ولا تفزع إذا ما اعتاص أمر ... لعلّ الله يحدث بعد ذلك «١»
وله في الشيخ أحمد [١] بن الحسين الخوافيّ:
ولما رأيت الدهر صارت صروفه ... على كلّ حرّ ذابلا ومهنّدا
(طويل)
سموت إلى طود من العزّ شامخ [٢] ... لأكسب مجدا يملأ العين واليدا
فأعددت للدّنيا عليّ [٣] بن أحمد ... وأعددت للعقبى عليّا وأحمدا
[٤] وله أيضا:
أسادتنا إني حسام مصمّم ... جلت حادثات الدهر عن متنه الصّدا [٥]
(طويل)
فإن تعملوني كنت كفا وساعدا ... وإن تهملوني ضائعا تشمتوا لعدا
стр. 1157
فليتك إذ زيّفت لم تك ناقدا ... ويا ليتني إن «١» رقت لم أك عسجدا
وله في الشكوى:
ألا يا للعجائب ما لقومي ... «أضاعوني وأيّ فتى أضاعوا «٢» » ؟
(وافر)
شروا من ليس ذا جدّ [١] وجدّ ... وباعوا من له عضد وباع
وله من غزلياته الرقيقة:
أبد تميم أنت في كلّ محفل ... وقى الله عين السوء بدر تمام
(طويل)
أجدّك ما تنفكّ تسبي متيّما ... بفترة ألحاظ ولين قوام
/ فحاجبك المقرون قوس موتر ... وهدبك نشّاب وطرفك رام
أمالك رقيّ هل بقلبك [٢] رقة؟ ... تأمّل نحولي في الهوى [٣] وغرامي
стр. 1158
لأصبح عنك الصبّ بالسّبّ [١] راضيا [٢] ... تكلّم بما تهوى وأمرك سام
إذا طلعت شمس النهار «١» فإنّه [٣] ... رسول [٤] الذي يقريك ألف سلام
وإني على ما قد ترى من كهولتي ... غلامك لو ترضى وأيّ غلام؟
وله:
لم لا أصرّ [٥] على الملاهي سادرا «٢» ... ولديّ من في وجهه أغراضي؟
(كامل)
من خدّه وردي، وبرد رضابه ... خمري، وفوه البرء من أمراضي
стр. 1159
ولم النكول [١] من «١» [٢] العداة وشكّتي [٣] ... مشهورة وغرار سيفي ماض
من قدّه رمحي ومن ألحاظه ... سيفي ومن وفراته فضفاضي
إني على شغفي به وبقومه [٤] ... وبرسله بالشتم منه [٥] راض
إن كان يمنعه الرقيب زيارتي ... فالخصم قد يرضى ويأبى القاضي
وله في غلام متصوف:
أأخلفت ميعادي وخلّفت مهجتي ... على قلق ذاك وفرط تشوّف؟
(طويل)
نهبت فؤادي واعتقدت تصوّفا ... فلا تنهبن [٦] قلبي ولا تتصوّف
[وهذا] [٧] ينظر إلى قول بعض الأئمة:
стр. 1160
تحجّ احتسابا [١] ثم تقتل مسلما [٢] ؟ ... فديتك لا تحجج، ولا تقتل الورى
(طويل)
وبدر له باب المراتب [٣] مطلع ... ولكن له في حبّة القلب مغرب
أصاب صميم [٤] القلب فالصدر ملهب ... وأغرى الهوى [٥] بالصبّ (فالصّبر منهب [٦] ) [٧]
وما ذات طوق يبعث الوجد نوحها ... برجع كما حنّ اليراع «١» المثقّب
بأبرح منّي لوعة غير أنّنا ... تجدّ بنا [٨] أسبابها وهي تلعب
/ [وقلت] ؛ [٩] : وقد بالغت في تسويد البياض بشعره أكثر مما هو شرط الكتاب في [١٠] مثله ولكنّي رأيت ذلك الفاضل يمتّ إليّ بالودّ الراسخ،
стр. 1161
وبيننا مئون من أعداد الفراسخ. ولا أدري ما يفعل بي ولا به، والدهر ذو دول، ينقّل في الورى [أيامه كتنقّل] [١] الأفياء «١» ، ولا آمن حلول دواعي الفناء بذلك الفناء [٢] . وليس منه بخراسان أثر [٣] ، ولا يحمل منه إلا على ألسنة الرياح خبر، ولا [٤] عندنا من أهل [٥] الفضل من يعنى بإحياء فاضل ينشره بجميل الثناء [٦] ، إذا طواه الرّدى [٧] طيّ الرداء. فدوّنت من أشعاره [٨] ما وجدت، وغرت [٩] في أقطار ذكره وأنجدت. وما أحسبني أسأت، إن لم أكن [١٠] أجدت، إن شاء الله تعالى وحده.
وقد [١١] انحرفت من خواف إلى ناحيتي باخرز، ولم لا وفي [ديارات الخارز] [١٢] لأهل الفضل مغارس [١٣] ومغارز، وسدّ لفتق أدب ثآه الحارز «٢» .
стр. 1162
وكنت في حداثة الصّبا أفردت لشعرائها كتابا، ولا بدّ الآن من أن أفرز إليهم [١] من هذه الطبقات بابا، وأبرم لإثبات أساميهم في هذه الورقات أسبابا، عناية بأرض خرّجتني، وإلى هذه الرتب العالية درّجتني، فاذا [٢] تخطيّت إلى غيرهم رقابهم، وطويت طيّ السجلّ للكتاب «١» . [٣] كتابهم، كنت مقترفا إثما ومرتكبا جناحا:
كتاركة «٢» بيضها بالعراء ... وملبسة [٥] بيض أخرى جناحا
(متقارب) فصل جعلته مفتاح هذه الطبقة [٦] ، وقلت: كنت أحدث نفسي زمن [٧] الحداثة، وغالية الشباب لطخ المفارق، قبل أن تعود سود المسائح كبيض المهارق، بسلك أنظم فيه فضلاء باخرز وأدوّن به أسماءهم، وأبني [٨] على أرض الخلود سماءهم./ فحكى لي والدي، ﵀، عن لسان الحاكم عمر
стр. 1163
المطوّعي «١» أنّه قال: «قرأت في كتاب معجم الشعراء تأليف المرزبانيّ شعر محدّث ملقّب بالباخرزيّ» . فكاد الحرص يريشني «٢» في طلبه، لعلّي أعثر باسمه ولقبه وأقف على مقدار أدبه، وما زالت الأيام تعدني فيه مواعيد عرقوب أخاه، وأنا أتحرّاه [١] من خزائن الكتب وأتوخّاه حتى اتّفق أنّ ورثة الأمير أبي الفضل عبيد الله بن أحمد الميكاليّ، عرضوا خزانة كتبه على [٢] البيع، ومعجم الشعراء في أثنائها، ورغبات الفضلاء صادقة في اقتنائها، والقاضي البحاثيّ «٣» من بينهم، يعتام خيارها، غالبا فيها مغالبا بها. فلمّا وقعت عينه على الطلبة «٤» المقصودة، والضالّة المنشودة، أنشب فيها أظفار البنان، وتعلق بها تعلّق الأعمى [٣] بذاك [٤] المكان. ووزن فيها (عشرا من حمر الدنانير) ، [٥] الرواقص على الأظافير، وحمل الكتاب إليّ «ولمن جاء به حمل بعير «٥» » ،
стр. 1164
وان كانت يدي عليه يد مستعير، وما زلت أقشره [١] ورقا فورقا، وأمسح من الجبين في [٢] تتبّع هذا الفاضل عرقا، حتى انتهيت إليه، وأنخت المطيّة عليه. [٣] وفيه ذكر أبي منصور رشيد بن منصور [الباخرزي] [٤] وأبيات له قضى فيها بالعدل والتوحيد «١» ، وردّ على العامّة والحشويّة وهي:
(أحمد الله حمد غير سؤوم) [٥] ... عدد القطر والحصى والنجوم
(خفيف)
وعليه توكّلي وإليه ... رغبتي لا إلى الحقير اللئيم
أنعم المفضل الوهوب على النّا ... س جميعا؛ حديثها والقديم
وهدى الشيب والشباب صراطا ... مستقيما والخير في المستقيم [٦]
كلّف الخلق دون ما يستطيعو ... ن ولم يرض غير دين قويم
جلّ ربّ السماء عمّا [٧] يضيفو [٨] ... ن إليه من القبيح الذّميم
/
стр. 1165
فأثبتّ هذه القصيدة كما هي في طبقات فضلاء باحرز، سنة أربعين [١] وأربعمئة «١» ، وضرب الدهر ضربانه «٢» ، حتى بنى الشيخ ناصح الدولة أبو محمد الفندورجيّ خزانة كتبه في مسجد عقيل بنيسابور، فحضرتها وأعدت نظري [في] [٢] فهرستها، فاذا فيها كتاب المعجم فنشرته، فاذا فيه ذكر الباخرزيّ إلا أنّه خالف في [٣] اسمه ونسبه، [و] [٤] زعم في النسخة الأولى أنّه «أبو منصور رشيد بن منصور» ، وفي الثانية «أبو منصور محمد بن ابراهيم «٣» » .
وذكر أنه من أهل خواسان ونسبه إلى الاستيطان ببغداد والتديّن [٥] بمذهب الشيعة، والعمى في آخر العمر، وحكى أنّه كان يهاجي مثقالا «٤» الشاعر
стр. 1166
الواثقيّ. وأورد من أهاجيه فيه قوله في بيت مثقال:
في بيت مثقال يكو ... ن أولو الزّنا وذو واللواط
(مجزوء الكامل)
يعلونه وعجوزه ... ويرى بذاك أخا اغتباط
وفيه بيت آخر من قبله:
إنّ دهر اسرور أقصر من يو ... م ويوم الفراق دهر طويل
(خفيف) قلت: ولست أدري أكلا المذكورين واحد أم لا؟ وقد عثرت بديوان شعر أبي منصور محمد بن ابراهيم الباخرزيّ في الخوانة النظامية [عمّرها الله] [١] بنيسابور، والتقطت منه أبياتا أحيي بها مواته، وأنشر [بها] [٢] رفاته، وألمّ فتاته. وإن لم يكن في حداثة العصر من شرط الكتاب، ولكنّ العواطف رقعت «١» عليه كبدي، لما كان من فضلاء بلدي. والغالب على ديوانه المراثي، إمّا للعلويّة وإما لإبنه ابراهيم. وقرأت فيه قصيدة له يهجو فيها «هيصم بن العلاء بن جهور [٣] العجليّ» وبني عجل جميعا، ويذكر فرازهم عن يحيى بن عمرو، ويمدح أسدا وطيّا [والكوفيين] [٤] ، وهي:
стр. 1167
/
لو كان في عجل رجال عراك ... في الحرب ما هربت [١] من الأتراك
(كامل)
ولصمّمت «١» منها حفائظ معشر ... صبر على التّوقاف والتّبراك [٢]
تثني [٣] الخدود إذا الحروب تناحرت ... أبطالها وتجود بالأوراك
صلّى الإله على جسوم عفّرت ... منها الخدود على مدى الدّكداك «٢»
وتقسّموا [٤] جرح المنايا بينهم ... بتصابر [٥] عذب على الأحناك
ومن مراثيه قوله في قصيدة:
أأبكيك في [٦] القوم الذين أصيبوا ... من الناس أم أرجوك أن ستؤوب؟
(طويل)
ولولا رجاء الناس [٧] طارت مع الأسى ... عليك عيون منهم وقلوب
стр. 1168
بك الدين والدنيا التي قد تنكّرت ... على الناس تحلولي لهم وتطيب
وقوله من أخرى:
قد استصغرت نفسي عظام المصائب ... بقتل مهيب للرّدى غير هائب
(طويل)
وقد هدّ ركن المكرمات وهدّمت ... ديار النّدى [١] والناس من كلّ جانب
لقد كان مرهوبا مرجّى ولم تكن ... كرهبته لله رهبة راهب
وكان قريبا من غريب له تقى ... (ولبّ، بعيدا من جهول) [٢] الأقارب
كأنّ الحسينيّين عند اخترامه «١» ... وجوه خلت من أعين وحواجب
له همة لم يلف بعد كبعدها ... وما أرضها إلا سماء الكواكب
فكلّ من الأقوام حرّان جازع ... على أسد أمسى قتيل الثعالب
وبدر منير أذهبته غياهب ... متى كان بدر مذهبا للغياهب
стр. 1169
لقد كان يحيي الجود للضيف قاريا ... فأمسى قرى طير ذوات مخالب
وقد كان داء للسّباع يثيرها ... فصار دواء للسباع السواغب
/ وقال يرثي ابنه ابراهيم:
أنا حيّ وروح روحي إبرا ... هيم ميت إنّي لفظ غليظ
(خفيف)
يا رهين التراب لو صدقتك ال ... ودّ نفسي إذن لكانت تفيظ
كان لابني وجه يعوّذه اللا ... حظ أين المعوّذ الملحوظ؟
أين زين الوجوه واريته في ال ... قبر، والقبر مكرم محفوظ؟
حظّ عيني من الرقاد فقيد ... ولعيني من السّهاد حظوظ
أنا راض من [١] لنوائح لكنّ فؤادي [٢] بالمسمعات مغيظ وله فيه أيضا يرثيه:
[قبض ابني معوّذا ولقد أي ... قنت أن لا انتفاع بالتعويذ
(خفيف)
стр. 1170
بذّ «١»
مني إلى المقابر والأج ... داث يا طول حسرة المبذوذ] [١]
إنّ قولي لكلّ من لام في الحز ... ن عليه: أقصر فإنّك موذي [٢]
أخذته المنون قبل ارتواء الن ... نفس منه لهفي على المأخوذ [٣]
كلّ [٤] باك [٥] رقاده سهر اللي ... ل، مقرّ بأنّه تلميذي
(إنّ سكري من الهموم لضعف) [٦] ... السّكر من قبل «٢» [٧] قرقف ونبيذ
إنّ قوما أتاهم ابني ابرا ... هيم لمّا [٨] نحوا [٩] بعجل حنيذ «٣»
стр. 1171
قلت: هذا الفاضل، وإن كان بالإضافة إلى هؤلاء العصريين قديما، فقد قيل:
أبى الله إلا أمّ عمرو وحبّها ... عجوزا ومن يحبب عجوزا يفنّد
(طويل)
كسحق «١» اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد
ومن فضلاء ناحيتي، الذين تقدّموا في موكب طبقتها، ولم يطبّلوا [١] على ساقتها «٢» :
/ ١٤٦- أبو خداش محمد بن سعيد [٢] بن خداش ابن ابراهيم بن ميسرة «٣»
فمر [من] [٣] باخرز طلع، وكأنّه من البدو نزع، وبين ظهراني
стр. 1172
العرب [١] ترعرع، فطورا [٢] يتشبّه بمدنيّ رقيق غذّي بماء العقيق، وتارة يتجلّى في عجرفة الشدو بعنجهيّة البدو [٣] . ولم أظفر بشعره في خزانة كتب قديمة، توارثها العلماء من أهل بيت عليّ بن زناد؛ جدّ هذا المذكور.
وأبدعها وأبرعها قافية له بائية قالها في استبطاء عشيرته، واستزادة أعيان قبيلته. مطلعها:
أطاع النهى قلبه المختلب ... وعاصى دواعي الهوى والطرب
(متقارب)
وشمّر ذيل الصّبا نازعا ... عن الواسمات له بالريب [٤]
يراعي النجوم بعين الهموم ... كئيبا، ومن يغترب يكتئب [٥]
ثوى بالمدينة عاما بها ... دراكا إلى رجب من رجب [٦]
وراح وساوس تلهو به ... وقد كان يلهو بها في الحقب
إذا هو حنّ تغنّت له [٧] : ... «عجبت من الدهر كيف انقلب»
وبيضاء كالشمس رود «١» الشباب ... ربيبة بيت عزيز الطنب
стр. 1173
كأنّ بفيها بعيد الرقاد، ... وقد صعد النجم أو قد كرب [١]
عتيق [٢] العقار [٣] بمسك البحار [٤] ... بأري يشاب ولم يؤتشب «١»
تمتّعت منها بطيب السماع ... وجانبت في الله ما لم يطب [٥]
وصفراء كالمسك إن ذقتها ... بشمّ وفي لونها كالذّهب
[إذا هي ريضت «٢» [٦] بقرع المزاج ... ترامى لها شرر كالشهب] [٧]
/فمنها مصابيح شرّابها ... وطيب النّدامى إذا ما نضب [٨]
شهدت مجالسها للحديث [٩] ... وعاصيت في شربها من شرب
بكلّ يعلل هذا الشجى ... ودرّت مناه [١٠] له لو حلب
стр. 1174
فما زاد إلا شجى [١] ناشئا [٢] ... وهل يشعل النار مزن سرب؟
أجارة بيتي بعض الملام ... فلومك نار وقلبي حطب [٣]
كأنك لم تكبري [٤] ما ألمّ ... ومن قدر الله ما قد جلب
فراق أخي يوم فارقته ... صريعا بحال [٥] رد «١» [٦] محتسب
يؤرّق عينيه صرف الزمان ... وينهش جنبيه نار [٧] الوصب
وما أنس لا أنس يوم الفراق ... ودمعي على خدّه منسكب
أوّلي وطرفي إلى شخصه ... ونار الأسى في الحشى تلتهب
فلو أنّ ما بي غداة الفراق ... بثهلان لانهدّ إن لم يذب
كريم أصيب بريب الزمان ... وأيّ كريم به لم يصب؟
تقاوى عليه لدى سقمه ... رعاع الموالي وقزم العرب
وناصبه معشر عن قلى ... بظلم وعن حسد قد غلب [٨]
стр. 1175
ألم يك سيفا لهم صارما ... على كلّ ذي إحنة «١» يرتهب
وركنا شديدا وفوق الشدي ... د [١] يأوي [٢] إليه شديد الرّعب
يلاقي الزمان بأمر يقوم ... مقام الخميس اللهام اللّجب «٢»
/إذا حلّه الخطب لم ينتظر ... مشورة أهل النّهى والأرب
ولكن مضاءة غرب السنان [٣] ... وسورة ليث العرين الأشب «٣»
فإن يكن الدهر قد خانه ... وأزعق «٤» [٤] من شربه ما عذب
فقد يكسف البدر عند التمام ... ويعلو الحسام، الصدا، ذا [٥] الشّطب «٥»
стр. 1176
ويعدو [١]
على الضيغم الثّعلبان «١» ... إذا ما القضاء أتى بالغلب [٢]
رويدا سيكشف هذا الضباب ... ويطلع من شمسه ما غرب
ولمّا بدالي اعتياص «٢» الشّؤون ... وسدّ السبيل عن [٣] المطّلب
دعوت إلى نصرتي أسرتي ... على نأي داري (لا من كثب) [٤]
فلم أرلي [منهم] [٥] إذ [٦] دعوت ... مجيبا وفي نصرتي منتدب
فإذ لم يروا نصرنا في الملمّ [٧] ... ببذل اللهى «٣» واحتمال النصب
فأين لسؤال بظهر المغيب ... وأين السلام وأين الكتب؟
стр. 1177
وأين مداجاة أهل الحيا ... إذا لم تكن حرمات [١] المحب؟
وله أيضا يشكو بعض إخوانه [٢] :
وكيف خلوصي من أخ ذي تدابر ... إلى وصله والصّرم بالوصل محدق؟
(طويل)
وكم [٣] دونه للزهو باب بقفله [٤] ... وللبغي أحراس وللتيه خندق
وإنّ امرأ يزهى [٥] على أهل ودّه ... ويطمع منه «١» في الاخاء [٦] لأخرق [٧]
ومما أختاره [٨] من مراثيه لابنه قوله: ... برزء سعيد قصّ دهري قوادمي
وأطفأ نوري واجتنى ثمر الصدر
(طويل)
стр. 1178
أبان «١»
يدي يوم التصاول من يدي ... وهدّ به ركني وأوهى [١] به أزري/
وما كان إلّا روح جسمي فانقضى ... وكيف بقاء الجسم والروح [٢] في القبر؟
أبعد سعيد والهمامين بعده ... خداش وعبد الله كالأنجم الزّهر
أؤمّل صفو العيش لا ذقت صفوه ... وأهوى امتداد العمر لأمدّ في عمري
وله فيه يرثيه:
يا واحدي أصبحت بعدك واحدا ... لولا الإله المستعان الواحد
(كامل)
ماذا [٣] أردت إلى أبيك بتركه ... يبكي العدوّ له ويرثي الحاسد
ألف المقابر بعد فقدك وحشة ... لو كان يأنس بالمقابر فاقد
يدعوك من [٤] يأس ولست تجيبه ... وهو القريب وسمعك المتباعد
стр. 1179
أعققته فتركت رجع جوابه؟ ... ما اعتاد منك أذى العقوق الوالد
وأقلّ منا المكث حتّى نلتقي [١] ... كالحيّ «١» يسبقهم بيوم رائد
١٤٧- أبو جعفر محمد بن يعقوب [٢]
كتب إلى بعض شركائه يهنئه بحفر كرم استجدّه، واجراء نهر استمده:
على الطائر الميمون حفرك [٣] للكرم ... أبا قاسم يا معدن العقل والفهم
(طويل)
وغرسك للأشجار فيه ومدّك [٤] الس ... سواقي في أطرافه ثابت [٥] العزم
стр. 1180
١٤٨- أبو نصر العمريّ [١]
حدّثني القاضي أبو جعفر البحاثيّ قال: ولّي هذا العمريّ عمالة زوزن، فتخاصم بقّال فيها مع آخر من أهلها، حتى انتهت الحال بينهما من التخاصم والتنازع إلى التناتف والتصافع. وتقرّر عند [٢] العمريّ ظلم هذا السوقيّ [بابتدائه اللجاج] [٣] والبادي أظلم، فأمر حتى أنحى عليه في التشديد. وصبّ رجله في حلق الحديد. فقال البقّال، وكتب به إليه:
/ جلست بطيئا [٤] والجلوس يضرّني ... وفي السوق حانوتي، فديتك، ضائع
(طويل)
وكيف جلوسي عند شيخ أحبّه ... تغدّى؟ وإني مذ جلست لجائع
ثم إنّه تقدم إلى السجّان فقال: اذكرني عند ربّك. وحمّله البيتين، ففعل وأوصلهما إليه. فاستدعى البقال وقال: من هذا الشيخ الّذي زعمت أنك تحبّه؟ فقال: هو [٥] السجّان وإياه عنيت. وإن كنت في تشديده عليّ تعنّيت،
стр. 1181
فعجّل إطلاقه وفكّ وثاقه. وتعجّب من سوقيّ يرجع من الفضل وحسن التهدّي لأسباب الخلاص إلى ما رأى منه. وللعمريّ [١] هذا شعر المقلبين [٢] .
قال يرثي بعض أصدقائه:
ماذا [٣] أصاب البدر زال ضياؤه ... عنّا وأظلم أرضه وسماؤه؟
(كامل)
أمّا السخاء [٤] فقد مضى بمضيّه ... وبكى [٥] له العافي وحقّ بكاؤه [٦]
إن تطوه أيدي الفناء برغمنا [٧] ... فلطالما نشر الكريم ثناؤه
١٤٩- عبد الملك بن محمد بن محمود
هو جدّ الحاكم أبي يعلى محمود بن عون البيرقيّ، وما كان عندي أنّ له شيئا من الشعر يروى، وسورة من الفضل تتلى، وصورة من النظم تجلى.
стр. 1182
حتّى ظفرت في بيت كتب الحاكم أحمد بن الحسن بن الأمير الباخرزيّ «١» ، رحمة الله عليه، بجزء مشتمل على أشعاره فاخترت منها قوله:
يلومونني أنّي من البين أجزع ... وأنّي لما قد حلّ بي أتوجّع
(طويل)
يقولون جهلا: ما لجسمك ناحلا ... ولونك مصفرّا وعينك تدمع؟
فقلت مجيبا: ليس [١] في اللوم منفع [٢] ... فإن شئتم لوموا وإن شئتم دعوا
/ وأقسمت أن لو حلّ ما بي من الضنى ... بأيوب أضحى والها يتضرّع
ومن أين لا أبكي وروحي مفارقي [٣] ... وما لي [٤] سوى حوض المنيّة مشرع؟ [٥]
وما أنسّ (م الأشياء «٢» ) [٦] لا أنس قولها ... وفي صحن خدّيها وخدّيّ أدمع
стр. 1183
تعانقني طورا وتمسح عبرتي ... وتلثم خدّي تارة وتودّع
عزمت على هجري فأصبحت راحلا ... رجوعك يا سؤلي متى أتوقّع؟
فقلت لها: لا تسألي، لست عارفا ... بما في غد أو بعده، الله يصنع
ولا تكثري لومي بأني صابر [١] ... وأن لست من خوف النّوى أتضرّع
فإنّ نحولي واصفراري وحيرتي ... دليل على أني لفقدك أجزع [٢]
تحملت ثقل الحبّ في الصدر مخفيا ... وإن كان قلبي في الهوى يتقطع
ومنها:
أرى العيش بعد الإلف موتا ومن يغب ... عن الإلف لا يسلم إلى يوم يرجع [٣]
فياليتني لم ألق يوما فراقها ... وفي غده ما كانت الشمس تطلع
وإنّي لأرجو أنّ ربّي يردّها ... عليّ ويدني الدار والشمل يجمع
[قلت] [٤] : وهذا لعمري كلام حلو المساغ حسن المساق، يدلّ بكثرة طائله على فضل قائله.
стр. 1184
١٥٠- أبو منصور الكاتب «١»
هو من أشعر الكتّاب، وأكتب الشعراء. وقد لفظته باخرز إلى دار الملك ببخارا، وارتبط في ديوان الرسالة بها. وهذا نثر له موشح بنظم، يصف فيه حاله، ويذكر حلّه وارتحاله [١] . وكفاك به مخبرا عن قصته، وناطقا بحذقه في صنعته. صدر الرسالة قوله:
/ كتبت ولي نفس تذلّل للهوى [٢] ... فأنفاسها حرّى وأجفانها عبرى
تحيّرت من [٣] أمر الهوى فتسلطت ... عليّ النّوى واستمطرت [٤] أدمعي تترى
[٥] وكيف لا وقد تبدلت بمظنون [الأحبّة [٦] والأوطان] شجون الامتحان في دار الغربة، أبكي شجنا لأوطاني، وأرثي حزنا لخلّاني. نهاري
стр. 1185
ليل أسود، وقد وكلّ بالفكر، وليلي نهار أربد «١» ، مقصور على السهر.
ارخي أيامي بين تعلل بالأماني وتجمّل في تحمّل ما أعاني. أتمنى سوالف الأيام، والأماني مضلّة الأفهام [١] . فاذا يئست من عتبى دهري أنست ببكائي، ومهما نكست [من لوعات] [٢] صدري، تنفست ببرحائي ومتى تجسّمت لي روائع ربوعي، انسجمت متتابعة دموعي، وتعضّني للنوى أنياب [٣] عاضّة، وترضّني [٤] من الهوى أسباب راضّة:
أضحي وأمسي في فنون بلابل ... من دونها تتقطّع الأكباد
(كامل) ولا غرو فقد تبدّلت بالأنس [٥] وحشة وبالمتنزهات مساكن وحشة،
في ضيّق الأرجاء ضنك المخترق [٦] ... كأنني في مطبق «٢» أو مختنق
(رجز)
стр. 1186
فنزلت [١] وجار «١» الضّباب واجما [٢] ، واحتللت أو كار الغراب نادما.
لا أتنسّم بها نسيما، ولا أتوسّم فيها حميما:
نزلت بخارا (وهي لولا قطينها «٢» ) [٣] ... لحقّ علينا أن نلقبها البحرا
(طويل)
إذا همّ حرّ في بخارا لحاجة ... ففي كوز ماء أو إناء له يخرى
متنزّهاتها [٤] سهكة «٣» ، تتداول في أرجائها العذرة «٤» ، ومخترقاتها [٥] مزالق، تتابع في حافاتها العثرة:
مؤونة الغسل بها جمّة ... وأعظم الرّزء كرا [٦] المحفشه «٥»
(سريع)
стр. 1187
لا قدّست من بلدة إنها ... مزبلة [١] ضيّقة موحشه
/ وهذه حالتي بعد متنزّهاتي الطيبة الرائعة، ومساكني المؤنقة الفائقة.
وبعدها ساعدني الزمان في منادمة الاخوان، ومقارنة الخلان:
والدهر عنا نائم لم ندر ما ... صرف الزمان وفرقة الإخوان
(كامل)
فتنبهت أحداقه فتركننا ... أيدي سبا شتّى بكلّ مكان
تناغيني [٢] بواعث [٣] الأسف، وتناجيني [٤] طوارق التلف. يا عجبي! أشتاق إلى الجفاة، وأحنّ إلى السعاة:
أرض يسود بها القرود أسودها ... فيطيعهنّ [٥] من الشقاء أسود
(كامل) كبيرها متورط بالجهالة [٦] ، وصغيرها متمخّط «١» [٧] في الضلالة. أفضلهم
стр. 1188
عيّي، وأغفلهم غبيّ، وأعفّهم سارق، وأسدّهم مارق. وما خير موطن تصيدك فيه حبائل الحقود [١] ، ولا تأمن به غوائل الحسود. أتذكر باخرز وتحنّ إلى أقطارها؟ أم تشتاقها، وتبحث عن أخبارها؟ أمالك نفس متّعظ وحدس متيقّظ؟
وختم الكتاب بهذا الفصل: «ولمّا أسعدني الله بالوقوع إلى حضرته، وقبّلت قبلة الآمال من عتبته، وشرّفت بالأذن عليه في خلوته، ساءلني عن أخباري وأخبار غيبتي، ثم أكرهني على نقض توبتي، وأمرني بالاختلاف إلى الديوان على رسمي، وأثبت العشرينيّة باسمي، فأنا بحمد الله أرفل في أثواب المسرّة، وأرد على أبواب المبرّة، وأرجع من [٢] ظلّ خدمته إلى ما ينسيني ذكر الأهل والوطن، ويشغلني عن حبّ الولد والسكن» :
ومن [٣] ذا الذي لم يرمه الدهر بالنّوى ... ومن ذا الّذي لم يشجه بفراق؟
(طويل)
رويدك إنّ الدهر لا عزم عنده ... سيرمي النّوى يوما بوشك تلاق
/ قلت: وكان سبب انقطاعه من الناحية أنّ الشيخ أبا الطيب الخداشيّ لم يزل يرهقه صعودا، فأنف من الصبر على الخسف، والانقياد للذل. وامتدّ
стр. 1189
إلى بخارا مفوّقا بسهام الهجاء إليه، ومستعديا للسلطان عليه. فممّا قاله في هذا المعنى بيتان، أنشدنيهما [له] [١] القاضي أبو جعفر البحاثيّ [وهما] [٢] :
أبا طيّب [٣] لا تكن ظالما ... ولا تلق نفسك في المهلك
(متقارب)
كأنّك هارون في غدره ... وأني بقايا بني برمك
١٥١- ابنه أبو نصر [٤] الكاتب
ما عسى أن أقول في غصن تفرّع من تلك الأرومة، وفسيلة تشعبت من تلك الجرثومة؟ وقد عاشرته فوجدته لا يرجع من الأدب إلى رأس مال، [إلّا أنّ] [٥] له طبعا نقادا، وخاطرا وقّادا. ومن [٦] خبره أنّه لقي الوزير شمس الكفاة أحمد بن الحسن الميمنديّ مستعديا به [٧] على أبي سعيد الخداشيّ، ومدحه بهذه القصيدة التي أملاها [عليّ] [٨] من لفظه، وهي:
стр. 1190
يقول ويجري كالجمان المبدّد ... دموعا على خدّ أسيل مورّد
(طويل)
أترحل [١] عني في الربيع أما [٢] ترى ... تعمّمت الدنيا بنبت مجعّد؟
وقد شقّ عن نبت الرياض شقائقا ... كسابغة شقّت بنصل مجرّد [٣]
وعلّق من فرع الغصون جواهرا [٤] ... ورصّع ديباجا [٥] بدرّ منضّد
وما إن يريم الريم من فرش حلّة ... متى يغشه نوم [٦] بها يتوسد
ألست ترى وسط الحدائق نرجسا ... له حدقات من لجين وعسجد
/ كأنّ من العقيان قد صيغ إثمد «١» ... وقد كحّل الكافور عمدا بأثمد
تيقّظ عن نوم وما تمّ نومه ... فيرنو بعين مثل عين المسهّد
فسبحان من أبدى وأبدع زهرة ... من الدّرّ والعقيان فوق زمرّد [٧]
ونفحتها (راح وروح فنشرها) [٨] ... دليل على صنع الإله الموحّد
стр. 1191
ونور الأقاحي قد تبسّم ضاحكا ... كبدر حواشيه تزان [١] بفرقد
يطير الصّبا بالورد من كلّ جانب ... فكم متهم مما يطير ومنجد
فبعض كخدّ بالحياء مضرّج ... وبعض كخدّ العاشق الصبّ مجسد «١»
ترى خطباء [٢] الطير يدعون في الدّجى ... أناسا بهم وجد إلى اللهو والدّد «٢»
وينشدن بالإنشاد إلفا فقدنه ... فيا عجبا من ناشد الإلف منشد
ومنها:
وما أنس إذ ودّعتها يوم أقبلت ... كبلقيس حيرى وسط [٣] صرح ممرّد
وأدمعها تحكي دموعي، وأدمعي ... دموع لبيد عند فقدان أربد «٣»
стр. 1192
وما أنس (م الأشياء) [١] لا أنس قولها «١» ... (فيا حسرتا يومي ويا حسرتا) [٢] غدي
ألست الذي قد قلت في أول الصّبا: ... متى تبعدي عني مدى [٣] الدهر أبعد؟
لأية حال حالت الحال [٤] بيننا ... وأنت بأيّ العذر تغدو وتغتدي؟
فقلت لها ما اخترت والله فرقة [٥] ... على طيب عيش بالوصال [٦] مرغّد
[أدلت بكرهي [٧] وصلنا بافتراقنا [٨] ... فلا تعذليني واعذلي الدهر وارددي] [٩]
стр. 1193
فردّت جوابي كيف أعذل دهرنا ... وقد شرّفته دولة الصاحب النّدي؟
فلما فرّغ من الإنشاد قال له الوزير: أمستميح [أنت] [١] أم مستنجح؟
فقال: كلاهما/ وتمرا. فقضى حاجته وأجزل صلته، وأشكى مظلمته. وأنشدني لنفسه في هجاء المشطبّي المستوفي:
شطب بطّيخك وقت الصّبا ... طوعا، كما أخبرت، تشطيبا
(سريع)
لمّا [٢] فشا ذكرك بين الورى ... بذاك قد لقّبت [٣] تلقيبا
وأنشدني لنفسه [أيضا] [٤] يهجو عامل باخرز:
عامل باخرز أخو همّة ... ورتبة سامية عاليه
(سريع)
مهذب العرض سوى أنّه ... أبخر، في فيه بدت داهيه
فجيفة الكلب لدى نطقه ... غالية قيمتها غاليه
إذا رأى في داره خاطيا ... ينيك تلك الحرّة الخاطيه
стр. 1194
لم يدخل الحجرة من غيظه [١] ... ثم يرى [٢] العفو من العافيه
قلت: وأقام هذا الفاضل في ضيافة الرئيس أبي القاسم عبد الحميد [٣] بن يحيى الزوزنيّ، رحمة الله عليه، حينا من الدهر. والناس كالسباع [٤] الجياع نهشا [٥] وعضا، يأكل بعضهم بعضا. وهو بحضرته كالنازل على آل المهلّب شاتيا، يستقبل سعدا آتيا، ويعتنق جدّا مواتيا. وتخيّل له أنّ ظلّه قد ثقل، فانتقل ولم يحلل [من] [٦] عنده عقال مطية [٧] لو عقل، لأنّ [٨] ذاك الذّي [قد] [٩] تصوّر له كان ظنا بني على غير الحقيقة، والضّنّ لم يكن معهودا من تلك الطريقة غير أنّ الأجل [١٠] ساقه إلى الطّبسين «١» فخرّبها [١١] صريع الحسين، ورثاه والدي، فقال:
يا غريبا قد مات بالطّبسين [١٢] ... بل غريبا قد عاش في الثّقلين
/ (خفيف)
стр. 1195
يا أبا نصر بن منصور الكاتب أفسدت بين دهري وبيني [١]
لست أعفو تعجيل حينك عن ده ... ري وإن غرّني بتأخير [٢] حيني
١٥٢- أبو [٣] منصور سعيد بن محمد السّعيديّ
كان [هذا] [٤] المذكور من المترفّهين [٥] المتّهمين برقّة الدين، [المنسوبين] [٦] إلى مطابقة الملحدين، ومفارقة الموحّدين. ولم يزل طلب [٧] [الأمير] [٨] أبي بكر بن اسحق من ورائه يقتفون أثره، ويركبون في اقتناصه قوس الطريق ووتره، وهو آخذ سمت ما وراء النهر. وقد قذف الرعب في قلبه من صدق الرغبات في صلبه: