ونور الأقاحي قد تبسّم ضاحكا ... كبدر حواشيه تزان [١] بفرقد
يطير الصّبا بالورد من كلّ جانب ... فكم متهم مما يطير ومنجد
فبعض كخدّ بالحياء مضرّج ... وبعض كخدّ العاشق الصبّ مجسد «١»
ترى خطباء [٢] الطير يدعون في الدّجى ... أناسا بهم وجد إلى اللهو والدّد «٢»
وينشدن بالإنشاد إلفا فقدنه ... فيا عجبا من ناشد الإلف منشد
ومنها:
وما أنس إذ ودّعتها يوم أقبلت ... كبلقيس حيرى وسط [٣] صرح ممرّد
وأدمعها تحكي دموعي، وأدمعي ... دموع لبيد عند فقدان أربد «٣»
стр. 1192
وما أنس (م الأشياء) [١] لا أنس قولها «١» ... (فيا حسرتا يومي ويا حسرتا) [٢] غدي
ألست الذي قد قلت في أول الصّبا: ... متى تبعدي عني مدى [٣] الدهر أبعد؟
لأية حال حالت الحال [٤] بيننا ... وأنت بأيّ العذر تغدو وتغتدي؟
فقلت لها ما اخترت والله فرقة [٥] ... على طيب عيش بالوصال [٦] مرغّد
[أدلت بكرهي [٧] وصلنا بافتراقنا [٨] ... فلا تعذليني واعذلي الدهر وارددي] [٩]
стр. 1193
فردّت جوابي كيف أعذل دهرنا ... وقد شرّفته دولة الصاحب النّدي؟
فلما فرّغ من الإنشاد قال له الوزير: أمستميح [أنت] [١] أم مستنجح؟
فقال: كلاهما/ وتمرا. فقضى حاجته وأجزل صلته، وأشكى مظلمته. وأنشدني لنفسه في هجاء المشطبّي المستوفي:
شطب بطّيخك وقت الصّبا ... طوعا، كما أخبرت، تشطيبا
(سريع)
لمّا [٢] فشا ذكرك بين الورى ... بذاك قد لقّبت [٣] تلقيبا
وأنشدني لنفسه [أيضا] [٤] يهجو عامل باخرز:
عامل باخرز أخو همّة ... ورتبة سامية عاليه
(سريع)
مهذب العرض سوى أنّه ... أبخر، في فيه بدت داهيه
فجيفة الكلب لدى نطقه ... غالية قيمتها غاليه
إذا رأى في داره خاطيا ... ينيك تلك الحرّة الخاطيه
стр. 1194
لم يدخل الحجرة من غيظه [١] ... ثم يرى [٢] العفو من العافيه
قلت: وأقام هذا الفاضل في ضيافة الرئيس أبي القاسم عبد الحميد [٣] بن يحيى الزوزنيّ، رحمة الله عليه، حينا من الدهر. والناس كالسباع [٤] الجياع نهشا [٥] وعضا، يأكل بعضهم بعضا. وهو بحضرته كالنازل على آل المهلّب شاتيا، يستقبل سعدا آتيا، ويعتنق جدّا مواتيا. وتخيّل له أنّ ظلّه قد ثقل، فانتقل ولم يحلل [من] [٦] عنده عقال مطية [٧] لو عقل، لأنّ [٨] ذاك الذّي [قد] [٩] تصوّر له كان ظنا بني على غير الحقيقة، والضّنّ لم يكن معهودا من تلك الطريقة غير أنّ الأجل [١٠] ساقه إلى الطّبسين «١» فخرّبها [١١] صريع الحسين، ورثاه والدي، فقال:
يا غريبا قد مات بالطّبسين [١٢] ... بل غريبا قد عاش في الثّقلين
/ (خفيف)
стр. 1195
يا أبا نصر بن منصور الكاتب أفسدت بين دهري وبيني [١]
لست أعفو تعجيل حينك عن ده ... ري وإن غرّني بتأخير [٢] حيني
١٥٢- أبو [٣] منصور سعيد بن محمد السّعيديّ
كان [هذا] [٤] المذكور من المترفّهين [٥] المتّهمين برقّة الدين، [المنسوبين] [٦] إلى مطابقة الملحدين، ومفارقة الموحّدين. ولم يزل طلب [٧] [الأمير] [٨] أبي بكر بن اسحق من ورائه يقتفون أثره، ويركبون في اقتناصه قوس الطريق ووتره، وهو آخذ سمت ما وراء النهر. وقد قذف الرعب في قلبه من صدق الرغبات في صلبه:
стр. 1196
والأمر [١] لله ربّ مجتهد ... ما خاب إلّا لأنه جاهد
(منسرح)
ومتّق والسّهام مرسلة ... يحيص من حابض إلى صارد «١» [٢]
فلما ألقى عصا [٣] المقام ببوزكند «٢» من بلاد التّرك وشاع بها فضله، وعرف في موارد الأمور ومصادرها عقله، استوزره الخان»
، ولم يعلم أنّه من جانبه يخان. فأخذ يستميل طائفة من الحشم إلى دين [٤] الباطنيّة، وينقش في ضمائرهم ما كان في عقيدته [٥] من قدم الدنيا الدنيّة، ويهوّن في [٦] عيونهم [٧] أمور عواقبهم، ويلقي حبال الخلاعة على غواربهم، حتّى رقى إلى سمع الخان ما هو بصدده من الدعوة إلى دين القرامطة، وغرس تلك الأهواء الخاطئة في نفوسهم، وتقسيم تلك الآراء الكاذبة بين [٨] أفئدتهم ورؤوسهم،
стр. 1197
فنصبه على الجذع بمرمى الأحجار، وقاد إليه ذلك المركب من مربط النجار، وتضلّعت «١» [١] سباع الطيور من أشلائه، ولا مهرب من بلاء الله إلّا إلى بلائه. ولم [٢] أجد من شعره إلّا ما أفادنيه القاضي أبو جعفر/ البحاثيّ، قال: وكتب به من الحبس إلى أخيه أبي الحسن، لما أودع القلعة بغزنة:
وا رحمتا لفتى أديب نابه ... أخنت حداثته على آدابه
(كامل)
لمغفّل غرّ أسير واله ... قد خيّمت محن الزمان ببابه
لأخي أبي الحسن السعيديّ [٣] الذي ... ما للسعادة جانب بعتابه [٤]
ينشقّ صدري وحشة لفراقه ... ويذوب قلبي رحمة لشبابه
زالت دواعي الأنس [٥] غبّ زواله ... عنّا وغاب نعيمنا [٦] بغياب
ما زال يعجبه المنى حين اجتنى ... بيد الشقاء الحين من إعجابه
стр. 1198
الله جار فتى أديب بارع ... ورع فقيه حافظ لكتابه
أولعت فيه لسوء بخت [١] مشفقا [٢] ... من خصمه العادي أليم عذابه [٣]
أخشى عليه الدهر صولة أرقم ... صلّ «١» يمجّ السّمّ من أنيابه
وأخاف أن يعدو [٤] عليه بجهله ... فيذيقه ظلما فنون عقابه
لابل [٥] أؤمل أن يؤوب مسلّما ... فيقرّ عيني عاجلا بإيابه [٦]
ويؤوب أنس راحل برحيله ... ويؤول عيش ذاهب بذهابه
وأمّا أخوه:
стр. 1199
١٥٣- أبو الحسن [١] عليّ بن محمد السّعيديّ
فقد حبس بغزنة مدة مديدة، يعذّب [٢] ويعنّى، والقيود على رجليه [٣] تترنّم وتتغنّى. ولم ينج برأسه إلّا لتوبته عن حوبته «١» ، ورجوعه عن سوء عقيدته. وقد كان حافظا لكتاب الله العزيز، ومستوثقا من ذلك الحصن الحريز، حاذقا في القراءات، عالما بالروايات، يسردها وراء ظهره، ويكاثر بها [٤] أبناء دهره./ ولحق في أيام وزارة أخيه، فنصره وآواه، وأكرم [٥] بحضرته مثواه. غير أنّه لم يتلبّس [٦] بالأعمال السلطانية، وتصرّف [فيها] [٧] على الأوقاف في تلك الولايات، يكتسي من أسلابها ويحتسي من أحلابها، حتّى
стр. 1200
وقعت الحادثة بأخيه، وبقي هو على حالته الأولى، مشدودا أواخيه «١» . والغالب على ظني أنه لقي إلى هذه الغاية يومه، فقد طالما عفت آثاره، وانطوت أخباره. [١] فمما بلغني من شعره ما أنشدني [٢] له الفقيه أبو الحسن البحّاثيّ قال:
صدّر أبو الحسن السعيديّ إليّ كتابه من بوشنج قبل نكتبه، بهذه الأبيات:
ما أقاسيه [٣] من [٤] طويل الليالي ... من فنون المنى ومسرى الخيال
(خفيف)
لو على الراسيات عشر عشير ... من هموم [٥] لآذنت بالزّوال
ومنها:
لك خدّ كأنّه [٦] جلّنار ... وثغور كأنهنّ لآل
إنّ عينيك ترميان بسهم ... مؤلم موجع قلوب الرجال
стр. 1201
ومنها:
طاهر طهّر الإله ذراه ... فهو ينجي من الهموم الثقال
موئل المعتفين يوم النوال ... معقل الخائفين يوم النزال [١]
ذو كلام كأنّه سلك درّ ... ظهرت فيه قدرة المتعال
سيفه كلما نضاه [٢] قراب ... يتمنّى جماجم الأبطال
١٥٤- أبو المظفر ناصر بن محمد [ابن غانم] [٣]
شريف الأصل كالمشرفيّ من النصل. نبا به وطنه، فاجتوى «١» المقام، وقوّض الخيام. وتقاذفت به ديار الغربة [حتى] [٤] كأنّه وحش مطرود
стр. 1202
أو خبر شرود ومحا البعد آثاره وطوى النأي أخباره. ولا أدري أيّ الحراد عاره «١» .
[وقد عثرت بديوان شعره في الخزانة النظامية، والتقطت منه أبياتا احيي بها مواته، وأنشر رفاته. وان لم يكن في حداثة العصر من شرط الكتاب، ولكنّ العواطف رقّقت كبدي لما كان من فضلاء بلدي. فمنها قوله] [١] :
/ لا تغرنّك الحياة غرورا ... فإلى الموت كلّ خلق يصير
(خفيف)
وأعبد الله حسبة واجتهادا ... فهو نعم المولى ونعم النصير
١٥٥- الشيخ أبو عليّ الحسن [٢] بن أبي الطيّب والدي «٢»
قد قيل: إنّ الرجل بابنه وبشعره مفتون «٣» ، أمّا أنا فمفتون [٣] بكلام
стр. 1203
والدي، رحمة الله عليه، فقد كان كما قال فيه الشيخ أبو منصور الثعالبيّ نظما:
يا من تجمّعت المحاسن كلّها ... فيه وصيّرت القلوب برسمه
(كامل) فالوجه منه كخلقه والخلق منه كشعره، والشّعر منه كاسمه
لا زال جدّك مثل ما تكنى به ... وسلمت من سيف الزمان وسهمه
وأثنى عليه في كتابه [١] «تتمّة اليتيمة» نثرا، فقال: الوجه جميل تصونه نعمة [٢] صالحة، والخلق عظيم تزيّنه آداب راجحة. قلت: وإنّما مدحه بذلك لأنّه قد كان من أبناء الهمم وأغذياء النّعم، ولم يكن ممن يكتسب بالصناعة أو يتّجر في هذه [٣] البضاعة. وأشعاره على الأغلب مقطّعات، تشتمل على أغراضه [٤] السانحة [٥] له وقلّما يعثر [٦] فيها بمديح. اللهمّ إلّا في الفلتة [٧] والسّقطة والنّدرة والغلطة. وكان إذا قصد بعض الكبار يودع كمّه علقين يصرفهما إلى وجه الخدمة، أو خدمة الوجه، أحدهما كيس ملؤه أوراق أو عيون «١» ، والثاني جزء كلّ أوراقه عيون «٢» . وفيها خدمتان، إحداهما
стр. 1204
منظومة من الأشعار، والأخرى منثورة من الدرّهم والدّينار، كالحلّة خلعت على اللابس بطرازها، والعروس زفّت إلى [١] الخاطب بجهازها. فمما أزيّن به كتابي [من نثره] [٢] فصل له إلى بعض السادة، يعاتبه على ما أقدم عليه حاجبه [٣] :/ «الشيخ، وإن طال دوني [٤] حجابه، وقصّر عني [٥] إيجابه، فلست من فضله الجزيل [٦] آيسا، ولا عن [٧] صبري الجميل يائسا. فالكريم [٨] مرتجى، وإن يلف بابه مرتجا. والنفس موقنة بأن ستسرّ بهلال طلعته، وإن استسر «١» فالسماء إذا احتجبت [٩] أرجاؤها، وجب ارتجاؤها «٢» . وسألازم [١٠] حاجبه، حتّى
стр. 1205
يقضي من أمري واجبه، وأرتضي سدّة بابه مقاما، حتى تنقضي [عنّي] [١] مدة حجابه تماما، ولا أفارق حضرته، حتى يفارق الآس خضرته. إن شاء فلينجز الوعد، وإن أحبّ فليحجز [٢] العدّ «١» ، والسلام» .
فصل آخر: «أما تهديد فلان وإيعاده وإبراقه وإرعاده، فما أولاه بأن ينساني، ويترك في الغمد لساني، إذ لست بالرجل الذي يتضعضع [ركنه] [٣] من سنانه [٤] ، ويقعقع [٥] له بشنانه «٢» فو الله لو أنّه كان نارا، وكنت حطبا لما خشيت [٦] منه عطبا، وإن [٧] كان ذئبا وكنت حروفا، لما خلته مخوفا. أو كان سيفا مسلولا، وكنت لصا مغلولا لما تقاعست عنه [٨] نكولا.
فسيّان عندي وعده ووعيده، وتقريبه وتبعيده، إن منّاني لم أرجه، وإن
стр. 1206
عنّاني لم أهجه. ولو كان إنسانا لكفيته إساءة وإحسانا، أو كان أحدا لما وجد دون عتبي [١] أو عتابي [٢] ملتحدا، لكنه كلب، والكلب عضّه صعب، والعذرة والوقيعة في العذرة متعذرة [٣] . وذباب والذباب لا يؤلمه سباب، وتيس والتيس ليس له كيس. إنّا لله [٤] من الكلب كيف انتقم، ومن السلح «١» كيف التقم؟ وكيف أجرّب [٥] ذباب السيف على ذباب الصيف؟
وكيف أعاقب التيس والعقل هنالك ليس [٦] ؟ فلم يبق إلّا تقصير الكلام والسلام» .
ومن ترصيعه مع التجنيس: «لا زالت معادن المعادين بصولته مروعة، ومساكن/ المساكين بصلته مريعة» .
وله في هذه [٧] الصنعة [ما هو] [٨] أبلغ من هذا الفصل، وهو مرصع في ثمانية عشر موضعا [قوله] [٩] :
«فلان ما سال بالنوال عفوا على [١٠] الاخوان وقت الشراب والقيام،
стр. 1207
إلّا نضب [١] النيل المائج خفرا من إسراف صلته ونواله، ولا اختال في النزال خطوا إلى الأقران تحت الضراب والطعان، الّا هرب الفيل الهائج حذرا [٢] من إجحاف صولته ونكاله [٣] » .
ومما أختار [٤] من شعره في المديح قوله في الأمير أبي الفضل عبيد [٥] الله بن أحمد [٦] الميكالي، رحمة الله عليهما:
حوى دست مولانا الأمير [٧] أخي العلا ... أبي الفضل طلقا بالعشيّات بسّاما
(طويل)
قد امتلأ [٨] الدنيا قنا وقرى به ... فتخشاه [٩] مطعانا وتغشاه مطعاما
وأبدع بالرمحين طعنا وكتبة «١» ... فصار لحبّ القلب والدّرّ نظّاما
стр. 1208
ووطفت عرض الأرض لم أر مثله ... حكيما شجاعا يقطع الحكم [١] والهاما
فقولا لصرف الدهر، عنّي فإنني ... علقت بكاف (صدره ألف) [٢] اللاما «١»
يقوم له السادات في السلم [٣] قاعدا ... ويقعد [٤] عنه القرن في الحرب إذ [٥] قاما
وله [٦] من قصيدة غير قصيرة:
حركات الوزير قد بشّرتنا ... بدوام السرور [٧] والبركات
(خفيف)
وكأنّا [٨] أهل الجنان نزلنا ... عنده آمنين في الغرفات «٢»
стр. 1209
هو في الصدر [١] ذو حجى وثبات ... وهو في القلب طائش الوثبات
ضارب في العلا بأوفر سهم ... طاعن في العدا بأمضى [٢] قناة
/ وهو بحر للعلم برّ بأهل ال ... فضل، طود [٣] للحلم جمّ [٤] الحصاة «١» [٥]
ذكر المرهفات أنثى العطايا ... حدث النادرات [٦] كهل الأناة
ضاحك السنّ في النعيم وفي البؤ ... س مع النازلين والنازلات
خافض الجأش والجناح لإهلا ... ك معاد أو لامتلاك [٧] موات «٢»
من بلاه لدى البلاء رآه ... أفضل النائبين في النائبات
стр. 1210
وبنفسي دواته إنّ فيها [١] ... للمعالي جوامع الأدوات
يا لسوداء [٢] حامل الظهر والبط ... ن بحمر الحلى وبيض البنات
تتماشى [٣] خطّا وترجع نقطا [٤] ... من أعاجيب صنعها راقصات [٥]
أهو الخطّ أم نقوش الغوالي ... في خدود الأوانس الخفرات؟
بل هو الروض [٦] غبّ غيم مطير ... غازل الشمس نوره بالغداة
وهو اللفظ أم رحيق عتيق ... شجّ [٧] سلسالها بماء فرات؟
وله أيضا من قصيدة:
إذا ما الأريحيّة حرّكته ... تروقك هزّة الغصن الوريق
(وافر)
وإن تكن الحفيظة أغضبته [٨] ... تهولك بطشة [٩] الفحل الفنيق «١»
стр. 1211
فعند الصحو يبذل كالسّكارى ... وعند السّكر يحكم كالمفيق
ويضحكه الوعيد من المعادي [١] ... ويبكيه العتاب من الصديق
شجاعته إذا التفّ [٢] العوالي ... تذكّره معانقة العشيق
/ ويأبى للمروءة حين يخلو ... مطايبة مع الرشأ الرشيق
ومن غزليّاته قوله في غلام مطرب:
ومطرب صوته وفوه ... قد جمع الطيّبات طرّا
(مخلع البسيط)
لو لم يكن صوته بديعا ... ما ملأ الله فاه درّا
وقوله [٣] :
من عذيري من مترف يتهادى ... في شباب ونعمة وجمال
(خفيف)
ليس فيه عيب ويا ليت فيه ... كان عيب يقيه عين الكمال [٤]
стр. 1212
قلت: هبني خلال [١] عود [٢] وهب لي ... فضل ريق توليه عود الخلال «١»
فانثنى معرضا وقال بسخط: ... ما لهذا يا مسلمين ومالي؟
وقوله [٣] :
بنفسي [٤] ملول إن [٥] أردت اعتناقه ... بكى ضجرا حتى ضجرت بكاء
(طويل)
ويعرق، إن مازحته، ورد خدّه ... فأخشى عليه أن يذوب حياء
وقوله [٦] :
إنسان عيني قطّ لا يرتوي ... من ماء وجه ملحت عينه [٧]
(سريع)
стр. 1213
كذلك الإنسان لا يرتوي ... من شرب ماء ملحت عينه
وقوله [١] ، وهو من باب الأوصاف:
وذي [٢] زجل والى سهام رهامه «١» [٣] ... وولّى فألقى قوسه في انهزامه
(طويل)
ألم تر خدّ الورد يدمى [٤] لوقعها ... وأنصلها مخضوبة في كمامه؟
قلت: هذا «٢» [والله] [٥] معجزات البيان الذي سماه النبيّ، ﷺ ، سحرا. ومن أهاجيه القوارص اللواذع في قينة:
ومسمعة صوتها شاقني ... إلى نومها بل إلى موتها
(متقارب) /
لها توبة يستفيد النّدام «٣» ... جميع المسرّات من [٦] فوتها
стр. 1214
فهم يطربون وهم يضحكون ... لدى صمتها وعلى [١] صوتها
وفي [٢] مثلها:
وقينة ثديها كبر بطها «١» ... وجسمها في النحول كالوتر
(منسرح)
لو لم يكن (إبطها وعانتها) [٣] ... ما ملكت طاقة من الشّعر
عتابها [٤] والسماع في العين والسّ ... مع [٥] كشوك السّيال والحجر [٦]
يا شعلة في العذار يا لمعة ... في الجلد [٧] يا نكتة «٢» [٨] على البصر
стр. 1215
عوفيت لكن عن [١] المضيف وأب ... قيت، ولكن في أرذل العمر
وله في هجاء ثقيل يؤمّ بالناس [٢] :
وأثقل روحا من حقاف عقنقل «١» ... أخفّ دماغا من جنوب وشمأل
(طويل)
يؤمّ بنا في الخمس قطّع خمسه ... وأمّ بصخر حطّه السيل من عل «٢»
يطيل المقام في القيام كأنّه ... منارة ممسى راهب متبتّل
ويبطىء لبثا [٣] في السجود كما هوى ... مكبّا على الأذقان دوح [٤] الكنهبل «٣»
стр. 1216
ويفحش في القرآن لحنا. كأنّما ... تعاطى كؤوسا من رحيق مسلسل
ويمكث بين السجدتين كأنّما ... يشدّ بأمراس [١] إلى صمّ جندل [٢]
فقلت له [٣] لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل»
وزاد برغمي [٤] ركعة في صلاته ... وقد فاض حتى بلّ دمعي محملي:
ألا أيّها الشيخ الطويل صلاته ... ألم يكن التسليم منك بأمثل؟
وله في الشيب مشوبا بالفخر والشجاعة:
/ ألا إنّ شيبا ضافني فنفيته [٥] ... فبادرني [٦] فانشقّ من خوفه صدري
(طويل)
لأوّل ضيف قد كرهت جواره ... وأوّل قرن خفت منه على عمري
وله أيضا يفتخر:
وديمة حرب وبلها النبل والقنا ... تصبّ على قيعان درع ومغفر
(طويل)
стр. 1217
(مطرت بنوء «١» القوس) [١] صوب سهامها ... فقابلتها من صحن خدّي [٢] بممطر
وله في المجون [٣] :
يا ملكا قال: حملناكم ... لمّا طغى الماء على الجارية «٢»
عبدك هذا قد طغى ماؤه ... في الصّلب فاحمله على جارية
وله يهجو أيضا:
(لنا صاحب) [٤] إن يركب الفحل ظهره ... يفرّ قريبا [٥] كي يكرّ ويرجعا [٦]
(طويل)
стр. 1218
فأفره به من مركب أيّ مركب ... مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا «١»
وقال يهجو أيضا:
عشا الشيخ [١] من حسن منهاجه ... فكاشفه إن شئت أو داجه
(متقارب)
فقد كاد شوقا ذباب [٢] الحسام ... يطير إلى دم أوداجه
وله في صفة ليلة صيفية:
ربّ ليل كالفحم [٣] شبّ سهيل ... فيه نارا لها البعوض شرار
(خفيف)
كم على الأرض للبراغيث [٤] رقّا ... ص وللبقّ في الهوا [٥] زمّار
حرّها [٦] في الجسوم نمّ عليها ... فأرتنا أشخاصها الآثار
كلّفتنا صكّ الجبين ولطم ال ... خدّ حتى تناوح الأطيار
стр. 1219
سهرت مقلتاي فيه إلى أن [١] ... نام أنواره وهبّ النهار
طمعا في زيارة من مليح ... قلّ معروفه وعزّ المزار [٢]
طال في هجره الليالي جميعا ... فنسينا كيف الليالي القصار
وله [أيضا] [٣] :
/ وشادن لقّب [٤] بالبدر ... يسقيك ما يزداد [٥] في العمر
(سريع)
تنويشه «١» يعجل [٦] إطرابنا ... ومزجه يمهل في السّكر
قد زاد ليل الحظّ في قدره ... فهل لكم [٧] في ليلة القدر؟
[نرشف من فيه ومن كفّه ... راحين حتى مطلع الفجر] [٨]
стр. 1220
وله في الشّيب:
عجبت من (دهري ومن ظهري) [١] ... وليس يفنى عجب الدهر
(سريع)
فقد حنى ظهري ولم يكسر ال ... عظم وأبقى وجع الظهر
وله [وهو] [٢] من الغزليات:
بليت بطفل قلّ [٣] طائل نفعه ... سوى قبلة يزرى بها طول منعه
(طويل)
ويمسحها عن عارضيه بكمّه ... ويغسلها عن وجنتيه بدمعه
يكاشحني [٤] إن لاح شخصي لعينه ... ويغتابني إن مرّ ذكري بسمعه
ولا يستحي من وجه رفقي جفاؤه ... ومن يبتغي [٥] في [٦] عفوه ضيق ذرعه
وله [أيضا] [٧] [يهجو] [٨] :
стр. 1221
أما إنّ بيت الشعر لو صانه امرؤ ... كما أنّ بيت المال صان أمينه
(طويل)
لما زاد ديوان القيضي «١» بأسره ... على نصف بيت غثّه وسمينه
وأغرقه [١] إن شاء انشاء لفظة ... بكاء ورشحا جفنه وجبينه [٢]
ولو سارق الأشعار حزّ لسانه ... كما سارق الأموال حزّ يمينه
لكان القويضي منذ خمسين حجّة ... يولول لفظا لم يكن يستبينه
وله في الحكمة:
إذا أبى السلطان أن يعدلا ... فارخمه واستغفر له في الملا
(سريع)
فإنّما [٣] النار لهم [٤] موعد ... لم يجدوا من دونه «٢» موئلا
وله من خمريّة يستزير بها بعض أصدقائه:
стр. 1222
/
شراب عتيق ونقل حديث ... ومثل [١] أغاني الغواني [٢] حديث
(متقارب)
فسوقا إليّ الشراب القديم [٣] ... فغيري يساق إليه الحديث
هواء كوشي قريضي رقيق ... وريح كمشي عشيقي خنيث «١»
وساق إذا قال تنويشه: ... أغذّوا فتجميشه قال ريثوا «٢» [٤]
شمائله [٥] (إن أبي الناس خشن [٦] ) [٧] ... ولكنّها إن سقى الكأس ميث «٣»
[وللمترعات مرور وشيك [٨] ... وللمسمعات حداء مكيث] [٩]
стр. 1223
فزرنا حثيثا [١] فللطيبات [٢] ... كما لمع البرق سير حثيث
لنغتنم اللهو إنّ الزمان ... (كما الذئب) [٣] في السرح فينا يعيث
فإن رثت عنّا فإنّ المدام ... بألباب أصحابنا لا تريث
وقالوا: المدام حرام خبيث ... فقلت: بنفسي الحرام الخبيث
فمالي إذا ما دعوت الغياث ... من النائبات سواه مغيث [٤] ؟
وله يهجو:
وكافر قبحت [٥] في العين خلقته ... وذكره بين أهل الفضل ما جملا
(بسيط)
أراد يأكل لحمي زور غيبته ... ويجمل المخّ «١» في عظمي فما انجملا
стр. 1224
تركت مفساه دربا للّقمدّ «١» [١] ، فمن ... دنا [٢] إليه رأى أسنانه جملا «٢»
فانصاع [٣] معتقدا خوفي ومقتعدا [٤] ... ظهر الغياهب في بطن الفلا جملا
وله يهجو:
قالوا: [٥] القويضي شبيه [٦] والده ... فقلت: والجرو يشبه الكلبا
(منسرح)
والكلب (منه لم يرض) [٧] غابطه «٣» ... لحما ولا فروة ولا حلبا
стр. 1225
ربّ طوّل يديه [١] واعل بكع ... بيه [٢] وشرّف مقامه صلبا
/ ولا تر الحاسدين [٣] فيه مدى ال ... دّهر [٤] سوى ما يرقّق القلبا
١٥٦- الشيخ أبو نصر أحمد بن الحسن [٥]
هو من مفاخر باخرز، ولو قلت إني لم أر مثله كثرة إحسان، ومضاء قلم ولسان، وتناسب خلق وخلق، وتناصر [٦] بنان [٧] سمح، وعنان طلق وسعة [٨] رباع، وطول باع ورزانة، لا يخفّ ميزانها الى ظرافة يرقّ ريحانها، لما كنت إلى التزيّد منسوبا، ولا في [٩] المتزّيدين [١٠] محسوبا.
وقد وزر للأمير يبغو الحسن بن موسى، والجاه عريض، وناظر الدهر عنه غضيض. وتولّاها سنين متمّما [١١] به زينها، [مقوّما زيفها] [١٢] مضموما نشرها، ملموما شعثها. وشبابه بعد طريّ لم ينقثع غمامه، والشّعر مسكيّ
стр. 1226
لم يخلس ثغامه «١» ، وما أكثر ما أتلهّف على ما فاتني من جمال أيّامه [١] ، فأستقيم وأنحني، وأذكر أيام الحمى، ثمّ أنثني «٢» . وقد كان ارتبط لمنادمته نفرا من الفضلاء، لو بعثرت خراسان لم تجد لواحد منهم نظيرا. وما زال في ربيع زمانه غضّ الفضل نضيرا حتى انتبه [له الدهر] [٢] الوسنان، وتعاون في إراقة دمه السيف والسنان [٣] . واتفق أني كنت معه في قرية سداسير «٣» يوم تمحّص ذنبه، واضطجع جنبه، وذلك في رجب سنة خمس وثلاثين وأربعمائة «٤» ، فرأيت هنالك [٤] أفواها إلى التقامه غراثا «٥» ، وشاهدت ما لو احتلمت به لحسبته [٥] أضغاثا [٦] . فمما أنشدني لنفسه من شعره قوله في محنته [٧] :
стр. 1227
قالت سليمى، وقد قيّدت باكية: ... أراك في القيد تمشي كيف أغتبط
(بسيط)
فقلت: لا تحزني مما ابتليت به ... فالقيد والحبس للأحرار مشترط
/ العجل [١] يطلق في المرعى ليأكله ... والطّرف «١» يلجم [٢] أحيانا ويرتبط
وتحبس الخمر حولا [٣] قبل مشربها ... ويغمد السيف حينا ثم يخترط
وعقد له مجلس أنس في دار غيره، وفي المجلس ثقيل يتزوّد (كبد النعيم) [٤] ، فمنعه من إحضار معشوقته على الرسم القديم. وتلطّف هو في الكناية عن إماطته بقوله:
مجلسنا طاب كما [٥] يشتهي [٦] ... حضوره الزاهد والزاهده
(سريع)
فلو نقصتم [٧] منكم واحدا ... لزدت في مجلسكم واحده
стр. 1228
وأنشدني أيضا لنفسه في معنى لم يسبق إليه:
من عاذري من عاذل قال لي: ... ويحك كم [١] تعشق يا مغرم؟
(سريع)
وآلم القلب ولا غرو إذ ... كلّ ملوم قلبه مولم
وصنعة البيت الثاني أن الملوم مؤلم القلب، بما يعانيه. فإذا قلبت صورته كان قلبه أيضا مؤلما، يعني مقلوبه. ونعم ما أخرج اللفظ ذا وجهين يمكن حمل المعنى عليه من نوعين [٢] . وأنشدني أيضا لنفسه في دنان خمر مسخت خلا:
أخيل «١» للأحباب لمّا غدت ... أحبابنا ممسوخة خلّا
(سريع)
مجالس اللهو وشرب الطّلا ... عزّ على اللهو إذا اختلّا
وكسرت بعض العجائز بين يديه جوزة بثغر مثقل، فقال مرتجلا:
وعجوز لها ثغور شتات [٣] ... وهي قبر فيه عظام رفات
(خفيف)
стр. 1229
وبأسنانها الشتات البوالي ... تكسر الجوز؛ أي بأنّي فتاة
/ واتي يوما بغصن من الصفصاف، فقال فيه [مرتجلا] [١] :
وخلاف أصوله ... صغن [٢] من جرم بسّد «١»
(مجزوء الخفيف)
ركّبت في فروعها ... قطع من زمرّد [٣]
١٥٧- الشيخ أبو الحسن يوسف [٤] بن صاعد العقيليّ
رئيس قدره نفيس، يتحلّى بشرف الأصل، كما يتحلّى بالفرند متن النصل، ويجمع بين أدبي النفس والدرس، وطهارتي النشء والغرس.
وبارع في الآداب [٥] الملوكيّة، إذا ركب إلى الصّيد لم ينج الوحوش من
стр. 1230
صيده [١] . وإذا امتطى الباز دستبانه «١» ، انتفض [٢] شرفا [٣] بيده. وإذا لعب بالشطرنج لم يخل لعبه من قطعة من الخشبات مغصوبة، ولم يال في اختراع شهمات «٢» أو ابتداع منصوبة. ثم إذا تخلّص منه إلى النّرد، قدّر في دقائقه تقدير داود في السّرد «٣» حتّى كأن الكعاب تتصرف [٤] على طاعته، وتضع نفوسها بحسب [٥] إرادته. وإذا حاضر بالأدب، فلا يشتغل إلا بالتقاط الدرّ من ألفاظه الغرّ. ومن لطائف ما شاهدت من ذكاء خاطره، أني كنت عنده بجوذقان «٤» ، أطالع كلّ صبحة [٦] من غرته قمرا زاهر [٧] اللألاء،