أم هل يفيدك [١] أن تعاتب مولعا ... بتتبّع العثرات [٢] غير مراقب
جعل اعتراضك للسّفاهة ديدنا ... والذئب ديدنه اعتراض الراكب
[ومنها] [٣] :
إنّ الفتوّة [٤] علّمتني شيمة ... تهدي الضّياء [٥] إلى الشّهاب الثاقب
ما زال [٦] يسلب كلّ من حمل الظّبى ... قلمي، وأحداق الظّباء سوالبي [٧]
فهوى التّصرف والتصرّف في الهوى ... دفنا شبابي في عذاري الشائب
فتظلّمي من ناظر أو ناظر ... وتألّمي من حاجب أو حاجب
[ومنها] [٣] :
وقبلت عذر بني الزّمان لأنّهم ... سلكوا طريق بني الزّمان الذّاهب
جبلوا على رفض الوفاء كغيرهم ... وتمسّكوا بالغدر ضربة لازب «١»
وله من قصيدة [﵀] [٨] [أيضا] [٩] :
стр. 107
إلزم جفاءك لي ولو فيه الضّنى ... وارفع حديث البين [١] عمّا بيننا
(كامل)
فسموم هجرك في هواجره [٢] الأذى ... ونسيم وصلك في أصائله المنى
ليس التلوّن من أمارات الرّضى ... لكن إذا ملّ الحبيب تلوّنا
تبدي الإساءة في التيقّظ عامدا ... وأراك تحسن في الكرى أن تحسنا
ما لي إذا استعطفت رأيك رمت لي ... عتبا جديدا من هناك ومن هنا؟
وله [أيضا] [٣] من [قصيدة] [٤] أخرى:
[كم ترسلون أعنّة الهجران ... فقد الحياة وهجركم سيّان] [٣]
(كامل)
إني أغار عليكم أن تسلكوا ... في الودّ غير طرائق الفتيان
وأخاف مرّعتا بكم ما لم أخف ... تحت العجاج عوالي المرّان «١»
لم أجن فاستعطفتكم لكنّ بي ... شوقا إلى استعطافكم ألجاني «٢»
стр. 108
وهبوني [١] الجاني، ألست شقيقكم؟ [٢] ... هلّا غفرتم للشّقيق [٣] الجاني؟ [٤]
غطّوا بأذيال التجاوز منكم ... هفوات جان للنّدامة جان
ولربّما كره العقوبة حازم ... كيما يفوز بلذّة الغفران
ببعادكم أبغضت دار كرامتي ... وبقربكم أحببت دار هواني
وله [أيضا ﵀] [٥] ، قال: وهو منقول من الفارسية [٦] :
وصحراء ردّتها [٧] الظّباء حفائرا ... بأظلافها، أحسن بها من حفائر
(طويل)
فهبّت رياح للصّبا فطممنه [٨] ... بمسك فعادت نزهة للنّواظر [٩]
وله [أيضا] [١٠] :
стр. 109
قد كنت أرجوك [١] للبلوى إذا عرضت ... فصرت أخشاك [٢] والأيام للغير
(بسيط)
أخشى وحكمي أن أرجو ولا عجب ... وربّما [٣] يتأذى الروض بالمطر
[قلت] [٤] : هذا معنى ماله نهاية، وغاية [٥] في الاختراع ليس وراءها غاية [٦] . وله [أيضا] [٤] :
أراك على العلّات غير موفّق ... وما أحسن التوفيق حيث تكون!
(طويل)
تريد تلافي الأمر من بعد فوته ... ولو شئت كان الصعب [٧] منه يهون
كبلهاء [٨] قوم حين بلّت طحينها [٩] ... بدت تنخل المبلول وهو عجين [١٠]
وأنشدني [أيضا] [١١] له أبو الفضل يحيى بن نصر البغداديّ:
سكن ساكن سواد الفؤاد ... ملّ [١٢] قربي ومال نحو بعادي
(خفيف)
стр. 110
قال: لم لا تنام؟ قلت لإعرا ... ضك وهو الخلاف للمعتاد [١]
إنّما أشتهي الكرى لأرى طي ... فك فيه وأنت سهل القياد
فإذا لم يزر خيالك إلّا ... مغضبا، فالكرى فداء السّهاد [٢]
وله [أيضا] [٣] :
بأبي حبيب كلّما عانقته ... عادت إليّ شبيبتي بعناقه
(كامل)
كالراح يجمع بين طيب نسيمه ... وبهاء منظره وطيب مذاقه
أخلاقه (نزه القلوب) [٤] وبالحري ... أن يستعير الروض من أخلاقه
أيقنت أن لا عيش غير لقائه ... أبدا، وأن لا موت غير فراقه
وله [أيضا] [٥] :
أيّها العاذل مهلا ... ليس هذا العذل شيا
(مجزوء الكامل)
لا تكلّفني سلوّا ... إنّ ذا لا يتهيّا
стр. 111
وأنشدني الشيخ أبو عامر الفضل بن اسماعيل التميميّ «١» أيّده الله قال:
أنشدني أبو الحرث الاصفهانيّ، كاتب الحضرة، قال: أنشدني أبزون هذا لنفسه:
ليهنك أنّ ملكك في ازدياد ... وأنّ علاك وارية الزنّاد
(وافر)
وأنّك من إذا وصف الموالي ... مناقبه أقرّبها [١] المعادي [٢]
حديث قراك متّع كلّ سمع ... وذكر نداك [٣] عطّر كلّ ناد [٤]
وتنقاد الملوك لك اعتقادا ... وما انقادوا لغيرك باعتقاد
ملكت رقابهم بأسا وجودا ... فهم ملك [٥] السيوف أو الأيادي
إذا استعرضت جيش الرأي ليلا ... جعلت عطاءه طول السّهاد
стр. 112
إذا ادّرعوا الدّجى والهول باد ... سروا ونجومهم غرر الجياد
فبالسّمر اللّدان «١» إذا تمادوا [١] ... ألنتهم «٢» [٢] وبالبيض الحداد [٣]
وأنشدني القاضي أبو جعفر محمد بن اسحاق البحاثيّ «٣» قال: أنشدني حمد ابن محمد الثوريّ.
قال: أنشدني الكافي أبو علي أبزون بن مهفرد [٤] [المجوسيّ] [٥] لنفسه:
تأبى قبولي أيّ [٦] أرض زرتها ... قدمي رجائي وافتقاري [٧] سائقي
(كامل)
فكأنّما الدّنيا بدا متحرّز ... وكأنّني فيها وديعة سارق
وانصرف يوما من الصيد، ونضد ما حصل منها بين يديه. وقال، والكأس تهزّ عطفيه:
стр. 113
فهجرنا القنا وزرنا القناني ... واشتغلنا عن الظّبى [١] بالظّباء
(خفيف) وله من قصيدة [غير قصيرة] [٢] .
فلا [٣] ملّت معاتبتي فانّي ... أعدّ عتابها إحدى الهدايا
(وافر) وله من قصيدة [أخرى] [٢] :
فخذي [٤] إلى ديوان عطفك وقّعى ... يكتب لنا من مقلتيك أمان
(كامل)
٤- ثابت بن هارون الرّقّيّ النّصرانيّ [٥]
هذا ممّن [٦] شذّ عن [٧] الثعالبيّ ذكره، وذهب عنه شعره. وإذا كان المتنبي في طبقات يتيمته من العصريّين، فالذي بعده ممّن يهدي المرثية
стр. 114
إليه، (وينوح مع ورق الحمائم [١] عليه) [٢] أولى بأن يعدّ من الطبقة.
وقد عرض على (أبي للشيخ) [٣] أبي الحسن علي بن يحيى الكاتب في ديوان الحضرة ديوان المتنبيّ محلىّ الظّهر بتوقيعين له خطّهما بيمينه، وأثبت بهما سماع هذا الفاضل أشعاره منه مرتين، وعرضه مجموعها [٤] على سمعه كرّتين، وجرى بعد حصوله تحت كلاكل الأجل المتاح، وتصديقه قوله في ترك مهجته سائلة على [٥] الأرماح، على قضيّة كرم العهد واستئثار الأمير عضد الدولة «١» [والدين] [٦] على فاتك «٢» وبني أسد، بقوله:
الدّهر أغدر والليالي أنكد ... من أن تعيش لأهلها يا أحمد
(كامل)
قصدتك لمّا أن رأتك نفيسها ... بخلا بمثلك، والنفائس تقصد
стр. 115
ومنها:
ذقت الكريهة بغتة وفقدتها ... وكريه فقدك في الورى لا يفقد [١]
ما كان تاركك الزمان لأهله ... إنّ الزمان على الغريبة يحسد
قل لي إن اسطعت [٢] الخطاب فانني ... صبّ الفؤاد إلى خطابك مكمد: [٣]
أتركت بعدك شاعرا؟ والله لا ... لم يبق بعدك في الزمان مقصّد
إنّ [٤] العلوم فإنّها يا ربّها ... تبكي عليك بأدمع ما [٥] تجمد
غدر الزمان به فخان ولم تزل ... أيدي الزمان ببأسه تستنجد
لقي الخطوب فبذّها حتّى جرى ... غلط القضاء عليه وهو تعمّد
ومنها:
صه [٦] يا بني أسد فلست بنجدة ... أثّرت فيه، بل القضاء يقيّد [٧]
يا أيّها الملك المؤيّد دعوة ... ممّن حشاه [٨] بالأسى يتوقّد
стр. 116
هذي [١] بنو [٢] أسد بضيفك أوقعت ... وحوت عطاءك إذ حواه الفرقد
وله عليك بقصده يا ذا العلا ... حقّ التحرم والذّمام [٣] الأوكد
فارع الذّمام وكن لضيفك طالبا ... إنّ الذمام على الكريم مؤيّد
ارع [٤] الحقوق لقصده وقصيده ... عضد الملوك فليس غيرك يقصد
وإذا المكارم والمحامد أسندت ... فإلى الأمير أبي شجاع تسند [٥]
٥- محمد بن عبيد [٦] الله بن محمد الكاتب النّصيبيّ [٧]
القول فيه كالقول في الرقّيّ الذي سبقت قوافيه. قال يرثي المتنبيّ ويستجيش عضد الدولة على مدحضي قدمه، ومريقي دمه:
قرّت عيون الأعادي يوم مصرعه ... وطالما سخنت فيه من الحسد
(بسيط)
стр. 117
يا يوم صافية الكدراء قد كدرت ... مشاربي بعد مقتول بلا قود
قد كان يوم الوغى ماضي السّنان وإن ... حاد المنازل للأقران لم يحد
أمضى وأجرأ [١] صدرا من غضنفرة ... عبل الذراع شديد البطش ذي [٢] لبد
كم من كميّ غدا في ربق أحبله [٣] ... فأحسن العفو عنه غير مضطهد
أولاه منه نوالا ثم أعتقه ... رطب اللسان بشكر العتق والرغد
ومنها:
أبا شجاع فتى الهيجا وفارسها [٤] ... ومشتري الشّكر بالإنفاق والصّفد «١»
هذي بنو أسد جاءت بمؤيدة «٢» ... صمّاء بائحة هدّت [٥] ذرا احد
سطت على المتنبّي من فوارسها ... سبعون جاءته في موج من الزرد
حتّى أتت وهو في أمن وفي دعة ... يسير في ستّة إن تحص لم تزد
стр. 118
كرّت عليه سراعا غير وانية ... فغادرته رهين التّرب والثّأد «١»
من بعد ما أعملت [١] فيهم أسنّته ... طعنا يفرّق بين الرّوح والجسد
فاطلب بثأر فتى ما زلت تعضده ... لله درّك من كهف ومن عضد
أذك العيون عليهم أيّة سلكوا ... وضيّق الأرض والأقطار بالرّصد
شرّدهم بحيوش لا قوام لها ... تأتي على سبد «٢» الأقوام والّلبد
стр. 119
٦- أبو الحسن عليّ بن محمد التّهاميّ «١»
هو وإن [١] توّج هامة [٢] تهامة «٢» بالانتساب إليها، وطرّز كمّ الصناعة بالاشتمال عليها، فإنّ مكانه لم يزل بالشام حتى انتقل من جوار بنيها [الأجلّة] [٣] الكرام إلى جوار الله ذي الجلال والاكرام. وله شعر أدقّ [٤] من دين الفاسق، وأرقّ من دمع العاشق، كأنّما روّح [٥] بالشّمال أو علّل بالشّمول، فجاء كنيل البغية ودرك المأمول.
حدّثني القاضي أبو جعفر محمد بن اسحاق [البحاثيّ] [٦] ﵀ قال:
حدثني أبو كامل نعيم بن المفرّج [٧] الطائي أن التّهاميّ هذا كان في ابتداء أمره من السوقة:
стр. 120
وقد كان يرمي عن مريرة قوسه ... بكالثلج تذريه خروق الغمائم
(طويل)
ويعلو كثيرا بالكهام [١] منشنشا ... فقار قطوف «١» ذي ثلاث قوائم
ثم انقطع إلى بني الجرّاح يمتدحهم [٢] ، ويستضيء [٣] بهم ويقتدحهم.
وكانت له همّة في معالي الأمور تسوّل له رئاسة الجمهور. فقصد مصر واستولى على أموالها، وملك أزمّة أعمالها [وعمالها] [٤] . ثم إنه غدر به بعض أصحابه، فصار ذلك سببا للظفر به، وأودع السجن في موضع يعرف بالمنسيّ حتى مضى لسبيله ﵀. فمن محاسنه التي تعلّق في كعبة الفصاحة، قوله:
كن من لواحظ عينيها على حذر ... فإنّ ألحاظها أمضى من البتر [٥]
(بسيط)
أهتزّ عند تمنّي وصلها طربا ... وربّ أمنيّة أحلى من الظّفر
تجني عليّ وأجثي من مراشفها ... ففي الجنى والجنايات انقضى عمري
أهدى لنا طيفها نجدا وساكنه ... حتى اقتنصنا [٦] ظباء البدو في الحضر
فبات يجلو لنا من وجهها قمرا ... من البراقع لولا كلفة القمر
стр. 121
وراعها حرّ أنفاسي فقلت لها: ... هواي نار، وأنفاسي من الشّرر
فزاد [١] درّ الثّنايا درّ أدمعها ... فالتفّ منتظم منه بمنتثر
فما نكرنا من الطّيف الملّم بنا ... ممّن هويناه إلّا قلة الخفر
ومن بدائعه في هذه الرائية [٢] [قوله] [٣] :
لو لاه لم يقض [٤] في أعدائه قلم ... ومخلب الليث، لولا الليث كالظفر
ما صرّ [٥] «١» إلّا وصلّت بيض أنصله ... في الهام أو أطّت «٢» الأرماح في الثّغر «٣»
وغادرت في العدا طعنا يحفّ به ... ضرب كما حفّت الأعكان «٤» بالسّرر
قلت: هذا والله هو المعنى البديع، والربيع المريع، والتشبيه اللائق،
стр. 122
والغرض الموافق. وقد كان يملكني [١] الاعجاب بقول ابن المعتزّ:
وتحت زنانير شددن عقودها ... زنانير أعكان معاقدها السّرر
فزاد التهاميّ عليه، وفي المثل [٢] : من زاد ركب. ولعمري [٣] إنّ كليهما [٤] أعكان كلّها أعيان، وسرر كلها غرر [٥] وله أيضا من قصيدة «١» :
حازك البين حين أصبحت بدرا [٦] ... إن للبدر في التّنقّل عذرا
(خفيف)
فارحلي إن أردت أو فأقيمي ... أعظم الله (للهوى فيّ) [٧] أجرا
لا تقولي: لقاؤنا بعد عشر ... لست ممّن يعيش بعدك عشرا
[إنّ خلف الميعاد منك طباع ... فعدينا إذا تفضّلت هجرا] [٨]
ومنها:
стр. 123
قلم [١] دبّر [٢] الأقاليم حتى ... قال فيه أهل التناسخ أمرا
يتبع الرمح أمره إنّ عشري ... ن ذراعا بالرأي تخدم شبرا
لا تقيم الأموال عندك يوما ... فإلى كم يكون مالك سفرا؟ «١»
أنصف المال من نوالك يا من ... بيديه أمر المظالم طرّا
جرت في بذله وأحكامك العد ... ل، فإن كان قد أساء فغفرا
وله، وهو مما ينساب في العروق مع الصهباء الممزوجة بماء السّماء:
حطّي النقاب لعلّ سرح لحاظنا ... في روض وجهك يرتعين قليلا «٢»
(كامل)
كلف الفراق بمن هويت فكلّما [٣] ... دانيته شبرا تأخّر ميلا
قتلتني الأيام حين قتلتها ... علما فأبصر قاتلا مقتولا
стр. 124
وكنت نقلت في صباي قصيدة له يرثي بها ابنه أبا الفضل من خطّ الحاكم أبي حفص عمر بن علي المطوّعي «١» ﵏. وحفظتها وراء ظهري، وعددتها من ذخائر دهري، وهي «٢» :
حكم المنيّة في البريّة جار [١] ... ما هذه الدّنيا بدار قرار
(كامل)
بينا يرى الإنسان فيها مخبرا ... حتى يرى خبرا من الأخبار
طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الأقذاء والأكدار
ومكلّف الأيام ضدّ طباعها ... متطلّب في الماء جذوة نار
وإذا رجوت المستحيل فإنّما ... تبني الرجاء على شفير «٣» هار
стр. 125
فالعيش [١]
نوم والمنيّة يقظة ... والمرء بينهما خيال سار [٢]
والنفس إن رضيت بذلك أو أبت ... منقادة بأزمّة «١» الأقدار [٣] [٤]
فاقضوا [٥] مآربكم عجالا إنّما ... أعماركم سفر من الأسفار
وتراكضوا خيل الشباب وبادروا ... أن تستردّ فإنّهنّ عوار [٦]
فالدهر (يخدع بالمنى) [٧] ويغصّ إن ... هنّى، ويهدم ما بنى ببوار [٨]
ليس الزمان ولو [٩] حرصت مسالما [١٠] ... خلق الزمان عداوة الأحرار
إني وترت بصارم ذي رونق ... أعددته لطلابة الأوتار
стр. 126
أثني عليه بأثره «١» ولو انّه ... لم يعتبط أثنيت بالآثار
يا كوكبا ما كان أقصر عمره! ... (وكذاك عمر) [١] كواكب الأسحار
وهلال أيام مضى لم يستدر ... بدرا [٢] ولم يمهل لوقت سرار «٢»
عجل الخسوف [٣] عليه قبل أوانه ... فغطاه [٤] قبل مظنّة الإبدار «٣»
واستلّ من أترابه ولداته ... كالمقلة استلّت من الأشفار
[فكأنّ قلبي قبره وكأنّه ... في طيّه سرّ من الأسرار] [٥]
إن تحتقر صفرا فربّ مفخّم ... يبدو ضئيل الشخص للنظّار
إنّ الكواكب في [٦] علوّ محلها ... لترى صغارا وهي غير صغار
ولد المعزّى بعضه [٧] فإذا انقضى ... بعض الفتى فالكلّ في الآثار
стр. 127
أبكيه ثم أقول معتذرا له ... وفّقت حين تركت الأم [١] دار/
جاورت أعدائي وجاور ربّه ... شتّان بين جواره وجواري
منها:
أشكو [٢] بعادك لي وأنت بموضع ... لولا الرّدى لسمعت فيه سراري
والشّرق نحو الغرب أقرب شقّة ... من بعد تلك الخمسة الأشبار
هيهات قد علقتك أشراك الرّدى ... واعتاق عمرك قاطع الأعمار
ولقد جريت كما جريت لغاية ... فبلغتها وأبوك في المضمار
وإذا نطقت فأنت أوّل منطقي ... وإذا سكتّ فأنت في إضماري
أخفي من الرّقباء [٣] نارا مثلما ... يخفي من النار الزّناد الواري
وأخفّض الزفرات وهي صواعد ... وأكفكف العبرات وهي جوار
وشهاب زند الحزن إن طاوعته ... وار، وإن عاصيته متوار [٤]
وأكفّ نيران الأسى ولربّما [٥] ... غلب التّصبّر فارتمت بشرار
ثوب الرّياء يشفّ عمّا تحته ... وإذا التحفت به فإنّك عار
стр. 128
قصرت جفوني أم تباعد بينها ... أم مقلتي خلقت بلا أشفار؟ [١]
جفت [٢] الكرى حتّى كأنّ غراره ... عند اغتماض العين حدّ غرار «١»
أحيي ليالي التّمّ وهي تميتني ... ويميتهنّ تبلّج الأنوار [٣]
حتّى رأيت الفجر يرفع كفّه ... بالضوء، رفرف خيمة كالقار
والصّبح قد غمر النجوم كأنّه ... سيل طغى [٤] وطفا [٥] على النّوّار
لو كنت تمنع خاض دونك فتية ... منّا بحار عوامل [٦] وشفار
ودحوا «٢» فويق [٧] الأرض أرضا من دم ... ثم انثنوا فبنوا سماء غبار
قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها ... سحبا مزرّرة على أقمار
стр. 129
وترى سيوف الدّارعين كأنّها ... خلج تمدّ [١] بها أكفّ بحار
لو أشرعوا [٢] أيمانهم من طولها [٣] ... طعنوا بها عوض [٤] القنا الخطّار
شوس إذا عدموا الوغى انتجعوا «١» لها ... في كلّ أوب نجعة الأمطار
جنبوا الجياد على [٥] المطيّ وزاوجوا ... بين السّروج هناك والأكوار
وكأنّما ملأوا [٦] عياب «٢» دروعهم ... وغمود أنصلهم سراب [٧] قفار
وكأنّ من [٨] صنع السوابغ عزّه ... ماء الحديد فصاغ ماء قرار [٩]
زردا، وأحكم كلّ موصل [١٠] حلقة ... بحبابة «٣» في موضع المسمار
стр. 130
فتدرّعوا بمتون ماء راكد [١] ... وتقنّعوا بحباب ماء جار
أسد ولكن يؤثرون بزادهم ... والأسد ليس تدين بالإيثار
يتعطّفون على المجاور فيهم ... بالمنفسات تعطّف الأظآر [٢]
يتزيّن النادي بحسن وجوههم ... كتزيّن الهالات بالأقمار
من كلّ من جعل الظّبى أنصاره ... وكرمن فاستغنى عن الأنصار
واللّيث إن بارزته لم يعتمد ... إلّا على الأنياب والأظفار
وإذا [٣] هو اعتقل القناة حسبتها ... صلّا «١» تأبّطه هزبر ضار
زرد الدّلاص «٢» من الطّعان برمحه ... مثل الأساور «٣» في يد الإسوار [٤]
ويجرّ ثمّ يجرّ صعدة رمحه ... في الجحفل المتضايق الجرّار
стр. 131
ما بين ترب «١» [١] بالدّماء ملبّد ... لزق [٢] ونقع بالطّراد «٢» مثار
والهون «٣» في ظلّ الهوينى كامن ... وجلالة الأخطار في الإخطار
تندى أسرّة وجهه ويمينه ... في حالة الاعسار والإيسار
ويمدّ نحو المكرمات أناملا ... للرّزق في أثنائهنّ مجار
يحوي المعالي غاليا أو خاليا [٣] ... أبدا يداري دونها ويماري
قد لاح في ليل الشباب كواكب ... إن أمهلت آلت [٤] إلى الإسفار
وتلهّب الأحشاء شيّب مفرقي [٥] ... هذا الضياء شعاع تلك النّار
شاب القذال «٤» وكلّ غصن صائر ... فينانه الأحوى «٥» إلى الإزهار
стр. 132
والشّبه منجذب فلم بيض الدّمى ... عن بيض مفرقه ذوات نفار؟
وتودّ لو جعلت سواد قلوبها ... وسواد أعينها خضاب عذاري [١]
لا تنفر الظّبيات منه [٢] فقد [٣] رأت ... كيف اختلاف النّبت [٤] في الأطوار
شيئان ينقشعان أول وهلة؛ ... ظلّ [٥] الشّباب وخلّة الأشرار
لا حبّذا الشّيب الوفيّ وحبّذا ... شرخ الشّباب الخائن الغدّار
وطري «١» من الدنيا الشّباب وروقه ... فإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته ... عندي ولا آلاؤه بقصار
نزداد همّا كلّما ازددنا غنى ... فالفقر [٦] كلّ الفقر في الإكثار
ما زاد فوق الزّاد خلّف ضائعا ... في حادث أو وارث أو عار
إنّي لأرحم حاسديّ لحرّما ... ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي ... فكأنّما برقعت وجه نهار
وسترتها بتواضعي فتطلّعت ... أعناقها تعلو على الأستار
стр. 133
ومن الرجال (مجامل ومعالم) [١] ... ومن النّجوم غوامض ودرار
والناس مشتبهون في إيرادهم ... وتفاضل الأقوام في الإصدار
عمري لقد أوطأتهم طرق العلا ... فعموا ولم يطأوا على آثاري [٢]
لو ابصروا بعيونهم لاستبصروا ... وعمى البصائر من عمى الأبصار
هلّا سعوا سعي الكرام فأدركوا ... أو سلّموا لمواقع الأقدار؟
ذهب التكرّم والوفاء من الورى ... وتصرّما، إلّا من الأشعار
وفشت خيانات الثّقات وغيرهم ... حتى اتّهمنا رؤية الأبصار
ولربّما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في يمنى بغير يسار
وله [أيضا] [٣] ، وهو ممّا أفادنيه الشيخ أبو محمد الحمدانيّ:
تهيم ببدر والتنقّل والنّوى ... على البدر محتوم فهل أنت صابر؟
(طويل)
له من سنا الفجر المورّد غرّة ... ومن حلل [٤] الليل البهيم غدائر
وله [أيضا] [٥] من تشبيب [٦] قصيدة أخرى:
стр. 134
بكيت فحنّت ناقتي فأجابها ... صهيل جوادي [١] حين لاحت ديارها
(طويل)
خططنا بأطراف المخاصر أرضها ... فأهدت [٢] إلينا مسك دارين «١» دارها
ولاحت ثنايا الأقحوان ولو رأت ... عوارض [٣] من أهواه طال استتارها [٤]
توقّ عيون الغانيات فإنّها ... سيوف وأشفار الجفون شفارها «٢»
وله [أيضا] [٥] :
خليليّ هل من رقدة أستعيرها؟ ... لعلّي بأحلام الكرى أستزيرها؟
(طويل)
ولو علمت بالطّيف عاقته دوننا ... لقد أفرطت بخلا بما لا يضيرها
ومن أملح ما سمعت في هذا المعنى قوله:
أبرزن من تلك العيون أسنّة ... وهززن من تلك القدود رماحا
(كامل)
стр. 135
يا حبّذا ذاك السّلاح وحبّذا ... وقت يكون الحسن فيه سلاحا
ومنها:
أهوى الفتى يعلي جناحا للعلا [١] ... أبدا ويخفض للجليس جناحا
وأحبّ ذا الوجهين؛ وجها في النّدى ... ندبا ووجها في اللقاء وقاحا
وله من أخرى أوّلها:
لو جادهنّ غداة رمن رواحا ... غيث كدمعي ما أردن براحا «١»
(كامل)
حانت لفقد الظّاعنين ديارهم ... فكأنّهم كانوا لها أرواحا
وأرى العيون ولا كأعين عامر ... قدرا مع القدر المتاح متاحا
ومنها:
متوارثي مرض الجفون وإنّما ... مرض الجفون أن يكنّ صحاحا
يرمي الكتيبة بالكتاب إليهم ... فيرون [٢] أحرفه الخميس كفاحا
стр. 136
من نقسه دهما «١» ومن ميماته ... زردا ومن ألفاته أرماحا
وله [أيضا] [١] :
وأقسم أنّي ما هممت بريبة ... لغانية إلّا إذا كنت راقدا
(طويل)
ولكنّني لمّا رأيت جفونها ... ممرّضة، أرسلت طرفي عائدا
ولو لم تكن أجفانها صدفا لما ... نثرن غداة البين درّا فرائدا
توسّدني العيس الطّليح «٢» ذراعها ... إذا لم توسّدني الخريدة «٣» ساعدا
ويسعدني سيفي على كلّ بغية ... إذا لم أجد في العالمين مساعدا
وكنت إذا ما رمت رعي قرارة ... من المجد أرسلت الرّدينيّ «٤» رائدا
стр. 137
وكم رجل أثوابه فوق قدره ... وقد [١] يلبس السلك الجمان الفرائدا
فلا يعجبن ذا البخل كثرة ماله ... فإنّ الشّغا «١» نقص وإن كان زائدا
٧- أبو البركات الشاميّ «٢» [ ٢]
قال حمد التّوزّيّ: ورد علينا من أهل الشام رجل يكنى أبا البركات، ومدح الوزير بقصيدة لا أحفظ الّا مطلعها، وهو:
سماء العلا من نور وجهك تشرق ... وغصن النّدى من جود كفّك يورق
(طويل)
стр. 138
٨- الطاهر الجزريّ «١» [ ١]
أنشدني الشيخ أبو عامر الجرجانيّ، أبقاه الله، أبياتا [٢] له، لم تطب نفسي بالتّجافي عن لبس حلاها، وتخطّي رقبتها إلى سواها، وهي:
أنظر إلى حظّ ابن «٢» شبل [٣] في الهوى ... إذ لا يزال لكلّ قلب [٤] سابقا
(كامل)
شغل (النساء عن الرجال) [٥] وطالما [٦] ... شغل الرجال عن النساء مراهقا
стр. 139
عشقوه أمرد والتحى [١] فعشقنه ... الله أكبر ليس يعدم عاشقا
قوله: (الله أكبر) أدان ترتاح منه [٢] الآذان، وحشو رقيق الحاشية [٣] وكنت أتعجب من أبي تمام كيف جاد طبعه بالاستطراد من صفة الخيل الى هجاء عثمان حيث قال من أبيات:
ولو [٤] تراه مشيحا والحصى فلق ... تحت [٥] السّنابك من مثنى ووحدان
(بسيط)
حلفت إن (لم تثبّت) [٦] أنّ حافره ... من صخر تدمر أو من وجه عثمان
وكذلك من البحتريّ حيث استطرد في اللامية من صفة الفرس الى هجاء حمدويه «١» ، فقال:
ما إن يعاف قذى ولو أوردته ... يوما خلائق حمدويه الأحول
(كامل) حتى أنشدني (الشيخ أبو) [٧] عامر الجرجانيّ قال: أنشدني أبو الكتائب
стр. 140
البصريّ لهذا الجزري ثلاثة أبيات استطرد [١] من كل واحد منها الى هجاء آخر [٢] وهي قوله:
وليل كوجه البرقعيديّ «١» ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه
قطعت دياجيه بنوم مشرّد [٣] ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق «٢» فيه التفات كأنّه ... أبو جابر في خبطه وجنونه «٣»
стр. 141
٩- أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّيّ التّنوخيّ
ضرير، ما له في أنواع الأدب ضريب، ومكفوف في قميص الفضل ملفوف، ومحجوب خصمه الألدّ محجوج. قد طال في ظلال الإسلام أناؤه «١» [١] ، ولكنّ ربّما رشح [٢] بالالحاد إناؤه وعندنا خبر بصره، والله العالم [٣] ببصيرته، والمطلّع على سريرته. وإنما تحدثت الألسن بإساءته لكتابه الذي زعموا [أنّه] [٤] عارض به القرآن، وعنونه ب «الفصول والغايات» [محاذاة [٥] للسور [٦] والآيات] [٧] . وأظهر من نفسه تلك الخيانة، وجذّ تلك الهوسات كما تجذّ العير الصّليّانة «٢» . حتى قال فيه القاضي أبو جعفر
стр. 142
محمد بن اسحاق البحاثيّ الزوزنيّ في قصيدة أوّلها:
كلب عوى بمعرّة النّعمان «١» ... لمّا خلا عن ربقة الإيمان
(كامل)
أمعرة النّعمان ما أنجبت إذ ... خرّجت [١] منك معرّة العميان [٢]
ورأيت ديوان شعره الذي سمّاه «سقط الزّند» ، وهتف فيه [٣] كالحمام على فنن غضّ النبات من الرّند. ولم يتّفق أن ألتقط منه ما يصلح لكتابي هذا، فرجعت الى تعليقاتي، وعثرت [٤] بما أنشدنيه الأستاذ شيخ الإسلام أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني «٢» ﵁، قال: أنشدني لنفسه بمعرة النعمان، وهو مما ينخرط في كتابه الذي سماه «لزوم ما لا يلزم» :
стр. 143
محمود «١» [١] الله والمسعود «٢» خائفه ... فعدّ عن ذكر محمود ومسعود
(بسيط)
ملكان لو أنني خيّرت ملكهما ... وعود صلب أشار العقل بالعود
عودي يخاف من الإحراق صاحبه ... إن قال ربّي لأجسام البلى: عودي
وأنشدني له أيضا:
وما ازدحمت عير على ورد منهل ... دنا خمسها «٣» يرعى نجيل الحمض «٤»
(طويل)
تزاحم دمعي في الجفون وقد غدت ... ركائبهم بين العريقين «٥» [٢] والعرض «٦» [٣]
стр. 144
ولا أمّ خشف «١» أقبلت بعد فيقة «٢» ... لتمنحه [١] من درّها صفوة المحض
ولا أمّ بكر ساق عنها حوارها «٣» ... ظلوم سعاة في الزكاة من الفرض
تصادفت [٢] السّيدان «٤» حول إهابه ... يهز من التّسغاب «٥» بعض على بعض [٣]
بأوجع مني يوم قال رسولهم: ... أمستوطن بعد الظّعائن أم تمضي؟
وأنشدني له الشيخ أبو محمد [٤] الحمدانيّ:
حيّ من أجل أهلهنّ الدّيارا ... وابك هندا لا النّؤي والأحجارا
(خفيف)
هي قالت وقد رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكّرا وازورارا:
أنا بدر وقد بدا الصّبح في رأ ... سك والصبح يطرد الأقمارا
стр. 145
لست بدرا وإنّما أنت شمس ... لا ترى في الدّجى وتبدو نهارا
وله في [وصف] [١] الشمعة:
وصفراء (مثلي، في هواها) [٢] جليدة «١» ... على نوب [٣] الأيام والعيشة الضّنك
(طويل)
تريك ابتساما دائما وتهلّلا [٤] ... وصبرا [٥] على ما نابها [٦] وهي في الهلك
فلو [٧] نطقت يوما لقالت: أظنّكم ... تخالون أنّي من حذار الرّدى أبكي
(فلا تحسبوا دمعي لوجد وجدته) [٨] ... وقد [٩] تدمع الأجفان [١٠] من كثرة الضّحك