← Адаб

Адаб · id 10665

دمية القصر وعصرة أهل العصر

الباخرزي

Полный текст (1 691 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

ولقد أورد الباخرزي ترجمة أغلب الشعراء الذين مدحوا نظام الملك، وينوف عددهم على الخمسين، وأفاض في ذكر شعرهم «النظامي» . أما أهم الصفات «١» التي ذكره بها الشعراء فهي عنايته بهم وبأدبهم، وفتحه المدارس، وفضله في شهرتهم وحدبه عليهم وبطولته الحربية، وحسن إدارته في الحكم، وإغداقه الزائد، وملؤه خزائن الكتب بالنفائس. ومن جملة من مدحه أبو غالب القمّي بقوله: أقام على شطّ الفرات كأنّما ... يبارى طوافي مائه بعطاء يسيل على أيدي العفاة قليبه ... بمال إذا سال الفرات بماء قوام الندى والبأس لا الدين وحده ... وسيد أهل الأرض لا الوزراء سأشكر ما أوليتني بمدائح ... تضوع كنشر الروض غبّ سماء ولعلّنا نغفر للباخرزي ترجمته لشعراء مغمورين أو لأفاضل لا يستحقّون الذكر (بالنظر لما أورد من شعر لهم) لأنهم فقط مدحوا نظام الملك، فقد قال في عبد الواحد بن الفضل: «هذا كلام في القلّة دون القلّة، وإنما أثبت لقدر الممدوح لا المادح..» «٢» .

стр. 1507

الفصل الثاني النسخ ١- الاصول التي وصلتنا «١» انتظرنا طويلا حتى تجمّعت جميع النسخ المطلوبة من شتى البقاع، وكانت كلّما وصلتنا رزمة من مكتبة أقبلنا نغترف منها ونقارنها بما جمعناه من أخواتها. حتى اكتمل العدد المطلوب من النسخ الأصلية للدمية. وقد جاءتنا على التوالي من: حلب، تركيّة، بريطانية، فرانسة، النمسة، إلى أن بلغ العدد اثنتي عشرة نسخة كلها على الميكروفيلم. فمن حلب جاءتنا نسخة من المكتبة الأحمدية، ومن تركية جاءتنا نسختان، الأولى من مكتبة «بايزيد» والثانية من المكتبة «السليمانية» ، ومن بريطانية جاءنا من المتحف البريطاني نسختان إحداهما مغربيّة، ومن النمسة جاءنا ثلاث نسخ، ومن باريس جاءنا أربع نسخ. وجلسنا الساعات والأيام نبحث عن الأم، وكنا نختار بين النسخة الجيدة الخط والنسخة القديمة العهد الصعبة الكتابة، إلى أن أثبتت النسخة السليمانية نفسها، وبرهنت على أنها الأم الأصلية لسائر النسخ. ١- النسخة السليمانيّة: «٢» وكانت تحت الرقم (رئيس الكتاب/ ٧٩٥) . وهي نسخة كاملة تقريبا في ٣٠٦ ورقات، كل ورقة صفحتان، والصفحة سبعة عشر سطرا، والسطر حوالي تسع كلمات. أبعادها ٢٠* ١٢، والمكتوب منها ١٥* ٩. كتب الناسخ أسماء الشعراء والأدباء بالمداد الأحمر، والتراجم

стр. 1508

بالمداد الأسود. وحررها بتاريخ ٥٧٢ هـ- ١١٧٦ م. وقد جاء في ختامها مايلي: «وهذا آخر الكتاب، كتبه أبو بكر محمد بن خلف بن علي بن عبد العزيز، تذكرة للشيخ الإمام الأجلّ الاوحد الاعز الأخص المقبل العالم المحترم فخر الدين شمس النحاة والأدباء اختيار الأئمّة، زين العلماء أبي بكر محمد بن الطيب ابن عبد الله بن عيسى الكرخي.. محرم سنة اثنتين وسبعين» . أي إن هذه النسخة الجيدة مكتوبة ومنقولة بعد مئة وأربع سنوات من عام مقتل الباخرزي. وعلى هذا فإننا نرجح أنها مأخوذة عن نسخة كتبت في زمان المؤلف نفسه أو عن نسخته الخاصة، كما أنها أقدم النسخ كتابة، وأكملها مادة، وأقلّها نقصا وحفرا في الأوراق. وهي منقوطة الحروف المعجمة، غير أنّ الناسخ كثيرا ما سها عن الاعجام أو أنه كان يعجم في غير محلّه، كوضعه نقطتي التاء تحت الحرف أو نقطتين للألف المقصورة، وكان يقصر الممدود أو يمدّ المقصور، ويضع ثلاث نقط تحتيّة للسين المهملة- وهذا كثير-، كما أنه قد لا يضع ثلاث نقط فوقيّة للشين المعجمة، فيكتب هكذا: الحسود، السرع ويقصد (الحسود والشرع) . وقد يضع الألف الفارقة لواو العلة مثل: يحدوا، يشدوا، يرجوا. ويرسم الباء تاء والتاء باء في بعض الأحيان. أو أنه يحذف ألف حياة وسليمان فيكتبها (حيوة وسليمن) إلى غير ذلك من أشكال لرسم الخط. وقد يسهو عن شاعر بأكمله، أو عن جملة أو بيت أو تعبير فنتلافى تقصيره من نسخ أخرى بعد الإشارة إلى ذلك طبعا. والنسخة، بشكل عام، غير مشكولة وشعرها ليس مقسّم الشطرات، فنراه يجمع البيت الواحد بسطر أو أكثر، أو يجمع البيتين المشطورين بسطر واحد، أو يعتبرهما غير مشطورين فيدمجهما في بيت واحد. غير أننا نجد بعض التشكيل للكلمات وهو مما نفعنا وأراحنا من التأويل والتخبّط. وكان نادرا ما يشرح الكلمة الغريبة أو العلم، وإذا مرّت مفردات مشروحة- وهذا زهيد جدا- فإنه يكتب تحت الشرح- في الهامش- الحرف (ح) دلالة على (الشارح) أو على أن الشرح من (الصحاح) ، ونرى

стр. 1509

أن الرأي الأول أفضل، وخطّ الشرح مخالف لخطّ المتن في غالب الأحيان، وهذا يدلّ على أن الهوامش أضيفت في زمان متأخر عن زمن الناسخ الأول. والغريب في الأمر أن هذه النسخة لا تشبه أية نسخة من النسخ التي بين أيدينا، وكأن النسّاخ الآخرين نقلوا عن أصول غير أصول هذه النسخة، وإن كان هذا الأمر حسنا من ناحية الوصول إلى تجويد الدمية وتكميلها فانه صعب من ناحية أخرى: ترى أكانت نسخة السليمانية أقدم أم النسخ التي نقل عنها النساخ الآخرون؟، وهل نقلت عن نسخة المؤلف الأصلية؟، وهل، عندما نقل، أوجز أو أطال؟ أسئلة لا يمكننا إلاجابة عنها حاليا، حتى ثكتشف نسخ أخرى أقدم من النسخة التي اعتبرناها أمّا للنسخ كلها. ٢- نسخة بايزيد «١» : وهي تحت الرقم (ولي الدين/ ٢٦٦٥٥) . هذه النسخة في ٢٠٧ ورقات، كل ورقة صفحتان، والصفحة بمتوسط خمسة عشر سطرا، قياسها ٢٠* ١٢، والمكتوب منها ١٣* ٦. وقد كتب في آخرها: «فرغ من تحريره يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من شهر شوال سنة إحدى وثمانين وسبعمئة «٢» ، العبد الضعيف محمد بن محمود شاه بن محمد بن عبد الكريم القزويني..» . كما كتب على كعب الكتاب «تاج الكتاب في طبقات الشعراء العرب» . وهي نسخة بخط فارسي جيد وواضح، وقد كتب لنا الناسخ أسماء الشعراء بخط عريض بارز مما يسهّل العمل للمراجع. غير أنّ هذه النسخة ناقصة جدا، وخاصة من القسم الثالث فما بعد إذا ما قورنت بالسليمانية الأم فحذف منها شعراء، وسقطت أشعار وأدمجت قصائد وقطع لشعراء آخرين، وأخّرت ترجمات، مما جعلنا لا نوليها الاعتماد الكبير. وكأنها بهذه الأوصاف مختصرة. والمقارنة مع هذه النسخة نفعتنا من ناحية مهمة هي توضيح رسم أسماء الشعراء، وفكّ غموض بعض الكلمات.

стр. 1510

وقد وجدنا أبياتا فارسية على هوامش بعض صفحات القسم الخامس، حيث ترجم مقتنيها الفارسي بعض تلك الصفحات إلى الفارسية، ولكن الفائدة من ذلك العمل معدومة. وتوجد في مكتبة السليمانية نسخة طبق الأصل عن نسخة بايزيد تحت الرقم (عاشر أفندي/ ٧٩٥) لم نحتج إليها. ٣- نسخة الأحمديّة: هي من أملاك مكتبة «المدرسة الأحمدية» بحلب، تحت الرقم (١١٩٤) . وهي النسخة التي اعتمدها الشيخ المرحوم راغب الطباخ» . وهي؛ ١٦٤ ورقة متوسطة الحجم، وفي صفحتها واحد وعشرون سطرا، واحدى عشرة كلمة تقريبا في كل سطر. وهي نسخة كثيرة النقص في التراجم والاستشهاد بحيث أننا نجد ستة وعشرين شاعرا في القسم الثاني في حين أن الأصل يحوي تسعة وستين، ويحوي القسم السادس ثلاثا وتسعين ورقة، وفي السليمانية مئة وثلاث وخمسون، ناهيك بالنقص في المضمون والتشويه في الأبيات.. وهكذا. وفيها توافق كبير وتشابه ملحوظ بينها وبين نسخة «بايزيد» ، على أن التوافق والتشابه يكتملان بينها وبين نسخة «ف ٣» . وإذا لا حظنا بعض الاختلاف أثناء التحقيق عزوناه إلى خطأ قلم الناسخين وحسب. أما تاريخ نسخها واسم ناسخها فغير معروفين، ولا مذكورين فيها، ويرجّح الشيخ راغب أنها كتبت في القرن الحادي عشر الهجري تبعا لنوع خطها وعنايتها ببعض الزخرفة. والجيد في هذه النسخة أمران أوّلهما جمال الخطّ وكمال العرض، وثانيهما أن النسخة مختومة بأربع وعشرين ورقة من ديوان الباخرزي، نقلها عن النسخة ف ٣، أو كل منهما نقلها عن أصل يضمّ هذا الجزء من الديوان. ٤- كتاب الشيخ راغب : طبع الشيخ «راغب الطباخ» النسخة الأحمدية عام ١٩٣٠، في ٣١٤ صفحة من القطع المتوسط في مطبعته «العلمية» . وقد حاول إخراجها بشكل يناسب الزمان الذي كان فيه، معتمدا على النسخة الأحمدية آنفة الذكر الاعتماد الكلّي تقريبا مستعينا بنسختين أخريين

стр. 1511

إحداهما بالمراسلة من العراق، والثانية بالمراجعة عند الاحتياج من المكتبة المارونية بحلب. وقد ختم بقوله: نجز بتوفيقه تعالى طبع كتاب «دمية القصر وعصرة أهل العصر» للباخرزي، إمام الأدب في عصره وبزغت شمسه في الآفاق بعد أن كانت متحجّبة في زوايا الخزائن عدة قرون، ولم آل جهدا في تصحيحه على ثلاث نسخ خطية غير أني لا أدّعي أني أخرجته للناس خاليا من الغلط، بل إن في القلب شيئا من بعض الكلمات خصوصا تلك التي في الأبيات الفارسية، ويعذرنا من رأى الأصول التي لدينا ويتحقق أن ليس في الامكان أبدع مما كان. وعسى أن يتدارك ذلك النذر من الغلطات أهل الأدب والفضل خصوصا من كان لديه نسخة خطية، ويتحفنا بها خدمة للعلم أو يتحف بها، فيما بعد، من ينهض بطبع هذا الكتاب مرة ثانية..» . غير أن الشيخ، ﵀، لم يتيسّر له إتمام النقص الموجود في النسخة الأحمدية، كما أنه لم يشرح شيئا، وإذا مرّ شرح لفظ ما فإنما هو منقول عن هوامش المخطوطة غالبا. وقد أشار في المقدمة إلى أنّ نسخ الدمية أصبحت «نادرة الوجود حتى في المكتبات الغربية والهندية» . وقد أظفرني حسن الحظ بنسخة نفيسة منه في مكتبة المدرسة الأحمدية ... وهي جميلة الخط ومقابلة على الأصل المنقول عنه «١» ..» . ونراه ينقل في ختام الكتاب «الملتقط» من ديوان الباخرزي كما وجده في ختام النسخة الأحمدية. النسخ البريطانيّة: وصلنا من المتحف البريطاني نسختان، أسميناهما الحرف (ل) رقّمناهما حسب تسلسلهما بالأرقام (ل ١) و (ل ٢) . ٥- ل ١: هي تحت الرقم ٩٩٩٤، جاءت بمئة وسبع وتسعين ورقة، كل ورقة صفحتان، والصفحة بأربعة وعشرين سطرا. والسطر بأربع عشرة كلمة تقريبا. حرّرها السيد «عبد الله بن السيد عبد الله بن شمس الدين حمادة المنزلي» سنة ١١٧٦ هـ «٢» ، وانتهى منها سنة ١١٧٧ هـ.

стр. 1512

هذه النسخة، من حيث المحتوى، كاملة تقريبا وقريبة جدا من كمال النسخة السليمانية، غير أن الناسخ قدّم وأخّر في ذكر الأعلام كثيرا. وكتبها بخط مغربي صعب الرسم، كابدنا كثيرا فيها حتى يسّر الله لنا تذليل الغامض منها، من ذلك: ١- استخدامه الثاء مكان الباء. ٢- وضع النقط الفوقيّة بشكل اعتباطي تحت الحروف مثل: ظببت (ظننت) - ث (ب) - العيا (العنا) - ي (ف) . ٣- رسم الشين بلا نقط، والسين بثلاث نقط أو تحتيّة. ٤- اضافة ألف على اسم الإشارة البعيد: ذالك. وعلى آخر الحروف، مثال: بكواكبا، ويقصد: بكواكب. ٥- كما كان يرسم القاف فاء، والفاء بنقطة تحتيّة والنون باء، والياء تاء، والتاء ياء، وهكذا، وأغلب هذه الملاحظات هي من مزايا الخطّ المغربي. وقد ختم الناسخ الدمية بقوله: «تمت دمية القصر بحمد الله وحسن عونه في مدينة تونس المحروسة، على يد كاتبها الفقير إلى مولاه جناب «أحمد قورسو» غفر الله له وتجاوز عن سيئاته ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين، في يوم الجمعة التاسع من شهر رمضان من عام اثنين وسبعين وألف «١» ، والحمد لله..» . ٦- ل ٢: جاءت هذه النسخة تحت الرقم ٢٢٧٧٤، مكتوبة على ٣٠١ ورقة، كل ورقة صفحتان، والصفحة بسبعة عشر سطرا، والسطر باحدى عشرة كلمة، ولم يسجل فيها اسم ناسخها ولا تاريخ كتابتها. نقص من مطلعها ست صفحات ونصف، إلا أنها جيدة من حيث ترتيب الصفحات، ونجد في بعض الأحيان ضبطا لشكل الكلمات، ولكن لا يمكن الاعتماد عليه في ذلك لأنه لم يرجع إلى المعجم في ضبطها. كما أنها حوت هوامش شرح فيها الناسخ عددا من الألفاظ، وقد يكون هذا الشرح بالفارسية، إلا أنّ شرحه هذا سطحي والألفاظ لا تحتاج

стр. 1513

إلى ذلك. وكثيرا ما غشّى بعض صفحات القسم الثاني البياض، أو أصاب الحبر خفوت في اللون، فلا يكاد المرء يقرأ كلمتين متتاليتين. ومع أن الناسخ راجعها على الأصل الذي نسخ عنه، وصحّح أخطاء ارتكبها، فالأخطاء فيها متعددة جدا، من ذلك: ١- عدم اعتنائه بالألف الممدودة والمقصورة مثل: فاجى، ويعني فاجأ. ٢- قد يخفف الهمزة (مما يمكن تخفيفه) ولكنه يبقي عليها مثل: عجايز وبطيئة. ٣- يرسم الألف الوسطى بالواو مثل: حيوتي ويعني حياتي. ٤- لا يعتني كثيرا برسم الياء والتاء فيقول: ينبو مكان تنبو. نسخ باريس: وصلنا من باريس ثلاث نسخ من الدمية، أسميناها (ب) ، وأطلقنا عليها الأرقام المتتالية (ب ١) و (ب ٢) و (ب ٣) . ٧- ب ١: رقم الأولى ١٤١٠، وقد تداول هذه النسخة عدّة أشخاص، وضع كل واحد منهم ختمه واسمه، وهم على التوالي: أبو بكر رستم بن أحمد الشهرواني، الحاج مصطفى صدقي، سليمان رفعة سنة ١١٤٧ هـ محمد بن واصف المرادي بن حسن المشطّب خلال سنة ١٣٠٦، حليم عزّة، مصطفى عبده. وقد ورد اسم الناسخ غير أنه مطموس ويتعذّر على المرء قراءته. والنسخة في ٣٠٨ ورقات. وعندما نبلغ الورقة ١٤٢، نجد الناسخ يكتب «القسم الأول. إلى هنا بلغت المقابلة على أصله» . وحوت الصفحة الواحدة ١٩ سطرا وفي السطر ٨ كلمات تقريبا. وهي نسخة مقروءة بشكل عام إلا أنها غير معروفة التاريخ ونرجح أن يكون تاريخها قبل ١١٠٠ هـ. والجميل في هذه النسخة دقة شرح بعض الألفاظ. ٨- ب ٢: رقمها ٥٢٥٢. وهي كذلك بلا تاريخ وبلا اسم الناسخ. عدد ورقاتها ٣٧٤ ورقة، وفي كل ورقة صفحتان، وفي الصفحة سبعة عشر سطرا، السطر بإحدى عشرة كلمة. سقطت منها الصفحة الأولى وهي سيئة

стр. 1514

صفحات المقدمة للرطوبة التي أصابت الكتاب، ولتآكل أطراف الورقات، وللخروم التي أصاب وسطها. والظاهر أنّ الناسخ راجعها على نسخة أخرى، فقد كنا نلاحظ أنه يضع فوق الكلمات المذكورة في المتن كلمة أخرى لجواز ذكرها أو قراءتها، وكلا الكلمتين كانت تمرّ معنا في روايات النسخ مثل (الحادثات) و (النائبات) ، وقد رتّب الناسخ الأشعار ترتيبا فنيا ضمن خطوط مستقيمة عموديّة. إلا أننا لاحظنا تلاؤما وشبها قريبين بينها وبين النسخة السابقة ب ١. ٩- ب ٣. وهي ذات الرقم ٧٢٩، وهي مكتوبة ٢٩٩ ورقة، كل ورقة بصفحتين، والصفحة بواحد وعشرين سطرا، والسطر باثنتي عشرة كلمة تقريبا. ناسخ الكتاب خطاط جيد الخط، إلا أنه لا يعرف حتى الواضح من أصول النحو، فنراه يخطىء في النحو والاملاء، ونراه لا يضبط إلا المعروف منها بداهة، كوضع فتحة فوق واو العطف. كما أننا نلاحظ تشابها وتقاربا ملموسين بينها وبين ل ١. إلا أنّ الجميل فيها صحة أسماء الأعلام ووضوحها. حررت النسخة بتاريخ ١٠٣٨ هـ «١» . وتنقّلت بعد كاتبها الأول الى عدة أشخاص، وهم بشر بن نور الدين العليمي الشامي، وأحمد بن محمد بن محمد في ١٣ شهر رجب الحرام سنة ١٠٧١ هـ، والمولى الحسن بن.. ونرى أن الناسخ كتب على الصفحة الأولى اسم المؤلف مفصلّا، ووصفا لمقامه ومقام أدبه. نسخ النمسة: وصلنا خمس نسخ من فيينا، اثنتان منها مكررتان، فيبقى ثلاث فقط. وقد أسمينا هذه النسخ (ف) ، ورقّمناها على التوالي (ف ١ وف ٢ وف ٣) . ١٠- ف ١: جاءت هذه النسخة ب ٢٢٠ ورقة، الورقة فيها صفحتان، والصفحة بخمسة وعشرين سطرا، والسطر باثنتي عشرة كلمة. ليس في هذه النسخ الا الخط الجيد، وينقص منها أبيات شعر، أو

стр. 1515

شعراء، أو أسماؤهم فقط. غير أنها تنفع في فكّ عدد من الابهامات التي اعترضت النسخة الأصلية. وأسوأ ما فيها سقوط أسماء الشعراء، ودمج الترجمات والأشعار بعضها في بعض، غير أن أحد المهتمين بالمخطوطات في فيينا أضاف في الهامش أسماء الشعراء الساقطة مستندا على احدى النسخ. وكثيرا ما تهمل كلمة من شطرة أو عبارة من جملة. وقد حوت هذه النسخة أخطاء فاحشة في الاملاء وفي الرسم، فمثلا: ١- يخلط بين التاء المربوطة والتاء المفتوحة ككلمة: وفات. ٢- يخلط في النقاط بين فوق وتحت. ٣- كثيرا ما يمزج بين الضاد والظاء. ونلاحظ توافقا كبيرا بين ف ١ وب ٣. وقد ختم الناسخ الكتاب بقوله: «تمّت بحمد الله تعالى دمية القصر وعصرة أهل العصر في أواخر جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين وألف» . ١١ ف ٢: وهي تحت الرقم ٦٦/٨١١. كان عدد أوراق هذه النسخة ١٤٣، والصفحة فيها أربعة وعشرون سطرا، والسطر يضم اثنتي عشرة كلمة. كتب على الصفحة الأولى «تاج الكتاب في طبقات الشعراء العرب» (وهو الاسم الذي ذكر على كعب نسخة بايزيد) . والنسخة ناقصة بعض الصفحات من أولها. وهي ذات خطّ واضح وحواش لا يطمأنّ إليها كثيرا. على أن السرعة الملموسة في الكتابة أجبرته على إنقاص بعض الكلمات أو أنصاف الكلمات، كما أنه كثيرا ما غفل عن شاعر أو عن بعض شعره أو ترجمته. وكذلك قدّم وأخّر في الأبيات، ودمج شاعرا بشاعر. أما من حيث الأخطاء الاملائية فقد استوت عنده الألفان المقصورة والممدودة، إذ يخلط في استعمالهما مثل: سمى. وقد لا تتبع الصفة الموصوف عنده مثل: بدرا عاجز. وتنقيط الحروف موجود غير أننا كثيرا ما نصادف عبر السطور عددا من الكلمات غير منقطة إمّا اهمالا وإمّا سهوا، أو أن نقاطها زالت من تلقاء نفسها. هذه الملاحظات التي أشرنا فيها إلى عيب النسخة ونقصها جعلها تدنو من النسختين (ح) و (ب) . وفي ختام الكتاب سجل الناسخ مايلي:

стр. 1516

«تمّ الكتاب بعون الله الملك الوهّاب في سنة أربع وخمسين بعد المئتين وألف «١» في أواخر رجب» . ١٢- ف ٢: وهي النسخة الثالثة من النمسة وقد وصلت تحت الرقم ٦٧/٨٤٤٣. أول ما يسترعي انتباهنا- بعد دراسة هذه النسخة- أنها كتبت عن الأصل الذي أخذ عنه ناسخ النسخة الأحمدية، فهي ب ١٥٦ ورقة، وعدد أسطر صفحاتها ٢١، وعدد كلمات السطر الواحد ٩ تقريبا. وهي غير مؤرخة ومختومة بالملتقط من ديوان الباخرزي. وعدد أوراق الديوان ٢٢ ورقة، وترجمته ذاتها وأخطاؤه أو رواياته مع النسخة الأحمدية متشابهة. لم يشر الناسخ إلى أن النسخة ختمت، غير أنّه في آخر الديوان قال: «آخر الملتقط من ديوان أبي الحسن الباخرزي، والحمد لله والله حسبي» . قلما نجد ترجمة في مكانها، وقد نجد اسما لشاعر ثم نفاجأ بترجمة شاعر آخر. أما منتخباته الشعرية فبعضها للمذكور وبعضها لشاعر غفل عن ذكره. أما الأخطاء الاملائية فكثيرة مثل: ببخل (ببلخ) ، ترينك (تريك) ، الباقيين (الباقين) ، ساحت (ساحة) ، والتاء المربوطة يكتبها مفتوحة، ولا يعتني برسم الهمزة مثل من ورائهم (وراءهم) ، الامية (اللامية) ، ولغة أكلوه البراغيث «٢» متعددة الذكر، فتكبوا (فتكبو) . ومثل هذا كثير ولا جدوى كبيرة نافعة من سردها، وما ذكرناه كان على سبيل المثال لا الحصر. على أن ما حكيناه هنا، وما حكيناه في النسخة (ح) ينطبق تماما. وإذا قصّرنا في ذكر ملاحظة عن إحدى النسختين فلأنها مذكورة في الأخرى. وعلى الرغم من ذلك فلا يمكن الاستغناء عن واحدة إذ أننا انتفعنا من طريقة قراءتهما للأصل الذي أخذا عنه في كشف الغموض الذي كان يعترضنا أثناء قراءة الأصل (س) .

стр. 1517

والخلاصة وبعد أن أعطينا صورة واضحة، إلى حدّ ما، عن النسخ التي اعتمدناها، نخلص إلى ما يلي: ١- تكمّل النسخ بعضها بعضا، فلا يمكننا الانفراد بالجيد منها، ولا التخلي عن الغثّ. ٢- كتّاب هذه النسخ نوعان، نوع ناسخ ونوع ماسخ. ٣- الفروق بين النسخ- عدا المحذوف والساقط- هي تحريف في مواضع النقط، أو في رسم الحروف، أو في كيفيّة قراءة الكلمة عن الأصول. ٤- يضيف النساخ ألقابا وأوصافا على بعض الأعلام، تبعا لمعرفتهم بالمذكورين، أو تبعا لاطّلاعهم على وظائفهم. ٥- تختلف الأدعية في حقّ نظام الملك من نسخة إلى أخرى. وذلك حسب محبة الناسخ له، أو حسب بعده أو قربه من تاريخ وفاة هذا الوزير. ٦- الغالب على السنوات التي تمرّ في طيّات التراجم أنها صحيحة في جميع النسخ، أما اختلاف الروايات فتابع للمؤرخين. ولقد عانينا عناء جمّا، سعيا وراء الوصول الى الحقيقة. ذلك أنّ النسخ كلها ناقصة، والتي كانت تبلغ درجة الكمال صعبة الخط، وأما التي جاد خطّها فقد نقص مضمونها. وإذا تناسينا مسألة صعوبة الخط فلن ننسى حجم الكتاب الخالي من الشكل ومن الشرح والمملوء بالتصحيف والتحريف والمسخ، كما في عدد من المخطوطات التي نجدها. واليك رواسم جيدة لبعض صفحات النسخ آنفة الذكر.

стр. 1518

٢- منهج التأليف ١- هيكل الدمية العام: قسم الباخرزي الدمية إلى جزأين، وقسم كلّا من الجزأين إلى عدة أقسام، بحيث شمل الجزء الأول مقدمة وخمسة أقسام. أما المقدّمة: فقد بدأها بالحمد، كما يفعل سائر الكتاب والمؤرخين. وقد عرض علينا في هذه المقدمة شطرا من حياته، مما له علاقة بسبب تأليف الدمية، وكيفيّة اتصاله بشيوخ الأدب، وقسّم فيها الدمية إلى أقسامها بفهرست مفصّل، كما اعتنى بعرض طريقة التأليف. وانتقل بعدئذ إلى تاج الكتاب وذكر فيه لقاءه أمير المؤمنين القائم بأمر الله العباسي (٤٥٥ هـ- ١٠٦٣ م) ، و «تشرّفه» بذلك اللقاء بقصيدة مدح بها الخليفة. فكان هذا المديح مطلع الدمية «١» . وبعد انتهاء الباخرزي من مدحته يذيّل تاج الكتاب بقصيدة من تأليف الخليفة نفسه، ومطلعها: القلب من خمر التّصابي منتش ... من ذا عذيري من شراب معطش؟ ثم يسوق الأقسام الخمسة، ف: ١- القسم الأول، يضم شعراء البدو والحجاز. ٢- القسم الثاني، يضم شعراء الشام وديار بكر وآذربايجان والجزيرة وسائر بلاد المغرب «٢» . ٣- القسم الثالث، يضمّ فضلاء العراق. ٤- القسم الرابع، يضمّ شعراء الري والجبال وإصفهان وفارس وكرمان. ٥- القسم الخامس يضمّ فضلاء جرجان واسترآباذ ودهستان وقومس وخوارزم وماوراء النهر. أما الجزء الثاني، فيضمّ قسمين، هما:

стр. 1519

١- القسم السادس: في شعراء خراسان وقهستان وبست وسجستان وغزنة وما يضاف إليها. ٢- القسم السابع: في أئمّة الأدب الذين لم يجر لهم في الشعر رسم. ثم يختم الدمية ب خلخال الكتاب، ويذكر فيه أنه جمع شتات الأشعار، وقدّمها في كتابه خير تقديم. وبعد أن يختم الكتاب ينقل خمس قصائد أثنى بها أصحابها على الدمية. ٢- بين يدي التأليف: لاحظنا أن الباخرزي قسّم دميته إلى سبع طبقات، على عدد طباق السماء «١» ، معتنيا بالرقم «٧» ، وهو الرقم الذي ينظر إليه نظرة دينيّة مقدّسة في زمانه لدى سائر المذاهب والأديان. وكان عدد الشعراء الذين ترجم لهم ٥٣٠ شاعرا، تراوحت نسبهم حسب الأرقام، وحسب بعده عن بلدته «باخرز» . فعدد شعراء الجزء الأول يبلغ ٢٩٢، موزعا على الأقسام؛ فالأول ضمّ ٢٨، والثاني ضم ٦٩ والثالث ٦٥ والرابع ٧٥ والخامس ٥٥. أما عدد شعراء الجزء الثاني فقد بلغ ٢٣٨، عشرون منهم فقط للقسم السابع، والباقي للقسم السادس، الذي يشمل منطقته وما حولها. ومع أنّ الباخرزي من أهل باخرز، من أقصى الشرق المسلم، فإننا نراه يبتدىء حديثه بشعراء البدو والحجاز الواقعين في أقصى الغرب بالنسبة اليه.

стр. 1520

ويرجع السبب، فيما نحسب، الى أنه عرف أنّ مهد الشعر العربي هو البادية والحجاز، فعليه إذا أن يكون حديثه مبدوءا من هناك. وبما أنّ الصفحات الأولى كانت للحجاز فانه استسهل أن يعود بتسلسل جغرافي من الغرب إلى الشرق، فنراه ينتقل بعدئذ إلى شعراء الشام ومصر والمغرب، ثم شمال العراق. وهكذا الى أن يصل إلى باخرز وما حولها حسب الخارطة التاريخية التي وضعناها في مطلع الدراسة. فاذا وجدنا أن الجزء الأول قد جمع شتات عدد متفرّق من المناطق، فانّ الجزء الثاني ضمّ فضلاء منطقة واحدة في قسم واحد. وإذا لاحظنا أنه يخلط في الجزء الأول بين (الشعراء) و (الفضلاء) ، بحيث أطلق الكلمة الأولى على أعلام الأول والثاني والرابع، وأطلق الكلمة الثانية على الثالث والخامس، فان الجزء الثاني امتاز بترتيب وتنظيم علميّين. فتراه ينقلك من بلد إلى بلد. بعد أن يعلمك في ختام تجواله في البلدة الأولى أنه انتهى منها ويتّجه شطر الأخرى. فيقول- مثلا- في بدء دخوله أسفراين في مطلع الجزء الثاني: «وهذه طبقة أسفراين، وقد سقت إلى بحارهم السفائن، فعاين من محاسنها ما شئت أن تعاين، تجدها أملأ الأفكار والسرائر» . وعندما ينتهي منها يقول: «وقد فرغت من أسفراين، واستفرغت طبقتها وجئت جوين فنشرت ورقتها» . وهكذا يفعل في مطلع زيارته للبلدان أو بعد جولته فيها كبيهق وجام وخواف ونيسابور. غير أنه إذا توقّف عند بلدته باخرز أشعرك أنّ بلدته ذات مقام خاص لديه، فهي التي خرّجته وأعلته. ومن أجلها ألّف كتابا خاصا في شعرائها. ويتهيّأ القارىء ليرى عددا من الأسماء يزيد بكثير عن سائر البلدان، وبطريقة مخالفة. ولكننا نجده يقف منهم موقفا مماثلا لما فعله قبل باخرز وبعدها. ونراه يعرّف بخمسة أدباء في مطلع القسم الثاني، هم من خيرة من قابل في تلك البلدان. فمن نيسابور: الأمير العالم أبو الفضل الميكالي. ومن هرات:

стр. 1521

القاضي أبو أحمد منصور الأزدي. ومن مرو: أبو القاسم علي الموسوي. ومن بلخ: شرف السادة أبو الحسن الحسيني. ومن الرّخّج: العميد أبو بكر القهستاني «١» . ولكنه، وبعد أن يتمّ ترجمتهم، يعود فيستدرك اثنين آخرين، «صدرين كانا من أركان الحضرتين وأعيان الدولتين. ولهما عندي أياد أعدّ منها ولا أعدّدها» : أحدهما: أبو الحسن علي البركزدري والآخر: أبو نصر الكندري «٢» . ونراه في القسم السابع يخصص ترجمة لعشرين ممّن لم يجر لهم رسم في سائر الأقسام لشهرتهم في فنون أخرى كالنحو والبلاغة واللغة، وكلهم أعلام في هذه الفنون. وقد كان عمله هذا جليلا، إذ حكى لنا عن زاوية مهمة من حياة أمثال ابن فارس وابن جنّي والجوهري والخوافي وشريح السّجزي والورّاق وابن برهان و.. واعتبر عمله هذا جديدا في بابه «٣» ، إذ سجّل لنا حياتهم الأدبية، وذكر لنا شيئا من أشعارهم، ولم نكن نعهد عند بعضهم- قبل هذه الصفحات- هذا اللون. ولم ير بدّا من وضعهم موضعهم المختصّ بهم دون الشعراء الآخرين، وهو جديد في هذا الباب فعلا، ولم يسبقه إليه أحد، لأنّك «إن ألجمت في طلبهم عرابا، وزممت بختا، لم تلحق لهم في سائر الطبقات أختا» . هذه العناية التي وجدناها في الأقسام الأخيرة من الدمية، لا تظهر لنا جليّة في القسمين الأول والثاني. إذ لم ينظّم أقسام الجزء الأول كما لم يرتّب أعلامه بالشكل الذي فعله في الجزء الثاني، إذ أنه اعتنى بترتيب أعلامه اعتناء النظّام للقلائد. والداعي الى هذا التقصير، فيما نحسب، يعود الى أنّ الجزء الأول كتب في مراحل التأليف الأولى. وإذا علمنا أن الباخرزي أمضى أكثر من ثلاثين سنة في تأليفه هذه الدمية أدركنا، من هذا الزمان الطويل، سبب الخلاف.

стр. 1522

٣- مادّة التأليف: والغالب على كتاب الدمية، بجزأيه، رواية الأشعار وبذلك صرّح في دميته. غير أنه يتوقّف أمام أدباء لهم شعر ولهم نثر. فنراه يستشهد بالفنّين كما فعل مع أبي الفضل محمد بن علي الكاتب. ونراه كذلك يطيل في بعض الأحيان النماذج النثرية لكتّاب اشتهروا بالنثر في عصره كعميد الملك الكندري وأبي الحسن العلوي، والسالار أبي المعالي العقيلي الكاتب، فقد أورد له عدة صفحات من نثره الحربي ووصف المعارك أو الأهبة لها أو «بروتوكولات» الجهاد. وتحسن الاشارة الى أن الشواهد النثرية تغزر في الجزء الثاني بينما تندر في الجزء الأول. إلا أنها- على أي حال- لا تعدّ أمام النصوص الشعرية، لأنّ رغبة الباخرزي كانت في الميل الى الشعر أكثر منه إلى النثر. على أنه لا يروي لنا سائر شعر الشاعر، ولا كلّ قصيدته. بل إنه يقتطع من الأصل الذي طالعه أو يكتفي بجزء مما سمعه.. وذلك حسب تذوّقه أو حسب محبّته للشاعر. وكثيرا ما تعترضنا الكلمات والتراكيب: «ومنها» ، و «ومنها في المدح» ، و «لم أحفظ إلا مطلعها» ، و «وختم القصيدة بقوله» ، و «ومنها قوله» ، و «أولها» و «وأنشدوني له» . وكثيرا ما يكتفي ببيت واحد، معتذرا عن ذلك بأسباب، منها: أنه لم يعلق بذهنه إلا هذا، أو أنه لم يسمع له شيئا. وقد يطيل في شعر أحدهم، فيعتذر الى القارىء، ويبرّر ذلك بصداقته أو بمحبّته له أو بمكانة صاحب النصوص. فقد قال في أحدهم: «وقد بالغت في تسويد البياض بشعره أكثر مما هو شرط الكتاب في مثله. ولكنني رأيت ذلك الفاضل يمتّ إليّ بالودّ الراسخ.. فدونت من أشعاره ما وجدت، وغرت في أقطار ذكره وأنجدت وما أحسبني أسأت إن لم أكن أجدت» «١» . وقد ينهي الحديث عن شاعر بذكر قطعة شعرية له تذكّره بقول شاعر آخر في معناها فيترجم للثاني، ويعرض

стр. 1523

القطعة الثانية التي تشبه قول الأول، فاذا صدّ الباب دون أبي غانم الكاتب مثلا، وكان باب عبد الله بن يحيى، وقال في ذلك قطعة، ذكر ترجمة أبي نصر النصراني، وأورد له ثلاثة أبيات صدّ دونه الباب كذلك. ولعلّنا بذلك نستفيد من ذكره مناسبة القصائد، فتتضح وتفهم، ولكنه كثيرا ما يحرمنا من المناسبة، فنسعى إلى كشفها من وراء النص. اللهمّ إلا إذا كانت القصيدة في مديح نظام الملك، فانه لا يقصّر في ذلك، بل يشرح ويطيل في الدعاء له، أو أنه يقول: «وله من نظاميّة» . ٤- الأعلام: لم يكتف الباخرزي بالاطلاع على الكتب المعاصرة له، بل تناول المصنّفات القديمة- ولم يذكر أسماءها- فلم يعجبه تكرار الشعراء فيها «١» . ولذلك فانه كان يعرف عن اسم ورد ذكره في أحد الكتب قبلا: «ثم أعتذر عنه بأن بعض المؤلفين أثبته فمحوناه، أو أنّ واحدا من المصنّفين وفى له فجفوناه..» «٢» . إلا أنه يضطرّ بعد حين الى ذكر الأسماء لشهرتها وإن تكررت، أو أنه قابل أصحابها أو سمع عنهم «٣» . ثم يبرّر هذا «التكرار» بكلام عذب يضطرنا إلى موافقته. إلا أنه، على الرغم من ترجمته لهؤلاء الذين ذكروا قبلا، يسعى- كما فعل بأعلام اليتيمة- الى ألّا يكرر أشعارهم «٤» . ومما يسترعي الانتباه ذكره عددا من الأعلام الذين لهم فضل على الأدب العربي كالمعري وابن هانيء والشريفين الرضي والمرتضي وتميم بن معدّ وثابت ابن هارون راثي المتنبي وابن كيغلغ والواساني وأبي هلال العسكري وأبي

стр. 1524

عامر الجرجاني وعبد القاهر الجرجاني والثعالبي وابن جنّي.. وذلك الى جانب شعراء غير معروفين، وكثيرا ما يكون الباخرزي الوحيد الذي روى لهم شيئا. ويسعى إلى أن يسجل لنا عن هذا الشاعر ما احتجنه عن حياته، أو حوته جعبته في أثناء جولاته، إلا ما حيل بينه وبينه. وقد يذكر سبب التعذّر: «ولا أخلي اسم كل فاضل من إشارة إلى سبب من أسبابه أو ايماء إلى نسب من أنسابه. اللهم إلا أقواما ما عثرت بأساميهم في الدفاتر فاشتبهت عليّ أغفالهم، ولم تنفتح على يديّ أقفالهم. والعذر فيه أن الحداة لم تتغنّ بأشعارهم، والرياح لم تهبّ بأخبارهم.. فاقتصرت من العين على الأثر» «١» فيذكر لنا اسمه، ثم يقصّ علينا بعضا من ترجمته أو يعرّفنا بوظيفته، وهل قابله أو بادله. وهل اطّلع على ديوانه أو قرأ شعره في كتب أخرى، ويذكر مركزه الأدبي مجيدا أو غير مجيد، سارقا أو مبتكرا، مكثرا من الشعر أو مقلّا فيه، وما له من نثر، وما نوعه؟. وعلى الرغم من كل هذا، فانه كثيرا ما يأتينا بالكنية أو بالنسبة أو باللقب دون تفصيل بالاسم. وقد يظهر لنا من بعض كلامه أنه هو نفسه لا يعرف أسماء الشعراء وشخصياتهم «٢» . ويستحيل- بذلك- علينا التعرّف على هذا العلم عندئذ. وقد نقف حيارى أمام بعض الأسماء ممن عرف كثير منهم به. فاذا نظرنا في كتاب الأنساب ص ٤٩٤ وجدنا اسم (اللبّاني) كثيرا، فاختلط علينا أمر شاعرنا. وقد لا يورد أخبارا تعيننا على التأكد، كما أنّ كتابي الأنساب والروضتين لا يوردان الأشعار للاستفادة من كشف أحاجي هذه الأسماء. وبالتالي لمعرفة شاعر الدمية. ومن أهم ما يلفت النظر انعدام العنصر النسائي في الدمية، وفي أغلب كتب الأدب المشابهة له. ولا يعني هذا عدم وجود شاعرات، فان كثيرا من أدب النساء

стр. 1525

توزع في كتب أخرى أو ضاع بين جدران قسم الحريم. وقد ورد اسم الشاعرة «أم كلثوم» فقط بين شعراء البدو والحجاز. ومن أهم ما يعاب على الباخرزي في مسألة الأعلام عدم تقصيّه بعض الاسماء لسهو منه أو لخطأ الرواة. فيقع في مشكلة التعريف أكثر من مرّة واحدة للشاعر الواحد، مع اختلاف بالأخبار وبالمنتخبات، كذكره لأبي الفرج علي بن الحسن ابن علي الموفقي مرتين، مرة بهذا الاسم ومرة ثانية باسم آخر هو: أبو الحسن علي بن الحسن بن الوقفي من كرج أبي دلف. وقد لمسنا تكرار جملة واحدة في الترجمتين هي: «رأيت له ديوان شعر كبير الحجم، فاخترت منه هذه الأبيات على حدّ عجلة مني. أو ذكره للشاعر تميم بن المعز في مطلع القسم الثاني، في حين أنه ذكره قبلا، وفي القسم ذاته، باسم تميم بن معد «١» . ويستبعد أن يكون ذلك من خطأ الرواة لاختلاف الرواية واختلاف الأشعار. وقد يكون الباخرزي نفسه سبب ذلك لكثرة العدد أو لنقله عن الرواة دون تحسّب. وقد أثبتنا هذه الاسماء كما وردت حرصا منا على جمع ما يمكن من نماذجهم، وأمانة في تقديم كتابه الذي أضناه تأليفه، واكتفينا بالاشارة الى ذلك في موضعه. والعجب أن النساخ لم ينتبهوا إلى هذا التكرار، فلم يشيروا الى ذلك. ٥- طبقات الشعراء: لم يرو الباخرزي لنا حياة الشاعر كلها، بل إنه قلّما ذكر زاوية كاملة من حياته تنير للأديب المطالع واقعه. وقد يورد ذلك بسطر أو سطرين، أو بجملة أو كلمتين. وقد لا يورد إلا بعض شعر الشاعر. ونراه أحيانا يطيل وأحيانا أخرى يزيد في شرحه، إذا عنّ له ذلك لأهمية صلته الأدبية، أو بحكم

стр. 1526

علاقته بنظام الملك، أو لأنه أحب الشاعر كالثعالبي والواثلي «١» . وقد ترجم لأبي الفرج حمد بن محمد بن حسنيل الهمذاني في ثلاث صفحات، وأورد له ثماني صفحات من المنتخبات «٢» . وإذا اقتضب ذكر حياتهم، وغفرنا له ذلك نظرا لحجم الكتاب، فانه يبخل علينا بسنة وفاتهم أو ولادتهم، أو حتى سنة لقائه إياهم غالبا. وقد يسعفنا الحظ فنراه يمنّ علينا بسنة تضيء لنا الطريق الذي خضناه، كحديثه عن أبي الحسن الأندلسي اذ قال: «قدم علينا في رجب سنة خمسين وأربعمئة» . وقد يسعفنا الحظ أكثر حين يفصل في التعيين الزمني والمكاني معا، فيقول: «قصد الحضرة النظامية بباب رها شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وأربعمئة» ، ولكن ذكر هذه السنين قليل جدا. وإذا أغفل الباخرزي ذكر السنين، فانه في كثير من الأحيان لا يورد الاسم الكامل للشاعر، أو يكتفي بتسجيل الكنية أو اللقب.. فيستحيل علينا، بالتالي التعرف بشخصياتهم، والتمكن من الوصول في كتب التراجم الى ما يساعدنا على التعرف بهم كالاسماء: الحجاف، الواثلي، ابن ماني، ابن أبي زرعة، أم كلثوم، وغيرهم. عرض علينا هذه المئات من الشعراء والأدباء، جيدهم ورديئهم. وترك لنا حرية الحكم والاختيار، وما هو في هذا العرض إلّا جمّاع، وفي إرضاء القارىء طمّاع. ولكنّه لم يضعهم بين الأيدي إلا بعد أن سلسلهم ونظّمهم في أمكنتهم المناسبة: «وقد فهرست أسامي الفضلاء، ثم فرقت نظري أرؤسا وأقداما، وجعلت طبقاتها المرتّبة أقساما» «٣» ومع أنّ عنايته كانت منصبّة على من عاصرهم وعاصروه، وقابلهم أو قابل من قابلهم، أو سمع منهم فقد قسم هؤلاء إلى ثلاث طبقات من حيث الزمان: «وهم أزواج ثلاثة؛ منهم

стр. 1527

السابقون الأوّلون ومنهم اللاحقون المخضرمون، ومنهم المحدثون العصريون» «١» . وعلى الرغم من كل هذه المساعي التي راعاها، فانه لم يهتمّ للشاعر من حيث اتجاهه الديني فقد كان سنيّ المذهب، عاش في ظل حكم السلاجقة، وذكر السنّيين دونما تفضيل. كما أورد الشيعة وذكر السادة منهم وعرض مقامهم، وترجم للشعراء النصارى كثابت النصراني، والمجوسيين كمهيار بن مرزويه. وهذا يدلّ- بالطبع- على حرية الباخرزي في تأليفه وعنايته العلمية دون غيرها. وإذا ما صادف شاعرا مغاليا في مذهبه، نسب إليه هذه المغالاة وظلّ متابعا حديثه عنه وعن منتخباته الشعرية دون أن يؤثّر هذا في منهجه التأليفي. ونلاحظ أنه أفرد القسم السابع لمن له فن آخر دون الشعر، وساق كذلك في عرض منتخباته للدمية وبين شعرائه من كان له فن آخر أو عمل إداري أو أدبي، ولم يضعهم في القسم السابع. فنرى في الدمية شعراء وكتابا وقضاة وعلماء ونحاة وخطاطين ووزراء وندماء. إذ عكف على سائر فضلاء عصره يقطف من نتاجهم، ويسجل في دفاتره، حتى عدّت الدمية صورة جامعة لكل من له نصيب من الأدب والشعر في العصر السلجوقي. ترجم لشعراء كتاب، وعددهم كثير، أمثال: أبي علي الشبلي وعبد الله بن هندو القمي وأبي منصور الكاتب. وقد يسجل لنا نوع عمل هذا الكاتب، فيقول في أبي الحسن العنبري «كاتب الأمير خلف بن أحمد» ، وفي أبي الحسن علي الدّلشادي: «كاتب الحضرة الغزنوية» . وهناك طبقة الشعراء والعلماء أمثال: المجاشعي شاعر الحرمين «٢» ، وهو مؤرخ عالم باللغة والأدب والتفسير، ورشيد بن عبد الله الخطيب الطبيب الاسترباذي، وأبي العباس المستغفري النسفي: «إمام نسف وخطيبها ومفتيها» . ومنهم قضاة كأبي نصر عبد الوهاب المالكي، وأبي علي النخشبي، وأبي منصور السمعاني، والقشيري صاحب الرسالة القشيرية.

стр. 1528

ونرى من الشعراء الذين أورد ذكرهم نحاة مشهورين أو لغويين معروفين كابن بشران الواسطي، وابن برهان، وحمزة البغدادي، والثعالبي. وهناك كذلك شعراء ندماء للأمراء مثل: «أبي الحسين بن علي بن جعفر.. نديم الأمير أبي الحسن محمد بن ابراهيم السّمجوري صاحب الجيش. ونجد الباخرزي يجمع شعر الوزراء كمحمد بن جراح البكري أحد وزراء السلاجقة، وأبي القاسم المغربي وزير قرواش والوزير ابن فسانجس «١» ، وأبي القاسم المهلّبي أحد وزراء بني بويه. وعميد الملك الكندري وأبي نصر أحمد بن الحسن وزير الأمير يبغو. ولم يهمل الأمراء الذين لهم شعر أمثال أبي المنيع قرواش «٢» ، والأمير علي الصليحي أحد أمراء اليمن، ونور الدولة أبي الأعزّدبيس وهو من سادة الامراء العرب، ووالي دمشق أبي المطاع بن ناصر الدولة، وعزّ الدولة أبي منصور بختيار بن معزّ الدولة أحد سلاطين العراق من آل بويه، والثائر العلوي، وأحمد بن الحسن حاكم باخرز وخطيبها، وغيرهم كثير. ونلاحظ أن أغلب الشعراء الأمراء من طبقة شعراء الشام والعراق. وتمرّ بنا عناية فنية امتاز بها الباخرزي، وهي حصره الشعراء من ذوي الأسرة الواحدة فقد يترجم للأب ويتبعه بابنه كعبد الله الرزجاهي وابنه محمد، وأبي نصر الكاتب وابنه، وأبي الفرج بن هندو القمي وابنه أبي الشرف عماد، أو أنه يربط بين الأخوين كالشريف الرضي والمرتضى. وقد يجمع عددا من الأواصر كأبي الحسن علي بن يحيى الكاتب وأخيه أميرك وابن أميرك أبي أحمد الحسن وابن الأخير الحسن بن يعقوب. وقد يضمّ شتات أسرة كاملة حوت عددا وافرا من الشعراء والأدباء كآل

стр. 1529

الجويني وآل الميكالي وآل العامري.. وقد تبعه العماد الاصفهاني في خريدة القصر «١» على هذه الوتيرة، ولكن بشكل أكثر ترتيبا وعناية. إذ ترجم لبني الدّويدة وبني أبي حصين وبني زريق، مثلا. وإذا كان الباخرزي يلقى ترحابا من بعض الشعراء في استملائهم شعرهم، وإذا كان يجد بعضهم يرحب بعمله الأدبي، فيساعده على رواية الشعر فإنه كان يلقى عنتا شديدا من بعضهم الآخر. فكثيرا ما كان يعاني مسألة اعتذار العظماء عن تقديم شعرهم كأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي. كما كان يلقى تزمّتا من بعض الزهاد والعلماء والأدباء لأنهم كانوا يعتبرون بوح شعرهم منقصة من مقامهم وحطّا من قدرهم العلمي والأدبي. ومما عانى الباخرزي في هذا السبيل ما قاله بشأن ركن الإسلام أبي محمد الجويني: «فلم يسمح لي ولغيري من تلامذته بشيء من منظومه، ولا بمقدار ما يتعلّل به غيضا من فيض علومه، غير أني عثرت في بعض تعليقاتي ببيتين له..» . وكذلك في حديثه عن أبي الفضل محمد بن اسماعيل، وإلى جانب هذا التعنّت نراه يعمل جهده لأن يقدّم شيئا لهؤلاء سعيا وراء كمال كتابه، واخلاصا في أداء مهمّته. وعلى الرغم من حجم الكتاب وكثرة الأسماء والأنساب فانه كان يدأب على الدقة الفنية من حيث الترتيب والتبويب. فإذا أحسّ أنه وضع أحدهم في غير مكانه أشار واعتذر عن ذلك، كما قال عن ابراهيم الطائي: «سقط ذكره عن مكانه، فاستدركته في غير أوانه» . أو أنه يختم بأحدهم هذه الطبقة، ثم يعود فيستدرك في ختام كلامه شخصا آخر «٢» . وبالطبع كان يبدأ بالأعلام المشهورين فأقلّهم شهرة ليختم فصله بالمغمورين أو بصغار الكتاب وهذا مبدؤه. ولقد سعى الباخرزي لأن يكون عمله الفني هذا جميل العرض ذوقيّ التقسيم، تابعا لاسم الكتاب وهو التاج والساقة والخلخال. ونراه يستخدم

стр. 1530

ألفاظا توحي بالموسيقا والجاذبية نحو عروسه «الدمية» ، فالعروس تزدان بتاج عرسها، وتحلّي قدميها بالخلخال الجذاب. أما الساقة، ويعني بها مضمون الكتاب، فأحر به أن يكون كالعروس، فإن دلّ هذا على شيء فعلى مراعاته اللفظية لحاجة الكتاب. وبعد أن أتمّت الدمية جهازها، وأماطت اللثام عن بهرجها للعالم والنظار أثنى عليها المثنون. ثم عاد وختمها بخمس قصائد مدحه الشعراء بها. حيث أشادوا بعلمه وتأليفه، وبنظام الملك صاحب الفضل الأوّل والآخر فيها. فقال: «لما أطلعت هذه الدمية رأسها من شرفة قصرها انثال عليها بنثار الثناء فضلاء عصرها، أهمهم: البارع الزوزني، أبو عامر الفضل بن اسماعيل التميمي الجرجاني، الإمام يعقوب بن أحمد النيسابوري، أبو الفضل الخيري، الأديب علي بن أحمد الفنجكردي «١» . ويعتبر هذا الفصل من الفصول البارزة في دراستنا عن الباخرزي، إذ تمكنّا به من التعرف إلى منهجه في التأليف، وطريقته في العرض، وعدد أقسام الكتاب في كل جزء، وماذا تضمن كل جزء بله كلّ قسم. وما هي الخصائص العامة في هذا التأليف من حيث التقصير والاجادة، وبماذا امتاز كتابه من حيث المواد؟ ولماذا أقدم على الشعر أكثر؟ وما نوع النثر الذي ذكره؟ كما تعرفنا في هذا الفصل إلى نوعية الأعلام التي جمعها وتبنى عرضها. وكذا الطبقات التي عالجها فأدركنا من وراء هذا كله صورة عامة للكتاب من حيث العمل والمادة. وقد مرّ في الفصول السابقة استعراض لكل هذه التساؤلات وعرفنا منهجه فيها.

стр. 1531

الفصل الثالث الدمية حلقة وصل ١- سبب تأليف الدمية: عرفت الدمية، في أغلب الكتب القديمة، باسمها «دمية القصر وعصرة أهل العصر» ، غير أن ياقوت يحرّف اسمها فيقول: هي «دمية القصر في شعراء العصر» «١» . أما نسختا (بايزيد) و (فيينا رقم ٢) فان ناسخيها- كما أشرنا قبلا- لم يذكرا اسم الكتاب أصلا، بل سمّياه «تاج الكتاب في طبقات الشعراء العرب» ، لأنه، في نظرهما، مختصر للدمية الأصلية. نحن عندما مررنا بحياة الباخرزي ذكرنا أنه كان في صغره على صلة بالثعالبي، كما كان همزة وصل بينه وبين أبيه في بلدة نيسابور. ولقد خلقت هذه اللقاءات في نفس الباخرزي عزيمة على تأليف كتاب يعارض فيه يتيمة الثعالبي. وإذا علمنا أن الثعالبي ذكر في مقدمة كتابه أنه شرع في تأليف اليتيمة سنة (٣٨٤ هـ- ٤٩٩ م) «٢» أي قبل خمسين سنة تماما من بدء الباخرزي تأليفه الدمية، وأن الثعالبي توفي (٤٢٩ هـ- ١٠٣٧ م) علمنا أن هذه الزيارات التي قام بها في نشأته كانت ذات أثر فعّال في حثّه على العمل في المستقبل. ولكنّ الباخرزي لم يذكر أثر الثعالبي عليه، بل ذكر فضل يعقوب بن أحمد النيسابوري «٣» . كما أنه لم يتهاون في جمع المآخذ ضد يتيمته، مما سنراه في حينه.

стр. 1532

٢- السلسلة الأدبيّة: وجدت في تاريخ الأدب العربي كتب أدب جمعت بين دفّتيها ترجمة عدد من الأدباء، كان كل واحد بمثابة حلقة وصل بين سابقاتها ولاحقاتها. وفضل هذه السلسلة- بلا شك- كبير بما جمعت وبما هيّأت لأدبأئنا ولتاريخ أدبنا العربي، بحيث ربطت الأدباء بعضهم الى بعض، ولأنها، بالتالي، شملت هذا العدد الضخم من كتّاب وشعراء أغفلهم النقاد مع نماذج من نتاجهم لانشغالهم عنهم بأعلام الأدب. فجاء أصحاب هذه السلاسل الأدبية بفضل فاق فضل النقاد. وقد كانت هذه الحلقات متتابعة متتالية منذ أن أوجدها هارون البغدادي في كتابه «البارع» ؛ فلم نر مؤلفا إلا ساق طبقاته تتمة لمن سبقه أو ذيلا له. وكله رغبة في إرضاء جمهور الأدباء والساسة، ليكون عمله أكمل من سابقه. وأفادنا هذا التسابق في استجماع أغلب من نظم قصيدة أو كتب رسالة سواء أكان أصحابها شعراء أم كتابا، يعملون في سلك السياسة أو الدواوين. ولعلنا نفي الواجب حقّه إذا وضعنا كلّ حلقة في مكانها من السلسلة الأدبية الذهبية، ثم نمدّها بكلمة عامة. ونقف في النهاية على الدمية بين حلقتيها الرئيستين وهما «اليتيمة» و «الخريدة» ، لنرى أثر كل واحدة في الأخرى وفضلها عليها. أسماء السلسلة الأدبيّة : ١- «البارع في أخبار الشعراء والمولدين» : تأليف هارون بن علي بن يحيى المنجّم البغدادي المتوفي (٢٨٨ هـ- ٩٠١ م) . صاحب المؤلفات الكثيرة، وله شعر، وقد جمع المؤلف في كتابه أخبار ١٦١ شاعرا، أولهم بشار بن برد وآخرهم محمد بن عبد الملك بن صالح. وهو من الكتب النفيسة «١» . ٢- «يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر» : تأليف عبد الملك بن محمد بن اسماعيل الثعالبي. توفي سنة (٤٢٩ هـ- ١٠٣٨ م) ، وهو من أئمّة اللغة والأدب، وقد صنّف الكتب الكثيرة في اللغة والأدب والتاريخ. وكتابه اليتيمة جعله ذيلا لكتاب البارع، وذيّله حسن بن المظفّر النيسابوري المتوفى سنة (٤٤٣ هـ- ١٠٥١ م) . واختصره تقي الدين بن عبد القادر المصري المتوفى سنة (١٠٠٥ هـ- ١٥٩٦ م) «٢» .

стр. 1533

٣- «تتمّة اليتيمة» : تأليف الثعالبي أيضا. وقد ألّفه تعقيبا على كتابه السابق بعد أن هذّبه، وأضاف من التراجم ما شاء. طبع في طهران بجزأين صغيرين لا يزيدان عن ٢٢٠ صفحة. ٤- «دمية القصر وعصرة أهل العصر» : تأليف علي بن أبي الطيب أبي الحسن (أو أبي القاسم) الباخرزي السنخي المتوفّى (٤٦٧ هـ- ١٠٧٤ م) ألفه ذيلا على يتيمة الدهر وحذا فيه حذوه وجمع فيه زهاء/ ٥٣٠/شاعرا، وقد أنهاه سنة ٤٦٤ هـ وقيل ٤٦٦ وشرحه عبد الوهاب المالكي، إلا أننا لم نعثر على هذا الشرح «١» . ٥- «وشاح الدمية ولقاح روضة العصر» : تأليف أبي الحسن علي بن زيد البيهقي المتوفّى (٥٦٥ هـ- ١١٧٠ م) وهو باحث ومؤرخ، صنّف ٧٤ كتابا، منها هذا الكتاب وقد ألفه تتمة لدمية القصر وعلى ترتيبه في مجلد واحد. ولا يزال مخطوطا في تركية «٢» ، إلا أن المخطوطة ناقصة. ٦- «درة الوشاح» : تأليف البيهقي (آنف الذكر) . وهو لكتاب «الوشاح» كالتتمة لليتيمة وهو مخطوط أيضا. «٣» ٧- «زينة الدهر في عصرة أهل العصر» : تأليف أبي المعالي سعد بن علي ابن القاسم الانصاري الخزرجي الحظيري الورّاق المتوفى سنة (٥٦٨ هـ- ١١٧٢ م) وله شعر عذب وتصانيف عديدة منها: «زينة الدهر» » وهو ذيل آخر لدمية القصر، وهو مخطوط. ٨- «خريدة القصر وجريدة العصر» : تأليف محمد بن محمد صفي الدين أبي عبد الله عماد الدين الكاتب الاصفهاني المتوفى سنة (٥٩٧ هـ-

стр. 1534

١٢٠٧ م) وهو مؤرخ وعالم بالأدب تنقّل بين البلاد، وله كتب كثيرة منها الخريدة في ١٠ مجلدات «١» . ويعتبر الذيل الأصلي لدمية القصر. ٩- «السيل والذيل» : للعماد الاصفهاني ألّفه ذيلا على خريدته «٢» كفعل الثعالبي في تتمّته. ١٠- «عقود الجمان» : تأليف أبي البركات مبارك بن أبي بكر الشعار الموصلي المتوفى سنة (٦٥٤ هـ- ١٢٥٦ م) . ١١- «ريحانة الألبّا» : تأليف أحمد بن محمد شهاب الدين الخفاجي المصري المتوفى (١٠٦٩ هـ- ١٦٥٩ م) قاضي القضاة وصاحب التصانيف في اللغة والأدب، أشهر كتبه ريحانة الألبا، وله شعر رقيق جمع في ديوان «٣» . ١٢- «نفحة الريحانة» : تأليف محمد أمين بن فضل الله.. الدمشقي المتوفى سنة (١١١١ هـ- ١٦٩٩ م) وهو مؤرخ وباحث وأديب، ألف خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر والنفحة المذكورة «٤» . ١٣- «سلافة العصر» : تأليف علي بن أحمد بن معصوم الحسني الحسيني توفي سنة (١١١٩ هـ- ١٧٠٧ م) ، وهو عالم بالأدب والشعر والتراجم، من كتبه سلافة العصر وهو شاعر «٥» . نستشفّ من هذا الاستعراض الموجز مدى العناية التأليفية التي نهض بأعبائها هؤلاء الأدباء، محاولين تتبّع ما ينقصه سابقوهم أو يذيلون على كتبهم. فأتت كلها متشابهة المنهج، متحدة الهدف، لا تكتب إلا عن معاصريها بحيث تبتعد

стр. 1535

عن سير أصحاب الطبقات. ونستطيع أن نعدّ إلى حدّ معقول كتابي «المحمدون» للقفطي و «معجم الأدباء» لياقوت في عداد الروافد لهذه السلسلة، وإن اختلفت قليلا في طريقة إعداد المواد. وقد كان بعض هؤلاء المؤلفين من الفرس ذوي اللسانين فأدّوا للعربية خدمة جلّى، إذ جمعوا شعر الشعراء العرب في الأرض العربية، كما جمعوا الشعر العربي للشعراء العرب والفرس من الذين عاشوا في البلاد التي شملها الفتح وكانت العربية لغتهم الأولى أو اللغة التي يتعشّقونها. ٣- الدمية بين اليتيمة والخريدة : فالدمية، بعد هذا الاستعراض، حلقة وسطى لا يمكن اغفالها أو إهمالها، والا انفرط عقد السلسلة، وفصلت بين هذه الكتب فجوة تمتدّ مئة سنة في العصر العباسي أو أكثر. وليست أهمية الدمية في أنها جمعت خلقا كثيرا فقط، بل في كونها تتمة لليتيمة من ناحية التسلسل التاريخي كذلك. وقد قال الدكتور صفا ما ترجمته: «إن الدمية أثر مشهور بين جملة الكتب المعروفة في ذكر أحوال ذوي اللسانين والأدباء العرب، وهي بمنزلة ذيل ليتيمة الدهر للثعالبي «١» . ومما لا شكّ فيه أن الباخرزي كان على معرفة تامة بمحتوى اليتيمة في أول تأليفها، وبعد تحسينها. كما كان مطلعا تماما على التتمّة التي أشار اليها غير مرة في كتابه. ومع أنه أشاد بمقام الثعالبي العلمي وباح لنا بصلة أبيه به في نيسابور، إلا أنه ما فتيء يتسقّط أخباره وأخطاءه وعيوبه في كتابيه. وكم كان يعيب عليه مثلا إغفاله بعض الشعراء المعاصرين له أمثال ثابت بن هارون الرقي فيقول: «وهذا ممن شذّ عن الثعالبي ذكره، وذهب عنه شعره. واذا كان المتنبي في طبقات يتيمة من العصريين فالذي بعده ممن يهدي المرثية إليه أولى بأن يعدّ من الطبقة «٢» .

стр. 1536

ومع أنه صرّح بأنه لن يذكر في دميته أحدا من أعلام اليتيمة «١» إلا أنه تناسى ذلك بعد حين من كتابته ليذكر عددا كبيرا وردت ترجمتهم في اليتيمة أمثال: أبي جعفر الأنداذي وأبي المطاع وأبي الفتح البستي. كما ذكر من أعلام التتمة: أبا القاسم عبد الصمد الطبري وأحمد بن الحسن وأبا يعلى محمد بن الحسن البصري وابن مطرّز. وإن اقتبس الباخرزي أسماء هؤلاء الأعلام من الثعالبي فانه أحجم عن إيراد منتخباته، فلا يدوّن أشعارهم الموجودة في اليتيمة أو في التتمة ويقول: «فصرفت الهمّة إلى تحصيل أخوات لما في اليتيمة» «٢» . ومما لا شكّ فيه أن عدد أدباء الباخرزي أكثر من عدد أدباء الثعالبي في كتابيه، إلا أن ذاك اعتمد كتاب هذا في الهيكل العام اعتمادا كليا. فالمقدمتان متشابهتان من حيث الروح والأسلوب والتقصّي، كما اتخذ منهجه في تقسيم الفصول. فان كانت فصول الباخرزي سبعة وفصول الثعالبي أربعة فان نظرة إلى أقسام الثعالبي تشعرنا بمدى التأثر. ١- في محاسن شعراء آل حمدان (في الشام) . ٢- في محاسن شعراء أهل العراق وإنشاء الدولة البويهية. ٣- في محاسن أشعار أهل الجبال وفارس وجرجان وطبرستان من وزراء الدولة الديلمية وكتابها. ٤- في محاسن أهل خراسان وماوراء النهر من إنشاء الدولة السامانية والغزية والطارئين على الحضرة ببخارا. قد يعترضنا معترض فيقول: ولكن هذه المناطق هي المناطق الاسلامية العربية والفارسية في تلك الأيام فلا عبرة في التشابه. ونجيب بأن الثعالبي أول من افتتح هذا المنهج وتابعه الباخرزي وكان بمكنته افتعال ترتيب آخر فالاستفادة واضحة المعالم. إلا أنّ المهمة في الدمية أنها تمّمت عمل اليتيمة واحتلت محلّها. وقد قال البارع الزوزني في تقريظ الدمية:

стр. 1537

وقد نبذ الناس اليتيمة بعدها ... ولا عجب إنّ اليتيمة منبوذه وإذا انتقلنا في حديثنا إلى الخريدة علمنا أن عماد الدين الأصفهاني طالع كتاب الدمية بأصفهان في دار الكتب التي لتاج الملك: «وبعثني ذلك على تأليف كتابي هذا» «١» ، ويعني كتابه الخريدة. إذا، فالمؤلف هنا يعترف اعترافا واضحا باطّلاعه على الدمية، واضطلاعه بأعباء التأليف تتمّة لها. والخريدة، بعد هذا، أوسع نطاقا، فقد جاءت في عشر مجلدات، إلّا أنها أقل أهمية من الدمية، لأنها ظهرت في مرحلة تاريخية أضعف بكثير من زمان الخريدة من حيث جودة الانتاج وعناية الأمراء بالأدب العربي. وقد رتّب العماد خريدته بحيث شملت العالم الاسلامي، من الأندلس، الى آخر بلاد الفتوح، كما أنه اعتمد الأسر الشعرية في بعض الأحيان. والباخرزي (الذي ذكر مثل ذلك في كتابه) لم يكن واضحا في عمله هذا وضوح العماد وتنظيمه في خريدته. وعلى الرغم من وجود الفارق الزمني الطويل بين الباخرزي والعماد فانّ الأخير أورد عددا من أعلام الدمية في الخريدة. ولكن هذا العدد أقل بكثير من الأعلام الذين أوردهم الباخرزي، وكانوا مذكورين في اليتيمة. ومنهم: ابن الدّويدة المعري «٢» وأبو الفضل المشتهى الدمشقي «٣» . وبعد، فالحديث في هذا المجال لا ينتهي ولا يحاط به، وخضمّ يخشى موجه؛ الخوض فيه خطر والنأي عنه عثر. ولما كان الواجب يحتّم علينا أن نعرف مكانة الدمية من أخواتها، ومكان حلقتها من السّلسلة التي تنتسب إليها فقد قدّمنا هذه البلغة. ولئن لم تكن شافية لقد عرضت صورا صادقة لواقع هذه السلسلة الأدبية، ومكان كل حلقة من الأخرى.

стр. 1538

الفصل الرابع الرواية والرواة كان الأدباء والمؤلفون منذ القديم يعتمدون على الرواية في نقل الأخبار أمانة منهم واخلاصا. ولهذا يجب أن يكون الراوي ثقة وذا اسناد صحيح. والباخرزي أحد أولئك الذين عنوا عناية خاصة بالرواية والراوي معا، ليقدم للقارىء مادة مستقصاة. وسنرى الآن منهج الباخرزي في كشف شخصية الراوي، لنتلمّس بعدها مدى أهميّة دقته في المواد التي يجمعها. والغيرة الفنية التي حرص الباخرزي على التحلّي بها تتمثّل، أكثر ما تتمثّل، في عنايته برواته وروايته. ذلك أنّ مثل هذا العمل الأدبي الكبير الواسع المحيط يتطلّب من صاحبه أن يعتمد بجزء وافر منه على ما يعينه على النقل والرواية من ألسن الناس والشعراء وليس سهلا على الأديب، مهما حاول التجول في الأمصار، أن يبلغ مرامه في لقاء سائر الادباء لأنّ الحظّ يخونه فلا يرى بغيته لأسباب كثيرة معروفة، فيميل إلى ذويه أو عارفيه من حفظة نثره أو شعره فيستميليهم شيئا منه.. ويحسن أن نعلم هويّة هؤلاء الرواة ومكانتهم، لنتعرّف على مدى نجاحه في عمله. فاذا ما تذكّرنا أنه درس فقه الشافعي وعلوم الحديث على أبي المعالي الجويني عالم عصره في هذا الباب أيقنّا أنه كان على إلمام تام بصحّة الرواية والراوي والسّند، والشروط التي يتحلّى بها راوي الخبر أو الأثر. ولقد كان الباخرزي ينقل عن الرواة بدقّة متناهية عندما يتعذّر عليه النقل المباشر وغالب رواته من طبقة أهل العلم والأدب والشعر والقضاء واللغة والنحو وخزنة دور العلم، وقد عرفنا ذلك من الصفات التي كان يلحقها بهم، أو من ترجماتنا أو ترجماته لهم.

стр. 1539

ونراه أحيانا يروي الشعر عن راو لمرة واحدة، ولا يعود إلى ذكره في القسم الواحد أو في سائر الكتاب، ثم اذا به يسهب في الرواية عن أحدهم كأبي عامر الجرجاني، ووالده، وأبي محمد عبد الله بن محمد الحمداني الخوافي، وأبي جعفر البحاثي الزوزني، ويعقوب النيسابوري، وأبي طالب محمد بن عبد الله الانصاري «١» . فقد مرّوا جميعا في أغلب أقسام الكتاب. ويكفي أن نذكر مثلا أنه أورد ذكر أبي عامر الجرجاني ٦٢ مرّة في الجزء الأول من الدمية لتدرك مبلغ اعتماده على هؤلاء الخمسة من الرواة؛ خيرة أدباء عصره. وقد أحصينا عدد الرواة في الدمية فوجدناهم ٤٤ راويا، تختلف نسبتهم في كل قسم ففي القسم الأول يزدادون حتى يبلغوا اثني عشر راويا، وذلك بالنسبة الى الأقسام: الثالث والرابع والخامس. ونرجّح أن يكون سبب ذلك راجعا إلى عدم وصوله الى بلاد الشام ومصر والحجاز، مما اضطره إلى الاعتماد على الرواة في نقل الأشعار. ونلاحظ كذلك أنّ أسماء الرواة يقلّ عددهم في القسم السادس (الجزء الثاني) بالنسبة الى حجمه. والجدير بالذكر أنّه ترجم لأغلب هؤلاء الرواة، وأورد بعضا من شعرهم أو نثرهم، مما يجعلنا نطمئنّ إلى ما ورد في الدمية. ولكننا مع كل هذا الاطمئنان نجده يروي عن أناس وافدين من بعض المناطق، أو يسجل بعض ما ينشد في المحافل. وحرصه على جني المحصول الأدبي من بقاع نائية عن مستقرّه أجبره في بعض الأحيان على قبول مثل هذه الروايات، فيخرج عن طوره الذي عهدناه به وعرفناه آنفا. فلقد قال في أثناء تعريفه بالمنيع الهمذاني: «أنشدني له بعض الأشراف الطارئين علينا من مدينة الرسول (ص) . وربما نسي اسم الراوي فقال: «أنشدوني له» أو يورد الأبيات دون أية اشارة «٢» . ولكن هذا قليل جدا بالنسبة إلى ما نقله بنفسه أو رواه عن رواة ثقة معروفين. وسنفصّل هذه النقطة بالذات في أثناء حديثنا عن «الرواية» . واليك أسماء الرواة عامة.

стр. 1540

وقد كنا نريد ترتيب الأسماء على حسب سني ولادتهم أو وفياتهم، إلا أن هذا لم يتوفر لنا، فعمدنا، نتيجة لذلك، إلى التسلسل الألفبائي. وما كان مقدما بالاشارة (*) يعني أن هذا الاسم ورد ذكره أكثر من مرة في كل قسم. ابراهيم بن أبي نصر الهلالي الباخرزي- ابراهيم بن شعيب البكري- أبو ابراهيم بن أبي سعد المقرّي- أبو بكر القهستاني- أبو تراب الخادم- أبو جعفر البحاثي الزوزني- أبو عامر الجرجاني- أبو الفرج الحسنيلي- أبو الفضائل الخيّر- أبو الفضل الخيري- أبو القاسم بن أبي نزار- أبو محمد العبدلكاني الزوزني- أبو منصور بن عبد الرزاق البوشنجي- أبو عثمان اسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني- بكر بن المستعين أبو القاسم- جعفر بن يحيى الحكّاك البحاثي أبو الفضل- الحسن السمرقندي المحدث أبو محمد- الحسن بن أحمد الطبسي أبو سعيد- الحسين بن يحيى الحكاك- حمد الثورى (التّوزّي) - السيد الظفري أبو الحسن- عبد الحميد بن يحيى الزوزني- عبد الصمد الأزدي- عبد الله بن محمد الأنصاري- عبد الله بن محمد الحمداني الخوافي- علي بن أحمد الزاوهي- علي بن أحمد الكرجي- علي بن يوسف أبو سعد- عماد بن هند وأبو الشرف- محمد بن أحمد المعروف بأبي الحاجب- محمد ابن أحمد المختار أبو جعفر- محمد بن الحسين بن طلحة- محمد بن عبد الله الأنصاري أبو طالب- محمد بن علي البادغوسي أبو العباس- محمد بن علي ابن مسلم الخواري أبو عبد الله- محمد بن علي بن حسول أبو العلاء- مسعود ابن أحمد النيسابوري- منصور بن محمد الأزدي- مهدي بن أحمد الخوافي أبو العباس- وشتاسف أبو العلاء- يحيى بن نصر البغدادي أبو الفضل- يعقوب بن أحمد النيسابوري. وقد يتعذّر على الباخرزي أن يلقى راوية نقل مباشرة عن الشاعر الذي يريد أن يترجم له، فيعمد إلى طبقة نقلوا عن رواة للشعراء، فأسمينا الأوائل منهم رواة الطبقة الأولى، ووصفنا الآخرين بأنهم رواة الطبقة الثانية. ولكنه على أي حال ينقل الخبر مسندا، فيقول مثلا: «أخبرني بعض من أثق به» ، ويدعه إذا كان غير ذلك، أو يورده مع ذكره شكّه في النقل، أو أنه يورد رواية، ولا يذكر أنه هو صاحبها.

стр. 1541

وتجدر الملاحظة أنّ بعضا من رواة الطبقة الثانية كانوا من الطبقة الأولى في بعض الأقسام أو في القسم ذاته، كأبي محمد العبد لكاني، وأبي بكر القهستاني، وأبي سعد بن دوست، وغيرهم، كما أنه ترجم لبعضهم، وسجل لهم شعرا، مما يدلّ على أن الطبقة الثانية التي وفّقت الى رؤية فئة من الشعراء دون الطبقة الأولى ما كانت لتقلّ عن غيرها في المكانة والأمانة، وقد بلغ عدد الطبقة الثانية ٥٦ راوية. وكنا نادرا ما نجد أحدهم قد تكرر اسمه أكثر من مرة أو مرّتين، بعكس رواة الطبقة الأولى، كأبي زكريا التبريزي وأبي محمد العبد لكاني وأبي بكر القهستاني وأبي مظفر الراوندي. وقد يعثر القارىء على مجموعة ضئيلة من الرواة هم رواة الطبقة الثالثة، ولكن عددهم لا يقاس باحدى هاتين الطبقتين. وفيما يلي بعض أسماء رواة الطبقة الثانية مرتبة حسب تسلسل أسمائهم، ولم نذكرهم كلهم لكثرتهم: ابراهيم بن علي أبو اسحاق- ابن بديع الاصفهاني- ابن برهان النحوي القاضي ابن السمّاك- أبو اسحاق الوراق- أبو بكر الشرمقاني- أبو بكر القهستاني- أبو الجوائز الهاشمي- أبو الحرب الدّينوري- أبو الحرث الاصفهاني- أبو الحسن بن محمد البغدادي- أبو صالح المستوفي- أبو طاهر القصّاري- أبو عامر السّنوي- أبو العباس الأندلسي- أبو عبد الله الجوهري- أبو عبد الله المردوسي- أبو علي الشرواني- أبو علي الطاهري- أبو القاسم العالمي الكرماني- أبو محمد العبدلكاني- أبو محمد المخزومي- بهرام بن مافنّه- تميم بن المفرّج الطائي أبو كامل- جبرئيل بن محمد الاسفراييني أبو سعد- حذيفة بن الحسين العقيقي- حذيفة بن هارون الأنصاري أبو الحسين- الحسن بن علي الجوهري أبو محمد. ولقد اتّضح الآن أن الباخرزي سعى جهده ليبلغ الشعراء جميعا بنفسه أو عن طريق رواته، مستوثقا الفاضل منهم، إلى أن تسنّى له جمع أعظم قسم من أدباء عصره، مع نتف من أخبارهم ونماذج من آثارهم. وإذا ما قارنّا بين الثعالبي في اليتيمة والباخرزي نجده الأخير أكثر أمانة من حيث الرواة لعنايته في التقصّي، ولسعيه إلى الاسناد المتواتر في بعض الأحيان، ولأنه يفصّل- في بعض الأحيان- في كيفية لقائه أو استملائه.

стр. 1542

والحقّ أن الباخرزي دقيق في رواية الشعر دقّة نادرة، فلا يذكر اسم الشاعر الا عن تثبّت، ولا شيئا من ترجمته إلا على ثقة بما ينقل. وإذا ما شكّ في نسبة أحدهم- وهذا من النادر- ذكر مواطن شكّه، كما في تعريفه لأبي المعمّر نعيم بن الحسن: «هذا الفاضل- كما أظنّ- من فضلاء كنجة» . ولكنه واثق دائما مما يقول، ويثبت لنا تعبيرا يشهد بذلك «١» . ومن الصور الدقيقة في النقل والبحث موقفه من أبي منصور محمد بن ابراهيم الباخرزي، وهو موقف عالم بحاثة، يتحرّى صحة اسم الشاعر ومكانته: «فكاد الحرص يريشني في طلبه، لعلي أعثر باسمه ولقبه، وأقف على مقدار أدبه. وما زالت الأيام تعدني فيه مواعيد عرقوب أخاه. وأنا أتحرّاه من خزائن الكتب وأتوخّاه» . وعندما وقعت عينه على كتاب معجم الشعراء للمرزباني «٢» راح يقلّبه بحثا عن اسم أبي منصور: «وما زلت أقشره ورقا فورقا، وأمسح من الجبين في تتبّع هذا الفاضل عرقا حتى انتهيت إليه.. وفيه ذكر أبي منصور رشيد بن منصور الباخرزي» «٣» . وهو إذ سجّل خبر الشاعر واسمه وبعضا من شعره، فإنّه لا يقلب الصفحة عليه ولا يعود إليه، بل إنه مستعدّ لاضافة ما يراه في مراجع أخرى، أو كتب مروية رواية أخرى. ويتمّم الباخرزي حديثه في التحري: «حتى بنى الشيخ ناصح الدولة أبو محمد الفندورجي خزانة في مسجد عقيل بنيسابور. فحضرتها- كفعل كلّ أديب إثر افتتاح مكتبة جديدة في بلدته- وأعدت نظري في فهرستها، فإذا فيها معجم الشعراء، فنشرته فاذا فيه ذكر «الباخرزي» إلا أنه خالف في اسمه ونسبه. وزعم في النسخة الأولى أنه رشيد بن منصور وفي الثانية أنه أبو منصور محمد بن ابراهيم، وذكر أنه من أهل خراسان، ونسبه إلى الاستيطان ببغداد والتدين بمذهب الشيعة» . وتساءل الباخرزي عندما وقع

стр. 1543

على اسمين شكّ فيهما: «ولست أدري، أكلا المذكورين واحد أم لا» «١» . ويزيد في بحثه تقصّيا، ليخبرنا أنه عثر على ديوانه أخيرا، فارتاحت نفسه من ذلك كله. وقد يطلب من الشعراء أن يكتبوا له شيئا من شعرهم «٢» ، أو يكاتبهم كي يرسلوا بعض نتاجهم «٣» وبعد أن عرف الناس أنه يجمع أشتات الأشعار، أرسلوها بأنفسهم هدايا إليه. والصدق باد في ثنايا الدمية، وهو صدق الأديب الخبير. فعندما لا يوفّق إلى رؤية الشاعر يقول لك: «.. ولم أره، ولكن سمعت خبره» . أو أنه بحث في مكتبة تخص أهل هذا الشاعر فلا يتعرّف إلى شعره فيها. ويصرّح لنا أحيانا بأنّه لم يستطع التعرّف على الشاعر من حيث مقامه فيقول: «وجدت في سفينة فوائدي اسمين لم أعرف لصاحبيهما منبتا، فأعين مكانهما، ولا منهما خبرا فأؤرخ زمانهما. أحدهما أبو الشريف أحمد بن محمد.. بن علويه، والآخر أبو علي عيسى بن حماد» . وهذا دليل آخر على إخلاصه في الرواية. وقد يعين لنا أحيانا مكان لقائه بالشاعر «٤» ، وأحيانا زمان اللقاء ومكانه فيقول في أبي محمد الدوغابازي: «رأيته سنة سبع وعشرين في الجامع. فروى لي من أشعاره..» . وقد يوفّق إلى ديوان أحد الشعراء،

стр. 1544

فينقل شيئا مستبشرا إذا ظفر ببغيته «١» ولكنّه قد يحظى بالديوان فلا ينقل منه شيئا، ويتعلل بعلالات كثيرة، منها: «.. وكنت على جناح الانصراف الى الناحية..» ، فلا يعود الى نقل ما كان يجب أن ينقله. وإذا سمع شعرا، ولم يثق بالراوي قال- مثلا-: «وأنشدني له بعض أهل ناحيته والعهدة عليه» «٢» . وقد لا يرى الشاعر ولا شعره ولا ديوانه، فيميل إلى الاستملاء والرواية. وهو في كل الأحوال مخلص مستقص، وإن كان الأمر من أجل بيت أو بيتين أو حتى خبر بسيط. فقلّما نرى شعراء دون اسناد. فاسمعه يروي بيتين لأبي سليمان رحمة الأسدي فيقول: «أنشدني الأديب أبو يوسف يعقوب بن أحمد النيسابوري، قال: «أنشدني الشيخ أبو صالح المستوفي» قال: «أنشدني أبو سليمان رحمة بن غانم نفسه» . ثم يروي لك البيتين. ولكن هذا الاسناد ليس موجودا دوما، فكثيرا ما نعثر على قصائد لا يخبرنا من أين استقاها أو كيف. وإذا شكّ هو أو الراوي في رواية بعض الشعر، أو مرّ قبلا، ذكر ذلك بكل صراحة حرصا منه على إطلاع القارىء على جليّة الأمر. وهو إذا قصد ناحية من النواحي طالبا شعر شعرائها، ولم يجد فيها العدد الكافي صرّح لك بأنه لم يعثر إلّا على واحد فقط، كما حصل معه في «أرغيان» و «طوس» و «جوين» «٣» . وكثيرا ما يعرض عليه الشعر الكثير فيكتب منه القليل، متعللا بأنّ ما كتبه كان من شرط الكتاب «٤» . وقد لا يكتب شيئا على الرغم من اطّلاعه على الديوان والتعلل نفسه لا يتغيّر. فيقول:

стр. 1545

«أقرأني الأديب يعقوب.. جزءا بخطه، مشتملا على قصائد ومقطّعات من أشعاره، فاخترت اللائق بكتابي هذا» «١» . وقد حاولنا جهدنا كشف شرط كتابه، وطريقة اختياره، ونوعية ما يختار. فلم نظفر بطائل. ذلك أنه نقل لكلّ من قابل. ولم يكد يترك بابا من أبواب الشعر إلّا روى نبذة منه. ولعلّ تعلّله هذا ليس الا اعتذارا لمن لم يرغب في رواية شعره. أو هو شيء آخر لم نظفر به. وربّما يطيل. بل يطنب. في رواية أخبار الشاعر. مما هو بعيد عن الحاجة. ولكنه إذا وصل إلى ذكر منتخباته قال: «فممّا علق بحفظي من مترنّماته قوله» . ومسألة العجلة التي تمنعه من رواية بعض القصائد كثيرة، وأكثر منها ما يعلق بحفظه. فقد يعلق بيت أو بيتان، أو لا يعلق شيء يذكر. وقد يختار الغثّ من الشاعر الحسن أحيانا. أو أنه يختار مديح نظام الملك والهجاء الفاحش مما جمع أو سمع. ويعرّفنا تارة بشعر شاعر تميّز بالزهد مثلا، ولكنه لا يروي لنا من زهده شيئا بل يروي المديح، كما فعل مع أبيه ومع الزاهد الفيروزآبادي. ويشير إلى أنه سيذكر قصيدة مدحية. فإذا به يذكر المطلع الغزليى، وإذا وصل إلى المديح المطلوب ذكر بيتا أو سها عن ذكر هذا البيت.
следующие страницы →