فكم موسر كظّته «١» كثرة ماله ... وكم معسرذي قلّة (توأم السغب) [١]
/فقوم لهم مخّ العظام مسلّم ... وليس لأقوام سوى العظم [٢] والعصب
ومنها:
بدار إلى عبد الحميد أخي العلا ... حليف المعالي سيّد العجم والعرب
له بيت عزّ لا يخاف انهدامه ... تزيّنه [٣] بين [٤] الورى رفعة النّسب
وقور صبور عند كلّ ملمّة ... جواد بما تحوي يداه من النشب
ومن يك يسمو بالمعالي فإنّه ... علا النجم حتى جارز الرأس [٥] والذنب
ولا [٦] زالت الأحرار خدّام بابه ... وحاسده حلف الشقاوة والتّعب
стр. 1297
وبالعبد من فعل [١] المرارة في الحشا ... صنيع اشتعال النار في يابس القصب [٢]
وشكواه من أخلاقه أنّ سوءها [٣] ... يجرّ إليه ما يخاف من العطب
١٨٤- أحمد بن أبي غسّان بن حمزة [بن أبي النّضر] [٤] الأمويّ [٥]
يقول من أبيات:
ألا ليت شعري كيف حال محمّد ... وحال أبي يعلى وحال الفتى نصر؟
(طويل)
وكيف صنيع الدّهر بعدي فيهم ... ولم أر للأحرار أعدى من الدّهر
لبست صروف الدّهر لينا وغلظة [٦] ... وجرّبت حاليه [٧] على اليسر والعسر «١»
стр. 1298
فلم أر بعد الدّين خيرا من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شرّا من الفقر
[ومنها] [١] :
ولم أر صون المال إلا ابتذاله ... وإخراجه في أوجه البرّ والأجر
وفي الله [٢] فيمن مات خير خليفة ... على الخلف الباقي وحسبك من ظهر
١٨٥- أبو اسحق ابراهيم بن محمد [٣] المؤدّب
وأخ تركت إخاءه لجنونه ... لمّا بدا لي منه سوء ظنونه
(كامل) /
فمنحته صدّي [٤] لعلمي أنّه ... قد قيل: كل يقتدي بقرينه
стр. 1299
١٨٦- أبو القاسم عبد الله بن يحيى بن عبد الخالق
[له] [١] :
وشادن بالحسن تيّاه ... حلّ به الشّعر فأخزاه
(سريع)
بينا تراه ملكا قادرا ... يطاع فيما هو يهواه
إذ خرجت لحيته فجأة ... فشفّه الحزن [٢] وأضناه
يودّ إذ [٣] تخرج لو أنّه ... مكانها تخرج عيناه
١٨٧- أبو اسحق العاصميّ [٤]
أنشدني القاضي أبو جعفر البحاثيّ قال: أنشدني أبو عليّ العاصميّ لأخيه أبي اسحق هذا:
стр. 1300
الحمد لله ليس لي أحد ... وليس لي والد ولا ولد
(منسرح)
إنّي مذ كنت كنت منفردا ... كذاك ليث العرين منفرد
١٨٨- أبو حامد أحمد بن الوليد [١]
يقول في بنت [٢] آوى هجمت على [٣] دجاجة في بعض القرى، أعدّت منها [أسباب القرى فاحتال عليها [٤] كلّ الاحتيال حتى صادها وشواها وأكلها في الحال] [٥] :
يا بنت آوى أكلت فرّوجي ... لحم دجاجي ولحم طيهوج «١»
(منسرح)
أوقعك الغيّ في حبالتنا ... فصرت في [٦] معدة بصاروج «٢»
стр. 1301
١٨٩- محمد بن أبي العبّاس المشكانيّ
شاعر مفلق تميّز من بين [الشعراء] [١] الفضلاء [٢] الزوازنة بالآداب الراجحة الوازنة. وأفادني شعره [الشيخ] [٣] الرئيس أبو القاسم عبد الحميد ابن يحيى، رحمة الله عليه. وأملى عليّ قصيدة له قالها في شمس الكفاة أبي القاسم أحمد بن الحسين الميمنديّ [الوزير] [٤] ، ﵀ [٥] ، وهي [٦] :
يبشّرني علوّك بالوزاره ... ودار الملك أولى بالبشاره
(وافر) /
لئن رفع الوزارة منك قدرا ... فقد [٧] ضعّفت من قدر الإماره
(أتتك تلوذ منك إلى خفير) [٨] ... غدت منه [٩] المفاخر في خفاره
وللملك المعظّم فيك أمر ... غدا الظفر الجميل له أماره
стр. 1302
فإن يفخر [١] فأنت له يمين ... وغيرك لم يكن إلّا يساره
وأنت شعاره في كلّ حال ... وغيرك لم يكن إلّا دثاره [٢]
رآك له ظهيرا (صار يغنى) [٣] ... به دون البطانة والظهاره
ليهن [٤] الملك رأي أحمديّ [٥] ... نتائجه الإشادة والإناره [٦]
أديل على العدا فأغار فيهم ... بأخذ حبال (دولته المغاره «١» ) [٧]
له الآمال والآجال [٨] طوعا ... فيحيي تارة ويميت تاره
إذا انتجعا فعندهما خفاره ... لأقوام وأقوام خساره [٩]
فتى [١٠] فضل الكهول بفضل رأي ... إذا ما الخطب شارفه استشاره
[أخو خلقين من أري وشري «٢» ... هما عينا الحلاوة والمراره] [١١]
стр. 1303
إذا لقي الخيار فخير راع ... وإن لقي الشرار فكالشّراره [١]
ومنها:
وقالوا: لم [٢] تشبّب في مديح ... وجلّى خمر شيبته خماره [٣]
فقلت: نهى النّهيّ عن [٤] التّصابي ... وأيّام التصابي [٥] مستعاره
غزال الحيّ لا أخشى فراره ... وسنّ [٦] الوصل لا أرجو فراره «١»
[ومنها] [٧] :
وأطفأ من شبابي جلّ نار ... وأنساني مشيبي جلّناره
تولّى من شبابي خير جار ... وأسفر من مشيبي شرّ جاره [٨]
/كأنّ بياض شيبي في [٩] شبابي ... حلول الترك وسط الهند غاره
стр. 1304
فرار شبيبتي من وخط شيبي ... فرار الليل قد لاقى نهاره [١]
لو [٢] استعدى الشباب على مشيب ... لدى الشيخ الجليل أثار «١» ثاره
غرست من الشباب لديه عهدا ... وجاء الشيب مقتطفا ثماره
ومنها:
لواؤك في علاك لوى الأعادي [٣] ... حشاها [٤] من حواشيه «٢» المطاره
كأنّك رائض والدهر مهر [٥] ... وكفّك مالك منه [٦] عذاره
كأنّ الملك طود أنت [٧] نار ... عليه وإنّني آنست ناره «٣»
стр. 1305
ومنها:
وما نظم العلا إلّا وزير ... يقوم مع الوزارة بالإماره
فكم (شهر الوغى) [١] وله استعار ... تراه من حشا الصّبّ استعاره [٢]
له أدب لو الآداب أعدت ... لأعدت شيمة اللؤم الطّهاره
ولو وردت صفا «١» لجرى صفاء [٣] ... وجمر غضا أفادته غضاره
يصون الملك راكب ظهر عزم ... أمين المتن لم يرهب عثاره
فجلّى عنه أوضار المعادي ... وزحزح عنه ما قد كان ضاره
بسيف ظلّ مجتليا غراره ... ونوم [٤] بات مجتنبا غراره «٢»
لعمر القرم أحمد إنّ عمري ... به وعمارتي لاقت عماره
حقيق أن يراعي لي [٥] حقوقي ... بحرمتي [٦] الزيارة والسّفاره
стр. 1306
كفيل أن يحصّن [١] قصر عزي ... جدير أن يسوّر لي جداره [٢]
ومنها:
/ فداؤك [٣] من نباعنه [٤] مديحي ... كما ينبو عن الحجر الفخاره [٥]
مدحناه فقوّدنا مرارا ... وكشخننا «١» وجرّعنا المراره
وربّت ليلة لعّنت فيها ... أبي [٦] إذ لم يعلّمني تجاره [٧]
فلمّا أن نظرت إلى مقامي ... وقد ألبستني ثوب النّضاره
وددت [٨] لو أنّ أمي [٩] من تميم ... وأنّ أبي وعمي [١٠] من فزاره
فدونكها لآلىء بحر فكر ... ترفّع أن تحيط بها محاره «٢» [١١]
стр. 1307
إذا أنشدت فارت [١] ريح مسك ... كأنّي ذابح للمسك فاره «١»
قلت: وهذا شعر علا الشّعرى علوّا، ولم أرتكب في هذا التقريظ [٢] غلوّا. وما من بيت منه إلّا وهو يساوي بيت ذهب، ويمتّ [٣] [بنسب] [٤] إلى جمال الصيغة، وكمال الصنعة بنوع سبب.
١٩٠- أبو يعلى الزّوزنيّ «٢» [٥]
كتب إلى بعض أصدقائه، وقد سأله قضيما «٣» لدابّته، فتأخّر عنه:
رأيت طرفي مسرجا في المنام ... عليه من عقد اللآلي لجام
(سريع)
стр. 1308
وسرجه من جوهر ناصع ... شدّ من التّبر عليه حزام
تشرق لي غرّته مثلما ... يشرق في الحندس بدر الظلام [١]
فقلت: من أعطاك ذا كلّه؟ ... فقال لي: هذا ثواب [٢] الصّيام
فقلت: نذر ذاك أم قربة؟ ... فقال: بل عدم وربّ الأنام
لكنّما الصّبر على الجوع وال ... شدّة يا مولاي صعب المرام
ما كنت أخشى ضيعتي قطّ في ... جوار هذا الأريحيّ الهمام
/ أصبح لي محلا ندى كفّه ... وهو لكلّ الناس صوب الغمام
أقلّ من تبن فأزجي به ... وقتي من قبل حلول [٣] الحمام؟
فقلت: لولا شغله لم يكن ... يغفل عنه [٤] فأقلّ الملام [٥]
стр. 1309
١٩١- أبو علي الزّرغيليّ
رأس زوزن، وعينها وجمالها وزينتها [١] . وقد رأيت خطّه، فاستدللت بحسنه، على أنّ قلمه كان يحيك مشيا «١» ، ويحوك [٢] وشيا، ورويت [٣] شعره، فدريت [٤] سحره. فمن مقطّعاته التي هي قطع [٥] الرياض قوله:
أليلة يوم البين ما كنت ليلة ... ولكن ليال قد خلقن بلا فجر
(طويل)
فلو كان عمري مثل طولك لم يكن ... لصرف الردى يوما سبيل إلى عمري
ولو دام لي، ما دمت، وصل أحبّتي ... لبشّرت نفسي بالأمان من الهجر
[٦] وقوله [أيضا] [٧] :
стр. 1310
أساء الزمان إليّ الصّنيعا ... وما كان ما ساء منه بديعا
(متقارب)
رماني بأسهم أحداثه ... وما إن لبست لهنّ الدّروعا
ولو كنت ضاعفت فوق الدروع ... لجزن الدروع ونلن الضلوعا
١٩٢- أبو بكر اليوسفيّ
صاحب التجنيس الأنيس [١] والتطبيق، الذي طبّق به مفصل الصّنعة كلّ التطبيق «١» . وكان في زمانه نادرة، يملك قلما جاريا، ويدا قادرة. فاللفظ أري، والخطّ وشي، والقول فصل، والمذهب عدل. وتوسّل [٢] إلى الصاحب اسماعيل بن عبّاد بمذهب الاعتزال وامتطى إلى حضرته بالريّ ظهور [٣] الآمال، وأوقر من صلاته الظهور بالأموال. وربحت بحضرته تجارته، ولم تخسر [٤] في معاملته/ صفقته. ووقع شعره منه أحسن المواقع، ورتّبه في [٥] مجلسه
стр. 1311
في أرفع [١] المواضع. وحدثني والدي قال: كان [٢] أبو بكر عندنا بباخرز مدة، وأحمد «١» جوارنا، وصحبتنا. فقال يمدحنا وقصبتنا:
وردت [٣] مالين «٢» فألفيتها ... رمّانة حباتها [٤] المكرمات
(سريع)
أصيح من ظرف سجاياهم ... عاش الوفاء المحض والمكرمات
قال والدي: واتّفق أني وردت زوزن ملتجئا اليها من أيدي قوم ذقتهم فعفتهم، وفررت منهم لمّا خفتهم، فأقبلوا عليّ، وشكا محطيّ ثقل وطأة [٥] إنزالهم لديّ. فقلت فيهم معارضا لما [٦] قال يوسفهم فينا. فإنّ أيادي أولئك لم تكن تقصّر [٧] عن أيادينا:
قد ملئت زوزن من سادة ... لهم نفوس بالعلا عارفات
(سريع)
ما أغتدي إلّا ومن عندهم ... عارفة عندي بل عارفات
стр. 1312
قد بقي الفخر بهم والنّدى ... والبخل والشّؤم مع العارفات [١]
والأيادي قروض، وقضاء القروض مفروض. وأنشدني والدي قال:
أنشدنيها [٢] لنفسه:
سقى الله ريّا وأروى «١» معا ... وأروى منازل [٣] أروى بها
(متقارب)
بلاد بها كنت أرعى المنى ... وآتي المعيشة من بابها
وإني لآمل في [٤] آمل ... ليالي أحظى بأعتابها
فيا دهر ساعد على بغيتي ... ويا عمر كن بعض أسبابها
وأنشدني له أيضا، قال: أنشدني لنفسه من قصيدة [طويلة] [٥] له:
ليالي ريّا كروض الأصيل ... كبدر السّماء كماء الفرات
(متقارب)
تبسّم عن ضاحك [٦] كالمهاة «٢» ... وتلحظ عن مثل عين المهاة
стр. 1313
/
وفي عينها عين ماء الحياء ... وفي فمها (عين ماء) [١] الحياة
فعشنا نواتي [٢] بلا رقبة ... وما ضاق عنّا نقير النّواة «١»
فقولا لريّا: أفاق الزّمان ... فواتي بوصلك قبل الفوات
وله:
لمن رسم دار بذات الأشا «٢» ... وقد أوحش القلب إذ أو حشا؟
(متقارب)
عهدت به بين غزلانه ... غزالا حشا بالغرام الحشا [٣]
وأنشدني له بعض من أثق به من تلامذة القاضي (أبي العلا صاعد بن محمّد) [٤] هذه القصيدة:
стр. 1314
سقيا لمنزلنا بذات خبار «١» ... حيث العذول يريبها «٢» أخباري
(كامل)
إذ [١] حاجتي ذات المداري والهوى ... أقصاه والفلك المدار مدار [٢]
ألقى زماني [٣] مسعدا ومساعدا ... وأرى سواء (حبرتي وحباري) «٣» [٤]
صاحبت بكرا من زمان مقبل ... ففضضت [٥] عذرته بخلع عذاري
بكّرت أزهار [٦] الحيا بمزاهر [٧] ... وأخذت من أوتارها أو تاري
فعريت فيه من المروءة لابسا [٨] ... (ثوب الهوى) [٩] والعار ثوب العاري
стр. 1315
ومنها:
لمّا فطمت عن اللّذاذة كلّها ... داوى النّهى بصراري «١» إصراري
فوقفت في ربع خلا من أهله ... والدمع جار في فراق الجار
والحبّ يأكل كلّ قلب فارغ ... خال، ويسروه عريم «٢» الساري [١]
والمرء بالأوزار [مخذول] [٢] إذا ... لم يلف من تقواه ذا أوزار «٣»
فإذا أجرّتني الغواية حبابها ... في شرّتي [٣] فقصارها إقصاري
/ والمرء يقتل بالفراق (وما له) [٤] ... غير التعلّل بالمنى من ثار [٥]
وإذا الفتى حرم الغنى في [٦] أرضه ... ألقاه إقتار إلى الإقتار
стр. 1316
وكذاك من منع الحيا أحياؤه ... تبع القطار «١» وسار في الأقطار
صاحبت أحداث الزّمان مجاملا ... فاستعتبت «٢» أقدارها [١] أقداري
وركبت أهوال الفلاة مساورا [٢] ... فنعشت من (أخطارها أخطاري) [٣]
وغنيت دهرا لو غنيت بنصره ... ولقد أواري في الضلوع أواري «٣»
يعني بنصر الأمير العالم العادل ابن سبكتكين، أخا السلطان محمود:
وأملّني طول التصرّف أنّني ... أبصرت بخس الحقّ في استمرار
فشكا إلى الله العزيز هوانه ... فافتكّه [٤] من عقلة وإسار
والدين أبدى للإله جواره ... حتى أتاح له أعزّ جوار
стр. 1317
يا أيّها القاضي الذي آثاره ... قد غبّرت في أوجه الآثار
وتبسّمت أفعاله وكأنّها ... غرر وضحن على جبين نهار
وعقائل جلت العقول وجوهها ... أبكارها كقلائد [١] الأبكار «١»
حجج كمثل طرائق الصّبح انجلت ... معها ظلامة ممتر وممار
وأبحن للدين القويم سعادة ... وقطعن عنه دوابر [٢] الإدبار «٢»
وعليه درع تقى وحلّة سؤدد ... ورداء مكرمة وتاج فخار
إنّ الأمير رآك سيفا مثله ... هو في النضال وأنت يوم نظار «٣»
/ذاك الذي لو قال للفرس: اضطرم ... نزل [٣] الحضار به بجنب [٤] حضار «٤»
стр. 1318
زند به عضد السيوف فصاوكت «١» [١] ... حربا وزند في المجاعة وار
فنفى [٢] غواشيه بطلعة نيّر [٣] ... ورمى أعاديه بشعلة نار
وجلوت عن وضح الهدى فجلوته ... متضاحك الأنوار [٤] والأنوار «٢»
يا من أقام (ببلدة مستوطنا) [٥] ... وثناه في الأسفار والأسفار «٣»
تروى محاسن لفظها [٦] وكأنها ... درر وآراء كمثل دراري [٧]
ومآثر قد خلّدت فكأنّها ... غرر وعزم مثل حدّ [٨] غرار
ومنها في صفة القلم:
قصبات فضل قد حوى قصباتها ... فجرى [٩] موقّى [١٠] كبوة وعثار
стр. 1319
يبثثن في القرطاس أجباء «١» [١] النّهي ... بلعاب منقار لها من قار
فكأنهنّ من الحرير لوابس ... قمصا لها مفروجة الأزرار
سقيا لأيّام مضين مضيئة ... وظلمن مظلمة وهنّ عوار
فسعدت قبل بقربه وبقربتي ... وشقيت بعد ببعده [٢] ودياري
كم من يد أسدت يداه كلاهما ... يمناه يمني واليسار يساري
ولقد قصدت زيارة فمنعتها ... والحجّ آفته من الإحصار «٢»
فوسمت باسم أبي العلاء قصيدة ... وجعلتها هديا مع الأشعار
ومنها:
فالعقل جسري والجسارة معقلي ... والعذر صوني والصّواب عذاري
стр. 1320
١٩٣- أبو جعفر محمد بن الحسن [١] بن سليمان البحّاثيّ «١»
هذا [٢] الّذي ينسب البحّاثيون إليه/، وهو جدّ القاضي أبي جعفر البحاثي الأخير، المعدود من أئمة القضاة، وأزمّة الكفاة. ولي القضاء ببعض كور ما وراء النهر وبعض كور خراسان أيضا. وأنشدني له حافده القاضي أبو جعفر البحاثيّ الأخير قصيدة، قالها في الشيخ العميد أبي عليّ محمد بن عيسى، يخطب فيها قضاء فرغانة «٢» ، ويصف الربيع:
اكتست [٣] الأرض وهي عريانه [٤] ... من نشر نور [٥] الربيع ألوانه
(منسرح)
стр. 1321
واكتنزت [١] بالنبات وانتشرت ... حين سقاها السحاب ألبانه [٢]
فالروض يختال في ملابسه ... مرتديا ورده وريحانه
تضاحكت بعد طول عبستها ... ضحك عجوز تعود بهنانه «١» [٣]
يعانق الأقحوان توأمه ... إن زار روح النّسيم قضبانه
ترى الخزامى المساء مسلمة ... ثمّ تعود الصباح نصرانه
فضاحك الشمس من جوانبه ... كواكب بالعبير ملآنه [٤]
ومنها في خطبة القضاء:
كم سائل لجّ في مساءلتي ... عن حالتي قلت وهي وسنانه:
منزوعة الحلي عاطل سلبت ... محاسن الوسع «٢» فهي عريانه
стр. 1322
ترى بحارا يموج زاخرها ... وهي على شطّهنّ عطشانه
قال: فما حليها [١] وملبسها ... وزيّها كي تعود ريّانه؟
قلت: كسير فمن يجبّره؟ ... قال: ترى من يحبّ جبرانه
سوى الوزير الذي تلوذ به ... يخدم برد الغداة [٢] إيوانه؟
/ قلت متى؟ قال (قد أتى فدنا) [٣] ... مفتتح العام [٤] كان إبّانه [٥]
فقلت: ماذا [٦] الذي تؤمّله ... فقال: أبشر، قضاء فرغانه
من طلب التّبر من معادنه ... أصاب من تبرهنّ عقيانه
وأنشدني له كنيّه وحافده، في معنى الخيال، ما لم أسمع لاحد مثله:
يا من ينبّهني عن رقدة جمعت ... بيني وبين خيال منه مأنوس
(بسيط)
دعني فإنّك محروس ومرتقب ... وخلّني وخيالا غير محروس
وله في اختلاس القبلة:
تورّدت وجنتاه من خجل ... وقال: قبّلتني على عجل
(منسرح)
стр. 1323
فخل عنّي فإنّ في شفتي ... علامة من تواتر القبل
فلو رأى والدي علامتها ... حرمت ما عشت عذب مقتبلي
فقلت: يا سيدي ويا سندي ... ويا رجائي ومنتهى أملي
أسأت فاغفر إساءتي كرما ... واعف عن الذنب واغتفرزللي
وله في المدح، وهو أبلغ ما سمعت في فنه:
إنّ الخزائن للملوك ذخائر ... ولك المودّة في القلوب ذخائر
(كامل)
أنت الزمان فإن رضيت فخصبه ... وإذا غضبت فجدبه المتعاسر [١]
فإذا رضيت فكلّ شيء نافع ... وإذا غضبت فكلّ شيء ضائر [٢]
وله في الشكوى وهو أيضا حسن جدا:
ألا فاصرفي عنّي ملامك إنّني ... سقيت بكأس من جوى خالص صرف
(طويل) /
وحقّ لمثلي أن يساور قلبه ... لوافح حزن ما لجاحمها «١» مطفي
كأنّ ثراء المال [٣] عذراء أبصرت ... بكفّي مشيبا فهي تنفر من [٤] كفّي
стр. 1324
١٩٤- الأستاذ أبو عليّ الحسن [١] بن عبد الله المطوّعي
يقول في مالين باخرز وأهلها:
سقيا لمالين وأربابها [٢] ... وقدمة الفضل لأصحابها
(سريع)
ظرافة الخلق غدت [٣] شيمة [٤] ... أكثرهم [٥] دخّل أبوابها
ما منهم إلّا له همّة ... تسمو إلى الشمس وحجّابها
كفى [٦] لباخرز ومن حوله ... فخرا لمالين [٧] وكتّابها
إن غصت في أبحر آدابهم ... وجدت أصدافا [٨] لطلّابها
стр. 1325
١٩٥- الأستاذ أبو محمد العبد لكانيّ
[عبد الله بن محمد بن يوسف] [١] . أدركته، [وأنا] [٢] بزوزن سنة سبع وعشرين وأربعمائة «١» [٣] شيخا، شابّ الظرف، [يأتي] [٤] دائما، وهو مكتحل الطرف، وقد همّ أن يلتقي طرفاه قصرا. و [قد] [٥] كاد يكون من غزارة علمه عالما مختصرا، أملى عليّ، وأنا لا أعرف [معنى] [٦] كلامه [٧] لحداثتي:
يا من هجانا على جهل ليوحشنا ... قابلتنا [٨] بسلاح نحن نملكه
(بسيط)
يا بؤس كفك هل [٩] تدري وقد كتبت ... هجاءنا أيّ تنّين تحركه؟
стр. 1326
[١] وكتب إليه والدي [٢] على يديّ، ونحن بزوزن:
أيّها الأستاذ مهلا ... لست للجفوة أملا
(مجزوء الرمل)
جئت من ربعك حزنا ... كان للأضياف سهلا
/ لا تغادر سلسبيل ال ... قرب بالهجران مهلا «١»
واقرني «٢» [٣] وجهك [٤] و ... اجعل نزلي [٥] أهلا وسهلا
فأجاب عنه [٦] :
أيّها الباذخ فرعا ... أيّها الراسخ أصلا
جاءني الشعر الّذي حز ... ت [٧] به للسّبق خصلا
خاطري صار عمودا ... وهو وقتا كان نصلا
стр. 1327
فتفضّل [١] وتقبّل ... بدل السّكّر مصلا
واهجر الكلفة هجرا [٢] ... أصل الخدمة وصلا [٣]
وللأستاذ أبي محمد أيضا:
إذا كنت متّخذا ضيعة [٤] ... فإيّاك والشركاء الوجوها
(متقارب)
(ودار الملوك فإنّ) [٥] الملوك ... «إذا دخلوا قرية أفسدوها «١» »
وله أيضا:
يا قومنا إلى متى نصيح ... ولا يروج عندنا [٦] نصيح؟
(رجز)
إن البلاد عرضها فسيح ... وزوزن قد خرّبت فسيحوا
[٧] وله في الشّيخ الرئيس أبي القاسم عبد الحميد بن يحيى:
стр. 1328
إنّي حلفت يمينا ... بمن أمات وأحيا:
(مجتث)
أنّ الرئيس المرجّى ... عبد الحميد بن يحيى
رأى لزوزن رأيا ... كأنما كان وحيا
١٩٦- القاضي أبو جعفر محمد بن اسحق البحاثيّ «١»
كتبت على ظهر ديوانه فصلا جمع [ببن] [١] بعض أوصافه، وإن كان مشتملا من الفضل على أضعافه. وفي القليل ما يغني عن الكثير، ولا ينبئك مثل خبير.
الفصل [٢] : لمّا تجاوزت عتبة إيوان هذا الديوان، أعذت في ذلك ناشر بزّها وواشي طرزها،/ [القاضي] [٣] أبا جعفر من عين الكمال، راغبا [في ذلك] [٤] إلى الله تعالى بأصدق الآمال. فقد خاض بها لجج البلاغة أتمّ الخوض،
стр. 1329
وتفنّن في أنواعها تفنّن الحمراء والصفراء من قطع الروض. إن أجمّ «١» الجدّ بالفكاهة في الأحيان، فمنحوت من نبعة [١] ابن الحجّاج «٢» . وإن نشط لمغازلة الغزلان فموصوف بظرف ابن أبي ربيعة في وصف ما تضمّنته هوادج الحجّاج. وان استبّ فأحد الفحلين؛ جريرا أو [٢] الفرزدق، وإن كانا [٣] من القدماء. وإن دبّ فالملك الضّليّل «٣» يسمو إلى صاحبته سمّو حباب الماء.
وإن أطرى فابن ثابت حسّان، وقصائده في غسّان تلك الحسان. وإن رثى ورى [زندا عفاره] [٤] من المرخ «٤» . وأملى النّياحة على الحمامة المفجوعة بالفرخ، وعلى الجملة ما من بحر ركب سفينه إلّا غاص على درّه، وانتزع دفينه. فلله درّه من فاضل يغمر ماطرا، ويقمر [٥] مخاطرا. فمما قاله في المديح قوله من قصيدة له في الأمير أحمد بن نيالتكين [٦] ، وأنشدنيها لنفسه:
стр. 1330
من يكن يطلب البراز فذا أح ... مد في سرج طرفه القمّاص
(خفيف)
وبكفّيه خاطب قوله الفص ... ل على [١] منبر الطّلى والعناصي «١»
شغلته العلا بأسمر ذي عش ... رين عن كلّ أسمر ذي عقاص «٢»
ومنها وذكر عدوّه:
ليس ينجيه غيضة من شباجه ... م [٢] لآساد غيلها [٣] قنّاص
سوف يأتيه بالسيوف تراها ... طائعات على أكفّ عواص
وبجيش يجيش نحو الأعادي ... بقلوب على الحتوف حراص
/ ونفوس يوم اللقاء رخاص ... وهي بعد اللقاء غير رخاص [٤]
قد أعدّوا من قوة ما استطاعوا ... وتواصوا بالصّبر أيّ تواص
стр. 1331
مطعمي [١] أنسر الفلاة لحوما ... (بالمواضي، بطانها) والخماص «١»
تاركي رؤوس «٢» [٢] الأعادي كبيض ... في أداحي النّعام [٣] بالأدعاص
[٤] وله من أخرى في غيره:
يرتاح للمجد مهتزا كمطّرد ... مثقّف [٥] من رماح الخطّ عسّال «٣»
(بسيط)
فمرة باسم عن برق ثغر حيا ... وتارة كاشر عن ناب رئبال «٤»
فما أسامة مطرورا براثنه ... ضخم الجزارة «٥» يحمي جيش أشبال
стр. 1332
يوما بأشجع منه حشو ملحمة ... والحرب تصدم (أبطالا بأبطال) [١]
ولا خضارة «١» صخّابا غواربه ... تسمو أواذيّه [٢] حالا على حال
أندى وأسمح منه إذ يبشّره [٣] ... مبشّروه بروّد ونزّال
يمشي ببرق إذا جفّت خلوف حيا ... نحو الهجان لأيديهنّ بلّال»
غيث [٤] يروّي صدى الأفهام من عطش ... بمنطق مثل ماء المزن سلسال [٥]
فكم أعاد وحسّاد ذوي عدد ... قد زلزلوا بك ذعرا أيّ زلزال!
شاموا عقيقة برق شمت «٣» من خلل ... فأصبحوا بين فرّار وفلّال
стр. 1333
ومن غزلياته قوله في غلام نصرانيّ:
قولا لبدر تلا إنجيله وشدا ... أفديك من مسمع طورا ومستمع
(بسيط)
أشتاق نار جحيم أنت تسكنها ... وأكره الخلد لا ألقاك فيه معي
/ وقوله [١] [أيضا] [٢] :
وذي شنب لو أنّ خمرة ظلمه «١» ... أشبّهها بالخمر خفت به ظلما
(طويل)
قبضت عليه خاليا واعتنقته ... فأوسعني شتما وأوسعته لثما
وقوله:
لحاجبه المقرون أعشق قوسه ... وإن أرسلت بالنّبل نحوي الدواهيا
(طويل)
وأهوى الظّبى لمّا حكاه ابيضاضها ... وإن قطّعت لي من حياتي [٣] الأواخيا
стр. 1334
وقوله:
تركت الزيارة لا عن قلى ... وعفت التّواصل لا عن سلوّ
(متقارب)
ولكن نهاني عن أن أزور ... حياء الصّديق وخوف العدو [١]
وقوله [٢] [أيضا] [٣] :
عليك بالخدّ النّقيّ الّذي ... تفتّح الورد [٤] له حليه
(سريع)
واسلح على الخطّ وعشّاقه ... فإنّه جزء من اللّحيه
ومن خمرياته قوله:
أشرب من كفّك مشمولة ... كأنّها قد أشربت [٥] عصفرا
(سريع)
راحا متى ما صافحت راحة ... ألقت [٦] عليها صبغها الأحمرا
تخالفا من خمرة حمرة ... وكأسها ماء عليها جرى [٧]
стр. 1335
ما ضرّها من بعد ما قد صفت ... أن لم تكن تنمى إلى عكبرا «١» ؟
وكتب إلى صديقه أحمد بن عثمان الخشناميّ «٢» :
قم يا ابن عثمان الكريم المنصب ... واشرب على رغم العواذل واطرب
(كامل)
واخلع عذارك في السرور وفي المنى ... غضبت له العذّال [١] أو لم تغضب
أو ما ترى الغيم [٢] الرّكام مطرّزا ... ببروقه مثل الرّداء المذهب؟
متناثرا، فوق الثّرى حبّاته ... كثغور معسول الثّنايا أشنب
برد تحدّر من ذرا [٣] صخّابة ... كالدّرّ إلّا أنّه لم يثقب [٤]
/وله في صفة البرد من أبيات:
برد حكى بيض الحمام ولم [٥] تزل ... من خوفه تلقي الحمامة بيضها
(كامل)