← Адаб

Адаб · id 10665

دمية القصر وعصرة أهل العصر

الباخرزي

Полный текст (1 691 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أدام لنا في [١] دمية القصر بهجة ... بناها بعقل مثل سارية القطر لقد صاغها باسم الوزير الرّضي الذي ... أفاعيله نقش على جبهة العصر شجاع إذا ما سلّ [٢] نصلا فحوكه ... من الحول والتأييد نصّ من النّصر لخدمته قد أنشىء الخصر صالحا ... لمنطقة فانظر إلى هيف [٣] الخصر فأتممه إن رمت الوزير ووصفه ... وفي الخصر الإتمام أولى من القصر [٤] فلا زال للنّعمى [٥] وللعزّ والعلا ... وأعداؤه للحبس (والحصر والهصر) [٦] وضمّ إلى هذه الرّوضة غديرا، فقال: أبا قاسم لا زلت فينا عطيّة ... من الله لا أمست يد [٧] الدهر مجذوذه (طويل) طبعت على طبع ولا طبع به ... نصول المعاني منه أرهفن مشحوذه جلوت علينا دمية القصر غادة ... فأضحت بألحاظ البريّة مأخوذه وقد نبذ الناس اليتيمة بعدها ... ولا عجب، إنّ اليتيمة منبوذه

стр. 1472

فخفت عليها [١] العين من كلّ عاشق ... وقد عبتها كذبا يكون لها عوذه وثناه الشيخ الإمّام أبو عامر الفضل بن اسماعيل بن الفضل التّميميّ الجرجانيّ فقال، والقول ما قالت حذام، وكلامه [٢] أعذب من ابنة الكرم، شيبت بماء الغمام: ما دمية القصر إلّا روضة أنف ... تحوي محاسن أهل البدو والحضر (بسيط) من كلّ لفظ كنظم الدرّ مخترع ... وكلّ معنى كنفث السّحر مبتكر أبقت أسامي في فيها مخلّدة ... منقوشة بين سمع الدهر والبصر فليحسنن من نظام الملك موقعها ... فإنّها عصرة من أعظم العصر يشقى بها كاتب ماتت [٣] خواطره ... وشاعر ملكته عقدة الحصر وهي العرائس لا ترضى لبهجتها ... أن تستباح بلا ألف من البدر «١» . فذاك يدعو عليّا أن يشيّعها ... بكلّ باهرة أضوا [٤] من القمر

стр. 1473

فهو الإمام الّذي تندى خواطره ... بكلّ معجزة تعيا على البشر وثلّثه الأستاذ الإمام يعقوب بن أحمد، وهو المطرّز لهذا [١] الكتاب، والحالي لهذه الكعاب: أغار عليّ بالكتاب أملّه [٢] «١» ... وشرّفه باسم الوزير أبي علي (طويل) عقائل خدر آنسات كأنّها ... بدور سماء للنواظر تنجلي فيا دمية القصر اسحبي ذيل عزّة ... وتيمي فقد وشّاك ما شاءه علي ولم يبق في قوس التّصنّع منزعا ... ولم تخط مرماه صوائب أنصل فأعين أهل الفضل أضحت قريرة ... به وبعقد منه جدّ مفصّل فلا زال مولانا، الذي هي [٣] باسمه ... تشرّف، ذا جاه وعزّ مؤثّل لينتاش منكوبا ويفتكّ عانيا ... وينجح حاج المستميح [٤] المؤمّل وربّعه الإمام أبو الفضل الخيريّ، وهو الإمام الأصيل، ومن لم يفته فيما يكنى به التّحصيل. فقد زويت إليه جملته والتّفصيل:

стр. 1474

ودمية القصر أتت كاسمها ... معشوقة المنظر والمخبر (سريع) لقد جلاها أوحد العصر في ... معرض حسن رائق أزهر طرازها من حسن ألفاظه ... وحليها ذكر الوزير السّري «١» [١] أبي [٢] عليّ من علا أمره ... فجاوز العيّوق والمشتري يعتاض حمد الناس من ماله ... أكرم به من رابح مشتر قد بسط العدل وأحيا الورى ... برأيه النافذ كالخنجر لا زالت الأيّام طوعا له ... في دولة تبقى إلى المحشر وخمّسه الشيخ الأديب عليّ بن أحمد الفنجكرديّ «٢» ، فتثبّتّ [٣] على ذيل فضله بالخمس، إذ حصل إليّ اليوم [٤] منه ما لم يكن بالأمس: أروضة أنف يعتادها بكرا ... عهاد غادية هطّالة مصره (بسيط)

стр. 1475

فاحت روائحها حتّى إذا انتشرت ... دعت إليها نفوسا أصبحت ضجره ففرّجت غمّها عنها ببهجتها ... وأودعتها سرورا فانبرت «١» أشره تجلو العيون إذا أبصرن خضرتها ... لم تشك أجفانها من بعد ذاك مره «٢» أم غادة فردة في الحسن غانية ... فتّانة أقبلت في حليها عطره فرعاء بهكنة خود منعّمة ... غيداء خمصانة وهنانة «٣» خفره [١] تبدو قليلا فإن أوليتها نظرا ... عادت على فورها في الخدر مستتره باهى أبوها بها شمس النّهار كما ... باهت بها أمّها في ليلها قمره [٢] أم دمية القصر وافت في محاسنها [٣] ... تميس في حلل الإعجاز مبتدره مثل الهديّ «٤» تهادت [٤] في جواهرها ... ثقيلة الحلي والأرداف منبهره [٥] إلى رضيّ أمير المؤمنين ومن ... به الممالك والأيّام مفتخره

стр. 1476

الصاحب السّند الميمون غرّته ... نجم الملوك ونجل السادة البرره أبي عليّ نظام الملك من بهرت ... أخلاقه الزهر في لألائها الزّهره لم يأت حضرته جلّت «١» أخو وطر ... مرجّيا فضله إلّا قضى وطره من أجل ذلك توقيعاته نفذت ... في الشرق والغرب إمضاء فدع كوره لمّا طغى الروم واستعلت بأكلبهم ... قاد الجيوش وذاد الأكلب الكفره [١] آثار آرائه في الروم بادية ... فادخل بلادهم ثمّ انظرن أثره ذنوب أيّامنا لمّا سمحن به ... وإن أصرّت عليها فهي مغتفره وافى بها المجلس الأعلى أخو كرم ... له بدائع في الآفاق مشتهره لو قلت: أكتب أهل العصر قاطبة ... وأشعر الناس لم أعدد من الفجره فكم له فقرة في الناس سائرة ... ونكتة غربت في الكتب مستطره والخطّ مثل ابتسام الرّوض عن زهر ... واللفظ يحكي جمان النّحر أو درره إذا أدقّ المعاني في قلائده ... تحيّرت عندها في سحره [٢] السّحره فقل لقوم رووا عن غيره غررا ... شتّى وقاسوا بها من جهلهم غرره: لشدّ ما عزبت [٣] عنكم عقولكم ... هل تستوي الدرّة البيضاء والبعره؟

стр. 1477

لو جبت من شطّ جيحون إلى عدن ... فطفت من بعدها بغداد والبصره لم تلق مثل عليّ في فضائله ... مقالة من عليّ فيه مختصره لا زال في العزّ ممدودا سرادقه ... عليه مغتبطا ما أورقت شجره خذها نتيجة طبع إن أهبت به ... أجاب في الوقت مثل العين منفجره «تم بذلك كتاب دمية القصر بحمده وشكره» «أعاننا الله وغيرنا من أهل الحرفة على غيره»

стр. 1478

تصويب واستدراك نشكر الاخوة الزملاء الذين وافونا باستدراكاتهم وملاحظاتهم، وغيرة منا على الدقة العلمية فقد أضفناها الى استدراكاتنا. وعلى رأس الادباء المتقدمين الدكتور أسامة عانوتي والدكتور عبد الله درويش والاستاذ سعيد الافغاني. - الجزء الاول - ص س اقرأ ١٥/١٠/مثاقفة ١٥/١١/المقرنين ١٦/٤/يفوقه ١٦/ها ٣/ما غلظ من المفاصل وشبهها ١٧/٦/أرنا: نشاطا ٢٠/ها ٢/يقدعه: يضربه ٢٩/حا ٥/الاداري: الأوتاد المضروبة لعقال الدابة ٣٩/حا ٣/أفريه: أقطعه ٩٤/٣/ري ٩٧/١/غرضت.. أغرضا ١٠١/٩/لؤلئه ١٤٧- ٢٦٩/٢/الهوينى ١٥٩/٦/خمسها: وهي من ظماء الابل ١٥٩/٩/العزيقين: بين الوهاد العرض: جوانب الجبال ١٨٨/١/خبار: مالان من الارض

стр. 1479

١٩٥/١٢/مرفده ٢٠٢/٥/ (هو صاحب الموازنة) ٢٠٧/حا ١/الظمياء: العطشاء ٢٢٨/حا ١/لعلها: تل التمر (ياقوت) ٣٤٠/٨/مغّورة.. منجدا ٢٦٦/٧/كالدبى ٢٧٠/حا ٣/مفردها القرن: الكفء في الشجاعة ٣١٤/١٠/فزّرتني ٣١٨/٧/الغضى ٣١٩/٧/وهو ٣٢١/٤/اللؤلئي ٣٢٥/٩/منهم ٣٢٦/١٠/خفارة ٣٥٧/٨/المزوج ٣٦٨/٩/مقدمة ٣٨٦/٤/يابن ٣٨٦/٥/الغرقد ٤٠٣/٩/نسي ٤٠٤/حا ١/الجسرة: الفرس القوية ٤١٨/٩/الغراس: الاسهال الشديد ٤٣٧/حا ١/النجيع: الدم ٤٤٠/حا ١/العضوض: شديد العض ٤٤٤/٨/ابن بجدة

стр. 1480

٤٤٨/حا ٢/الحماطة: حبة القلب ٤٩٠/٧/جهل ٥٦٩/٨/اسماعيل ٥٧٧/حا ١/السماوة: السقف ٥٧٨/١٠/المعين ٥٨٧/حا ٥/الخصاص: فرج الابواب ٥٨٩/حا ٤/المسفة: الدانية من الارض ٥٩٠/١٠/العاشية، من المثل: «العاشية تهيج الآبية» . ٥٩٦/٤/البلاد ٥٩٦/٩/ثخينة ٥٩٦/١١/ومراد ٦٠١/٦/الجنى ٦٠٢/٦/مسفّ ٦٣٢/٨/ومن مأمن الانسان ٦٤٦/١١/المرضيّ ٦٥٥/٥/وخويدمه ٦٥٦/١٢/ومجلس ٦٨٧/١٣/أبو نصر منصور ٦٩٧/٨/٤٢٣ - الجزء الثاني - ٧١٧/٦/خيما ٧١٨/حا ٢/تسريب الحافر: الارسال قطعة قطعة ٧٢٦/٨/نظام

стр. 1481

٧٢٦/١٣/المحال ٧٤٣/٢/قشاعم ٧٥٧/حا ٤/المرسلات: الشعور المرسلة ٨٨٢/٣/يأبى الجنود جنونهم ٨٩٠/٣/أعلّ ٩٠٥/٦/أدلّ ٩٤١/٢/الجفاء.. جفاء ٩٥٨/١٠/عصيت ١٠٩٣/١٠/ «الحاشية ٩ أفضل» ١١٠٧/٣/الزّعاق ١١٦١/١١/كحاضي ١١٨٥/١/ينفع ١١٨٦/حا ٣/القارة: اسم قبيلة ماهرة في الرماية. ومنها المثل «قد أنصف القارة من راماها» ١٣٠١/حا ٣/ورد هذا ١٤٣٢/١/لا أنس ١٤٣٧/حا ٢/الرتل: المنسق الحسن التنضيد ١٤٤٧/٣/ساحبة ١٤٥٠/١/المعلّى ١٤٦٧/حا ١/الآري: معلف الدابة

стр. 1482

دراسة أدبيّة ونقديّة لدمية القصر

стр. 1483

بين يدي الدراسة كان عليّ أن أضع هذه الدراسة في مطلع الجزء الأول- حسب العادة المتبعة- كتعبير عن طبيعة العمل، أو توضيح للوضع العام، أو شرح لاطار المتن. ولكن ظروفا عديدة حالت دون اتباع هذه العادة، وهي التي اضطرتني الى ارجاء الدراسة حتى نهاية الجزء الثالث. من هذه الظروف أن الجامعة التي كنت أعدّ فيها رسالتي سمحت لي بطبع المتن بعد الموافقة عليه، وطالبتني بتأجيل طبع الدراسة الى ما بعد المناقشة والموافقة الشاملة، ولأن المقدمة يجب أن تكتب في الخاتمة لأنها حصيلة تجارب وملاحظات تقع للمحقق. ولا يتأتّى هذا الا بعد أن يحاط بالنص كله، ويمعن في قضاياه. ولقد كنت مشغولا في تلك الآونة بتحقيق المتن وكشف خفاياه، ورصد الأمور التي يجب الوقوف عندها ودراستها. وبعد أن أنهيت عمل التحقيق وطبعه، رأيت أن حصيلة الدراسة واسعة ومهمّة في آن واحد، فآثرت طبعها بشكل فصلات متتالية. فكان منها «الباخرزي حياته وشعره» ، وقد طبعته جامعة بنغازي- مشكورة- مع ما طبعت لي من نتاج. وكان منها مع شيء من التوسيع والتعميم «حول الأدب في العصر السلجوقي» ، وقد طبعته مكتبة «قورينا» . وكان منها هذه الدراسة التي تهمّ «الدمية» نفسها، وتعين دراستها. فالكتابان المذكوران، وهذه الدراسة (مختصرة) ، بالاضافة الى التحقيق والشرح أطروحة الدكتورا التي قدمتها الى معهد الآداب الشرقية عام ١٩٧٣، ونلت عليها مرتبة «الشرف الاولى» .

стр. 1484

ولما شرعت بتحقيق الدمية حامت في ذهني مشكلة، هي: أأشتغل بالنقد والتحقيق؟ وهل هو بمستوى التأليف؟ أم أنه أصعب في العمل؟ وهل ينظر اليه من الناحية العلمية بمنظار التقدير والحفل؟ وسرعان ما أخذ الجواب يتساوق لي حتى غدا واضحا. والواقع أن التحقيق جهد لا يستهان به، إذا قصد صاحبه خدمة العلم والاخلاص له. وقد يأخذ وقتا أطول من التأليف، كما أن خدمة الكتاب القديم، وإلباسه اللّبوس العلميّ الجديد أمر لا يقلّ بحال عن التأليف. ولا زالت أنظار العلماء تتلفت نحو المحققين وتوليهم الاحترام والتقدير الزائدين. أما من حيث المردود فالتأليف الجيد يعادل التحقيق الجيد. وقد لا حظت عددا من الأدباء يعزفون عن التحقيق استصعابا للعمل الدقيق والدأب المتواصل والكشف المضني، كما وجدت عددا آخر يتهرب منه لاعتقاده أنّ التأليف أولى ... وكلاهما في نظري مقصّر. غير أن الحق الذي لا مندوحة عنه أن هذه السنين الطويلة بلياليها، التي عكفت بها على اخراج هذا الكتاب، أشعرتني في خاتمة المطاف بقيمة عملي الذي أدّيته ولاء للعربية. ولقد أحببت أن أعود الى لسان العرب لأرى حقيقة معنى الاسم الذي وضعه الباخرزي لكتابه، فرأيت أن معنى «الدمية» هو الصنم، وقيل هي الصورة المنقّشة، ويكنى بالدمية عن المرأة كذلك، وأن «العصرة» : الملجأ والمنجاة، وعصر بالشيء واعتصر به: لجأ اليه ومنه قوله تعالى «يغاث الناس وفيه يعصرون» أي ينجون من البلاء «١» . فيكون المعنى «غانية القصر، وملجأ أهل العصر» . وأحسب أنّه تطلّع الى المعنى الظاهر عندما وضع عنوان كتابه، وهو الذي يتبادر الى الذهن، وهو: عروس القصر (بين كتب الأدب) ونخبة أهل العصر (الذين عاصروه) . وعانيت أكثر ما عانيت، بعد مسألة التحقيق، مسألة كشف الأعلام. فقد جمعت الدمية بالاضافة الى ٥٣٠ شاعرا عشرات، بل مئات، من الأسماء المبثوثة عبر النصوص وفي تضاعيف التراجم. فحاولت، ما أمكن، البحث عنها

стр. 1485

في شتّى كتب التراجم، لأسهّل على المطالع الأديب عناء التنقيب عن ذلك العلم الذي يمرّ به. وكنت أذكر في خاتمة التعريف أسماء الكتب التي رجعت اليها عربية أو فارسية أو أجنبية. ولا أكتمكم أنني كنت أتعثّر، على الرغم من كثرة المراجع التي تناولها عملي. ذلك أن الباخرزي كان يقتضب أحيانا ذكر الاسم، فيورده موجزا، إمّا لأنّه معروف لديه في زمانه، أو لأنه مجهول لا يعرف اسمه الكامل. وقد تتشابه الأسماء فلا أعرف أيّها عنى الباخرزي، فأعود الى نتاجهم لأقابله على ما ورد في الدمية. وقد أقف على جواب قاطع، وقد يخونني الحظ، وكثيرا ما كنت أقف حائرا حائما أمام ذلك، إذا تعذّر عليّ التقاط علامة مميّزة. وقد يسقط الاسم سهوا أو يضيع الاسم أو اللقب أو تزوغ العين عن رؤيته، فأراه بعد حين فأضيفه في الذيل أو عندما يتكرر الاسم. وقد أكتشف للعلم مصدرا غير الذي ذكرت، أو ترجمة أخرى فيها شيء من الأهميّة، فلا أضنّ على الكتاب بذكر ما طرأ عليّ من معلومات لهذا الاسم. وكنت كثيرا ما أسعى جاهدا للتعريف بكلّ ما يرد من أسماء، فاذا ما سدّت السبل في وجهي، أعمد إلى تعريف ما نسب إليه أو ترجمة اسمه أو نسبته كالبنجد هي المنسوب بالفارسية إلى القرى الخمس، وقد ينسبون إليها بالعربية فيقولون: خمقري. والقهستاني أي للمنسوب إلى المناطق الجبليّة في ايران، ومثل ذلك الرّزجاهي والبستي والبرقعيدي. على أنني لا أدّعي الاحاطة في كشف الأسماء التي مرّت، فمعرفتنا بكتب الأعلام تزداد كلّما عثرنا على مخطوطة جديدة تأخذ الأسماء من ناحية خاصة تميزها من غيرها. ويرى القارىء الفهارس موضحة، تسهّل عليه ما يرتئي؛ فهناك فهارس للأشعار، وفهارس للأمثال، وفهارس للألفاظ الفارسية المشروحة في حواشي الأجزاء، وفهارس عامة للأعلام، وفهارس للأماكن والقبائل. راجيا المولى أن تكون طيّعة المأخذ على المطالع، سهلة التناول للأديب.

стр. 1486

وما فعلته في مسألة الأعلام فعلته كذلك في الألفاظ الغريبة التي كانت تعترضني في المتون، فسعيت الى شرحها ليسهل النصّ، وهو هدفي الأول والأخير. وبحثت بين المعاجم لأجعل أحدها مستندي الاوّل فكان «القاموس المحيط» . غير أنّ اللفظة قد يتعذّر كشفها فيه فأعود الى «تاج العروس» أو تتطلّب شرحا أوفى فأرى «اللسان» ، وقد تحتاج إلى المعنى المجازي فأقبل على «أساس البلاغة» . واذا كانت اللفظة تحتاج الى الدّقة أبحث عنها في «مقاييس اللغة» . كما لم آل جهدا في البحث عن اللفظة الواحدة في أكثر من معجم إذا احتاج المعنى. وكنت أضع للفظة معناها المناسب في النص، ولذا فانني شرحت اللفظة أكثر من مرّة في أكثر من مكان، على أنني كنت، أحيانا، أقدّم لها بعض الشرح المعجمي إن احتاج الأمر إلى ذلك لاستقامة المعنى. أمّا الألفاظ الفارسية، وهي كثيرة، فقد اعتمدت «فرهنك «١» معين» لأنه أكبر المعاجم الفارسية احتواء للمعاني، وأكثرها صحة وشهرة وتناولا. ولكنني كنت أميل كذلك إلى «المعجم الذّهبي» «٢» لأنه معجم فارسي عربي، فلعلّ المطالع العربيّ يرغب في مراجعة فارسية. ولم أتوقّف، في بعض الأحيان عند هذين المعجمين، فقد لا يذلّل اللفظ فيهما، فأميل إلى معاجم اختصاصية، أو إلى كتب المعرّبات كالمعرّب للجواليقي أو الألفاظ الفارسية المعرّبة لإدّي شير، على الرغم مما فيهما من انحراف عن المعنى الأصلي، أو جمود على المعنى القديم. وكنت في كل الأحوال، وبعد كل لفظة مشروحة أذكر اسم المعجم الذي استندت إليه ليسهل على المرء التأكّد مما وصلت إليه. وقد أفادتني ثقافتي الفارسية في حل كثير من الأمور، لفظيّة وشعرية وفكريّة ودينية، فلم أتوان عن شرحها غيرة مني على كمال العمل وإظهار الدمية بالمظهر اللائق. كل ذلك كنت أذكره في الحاشية الثانية. وكنت كذلك أسمّي البحر العروضي في مطلع كل قصيدة أو قطعة تسهيلا. وكانت تعترض بعض الأبيات أخطاء عروضية فأصلحها، وأشير إلى

стр. 1487

ذلك في الحاشية، كما كنت أشير في الحواشي إلى اضطراب الوزن لا سيما إذا كان تصليحه يخلّ بالمعنى أو يبعده. وقد وقفت حيال بعض الأبيات المغلقة الغامضة، وحرت فيها حيرة الجندي المترصّد إحدى القلاع يريد اقتحامها ولا يتمكّن. فحاولت تذليل بعض الأبيات، كما سعيت إلى فكّ بعض أطرافها الأخرى، تاركا ما تعذّر عليّ لمن أحب أن يخوض غوامض هذا السّفر بعد أن أغلقت دوني. وقد أعددت دراسة مفصلة للدمية من حيث المنهج، والهيكل، ومادة التأليف، وطريقة روايته، وطبقات الشعراء الذين روى لهم. وبينت فيها مكانة الدمية بالنسبة إلى مثيلاتها من المجموعات الشعرية التي سبقتها أو جاءت بعدها. كما شرحت قضية تذوق مؤلفها النقدي، واستشهدت على ذلك بكلامه نفسه. وختمت دراستي بأسلوب الباخرزي كاتبا من وراء نثره الذي عرّف به الأدباء، أو درس به بعض القضايا. أما دراسته شاعرا فليست من صلب هذا العمل، ويمكن الرجوع فيها إلى كتاب خاص كتبته عنه. وأضع في هذه السطور كلمات شكر وامتنان لكل من شدّ من أزري، وأتاح لي فرصة تسهيل المهمة كالأخ «محمود كنفاني» صاحب دار الحياة، وتلميذي الأستاذ «نسيب نشاوي» الذي مدّ يد العون إلى الفهارس، وللعلامة الكبير «أحمد الجندي» الذي تفضل بالإشراف على طباعة الجزء الثاني مقدرا ظروف غربتي. أما الناقدون. فلهم شكر خاص إذ حفزوني على العمل، وأوضحوا لي الأمل. على أنني في دراستي، وفي تحقيقي لا أدّعي الإحاطة، ولا يمكن لامرىء

стр. 1488

أن يخرج مثل هذا السفر إلى النور دون أن تقع له زلّات. فقد ذكرت أن النسخ كانت قاسية، وأن بعض الأبيات كان حرونا. واعترافي بقصوري لا ينمّ على العجز المستحيل، وإنما يفصح عن رغبة في الاستفادة من النصح والتنقيح، سعيا وراء تحسين هذا الانتاج الكبير الذي يتطلب أكثر من مشتغل متفرغ، ليكون المتن صحيحا بفيد الأدباء، والدراسة شاملة الأطراف تمهد للمتأدبين خوض هذه الموسوعة. و «لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها» بنغازي: ٢٧/ربيع الاول ١٣٩٤ ١٨/نيسان ١٩٧٤

стр. 1489

الفصل الأول ترجمة المؤلف ١- على بن الحسن الباخرزي اسمه وكنيته ولقبه: هو نور الدين أبو الحسن علي بن الحسن بن أبي الطيّب الباخرزي «١» . وقد نسب إلى بلدته «باخرز» حيث ولد فيها ونشأ، وأخذ قسطا من علومه. أما تكنيته ب «أبي الحسن» ، فهذا ما ذكرته سائر كتب الأدب والتاريخ التي تعرّضت لحياته أو لترجمته، أو سجّلته أغلب الصفحات الأولى أو الأخيرة من النسخ المخطوطة التي تناولها تحقيقنا. بيد أنّنا عثرنا على كنية أخرى له هي «أبو القاسم» يرويها لنا ياقوت عن أبي الحسن البيهقي بعد أن يذكر أنه «أبو الحسن» . ولعلّ مما يثبت صحّة هذه الكنية مخاطبة البارع الزوزني إيّاه: أبا قاسم لازلت فينا عطيّة ... من الله لا أمست يد الدّهر مجذوذه والبيت رواه الباخرزي في دميته، وكذلك فعل أميرك الكاتب. ولا غرابة في أن يكون للباخرزي كنيتان، لأننا كثيرا ما نصادف في كتب التراجم العامّة عدة كنى لشخص واحد، فقد يكنى المرء منهم بولدين له، أو يكنى بكنية دون ولد، ويكنى بالأخرى باسم الكبير أو الشهير من أولاده. على أننا نرجّح أن تكون كنيته «أبو الحسن» جاءت من اسم أبيه «الحسن» وإلى ذلك أشار في ديوانه:

стр. 1490

لقد كنت أعرف بابن الحسن ... فلقّبني العشق بابن الحزن باخرز: قال صاحب اللباب: باخرز، بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء وفي آخرها زاي معجمة. أصل اسمها «بادهرزه» (ومعناه بالبهلويّة: مهبّ الرياح) . وهي مقاطعة في خراسان (أفغانستان الحالية) ، تقع على نهر هرات جنوب الجام، ما بين هرات ونيسابور. تشتمل هذه المنطقة على مئة وثمان وستين قرية منها «جوذقان» وقصبتها «مالين» ، وهي كذلك سوقها الرئيسي. وتعتبر هذه المقاطعة من المناطق الخصبة المشتهرة ببساتينها، وكانت في القرن الرابع الهجري من أكثر المناطق تصديرا للحبوب. خرج منها جماعة كثيرة من أهل الأدب منهم: أحمد بن الحسين وتاج الدين اسماعيل وسيف الدين المظفر الباخرزي وعليّ بن الحسن الباخرزي صاحب «دمية القصر» وكان أبوه أديبا فاضلا. أبوه ومقامه: أجمعت الكتب التي روت أخبار الباخرزي على أنّ أباه هو الشيخ «أبو علي الحسن ابن أبي الطيّب» «١» ، وانفرد أحد شعراء الدمية واسمه «أبو علي الحسن بن عبد الله العثماني» بتكنيته بأبي أحمد عندما ذكره في بيته: إنّ كلام أبي أحمد الحسن «٢» ... أسا كلام الهموم والحزن ولم يعلّق الباخرزي على ذلك مما يدلّ على أنّ الأب، كالابن، ذو كنيتين. ولقد تبيّن لنا لدى ذكره في الدمية، واستشارة الابن أباه في بعض الأمور الأدبيّة، ومن الترجمة المستفيضة التي عقدها الباخرزي في أبيه مع مقتطفات من شعره ونثره، أنه شاعر فاضل «٣» ، ذو مقام أدبي ومعرفة بانتاج عصره.

стр. 1491

كما أننا كثيرا ما نعثر في ثنايا الدمية على مقتطفات من شعره يوردها ابنه مقارنا بها شعر بعض شعراء عصره. وقد انفرد الثعالبي بتعريفه فقال: «فتى كثر الله فضائله، وحسّن شمائله. فالوجه جميل تصونه نعمة صالحة، والخلق عظيم تزينه آداب راجحة والنثر بليغ تضمّنه أمثال بارعة، والنظم كله أحاسن لامعة» «١» ونرى أنّ الباخرزي استشهد لأبيه بنيّف وعشرين قطعة في أثناء ترجمته فقط. ومع أنه قال عن أبيه إنّه ضنين بالمدح فإنّ الغالب على هذه القطع المديح. وتزيدنا صلة الأب بعدد من شيوخ الأدب واللغة والمساجلات الشعرية التي كان يعقدها معهم معرفة وتقديرا، ثم تفهّما للحياة التي عاشها الباخرزي. فلقد كانت تجري محاورات شعرية بينه وبين الثعالبي مثلا، أيام كانا لصيقي دار في نيسابور «٢» . علمه وأخباره : لم تسعفنا كتب التراجم بشيء ذي بال عن أخبار الباخرزي، كما ضنت بحديثها عن ترجمة حياته، بل جلّ ما قالوه كان أوصافا وتعابير عامّة وغير هامّة، ولم تتعدّ أخباره في كتب الأدب عدة أسطر، وأغلبها يقول إنه أحد كتاب الرسائل المعروفين في الكتابة والانشاء، والقادرين على الصياغة والسبك «٣» . وإذا حاول الباخرزي الاعتراف بفضل معاصريه بأن جمع شتات أشعارهم، فإنّ مؤرخي الأدب في عصره أو بعد عصره لم يعترفوا بهذه الهمّة العليّة، ولا بهذه الأعمال الأدبية.

стр. 1492

كانت حرفة الكتابة حرفة ذوي البراعة الأسلوبية، وكان الأمراء يوظّفون فقط أصحاب القلم، لذا نراه يتنقّل في عدد من الدواوين الكتابية (كبغداد والبصرة ونيشابور) تبعا لتنقّله في البلاد، بحثا عن المعلومات. وتكاد الأسطر، التي ذكرت صنعته تركّز على أنه، بعد أن ترك حلقة الشيخ «عبد الله بن يوسف الجويني» ، شرع في فن الكتابة واختلف الى ديوان الرسائل «١» . ونبحث عن أول وظيفة له ذكرتها الأخبار، فنراها عمله لدى الوزير الصاحب «أبي عبد الله الحسين بن علي بن ميكائيل» «٢» في العراق وآذربايجان «٣» . ويحكي لنا الباخرزي نفسه أنه انتقل بعد حين الى خدمة الصدر الأجلّ «محمد ابن الحسن» . وإذا كنا نعلم أن الوزير الأول شرع في أعماله الوزارية منذ سنة ٤٣٦ هـ- ١٠٤٤ م، وكنا نعلم أن الباخرزي عقد العزم على السفر سنة ٤٣٤ هـ- ١٠٤٢ م، كما سيجيء بعد، أدركنا أنّ الباخرزي وظف في السنوات الأولى من رحيله. وتنفتح لنا الأخبار عن أعمال الباخرزي بشكل أوضح أثناء وزارة الكندري الذي تعرّف إليه أثناء تلمذتهما على الشيخ الجويني، فإذا علمنا أنّ هذا الوزير تسلّم أعماله الوزارية سنة ٤٤٨ هـ- ١٠٥٦ م «٤» اتضّح لنا أنّ الباخرزي ظلّ مدة وجيزة يعمل في دواوين طغرلبك الديوانية إلى ما بعد ذلك الحين، حيث شغل منصب كاتب في دواوين البصرة. وننتهز فرصة معرفتنا خبر علاقته بهذا الوزير لنذكره، ثم نعتصر منه صلة الوزير بالكاتب قبل العمل وبعده، واهتمام الوزراء بالكتاب والشعراء في ذلك الحين. فقد

стр. 1493

ذكر ياقوت، نقلا عن البيهقي في «مشارب التجارب» ، أنّ الباخزري كان شريك «الكندري» في مجلس الافادة من الإمام الموفّق النيسابوري سنة ٤٣٤ هـ، فهجاه الباخرزي مداعبا: أقبل من «كندر» مسيخرة ... للنحس في وجهه علامات فهو الجحيم، ودبره سعة ... كجنّة عرضها السماوات قال البيهقي وكان أول عمل «الكندريّ» حجبة الباب، ثم تمكّن في أيام السلطان طغرلبك، وصار وزيرا محكّما، فورد عليه الشيخ «عليّ بن الحسن» وهو ببغداد في صدر الوزارة في ديوان السلطان، فلمّا رآه الوزير قال: أنت صاحب «أقبل» ؟ قال له: نعم، فقال الوزير: مرحبا وأهلا، فإني قد تفاءلت بقولك «أقبل» . ثمّ خلع عليه قبل إنشاده وقال له عد غدا وأنشد. فعاد في اليوم الثاني، وأنشد قصيدته: أقوت معاهدهم بشطّ الوادي ... فبقيت مقتولا، وشطّ الوادي «١» وتفاجئنا الروايات بعد ذلك بأنّ الباخرزي عاف الأعمال الديوانيّة، واعتزل الناس، وانعزل عن الحكم ليختار الصّحب والظرفاء ومجالس الأنس لمعاقرة ابنة الكرمة «٢» دون أن تذكر لذلك سببا. والمرجّح أنه أحبّ التفرّغ لكتابة دميته بعد أن مات سيده طغرلبك ٤٥٥ هـ- ١٠٦٣ م. مقامه وأدبه: يعدّ الباخرزي أحد الأدباء من ذوي اللسانين العربي والفارسي «٣» المشهورين في العصر العباسي السلجوقي أي في القرن الخامس الهجري، وإن

стр. 1494

كان لسانه العربي أقوم وأكثر نتاجا. وقد عرف بأنه حسن الخلق، عالي المرتبة «١» ، جميل الطلعة «٢» . وكان أديبا فاضلا، وبارعا لطيفا «٣» . خاض ميدان الفصاحة وساحة السماحة «٤» . وكان أوحد عصره في فضله وذهنه، والسابق الى حيازة القصب في نظمه ونثره «٥» ، كما كان رأسا في الكتابة والإنشاء والفضل «٦» . كان الباخرزي سنّيّ المذهب، على مذهب الغزنويين والسلاجقة المعاصرين له، غير متعصّب لسنيّته، مما رأيناه قبل صفحات في «الوضع الديني» . إلا أننا نراه أحيانا، من ثنايا دميته، ينتصر لسنيته إذا ما فوجيء بأحد الأدباء الشيعة المغالين أو المتهجّمين على أحد من الصّحابة. كما كان كثير الصحبة والمعاشرة للأمراء والوزراء وأفاضل عصره كطغرلبك ونظام الملك والكندري والميمندي والجويني، مما يدلّ على رفعة مكانته وشهرته بينهم ومقامه الأدبي والاجتماعي. مقتله: بينما كان الباخرزي في أحد مجالس الأنس التي كان يعقدها مع ندمائه وصحبه، غافله غلام تركيّ، وطعنه بسكين أردته قتيلا. ولم تعرف هويّة القاتل، ولا السبب الداعي إلى قتله. وذهب دمه هدرا في بلدته «باخرز» ،

стр. 1495

وذلك في ذي القعدة ٤٦٧ هـ- ١٠٧٤ م «١» . ويشير العوفي إلى أنّ قتله حصل سنة ٤٦٨ هـ- ١٠٧٥ م. ويحكي القزويني قصة عن سبب قتله، يفوح منها عبير الخيال الذي امتازت به كتب التاريخ والجغرافية في تلك الأيام. مفادها أنّ السلاجقة أقطعوا «باخرز» لأمير، زوّج امرأة من نساء بني سلجوق، فرأت أبا الحسن، وقالت: «أتى رسول الله ﷺ ، في المنام على هذه الصورة» . فصار محظوظا عندهم، وآخر الأمر قتل بسبب هذه المرأة. وصار حسن صورته وبالا عليه، كريش الطاووس وذيل الثعلب «٢» . على أنّه، وإن كان يحصل مثل هذا أحيانا، يستبعد أن تعشق أميرة رجلا قطع نيّفا وخمسين سنة من عمره، أمّحى بها من وجهه رونق الشباب وغطّت هيبته ما تبقّى من رجولته. ولعلّ بعض الحسّاد أو الحشاشين كان ذا علاقة بقتله لعلاقته بنظام الملك والسلاجقة وهم، على ما نعلم، أعداء الإسماعيليين. مؤلفاته: حاولنا جهدنا معرفة آثاره التي كتبها، فلم نهتد إلّا إلى أسماء بعضها، وهي: ١- «دمية القصر وعصرة أهل العصر» : وهي محور حديثنا. ٢- كتاب في «شعراء باخرز» : لم يصل إلينا، ولا نعلم من أمره شيئا، إلا تصريحه في «الدمية» : «وكنت في حداثة الصبا أفردت لشعرائها كتابا» . ٣- ديوانه: وقد طبعناه عام ١٩٧٣.

стр. 1496

٤- غالية السّكارى: وهو في صفة أو حال نيسابور. ولم يبلغنا منه شيء إلا ما ذكره الباخرزي نفسه في مقدّمة حديثه عن طبقة نيسابور في الدمية، كما أشرنا إلى ذلك في «أسلوب الباخرزي من دميته» . ٥- «الأربعون في الحديث» «١» : وقد ذكره مؤلف كتاب «معجم المؤلفين» ، ولم نعثر على المصدر الذي استند عليه. ٢- نشأنه العلمية وشيوخه لم تذكر لنا كتب الأدب شيئا عن نشأته العلميّة ولا عن شيوخه إلا النذر اليسير كإشارة ياقوت إلى الشيخ الإمام الموفّق النيسابوري عرضا لدى ذكره خبرا من أخبار «الكندري» معه «٢» . غير أنّ الخبر لم يشر إلى نوعيّة الفائدة ولا إلى المدّة التي قضاها في حلقته. ولم تعرّفنا كتب التراجم عن ماهيّة هذا الإمام ونوعيّة ثقافته، لنستشفّ من ورائها العلوم التي أثّرت في الباخرزي. ويعتبر الشيخ «أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني» «٣» أبرز الشيوخ الذين تتلمذ الباخرزي على أيديهم في نيسابور «٤» . فقد أخذ عنه فقه الشافعي وسمع الحديث والأدب «٥» .

стр. 1497

وتحدّثنا الدمية أنّ أباه كان شيخه الأول بما عرف عنه من فضل وأدب وشعر. لذا فإننا نراه، بعد أن يكتشف في ابنه معالم الرغبة العلمية والحرص على الافادة من الدروس، يعكف على تثقيفه بنفسه، ويبحث له عن شيوخ يعلّمونه ويوجّهونه. وعلى الرغم من وجود الإشارة الواضحة في تاج الدمية ومقدّمتها، إلى أنّ أباه هيّأ له سبل التعليم، فإننا نتساءل: وما نوع العلوم التي جناها الباخرزي؟ ومن هم الشيوخ الذين حلّقهم أبوه حوله؟ وماذا علّمه أبوه؟. ولا ندري بماذا نجيب عن تساؤلاتنا! غير أنّ بصيصا من نور يلمع عندما يقول الباخرزي نفسه إنّه فرغ من حفظ القرآن الذي كان مرحلته الأولى في التعلم، ليبدأ بعدئذ دراساته في الكتاتيب ولدى الشيوخ، وليبدأ كذلك بمطالعاته الخاصّة «١» . ويتوضّح هذا البصيص من النور أكثر عندما نلمح، من بين سطور الدمية أنّ أباه كان على صلة بخيرة أدباء ذلك الزمان، وكثيرا ما كان يقوم الابن بصلة الوصل بينهما، فيحمل المساجلات الشعرية والاخوانية أو يجالسهم في منادماتهم الأدبية. وعلى هذا فإننا نعلم أنّ الباخرزي كان يستقي الأدب من جلساء أبيه كالثعالبي فكان أن انطبع هذا الجوّ الأدبي في نفس الباخرزي. لتخلق في نفسه قصّة الدمية إثر زياراته المتكررة لمكتبة الثعالبي، واطّلاعه على مسوّداته. غير أن الباخرزي الذي استعدّ للرحيل سنة ٤٣٤ هـ- ١٠٤٢ م، نراه يسدّ علينا طريقة كسبه العلمي. وإذا علمنا أنه استقى في نشأته القرآن والفقه والحديث وشيئا من الأدب، فإننا لم نعد نعلم شيئا بعد ذلك. ولا يعني الغموض الذي جوبهنا به أنّ الباخرزي توقّف غبّ الرحيل

стр. 1498

عن البحث والدرس، فقد صرّح كثيرا أنه تتلمذ على بعضهم، ودرس على آخرين. واستفاد منهم عندما كان يجمع تراثهم. وقد استطعنا أن نقسم نوعيّة ثقافته بعد الرحيل إلى اثنتين؛ الأولى استقاها من الأساتذة الذين أعلن أنه تتلمذ على أيديهم. والثانية من الأدباء العلماء الذين زارهم، وأخذ عنهم أشعارهم أو أشعار من رووا له أو من رواته الذين كرر زياراته لهم لينقل منهم محفوظاتهم ويكفي أن نستعرض أسماء الأدباء الذين قابلهم أثناء تدوينه انتاجهم، لنقدّر نوعية الفائدة التي جناها. من هؤلاء: الثعالبي، ابن فارس، عبد القاهر الجرجاني، ابن برهان، ابن كرّام، «١» وقد برز أثر ذلك كلّه في تضاعيف الدمية. ولعلّ القارىء المتابع لمس في اتجاهه النقدي الأدبي والبلاغي واللغوي والنحوي تأثرا بما تعلّمه، ووضوحا في ما كتبه، ناهيك عن الأدباء الذين صقلوا ذوقه، وهذّبوا معرفته بشعرهم ونثرهم. ولن ننسى أهميّة المكتبات التي رادها، وما حوت من ذخائر العرب، ولا زملاءه الذين عاشروه في مهنته الكتابيّة. ونراه يهتم بأولاده، ويشرف على تربيتهم، ويعيّن لهم بعض الأساتذة. ويدل هذا طبعا على تفهّمه مكانة الأدب، وغيرته على الثقافة للأبناء. كما يدل على ثقافته وتعمّقه، تماما كما فعل معه أبوه وقت كان يافعا. وبعد، فقد استطعنا بعد هذا العرض أن نلمّ إلمامة موجزة بنشأته العلمية قبل رحيله وبعده، من شيوخه وأساتذته وزملائه والوارد عليهم، ووضعنا بين يديك أسماء أهمّ الشيوخ الذين جاد عليه الزمان بهم. على أننا لم نتمكّن من كشف اسم شيخ لصيق به، ولم نجده قد تطبّع أو تبحّر أو تأثر بأحدهم الأثر الذي يجعلنا نقرّ له بالتلمذة التامة عليه. ويرجع

стр. 1499

سبب ذلك إلى كثرة تنقّله بين البلدان بعد بدئه الرحيل. غير أنّ الذي لا شكّ فيه أنه أخذ من كل فنّ طرفا، وجمع شتات العلوم المعروفة في عصره، ودمجها في نفسه، وبانت نتائجها في دميته من علم وذوق وشعر وأدب. ٣- تجواله العلمي أحسّ الباخرزي أنّ العبء الذي صمّم على تحمّله في سبيل صياغة دميته، ينضوي تحت جهد جهيد، وتجوال بعيد الأرجاء ليصل إلى مبتغاه، ويحقّق الهدف الذي ينشده. ولكنّ كتب الأدب التي ضنّت علينا بالترجمة الضافية عن حياته ونشأته ضنّت أكثر في قضية هذه الرحلة العلميّة. وعندما تقصّينا قضية الرحلة، نظرا إلى أهميّتها، من خلف السطور التي لفّها عن الشعراء، وفي أثناء مقابلاته لرواة مصنّفه، عرفناه أديبا جوّالا «١» لا يقلّ عن غيره من الأدباء الذين كانوا يرحلون في سبيل جمع نتاج من يقابلون. وإذا ما جمعنا أسماء البلاد التي ذكر أنه زارها، أو قابل فيها فاضلا أو راويا، أو راجع في إحدى مكتباتها ديوانا، عرفنا أن عدد البلاد بلغ تسعة عشر بلدا بين قرية وعاصمة، هي: باخرز ونيسابور وزوزن وبوشنج وطوس ودهستان وجرجان وجوذقان وطبسان وسداسير والبصرة وبغداد وسرخس ومرو والري وخراسان واسترباذ وهرات واشكيذبان «٢» ، وكلها مذكورة في المصوّر. وهي، على كثرتها، أقلّ مما يتوقّع أن يكون قد زار، فقد يكون

стр. 1500

سها عن ذكر بلد ما، أو أنسته الأيام ذكرها، أو أهمله، أو مرّ به ولم يجد فيه بغيته. على أننا نرجّح أنه لم يزر بلاد الشام ومصر والجزيرة والحجاز، لعدم وجود ذكر واحد لهذه المنطقة، ولكثرة الرواة الذين أملوا عليه شعر تلك المناطق وإذا راجعنا هذه الأسماء وجدنا أنه مرّ بعدد منها أكثر من مرّة وخاصة نيسابور وزوزن وخراسان والري. وقد تصادفنا تعابير ذكرها الباخرزي، مفادها أنه ترك بلدا ليستقبل آخر، وهذا يلقي ضوءا على اتجاهه في رحلته كما في قوله: «واتفق أني وافيت نيسابور منصرفي من البصرة «١» . ونراه في المقدّمة قويّ العزيمة، شديد الشكيمة من أجل السفر. يستسهل الصعاب ويتحمّل وعثاء الرحيل ومخاطره ليبلغ مبتغاه. غير أنّ المهمّة الشديدة لم تكن من أجل أيام أو شهور أو حتى سنوات قليلة. فقد كانت النيّة منذ البدء أن تكون الرحلة طويلة الأمد، وإلا لما كان هذا الوداع الذي لقيه من صحبه ومودّعيه حارا، ولما انهالت الدموع هكذا غزارا «٢» . وكم كنّا نودّ معرفة سنة ولادته لنرى عمره أوان الرحيل. غير أننّا نستشفّ من كلامه أنّ الرحلة بدأت سنة ٤٣٤ هـ- ١٠٤٢ م، وهو ما زال في سنّ الشباب اليافع، ودون العشرين «٣» . وإذا عرفنا أنه حطّ عصا الترحال سنة ٤٦٤ هـ- ١٠٧١ م في نيسابور عرفنا أنه قضى ثلاثين سنة في رحلته دون أن يتوقّف عن الترحال والتجوال إلا بعد أن هدّه التعب وفضحه الشيب «٤» . وقد

стр. 1501

وضع الباخرزي مخططا منظّما لأهم المحطّات التي حطّ الرحال فيها، وذكر لنا أهمّ الأسماء التي قابلها في تلك البلاد «١» . وبعد ذلك يعود فيذكر منتخبا آخر من الأسماء قابلها في تلك البلدان نفسها. وإذا قرنّا بين الأسماء التي قابلها علمنا أنه ذكر في البدء ذوي الشهرة، وفي الثانية من هم أقلّ مرتبة وانتاجا ومكانة. وكنا في بعض الأحيان نراه يذكر لقاءه هؤلاء الأفاضل مشفوعا بالسنوات، وهذا فضل (على قلّته) يضيء لنا الكثير من الأمور المتعلقة بجولته هذه، ففي بغداد مثلا قابل ابن برهان النحوي سنة ٤٢٥ هـ، وفي نيسابور قابل أبا سعيد سنة ٤٦٦ هـ. كما قابل عبد الصمد الطبري في نيسابور سنة ٤٢٥ هـ. وقد يخبرنا أنه طالع في بعض هذه البلدان، غير الأفاضل والشعراء بعض الكتب، وزار المكتبات. وهذا يلقي ضوءا آخر مهما على طريقة بحثه ونقله واهتمامه. حاولنا تصوير تجوال الباخرزي الطويل في هذه الصفحات القصار. وعلى الرغم من أنّ رحلته في الأصل كانت في سبيل جمع المعلومات ومقابلة الأعلام والشخصيات، فإنه يحسن أن نعلم أنّ التجوال يحتاج إلى كنز لا يزول. ولم يكن الباخرزي من تلك الأسر الغنية. لذلك نجده يتنقّل من بلد الى بلد آخر، ويشتغل فيه ليسدّ به رمقه، ويقيم أوده في خدمة بعض الأمراء، في الدواوين أو في المكتبات أو في نسخ بعض الكتب. وقد نجده يرحل في ركاب بعض الأمراء، ونظام الملك خاصة، فيستغلّ هذه الرحلة في سبيل جمعه المعلومات، وتدوينه المنظومات كقوله: «وطئت البصرة في جملة عميد الحضرة» «٢» . ٤- ملامح ثقافته بعد أن استعرضنا نشأته العلميّة، وتعرّفنا على ركائز ثقافته في الصفات

стр. 1502

السابقة، تتساءل: وما أثر ذلك في دميته؟ وهل هناك ما يلقي ضوءا على العلوم التي جناها؟ فمن البديهي أن تنطبع في نتاج الكاتب الثقافات التي جمعها، والفنون التي عاصرته. أوّل ما يطالعنا في الدمية أنّ صاحبها حافظ القرآن والحديث، مطّلع على الأدبين الجاهلي والإسلامي، ناهيك عن أدب عصره الذي عاشه ونقله، فتناقله الناس عنه. ثم هو نقّاد لغوي وأدبي وبلاغي، إذ كانت ثقافة الأديب في العصر العباسي هي «الأخذ من كلّ علم طرفا» . وبعد أن ننعم النظر في الدمية نعلم أنّ الباخرزي أديب ناضج الأدب، متصنّع تامّ الصنعة (وذلك بما يناسب رغبات الفترة التي عاشها) ، عليم بحاجات العصر الأدبيّة. ونكتشف في الباخرزي مقدرة على سكب معرفته في قالب كتاباته، فنراها معروضة عرضا مباشرا حينا، وحينا آخر منثورة نثرا غير مباشر، فقد يستشهد بالآية أو بالبيت أو بالخبر استشهادا «١» ، أو يقتطع بعض ما يستشهد به أو يلمّح عنه تلميحا «٢» . ويدلّ إكثاره هذا على مقدرة بارعة في الباخرزي أو تعمد وتظاهر. وقد نجده يكتشف سرقة أو اقتباسا أو تضمينا؛ فإذا مرّ ببيت البركزدري: تفث المرء حيث يقضى حلال ... وجمال يحقّ أن نقتنيه فإنه سرعان ما يقول لك: «قد أحسن الإقتباس» «٣» . ومقدرته على الكشف ليست في القرآن وحسب، بل يتعدّى ذلك إلى الأدب عامة، شعره ونثره وأخباره. وهو عندما يريد أن يكتب أو يترجم لأحد من الأدباء نراه يكثر من الامثال العربية مبذولة في عرض كلامه، كقوله: «فأجراها أحسن مجاريها، وقل في القوس أعطيت يد باريها» من المثل المعروف: «أعط القوس باريها» . وهو عندما يريد أن يعرّف بأحد الشعراء، لا يقول

стр. 1503

لنا إنه شاعر غزل يسحر ألباب الغانيات، بل يقول لك: هو كابن ربيعة، أو إذا كان مدّاحا شهيرا مدحه بأنه كحسان «١» . وهذا يدلّنا، طبعا، على اطلاع واسع على ما حوت المكتبة النظامية بنيسابور أو دار العلم ببغداد أو المكتبات الخاصة لعدد من الفضلاء الذين زارهم وترجم لهم أو انتخب من مؤلفاتهم التي طالعها. على أننا نجد الباخرزي أحيانا يستشهد ببعض الأشعار، دون أن يذكر لنا أصحابها ودون أن يلمح إليهم. فيعسر علينا كشفهم، ونحار، أهي من أشعار؟ أم من أشعار غيره؟ وقد يحدّثنا الزمان يوما عن قائلها بعد أن يكتشف ما عزّ كشفه من المخطوطات العربية. فاذا عرضنا بعض ثقافة الباخرزي، وأدركنا مقدرته الفنية في استخدامها، وأضفنا إلى ذلك علمه بالنقد الأدبي والبلاغي والنحوي أجمعنا، على أنه أديب وشاعر وناقد.. طالع علوم عصره وسكبها في كتاباته وترجماته وقدّمها لنا سائغة العرض، ليّنة السّواغ. ٥- مصادر الباخرزي تيسّر للباخرزي في أثناء تجواله العلمي، أن يطّلع على كتب عفّى عليها الزمان، ودواوين فقدتها الأيام. وقد شاءت الأقدار أن تمنّ علينا بالباخرزي وأمثال الباخرزي، ليعرّفونا بالكتب والدواوين، وبالمكتبات العامرة في تلك الأيام، التي ضاع أغلبها الآن. واطّلاعه على المكتبات الكثيرة يدلنا على غزارة المفقود من شعرنا العربي وأدبه، وهو- كذلك- برهان على مدى ثقافته، وعلى سعيه الزائد لنشدان الدقّة في الجمع والتبويب. ومن أهمّ الكتب التي كان اعتماد الباخرزي عليها، كتابان حويا نماذج من الشعر والشعراء لا تحصى، فيحدونا الأمر على أن نضعهما في مصاف كتب الأدب والتراجم الكبيرة، الأول هو «جونة الندّ» تأليف «يعقوب بن أحمد النيسابوري» ، والثاني هو «قلائد الشرف» تأليف «أبي عامر الفضل بن اسماعيل الجرجاني» ، وكلا المؤلفين من أوائل رواته المعتمدين بالاضافة إلى

стр. 1504

كتابيهما. كما أنه لطّلع على كتاب «طراز الذهب على وشاح الأدب» تأليف «أبي المطّهر» ، والكتب الثلاثة مفقودة مع الأسف. وقد يذكر الباخرزي المكتبات التي قرأ فيها دواوين الشعراء، ويمكننا بها أن نقف على حرصه في البحث، وكذلك على عناية الأدباء بتأسيس المكتبات الخاصة، وعلى عناية الأمراء بتأسيس المكتبات العامّة، ومن أهم المكتبات التي رجع إليها واشتغل بها «بيت الحكمة» «١» ودار العلم وخزانة عميد الملك والخزانة النظامية بنيسابور ومكتبة الشيخ ناصح الدولة الفندورجي. فإذا أضفنا إلى عشرات الدواوين التي مرّت بنا، عشرات المدن التي جابها بمكتباتها وبأفاضلها وعشرات الرواة الذين نقل عنهم، أدركنا قيمة الدمية من حيث احتواؤها، ومن حيث حرص الباخرزي على الصدق في الأداء، وعلى التقصّي في الجمع. وعلى هذا فانّ مصادر الباخرزي الأولى في عمله هي: المكتبات والمؤلفات والاتصال المباشر الذي كان يعقده مع الأدباء أو مع رواتهم مستعينا على كلّ ذلك باللغتين العربية والفارسية. ٦- البلدان في الدمية يزيد الباخرزي دميته كمالا في تعريفه بالبلدان التي زارها، أو انتسب شعراؤه إليها. ومع أن شرحه هذا قليل بالنسبة الى مئات أسماء البلدان التي تمرّ بنا، فانّ له فضلا يشكر على هذا الشرح، ذلك أنّ أغلب هذه الأسماء بليدات صغيرة أو قرى نائية، استحال على الرحّالة السفر إليها، أو لم ينتبهوا الى مكانتها، ومن ثمّ شرح جغرافيتها وموقعها في مصنّفاته. على أنّ شرحه هذا مقتضب لا يتعدّى بعض الكلم، كقوله: «ولاز: من قرى خواف» و «قلندوش: من ناحية سرخس» «٢» .

стр. 1505

ولكننا نلقاه أحيانا يتعدّى الإيجاز ليطيل الأسطر والصفحات إطنابا في ذكر طبيعة بعض البلدان، وذكر وصف هوائها وجمالها وعلمائها، أو كثرة أو حالها كحديثه عن «زوزن» و «بخارا» و «نيسابور» . وقد يعقد لمزاياها الفصول، ويستشهد على أقواله بالأشعار والأقوال. بل إنّه صرّح لنا أنه ألّف رسالة في «أحوال أو حال نيسابور» وسماها «غالية السكارى» ، أورد قطعة صغيرة منها في الدمية. ٧- نظام الملك والدمية عرف نظام الملك في مدة وزارته كلها، والتي دامت ثلاثين سنة، أنه كان متعلّقا بأهل العلم والدين أشدّ التعلّق. وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والصوفيين، كما كان كثير الانعام عليهم، لذا فاننا نجد «الدمية» التي كتبت في زمانه، زاخرة بالقصائد التي تشيد بفضله وعلمه ورعايته. ولم يكن نظام الملك نفسه بعيدا عن المجال الأدبي فقد كان في بادىء أمره كاتبا في الدواوين، وله محاولات شعرية ونثرية «١» . برز الباخرزي في فترة التألّق الأدبي لعصر السلاجقة؛ عصر طغرلبك وألب أرسلان ونظام الملك. ولمس بنفسه عناية الأخير بالأدباء والعلماء، فذكر «٢» أنّ فضله هو الذي ساعد على كشف هؤلاء الأدباء. فما كان من الباخرزي، عندئذ، إلا أن ألّف الدمية وقدّمها إلى: «المجلس العاليى النظامي القوامي الرضوي، جاليا عليه حرة كريمة، وجالبا إليه درّة يتيمة.. ولو هبّ على هذه الخدمة من تلقاء الرأي العالي، زاده الله علوّا، رخاء الاقبال، عاش العبد في رخاء البال» «٣» . ولا نعلم ما إذا جنى الباخرزي ما تمنّى أولا. غير أننا على يقين من أن نظام الملك الذي لم يخيّب أمل أحد من الأدباء، لم يقصّر مع الباخرزي الذي كان تابعا له في الكتابات الديوانية.

стр. 1506

ولقد أورد الباخرزي ترجمة أغلب الشعراء الذين مدحوا نظام الملك، وينوف عددهم على الخمسين، وأفاض في ذكر شعرهم «النظامي» . أما أهم الصفات «١» التي ذكره بها الشعراء فهي عنايته بهم وبأدبهم، وفتحه المدارس، وفضله في شهرتهم وحدبه عليهم وبطولته الحربية، وحسن إدارته في الحكم، وإغداقه الزائد، وملؤه خزائن الكتب بالنفائس. ومن جملة من مدحه أبو غالب القمّي بقوله: أقام على شطّ الفرات كأنّما ... يبارى طوافي مائه بعطاء يسيل على أيدي العفاة قليبه ... بمال إذا سال الفرات بماء قوام الندى والبأس لا الدين وحده ... وسيد أهل الأرض لا الوزراء سأشكر ما أوليتني بمدائح ... تضوع كنشر الروض غبّ سماء ولعلّنا نغفر للباخرزي ترجمته لشعراء مغمورين أو لأفاضل لا يستحقّون الذكر (بالنظر لما أورد من شعر لهم) لأنهم فقط مدحوا نظام الملك، فقد قال في عبد الواحد بن الفضل: «هذا كلام في القلّة دون القلّة، وإنما أثبت لقدر الممدوح لا المادح..» «٢» .

стр. 1507

الفصل الثاني النسخ ١- الاصول التي وصلتنا «١» انتظرنا طويلا حتى تجمّعت جميع النسخ المطلوبة من شتى البقاع، وكانت كلّما وصلتنا رزمة من مكتبة أقبلنا نغترف منها ونقارنها بما جمعناه من أخواتها. حتى اكتمل العدد المطلوب من النسخ الأصلية للدمية. وقد جاءتنا على التوالي من: حلب، تركيّة، بريطانية، فرانسة، النمسة، إلى أن بلغ العدد اثنتي عشرة نسخة كلها على الميكروفيلم. فمن حلب جاءتنا نسخة من المكتبة الأحمدية، ومن تركية جاءتنا نسختان، الأولى من مكتبة «بايزيد» والثانية من المكتبة «السليمانية» ، ومن بريطانية جاءنا من المتحف البريطاني نسختان إحداهما مغربيّة، ومن النمسة جاءنا ثلاث نسخ، ومن باريس جاءنا أربع نسخ. وجلسنا الساعات والأيام نبحث عن الأم، وكنا نختار بين النسخة الجيدة الخط والنسخة القديمة العهد الصعبة الكتابة، إلى أن أثبتت النسخة السليمانية نفسها، وبرهنت على أنها الأم الأصلية لسائر النسخ. ١- النسخة السليمانيّة: «٢» وكانت تحت الرقم (رئيس الكتاب/ ٧٩٥) . وهي نسخة كاملة تقريبا في ٣٠٦ ورقات، كل ورقة صفحتان، والصفحة سبعة عشر سطرا، والسطر حوالي تسع كلمات. أبعادها ٢٠* ١٢، والمكتوب منها ١٥* ٩. كتب الناسخ أسماء الشعراء والأدباء بالمداد الأحمر، والتراجم

стр. 1508

بالمداد الأسود. وحررها بتاريخ ٥٧٢ هـ- ١١٧٦ م. وقد جاء في ختامها مايلي: «وهذا آخر الكتاب، كتبه أبو بكر محمد بن خلف بن علي بن عبد العزيز، تذكرة للشيخ الإمام الأجلّ الاوحد الاعز الأخص المقبل العالم المحترم فخر الدين شمس النحاة والأدباء اختيار الأئمّة، زين العلماء أبي بكر محمد بن الطيب ابن عبد الله بن عيسى الكرخي.. محرم سنة اثنتين وسبعين» . أي إن هذه النسخة الجيدة مكتوبة ومنقولة بعد مئة وأربع سنوات من عام مقتل الباخرزي. وعلى هذا فإننا نرجح أنها مأخوذة عن نسخة كتبت في زمان المؤلف نفسه أو عن نسخته الخاصة، كما أنها أقدم النسخ كتابة، وأكملها مادة، وأقلّها نقصا وحفرا في الأوراق. وهي منقوطة الحروف المعجمة، غير أنّ الناسخ كثيرا ما سها عن الاعجام أو أنه كان يعجم في غير محلّه، كوضعه نقطتي التاء تحت الحرف أو نقطتين للألف المقصورة، وكان يقصر الممدود أو يمدّ المقصور، ويضع ثلاث نقط تحتيّة للسين المهملة- وهذا كثير-، كما أنه قد لا يضع ثلاث نقط فوقيّة للشين المعجمة، فيكتب هكذا: الحسود، السرع ويقصد (الحسود والشرع) . وقد يضع الألف الفارقة لواو العلة مثل: يحدوا، يشدوا، يرجوا. ويرسم الباء تاء والتاء باء في بعض الأحيان. أو أنه يحذف ألف حياة وسليمان فيكتبها (حيوة وسليمن) إلى غير ذلك من أشكال لرسم الخط. وقد يسهو عن شاعر بأكمله، أو عن جملة أو بيت أو تعبير فنتلافى تقصيره من نسخ أخرى بعد الإشارة إلى ذلك طبعا. والنسخة، بشكل عام، غير مشكولة وشعرها ليس مقسّم الشطرات، فنراه يجمع البيت الواحد بسطر أو أكثر، أو يجمع البيتين المشطورين بسطر واحد، أو يعتبرهما غير مشطورين فيدمجهما في بيت واحد. غير أننا نجد بعض التشكيل للكلمات وهو مما نفعنا وأراحنا من التأويل والتخبّط. وكان نادرا ما يشرح الكلمة الغريبة أو العلم، وإذا مرّت مفردات مشروحة- وهذا زهيد جدا- فإنه يكتب تحت الشرح- في الهامش- الحرف (ح) دلالة على (الشارح) أو على أن الشرح من (الصحاح) ، ونرى

стр. 1509

أن الرأي الأول أفضل، وخطّ الشرح مخالف لخطّ المتن في غالب الأحيان، وهذا يدلّ على أن الهوامش أضيفت في زمان متأخر عن زمن الناسخ الأول. والغريب في الأمر أن هذه النسخة لا تشبه أية نسخة من النسخ التي بين أيدينا، وكأن النسّاخ الآخرين نقلوا عن أصول غير أصول هذه النسخة، وإن كان هذا الأمر حسنا من ناحية الوصول إلى تجويد الدمية وتكميلها فانه صعب من ناحية أخرى: ترى أكانت نسخة السليمانية أقدم أم النسخ التي نقل عنها النساخ الآخرون؟، وهل نقلت عن نسخة المؤلف الأصلية؟، وهل، عندما نقل، أوجز أو أطال؟ أسئلة لا يمكننا إلاجابة عنها حاليا، حتى ثكتشف نسخ أخرى أقدم من النسخة التي اعتبرناها أمّا للنسخ كلها. ٢- نسخة بايزيد «١» : وهي تحت الرقم (ولي الدين/ ٢٦٦٥٥) . هذه النسخة في ٢٠٧ ورقات، كل ورقة صفحتان، والصفحة بمتوسط خمسة عشر سطرا، قياسها ٢٠* ١٢، والمكتوب منها ١٣* ٦. وقد كتب في آخرها: «فرغ من تحريره يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة إحدى وثمانين وسبعمئة «٢» ، العبد الضعيف محمد بن محمود شاه بن محمد بن عبد الكريم القزويني..» . كما كتب على كعب الكتاب «تاج الكتاب في طبقات الشعراء العرب» . وهي نسخة بخط فارسي جيد وواضح، وقد كتب لنا الناسخ أسماء الشعراء بخط عريض بارز مما يسهّل العمل للمراجع. غير أنّ هذه النسخة ناقصة جدا، وخاصة من القسم الثالث فما بعد إذا ما قورنت بالسليمانية الأم فحذف منها شعراء، وسقطت أشعار وأدمجت قصائد وقطع لشعراء آخرين، وأخّرت ترجمات، مما جعلنا لا نوليها الاعتماد الكبير. وكأنها بهذه الأوصاف مختصرة. والمقارنة مع هذه النسخة نفعتنا من ناحية مهمة هي توضيح رسم أسماء الشعراء، وفكّ غموض بعض الكلمات.

стр. 1510

وقد وجدنا أبياتا فارسية على هوامش بعض صفحات القسم الخامس، حيث ترجم مقتنيها الفارسي بعض تلك الصفحات إلى الفارسية، ولكن الفائدة من ذلك العمل معدومة. وتوجد في مكتبة السليمانية نسخة طبق الأصل عن نسخة بايزيد تحت الرقم (عاشر أفندي/ ٧٩٥) لم نحتج إليها. ٣- نسخة الأحمديّة: هي من أملاك مكتبة «المدرسة الأحمدية» بحلب، تحت الرقم (١١٩٤) . وهي النسخة التي اعتمدها الشيخ المرحوم راغب الطباخ» . وهي؛ ١٦٤ ورقة متوسطة الحجم، وفي صفحتها واحد وعشرون سطرا، واحدى عشرة كلمة تقريبا في كل سطر. وهي نسخة كثيرة النقص في التراجم والاستشهاد بحيث أننا نجد ستة وعشرين شاعرا في القسم الثاني في حين أن الأصل يحوي تسعة وستين، ويحوي القسم السادس ثلاثا وتسعين ورقة، وفي السليمانية مئة وثلاث وخمسون، ناهيك بالنقص في المضمون والتشويه في الأبيات.. وهكذا. وفيها توافق كبير وتشابه ملحوظ بينها وبين نسخة «بايزيد» ، على أن التوافق والتشابه يكتملان بينها وبين نسخة «ف ٣» . وإذا لا حظنا بعض الاختلاف أثناء التحقيق عزوناه إلى خطأ قلم الناسخين وحسب. أما تاريخ نسخها واسم ناسخها فغير معروفين، ولا مذكورين فيها، ويرجّح الشيخ راغب أنها كتبت في القرن الحادي عشر الهجري تبعا لنوع خطها وعنايتها ببعض الزخرفة. والجيد في هذه النسخة أمران أوّلهما جمال الخطّ وكمال العرض، وثانيهما أن النسخة مختومة بأربع وعشرين ورقة من ديوان الباخرزي، نقلها عن النسخة ف ٣، أو كل منهما نقلها عن أصل يضمّ هذا الجزء من الديوان. ٤- كتاب الشيخ راغب : طبع الشيخ «راغب الطباخ» النسخة الأحمدية عام ١٩٣٠، في ٣١٤ صفحة من القطع المتوسط في مطبعته «العلمية» . وقد حاول إخراجها بشكل يناسب الزمان الذي كان فيه، معتمدا على النسخة الأحمدية آنفة الذكر الاعتماد الكلّي تقريبا مستعينا بنسختين أخريين
следующие страницы →