: بل تحضن الثلاثة، لكنها ترمي بفرخ من فراخها استثقالا للكسب على الثلاثة. وقال آخرون: ليس كذلك إلا لما يعتريها من الضعف عن الصيد كما يعتري النفساء من الوهن. وقيل: لأنها سيئة الخلق كما تقدم. ولا يستعان على تربية الولد إلا بالصبر. وقيل: لأنها كثيرة الشره وإذا لم تكن أم الفراخ تؤثر أولادها على نفسها ضاعت أولادها. قال هؤلاء: والفرخ الذي ترمي به العقاب من الثلاثة، يحضنه طائر يقال له المكلفة ويسمونه كاسر العظام أيضا، فيربيه كما تقدم والله تعالى أعلم. الملكة: كالسمكة حية طولها شبر أو أكثر، على رأسها خطوط بيض تشبه التاج، فإذا انسابت على الأرض، أحرقت كل شيء مرت عليه، وإن طار طائر فوقها سقط عليها، وإذا بدت تنساب هرب من بين يديها جميع الدواب. ومن أكل تلك الحية من السباع أو غيرها مات. وهي قليلة الظهور للناس. ومن خواصها الغريبة أن من قتلها فقد حاسة الشم في الحال، ولا يمكن بعد ذلك علاجه. المنارة: سمكة تخرج من البحر، على شكل المنارة، فترمي بنفسها على السفينة فتكسرها وتغرق أهلها، فإذا أحس الناس بها ضربوا بالطسوس والبوقات لتبعد عنهم، وهي محنة عظيمة في البحر. قاله أبو حامد الأندلسي. المنخنقة: هي البهيمة المأكولة تنخنق بحبل حتى تموت، وكانت العرب تفعله حرصا على الدم، لأن العرب كانوا يأكلون الدم، ويسمونه الفصيد، ويقولون: إن اللحم دم جامد. فحرم

стр. 964

الله تعالى المنخنقة لما ينحبس فيها من الدم، قال الرافعي: ويستثنى من المنخنقة الجنين فإنه مات بقطع النفس عنه وهو حلال. فرع : لو ذبح بهيمة وقطع أوداجها، ثم خنقها ومنع خروج الدم حتى ماتت بقطع النفس، فيحتمل حلها، لأنها لما قطعت أوداجها حصلت الذكاة الشرعية، ولا أثر لحبس الدم كما لا أثر له في مصيد الجوارح إذا مات الصيد بالمثقل، ولم تدرك ذكاته أو رماه بسهم فمات، فإنه حلال وإن انحبس فيه الدم، ويحتمل التحريم، وهو ما أجاب به شيخنا الأسنوي رحمه الله تعالى، لأن الحكمة في الذكاة خروج الدم ولم يوجد، فأشبهت المنخنقة. وبالقياس على ما لو خنقها أولا ثم أسرع فقطع الأوداج والحياة مستقرة، ثم ماتت بقطع النفس. والفرق بين هذا، وبين مصيد الجوارح أن الذبح هناك غير مقدور عليه، فانتفت حكمته لعدم القدرة عليه والقدرة ههنا موجودة فافترق البابان، ولأنا لو قلنا بحلها لم يكن لتحريم الخنق معنى، لأنه يمكن التوصل إليه بهذا الطريق والله أعلم. المنشار: سمكة في بحر الزنج كالجبل العظيم من رأسها إلى ذنبها مثل أسنان المنشار من عظام سود، كالأبنوس كل سن منها كذراعين وعند رأسها عظمان طويلان، كل عظم مقدار عشرة أذرع، تضرب بالعظمين ماء البحر يمينا وشمالا، فيسمع له صوت هائل، ويخرج الماء من فيها وأنفها فيصعد نحو السماء، ثم يعود إلى المركب رشاشه كالمطر. وإذا دخلت تحت سفينة كسرتها، فإذا رآها أهل السفن ضجوا إلى الله تعالى، حتى يدفعها عنهم. كذا ذكره، في عجائب المخلوقات، وهي داخلة في عموم السمك والله أعلم. الموق وذة: قال الزجاج: هي التي تقتل ضربا، يقال: وقذتها أقذها وقذا، وأوقذتها أوقذها إيقاذا إذا أثخنتها ضربا انتهى. قال «١» الفرزدق يهجو جريرا: كم عمة لك يا جرير وخالة ... فدعاء قد حلبت علي عشاري سعارة تقذّ الفصيل برجلها ... فطّارة لقوادم الأبكار قوله: فدعاء هي التي أصابها الفدع، وهو ورم في القدم، والعشار: النوق، واحدها عشراء وهي التي مضى عليها تسعة أشهر، وطعنت في العاشر، وهي حامل. وقوله: تقذ الفصيل أي تضربه إذا دنا منها عند الحلب، وفطارة مأخوذ من الفطر، وهو الحلب بأطراف الأصابع، فإن كان بجميع الأصابع فهو الصب، وهو إنما يكون في الكبار من النوق، وأما الصغار من النوق فإنما تحلب بأطراف الأصابع، لصغر ضروعها. وفي معنى الموقوذة ما يرمى من الطير بالسهام التي لا نصل لها أو بحجر ونحوه فتموت. وقد سئل ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن الطير يموت بالبندقة، فقال: هو وقيذ. قلت: الظاهر عدم جواز رمي الطير بالبندق، إذا علم أنه يقتل غالبا، وكذلك الطومار والحجر لأنه من باب اتلاف الحيوان لغير منفعة والله تعالى أعلم. الموق: بالضم نمل له أجنحة وسيأتي إن شاء الله تعالى ما في النمل في باب النون.

стр. 965

المول: العنكبوت الواحدة مولة، وأنشدوا: حاملة ذلول لا محموله ... ملأى من الماء كعين الموله المها: بالفتح جمع مهاة، وهي البقرة الوحشية والجمع مهوات، وقيل: المها نوع من البقر الوحشي إذا حملت الأنثى من المها هربت من البقر، ومن طبعها الشبق، والذكر لفرط شهوته يركب ذكرا آخر، وهي أشبه بالمعز الأهلية، وقرونها صلاب جدا، وبها يضرب المثل في سمن المرأة وجمالها قال «١» الشاعر: خليلي إن قالت بثينة: ماله ... أتانا بلا وعد؟ فقولا لها: لها سها وهو مشغول لعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السّها سها بثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم تبق يوما بها بها لها مقلة نجلاء كحلاء خلقة ... كأن أباها الظبيّ أو أمها مها دهتني بود قاتل وهو متلفي ... وكم قتلت بالود من ودّها دها فائدة : روى الطبراني، في معجمه الكبير بإسناد رجاله ثقات، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: نزل الركن الأسود من السماء، فوضع على أبي قبيس، كأنه مهاة بيضاء، فمكث أربعين سنة، ثم وضع على قواعد إبراهيم ﷺ . وروى «٢» في الأوسط والكبير أيضا، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: «الحجر الأسود من حجارة الجنة وما في الأرض من الجنة غيره وكان أبيض كالمهاة ولولا ما مسه من رجس الجاهلية ما مسه ذو عاهة إلا برىء» . وفي إسناده محمد بن أبي ليلى، وفيه كلام. وروى هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه، قال: بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف بالبيت، إذا هو برجل يطوف، وعلى عنقه مثل المهاة، يعني حسنا وجمالا وهو يقول: عدت لهذي جملا ذلولا ... موطأ أتبع السهولا أعدّ لها بالكفّ أن تميلا ... أحذر أن تسقط أو تزولا أرجو بذاك نائلا جزيلا «٣» فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: يا عبد الله من هذه التي وهبت لها حجك؟ قال: امرأتي يا أمير المؤمنين، وإنها لحمقاء مرغامة، أكول قمامة، لا تبقى لها خامة، فقال رضي الله تعالى عنه: ما لك لا تطلقها؟ قال: يا أمير المؤمنين إنها لحسناء لا تفرك، وأم صبيان لا تترك. قال: فشأنك بها. وحكى الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في كتاب الأذكياء، قال: قعد رجل على جسر بغداد فأقبلت امرأة من جهة الرصافة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم. فقالت المرأة: رحم الله أبا العلاء المعري، وما وقفا ومرا مشرقا ومغربا، قال: فتبعت

стр. 966

المرأة وقلت لها: إن لم تقولي لي ما قلتما فضحتك! فقالت: أراد قول «١» علي بن الجهم: عيون المها بين الرّصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري وأردت أنا قول أبي العلاء المعري: فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال فتركتها وانصرفت. وقد تقدم حكمها وأمثالها في باب الباء الموحدة في الكلام على البقر الوحشي. الخواص : مخها يطعم لصاحب القولنج ينفعه نفعا بينا، ومن استصحب معه شعبة من قرن المهاة نفرت منه السباع، وإذا بخر بقرنه أو جلده في بيت نفرت منه الحيات، ورماد قرنه يذر على السن المتأكلة يسكن وجعها، وشعره إذا بخر به البيت هرب منه الفأر والخنافس، وإذا أحرق قرنه وجعل في طعام صاحب الحمى الربع، فإنها تزول عنه بإذن الله تعالى، وإذا شرب في شيء من الأشربة زاد في الباه، وقوى العصب، وزاد في الإنعاظ، وإذا نفخ في أنف الراعف قطع دمه، وإذا أحرق قرناه حتى يصيرا رمادا وديفا بخل، وطلي به موضع البرص مستقبل الشمس، فإنه يزول بإذن الله تعالى، وإذا استف منه مقدار مثقال، فإنه لا يخاصم أحدا إلا غلبه. التعبير : المهاة في الرؤيا رجل رئيس كثير العبادة، معتزل عن الناس، ومن رأى عين المهاة، نال رياسة أو امرأة سمينة جميلة قصيرة العمر، ومن رأى رأسه تحول كرأس مهاة نال رياسة وغنيمة وولاية على ناس غرماء، ومن رأى كأنه مهاة فإنه يعتزل الجماعة، ويدخل في بدعة والله الموفق. المهر: ولد الفرس والجمع أمهار ومهار ومهارة، والأنثى مهرة بالضم والجمع مهر ومهرات. قال الربيع بن زياد العبسي: ومجنبات ما يذقن عذوفا ... يقذفن بالمهرات والأمهار وقد أحسن مهيار الديلمي في وصف المهرة حيث قال: قال لي العاذل: تسلو قلت: مه ... إنّ أسباب هواها محكمه مهرة تسمع في السرج لها ... تحت من يعلو عليها حمحمه وقيل لبعض الحكماء: أي المال أشرف؟ قال: فرس يتبعها فرس في بطنها فرس. وقال الجوهري: في الحديث «٢» : «خير المال مهرة مأمورة، وسكة مأبورة» ، أي كثيرة النتاج والنسل. والسكة الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة الملقحة، ومعنى الكلام خير المال نتاج أو زرع، وملخص هذا أن الجوهري ﵀ جعله في موضع حديثا، وفي موضع من كلام الناس. كذا قاله الإمام الحافظ شرف الدين الدمياطي، في كتاب الخيل، في آخر الباب الأول. قلت:

стр. 967

وهذا عجيب من الجوهري مع سعة حفظه، وغزارة علمه والصواب أنه حديث رواه أحمد والطبراني والله أعلم. إشارة : كان أبو عبد الله محمد بن حسان البسري، من الأولياء ذوي الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، وأنه خرج للغزاة مرة، فبينما هو في فلاة من الأرض إذ مات مهره الذي كان يركبه، فقال: اللهم أعرنا إياه فقام المهر حيا بإذن الله تعالى، فلما وصل إلى بسر، أخذ السرج عنه فسقط ميتا. وكان ﵀، إذا كان شهر رمضان دخل بيتا وقال لامرأته: طيني علي الباب وألقي إلي كل ليلة رغيفا من الكوة، فإذا كان يوم العيد فتحت الباب ودخلت فتجد الثلاثين رغيفا في زاوية البيت فلا يأكل ولا يشرب ولا ينام رضي الله تعالى عنه. وفي الأنساب لابن السمعاني، أن أبا عبد الله المذكور منسوب إلى بصرى، قرية من قرى الشأم فأبدلت الصاد سينا على قياس قولهم في السويق الصويق والسراط الصراط انتهى. وقال ابن الأثير: هذا كله خطأ في النقل والنحو، أما النقل فإنه منسوب إلى بسر قرية معروفة، وأما النحو فإبدال الصاد سينا ليس على إطلاقه إنما ذلك مع حروف معلومة، وقد ذكره الحافظ أبو القاسم بن عطاء الدمشقي، في تاريخ دمشق، وقال: إنه من قرية بسر وهذا هو الصواب والله تعالى أعلم. قلت: والحروف التي تبدل معها السين صادا هي: الحاء والطاء والعين والقاف بشرط أن تكون السين متقدمة وأحد هذه الحروف متأخرا والله تعالى أعلم. ملاعب ظله: القرلي المتقدم ذكره، في باب القاف، وربما قيل له: خاطف ظله. قال الكميت: وريطة فتيان كخاطف ظلّه ... جعلت لهم منها خباء ممددا كذا قاله الجوهري. قال: قال ابن سلمة: هو طائر يقال له الرفراف، إذا رأى ظله في الماء أقبل إليه ليخطفه. أبو مزينة: سمك في البحر على صورة الرجال، يقال إنهم يظهرون بالاسكندرية والبرلس ورشيد على صورة بني آدم بجلود لزجة وأجساد متشاكلة، لهم بكاء وعويل إذا وقعت في أيدي الناس، وذلك أنهم ربما برزوا من البحر إلى البر، يتمشون فيقع بهم الصيادون، فإذا بكوا رحموهم وأطلقوهم كذا ذكره القزويني. ابنة المطر: قال في المرصع: إنها دويبة حمراء تظهر عقب المطر، فإذا نضب الثرى عنها ماتت. أبو المليح: الصقر وحكمه، تقدم في باب الصاد المهملة.

стр. 968

ابن ماء: قال في المرصع: إنه نوع من طير الماء، ويجمع على بنات ماء، فإذا عرفته قلت: ابن الماء بخلاف ابن عرس وابن آوى، لأنه لا يقع على أنواع من طير الماء، ويطلق على كل ما يألف الماء من أجناس الطير، وذلك يدل كل واحد منها على جنس مخصوص والله أعلم. باب النون الناب: المسنة من النوق، والجمع النيب. وفي المثل: «لا أفعل ذلك ما حنت النيب» سميت بذلك لطول نابها، ولا يقال للجمل: ناب، وناب القوم سيدهم، قاله الجوهري. الناس: جمع إنسان. قال الجوهري: والناس قد يكون من الإنس والجن، وقال كثير من المفسرين، في قوله «١» تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ معناه أعجب من خلق المسيح الدجال، ولم يذكر المسيح الدجال في القرآن، إلا في هذه الآية على هذا القول. وقيل: ذكر في قوله تعال يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ «٢» ، والمشهور أنه طلوع الشمس من مغربها. فرع : حلف لا يكلم الناس، حنث إذا كلم واحدا، كما لو قال: لا آكل الخبز، فإنه يحنث بما أكل منه، ولو حلف لا يكلم ناسا حمل على ثلاثة كذا صرح به الشيخان، وفاقا لابن الصباغ وغيره. وقال الماوردي والروياني: إذا حلف على معدود في نفي أو إثبات كالنساء والمساكين، فإن كانت يمينه على الإثبات كقوله: لأكلمن الناس، ولأتصدقن على المساكين لم يبر إلا بثلاثة، اعتبارا بأقل الجمع. وإن كانت يمينه على النفي كقوله: لا أكلم الناس حنث بالواحد، اعتبارا بأقل العدد، وهو واحد، والرق أن نفي الجمع ممكن وإثبات الجمع متعذر، فاعتبر أقل الجمع في الإثبات وأقل العدد في النفي والله تعالى أعلم. الناضح: البعير الذي يستقى عليه، سمي بذلك لأنه ينضح الماء، أي يصبه، والأنثى ناضحة وسانية والجمع نواضح. روى «٣» مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أو عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه شك الأعمش قال: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال ﷺ : «افعلوا» . فقال عمر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك غنى. فقال ﷺ : «نعم» . فدعا ﷺ بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع شيء يسير. فدعا رسول الله ﷺ بالبركة، ثم قال: «خذوا في أوعيتكم» . فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا. وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أني محمد رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» . وروى الحافظ أبو نعيم من طريق غيلان بن سلمة الثقفي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فرأينا منه عجبا، جاء رجل فقال: يا رسول الله إنه كان لي حائط فيه عيشي

стр. 969

وعيش عيالي، ولي فيه ناضحان فمنعا بي أنفسهما، وحائطي وما فيه، ولا أقدر على الدنو منهما، فنهض رسول الله ﷺ وأصحابه حتى أتى الحائط، فقال لصاحبه: «افتح الباب» فقال: إن أمرهما عظيم، فقال ﷺ : «افتح الباب» فلما حرك الباب أقبلا ولهما جلبة، فلما انفرج الباب، نظرا إلى رسول الله ﷺ فبركا ثم سجدا، فأخذ رسول الله ﷺ برؤوسهما ثم دفعهما إلى صاحبهما، وقال: «استعملهما وأحسن علفهما» . فقال القوم: تسجد لك البهائم أفلا تأذن لنا في السجود لك فقال ﷺ : «إن السجود ليس إلا للحي الذي لا يموت، ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» «١» . وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني وأبو بكر البيهقي، من حديث يعلى بن مرة، قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ ، إذا مررنا بناضح يستقى عليه، فلما رآه البعير جرجر ووضع جرانه وخطامه، فوقف رسول الله ﷺ وقال: «أين صاحب هذا؟» فجاءه فقال ﷺ : «بعنيه» فقال: بل نهبه لك، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال «٢» ﷺ : «إنه شكا إلي كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه» وذكر نحوه الحاكم، في المستدرك، من طريق يعلى. وقال: صحيح ولم يخرجاه. وفي رواية: «إنه جاء وعيناه تذرفان» وفي رواية: «أنه سجد للنبي ﷺ » ، وفي رواية أنه ﷺ قال: «أتدرون ما يقول زعم أنه خدم مواليه أربعين سنة» . وفي رواية: «عشرين سنة حتى كبر فنقصوا من علفه وزادوا في عمله حتى إذا كان لهم غرض أرادوا أن ينحروه غدا» . وفي رواية يعلى: «في طريق مكة» ، وفي رواية أنه ﷺ ، قال لأصحابه: «لا تنحروه وأحسنوا إليه حتى يأتي أجله» . الناقة: الأنثى من الإبل، قال الجوهري: الناقة تقديرها فعلة بالتحريك، لأنها جمعت على نوق مثل بدنة وبدن، وخشبة وخشب، وفعلة بالتسكين لا تجمع على ذلك، وقد جمعت في القلة على أنوق. ثم استثقلوا الضمة على الواو فقدموها. فقالوا: أونق. حكاها يعقوب عن بعض الطائيين، ثم عوضوا من الواو ياء، فقالوا: أينق ثم جمعوها على أيانق. وقد تجمع الناقة على نياق مثل ثمرة وثمار إلا أن الواو صارت ياء لكسرة ما قبلها، وأنشد أبو زيد للقلاخ بن حزن: أبعدكن الله من نياق ... إن لم تنجين من الوثاق وبعير منوق أي مذلل مروض، وناقة منوقة اهـ. وكنية الناقة أم بو وأم حائل وأم حوار وأم السقب وأم مسعود ويقال لها بنت الفحل وبنت الفلاة وبنت النحائب. روى الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي ﷺ يسير في سفر، فلعن رجل ناقة، فقال ﷺ : «أين صاحب هذه الناقة؟» فقال الرجل: أنا. فقال ﷺ : «أخّرها فقد أجبت فيها» . وروى مسلم وأبو داود والنسائي، عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، قال: بينما

стр. 970

النبي ﷺ في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال «١» : «خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة» . قال عمران: فكأني أراها الآن ورقاء تمشي في الناس، ما يعرض لها أحد. وفي رواية: لا تصحبنا ناقة عليها لعنة الله. قال ابن حبان: إنما أمر ﷺ بإرسالها، لأنه ﵇ تحقق إجابة الدعوة فيها، فمتى علم استجابة الدعاء من لاعن ما أمرناه بإرسال دابته، ولا سبيل إلى علم هذا لانقطاع الوحي فلا يجوز استعمال هذا الفعل لأحد أبدا. وقيل: إنما قال ﷺ هذا زجرا لها ولغيرها. وقد كان سبق نهيها ونهي غيرها عن اللعن، فعوقبت بإرسال الناقة. والمراد النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق. وأما بيعها وذبحها وركوبها في غير تلك الطريق، وغير ذلك من التصرفات، التي كانت جائزة قبل هذا فهي باقية على الجواز، لأن النهي إنما ورد في المصاحبة، فيبقى الباقي كما كان. والورقاء بالمد التي يخالط بياضها سواد، والذكر أورق. وقد ورد في النهي عن اللعن أحاديث، منها ما روى مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» . وفيه أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «٢» : «لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا» . وفي رواية «٣» الترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا الفاحش ولا البذي» . وفي سنن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، فتهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا، فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن، فإن كان أهلا لذلك نزلت عليه وإلا رجعت إلى قائلها» . وفي شعب البيهقي، أن عبد الله بن أبي الهذيل كان إذا لعن شاة لم يشرب من لبنها، وإذا لعن دجاجة لم يأكل من بيضها. فائدة : وأما قوله تعالى: ناقَةُ اللَّهِ* «٤» فهو إضافة خلق إلى خالق تشريفا وتخصيصا، قيل: إن صالحا ﵊ أتى بالناقة من قبل نفسه، وقال الجمهور: بل سألوه أن يدعو ربه أن يخرج لهم آية من صخرة يقال لها الكائبة ناقة عشراء، فدعا الله فانشقت عن ناقة عظيمة، يروى أنها كانت حاملا، فولدت وهم ينظرون إليها سقبا قدرها، فعقرها قدار بن سالف، وهو أشقى الأولين. فَتَعاطى فَعَقَرَ «٥» أي قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يديه فضربها. روي أن سيد ثمود جندع بن عمرو قال: يا صالح أخرج لنا من هذه الصخرة، لصخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها الكائبة، ناقة مخترجة جوفاء وبراء عشراء. فصلى صالح ركعتين، ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم تحركت فانصدعت عن ناقة مخترجة

стр. 971

جوفاء وبراء وعشراء، كما وصفوا، لا يعلم ما بين جنبيها عظما إلا الله تعالى، وهم ينظرون ثم نتجت سقبا مثالها في العظم فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه. فقال لهم صالح ﵇: هذه ناقة الله لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. فمكثت الناقة، ومعها سقبها في أرض ثمود، ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يوم شربها، وضعت رأسها في بئر في الحجر، يقال لها بئر الناقة لا ترفع رأسها حتى تشرب كل ما فيها، فلا تدع فيها قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج لهم، فيحلبون منها ما شاؤوا من لبن، فيشربون ويدخرون ويملؤون أوانيهم كلها. ثم تصدر من غير الفج الذي وردت منه، لأنها لا تقدر أن تصدر من حيث جاءت. فإذا كان الغد كان يومهم، فيشربون من الماء ما شاؤوا، أو يدخرون ما شاؤوا فهم من ذلك في بر ودعة. وكانت الناقة تصيف، إذا كان الحر، بظهر الوادي، فتهرب منها المواشي إلى بطن الوادي، في حره وجدبه، وتشتو إذا كان الشتاء ببطن الوادي، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب، فأضر ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار، فكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربهم، وحملهم ذلك على عقر الناقة، فعقرها قدار بن سالف، وهو أشقى الأولين. وكان أحمر أزرق قصيرا ملتزق الخلق، واسم أمه قديرة. روي أنه ولد على فراش سالف، ولم يكن من ظهره، فدعته امرأة يقال لها عنيزة، وكانت عجوزا مسنة، وكانت ذات بنات حسان، وذات مال من إبل وبقر وغنم. وكان قدار عزيزا منيعا في قومه، فقالت له: أعطيك أي بناتي شئت، على أن تعقر الناقة. فانطلق قدار فكمن لها في أصل شجرة على طريقها، فلما مرت به شد عليها بالسيف فعقرها، فذلك قوله «١» تعالى: فَتَعاطى فَعَقَرَ أي قام على أطراف أصابع رجليه، ثم رفع يديه فضربها، فجرت ورغت رغاءة واحدة تحذر سقبها، فانطلق السقب حتى أتى جبلا منيعا، يقال له صنو. وأتى صالح ﵇ فقيل له: أدرك الناقة، فقد عقرت، فأقبل وخرجوا يتلقونه يعتذرون إليه. ويقولون له: يا نبي الله إنما عقرها فلان، لا ذنب لنا. فقال: انظروا هل تدركون فصيلها، فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب، فخرجوا يطلبونه، فلما رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول في السماء حتى ما يناله الطير. وقدار بضم القاف ثم دال مهملة مخففة ثم ألف ثم راء مهملة هكذا ذكره جميع أهل التواريخ وغيرهم. ووقع في المهذب، في باب الهدنة، أن اسمه العيزار بن سالف، وهو وهم بلا خلاف. وكان عقر الناقة يوم الأربعاء، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرة، كأنما طليت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإنثاهم فأيقنوا بالعذاب، وكان صالح ﵊ قد أخبرهم بذلك. وخرج هاربا منهم فشغلهم عنه ما نزل بهم، من عذاب الله، فجعل بعضهم يخبر بعضا ما يرون في وجوههم، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يوم من الأجل، فلما أصبحوا يوم الجمعة إذا وجوههم محمرة، كأنما خضبت بالدماء، فلما أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل، فلما أصبحوا يوم السبت إذا وجوههم مسودة كأنما طليت بالقار، فلما

стр. 972

أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى الأجل وحضركم العذاب، فلما كان يوم الأحد، لما اشتد الضحى، أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء له صوت يصوت به في الأرض، فقطعت قلوبهم في صدورهم، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. وكان الذي آمن بصالح ﵊ من ثمود أربعة آلاف، فخرج بهم صالح إلى حضرموت، فلما حضرها صالح مات، فسميت حضرموت. ثم بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها حاضور. كذا قاله محمد بن اسحاق ووهب وجماعة. وقال قوم من أهل العلم: توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وأقام في قومه عشرين سنة. وروى أحمد والطبراني والبزار بإسناد صحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال «١» : «لا تسألوا نبيكم الآيات فإن قوم صالح سألوا نبيهم أن يبعث لهم آية فبعث الله لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج فتشرب ماءهم يوم ورودها وتصدر من هذا الفج فعتوا عن أمر ربهم فعقروا الناقة، فقيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام أو قيل لهم: إن العذاب يأتيكم إلى ثلاثة أيام، ثم جاءتهم الصيحة فأهلكت من تحت أديم السماء منهم في مشارق الأرض ومغاربها إلا رجلا واحدا كان في حرم الله تعالى فمنعه من عذاب الله » . قالوا: يا رسول الله من هو؟ قال: «أبو رغال» . قيل: ومن أبو رغال؟ قال: «جد ثقيف» . وفي رواية فلما خرج أصابه ما أصاب قومه فدفن ودفن معه غصن من ذهب. وأراهم ﷺ قبر أبي رغال، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم وحفروا عنه واستخرجوا ذلك الغصن. وروى الطبراني عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، أن النبي ﷺ قال «٢» : «أشقى الناس ثلاثة: عاقر ناقة ثمود وابن آدم الأول الذي قتل أخاه، ما سفك على الأرض دم إلا لحقه منه إثم، لأنه أول من سن القتل وقاتل علي بن أبي طالب» . رضي الله تعالى عنه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر، في غزوة تبوك، أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم ﵊ أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة. وفي رواية «٣» جابر أنه ﷺ قال لأصحابه: «لا يدخلن أحد منكم القرية ولا تشربوا من مائها ولا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين خشية أن يصيبكم مثل ما أصابهم» . وروى «٤» مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله تعالى، فقال له ﷺ : «لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة مخطومة» . وروى «٥» أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم عن أبي بن كعب قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 973

عاملا فمررت برجل، فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدّ ابنة مخاض، فإنها صدقتك. فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذه ناقة فتية سمينة فخذها فامتنع أبي بن كعب، وترافعا إلى رسول الله ﷺ فقال له: «ذاك الذي عليك فإن تطوعت فخير أجرك الله فيه وقبلناه منك» . قال: ها هي يا رسول الله قد جئتك بها فخذها، فأمره رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة. وفي كامل ابن عدي وسنن البيهقي وشعب الإيمان عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أرسل ناقتي وأتوكل، أم أعقلها وأتوكل؟ فقال ﷺ : «بل اعقلها وتوكل» . وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: إن رجلا ادعى عليه عند النبي ﷺ بسرقة ناقة، فقال: ما سرقتها. فقال ﷺ : «احلف» فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما سرقتها. فنزل جبريل على النبي ﷺ فقال: إنه سرقها، ولكن غفر الله له كذبه، بصدقه بلا إله إلا هو. فقال له النبي ﷺ : «أخذتها فردها إليه» فردها إليه. وفي رواية قال له النبي ﷺ : «إن الله غفر لك كذبك بصدقك بلا إله إلا الله» . وروى «١» الحاكم عن النعمان بن سعد قال: كنا جلوسا عند علي رضي الله تعالى عنه، فقرأ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً «٢» فقال: لا والله ما على أرجلهم يحشرون ولا يساقون سوقا، ولكن يؤتون بنوق من نوق الجنة، لم تنظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب وأزمتها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة. ثم قال: صحيح الإسناد. وروى «٣» الحاكم أيضا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ إذ دخل أعرابي جهوري الصوت بدوي على ناقة حمراء، فأناخها بباب المسجد، ودخل فسلم على النبي ﷺ ثم قعد فلما قضى نحبه، قالوا: يا رسول الله إن الناقة التي تحت الأعرابي سرقة قال ﷺ : «أثمّ بينة» قالوا: نعم يا رسول الله. فقال ﷺ : «يا علي خذ حق الله من الأعرابي إن قامت عليه البينة، وإن لم تقم فرده إلي» فأطرق الأعرابي ساعة، فقال له النبي ﷺ : «قم يا أعرابي لأمر الله وإلا فأدل بحجتك» . فقالت الناقة من خلف الباب: والذي بعثك بالحق والكرامة يا رسول الله إن هذا ما سرقني وما ملكني أحد سواه. فقال له النبي ﷺ : «يا أعرابي بالذي أنطقها بعذرك ما الذي قلت» ؟ قال: قلت: اللهم إنك لست برب استحدثناك، ولا معك إله أعانك على خلقنا ولا معك رب فنشكّ في ربوبيتك، أنت ربنا كما نقول، وفوق ما يقول القائلون أسألك أن تصلي على محمد وأن تريني براءتي. فقال له النبي ﷺ : «الذي بعثني بالكرامة يا أعرابي لقد رأيت الملائكة يبتدرون أفواه الأزقة يكتبون مقالتك فأكثر الصلاة علي» . ثم قال الحاكم: رواته ثقات، لكن فيهم يحيى بن عبد الله المصري، لست أعرفه بعدالة ولا جرح. وقد تقدم في البعير حديث رواه الطبراني قريب من هذا.

стр. 974

وفي المستدرك أيضا، في ترجمة صهيب ﵁، عن كعب الأحبار، عن صهيب بن سنان، قال: كان النبي ﷺ يدعو: «اللهم إنك لست بإله استحدثناه، ولا برب ابتدعناه، ولا كان لنا قبلك من إله نلجأ إليه، ونذرك ولا أعانك على خلقنا أحد فنشركه معك، تباركت وتعاليت» «١» قال كعب الأحبار: كان نبي الله ﷺ يدعو به، ثم قال: صحيح الإسناد. في المستدرك أيضا، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ نزل بأعرابي فأكرمه، فقال له النبي ﷺ : «يا أعرابي سل حاجتك» . فقال: يا نبي الله ناقة نرحلها، وأعنزا يحلبها أهلي. فقال ﷺ : «أعجز هذا أن يكون مثل عجوز بني إسرائيل» . قالوا: يا رسول الله، وما عجوز بني إسرائيل؟ قال ﷺ : «إن بني إسرائيل خرجوا من مصر، فضلوا الطريق، وأظلم عليهم، فقالوا: ما هذا؟ قال علماؤهم: إن يوسف ﵊، لما حضرته الوفاة، أخذ علينا موثقا من الله، أن لا نخرج حتى ننقل عظامه معنا، فقال موسى ﵊: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: عجوز لبني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دليني على قبر يوسف، قالت: وتعطيني ما أسألك؟ فقال: وما سؤالك؟ قالت: أكون معك في الجنة. فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، ففعل» . ورواه الطبراني وأبو يعلى الموصلي بنحوه. وفي رواية، في غير المستدرك أنها كانت مقعدة عمياء، وأنها قالت لموسى: لا أخبرك عن موضع قبره حتى تعطيني أربع خصال: تطلق رجلي وبصري وشبابي وأكون معك في الجنة. فأوحى الله إليه أن أعطها ما سألتك، فإن ما تعطي علي، ففعل. فانطلقت بهم إلى مستنقع ماء، فاستخرجته من شاطىء النيل، في صندوق من مرمر، فلما فكوا تابوته طلع القمر، وأضاءت الطريق مثل النهار، فاهتدوا وحملوه معهم إلى الشام فدفنه موسى ﵇ عند آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب صلى الله عليهم وسلم. وعاش يوسف بعد أبيه يعقوب ثلاثا وعشرين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة. وفي المستدرك وغيره، عن معاذ رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول «٢» : «من قاتل في سبيل الله قدر فواق ناقة وجبت له الجنة» . وفواق الناقة ما بين الحلبتين من الراحة وتضم فاؤه وتفتح. وفي الحديث أيضا: «عيادة المريض قدر فواق الناقة» . وفي أخبار معن بن زائدة الشيباني أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغل وحمار وجارية. ثم قال: لو علمت أن الله خلق مركوبا يحمل عليه غير هذا لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخز بجبة وقميص وعمامة ودراعة وسراويل ومنديل ومطرف ورداء وكساء وجورب وكيس. ولو علمنا شيئا آخر يتخذ من الخز غير هذا لأعطيناك إياه. قال بعضهم: رحم الله معنا، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنه كان عربيا محضا لم يتدنس بقاذورات العجم. وذكر ابن خلكان في ترجمته أنه جلس يوما فرأى راكبا فقال: ما أحسب هذا يريد غيري، فلما وصل أنشد قائلا «٣» :

стр. 975

أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فما أطيق العيال إذ كثروا ألحّ دهر رمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا «١» فقال: يا فلان ناقتي الفلانية وألف دينار، فدفعهما إليه وهو لا يعرفه. ومحاسن معن كثيرة، وتولى الولايات العظيمة، وتولى في آخر عمره سجستان، فبينما هو ذات يوم في داره والصناع يعملون بين يديه، اندس بينهم قوم من الخوارح فقتلوه وهو يحتجم وهربوا، فتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة فقتلهم عن آخرهم. وكان قتله في سنة إحدى أو اثنتين أو ثمان وخمسين ومائة ﵀. ورثاه الشعراء بمراث كثيرة، فمن المراثي النادرة أبيات الحسن «٢» بن مطر الأزدي، وهي في الحماسة منها: ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا ثم مربعا «٣» فيا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا ويا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطّت للمكارم مضجعا بلى وقد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدّعا فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مربعا ولما مضى معن مضى الجود وانقضى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا وحكمها : كالإبل. الأمثال : قالوا: «لا ناقتي «٤» فيها ولا جملي» وأصل المثل للحارث بن عبادة. وقيل: أول من قاله صدوف بنت حليس العذرية، وخبرها مشهور في الأمثال. ومما أنشد في ذلك قول «٥» الراعي: وما هجرتك حتى قلت معلنة ... لا ناقة لي في هذا ولا جمل وقال الطغرائي «٦» في لاميته: فيم الإقامة بالزوراء لا سكني ... بها ولا ناقتي فيها ولا جملي يضرب عند التبري من الظلم أو الإساءة وأطال فيه أصحاب الأمثال، وقالوا: «استنوق الجمل» «٧» أي صار ناقة، يضرب للرجل يكون في حديث أو صفة شيء ثم يخلطه بغيره. وينتقل

стр. 976

منه إليه. قال الجوهري: وأصله أن طرفة بن العبد، كان عند بعض الملوك، والمسيب بن عبس ينشد شعرا في وصف جمل، ثم حوله إلى نعت ناقة، فقال طرفة: قد استنوق الجمل. وخواصها : كالإبل أيضا. التعبير : الناقة في الرؤيا امرأة، فإن كانت من البخت فهي أعجمية، وإن كانت غير بختية فهي امرأة عربية. فمن رأى كأنه حلب ناقة تزوج امرأة صالحة، ومن كان متزوجا وحلب ناقة رزق ولدا ذكرا، وربما رزق بنتا. ومن رأى ناقة ومعها فصيلها، فإنه يدل على ظهور آية وفتنة عامة. وقال ابن سيرين: الناقة المحدوجة سفر في بر، ومن ركب ناقة مهرية في منامه سافر وقطع عليه الطريق. ومن حلب النوق في منامه فإنه يلي ولاية يجمع فيها الزكاة. ومن الرؤيا المعبرة أن ابن سيرين ﵀، أتاه رجل فقال له: رأيت رجلا يحلب من النوق البخت لبنا، ثم حلبها دما. فقال ابن سيرين: هذا رجل يتولى على الأعاجم ويجيبهم الزكاة وهي اللبن، ثم يظلمهم ويأخذ أموالهم غصبا، وهو الدم، فكان كذلك. ولحم النوق يدل على وفاء النذر لقول الله تعالى: كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ «١» وهو لحم الجزور. وقيل: لحم الجزور في الرؤيا مصيبة، وقيل مرض، وقيل: رزق، لقول الله تعالى: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ «٢» ومن عقر ناقة في منامه ندم على أمر فعله، وناله منه مصيبة لقول «٣» الله تعالى: فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ. وقيل: ركوب الناقة نكاح امرأة، فإن ركبها مقلوبا أتى امرأة في دبرها. ومن رأى ناقة صارت بغلة أو بعيرا، فإن زوجته لا تحمل أبدا. ومن ماتت ناقته ماتت امرأته، أو بطل سفره، وربما دلت الناقة على امرأة كثيرة الخصام، لكثرة رغائها. ومن رأى ناقة دخلت مدينة، فإنها فتنة لقول الله تعالى: إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ «٤» فإذا عقرت ناقة في مدينة، أصاب أهلها نكبة والله أعلم. الناموس: البعوض وقد تقدم في باب الباء الموحدة، وقال أبو حامد الأندلسي: الناموس دويبة تلسع الناس، وقال الجوهري: وناموس الرجل سره الذي يطلعه على باطن أمره، ويخصه بما يستره عن غيره. قال الزبيدي: وهو مشتق من نمس بالكلام إذا أخفاه، يقال: نمس الصائد إذا اختفى في الدريئة انتهى. وأهل الكتاب يسمون جبريل ﵇ الناموس الأكبر، لأنه يخفي الكلام حين يلقيه إلى الرسل عن الحاضرين، وفي الحديث أن ورقة بن نوفل قال لخديجة رضي الله تعالى عنها، وهو ابن عمها، وكان نصرانيا: لئن كان ما تقولين حقا، إنه ليأتيه الناموس الذي كان يأتي موسى.

стр. 977

وقد تقدم هذا في باب الفاء، في الفاعوس، وتقدم في الفاعوس الكلام على لفظ الناموس. وما جاء على وزن فاعول ولام الفعل منه سين. الناهض: فرخ العقاب، وقد تقدم ما في العقاب في باب العين المهملة. النباج: كرمان الهدهد الكثير القرقرة وسيأتي ما فيه في باب الهاء. النبر: بالكسر دويبة شبيهة بالقراد لكنها أصغر منه إذا دبت على البعير تورم مدبها، والجمع نبار وأنبار. قال «١» الراجز شبيب بن البرصاء «٢» : كأنها من بدن وإيقار ... دبت عليها ذربات الأنبار ويروى: عاربات الأنبار، والأنبار أيضا ضرب من السباع، قاله ابن سيده. قال البطليوسي، في الشرح: ويروى هذا البيت بالفاء، وهو أفعال من الشيء الوافر، ويروى بالقاف يريد أنها أو قرت بالشحوم ومعنى الرواية الأولى، أن هذه من سمنها ووفورها دبت عليها الأنبار فلسعتها، وقوله ذربات، في معناها وجهان: أحدهما أنها الحديدة اللسع مأخوذة من قولهم: سكين ذرب ومذرب، أي حادة، والثاني أنها مسمومة، يقال: ذربت السهم إذا سقيته السم ويقال للسم الذرب انتهى. النجيب: من الإبل والخيل، ومن الرجال الكريم، والجمع نجباء وأنجاب والنجائب جمع نجيبة، روى «٣» أبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: إن عمر رضي الله تعالى عنه أهدي نجيبة فطلبت منه بثلاثمائة دينار، فسأل رسول الله ﷺ في أن يبيعها، ويشتري بثمنها بدنا. فنهاه عن ذلك، وقال: «بل انحرها» . وكذلك رواه الإمام أحمد والبخاري في تاريخه. وفي المثل: أنجبت المرأة إذا ولدت النجباء والمنتجب المختار من كل شيء. روى الحاكم في المستدرك، عن عبد الله بن الوليد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: لقد حج الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما خمسا وعشرين حجة ماشيا، وأن النجائب لتقاد بين يديه. وفي الحلية سئل محمد بن علي بن الحسين، المعروف بالباقر أحد الأئمة الإثني عشر، على رأي الإمامية، عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فقال: أما علمت أن لكل قوم نجيبة، وأن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وروى «٤» الإمام أحمد والبزار والطبراني وغيرهم باختصار، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنه لم يكن نبي إلا وقد أعطي سبعة رفقاء نجباء ووزراء، وإني أعطيت أربعة عشر: حمزة وجعفر، وعلي وحسن وحسين، وأبو بكر وعمر وعثمان، وعبد الله بن مسعود وأبوذر والمقداد، وعمار وسليمان وبلال» .

стр. 978

وفي بعض طرق الطبراني مصعب بن عمير، وفيه كثير الشواء، وهو من صغار التابعين، وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات. وفي الحديث: «إن الله يحب التاجر النجيب» أي الفاضل الكريم السخي. وقال «١» ابن مسعود: سورة الأنعام من نجائب القرآن أي من أفاضل سوره. النحام: طائر على خلقة الأوز، واحدته نحامة يكون آحادا وأزواجا في الطيران، وإذا أراد المبيت اجتمع رفوفا فذكوره تنام، وإناثه لا تنام، وتعد لها مبايت، فإذا نفرت من واحد ذهبت إلى آخر. ويقال: إن الأنثى تبيض من زق الذكر من غير سفاد، فإذا باضت نفرت. وبقي الذكر عند البيض، يذرق عليه فيقوم الذرق مقام الحضن، فإذا تمت مدته خرجت الفراخ لا حراك بها فتأتي الأنثى فتنفخ في مناقيرها حتى تجري الريح فيها روحا، ثم يتعاون الذكر والأنثى على التربية. وفي الذكر غلظ طبع وقلة وفاء، فإنه إذا رأى فراخه قد قويت على الطعم ضربها وطردها، فتذهب الأم معها فلا تقرب الذكر إلى وقت السفاد. الحكم : يحل أكله لأنه من الطيبات، ولأن النبي ﷺ أكله. روى ابن النجار، في ذيل تاريخ بغداد، في ترجمة سهل بن عبيد بن سورة الخراساني الأصبهاني أنه حدث عن اسماعيل بن هارون، عن الصعق بن حزن، عن مطر الوراق، قال «٢» : أهدي للنبي ﷺ طير يقال له النحام فأكله واستطابه، وقال: «اللهم أدخل إلي أحب خلقك اليك» وأنس رضي الله تعالى عنه بالباب، فجاء علي رضي الله تعالى عنه، فقال: يا أنس استأذن لي على رسول الله ﷺ ، فقال: إنه على حاجة، فدفع صدره ودخل، فقال ﵁: يوشك أن يحال بيننا وبين رسول الله ﷺ ، فلما رآه ﷺ قال: «اللهم وال من والاه» . وفي الكامل لابن عدي، في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي، أن الطير المشوي كان حجلا. وفيه، في ترجمة جعفر بن ميمون، أنه كان حبارى. وفي المستدرك أن التي أهدته للنبي ﷺ أم أيمن رضي الله تعالى عنها. قلت: حديث «٣» الطير خرجه الترمذي، وقال: غريب. والبغوي في حسان المصابيح، وخرجه الحربي، وزاد بعد قوله: أهدي للنبي ﷺ طير، وكان مما يعجبه أكله. وزاد بعد قوله فجاء علي بن أبي طالب فقال: استأذن لي على رسول الله ﷺ فقلت: ما عليه إذن، ولكن أحب أن يكون رجلا من الأنصار. ورواه الطبراني وأبو يعلى والبزار، من عدة طرق كلها ضعيفة. وخرجه عمر بن شاهين، ولم يذكر زيادة الحربي. وقال بعد قوله: فجاء علي فرددته: ثم جاء فرددته، فدخل في الثالثة أو في الرابعة فقال له النبي ﷺ : «ما حبسك عني أو ما أبطأك عني يا علي» ؟ قال: جئت فردني أنس ثم جئت فردني أنس، فقال ﷺ : «يا أنس ما حملك على ما صنعت؟» قال: رجوت أن يكون رجلا من الأنصار. فقال ﷺ : «يا أنس أوفي الأنصار خير من علي أو أفضل من علي» ؟.

стр. 979

وعن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: أهدت امرأة لرسول الله ﷺ طيرين بين رغيفين، فقدمتهما إليه، فقال ﷺ : «اللهم ائتني بأحب خلقك إليك وإلى رسولك» . ثم ذكر معنى الحديث. قال الحاكم: وقد رواه عن أنس جماعة أكثر من ثلاثين نفسا. ثم صحت الرواية عن علي وأبي سعيد وسفينة وهو من الأحاديث المستدركة على المستدرك. قال الذهبي في تلخيصه: لقد كنت زمنا طويلا أظن أن حديث الطير لم يجسر الحاكم أن يودعه في مستدركه فلما علقت هذا الكتاب، رأيت الهول من الموضوعات التي فيه والله أعلم. النحل: ذباب العسل، وقد تقدم في باب الذال المعجمة، في لفظ الذباب، أن النبي ﷺ قال في تفسير سورة النساء: «الذباب كله في النار إلا النحل» «١» . وواحدة النحل نحلة كنخل ونخلة. وقرأ يحيى بن وثاب: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ «٢» بفتح الحاء. والجمهور بالإسكان. قال الزجاج: سميت نحلا لأن الله تعالى نحل الناس العسل، الذي يخرج منها، إذ النحلة العطية وكفاها شرفا قول الله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ «٣» فأوحى سبحانه إليها وأثنى عليها فعلمت مساقط الأنواء من وراء البيداء، فتقع هناك على كل حرارة عبقة، وزهرة أنقة، ثم تصدر عنها بما تحفظه رضابا وتلقطه شرابا. قال القزويني، في عجائب المخلوقات: يقال ليوم عيد الفطر يوم الرحمة، إذ فيه أوحى الله إلى النحل صنعة العسل، فبين سبحانه أن في النحل أعظم اعتبار، وهو حيوان فهيم ذو كيس وشجاعة، ونظر في العواقب، ومعرفة بفصول السنة. وأوقات المطر، وتدبير المرتع والمطعم، والطاعة لكبيره، والاستكانة لأميره وقائده، وبديع الصنعة وعجيب الفطرة. قال أرسطو: النحل تسعة أصناف: منها ستة يأوي بعضها إلى بعض. قال: وغذاؤها من الفضول الحلوة والرطوبات التي يرشح بها الزهرة والورق، ويجمع ذلك كله ويدخره، وهو العسل وأوعيته، ويجمع مع ذلك رطوبات دسمة، يتخذ منها بيوت العسل، وهذه الدسومات هي الشمع، وهو يلقطها بخرطومه ويحملها على فخذيه، وينقلها من فخذيه إلى صلبه، هكذا قال. والقرآن يدل على أنها ترعى الزهر، فيستحيل في جوفها عسلا وتلقيه من أفواهها، فيجتمع منه القناطير المقنطرة قال الله تعالى: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ «٤» وقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ «٥» المراد به بعضها، نظيره قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «٦» يريد البعض واختلاف الألوان في العسل بحسب اختلاف النحل والمرعى، وقد يختلف طعمه لاختلاف المرعى. ومن هذا المعنى قول زينب رضي الله تعالى عنها للنبي ﷺ : جرست نحلة العرفط، حين شبهت رائحته برائحة المغافير والحديث مشهور في الصحيحين وغيرهما. ومن شأنه في تدبير معاشه أنه إذا أصاب موضعا نقيا بنى فيه بيوتا من الشمع أولا، ثم بنى

стр. 980

البيوت التي تأوي فيها الملوك، ثم بيوت الذكور التي لا تعمل شيئا. والذكور أصغر جرما من الإناث وهي تكثر المادة داخل الخلية، وإن طارت فهي تخرج بأجمعها وترتفع في الهواء ثم تعود إلى الخلية. والنحل تعمل الشمع أولا، ثم تلقي البزر لأنه لها بمنزلة العش للطير، فإذا ألقته قعدت عليه وحضنته، كما يحضن الطير، فيكون من ذلك البزر دود أبيض، ثم ينهض الدود وتغذي نفسها ثم تطير، وهي لا تقعد على أزهار مختلفة بل على زهر واحد، وتملأ بعض البيوت عسلا وبعضها فراخا، ومن عادتها أنها إذا رأت فسادا من ملك، إما أن تعزله وإما أن تعزله وإما أن تقتله، وأكثر ما تقتل خارج الخلية. والملوك لا تخرج إلا مع جميع النحل، فإذا عجز الملك عن الطيران، حملته. وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك، في آخر الكتاب، في لفظ اليعسوب. ومن خصائص الملك أنه ليس له حمة يلسع بها، وأفضل ملوكها الشقر، وأسوؤها الرقط بسواد. والنحل تجتمع فتقسم الأعمال فبعضها يعمل العسل، وبعضها يعمل الشمع، وبعضها يسقي الماء، وبعضها يبني البيوت، وبيوتها من أعجب الأشياء لأنها مبنية على الشكل المسدس الذي لا ينحرف، كأنه استنبط بقياس هندسي. ثم هو في دائرة مسدسة، لا يوجد فيها اختلاف، فبذلك اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة، وذلك لأن الأشكال من الثلاث إلى العشر، إذا جمع كل واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينها فروج، إلا الشكل المسدس، فإنه إذا جمع إلى أمثاله اتصل، كأنه قطعة واحدة وكل هذا بغير مقياس منها ولا آلة ولا بركار، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير وإلهامه إياها، كما قال: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ الآية «١» . فتأمل كمال طاعتها وحسن امتثالها لأمر ربها، كيف اتخذت بيوتا في هذه الأمكنة الثلاثة الجبال والشجر وبيوت الناس حيث يعرشون؛ أي حيث يبنون العروش، فلا ترى للنحل بيتا في غير هذه الأمكنة الثلاثة البتة. وتأمل كيف كانت أكثر بيوتها في الجبال، وهي المتقدمة في الآية ثم الأشجار وهي دون ذلك، ثم فيما يعرش الناس وهي أقل بيوتها. فانظر كيف أداها حسن الامتثال إلى أن اتخذت البيوت قبل المرعى. فهي تتخذها أولا، فإذا استقر لها بيت خرجت منه فرعت وأكلت من الثمرات، ثم أوت إلى بيوتها، لأن ربها أمرها باتخاذ البيوت أولا، ثم الأكل بعد ذلك، وقال في الإحياء: انظر إلى النحل كيف أوحى الله إليها، حتى اتخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء والآخر شفاء. ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار، واحترازها من النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها، وهو أكبرها شخصا وهو أميرها، ثم ما سخر الله لأميرها من العدل والانصاف بينها، حتى إنه ليقتل منها على باب المنفذ، كل ما وقع منها على نجاسة، لقضيت من ذلك العجب، إن كنت بصيرا في نفسك، وفارغا من هم بطنك وفرجك، وشهوات نفسك، في معاداة أقرانك، وموالاة إخوانك. ثم دع عنك جميع ذلك، وانظر إلى بنيانها بيتا من الشمع، واختيارها من جميع الأشكال،

стр. 981

الشكل المسدس، فلا تبني بيتها مستديرا ولا مربعا ولا مخمسا، بل مسدسا لخاصية في الشكل المسدس، يقصر فهم المهندس عن درك ذلك، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستدير، وما يقرب منه فإن المربع تخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل، فترك المربع حتى لا تبقى الزوايا فارغة. ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإن الأشكال المستديرة، إذا اجتمعت لم تجتمع متراصة، بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة، إلا المسدس. وهذه خاصية هذا الشكل، فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ذلك لطفا به وعناية بوجوده، فيما هو محتاج إليه ليهنأ عيشه. فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه. وفي طبعه أنه يهرب بعضه من بعض، ويقاتل بعضه بعضا في الخلايا، ويلسع من دنا من الخلية، وربما هلك المسلوع، وإذا هلك شيء منها داخل الخلايا، أخرجته الأحياء إلى خارج، وفي طبعه أيضا النظافة، فلذلك يخرج رجيعه من الخلية، لأنه منتن الريح. وهو يعمل زماني الربيع والخريف، والذي يعمله في الربيع أجود. والصغير أعمل من الكبير، وهو يشرب من الماء ما كان صافيا عذبا، يطلبه حيث كان، ولا يأكل من العسل إلا قدر شبعه، وإذا قل العسل في الخلية، قذفه بالماء ليكثر، خوفا على نفسه من نفاده، لأنه إذا نفد، أفسد النحل بيوت الملوك وبيوت الذكور، وربما قتلت ما كان منها هناك. قال حكيم من اليونان لتلامذته: كونوا كالنحل في الخلايا، قالوا: وكيف النحل في الخلايا؟ قال: إنها لا تترك عندها بطالا إلا نفته وأبعدته، وأقصته عن الخلية، لأنه يضيق المكان، ويفني العسل، ويعلم النشيط الكسل. والنحل يسلخ جلده كالحيات، وتوافقه الأصوات اللذيذة المطربة ويضره السوس. ودواؤه أن يطرح له في كل خلية كف ملح، وأن يفتح في كل شهر مرة، ويدخن باخثاء البقر. وفي طبعه أنه متى طار من الخلية يرعى ثم يعود، فتعود كل نحلة إلى مكانها لا تخطئه. وأهل مصر يحولون الخلايا في السفن ويسافرون بها إلى مواضع الزهر والشجر، فإذا اجتمع في المرعى فتحت أبواب الخلايا، فيخرج النحل منها ويرعى يومه أجمع، فإذا أمسى عاد إلى السفينة وأخذت كل نحلة منها مكانها من الخلية لا تتغير عنه. روى «١» الإمام أحمد والحاكم والترمذي والنسائي، من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا نزل عليه الوحي، سمع عنده دوي كدوي النحل، فنزل عليه ﷺ يوما، فمكثنا ساعة، ثم سري عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا» . ثم قال ﷺ : «لقد أنزل الله علي عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة» . ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ «٢» الآيات. قال: صحيح الإسناد.

стр. 982

قال النحاس: معنى أقامهن، عمل بهن ولم يخالف ما فيهن، كما يقال: فلان يقوم بعمله. وروى البيهقي من حديث أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا، لما خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده قال لها: تكلمي، فقالت: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «١» . وروى «٢» ابن ماجه، عن أبي بشر بكر بن خلف قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن موسى بن أبي عيسى الطحان، عن عون بن عبد الله، عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن مما تذكرون من جلال الله التسبيح والتهليل والتحميد، ينعطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل، تذكر بصاحبها. أما يحب أحدكم أن يكون له أو لا يزال له من يذكر به» ؟ ورواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. والدوي صوت ليس بالعالي. وفي حديث الإيمان: يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقوله. وفي المستدرك عن أبي سبرة الهذلي، قال: قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما فحدثني حديثا عن رسول الله ﷺ فهمته وكتبته بيدي: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما حدث به عبد الله بن عمرو عن محمد رسول الله ﷺ : «إن الله لا يحب الفاحش ولا المتفحش، ولا سوء الجوار ولا قطيعة الرحم» . ثم قال «٣» ﷺ : «إنما مثل المؤمن كمثل النحلة، وقعت فأكلت طيبا، ثم سقطت ولم تفسد ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذهب الأحمر، أدخلت النار فنفخ عليها فلم تتغير ووزنت فلم تنقص. فذلك مثل المؤمن» . ثم قال: صحيح الإسناد. وفي المعجم الأوسط للطبراني بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل بلال كمثل النحلة، غدت تأكل من الحلو والمر ثم هو حلو كله» . وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة والطبراني أن النبي ﷺ قال: «المؤمن كالنحلة تأكل طيبا وتضع طيبا، وقعت فلم تكسر ولم تفسد» . وفي شعب البيهقي، عن مجاهد، قال: صاحبت عمر رضي الله تعالى عنه من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك وكل شأنه منافع، وكذلك النحلة كل شأنها منافع» . قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة، حذق النحل وفطنته، وقلة أذاه وخفارته ومنفعته، وقنوعه وسعيه في النهار، وتنزهه عن الأقذار، وطيب أكله، فإنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره. وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله، منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك المؤمن له آفات تفتر به عن علمه منها: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السعة، ونار الهوى انتهى.

стр. 983

وفي مسند الدارمي، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنه قال: كونوا في الناس كالنحلة في الطير إنه ليس في الطير شيء إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة، ما فعلت ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم. فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب. وفيه «١» أيضا، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه سأل كعب الأحبار كيف تجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طيبة، ويكون ملكه بالشام، ليس بفحاش ولا صخاب في الأسواق، ولا يكافىء بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء وضراء يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل، يسمع مناديهم في جو السماء. غريبة : ذكر ابن خلكان، في ترجمة «٢» عبد المؤمن بن علي ملك الغرب، أن أباه كان يعمل الطين فخارا، وأنه كان في صغره نائما في دار أبيه، وأبوه يعمل في الطين، فسمع أبوه دويا في السماء، فرفع رأسه فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت مطبقة على الدار، فاجتمعت كلها على ولده وهو نائم، فغطته وأقامت عليه مدة، ثم ارتفعت عنه وما تألم منها. وكان بالقرب منهم رجل يعرف الزجر فأخبره أبوه بذلك، فقال: يوشك أن يجتمع على ولدك جميع أهل المغرب، فكان كذلك. وكان من أمر ولده ما اشتهر من ملك المغرب الأعلى والأدنى، ومات عبد المؤمن في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وقد تقدمت الإشارة إلى ذكر موته، في باب الجيم، في الجفرة. وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: تحقيرا للدنيا أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه فيها رجيع نحلة. وظاهر هذا أنه من غير الفم، كذا نقله عنه ابن عطية. والمعروف عنه أنه قال: إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم، فأشرف المطعوم العسل، وهو مذقة ذباب، وأشرف المشروب الماء، ويستوي فيه البر والفاجر، وأشرف الملبوس الحرير، وهو نسج دودة، وأشرف المركوب الفرس، وعليه تقتل الرجال، وأشرف المشموم المسك، وهو دم حيوان، وأشرف المنكوح المرأة، وهو مبال في مبال. والمحقق أن العسل يخرج من بطونها، لكن لا يدري أمن فمها أو من غيره، لكن لا يتم صلاحه إلا بحمي أنفاسها. فقد صنع ارسطاطالبس بيتا من زجاج لينظر إلى كيفية ما تصنع فأبت أن تعمل حتى لطخته من باطن الزجاج بالطين كذا قاله الغزنوي وغيره. وروينا في تفسير الكواشي الأوسط، أن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن من الأرض فيأتي النحل فيشربه، ثم يأتي الخلية، فيلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهمه بعض

стр. 984

الناس من أن العسل من فضلات الغذاء، وأنه قد استحال في المعدة عسلا، هذه عبارته. والله أعلم. لطيفة : اعلم أن الله تعالى جمع في النحلة السم والعسل دليلا على كمال قدرته، وأخرج منها العسل ممزوجا بالشمع. وكذلك عمل المؤمن ممزوجا بالخوف والرجاء. وفي العسل ثلاثة أشياء: الشفاء والحلاوة واللين، وكذلك المؤمن، قال «١» الله تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ويخرج من الشاب خلاف ما يخرج من الكهل والشيخ، وكذلك حال المقتصد والسابق، وأمرها الله تعالى بأكل الحلال، حتى صار لعابها شفاء ودواء. وكل الذباب في النار إلا النحل. ودواء الأطباء مر، ودواء الله حلو وهو العسل. وهي تأكل من كل الشجر، ولا يخرج منها إلا حلوا، ولا يغيرها اختلاف مأكلها. والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه وقوله «٢» تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ لا يقتضي العموم لكل علة، وفي كل إنسان، لأنه نكرة في سياق الإثبات، بل هو خبر عن أنه يشفي كما يشفي غيره من الأدوية في حال دون حال. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أنه كان لا يشكو شيئا إلا تداوى بالعسل، حتى كان يدهن به الدمل والقرحة والقرصة، ويقرأ هذه الآيات، وهذا يقتضي أنه كان يحمله على العموم. وروى ابن ماجه والحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال «٣» : «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين القرآن والعسل» . وروى «٤» ابن ماجه أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: «من لعق من العسل ثلاث غدوات من كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء» . وحكى النقاش عن أبي وجرة أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به من كل سقم. وروي أيضا عن عوف بن ملك رضي الله تعالى عنه أنه مرض فقال: ائتوني بماء فإن الله تعالى يقول «٥» : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً ثم قال: وائتوني بعسل وقرأ الآية، ثم قال: ائتوني بزيت فإنه من شجرة مباركة. فخلط الجميع ثم شربه فشفي. وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه، فقال ﵊: «اسقه عسلا» فسقاه، ثم جاءه فقال: يا رسول الله إني قد سقيته عسلا، فلم يزده إلا استطلاقا فقال ﵊: «اسقه عسلا» . ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال ﷺ «اسقه عسلا» . قال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال ﵊: «صدق الله وكذب بطن أخيك اسقه عسلا» فسقاه «٦» فبرىء.

стр. 985

فائدة : قد اعترض في هذا الحديث، وفي قوله «١» ﷺ : «عليكم بهذا العود الهندي» يعني الكست، فإن فيه سبعة أشفية: منها ذات الجنب، وقوله «٢» ﷺ : «الحمى من فيح جهنم فاطفؤها بالماء» ، وقوله «٣» ﷺ : «إن في الحبة السوداء الشفاء من كل داء إلا السام» يعني الموت. وقوله «٤» ﷺ : «الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين» . أما من في قلبه مرض من الملحدة فقال: الأطباء مجمعون على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال؟ ومجمعون أيضا على أن استعمال المحموم الماء البارد مخاطرة، وقرب من الهلاك، لأنه يجمع المسام ويحقن البخار المتحلل، ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم، فيكون سببا للتلف، وينكرون أيضا مداواة ذات الجنب بالقسط مع ما فيه من الحرارة الشديدة، ويرون ذلك خطرا، وهذا الذي قاله المعترض الملحد جهالة بينة وهو فيها كما قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ «٥» ونحن نشرح الأحاديث المذكورة في هذا الموضع، ونذكر ما قاله الأطباء في ذلك ليظهر جهل هذا المعترض. اعلم أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل حتى إن المريض يكون الشيء الواحد دواء له في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها بعارض يعرض له، من غضب يحمي مزاجه فيتغير علاجه، أو هواء يتغير، أو غير ذلك مما لا يحصى كثرة. فإذا وجد الشفاء بشيء في حالة ما لشخص ما، لم يلزم منه الشفاء به في سائر الأحوال ولجميع الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه، باختلاف السن والزمان والعادة، والغذاء المتقدم، والتدبير المألوف، وقوة الطباع. فإذا عرفت هذا، فاعلم أن الإسهال يحصل من أنواع كثيرة منها الإسهال الحادث من التخم والهيضات. وقد أجمع الأطباء، في مثل هذا، على أن علاجه بأن تترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى معين على الإسهال، أعينت مادامت القوة باقية، وأما حبسها فضرر عندهم. واستعجال مرض، فيحتمل أن يكون هذا الإسهال لهذا الشخص المذكور في الحديث، كان من امتلاء هيضة، فدواؤه ترك الإسهال على ما هو عليه، أو تقويته فأمره ﷺ بأن يسقيه عسلا فزاده إسهالا، فزاده عسلا إلى أن فنيت المادة فوقف الإسهال. أو يكون الخلط الذي به، كان يوافقه شراب العسل، فثبت بما ذكرناه أن العسل جار على صناعة الطب، وأن المعترض عليه ملحد جاهل بصناعة الطب، ولسنا نقصد الاستظهار لتصديق الحديث، بقول الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم. فلو وجدنا المشاهدة تصدق دعواهم لتأولنا كلامه ﷺ حينئذ وخرجناه على ما يصح. وقد ذكرنا هذا الجواب وما بعده، عدة للحاجة إن اعتضدوا بمشاهدة، وليظهر جهل
следующие страницы →