/
زرتك مولاي وأنت الذي ... في العلم والمال له بسطه
(سريع)
ومنطقي يقصر عن فضله [١] ... ومن يصفه لم يطق ضبطه
سماء مجد [٢] لا أرى [٣] سمكها ... وبحر جود لا أرى شطّه
وحقّ مثلي واجب عنده ... فأعط [٤] ذا الحقّ إذا قسطه
ولا تدع برّك عن قلّة ... فبقّة في وقتنا بطّه
كفيت ما تحذره سالما ... وعشت في خير وفي غبطه
٩٢- أبو نصر محمد بن أحمد الخواريّ «١» [٥]
أبوه خواريّ وهو نيسابوري، وكلّ منهما في العلم علم. وأبو نصر هذا من أظرف خلق الله. وقد عاشرته فاستحسنت أخلاقه، واستحليت مذاقه. وله
стр. 1017
شعر بارع، لم يحضرني منه إلّا ما أنشدنيه محمد بن أبي نصر بن عبد الله الباخرزي له، وهو:
دبّ الدماميل وحوشيّها ... في جسدي مثل دبيب المدام
(سريع)
لكنّها الراح تريح الفتى ... وهذه تطرد مني [١] المنام
وجملة الأمر وتفصيله ... أني كما تكرهه والسلام
٩٣- أبو القاسم عليّ بن عطاء الثعالبيّ [٢] المعروف بالجنيديّ [٣]
شاب مليء ظرفا، حتى إنّه لم يخطىء من [٤] الظرف حرفا. وبيني وبينه [٥] صداقة صادقة. ولم تتقرط أذني بمحاسن كلامه، إلّا أنّ عيني قرّت/ بمواقع أقلامه. وقرأت من [٦] خطّه قصيدة [له] [٧] نظامية [وهي] [٨] :
стр. 1018
أصبح الملك مطمئنّ الوهاد ... عالي الطّود راسي الأوتاد
(خفيف)
وغدت [١] دونه عوائد صنع ال ... له يدفعن في نحور الأعادي
فجميع الأيام حسنا وأنسا ... لجميع الأنام كالأعياد
ومنها في المديح:
وحّدت باسمه الوزارة قدما ... كاتّحاد النفوس بالأجساد [٢]
وله الأولياء إخوة صدق ... والرعايا في حيّز الأولاد
سيد في ذراه سود الليالي ... مشرقات لنا ببيض الأيادي
نيّر الرأي في الخطوب الدواجي [٣] ... ذائب الكفّ في الزّمان الجماد
[٤] وله من أخرى أولها:
ألا يا صاح قلبي غير صاح ... من الأيّام، من حبّ [٥] الملاح
(وافر)
стр. 1019
وشرب الراح أشربها اغتباقا ... إلى الإصباح من أيدي الصّباح [١]
ومنها في المديح:
له كفّ ككفّ الدّجن ساق ... ووجه مثل وجه الصبح [٢] صاح
كفانا بشر غرّته بشيرا ... بأخلاق له غرّ سجاح «١»
شبيهات الرّياض إذا كستها ... يد الأنواء أنوار الأقاحي [٣]
فلا تغررك غرّته فإنّ ال ... حسام العضب «٢» مجلوّ [٤] الصّفاح
٩٤- الفقيه أبو سعيد [٥] منصور بن سهل الجوينيّ
شاب لم يخطىء له [٦] في هدف الفضل نشّاب. من تلامذة الشيخ الامام
стр. 1020
ركن الإسلام أبي المعالي، حرس الله معاليه، ونظم على جيد الإمامة لآليه، وشغل بإفادة الأنام [١] أيامه ولياليه. ولما اتفقت لي/ ركضتي إلى نيسابور [في] [٢] شعبان [٣] سنة ستّ [٤] وستين وأربعمائة»
، حضرني مستفيدا، لابل مفيدا إياي أنسا [٥] جديدا. وعرض [٦] عليّ توقيعات الأئمّة الذين ألقت [الإمامة] [٧] إليهم فضلات الأزمّة، بارتضائهم لبنات خواطره، فدونت بعضها في قانون مفاخره. فمنها فصل شرّفه به الإمام أبو المعالي وهو:
[هذه قطع مطبوعة مصنوعة، صادرة عن قريحة غير قريحة، وطبع ما به طبع] «٢» .
وهذا خطّ ابن الجويني، وفصل للشيخ الإمام أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيريّ «٣» وهو:
стр. 1021
[هذه قلائد حسن تسلب القلب صنعتها، وولائد فكر يخلب الخلب واللّبّ جودتها، صدرت عمّن هو المرموق في بابه [من] [١] بين أضرابه، وكلّ بيت منها من أدلّ شيء على فضل قائله، [وإن كانت أقلّ فضائله] [٢] :
وفصل كتبه الشيخ الإمام أبو عامر الجرجانيّ [وهو] [٣] :
[هذه أبيات بلغت في حسنها الغاية، نسجها من له في عين الأدب تبيّن وبيان وحسن وإحسان، وحقيق بأن يكتب ذلك بالنّؤور «١» على وجوه الحور] .
وكتبه [أبو] [٤] الفضل بن اسماعيل الجرجانيّ [وهو الشيخ الإمام] [٥] ، قلت: وروى [٦] لي [أبو عامر] [٧] من نتفه وطرفه، ما لهّب شواظ رغبتي، [ولسّن نار حرصي] [٨] على تدوين شعره، وتخليد ذكره ففعلت [٩] .
وأوردت [١٠] له ما اتّسع نطاق الوقت. فمما أنشدني [١١] لنفسه قوله:
أأيامنا [١٢] اللاتي وصلنا بها المنى ... وطيب لياليها [١٣] سلام عليكم
(طويل)
стр. 1022
وإني وإن شطّت بي الدار بعد ما [١] ... ألفتكم دهرا فقلبي لديكم
ولولا رجائي أن يعود وصالنا [٢] ... من الدهر يوما متّ شوقا إليكم [٣]
ومنها [٤] :
سلام مثلما فاحت رياض ... وقد مرّت بها ريح الشمال
(وافر) /
على دهر مضى ما فيه عيب ... يعاب به سوى قصر الليالي
وقوله [٥] أيضا:
تعجّب الناس من توريد وجنته ... وفترة ظهرت في جفن مقلته
(بسيط)
فقلت: لا تعجبوا منه فما عجب ... تكسير عينيه في توريد وجنته
لأنّ [٦] ريقته خمر معتّقة ... ففيهما نشوة من خمر ريقته
وقوله [٧] في مجدّر بالوصف جدير:
стр. 1023
بدت بثراته فوق [١] المحيّا ... كما نثرت على البدر [٢] الثريّا
(وافر)
كأنّ الخدّ والبثرات فيه ... حباب فوق كأس من حميّا
وقوله [٣] من قصيدة:
أبدى على الخدّ أصداغا مزرفنة «١» ... رأيت منها قلوب الناس في شعل
(بسيط)
تمّ الجمال بخدّيه فقيّده [٤] ... من صدغه الرائق المسكّي في شكل
ما كان أحسنه والقوس في يده ... يمبل من دلّه كالشارب الثمل!!
كأنّه قمر قد مدّ عن عرض ... إلى الهلال يدا فيما تخيّل لي
ترميك ألحاظه عن قوس حاجبه ... بمثل ما قدرمت كفّاه عن عتل «٢» [٥]
إذا بدا راشقا في مرتمى غرض ... أهدى إليه الورى رشقا من المقل [٦]
стр. 1024
٩٥- أبو القاسم عبد الصمد بن عليّ الطبريّ «١»
هو لناصح الدولة أبي محمد الفندورجي [١] من حيث النسب خال، ولخدّ الظرف من حيث الزينة خال، ولشائم برق الفضل من حيث النّجعة «٢» خال.
وقد لقيته بنيسابور سنة خمس «٣» وعشرين [وأربعمائة] [٢] شابا طريّا./
يفري «٤» في النظم والنثر فريّا سريا، وينشر من حلل الخطّ وشيا عبقريا.
واتفقت له في خدمة [٣] العميد طاهر المستوفي «٥» إلى الريّ حركة، فأفلحت
стр. 1025
نهضته، وأنجحت ركضته، وعاد شاكرا من لدبه، ومواهبه أملاء «١» يديه.
ولو سكت عنه لأثنت حقائبه عليه. ولم تطل [به] [١] الأيام حتّى اصطفاه العميد أبو نصر بن مشكان لمنافثته «٢» [٢] ، وارتضاه لمناقشته. وجمّل به ديوان رسائله لما تفرّس من النجابة في شمائله، وحمله في بعض أسفار الهند معه، فحكى لي القاضي أبو جعفر محمد بن اسحق البحاثيّ قال: [نزلنا ليلة من الليالي على شطّ حيّة [٣] طامية «٣» بعيدة العمق تزلّ بالأقدام [٤] فرض «٤» مشارعها، وينعي من لا يحسن السباحة نقيق ضفادعها. قال: فشربنا ذات ليلة مع العميد أبي نصر بن مشكان، فخلع أبو القاسم عذاره على العقار، واستدار [٥] لتناوب القدح المدار. وجرت له مع العميد مناظرة في تفسير بيت للمتنبي، فكانت تلك المناظرة داعية [٦] حتفه إي وربّي، فاشتدّ لجاجه، واحتدّ مزاجه، وقام من المجلس وقد غلبته السوداء والصفراء، وحضرته المنية
стр. 1026
الحمراء. فرجع إلى [١] مضربه/ يهز العطف من غلوائه، ويرود الأرض فضل ردائه. قال القاضي: وكان عندي أنّ يد المدام خاطت أجفانه بالمنام.
فما راعني في تباشير الصباح إلّا غلامه، وقد حركني للتنبيه، وثكل مولاه باد فيه. وأخذ بيدي فخاصرته إلى الشطّ. وإذا أنا به، وربّ السماء، طافيا على [وجه] [٢] الماء طفو القذى. وهل تكون المحنة إلّا كذا؟ ورمى الغلام بنفسه إلى الحيّة [٣] سابحا إليه وأعلقه أنامل يديه واجتذبه إلى الساحل نائحا عليه، فرقّ القلب لذلك الصديق ثم لذلك الرقيق، وقد شقّ القميص على لبّته، وشوى القلب بحبّته «١» ، على ما فيهما مقلى «٢» محبته، وحقّ له وللفضل أن تتدفّق مآقيهما بالمطر، وتختنق تراقيهما بالوتر] . أما أنا فقد عجبت إذ سمعت أنّ نهرا أغرق بحرا، فاستنبطت معنى غريبا [٤] إذ حكوا لي [من أمره حالا [٥]] [٦] عجيبا؛ زعموا أن سفينة فوائده كانت معه في الماء الذّي ابتلعه. فقلت: يا عجبا كيف غرقت نفسه المسكينة، وفي كمّ قميصه السفينة؟ وله شعر حسن ضاع أكثره، ويكفيك منه أثره. فمنها [٧] ما أنشدنيه لنفسه، وهو معنى لم يسبق إليه:
стр. 1027
دعني أسر [١] في البلاد مبتغيا ... فضل شراء إذ [٢] لم يفر زانا «١»
(منسرح)
فبيذق النّطع وهو أحقر ما ... فيه إذا سار صار فرزانا «٢»
وكانت في بيت كتبي قصيدة له بخطّه، علق بحفظي منها بيت، لا يكادّ ينقضي إعجابي به، وتعجّبي منه، وهو:
حمّر يدي بالكاس فالروض مخضرّ الرّبا قبل اصفرار البنان (سريع) قلت: أبصر [٣] كيف لوّن/ زهرات هذا [٤] الباغ «٣» [٥] ، وكيف تأنّى بخلط هذه الأصباغ؟ وبينه [٦] وبين الشيخ والدي معارضات ومقارضات [٧] ، منها قصيدة نونية كتب بها إليه ومطلعها:
стр. 1028
بيض الدمى وقفت دمعي على الدّمن ... ومعهد [١] الحزن أغرى القلب بالحزن
(بسيط)
بانوا بهيفاء يغزو سهم مقلتها ... قلب المتيّم في جيش من الفتن
شمس على غصن هام الفؤاد بها ... يا ويح قلبي من شمس على غصن
٩٦- الشيخ الفقيه أبو الحسن عليّ بن أحمد الزاوهيّ [٢]
علم العلم وذو فنونه، حتى كأنّه أبو قلمونه «١» ، إذا حاضر [٣] بسطنا الحجور لالتقاط [الدرر] و [٤] اللآلّىء، وإذا أملى ترك [٥] القراطيس أملاء [الفوائد بتلك] [٦] [الأمالي] . وإذا وعظ استمال القلوب الشاردة وعظه [٧] ، واودى الأكباد وداواها وعيده [٨] ورعده. وإذا نثر فالبلغاء في سكك خدمته
стр. 1029
[متّصلون [١]] منتظمون. وإذا نظم فالشعراء من حوله منفضّون منتثرون.
وقد فرع بنيسابور مدة أعواد المنابر، ونزف الفضلاء في انتساخ خطبه مداد [٢] المحابر. واتّفق أنّ الدهر ضرب على صماخه بصمّام الصمم [٣] ، فكأنّ ثقل تلك الحاسة منه زاده خفّة، أو كأنّه أغنمه، تفاديا عن استماع الفواحش وعفّة، ومن عجيب أمره أنه من الصمم بحيث أقول في غيره:
/ وأصلخ «١» [٤] في منفذي سمعه ... صمام من الصمم المطبق
(متقارب)
فلو نفخ الصور في عصره ... لأفلت حيّا ولم يصعق
ثم إذا خطّ صاحب غرض ببنانه على ظهر كفّه [٥] ، وقف على المراد، [وجعل ينوب] [٦] البنان عن الأنبوب المغموس في المداد، حتّى كأنّ تحت كلّ شعرة من شعرات بدنه، واعيا مصغيا بأذنه، وذاك [٧] لعمري كالرقم على بسط [٨] الماء، أو كالنقش على الهواء بالهباء. وقد افتنّ الفضلاء في مدحه بالطّرش، وقالوا فيه ما ينوب مناب الماء عند ذوي العطش. وأبرع وأبدع وأجمع ما قالوا في معناه قول والدي، ﵀:
стр. 1030
قالوا: عليّ بدا في سمعه خلل ... فقلت: عند استماع الفحش والخطل
(بسيط)
بل كان طود الحجى، صلّ [١] «١» الدهاء، قنا الط ... طراد في الرأي والإنذار «٢» [٢] والجدل
وكنّ [٣] يدعين صمّا فادّعى صمما ... تشبّها بالقنا والصلّ والجبل
وكتبت إليه رقعة، أستهديه ما يليق بكتابي [٤] هذا من غرره ودرره، فأجابني بفصل قال فيه:
[لولا أنّ أمر فلان سميّي وكنيّي ووليّي، لا زالّ كاسمه عليّا [٥] ، لا يقابل إلّا بالأمتثال ولو بقلم الاستعجال، والارتجال [٦] ، لصنت كتابه العزيز عن مقولاتي ومنقولاتي ولكن:
قلت لما كتبته غير راض: ... ربّما كان للقبيحة بخت
(خفيف)
стр. 1031
قال: فمما قلته [١] في ابتداء مطلع [مديح] [٢] مولانا الصاحب [الأجلّ] [٣] نظام الملك، ﵀ [٤] ، وكان ذلك [في يوم مطير] [٥] قولي فيه:/
طلع الوزير فزاره الغيث ... عجلان ما في صوبه [٦] ريث
(كامل)
لم لا يزور الغيث ذا كرم ... عبدا يداه [٧] الغيث واللّيث [٨] ؟
[وأنشدني لنفسه في خدمة نظامية له] [٩] :
يا من به نظم الممالك كلّها ... وبرأيه راياتها منصوره
(كامل)
حقّق رجاء الزاوهيّ بنظرة ... فعليك آمال الورى مقصوره [١٠]
ولما مني بالوقر «١» الذي نسبته إليه في ابتداء ذكره قال:
стр. 1032
إلى كم أشتكي وقري كأنّي ... وحيد في الأذى من غير ثان
(وافر)
ولم لا أكتسي صبرا جميلا ... وحسن الصبر للحدثان ثان «١» ؟
ولكن كيف أحتمل الرّزايا ... بجسم مثل واحدة [١] المثاني «٢» ؟
أزل فقري ووقري يا إلهي ... بحقّ الرّسل والسبع المثاني «٣»
وله في بعض ما ناجى به ربّه:
دعواتي ناجيات ... بك عن ذلّ الحجابه
(مجزوء الرمل)
لأنادي في بلادي ... دعواتي مستجابه [٢]
وردت بابك ظمأى ... فاسقها ماء الإجابه [٣]
стр. 1033
وأنشدني لنفسه:
لا أنس يوم العيد يحجب وجهه ... عني وعمدا [١] كنت قد قابلته
(كامل)
نلت الأماني كلّها لو أنني ... مثل الذي قابلته قبّلته
وله [يخوّف بعض الجبابرة مجانيق الأشعار] [٢] :
أدعو عليك ولا أرا ... ك تخاف) [٣] عادية الدعاء
(مجزوء الكامل)
ولدعوة المظلوم مض ... طرب فسيح في السماء [٤]
/وقال [٥] يرثي ولدا له اسمه [صاعد] توفي وهو ابن أربع [٦] سنين:
يا صاعدا قلل [٧] المنا ... يا قبل وقت صعوده
(مجزوء الكامل)
ومفارقا دار النّحو ... س إلى مقيل سعوده
لو كان موت مخلفا ... للحيّ في موعوده
стр. 1034
أبقى عليه ولو بج ... دّته ونضرة عوده
لكنّ ذلك منهل ... لا مكث دون وروده [١]
وقد كانت له والدة من القانتات العابدات، وواردته [٢] منهل البقاء سنين، حتى ناطح في ظلال بركاتها [٣] الستين. ولم يزل مغناه بها مصعد الدعوات المقبولة، ومهبط البركات [٤] المأمولة. وكنت أنا شديد الاستظهار بدعائها [٥] فقد [٦] أنزلتني منها بمنزلة بعض أبنائها. وفجع الفقيه أبو الحسن [٧] بها، وسلب برد الحياة بسببها. فلم أر شيئا أشبه بطفل مفطوم [٨] منه حنينا [٩] إليها، وعضّأ للأنامل عليها. فمما أنشدني [لنفسه] [١٠] من مراثيه [١١] فيها قوله:
بمقبرة الحسين [١٢] أزور أمّي ... [ونار القلب تستعر استعارا «١» ]
(وافر)
стр. 1035
أروّي قبرها دمعا وأروي: ... [دع العبرات تنهمر [١] انهمارا]
وقوله [٢] :
وإني لآتي قبر أمي فأشتفي ... برؤيته والوجد فيّ شديد
(طويل)
كما نظرت حنّانة نحو بوّها [٣] ... تسلّت به والسقب [٤] منه بعيد «١»
وما أحسن ما قال ابن الرومي في ميميّته الفائقة التي لم يرث ولد والدة ولا والدا بأحسن منها:
/ وما الأمّ إلا أمّة في حياتها ... وأمّ إذا ماتت وما الأمّ بالأمم «٢» [٥]
وعارضته أنا بقولي، في مرثية والدي، رحمة الله عليه، بقصيدة [٦] غير قصيرة:
стр. 1036
وما الأب إلّا الأب «١» ما عاش لابنه ... وآب له طيب الحياة إذا بلي [١]
(طويل) ولست أقول: إني أربيت عليه، أو زدت، وقاربت درجته أو كدت.
ولكنّ المصدور ربّما نفث فاستراح، والنسيم ربما نشر سرّ [٢] الروض فباح.
٩٧- الفقيه أبو الحسن عليّ بن محمد بن عبدونه «٢» [٣]
كتب إليه عثمان [٤] بن محمد الخشناميّ من بعض القرى، وذلك بعد طول مقامه بها:
عزاء فلدغ [٥] الهمّ للقلب محرق [٦] ... ودفع [٧] الهوى للصبّ بالصبر أوفق [٨]
(طويل)
стр. 1037
شكوت وما تجدي الشكاية بعدما ... نوى لي النوى [١] من كنت أهوى وأعشق
بكيت وهل يشفي البكاء إذا أنى «١» ... من الأمر مقضيّ وحمّ التفرّق؟
مقيما بأرض ما بها غير أحمق [٢] ... يكدّر عيشي قربه ويرنّق
نهاري فيها بالذّباب منغّص ... وإن رحت فالبرغوث جلدي يمزّق
يغرّمني العمّال مالا قضيته ... وعندي خطّ بالبراءة ينطق
وما [٣] ذاك إلّا من شريك يكيدني ... بما يتّقيه المسلم المتحقّق
ويظهر ودّي شائبا بنصيحتي ... وإن عنّ لي مال يخون ويسرق
أراحني الرحمن منه بفضله ... فما هو إلا قرطبان «٢» ممخرق
وصيّر بغضي للتفرق خيرة ... [فطول مقام المرء في الحيّ مخلق «٣» ]
/
стр. 1038
فأجابه عنها ابن عبدونة [١] هذا بقوله:
دموع بما ألقى من الوجد تنطق ... وقلب بنيران الصّبابة يحرق
(طويل)
ولو كنت ذا طرف يحلّ به الكرى ... رأيت خيالا للحبيبة يطرق
أنوح إذا ما لاح برق تأسّفا ... وأندب إن ناح الحمام المطوّق
ولي عبرات كلّما رمت كفّها ... بكفّي همت في صحن خدّي تدفّق
بنفسي من لا [٢] تهد دلّا سلامها ... وليس لها [٣] في ذاك إلّا التفتّق «١»
وكم ليلة مدّت علينا [٤] رداءها ... وفيها سهام الكاشحين تفوّق
أغاز لها والنجم يرنو بمقلة ... مسهّدة تحكي فؤادي فيخفق
منعّمة شقّت عن [٥] الليل برده ... ففي وجهها للشمس والبدر مشرق
سأصبر حتى تنقضي دولة النّوى ... ويهتزّ لي عود اللقاء فيورق
стр. 1039
وكنّا زمانا نجتني ثمر المنى ... إذا ذكرت كادت لها النفس تزهق [١]
كأنّ الدّجى بحر جمان نجومه ... كأنّ الهلال حين يغرب زورق «١» [٢]
فبادر وخلّ القوم بالنار [٣] واغتنم ... خلاصك منهم فهو بالحال أليق
حكيت وحقّ الودّ مني [٤] عجيبة ... متى عدلوا أو أنصفوا أو تحلّقوا
[وعلى ذكر «٢» ] [٥] :
٩٨- أحمد بن عثمان الخشناميّ «٣»
فإنّه كان فتى من ظرفاء [نيسابور] ، [٦] شرّيرا بين الندام، شرّيبا للمدام.
وكان من أقران القاضي أبي جعفر الزّوزنيّ وقرنائه، وخلّه الذي يودّ بقلبه/،
стр. 1040
ويرى بعين [١] لا ترى بسوائه. وكان يقول الناس: إذا اجتمعا [٢] اجتماع السعدين هذا يوم قران للحبيبين. أنشدني لنفسه في الصابونيّة، و [قد] [٣] كان يكتب لإمامهم وشيخ إسلامهم أبي عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن «١» ، ﵁، ولعلّه نقم منهم شيئا «٢» طوى لذلك كرم العهد طيا، وتناول منهم بقوله فيهم [٤] :
يا عصبة الصابون صاحبتكم [٥] ... منتظرا [٦] للخير ألقى بكم
(سريع)
فكان عقبى ما تجشّمته ... غسل يدي منكم بألقابكم
وقد أحسن من حيث الصناعة، لكنّه [٧] أساء إذ هجا [٨] تلك العلوم [٩] مظلومة، وتناول تلك اللحوم مسمومة [١٠] . ولم أسمع في ألم ضرس [١١]
стр. 1041
المعشوق أملح وأحسن [١] من قوله:
شكت [٢] أقاحيك فاشتكيت لها ... يا نكتة [٣] الدهر فتنة البلد
(منسرح)
وجهك شمس الضّحى، (إذا طلعت) [٤] ... تضرّ [٥] بالأقحوان والبرد
واعتذرت أنا للشيخ [الامام] [٦] أبي محمد الجوينيّ عن ألم ضرسه، فقلت:
جلّ الإمام الحبر عن علّة ... في ضرسه لم تك معتاده
(سريع)
لسانه أوجع أسنانه ... والسيف قد يأكل أغماده
стр. 1042
٩٩- أبو سعد الكاتب [١]
المعروف بجل دزد «١» [٢] . كتب إلى والدي، ﵀، ونحن بنيسابور أبياتا جلب بها إليه بضاعة، يستهديه [٣] فيها درّاعة، وهي:
لي دراعة أمّحت فصارت ... ثقبا كلّها كغربال ناسف «٢»
(خفيف) /
أنا شمس (تضيء أفلاك) [٤] فضلي ... غير أنّي من ثوبي [٥] الرّثّ كاسف
стр. 1043
١٠٠- الأستاذ الأوحد ابراهيم بن عبد الله الطائي [١] الكانب «١»
سقط ذكره عن مكانه، فاستدركته في غير أوانه [٢] . أنشدني له الأديب يعقوب بن أحمد في الوزير ابن مصعب، وقد دخل طبرستان طالبا تصرفا «٢» ، فجرّه فيه على شوك المطال، وأحوجه إلى [مثل] [٣] هذا المقال:
إنّ ابن مصعب صعب في شكيمته ... من حيث يولي فلا يرجوه [٤] راجيه
(بسيط)
والمصعبيّات في أحراحهنّ «٣» ندى ... ما رامه نايك [٥] إلا رعى فيه
لو كان للشيخ يوما جود طلّته «٤» [٦] ... لعاد ملكا إلى مغناه عافيه [٧]
стр. 1044
وله أيضا:
بنيمان «١» [١] له دعوى عريضه ... كفايته لدعواه نقيضه [٢]
(وافر)
فنتف سباله حتم علينا ... ونيك عياله عندي فريضه
١٠١- أبو الحسن الأرباعيّ [٣]
رأيته شابا آخذا بمجامع القلوب [٤] ظرفا، وممتزجا بأجزاء النفوس لطفا.
جمع بين قلمي النظم والنثر، ونظمهما معا في سلك السحر. أنشدني [الشيخ] [٥] أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني لنفسه:
وزير الشرق زنت الأرض عدلا ... وفضلا وازدهى بك مشرقاها
(وافر)
بقدح سخاوة ما إن يضاهى ... وقسط شجاعة ما إن يباهى
وفضل علا تعالى من براه ... وجود يد تبارك من براها
стр. 1045
١٠٢- الشيخ أبو القاسم بكر بن المستعين الكاتب
كان محررا في ديوان الرسالة للأمير محمد بن محمود بن سبكتكين، وصاحب الديوان يومئذ العميد أبو بكر القهستانيّ، وهناك ما شئت من همّة تنطح عنان السماء، وحشمة تنتطق بمعالق [١] الجوزاء، وبلاغة تغبّر في وجه عبد الحميد «١» ، وتفتل «٢» في ذروة [٢] ابن العميد. أما أبو القاسم فقد كان الملجأ والسند والمؤتمن والمعتمد./ وما زال كذلك، حتّى آل الأمر إلى ركن الدين طغرل بك. فانتضي لكتابته وارتضي بكفايته. ونظمني وإياه الديوان في أيام الصاحب أبي عبد الله الحسين [٣] بن عليّ بن ميكائيل فكنّا فرسي [٤] رهان، وشريكي عنان. وكان يفيدني في السلطانيات [ويستفيد مني] [٥] في الاخوانيات. وممّا دار بيني وبينه قولي فيه:
стр. 1046
شرفت ببكر ثمّ إني بجاهه ... أنوّه [١] ، لا، لاتنكروا شرف البكري
(طويل)
إذا صغت مدحا فيه حمحم صاهلا ... جوادي إعجابا به ورغى بكري
أظنّ مدادا [٢] سائلا من يراعه ... دم العذرة المسفوح من لفظه البكر
وممّا [٣] استحسنت من ألفاظه المنثورة قوله، وقد استهداه الشيخ أبو منصور الثعالبيّ وهو بأسفرايين غاشية. فكنت أحملها إليه وبين يديه. وأبطأ عليه كتاب استعاره منه عميد الملك أبو نصر، ﵀ فقال:
يا مخلف الوعد في كتاب ... حاشاك يا أوحد الكتائب [٤]
(مخلع البسيط)
الخلف عيب وليس يخفى ... أنّك عار من المعايب [٥]
ومما أنشدني [٦] من [٧] شعره قوله:
تمتّعت بالإقبال عصر شبيبتي ... ولذّة عمر المرء عصر شبابه [٨]
(طويل)
стр. 1047
فلمّا تولّى وانثنت دولتي به ... فككت فؤادي من اسار اكتئابه
وعدت إلى بيتي وعذت بعقوتي «١» ... وودّعت باب الملك بعد انتيابه [١]
فيا طيب عيش المرء في صحن داره ... على كفّه [٢] عن كرمه [٣] من شرا به
/ وله أيضا، كتب بها إلى بعض صنائعه:
نسيت عمري [٤] أو تناسيته ... كلاهما منك لعمري قبيح
(سريع)
أحين هبّت ريح إقبالكم ... صرت كقصر الريح فحواك ريح؟
غيري [٥] المعلّى «٢» سهمه في المنى ... فكم [٦] يرى سهمي [٧] منها المنيح «٣»
أمط [٨] همومي بصراحيّة «٤» [٩] ... إمساكها دوني تخلّ صريح [١٠]
стр. 1048
وكان له في ديوان الرسالة تلميذ يقال له: أبو الفتح الصباحيّ [١] ، وكنت كتبت إليه، والحضرة بأستراباذ «١» في عنفوان نزولنا [٢] بها، أبحث [٣] عن محطّ رحاله، ومطرح أثقاله، ومناخ جماله:
لو كان يدرى بأيّ برج ... قد حلّت الشمس لارتقينا
(مخلع البسيط)
إلى سنا نورها ولكن ... حال التّنائي فما التقينا
فأشار على [٤] تلميذه الصباحيّ باجازة هذين البيتين، فأجازهما بقوله:
لا زال في (عزّ وفي نعمة «٢» ) [٥] ... وفي رضاه يقرّ عينا
(مخلع البسيط)
فخير مسعاتنا مردّا ... نيل رضاه إذا سعينا
стр. 1049
١٠٣- أبو نصر الجميليّ [١] [الكاتب] [٢]
شاعر باللسانين، وسابق في الميدانين. عهدي به وهو يكتب للعميد أبي منصور [٣] الورقانيّ بخطّ، كأنّه الدّر تتجمّل بوشيه ألفاظه الغّرّ. وله رباعيات بلسان العجم تنطق بها الأوتار فيشقى بها الخمار، وتصوغ لها القيان [٤] ألحانها [٥] ، فتنفض إليها الأطراب أردانها «١» ، [٦] وتقرط بها الأرباب «٢» [٧] آذانها [٨] ، وتشغل بها العشاق قلوبها، وتشقّ عليها الفسّاق جيوبها، فمما أنشدنيه [٩] لنفسه قوله:
стр. 1050
أفاض الليالي من جفوني اللآليا ... وأنت بتعذيبي [١] تعين [٢] اللياليا
(طويل) /
ولولاك [٣] ما فاضت جفوني بعبرة ... ولا كنت للأعداء سلما مواليا
فطورا لأحكام اللئام [٤] متابعا ... وطورا لأنذال العشائر تاليا
١٠٤-[الحاكم] [٥] أبو القاسم الحذّاء الخشكانيّ
[يقول ما في رأيك أبا حازم الحديث اتفاق من الرأي والحديث «١» . وباعه في سائر العلوم غير قصير، والمثنى عليه وإن بالغ موسوم بسمة التقصير] [٦] .
أنشدني الأديب يعقوب له قال: أنشدني لنفسه:
стр. 1051
إذا (قدّمت خدمة) [١] أعليت ... فمالي أحطّ إلى أسفل؟
(متقارب)
فإن لم تزدني على رتبتي ... فقف بي على رسمي الأوّل
[وكتب على بعض تصنيفاته يخاطب بها السيد أبا البركات:]
أيا سيد السادات لا زلت أوحدا ... وكهفا منيعا للعلوم مشيّدا
(طويل)
أتاك من التأليف ما رمت جمعه ... فقرّ به عينا وقرّ به يدا
فذا الجمع في معناه مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحدا جاء أوحدا «١» [٢]
стр. 1052
١٠٥- أبو نصر محمد بن الحسين الكاتب [١]
[المعروف بالقصّاب] [٢] ، الملقّب بصريع الكاس. نيسابوريّ تقاذفت به الغربة إلى خوارزم، فأقام بها حتى انتقل من ظهرها إلى بطنها. ولم تخل أيام حياته مجالس أمرائها، ومحافل كرمائها [٣] منه. وله كتابة حسنة، ونظم بارع كقوله من قصيدة نظامية أولها [٤] :
حيّاك من ذا الربيع الطلق قادمه ... وأيّ عيش هنيّ أنت عادمه [٥] ؟
(بسيط)
أما ترى البرد قد ولّى بعسكره ... حلّت عزائمه منه هزائمه؟
والغيم أقبل يبكي ملء مقلته ... والروض أقبل مفترّا مباسمه [٦]
والأرض تجلى [٧] عروسا في [٨] معارضها ... والجوّ [٩] قد كثرت فيه مآتمه
стр. 1053
حتى كأنّ [يد] [١] الشيخ الأجلّ سقت [٢] ... خضر الرياض فرّوتها [٣] غمائمه
لا شيء أعجب من خلق [٤] الربيع وقد ... غدا على خلق مولانا يكارمه [٥]
فليس تحكي معانيه معانيه ... هيهات لن يحكي المخدوم خادمه
١٠٦-[الشيخ] [٦] [الإمام] [٧] أبو الفضل عبد الله بن محمد الخيريّ
[من] [٨] خيرة نيسابور. هو في الفقه إمام وفي الأدب همام، وفي الحضر عتاد الإخوان [٩] ، وفي السفر زاد الركبان [١٠] . ورد غزنة فكان لناظرها [نورا مبصرا] [١١] ، ولناضرها نورا مثمرا. ورجع وهو بما أهدى [١٢] إليّ [١٣]
стр. 1054
من بدائعها سمسار «١» بضائعها. فمما أنشدني/ الأديب يعقوب [بن أحمد] [١] له قوله:
نعم المعين على المروءة للفتى ... مال يصون عن [٢] التبذّل [٣] نفسه
(كامل)
لا شيء أنفع للفتى من ماله ... يقضي حوائجه ويجلب أنسه
وإذا رمته يد الزمان بسهمه ... غدت [٤] الدراهم دون ذلك ترسه [٥]
وله أيضا:
أشكو الأقارب [٦] لا يغبّ [٧] جفاؤهم ... يبغي أذاي (صغيرهم وكبيرهم) [٨]
(كامل)
هم يعلنون لدى اللقاء مودّتي ... والله يعلم ما تجنّ [٩] صدورهم
стр. 1055
ومن ملحه [١] قوله، وقد نقلته بخطّ [٢] يده:
أقول لوجه كان كالبدر مدة ... تغيّر لمّا جاءه الشّعر زائرا
(طويل)
سلام على وجه طوى الشّعر ذكره ... وقد كان حينا مثل شعري سائرا
وقوله أيضا:
يا من تعرّض بالخنا متوهما [٣] ... جهلي [٤] به مهلا فإنك جاهل
(كامل)
كم مرة أغضيت منك على قذى [٥] ... لولا النّهى لرأيت ما أنا فاعل [٦]
١٠٧- الحسين [٧] بن المظفّر النيسابوريّ «١»
مدح الصاحب نظام الملك، وهو بخوارزم [بقوله] [٨] :