قال الأديب أبو القاسم الخوافيّ «١» : فعرضت الدرج [١] المحلى [٢] بالبيتين الموشّى بالخط، الذي يزيد في نور العين على والده عميد الحضرة، وقلت: إنّ البيتين لولدك [٣] ، والخط خطّ من هو فلذة من كبدك. فسرّ بذلك سرورا برقت له أساريره، وخرجت من عنده، وقد حظيت منه بما شئت.
١٢٠- أبو القاسم حمزة بن (عليّ بن الحسن) [٤] البرزهيّ «٢» [٥]
من بهق. أنشدني له السيد أبو الحسن الظفري [٦] :
стр. 1087
لنا صديق (تاه في [١] ريبه) ... منغمس والله في عيبه [٢]
(سريع)
إن لم يجد من يفتري عنده ... يفتر للذّيل على جيبه [٣]
١٢١- الأديب أبو جعفر القاسم بن أحمد بن عليّ السابزواريّ [٤]
حدّثني الأستاذ [٥] يعقوب بن أحمد/ ﵀، قال: كان هذا الأديب جميل العشرة، غزير المحفوظ، مستوفيا من أصول الأدب وفروعه أتمّ الحظوظ.
تختلف إليه أبناء المياسير فتقرّ به عيونها، ويجلو بمدوس «١» تأديبه صدأهم، حتى كأنّهم صفائح بصرى «٢» أخلصتها قيونها، قال [٦] : وكتب إليّ:
стр. 1088
قولا ليعقوب [١] شمس الفضل والكرم ... ومنبع المجد [٢] والآداب والحكم:
(بسيط)
مالي كتبت إلى مأنوس مجلسه ... فلم يجبني بما يجلو صدى غممي؟ [٣]
ما ضرّه لو سما بي رقم أنمله ... أو [٤] أنّه وشم الحسّاد بالرّغم «١» [٥]
أنبوة عن جلالي بعد ما ظهرت ... له خلالي ودلّته على شيمي؟
ألم [٦] تكن نسبة الآداب تجمعنا ... والفضل يوجب رعي العهد والذمم؟
أصبحت والبين يذويني [٧] ويكلمني ... فداو كلمي، فدتك النفس بالكلم
ولو أجاب عن [٨] المكتوب محتسبا ... لانجاب عني ظلام الريب والتّهم
يا حبذا معشر أضحوا وقد جمعوا ... بنور وجهك بين الروض والدّيم [٩]
стр. 1089
هم بقربك في روح [١] وفي دعة ... يا ليتنا معهم أو ليتنا بهم
وقد فزعت إليك اليوم معتصما ... بحبل فضلك يا كهفي ومعتصمي
بليت بالحرفة «١» الممقوت صاحبها، ... شوهاء طلعته [٢] كالغول في الظلم
إذا نسبت إليها ذبت من خجل ... كأنني سارق الحجّاج في الحرم
وهذه نفثة المصدور أرسلها ... إليك صاحبها فاعذر ولا تلم
لا زلت في عزّة قعساء راسية ... قد زيّنت بطراز الفضل والنعم [٣]
/قال فأجبت عنها بقولي:
الروض روض الرّبا فاحت روائحه ... وقد سقاها أصيلا واكف الدّيم
(بسيط)
أم ذات دلّ شموس [٤] كاعب فنق ... حسّانة البرد [٥] والبرديّ «٢» والعنم [٦]
стр. 1090
لا بل قواف أتتني جدّ رائعة ... تحوي عتابا كحدّ الصارم الخذم «١»
كيمنة حبّرتها كفّ مبدعة ... سحّارة الرقم بالكفّين لا القلم [١]
يا همّة حازت الجوزاء [٢] عالية ... من قاسم خير من يمشي على قدم «٢»
[أيستجيز (امرؤ إغفال واجبكم) [٣] ؟ ... كلا فذلك ورد عافه شيمي] [٤]
ما كنت مذ كنت بالتقصير متّسما ... وعن حقوق صديقي قطّ لم أنم
أمّا الشكاة التي فصّلت جملتها ... من حكم دهر غشوم جار في القسم
وحرفة قرنت بالحرف واضعة ... عوارها «٣» غير مستور ومنكتم [٥]
стр. 1091
فلا وربّك ما أخطأت موضعها ... من المذمّة لكن زدت في غممي
أنا الشريك فطب نفسا بما رزقت ... تطب حياتك واذكر سالف الأمم [١]
قلت: وأنا أستطرد من هذه الأبيات إلى ذكر مؤدّب لي، لم يحمد والدي، ﵀، يده على تلامذته، فقال يشكو ما نقم عليه من غفلته [٢] ويهجوه على سوء معاملته:
ألا قل للمؤدب [٣] حين يخلو: ... عرتني من تغافلك السآمة
(وافر)
فإن لم تدر للتخريج [٤] نهجا ... ألم تدر الخروج على [٥] السلامة؟
وكتب الأديب أبو جعفر إلى الأديب يعقوب أيضا:
أقول لمن يتوق إلى المعالي ... ويتعب دائما فيها ويجهد:
(وافر) /
تؤمّل أن تفوز بكلّ فضل ... كأنّك صرت يعقوب بن أحمد؟
كريم طاب عنصره فأضحت ... أحاديث العلاء إليه تسند
وبي ظمأ إلى لقياه برح ... فهل لي أن أفوز به وأسعد؟
стр. 1092
وقد أحببت أن أصف اشتياقي ... بنظم رائق حسن مسدّد
فلجّ الطبع وانسدّ المعاني ... لما في الصدر من غصص تردّد
عذيري من زمان ليس يجدي ... على حرّ بعيش غير أنكد [١]
وله:
قد كنت أحسب أنّ هجوك [٢] منكر ... وجفاء مثلك [٣] في الكرام عقوق
(كامل)
حتى بلوت ذميم فعلك مرّة ... فعلمت أنّك بالهجاء خليق
١٢٢- أبو الفضل البديل [٤] البيهقيّ «١»
مدح شرف السادة بقصيدة منها:
стр. 1093
سبط الذي شرع الشرائع [١] للورى ... وأقام للدين [٢] القويم منارا
(كامل)
شبل النبيّ محمد وسليله ... لو لاه لا نقلب الأنام حيارى
فهو الكريم إذا اعتفاه «١» [٣] سائل ... أجرت يداه على البلاد نضارا
وهو [٤] الهمام إذا تبسّم ضاحكا ... عاد الظلام المدلهمّ نهارا
١٢٣- السيد العالم أبو الحسن محمد بن عليّ [السّويريّ] [٥] الظفريّ
كريم طرفاه، تنوس على العلم [٦] والشرف ذؤابتاه. جمعني وإيّاه مجلس
стр. 1094
الأجلّ العالم شرف السادة، ﵀، فعانيت شخص الفضل وصورة الظرف، وحصلت لي بمشاهدته قوة القلب وقوّة الطرف. فمما اجتنيت [١] من ثمرات خواطره [٢] قوله:
/ لا تأمن النفثة من شاعر ... ما دام حيا [عاقلا] [٣] ناطقا
(سريع)
فإنّ من يمدحكم كاذبا ... يحسن أن يهجوكم صادقا
[٤] وقوله في الافتخار وحقّ له:
لا خير إلا في قريش أولها ... أو معها أو يعتزي «١» إليها
(رجز)
وخيرهم جدّي خير من مشى ... فوق البسيط أو سعى عليها [٥]
نحن البدور إن تجلّت والسّهى [٦] ... يقصر عن أن يجتلى لديها
стр. 1095
١٢٤- أحمد بن محمد بن عميرة الجشميّ «١»
أوحد ناحيته، وباقعة «٢» بقعته، لطيف نفث السحر، خفيف روح [١] الشعر [٢] . أنشدني [٣] له السيد (أبو الحسن السّويريّ [٤] الظفريّ) [٥] أبياتا عملها في ذمّ الوزير أبي القاسم الجوينيّ:
بخل الوزير (بزيته وبخلّه [٦] ) ... فهو البخيل بخلّه وبزيته
(كامل)
من لا يجود بمائه في [٧] نهره ... أنّى يجود بخبزه من بيته؟
يا لعنة الرّحمن ﷻ ... حلّي به وبحيّه [٨] وبميته
стр. 1096
[١] ورأيت في ديوان العميد القهستانيّ كتابا من إنشاء أحمد بن محمد ابن عميرة هذا إليه، مختوما بقصيدة داليّة. وقد كتب العميد أبو بكر تحت كلّ فصل منه فصلا، وتحت كلّ بيت بيتا. ومن أبياته فيها قوله:
يا أحمد بن محمد بن عميرة [٢] ال ... جشميّ ما جشمتني اسناده
(كامل)
١٢٥- (الحسين [٣] بن أحمد بن الحسين الداريج [٤] )
[٥] من ثنّاء بيهق ودهاقينها، ومن شمّاماتها ورياحينها. وهو، على الحقيقة، طراز كمّها، وغرة جبينها. ينطق بلساني العرب والعجم، وتتطاير عن قلمه [٦] النوادر، كما تطاير [٧] عن مرضاخه [٨] العجم «١» . وله من الرباعيات [٩] .
стр. 1097
الفارسية الغزليّة ما ينتقل «١» به على المشروب [١] ، وتستمال أهواء القلوب.
أنشدني له بعض أهل ناحيته:
/ لحاكم الدّيوند [٢] دهقانكم [٣] ... خفة برغوث وطيش الفراش
(سريع)
ما لعلّي فيه من نسبة ... تؤويه إلّا أنّه للفراش
يناطح الأير بوجعائه ... إذا رأى المختطّ صعب الهراش
والأير إذ يخرج من دبره ... كأنّه آكل قرع بماش «٢»
١٢٦- الشيخ محمد بن سعيد [٤] [ابن أبي عبد الله] [٥]
[٦] زعيم بيهق. شابّ غضّ الآداب، طريّ الشباب، يهبّ على رياض
стр. 1098
الفضل هبوب النسيم، وتعرف في وجهه نضرة النعيم. وله شعر كنور الآقاح كاد ولم يتفتّح، أو كنور الاصباح همّ ولم يتفتق. وللدهر فيه مواعيد، سينجزها الجدّ الصاعد والقدر المساعد. [أنشدني بعض حواشيه] [١] :
يا أيّها السيد الإمام ... ومن به للعلا قوام
(مخلع البسيط)
ومن يفلّ العدى وحيدا ... كأنه عسكر لهام «١» [٢]
[وله] [٣] :
سادات هذا الزمان طرّا [٤] ... جميع ما قد حويت راموا
(مخلع البسيط)
أدركته قاعدا ولكن ... لم يدركوا عشره وقاموا
стр. 1099
١٢٧- أبو محمد الحسين [١] بن أحمد الزّياديّ
قال في الشيخ أبي عليّ أحمد بن محمد بن عميرة الجشميّ «١» :
إنّ الدراية والنباهة خاتم ... حقا أقول ولست فيه بزاعم
(كامل)
وأبو عليّ أحمد بن محمد ب ... ن عميرة الجشميّ فصّ الخاتم
فأجابه:
قد قلت عن علم [٢] فعوا ما قلت إذ ... ليس المقلّد في الورى كالعالم
إنّ الزّياديّ الحسين أبا محم ... مد بن أحمد شمس هذا العالم
/ قلت: هذا ما وجدته من أشعار فضلاء بيهق، وفيها للعين مقنع، ولليد مصنع، وكلّهم فضلاء يهتدي بمصابيح علومهم الأجلّاء، ويعتدّ بحسن
стр. 1100
رسومهم الأجلّاء [١] ، [وتتحلّى بعقود نظمهم الأخلاء] [٢] .
وهذا فصل مسجّع وسجع مربع، ولو كان مخمسا أو مسدسا، وهلمّ [جرّا] [٣] إلى أن يصير عقدا، وينتظم على جيد مناقبهم عقدا، يكاد يتميّز عليه سمط الثريّا غيظا وحقدا، لكانوا لذلك أهلا. ولم أحذر أن يقال: جهل فلان أقدارهم جهلا.
стр. 1101
[فصل في طبقة أسفراين]
(طبقة اسفراين)
стр. 1102
وهذه طبقة أسفراين، وقد سقت إلى بحارهم السفائن، فعاين من محاسنها ما شئت أن تعاين، تجدها أملاء الأفكار [١] والسرائر، طلّاع [٢] الأبصار والطلائع [٣] ، إن شاء الله وحده.
١٢٨- يعقوب بن سلمان [٤] الأسفرايينيّ «١»
شاعر مفلق طال بالشام مقامه، وأنجبت [بها] [٥] أيامه، وانطبع [٦] بطباعهم كلامه. قرأت له في كتاب قلائد الشّرف من تأليف الشيخ أبي عامر الجرجانيّ قصيدة نظامية، استحسنتها، والتقطت بعض دررها، [مطلعها] [٧] :
ألمّ بنا وهنا فقال: سلام ... خيال لسلمى [٨] والرفاق نيام
(طويل)
стр. 1103
ألمّ وفي أجفان عيني وصارمي ... غراران «١» ؛ نوم [١] غالب وحسام
أجيراننا بالخيف «٢» سقّاكم الحيا ... مراضع درّما لهنّ فطام
ظعنتم فسلّمتم إلى الوجد مهجتي ... كأنّ قلوب الظاعنين سلام «٣»
[٢] ومن أخرى:
لئن فارقت تلك الطلول شموسها ... فقد واصل القلب العليل أوامها
(طويل)
فهل لي إلى ليلى بيبرين «٤» موعد ... فتقضى لأسباب العهود ذمامها
سواء عليها [٣] أن تشحّط باكيا ... بدمع له أو في دم مستهامها
ومنها:
стр. 1104
ويهماء «١» يستاف (التراب دليلها) [١] ... (يجاوب في غيطانها البوم هامها) «٢»
/تسدّيتها [٣] والليل في ريطة الدّجى ... بهوجاء لا يثني الخطام ارتسامها [٢]
وشعث «٣» [٤] لفضلات الجرير رواكع ... تقطّع بعد البين منها جذامها
مرقن من الزوراء «٤» في سورة الدّجى ... كما انصاع من بيض القسيّ سهامها [٥]
ومن أخرى:
стр. 1105
يا صاح عرّج بالمطيّ ولا تقل ... أعزز عليّ بفرقة القرناء
(كامل)
فالأرض قد زينت بكلّ بديعة ... وتبرّجت في حلّة خضراء
والجوّ حلّ سباق كلّ دجنّة ... فسرت إليك بديمة وطفاء «١»
والشمس في حبك «٢» السماء كأنّها ... مرآة تبر في قرارة ماء
والسحب تسمح [بالقطار كأنّها ... تحكي نظام الملك في الإعطاء] [١]
١٢٩- أبو نصر القائد [٢] المهلبيّ «٣»
خدم الأمير قرواش [٣] بن محمد [٤] [مدة] [٥] مديدة، يتزوّد مع
стр. 1106
البوادي مكن «١» الضّباب، ويلزم خيامهم لزوم الأطناب. ولهذا خوطب بخطاب الأعراب، وكان فصيح اللهجة، هدّار الشّقشقة «٢» ، طنّان [١] النغمة. يلوك العربية بلحن [٢] شديد، وينطلق منها بلسن سديد. أنشدني لنفسه، ونحن بأسفراين يهجو بعض المحتشمين:
إنّ المقابح والفضائح كلّها ... مستجمعات في ابن عبد الله [٣]
(كامل)
كلب تصدّر للوزارة وهو عن ... أمّ العزيز وخالتيه ساهي
أضحت أمور الملك واهية به ... وكذاك إن بقيت عليه كما هي [٤]
وله يشكو [٥] الزمان وأبناءه:
(لله درّ عصابة نادمتهم) «٣» ... كانوا عصارة هذه الأعصار
(كامل)
стр. 1107
فبليت [١] بعدهم بكلّ مؤاجر ... ما بين قصّار إلى عصّار
/ يعني بالقصّار «١» عمرك الرباطيّ، المستوزر في أيام ركن الدين طغرل بك، وبالعصّار أبا محمد الدهستانيّ الذي ملأ الأرض جورا بخراسان مرة وبالعراق طورا [٢] .
١٣٠- السّلار [أبو المعالي] [٣] محمد بن عليّ العقيليّ الكاتب
الذي تتقصّد «٢» لأنبوب قلمه أنابيب الرماح، ويتثلّم لغرب لسانه غروب الصفاح. فقد قرأت له كتابا أنشأه في الفتوح التي سهلّها الله تعالى للراية الطغرلية بالعراق؛ ديار بكر وربيعة ومضر من لدن شعبان سنة سبع [٤] وأربعين [٥] وأربعمائة «٣» إلى أواخر سنة تسع وأربعين فمن فصوله قوله:
стр. 1108
«فلما تبسّم ثغر الصباح، وتجلّى السّحر في غرر منه وأوضاح؛ أمرنا بعض الغلمان الدارية «١» بالعبور فعبروا دجلة، وهي طاغية العباب، مصندلة «٢» الماء، مفضّضة الحباب. ورسمنا للرماة رشق من يرفع من السور رأسه، وللرجّالة أن ينقبوا أساسه، وشرف المدينة بالأسنّة والنصول متبلّجة [١] ، وفي جنن الحديد متبرّجة. والسهام تقع فتطير، حيث لا يتوقّع من سويداء [٢] قلب [٣] ، وسواد عين [٤] وثغر نحر [٥] ، ومحلّ فكر [٦] » .
فصل: «ووقع الفراغ من عقد الجسر في مدة قصيرة، وأيام يسيرة.
وعبر عليه الرجل والخيل، وحلّ بالأعداء الثّبور «٣» والويل، وقامت الحرب مع المخاذيل على ساق، واستتبّ أسباب الظفر أحسن اتّساق. والسهام تقع عليهم وقوع المطر من الغيم، والزانات «٤» تنساب إليهم في الهواء أنسياب
стр. 1109
الأيم «١» . والحجارة تجرح وتكسّر، والمنايا في وجوههم تكلح وتكشّر، والرجّالة ينقبون، والزرّاقة «٢» يحرقون. والطير فوق رؤوسهم تنتظر هلاك نفوسهم، ودماؤهم تغلي في أوداجهم، وأرواحهم تتبرّأ من أجسادهم، وألسنتهم تتكلّف نشاطا ليس له [١] / [من القلوب [٢] مادة] [٣] وأعينهم خائرة من [٤] قتال ليس لهم بمثله عادة. وهم في أثناء ذلك يهوّلون على الأولياء باجتماع أمداد للعرب [٥] ، لا يحاط بهم [٦] بحدّ وحزر، ولا يعبّر عن جموعها بعدّ وحصر، ولم يعلموا أنّ الطّود لا يزعزع بالرياح، والسيل لا يمنع بالصياح [٧] ، والأسد لا تفزع بالنّباح. والرّجالة ينقبون ويرقبون، والرماة يرمون فيصمون، ويتعلّقون بفضلات أحجار السور، فيتسلّقون. ووقعت فردة في مقتل زعيم الحفظة، فانتقل إلى النار، ووقع القتل [٨] منهم في الصغار والكبار.»
стр. 1110
فصل: «وكان ظنّهم أن نستعمل فيهم من سوء الملكة، ولؤم القدرة، ما استعمل أصحابهم بسنجار، فيبلسون «١» بجرائرهم، ويقتلون عن آخرهم.
وكانوا عندنا أذلّ من أن يدرك بهم ثار، ويكون للسيف فيهم آثار [١] وأمرنا بتخليتهم وإعتاقهم، ونزّهنا السيوف عن تدنيسها بأعناقهم» .
فصل: «وإنّما اختاروا هذه [٢] المواضع لحاجز بيننا وبينهم من مفازة لا يظفر فيها بماء، ولا مضطرب [٣] فيها لسائر حرّ متحير، ولفح هواء، والزمان قلب الصيف، والحرّ أشدّ وقعا من حدّ السيف. متحصّنين بذلك القاع الأجرد، معوّلين على جمر الحديد المتوقّد، ظانّين [٤] أنّ ذلك مما يمنع أولياءنا من قتالهم وإطلالهم على أطلالهم، ولا يعلمون أنّ عساكرنا سيّما [٥] التّركمان [٦] يرتاحون الى البرد ارتياح الذئاب [٧] ، ويصبرون على الحر والعطش صبر الضّباب «٢» [٨] . ويثبتون للفح السّموم، ثبات ذوات السّموم.
стр. 1111
لا يمنعهم من مغزاهم حرّ وبرد، ولا يردّهم عن منجاهم غور ونجد. قد غذّوا بلبان الحروب ونشأوا على الكدّ والدّؤوب. صبيانهم من رجال غيرهم أفرس، وشيوخهم من شبّان سواهم أحمس. متنزّهاتهم شنّ الغارات على العدوّ، وأنسهم/ الركض بالآصال والغدوّ؛ [فهم أمضى في الظلام من الخيال، وأسرع إلى العداة من الآجال إلى الآمال «١» ] [١] . ونحن منتظرون ما يحدث لهم من رأي في التقدّم [٢] إلينا، والقرب منّا، فنشفي منهم غلّة الأسل الظّماء [٣] ، ونروي السيوف من هاماتهم بالدماء. فكلما قدّمهم التدبير ذراعا، أخّرهم الفرار باعا، إلى أن وقع اليأس [٤] من [٥] إقدامهم. واشتدّ حنين الصّوارم إلى هامهم.
قلت: وإنّما أوردت له هذه الفصول لأنّ الغالب على هذا الفاضل الترسّل، يحطب «٢» في حبله، ويناضل بنبله [٦] . فإذا مال إلى الشّعر
стр. 1112
أسفّت درجته، وخفّت كفّته. فمما أنشدني لنفسه، ونحن بالعراق قوله:
خطّ الجمال على لألاء عارضه ... دقيق [١] خطّ بنقط الخال موسوم
(بسيط)
كما يقرمط [٢] عنوان بغالية «١» [٣] ... على كتاب بطين المسك مختوم
وأنشدني له الشيخ أبو الحسن الطلحيّ «٢» قال: أنشدنيه لنفسه:
هجرت النساء أوان الشباب ... وثبت [٤] إليهنّ والشيب زارا
(متقارب)
وعنّست «٣» عنهنّ نفسي فحين ... خضبت [٥] العذار خطبت العذارى
стр. 1113
١٣١-[القاضي] [١] أبو القاسم هبة الله بن محمد [الرافعيّ] [٢]
فاضل بحقه، خازن لدرّ الشعر في حقّه. مذكور بين الفضلاء، مشهور بين الشّعراء، حافظ للأشعار البدويّة والحضريّة [٣] ، جامع كالسفينة النوحيّة.
وليس يحضرني من شعره إلّا بيتان، كتب بهما إلى الأديب يعقوب، يستعيره كتاب «جونة الند» من تصنيفه، وهما:
قد ندّ عنّي «جونة النّدّ» ... وما لها في الكتب من ندّ
(سريع)
فجدّ في إسعاد جدّي بها ... فإنّ نيل الجدّ بالجدّ
стр. 1114
١٣٢- محمد بن عبد الملك الشالنجيّ [١]
هو بلديّ [القاضي] [٢] أبي القاسم هبة الله. كتب إليه حين ورد الخبر عليه/ بقدوم عميد الحضرة:
[و] [٣] قالوا: تدانى العميد الجديد ... فهلّا وقفت لتلقى العميدا؟
(متقارب)
فقلت: كفاني الإله العميد ال ... قديم ويكفي [٤] العميد الجديدا
وعلى ذكر العميد، فقد كان بناحية باخرز «١» عميد، يمدحه والدي، رحمة الله عليه. فلا يتقدّم إليه بإنعام، ومع ذلك يصادره كلّ عام. فلمّا شفاه الله من ألمه، بأن سقى الأرض من دمه قال فيه:
يقال: عميدكم قد ذاق حتفا ... فقلت: مصيبة لم تبك طرفا
(وافر)
أيعوزني عميد كلّ عام ... يصادرني على عشرين ألفا؟ [٥]
стр. 1115
١٣٣- أبو القاسم بن أبي العبّاس الأسفراينيّ [١]
أنشدني الشيخ أبو سعيد الطبسيّ [٢] الحماسيّ، قال: أنشدني أبو القاسم لنفسه (في أبيه) [٣] :
لقد أربى [٤] أبو العبّاس جودا ... على جود الربيع لمجتديه
(وافر)
ففي إحدى يديه ممات قوم ... وفي أخرى الحياة لمعتفيه
لقد خضعت له [٥] الدّنيا ودانت ... فهل مرقى (سواه فنرتقيه) ؟ [٦]
وأقبل نحوك الإقبال حتّى ... غدا بصرا وأنت النور فيه
فنورز ألف نيروز «١» سعيدا ... رفيع الجدّ في عيش رفيه
стр. 1116
١٣٤- الشيخ أبو الحسن محمد بن [أبي] [١] الحسين [٢] بن طلحة
أوحد خراسان يصرف كيف شاء قلمه واللسان، ويحفظ من الأشعار ما لا يحدّ، ويروي من الأخبار ما لا يعدّ. فهو صدر لا يتّسع لمثل [٣] محفوظاته صدر. فكأنّ نحره [٤] بما استودع [فيه] [٥] بحر. وله بيت في السيادة قديم، ومخّ في الرئاسة صميم. وقد طالما جاذبته أهداب الآداب [٦] (فبلّت يداي) [٧] منه بالمحض اللباب، الذي يعشو إلى ضوء ناره أولو/ الألباب. وكتبت إليه قصيدة موسومة باسمه، منسوبة في طرازه، معمولة [٨] برسمه، وهي:
نسيم الصّبا زادك الله نفحه ... ورشّت عليك يد العمر [٩] رشحه
(متقارب)
ففي حركاتك للمستهام ... سكون وسقمك [١٠] للجوّ صحّه
стр. 1117
وأنت [١] تؤدّي سلام الحبيب ... بلفظ يفهّمنا الحبّ شرحه
وأنت تجرّ زمام السفين ... فتنقاد في لجّة البحر سمحه
ومنك تعلّم قدّ القضي ... ب أن يتمايل في كلّ لمحه
كأنّ هبوبك وقت الصباح ... على الروض من ريش جبريل مسحه
لذكّرتني نشوات الصّبا ... بذي الطلح «١» لا [٢] عضد «٢» الفاس [٣] طلحه
(ليالي مرعى) [٤] الهوى مونق ... خصيب يسيم «٣» به اللهو سرحه [٥]
ومنها في التخلّص [إلى المديح] [٦] :
ألا إنّ لي في ضمان الزما ... ن وعدا [٧] سيرزقني الله نجحه
стр. 1118
وما ذاك إلّا لقاء الذي ... لقيت مناي من الشعر مدحه
أبي الحسن [١] السيد الأريحيّ ... محمد بن الحسين بن طلحه
[والقصيدة طويلة] [٢] تلتفت إلى الخمسين، غير أني اقتصرت منها على هذه الأبيات. فممّا أنشدني لنفسه وله:
وذي نخوة قد عاب فضلي لنقصه ... وألقى على مجدي المؤثّل بأسه
(طويل)
تجافيت عنه إذ بلوت جفاءه ... وخفّفت رجلي حين ثقّل رأسه
[وقوله] [٣] :
رجوت أبا سهل لدفع ملمّة ... فحلّ رجائي في أذلّ مكان
(طويل)
وكنت كحاضي [٤] الكلب جوزي فعله ... بتمزيق أثواب وعضّ بنان
[وقوله] [٥] :
стр. 1119
/
إذا لم يجد جون السحاب بقطرة ... فسوف يندّي الروض برد ظلاله [١]
(طويل)
كذلك جاه الحرّ يحيا به الفتى ... وإن لم يفده [٢] الوفر من عرض ماله
ومما لم يسبق إليه في الاقتباس من كلام ربّ الناس قوله:
بنفسي من سمحت له بروحي ... فلم يسمح بطيف من خياله
(وافر)
وقد طبع الخيال على مثالي ... كما طبع الجمال على مثاله
ولما أن رأى تدليه عقلي ... وشدة حرقتي ورخاء باله
تبسّم ضاحكا (عن برق) [٣] ثغر ... يكاد الودق يخرج من خلاله «١»
وقوله [٤] :
стр. 1120
إن كنت ترغب في الخلاص من [١] الأذى ... (والكون في صفّ [٢] السلامة) فارفق
(كامل)
واطلب لنفسك منزلا متوسطا ... بين الخصاصة والغنى واستوثق
فالحرّ لولا ماله لم يهتضم ... والعود لولا طيبه لم يحرق [٣]
وله في خاله الشيخ الإمام الموفّق:
قل للإمام أبي محمد الذي ... من نوره غرر المعالي تقبس:
(كامل)
جدّدت للتدريس رسما دارسا ... لا زلت تدرس والأعادي تدرس [٤]
стр. 1121
١٣٥- القاضي أبو بكر أحمد بن منصور الشّرمقانيّ «١»
أنشدني الأديب يعقوب قال: أنشدني أبو القاسم هبة الله له فيما كتب إليه:
أترى يذكرني القا ... ضي كما أذكره؟
(مجزوء الرمل)
أم تراه [١] ناسيا لي ... وكذا [٢] أحزره [٣]
[قال هبة الله: فأجبت عنه بقولي] [٤] :
[٥] حشو قلبي سرّ [٦] شوق ... وأنا أستره
(مجزوء الرمل)
إن عندي للإمام ال ... فرد ما أشكره
стр. 1122
لست أنساه حياتي ... فمتى أذكره؟
ساعة ما غبت عنه ... فمتى أحضره؟
/ هكذا قال، وهو أبو العباس الفضل وأخوه أبو سعد محمد الشّرمقانيّ «١» [١]
١٣٦- الدّهخدا أبو سعد [٢] الفضل بن [٣] سعد ابن محمد الأشقانيّ
شابّ كثّر الله فضائله، وجمع أسباب السعادات [٤] له. ربّي في حجر الرئاسة، وغذّي بدرّ الفضل، وحمل على كاهل المجد. وله أدب غض، ولشعره من الملاحة حظّ. (وأبوه الدّهخدا) [٥] أبو الوفا زفّت إليه عرائس الكرم بالبنين والرّفاء. وهذا الفاضل متحلّ بخلاله، ومتزين بخصاله وحقّ على ابن الصقر أن يشبه الصقر. أنشدني لنفسه من خدمة نظامية:
стр. 1123
أشاقك ظيّان [١] الشّفير ورنده «١» ... وكيف وقد حلّ الحمى من تودّه؟
(طويل)
خوى منهم [٢] سفح المحجّر فاللّوى ... وغصّ بهم غور العراق ونجده
ومنها:
فلمّا أذيلت للجناب [٣] ذيوله ... وليل موج «٢» لا يرى الجزر مدّه
يراقبنا جرس الحليّ [٤] وقرعه [٥] ... ويغري بنا نشر الكباء «٣» ووقده
ومنها:
وفتية حرب لا يرام حماهم ... يظلّهم طول الوشيج «٤» وقصده
стр. 1124
تراضع درّ الموت قبل فطامها ... ويشغلها عن هازل الطعن جدّه
فما برقت في عارض» الموت ضربة ... تأجّج [١] إلا وهي في الضيق رعده
وا [له] [٢] من أخرى:
(يجلّ قدرك) [٣] عن سعيي وذات يدي ... أدعو لك الله بالنّعمى إلى [٤] الأبد
(بسيط)
شمس الكفاة نظام الملك قول فتى ... لسانه عن طريق النّصح لم يحد
إن الوزارة كانت في الألى سلفوا ... أمّا تعيش وتبقى جمّة الولد
لكن بمثلك في بدو وفي حضر ... مذ سارت الدهر لم تحبل ولم تلد
/ يا من يقصّر في تاريخ سيرته ... دع الهوى عنك [٥] واقلع ناظر الجسد «٢» [٦]
стр. 1125
وارم التواريخ من عرب ومن عجم ... واكتب عليهنّ: ما بالربع من أحد «١» [١]
قلت: قد فرغت من أسفراين واستفرغت طبقتها، وجئت [٢] جوين فنشرت ورقتها، وكان من حقّها أن يكون صدر موكبها الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف «٢» . فانّه الشمس الذي «٣» يضيء به الزمن البهيم، والبحر الذي يرتوي به العطاش الهيم. غير أني جمّلت بذكره [٣] الكورة وسوغتّها فضائله المذكورة، ومحاسنه المشهورة. وادّخرت لها الوزير أبا القاسم عليّ بن عبد الله، وأسندت إليه من شعره مادلّتني الرواة عليه. والله أعلم.