الانصراف، وحببّت إليه الرّضا من الغنيمة بالإياب. ولكامل هذا شعر بدوي وصيت له بين [١] الشّعراء دويّ. فما علق بحفظي من مترنّماته قوله من قصيدة أولها:
إنسانة الحيّ أم أدمانة السّمر ... بالنّهي، رقّصها لحن من الوتر «١» ؟
(بسيط)
يا ما أميلح غزلانا شدنّ لنا ... من هؤليّائكنّ [٢] الضّال والسّمر «٢»
بالله ياظبيات القاع قلن لنا: ... ليلاي منكنّ أم ليلى من البشر؟
قلت: الإيهام في الشّعر صنعة لا يتوصّل إليها الحضريّون إلّا بتعريق جبين الخاطر، وبعثرة دفين الضّمائر [٣] . وقد أخذ هذا البدويّ من عفو خاطره نوعا من الايهام تنبو عنه صوارم الأفهام، وذلك قوله:
بالنّهي رقّصها لحن من الوتر
فانّ لحن الوتر الذي يضربه اللاهي للإنس مرقّص، ولحن الوتر الذي ينزعه الرّامي للوحش مقمّص «٣» . وما أشبه ذلك التّرقيص بهذا [٤] التّقميص!
стр. 72
٢٠- الواثليّ [١]
واسمه أحمد. حدّثني الأديب أبو جعفر محمد بن أحمد المختار الزّوزنيّ، قال: ورد الواثليّ [١] على الشيخ الفقيه أبي يحيي زكريّا بن الحسين الخوافيّ بقرية جثرد [٢] (فباهت به قريته على كلّ بلد، وخلّد حبّ فضله في كلّ خلد) [٣] . قال: وكان من الفصاحة بحيث يسحب [٤] الذّيل على سحبان «١» [وائل] [٥] إذا نضنض «٢» ببيانه اللسان. وأنشدني له قال: أنشدنيه [٦] لنفسه من قصيدة ضاعت نسختها، ومن رأى من السّيف أثره فقد رأى أكثره:
стр. 73
أصلي النواعج «١» (ناركلّ) [١] تنوفة «٢» ... وأخيضها [٢] في بحر كلّ ظلام
(كامل) قال: ورآني [٣] [هذا] [٤] الواثليّ يوما، وأنا أهزّ الرأس إلى هذا البيت إعجابا به وتعجّبا منه، فقال: كأنّي بك وقد زججته أثناء [٥] قصيدة لك (ولعلّه [٦] لم يأمنه عليه فاتّهمه [٧] ) باحتجانه «٣» ونقله عن مكانه. وأنشدني له أيضا من أبيات كتبها إليه، أولها:
ألبستني حللا من الحمد ... وحللت بي في قلّة المجد
(كامل)
وبدأتني بالمدح ملتمسا ... ردّي [٨] وقد قصرت في ردّي [٨]
стр. 74
ونظمت شعرا قد شأوت «١» به ... من كان من قبلي ومن بعدي [١]
أعداك مهديّ بقربك من ... آدابه والفضل قد يعدي
فعلقت [٢] من ودّي بأوثقه ... إنّي شديد (قوى «٢» عرى) [٣] الودّ
فليأتينّك حيث كنت ثنا [٤] ... يرضيك عن قربي وعن بعدي
ولتعلمن أنّي، وإن [٥] شحطت [٦] ... عنكم دياري، ثابت العهد
فاسلم [٧] محمد للمحامد وا ... آداب منفردا بلا ندّ
قال، وكتب إلى الشّيخ الفقيه أبي يحيى زكريّا [رحمه الله تعالى] [٨]
ما يملّ الحبيب هجرا ووصلا ... وانتجازا منه العدات [٩] ومطلا
(خفيف)
وهو إن كان يسمع العذل فينا ... من أناس لم نستمع فيه عذلا
стр. 75
أمن العدل أن نرى العدل ظلما ... في هواه، وأن نرى الظّلم عدلا؟
كم قطعت البلاد شرقا وغربا ... وسلكت الخطوب حزنا وسهلا!
(قاصدا محيي السّحاب [١] أبا يح ... يى) [٢] الفقيه الحبر الإمام الأجلّا
فلقد دلّني على زكريّا ... ء، ثناء [٣] (يدلّ من عنه ضلّا) ؟ [٤]
عالم بالتّقى تردّى وبالزّه ... د ترّبى [٥] وبالعفاف تحلّى
فهو [٦] بحر العلوم يغترف العا ... لم [٧] منه إذا احتبى ثمّ أملى
مصقع «١» بذّ في الخطاب بني الدّ (م) ... هر كما بذّهم سخاء وبذلا
وسحاب على العفاة فما ين ... فكّ [٨] يهمي جودا وهطلا ووبلا
فضل الناس فطنة واجتهادا ... في رضى ربّه ورأيا وعقلا
стр. 76
أكثر الفضل حاسديه وقد يك ... ثر (حساد أكثر) [١] الناس فضلا
قل: فموتوا بغيظكم كلّ [٢] هذا ... أن رآه الإله للفضل أهلا
عمّ يابن الحسين إحسانك الغم ... ر «١» فلا زلت للأفاضل ظلا
قبل الله منك صومك (يا أك ... رم) [٣] من صام للإله وصلّى
٢١- اللّبّانيّ
أنشدني الشيخ أبو القاسم بكر بن المستعين كاتب الحضرة الطّغرليّة، رحمة الله عليه. قال: أنشدني اللبّانيّ لنفسه:
إذا المرء شدّ نطاق العنا [٤] ... وبيّت [٥] عزم الرّجال الكرام
(متقارب)
стр. 77
ترقّى سماوة «١» هذا الزّمان ... وسخّر [١] عفوا رقاب الأنام
٢٢- أبو سليمان رحمة [٢] بن غانم الأسديّ
أنشدني الأديب أبو يوسف يعقوب بن أحمد النّيسابوريّ قال: أنشدني الشيخ أبو صالح المستوفيّ «٢» ، قال: أنشدني أبو سليمان رحمة [٢] بن غانم لنفسه:
أقول لصاحبي والكأس صرف ... ولم يعرف غنائي من أنيني
(وافر)
أرى خمرا تشاكلها دموعي ... كأنّ ظروفها كانت شؤوني
وأنشدني أيضا قال: أنشدني أبو صالح قال: أنشدني أبو سليمان لنفسه:
وعود تغنّي به طفلة ... شديد الغناء بأنساقها «٣»
(متقارب)
فشبّهت في حجرها [٣] عودها ... بفخذ الجرادة مع ساقها
стр. 78
٢٣- سليمان بن خضر الطائفيّ [١]
حدّثني الأديب يعقوب قال: أنشدني سليمان بن [خضر الطائفيّ لنفسه] [٢] وكنيته أبو الفتح، (قد مرّ مجتازا) [٣] بنيسابور إلى مرو «١» ، وقال:
كان [٤] شابا كثير البهجة، فصيح اللهجة:
كأنّ الغمام لها عاشق ... يساير هودجها أين سارا
(متقارب)
وبالأرض من حبّها صفرة ... فما تنبت الأرض إلّا بهارا «٢»
وأنشدني أيضا له قال: أنشدنيه [٥] لنفسه:
برزت في غلالة رزقاء ... لا زورديّة كلون السماء
(خفيف)
стр. 79
فتبيّنت في الغلالة منها ... قمر الصيف في ليالي الشتاء
وأنشدني له أيضا:
لي حبيب من الورى شبّهوه ... بهلال الدّجى وقد ظلموه
(خفيف)
ليس لي عنه في سلوّي وجه ... وله في السّلوّ عنّي وجوه
قمر كلّما كتمت هواه ... قال دمعي: هذا المريب خذوه
٢٤- أبو محمّد عليّ بن الأزهر
ابن عمرو بن حسان. حيّاني الأديب يعقوب [بن أحمد] [١] أيّده الله بريحانة شعره وأرخى طولي «١» منه في روضة مستأسدة «٢» الأعشاب، مترنّمة الذّباب. فممّا سحر لبّي من لبّ كلامه قوله:
стр. 80
ديارهم بالرّقمتين «١» سقيت ... سحابا من الوسميّ ثم وليت
(طويل)
وما لك في ريّ السحائب حاجة ... وقد [١] طالما من مقلتيّ رويت
وإن كان ماء العين ليس بنافع ... فحسبك قد أبليت ثم بليت
وكم قد سبتني فيك من ذات برقع ... بأحسن عين للمهاة وليت «٢»
وألمى عليه لعسة زين حسنها ... بأبيض معسول الرّضاب شتيت
أيا بأبي الغوران طنّبت فيهما ... وأرض من الغورين «٣» [٢] كنت [٣] وطيت
وماء حللته [٤] وإن كان آجنا ... وروض رعيت العشب فيه، رعيت
قلت: ما أحسن ما جمع بين قوله (رعيت العشب) على الإخبار، و (رعيت..) على الدّعاء!! فهما إذا سبرهما «٤» تقدير؛ روضة وغدير:
стр. 81
وركب عجال مدلجين تروّحوا ... على كلّ موّار «١» اليدين هريت «٢»
فقلت لهم: سيروا ولا تتروّحوا ... فليس لناوادي الغضا «٣» [١] بمبيت
فقالت: ولم أمسيت تطوي بلادنا؟ ... فقلت: أمرتيني غداة نهيت «٤»
أراد (أمرتني) ، إلا أنّه أشبع الكسرة فصارت ياء.
وقد كنت لا ترضين منهم بما أرى ... من الضيم لي فاليوم كيف رضيت؟
وأقسمت ألّا تقبلي قول كاشح «٥» ... كذوب فلم أقسمت ثمّ نسيت؟
[قلت] [٢] كنايته عن الحنث بالنّسيان عندي [٣] أقصى غاية من الاحسان. وقد قيل: لم يكن أحد [كنّى] [٤] عن تكذيب الحبيبة بأحسن من قول المتنبّي:
стр. 82
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشو ... ق إليها، والشوق حيث النّحول «١»
وله ضاديّة جمّل بها (كلّ ناطق) [١] بالضّاد، طاه [٢] في قدور الصّاد «٢» ، وهي:
سقت السحائب قبل أن تتقوّضا ... خيما على الخابور أمست رفّضا [٣]
(كامل)
فيهنّ من أبناء جوثة فتية [٤] ... غضب فما يرضون إلّا بالرّضا
من كلّ أروع. ما يقرّ فؤاده ... كالحيّة النّضناض لمّا [٥] نضنضا «٣»
ما يقتني إلّا طمرّا «٤» ملجما ... ومفاضة زغفا «٥» وسيفا منتضى
يا راكبا إمّا عرضت فبلّغن ... من بالعراق مصرّحا ومعرّضا
стр. 83
إني غرضت عن [١] المقام بأرضكم ... صفر اليدين وحقّ لي أن أغرضا
بعدا لمن يرضى بدار مذلة ... يمسي بها حرضا «١» ويصبح محرضا
وإذا الكريم رأى الهوان ببلدة ... رفض الهوان بها وراح مركّضا
وأنادم الجبار لا أرضى به ... إلّا إذا كان اللباب المرتضى
وأفضّ أوعية المدام وأجتلي [٢] ... ألوانهنّ مذهّبا ومفضّضا
إن ضاق مسرح ناقتي [٣] في بلدة [٤] ... فزمامها بيدي وما ضاق الفضا
وعليّ أن أسعى وأطلب مكسبا ... والرزق ما قسم الإله وما قضى
وله أيضا من قصيدة أولها [٥] :
البيد يا أيدي المهار «٢» [٦] البيدا ... حتّى يصير لك الكلال «٣» قيودا
(كامل)
стр. 84
لا ماء إلا بالغوير «١» [١] ودوننا ... عشر يعود [٢] بها [٣] الدّليل [٤] بليدا
واستبعدت أرض السّماوة، والذي ... في الرّحل ليس يرى السماء بعيدا
قوله [٥] : (والذي في الرحل) يعني نفسه، وقريب منه قول المتنبي:
ومن خلقت عيناك بين جفونه ... [أصاب الحدور السّهل في المرتقى الصّعب] «٢» [٦]
وقوله [المتنبي] [٧] :
ما الخلّ إلا من أودّ [٨] بقلبه ... [ويرى بطرف لا يرى بسوائه] «٣» [٩]
[عود إلى الشّعر] [٧] :
يا سعد سعد بني سليم [١٠] لا تنخ ... حتى ترى أعلامهنّ السّودا
стр. 85
وتنوفة «١» مجهولة، جون «٢» القطا ... فيها، يحار إذا أراد ورودا
قطعت مناكبها مناكب جسرة «٣» ... جسرت فصيّرت الجبال صعيدا
ولطالما رفّهتها بمؤدّب ... في الجري يأنف أن يرى مكدودا
متمرّد في الركض لا يسطيعه ... فخذاك إلّا أن تكون [١] مريدا»
يغنيك عن حمل الزّناد بأربع ... تطس «٥» الصّفا فترى لهنّ وقودا
ومساير حلو الحديث إذا انتشى ... فيه ظننت حديثه تغريدا
يمتارني «٦» ما يشتهي ويميرني ... منه حديثا تارة ونشيدا
هذا وبادية حللنا فيهم ... لا طالبين قرى ولا تزويدا
نحروا لنا الخيل الإناث وأصبحوا ... رجلى [٢] وكانت عدة وعديدا
стр. 86
وكريمة من قومها استنقذتها [١] ... والطعن يخرق لبّة «١» ووريدا
أصحبتها [٢] كلتا يديّ وما رأت ... عيناي منها معصما ونهودا
وضممت هودجها وقلت لصاحبي: ... سر بيننا حتى تكون شهيدا
ما كنت في هذي العشيرة كلّها ... مذ كنت إلّا واحدا ووحيدا
٢٥- عليّ بن علي بن حسّان [٣]
قال: وهو مما عملته ببغداد [٤] أيام الصّبا. قال [السيّد] [٥] الأجلّ شرف السادة: «وأشعار الصبا هي التّمر باللبّا» :
سقيا لأيام التّصابي ... مع كلّ خرعبة «٢» كعاب
(مجزوء الكامل)
إذ نحن نرتع في الهوى ... ونجرّ أردية [٦] الشباب
стр. 87
والدهر عنّا غافل ... كالسيف يؤمن [١] في القراب
فاستنهزوا فرص المنى ... فالعمر يركض كالسّحاب
وتناقلوا الكاسات مت ... رعة ترامى [٢] بالحباب
ما ذاقها متعبّد ... إلّا وزلّ عن الصّواب
وترى البخيل إذا احتسا ... ها عن طريق البخل ناب [٣]
وله أيضا: [٤]
يا حبّذا الخدّ المورّد ... والعطف في الصّدغ المجعّد
(مجزوء الكامل)
والمبسم العذب الرّضا ... ب وحسن لؤلئه المنضّد
قمر أقام قيامتي ... بقوامه لمّا تأوّد
قد سلّ من أجفانه ... سيفا على ضعفي مجرّد
لمّا تطاول هجره ... وخشيت [٥] أنّ العمر ينفد
خلّيت عنه يد الهوى ... وتركته والهجر [٦] في يد
стр. 88
وحلفت حلفة صادق ... بالله والبيت المشيّد
لا عدت أولع بالهوى ... عمري ولو قلبي تقدّد [١]
وله [أيضا] [٢] :
وكيف أرجو راحة في هوى ... كلّفني بلواه [٣] ما لا أطيق
(سريع)
بين ضلوعي زفرة كلّما ... أخفيتها نمّ عليّ [٤] الشّهيق
ويلي على قلبي وما ناله ... من حبّ ظبي لم يكن بي [٥] رفيق
رمى فؤادي بسهام القلى [٦] ... ولم أكن منه بهذا حقيق
واقتادني بالرّفق حتّى إذا ... ملّكته منّي ذلّ الرّفيق
عزّ على بختي حتّى اغتدى ... بحيث ألقى وكره الشّوذنيق «١»
وحقّ لي وجدي [٧] على شادن «٢» ... أدقّ جسمي منه خضر دقيق [٨]
стр. 89
ومبسم عذب حكى لؤلؤا ... مركّبا في سفط [١] من عقيق
وشاهد يشهد في خدّه ... أن ليس في [٢] الحسن لهذا رفيق
فكلّما عذّبني هجره ... صحت من الوجد: الحريق الحريق
يا أيّها الناس ارحموا مدنفا «١» [٣] ... قيّده العشق بقيد وثيق
أسكره العشق بكاساته ... فليس يرجو أبدا أن يفيق
وله، [وذلك ممّا قاله بفيروز آباد «٢» يصف الدّرّة] [٤] :
أنظر إلى صنعة الإله ففي ... صنعته طرفة من الطرف
(منسرح)
صوالج [٥] من زبرجد نحف ... تحمل درّا ما فضّ عن صدف
стр. 90
٢٦- الشاعر الأوسي [كدي] [١]
كذا حكى [لي] [٢] القاضي أبو جعفر [البحاثيّ] [٣] عن الحاكم أبي سعد ابن دوست «١» أنّه قال: سمعت الشاعر الأوسىّ يقول: مدحت الصاحب [اسماعيل] [٣] بن عباد «٢» بقصيدة، وكنت أنشدها بين يديه. فلمّا بلغت إلى قولي:
لمّا ركبت إليك مهري أنعلت ... بدر السّماء وسمّرت بكواكب
(كامل) قال: قال لي الصاحب: لم أنّثت المهر وهو مذكّر؟ ولم شبهّت النّعل بالبدر وهو لا يشبهه؟ ولو شبهته بالهلال لكان أحسن، فانّه على هيئته
стр. 91
وصورته. قال: قلت [١] له: أمّا تأنيثي المهر فلأنّي عنيت المهرة، وأمّا تشبيهي النّعل ببدر السماء فلأنّي أردت النعل المطبقة، [والله تعالى أعلم] [٢] .
٢٧- أبو الرّبيع سليمان بن أحمد بن غانم ابن المغيرة [الأسديّ] [٣]
[أحد بني معين] [٤] ، أنشدني القاضي أبو جعفر البحّاثيّ قال: أنشدني الأستاذ أبو محمد العبد لكانيّ قال: أنشدنى أبو الربيع هذا لنفسه:
يهنيك أنّا قاصدوك بمدحة ... يا ليت أنّ جلودنا [٥] قرطاسها
(كامل)
تبري أناملنا لها أقلامها ... وتري سواد عيوننا أنقاسها
وكأنّما كسيت [٦] رؤوس ديوكها ... ما احمرّ من أوراقها ميّاسها
стр. 92
٢٨-[الرّيباس] [١] أمّ كلثوم المغنّية «١»
هذه امرأة مغنية، إذا وصفت النساء الشواعر فهي بأحسن صفاتهنّ معنيّة. حدّثنى الشريف أبو طالب محمد بن عبد الله الأنصاريّ، قال:
جمعني وإيّاها الطريق، وهي وافدة على دغفل «٢» . فاستنشدتها فأنشدت قصيدة منها:
كأنّ الرّياح الهوج [٢] غادرن فوقها ... من البارح الصّيفيّ بردا مسهّما
(طويل) قال: فورد فى هذه القصيدة بيت مرفوع وهو:
وقلت: اسلمي من دار حيّ تميّزت ... بهم شعب النّيّات فالقلب مغرما
قال: فقلت لها: لحنت ... قالت: أو لحن هو؟ قلت: نعم.
стр. 93
فقالت: [١] أصلحه [٢] بيّض الله وجهك. ثم أعملت الفكر وأشارت إلي صه صه. وأنشدت بيتا [٣] مقسّما. قال: فتعجّبت من توقّد ذهنها وسرعة إجابة خاطرها.
[والله ﵎ أعلم] [٤]
стр. 94
القسم الثاني في طبقات شعراء الشام وديار بكر وآذربايجان والجزيرة وسائر بلاد المغرب
стр. 95
١- تميم بن معدّ صاحب مصر «١»
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني الأديب أبو شجاع السّهرورديّ «٢» بمدينة السّلام له:
يا ليلة بات فيها البدر معتنقي ... وأمست [١] الشمس لي من بعض جلّاسي
(بسيط)
وبتّ مستغنيا بالثّغر [٢] عن برد ... وبالخدود عن التفاح والآس
ناولتها شبه خدّيها [٣] مشعشعة ... في الكأس تحسبها ضوءا [٤] لمقباس
فقبّلتها وقالت، وهي باكية: ... وكيف تسقي خدود الناس للنّاس؟
стр. 96
قلت: اشربي [١] ، إنّها دمعي ومازجها ... دمي، وطابخها في الكأس أنفاسي
قالت: إذا كنت من حبّي بكيت دما ... فسقّنيها على العينين [٢] والراس
قال: وأنشدني له [أيضا] [٣] :
أسرب مها عنّ أم سرب جنّه «١» ... (حكيتنّهنّ [٤] ولستنّ) [٥] هنّه
(متقارب)
أأنتنّ أنجم [٦] ذا الجوّ أم ... بروج النّجوم جلا بيبكنّه؟
ولم أر غيدا سواكنّ مسن [٧] ... فأشبهن في لينهنّ الأعنّه
فضحتنّ بالكحل أدم «٢» الظّباء ... وعبتنّهنّ بأجيادكنّه
ألستنّ كنتنّ قلتنّ لي ... بأن لا تحولنّ عن عهدكنّه؟
стр. 97
فيا ما أعيذب ألفاظهنّ [١] ... ويا ما أميلح ألحاظهنّه!
إذا رمن ظلما فسلطانهنّ ... علينا ملاحة أحداقهنّه
برزن لنا عطرات [٢] الجيوب ... بسفح العراق [٣] ووادي بونّه «١»
فعطّرن من ريحهنّ النّسيم ... وأبدين من لوعتي المستكنّه
فلله هـ تا غداة انقضت ... بطاعتنا و [٤] بعصيانهنّه
وصهباء تغدو لشرّابها ... إذا ابتكروها من الهمّ جنّه «٢»
تروح علينا بأقداحها [٥] ... حسان حكتهنّ [٦] من نشرهنّه
نواعم لا يستطعن النّهوض ... إذا قمن من ثقل أردافهنّه
حسنّ كحسن ليالي العزيز [٧] ... وجئن ببهجة أيّامهنّه
إمام يضنّ على عرضه ... ولا يعتريه على المال ضنّه
فسل هل غدت قطّ أمواله ... وأمسين في جوده مطمئنّه؟
стр. 98
وسل [١] هل وأت [٢] قطّ أرماحه [٣] ... عيون العدا غير زرق الأسنه؟
سحائب كفّيه منهلّة ... علينا بمعروفه مرجحنّه
منعت الخلافة منع الأسود ... إذا ما غضبن لأشبالهنّه
وأمضيت عزمك حتّى أخفت [٤] ... به في بطون النّساء الأجنّه «١»
كلا راحتيك ندى أو ردى ... كأنّك للناس نار وجنّه
يليق بك الملك حسنا كما ... تليق المعالي بأربابهنّه
وإنّي وإن كنت نجل المعزّ ... لعبدك والحقّ [٥] ما لم أجنّه «٢»
رأى الخير من أضمر الخير فيك ... وكوفىء بالشّرّ من قد أكنّه
ورأيت [٦] له هذه الأبيات في بعض التّعاليق وهي مستوفية لجمل الجمال، وإن كانت من عداد [٧] التّفاريق:
стр. 99
ما بان عذري فيه حتّى عذّرا ... ومشى الدّجى في خدّه فتبخترا [١]
(رجز)
همّت تقبّله عقارب صدغه ... فاستلّ ناظره عليها [٢] خنجرا
قوله: همّت تقبّله عقارب صدغه، كناية حسنة عن عطفة الصّدغ يدلّ على أنّها من انعطافها [٣] ، بحيث دنت من الشّفة، وكادت تقبّله، وكأنّ [٤] انعطافها إلى جانب المقبّل [منه] [٥] ظمأ منها إلى التّقبيل. وقلمّا تتّفق مثل هذه الاستعارة من هذا القبيل. [عاد الشّعر] [٦] .
والله لولا أن يقال: تغيّرا ... وصبا وإن كان الثّصابي أجدرا [٧]
لأعدت تفاح الخدود بنفسجا ... لثما، وكافور التّرائب عنبرا
٢- أبوالقاسم الوزير المغربيّ «١»
قرأت من رسائل أبي العلاء المعرّيّ [إليه] [٨] ما نبّهني عليه، وعرّفني
стр. 100
درجته في البلاغة، واختصاصه من صناعة النّظم والنثر بحسن الصيّاغة. وكان يلقّب بالكامل [١] ذي الجلالتين. ولم يقع إليّ من شعره إلّا ما أنشدنيه [٢] الأديب مسعود [٣] بن أحمد النيسابوريّ.
قال: أنشدني أبوالحسن عليّ بن محمد [٤] البغداديّ «١» له في غلام يسبح ليعبر:
علّمت منطق حاجبيه ... والبين ينشر رايتيه
(مجزوء الكامل)
ولقد أراه [٥] في الخلي ... ج، يشقّه من جانبيه
والنهر مثل السيف وهـ ... وفرنده «٢» في صفحتيه
قلت: هذا (لعمري أفضل) [٦] تشبيه ماله شبيه، وتمثيل هو لمخترعه مجد أثيل:
стр. 101
لا تشربوا من مائه ... أبدا، ولا تردوا عليه [١]
قد دبّ فيه السحر من ... أجفانه أو مقلتيه
ها قد رضيت من الحيا [٢] ... ة بنظرة منّي إليه
قلت: وعندي أنّ الملح الأجاج لو مزج بمجاج [٣] هذه الألفاظ لعاد عذبا، والسيف الكهام «١» لوسنّ على هذا الكلام لصار عضبا «٢» . وأنشدني الامام أبو عامر الجرجانيّ له:
كساني الهجر ثوبا من ... نحول مسبل الذّيل
(هزج)
وما يعلم ما أخفي ... من الدمع [٤] سوى ليلي
وقد أرجف [٥] بالبين [٦] ... فإن صحّ فوا [٧] ويلي
وأنشدني له أيضا الأستاذ أبو العلاء وشتاسف [٨] بن اسفنديار الرازيّ بالرّيّ:
стр. 102
يا صاحبيّ إذا أعياكما سقمي ... فلقّياني نسيم الريح في [١] حلب
(بسيط)
من الديار التي كان الصّبا وطري ... فيها وكان الهوى العذريّ من أربي [٢]
وأنشدني له أيضا:
قارعت [٣] الأيام مني امرأ ... قد علّق المجد بأمراسه [٤]
(سريع)
يستنزل الرزق بأقدامه ... ويستدرّ العزّ من باسه
أروع لا ينحطّ عن تيهه [٥] ... والسيف مسلول على راسه [٦]
و [أنشدني] [٧] له أيضا:
[ألا حيّيت يا يوم التلاقي ... ولا حييت يا يوم الفراق] [٨]
(وافر)
قطعت الأرض في شهري [٩] ربيع ... إلى مصر وعدت إلى العراق
فقال لي الحبيب وقد رآني: ... سبوقا [١٠] بالمضمّرة [١١] العتاق؟
стр. 103
ركبت على البراق؟ فقلت: كلّا ... ولكني ركبت على اشتياقي [١]
و [أنشدني] [٢] له [أيضا] [٣] :
أيا [٤] أمّنا إن غالني غائل الرّدى ... فلا تجزعي (بل أحسني) [٥] بعدي الصّبرا
(طويل)
فما متّ حتى شيّد المجد والعلا ... فعالي، واستوفت مناقبي الفخرا
وحتى شفيت النفس من كلّ حاسد ... وأبقيت في أعقاب أولادك الذّكرى
وقال يرثي الشريف الرّضيّ، ﵁، من قصيدة أولها:
رزء أغار به النّعيّ وأنجدا ... [ومأتم راشت أقاديح «١» الرّدى] [٦]
(كامل) [ومنها] [٧] :
أذكرتنا يا ابن النبيّ محمد ... يوما طوى عنّا [٨] أباك محمّدا
стр. 104
ولقد عرفت الدّهر قبلك ساليا ... إلّا عليك فما أطاق تجلّدا
ما زلت نصل الدّهر يأكل غمده ... حتى رأيتك في حشاه مغمدا [١]
٣- الكافي العمانيّ
هو أبو علي أبزون المجوسيّ من أهل عمان «١» ، وكنت أسمع له بالفقرة [بعد الفقرة] [٢] فأفتقر إلى أخواتها، ويلتهب [٣] حرصي على إثباتها [٤] .
ثم ظفرت بديوان شعره في خزانة الكتب النظامية بنيسابور. وكنت على جناح الانصراف الى الناحية، فلم أتمكن من احتلاب [٥] دررها [٦] «٢» .
ولم أتوصّل إلى اجتلاب [٧] دررها [٨] «٣» . قال محمد بن أحمد المعروف بأبي
стр. 105
الحاجب: كنت قبل حصولي بعمان أسمع بأشعار [١] الكافي أبي علي، وتمرّ بي القصيدة [بعد القصيدة] [٢] . وكنت (أعجب لفرط اعجابي) [٣] أودّ لو ظفرت بمن يرويها لي عن مؤلفها، فتكون النفس لحفظها أنشط، والفكر على ظبطها [٤] أحرص لسلامتها من تصحيف يقع فيها. فحكي لي مقامه بجبل من جبال عمان، فقصدته.
ولما اجتمعت معه [٥] ، لم أتمكن من مجالسته الّا لمعا «١» ولا من مفاوضته لاشتغاله بالأعمال السلطانية [٦] ، إلّا خلسا. ثم إني استنبطته فوجدته غير معجب بشعر نفسه على عادة أبناء جنسه. وإذا ديباجة شعره مع بهائها ورونقها، متناسبة الألفاظ، متناصرة المعاني. واذا هو يتجنّب ايراد ما يمجّه السمع، وتأباه النفس؛ فلم أزل أنتسخ من حافظيها وألتقط من منشديها إلى أن حصل لي منها ما قيّدتها ورويتها عنه. وهذه القصيدة من أفراد قصائده، وأوساط قلائده. [وهي] [٧] :
هل في مودّة ناكث [٨] من راغب ... أم هل على فقدانها من نادب
(كامل)
стр. 106
أم هل يفيدك [١] أن تعاتب مولعا ... بتتبّع العثرات [٢] غير مراقب
جعل اعتراضك للسّفاهة ديدنا ... والذئب ديدنه اعتراض الراكب
[ومنها] [٣] :
إنّ الفتوّة [٤] علّمتني شيمة ... تهدي الضّياء [٥] إلى الشّهاب الثاقب
ما زال [٦] يسلب كلّ من حمل الظّبى ... قلمي، وأحداق الظّباء سوالبي [٧]
فهوى التّصرف والتصرّف في الهوى ... دفنا شبابي في عذاري الشائب
فتظلّمي من ناظر أو ناظر ... وتألّمي من حاجب أو حاجب
[ومنها] [٣] :
وقبلت عذر بني الزّمان لأنّهم ... سلكوا طريق بني الزّمان الذّاهب
جبلوا على رفض الوفاء كغيرهم ... وتمسّكوا بالغدر ضربة لازب «١»
وله من قصيدة [﵀] [٨] [أيضا] [٩] :
стр. 107
إلزم جفاءك لي ولو فيه الضّنى ... وارفع حديث البين [١] عمّا بيننا
(كامل)
فسموم هجرك في هواجره [٢] الأذى ... ونسيم وصلك في أصائله المنى
ليس التلوّن من أمارات الرّضى ... لكن إذا ملّ الحبيب تلوّنا
تبدي الإساءة في التيقّظ عامدا ... وأراك تحسن في الكرى أن تحسنا
ما لي إذا استعطفت رأيك رمت لي ... عتبا جديدا من هناك ومن هنا؟
وله [أيضا] [٣] من [قصيدة] [٤] أخرى:
[كم ترسلون أعنّة الهجران ... فقد الحياة وهجركم سيّان] [٣]
(كامل)
إني أغار عليكم أن تسلكوا ... في الودّ غير طرائق الفتيان
وأخاف مرّعتا بكم ما لم أخف ... تحت العجاج عوالي المرّان «١»
لم أجن فاستعطفتكم لكنّ بي ... شوقا إلى استعطافكم ألجاني «٢»
стр. 108
وهبوني [١] الجاني، ألست شقيقكم؟ [٢] ... هلّا غفرتم للشّقيق [٣] الجاني؟ [٤]
غطّوا بأذيال التجاوز منكم ... هفوات جان للنّدامة جان
ولربّما كره العقوبة حازم ... كيما يفوز بلذّة الغفران
ببعادكم أبغضت دار كرامتي ... وبقربكم أحببت دار هواني
وله [أيضا ﵀] [٥] ، قال: وهو منقول من الفارسية [٦] :
وصحراء ردّتها [٧] الظّباء حفائرا ... بأظلافها، أحسن بها من حفائر
(طويل)
فهبّت رياح للصّبا فطممنه [٨] ... بمسك فعادت نزهة للنّواظر [٩]
وله [أيضا] [١٠] :
стр. 109
قد كنت أرجوك [١] للبلوى إذا عرضت ... فصرت أخشاك [٢] والأيام للغير
(بسيط)
أخشى وحكمي أن أرجو ولا عجب ... وربّما [٣] يتأذى الروض بالمطر
[قلت] [٤] : هذا معنى ماله نهاية، وغاية [٥] في الاختراع ليس وراءها غاية [٦] . وله [أيضا] [٤] :
أراك على العلّات غير موفّق ... وما أحسن التوفيق حيث تكون!
(طويل)
تريد تلافي الأمر من بعد فوته ... ولو شئت كان الصعب [٧] منه يهون
كبلهاء [٨] قوم حين بلّت طحينها [٩] ... بدت تنخل المبلول وهو عجين [١٠]
وأنشدني [أيضا] [١١] له أبو الفضل يحيى بن نصر البغداديّ:
سكن ساكن سواد الفؤاد ... ملّ [١٢] قربي ومال نحو بعادي
(خفيف)
стр. 110
قال: لم لا تنام؟ قلت لإعرا ... ضك وهو الخلاف للمعتاد [١]
إنّما أشتهي الكرى لأرى طي ... فك فيه وأنت سهل القياد
فإذا لم يزر خيالك إلّا ... مغضبا، فالكرى فداء السّهاد [٢]
وله [أيضا] [٣] :
بأبي حبيب كلّما عانقته ... عادت إليّ شبيبتي بعناقه
(كامل)
كالراح يجمع بين طيب نسيمه ... وبهاء منظره وطيب مذاقه
أخلاقه (نزه القلوب) [٤] وبالحري ... أن يستعير الروض من أخلاقه
أيقنت أن لا عيش غير لقائه ... أبدا، وأن لا موت غير فراقه
وله [أيضا] [٥] :
أيّها العاذل مهلا ... ليس هذا العذل شيا
(مجزوء الكامل)
لا تكلّفني سلوّا ... إنّ ذا لا يتهيّا