لم يخلس ثغامه «١» ، وما أكثر ما أتلهّف على ما فاتني من جمال أيّامه [١] ، فأستقيم وأنحني، وأذكر أيام الحمى، ثمّ أنثني «٢» . وقد كان ارتبط لمنادمته نفرا من الفضلاء، لو بعثرت خراسان لم تجد لواحد منهم نظيرا. وما زال في ربيع زمانه غضّ الفضل نضيرا حتى انتبه [له الدهر] [٢] الوسنان، وتعاون في إراقة دمه السيف والسنان [٣] . واتفق أني كنت معه في قرية سداسير «٣» يوم تمحّص ذنبه، واضطجع جنبه، وذلك في رجب سنة خمس وثلاثين وأربعمائة «٤» ، فرأيت هنالك [٤] أفواها إلى التقامه غراثا «٥» ، وشاهدت ما لو احتلمت به لحسبته [٥] أضغاثا [٦] . فمما أنشدني لنفسه من شعره قوله في محنته [٧] :
стр. 1227
قالت سليمى، وقد قيّدت باكية: ... أراك في القيد تمشي كيف أغتبط
(بسيط)
فقلت: لا تحزني مما ابتليت به ... فالقيد والحبس للأحرار مشترط
/ العجل [١] يطلق في المرعى ليأكله ... والطّرف «١» يلجم [٢] أحيانا ويرتبط
وتحبس الخمر حولا [٣] قبل مشربها ... ويغمد السيف حينا ثم يخترط
وعقد له مجلس أنس في دار غيره، وفي المجلس ثقيل يتزوّد (كبد النعيم) [٤] ، فمنعه من إحضار معشوقته على الرسم القديم. وتلطّف هو في الكناية عن إماطته بقوله:
مجلسنا طاب كما [٥] يشتهي [٦] ... حضوره الزاهد والزاهده
(سريع)
فلو نقصتم [٧] منكم واحدا ... لزدت في مجلسكم واحده
стр. 1228
وأنشدني أيضا لنفسه في معنى لم يسبق إليه:
من عاذري من عاذل قال لي: ... ويحك كم [١] تعشق يا مغرم؟
(سريع)
وآلم القلب ولا غرو إذ ... كلّ ملوم قلبه مولم
وصنعة البيت الثاني أن الملوم مؤلم القلب، بما يعانيه. فإذا قلبت صورته كان قلبه أيضا مؤلما، يعني مقلوبه. ونعم ما أخرج اللفظ ذا وجهين يمكن حمل المعنى عليه من نوعين [٢] . وأنشدني أيضا لنفسه في دنان خمر مسخت خلا:
أخيل «١» للأحباب لمّا غدت ... أحبابنا ممسوخة خلّا
(سريع)
مجالس اللهو وشرب الطّلا ... عزّ على اللهو إذا اختلّا
وكسرت بعض العجائز بين يديه جوزة بثغر مثقل، فقال مرتجلا:
وعجوز لها ثغور شتات [٣] ... وهي قبر فيه عظام رفات
(خفيف)
стр. 1229
وبأسنانها الشتات البوالي ... تكسر الجوز؛ أي بأنّي فتاة
/ واتي يوما بغصن من الصفصاف، فقال فيه [مرتجلا] [١] :
وخلاف أصوله ... صغن [٢] من جرم بسّد «١»
(مجزوء الخفيف)
ركّبت في فروعها ... قطع من زمرّد [٣]
١٥٧- الشيخ أبو الحسن يوسف [٤] بن صاعد العقيليّ
رئيس قدره نفيس، يتحلّى بشرف الأصل، كما يتحلّى بالفرند متن النصل، ويجمع بين أدبي النفس والدرس، وطهارتي النشء والغرس.
وبارع في الآداب [٥] الملوكيّة، إذا ركب إلى الصّيد لم ينج الوحوش من
стр. 1230
صيده [١] . وإذا امتطى الباز دستبانه «١» ، انتفض [٢] شرفا [٣] بيده. وإذا لعب بالشطرنج لم يخل لعبه من قطعة من الخشبات مغصوبة، ولم يال في اختراع شهمات «٢» أو ابتداع منصوبة. ثم إذا تخلّص منه إلى النّرد، قدّر في دقائقه تقدير داود في السّرد «٣» حتّى كأن الكعاب تتصرف [٤] على طاعته، وتضع نفوسها بحسب [٥] إرادته. وإذا حاضر بالأدب، فلا يشتغل إلا بالتقاط الدرّ من ألفاظه الغرّ. ومن لطائف ما شاهدت من ذكاء خاطره، أني كنت عنده بجوذقان «٤» ، أطالع كلّ صبحة [٦] من غرته قمرا زاهر [٧] اللألاء،
стр. 1231
وأهزّ [١] إليّ من نخلته «١» شجرا، يجني أزاهر اللآلاء. فلما طال مكثي لديه، وطول مقام المرء في الحي مخلق لديباجتيه «٢» ، استأذنته في الانصراف، واليوم يوم الأحد [٢] . فتمثّل بقول القائل:
وفي الأحد البناء لأنّ [٣] فيه ... تبدّى الله في خلق [٤] السماء
(وافر) فقلت: وأيّ مناسبة بين استئذاني للصّدر [٥] عن هذا الغناء، وبين [يوم] [٦] الأحد وذكر البناء؟ فقال: نسبني على كسرى سماء المدام، يشير إلى قول أبي نواس:
/ بنينا [٧] على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم «٣»
стр. 1232
فتعجبت من جمعه بين معنيين متنافرين بهذا الاستنباط اللطيف، واحتياله في ارتباطي ذلك اليوم بالعذر [١] الظريف. ومما جاد به طبعه، وجاش به بحره قوله [٢] ، وكتب به إلى والدي، رحمهما الله، ثم اتّفق له إيصاله [٣] إليه من يده:
إن كنت أسكن جوذقان «١» ومنشأي ... تلك البقاع وكلّها جنّات
(كامل)
فالقلب في [٤] مالين «٢» يسكن وادعا ... تلقاء من هو للعلوم أداة
سأطير شوقا نحوه فلقد بدت ... للشوق في أحشائي الحركات
فأجاب عنه بقوله:
وجنات حور تلك أم جنّات ... أم من مقال رئيسنا أبيات؟
(كامل)
وصلت إليّ على يد، من جودها، ... وصلت إلى كلّ الأنام صلات
стр. 1233
كانت هبات الله إذ سكنت بها ... لرياح شوقي نحوه [١] هبّات
فسررت منه سرور من بشّرته ... بابن وقد كثرت عليه بنات [٢]
حركات شوقي أقلقته فكان في ... حركات شوقي للورى [٣] بركات [٤]
إن [٥] جاء مثل حيا الربيع مبشّرا ... تحيا الموات به بل الأموات
وكتب إلى ولدي أيضا:
يا من أرى [٦] كلّ يوم ... هواه يومي ويوحي
(مجتث)
إلى فؤادي بشوق ... مبرّح بالروح [٧]
متى كتمت هواه ... في قلبي المجروح
يقل هواه لعيني ... لا تكتميه وبوحي
فأجاب عنه بقوله:
وكتب إليه أيضا يستزيره:
الشوق برّح بالحشا [١] ... والليل مسترخ سجوفه
(مجزوء الكامل)
إن لم يكن للشيخ عذر ... في الحضور فما وقوفه [٢] ؟
فأجاب [٣] :
وصل القريض فجمّ «١» طا ... ئله وإن قلّت حروفه
(مجزوء الكامل)
وأليف قلبي شوقه ... قد فات إحصائي ألوفه
لكن عداني [٤] عنه غيم ... جاء لامعة سيوفه [٥]
ومن استزار ذوي اللّحى ... والليل مسترخ سجوفه [٦]
وكتبّ [٧] إلى والدي أيضا، وأنا حاضر عندّه:
стр. 1236
إن ناب [١] عن شخصه [٢] عليّ ... في الفضل والظرف والكمال
(مخلع البسيط)
فعاشق الورد (ليس يرضى) [٣] ... بشمّ ماء له زلال «١»
فأجاب [عنه] [٤] :
الشيخ في الفضل والكمال ... جلّ عن الشّبه والمثال
(مخلع البسيط)
أراه في جملة البرايا ... كالبدر في ظلمة الليالي
شبّهني فضله بورد ... وابني بماء له زلال
يا طالب الورد في أوان [٥] الش ... تاء هذا من المحال
من (نال «٢» منها) [٦] بماء ورد، ... إن عدم الورد، لايبالي
стр. 1237
/ [١] وأنشدني لنفسه في غلام هندي، للشيخ أبي سعد [٢] الخداشيّ:
ألا أبلغا الشيخ الرئيس رسالة ... مقالة منسوب إلى الودّ والنّصح
(طويل)
بأني أشري عبده عند عسرتي ... (بعشرين آلافا من الوضح الفتح) [٣]
وعلق بحفظي بيت من قصيدة له وهو:
والشياطين إذ بغوا وتعدّوا ... أتبعوا منك بالشهاب الثاقب «١» [٤]
(خفيف)
١٥٨- أبو المظفر محمد بن تمّام
فاضل متديّن، والتبرّك بذكره فرض متعيّن. وله عليّ حقّ التأديب و [قد] [٥] كان من المؤدبين الذين لم يبدر [٦] من طباعهم [٧] شعر يروى،
стр. 1238
وليس بأيديهم إلا لغة تكنز [١] ، وأدب يحوى. وما زال التأديب حرفته حتى طوى [٢] من مسافة العمر أكثر المراحل، وانتهى من لجّة بحر الحياة إلى الساحل [٣] . ثم كفّ بصره، بعدما كان ينسب زرقاء اليمامة إلى العمى [٤] ، ويعيّر فحل بني [٥] قيس «١» بالعشى. ولست أروي [٦] له إلا بيتين كتب بهما إلى والدي، وهو في السوق:
يا فاضلا سابقا [٧] في كلّ مكرمة ... مستغنيا بالنّهى عن كلّ مخلوق
(بسيط)
السوق يخلق وجها جدّ رونقه ... لا تخلقنّ جديد الوجه بالسوق [٨]
فأجابه [٩] :
ما كنت من قبل هذا غير مسبوق ... لكنّ عين رضاه نفّقت سوقي [١٠]
لو كانت السوق بالأحرار مزرية ... ما كان يمشي رسول الله في السوق
стр. 1239
[١] وقوله لأبي سعد الكنجروزيّ «١» ، وقد خدع من [٢] كتّابه تلميذا له:
مؤدّب [٣] يشبه طولا مئذنا ... قد جاءنا يسلبنا [٤] تلميذنا
(رجز)
/ ١٥٩- أخوه أبو سعد [محمد بن تمّام «٢» ] [٥]
نسيج وحده في الترسّل، وكان في عنفوان شبابه يؤدّب، فلمّا اشتعل
стр. 1240
رأسه ترفّع عن تلك الحرفة الموصوفة بالحرفة «١» . وتقبّله [١] كلّ من سادات زمانه بكلتا اليدين، ونزل منهم منزلة السواد من العين حتّى كتب إليه الشيخ أبو النصر [٢] محمد بن عبد الجبّار العتبيّ «٢» :
أبا سعد فديتك من صديق ... بكلّ محاسن الدّنيا خليق
(وافر)
أهمّ [٣] ببسط حجري [٤] لالتقاط ... إذا حاضرت بالدرّ النسيق
وليس يحضرني من شعره إلّا قصيدة رثى [٥] بها أبا الحسن أحمد بن محمود ابن عون وعزّى أباه عنه، [وهي] [٦] :
عزاءك أيّها الصدر الخطير ... فأنت بدهرنا طبّ بصير
(وافر)
стр. 1241
وأنت سماؤنا والركن فينا ... وأنت شهابنا النجم [١] المنير
وطلّاع المراقب والثّنايا ... بثاقب رأيه أبدا يشير
لقد حلّت بساحتنا [٢] الرزايا ... وحول ديارنا كانت [٣] تدور
وكانت في الكمين لقبض روح ... يموت بموتها بشر كثير
شمائل خلقه [٤] روض [٥] أريض «١» [٦] ... عقائل لفظه أري مشور [٧]
فقدنا فخرنا [٨] زين الليالي ... وعمر خيارنا أبدا قصير
ليالي القوم ليس لها صباح ... صباح القوم ليس لديه [٩] نور
стр. 1242
فكيف عزاؤنا والأمر هذا ... وغاية شأونا [١] قبر نزور
فيا لله من خطب عظيم ... ويا لله ما تخفي الصدور
/ على قدر [٢] القوائم جسم [٣] فيل ... على قدر المصاب لنا أجور [٤]
وأنشدني والدي، رحمة الله عليه، له قال: علق بحفظي مطلع قصيدة له رثى بها عمّي، ﵏ جميعا:
كذاك [٥] الموت يقرع كلّ باب ... فلا تغررك [٦] خافية «١» الغراب
(وافر)
١٦٠- أبو الفضل محمد بن عليّ الكاتب [٧] [الميزانيّ] [٨]
كاتب بارع، وله طرف من النظم رائع. (فمن فصوله المنثورة قوله في أيام الفتنة) :
стр. 1243
«درست الملاحب «١» وتناقضت المذاهب، وتشعبت المسالك كأخاديد الرمل، وطرائق النمل» [١] وفي صدره رجع الحقّ إلى أهله، وذاق الغويّ وبال أمره، وتجددت الدعوة الميمونة، وتطرّأت «٢» الأجسام المدفونة، وأورقت المنابر بعد ذبولها، وأشرقت المفاخر بعد أفولها [٢] ، وشاهد الأقاليم من الولاة من يقيم مختلّها، ويداوي معتلّها. فولي أخياف «٣» الرّعايا وساسها، وبنى قواعد الدولة وأساسها [٣] ، ونادى الزمان فواتى مساعدا.
ولم أجد من نظمه غير هذه الأبيات:
صفت خراسان عن شوب [٤] وعن رنق ... وعن كدورة عصيان وعن مذق «٤»
(بسيط)
стр. 1244
بيمن تدبير قرم في وزارته ... مشاهد [١] الصبر للأحوال معتنق
مؤزّر بجميل الصنع [٢] متّئد ... إلى المكارم والخيرات مستبق
فالملك في سعة عن جدّ مجتهد ... ما بين منتظم حالا ومتّسق
والناس في راحة والرّوح في دعة ... بعون ممتدح في الخلق والخلق
يظلّ بين عباد الله كلّهم ... لنومة [٣] الخلق مجبولا على الأرق
١٦١- أبو علي الحسن بن أحمد المؤدب المعروف بالمكّي
مؤدّب لغوي بطرح اللام، عنيت أنّه غويّ/ في مسالك الكلام.
لا تكاد تجد في شعره حلاوة [٤] ، ولا عليه طلاوة، ولا له طراوة.
غير أني لم أنس نصيبه من تجديد الذكر، إذ كان من أهل ناحيتي، وعقدت مصلحته مناسبة الأدب بناصيتي. فمما [٥] وجدت من شعره:
стр. 1245
كبا زمني فخرّ على اليدين ... وأفسد بينه حالا وبيني
(وافر)
وكيف تنعّمي فيه وإنّي ... لحّلال «١» بين مخافتين؟ [١]
فيوما يعتريني خوف فقر ... وآخر يعتريني خوف حين
كذا عيشي كذا شيبي [٢] وحالي ... ومن لي بالتنعّم بين ذين؟
سوى أن أستعدّ له فأشكو ... إلى الليث الهصور أبي الحسين
يروم المجد من أقصى مداه ... ويقبضه ولو في الشّعريين «٢»
فما للهمّ عندي من قرار ... وقد وقعت على سيماه عيني
كذاك وبعد ذلك لست [٣] أخشى ... مطالبة بغرم أو بدين
وله من قصيدة مدح بها الشّيخ أبا الطيب الخداشيّ:
تضمّن بحر العلم والجود والندى ... وطود الحجى والرأي منه غلائله
(طويل)
стр. 1246
مديد ذراعاه، كثير نواله ... جميل محيّاه طوال أنامله
سيثري زمانا أو سيرمل «١» [١] تارة ... ولم تنقطع في حالتيه نوافله
وله:
إذا المرء لم يبرح يماري صديقه ... ولم يحتمل منه فكيف يعايشه؟
(طويل)
وأنّى يدوم العهد والودّ بينه ... وبين أخ في كلّ ذنب يناقشه «٢» ؟
١٦٢- محمد بن عليّ/ المعروف بخميس [٢]
مؤدّب الشيخ أبي سعيد الخداشيّ، وهو في الشعر من المقلّين، ولولا المحاباة لقلت من المخلّين. ولم أجد له إلا هذه الأبيات:
стр. 1247
يا كاتبا قد عدّ واحد [١] عصره ... ببيانه وبنظمه وبنثره
(كامل)
فاق الأنام فصاحة وحصافة ... وعلا النجوم بجاهه وبقدره
فجميل نقش الصين أقبح خطّه ... وثمين درّ السّمط أحقر درّه
صنعت [٢] له كرما رياض محاسن ... تحكي محاسنها الربيع بزهره
من يكتني بالنصر أصدق كنية ... لنضارة موجودة في بشره
يا كاتب الشيخ العميد وعونه ... ولسانه حقا وصاحب سرّه
لا زلتما للملك من بين الورى ... ركنين معمورين مدّة دهره
قد جاء خادمك المطيع بخدمة ... بدوية [٣] نطقت بطاقة يسره
إن كنت ترضاها له وتشيدها ... تجد السبيل إلى تمهّد عذره
كيما تجدّ «١» يدا [٤] بذلك عنده ... غرّاء يشكرها ليالي عمره
الله صانك سائرا ومخيما ... أبدا وزادك من عوائد برّه
стр. 1248
١٦٣- الحاكم الخطيب أحمد [١] بن الحسن [٢] ابن الأمير «١»
حاكم باخرز وخطيبها، ومن به حسنها [٣] وطيبها. جامع بين وقار الشيب وظرف الشّباب، ضارب بالسهم الأوفر في فنون الآداب.
فتى لم ينكّبه الشباب عن الحجى ... ولم ينس عهد اللهو والشيب شامله
(طويل) وفتيانيّه «٢» الظرفاء بغير [٤] تيه وأبّهة؛ الكبير بغير كبر. وهنالك ما شثت من حبر وسبر «٣» ،/وهذه [٥] ملح له [رائقة] [٦] من كلّ فنّ، فمنها في الغزل [قوله] [٧] :
стр. 1249
غزال هواه مبدىء ومعيد ... وحبّ جناه سطوة ووعيد
(طويل)
وكنيته بؤس وعيد كلاهما ... ويوماي [١] بؤس في هواه وعيد «١»
وإنّي لدو طورين؛ طورا بهجره ... شقيّ، وطورا بالوصال سعيد [٢]
وله في فقيه له ابن شاطر:
لست أرضى من الفقيه بهذا ... كنت أرجوه قيّما وملاذا
(خفيف)
فهو يهدي الأنام علما رضيا [٣] ... وابنه يسلب القلوب، لماذا؟
وله في المجون:
أحبّ النيك إنّ النيك حلو ... لذيذ ليس فيه من حموضة
(وافر)
يهشّ إليه من في الأرض طرّا ... إذا ما ذاقه حتّى البعوضة
стр. 1250
[١] وله من الطّوالات [٢] قصيدة، قالها في حسام الدولة، وذمّ فيها فنّاخسرو. وفيها:
سيعلم أولاد البغايا وحزبهم ... وشيعتهم أيّ الفريقين أبصر
(طويل)
إذا اسودّت الرايات واحمرّت القنا ... وضاق من الخيل الحضيض وعرعر «١»
(شرابهم زرق النّصال) [٣] وخمرهم ... دماء الأعادي غير أن ليس يسكر
وأسيافهم فوق المناكب جرّدت ... وشيمتهم عند البراز التبختر
يرون قتال الديلميّة مفخرا ... ويرجون [٤] ربّ العرش يعفو ويقدر
وددت وما تغني الودادة أنني ... ملكت عنان الخيل ساعة عبّروا «٢»
وكانوا رأوا بأسي وصبري ونجدتي ... وإن كان موتي فيه والموت أعذر
وإن كنت فيما قلت لست بصادق ... فلا نال يوما قطّ رجلي منبر
/ ولا كان في عنقي الحمائل والظّبى ... ولا كبّر المحراب خلفي مكبّر
стр. 1251
قلت: هذه والله يمين لائقة بالحال منه، مثبتة [١] عليه بصدق المقال.
والشيخ أبو منصور الثعالبيّ أورد ذكره في كتاب تتمّة اليتيمة، والحسن بن الأمير الذي تقدّم ذكره جدّ هذا الحاكم. فكأنّ أهل بيته تنازعوا الفضل بينهم قسما طول حياتهم، وتوارثتها أعقابهم حصصا بعد وفاتهم.
١٦٤- أبو نصر منصور [٢] بن عبد الله البكسارغيّ [٣]
هو من تلامذة أبي القاسم الحسن بن أسد العامريّ، اقتبس العلم من أنواره، [واغترف من بحاره] [٤] وغاص في [٥] النظم والنثر على المخّ في [٦] العظم، وعاش في [٧] قريته جند فرشاد من ناحية باخرز. منفقا نهاره على [٨] الأدب، وليله على الطّرب [٩] . مستميلا للقلوب بفنونه، مسترقّا
стр. 1252
للأحرار بمروءته إلى أن اتّهم برقّة الدين، والله أعلم بحقّ [١] اليقين. فاتّخذ الليل جملا، واستصحب من تجملّه جملا، وهرب إلى مصر ملتجئا بعزيزها [٢] ، وقضى نحبه بها، تغمّده الله برحمته. اقترح [٣] عليه أن يترجم بيتين بالفارسية [قول القائل:
من بركه عاشقت كه چنين زردست [٤] ... گوئي كه چومن از صنمش پر درد است؟
گيرم كه مشك بوى بوى دادست ... اين رنگ زعفراني زكجا آوردست «١» [٥] ؟]
فقال وقابلها حرفا بحرف:
بمن شغف [٦] الراح مصفرّة [٧] ... تراها عراها الذي قد عراني؟
(متقارب)
هب المسك سوّغها عرفه ... فأنّى لها [٨] صبغة الزّعفران؟
стр. 1253
١٦٥- أبو نصر أحمد [١] بن ابراهيم الكاتب
برق الأفهام، برّاق الأقلام، يلقّب بالأعرابيّ لتشبّهه في فصل الخطاب بالأعراب. أدّب والدي، ﵀، فكان أثره عليه أثر الصّيقل [٢] المعنيّ بشأن [الحسام] [٣] المشرفيّ، وناهيك به من مفلق حسن البيان، هزج اللسان. سمعت [٤] والدي، ﵀، يقول، وقد سئل عنه: «كانت البلاغة ترنو عن أحداقه، والعربية تطنّ بين أشداقه، وهو في الشعر/ من المكثرين المثرين، إلّا أنه انضمّ إلى خدمة سميّه الأمير أحمد الأعرابيّ حينا من الدّهر. وتوفي في جملته ببلخ، وضاع ديوانه وهنالك لم يبق بأيدينا إلّا شوارد تتهاداها الشّفاه، وتتلمّظ بها الأفواه. فمن محاسنه لاميته التي مدح بها شمس الكفاة الميمنديّ ومطلعها:
نهى الشيب عمّا كان ينهى العواذل ... وعارضه شغل من الشيب شاغل [٥]
(طويل)
стр. 1254
إذ الدّهر عن وصل الحبيبة نائم [١] ... وإذ هو عن حال الشبيبة غافل [٢]
ومنها:
وبيضاء من سرّ العقائل طفلة ... تعلّم من أجفانها السحر بابل
يغنّي عن اللّبّات منها وشاحها ... وتخرس في الساقين منها الخلاخل [٣]
ومنها:
وخمر كعين الدّيك صرف، دنانها ... مرازبة من آل كسرى مواثل
عليهنّ من طين [٤] الختام عمائم ... ومن نسج غزل العنكبوت غلائل
ومنها في المدح:
لدى كلّ حيّ من لدنه [٥] نوافل ... وفي كلّ حين [٦] من يديه [٧] فواضل
تدارك أمرا بعدما اعتاص [٨] والتوت ... دوابره والتاث منه [٩] القوابل
وقام بعبء لا يقوم بمثله ... من الناس إلّا كامل الرأي [١٠] بازل
стр. 1255
فأصلح منه كلّ ما هو فاسد ... وقوّم منه كلّ ما هو مائل
إذا زاغت الأحكام ثقّف درأها «١» ... قضاء له بين الرعيّة عادل
تساعده الأقدار فيما ينوبه ... وينصره التوفيق فيما يحاول [١]
له قلم يغني ويكفي عن التي ... تعدّ لها سمر القنا والقنابل
/ ضعيف قويّ الشأن [٢] أخرس ناطق ... أصمّ سميع ناقص الخلق كامل
عجبت له يجري ويرجع بعده ... فيرقص إعجابا بما هو فاعل
ويحمله الواني [٣] فيظهر عجزه ... إذا لم يكن طبّا بما هو حامل
بلى بعض قرّاء الدفاتر جاهل ... كما بعض ركّاب السوابح راجل
كذلكم الأقلام في كفّ بعضهم [٤] ... رماح وفي بعض الأكفّ مغازل
стр. 1256
ومنها:
ألا أيها الشيخ الأجلّ [١] ومن له ... سماء على أرض المكارم هاطل
يؤخّرني عن عرصة الفضل أن أرى ... وبابك عن نظمي ونثري عاطل [٢]
فدونك نظمي [٣] واصطنعني خادما ... يبن عاجل مني كما هو آجل [٤]
فلا برحت أفناء سدّتك العلا ... ولا أخليت منها ومنك المنازل
فأنت لوجه (الجود والمجد) [٥] غاسل ... وأنت لسيف الدين والملك صاقل
وأنشدني والدي، ﵀، قال: أنشدني لنفسه:
ألا لا تبال بصرف الزّمان ... ولا تخضعنّ لدور الفلك
(متقارب)
وساخف زمانك واسخر به ... فما العيش إلّا الّذي طاب لك
وأنشدني أيضا له:
إني إذا أصبحت في بلد العدا [٦] ... فالنبل مشطي والظّبى مرآتي
(كامل)
إني إذا ركب [٧] الرجال رأيتني ... أغشى الحتوف وكلّ [٨] آت آتي
стр. 1257
١٦٦- أخوه أبو العباس محمد [بن ابراهيم] [١] الكاتب «١» [٢]
شبيه أخيه في تحرّي الفضل وتوخّيه [٣] ، وكتب إلى الشيخ أبي الحسن العقيليّ «٢» بخطّ كما تشتهيه العيون ونصح كما تقتضيه الظنون، وفنون/ من الآداب تقمر بها الدآدي»
الجون وله ظرف ناصع، وشعر بارع وترسل رائع، فمما أختار من شعره قوله في دار بناها الشيخ أبو القاسم بن كثير ببلخ، مطلعها:
стр. 1258
أهلا بدار أبان بانيها ... دلائل المجد في مغانيها
(منسرح)
فأصبحت خطبة مصنّفة [١] ... تزين ألفاظها معانيها [٢]
دار حكت صدر ربّها سعة ... تسافر العين في نواحيها [٣]
فيحاء، ذات العماد ضرّتها [٤] ... حسناء، كرخ العراق ثانيها
فصرح هامان لا يعارضها ... وقصر غمدان «١» [٥] لا يساويها
[ومنها] [٦] :
وبيت ماء كأنّ قبّته [٧] ... تسامر النجم أو تساميها
ومنها:
стр. 1259
يفيض في نهره اللّجين [١] وإن ... خرّ خرير المياه تمويها «١»
تسمع فيه حفيف أجنحة الط ... طير إذا [٢] رفرفت خوافيها
لا بل قصيف الرياح في حلل السّ ... حاب منحلّة عزاليها «٢»
[ومنها] [٣] :
وأمّ نار جحيمها [٤] أبدا ... مجاور للجحيم يصليها [٥]
ومنها:
لها صفات اللّظى وداخلها ... في جنّة جمّة ملاهيها [٦]
بحارها كالبخور ممتزجا ... بماء ورد لمن يوافيها
كأنّها تقتدي بصاحبها ... إذا جرى الماء في مجاريها
ملقى [١] عصيّ [٢] العفاة عرصتها ... موسم سوق الكفاة [٣] ناديها
فاشرب إذا شئت كيف شئت [متى ... شئت] [٤] وما [٥] شئت في مغانيها
واغن طويلا بها وعش أبدا ... لها وكن ربّها ودم فيها
وله في الشيخ أبي القاسم بن كثير يهنئه بالابلال [٦] من [٧] علّة عرضت له:
كشف الإله ظلام ذاك العارض ... عن مهجة الشيخ العميد [٨] العارض
(كامل)
وأماط عن حوبائه برحاءه ... فانجاب عارضه انجياب العارض
حرس الإله بهاء شيبته فما ... أبهى وأنور شيب ذاك العارض
ومن ملح أهاجيه قوله:
أيّهذا الأدب المج ... فوّ [٩] ما أقفر دارك!
(مجزوء الرمل)
стр. 1262
ليت لي عونا على الأيّ ... ام كي أدرك ثارك
لم [١] تزل زوزن مأوى ال ... فضل والمغنى المبارك
خري الدهر عليها ... بالحسين بن عيارك
١٦٧- الحاكم أبو يعلى محمود [٢] بن عون
كاتب [٣] الناحية وأوحدها [٤] في زمانه متكفّل بمصالحها الداخلة تحت ضمانه. وقد رأيته فرأيت شيخا موقّرا [٥] ، يرتدي من قضاة عصره/ جاها موفّرا. فأمّا الأدب والشعر فانّه متطرف له متظرّف به. أنشدني [٦] أبو سعد [٧] بن تمّام له قال أنشدنيه لنفسه:
стр. 1263
يا نفس عودي إلى باب التّقى عودي ... فإنّ أيدي شيبي [١] قد حنت عودي
(بسيط)
ما ينفع اسمي محمود إذا احتوشت «١» [٢] ... بي الذنوب وفعلي غير محمود
١٦٨- ابنه أبو الحسن [٣]
[٤] ارتحل في عنفوان أمره إلى نيسابور، وأنفق بها على التفقّه ريعان عمره، واختلف إلى أئمتها حتى مكّنته العلوم من أزمّتها [ولا يخفى طول باعه في فنون العلم وأنواعه] [٥] . وعاد [٦] إلى الناحية، وهو في كلّ فنّ من فنون الفضل [٧] نجيب [٨] ، لا بل عجيب، إلّا أنّه احتضر فاختصر.
وقد علق بحفظي من قيله بيتان وهما:
стр. 1264
لي غزال وداده ... مع قلبي مغازل
(مجزوء الخفيف)
(نزلت أهله اللّوى) [١] ... لا دهتها [٢] النّوازل
١٦٩- عون بن محمد بن عبد الملك [٣]
من أقارب الحاكم أبي يعلى محمد بن عون، وأبو [٤] الحاكم أبو عليّ الفضل كان خطيب جامع بيرق. وهو من لا يخفى طول باعه في فنون الفضل وأنواعه. أنشدني لنفسه:
لم أدر ما سبق القضا ... ء به لنفسي قبل كوني
(مجزوء الكامل)
والذنب أضعف منّتي ... يا ربّ كن عونا «لعون»
стр. 1265
١٧٠-[الفقيه] [١] محمد بن يحيى التّيرشاذيّ [٢]
أنشدني له الفقيه ابنه أحمد قوله في شكاية الدهر:
تغيرت [لي] [٣] يا دهر لكن وجدتني ... فتى لم تغيّره بفقر ولا غنى
(طويل)
ولا يتلقّى من عطائك مقبلا ... كما لم يشيّع من نوالك ظاعنا «١»
وأنشدني له أيضا:
وشعرة سرقت من طرّته [٤] ... تدوّرت فوق بناني حلقا
(رجز) /
كعاشقين اصطلحا من بعدما ... ضرّ التّجنّي بهما فاعتنقا