وغدت جيادك تستلذّ كلالها ... حتى كأنّ الراحة الإعياء [١]
إن الشآم، وإن تمرّض، شاكر ... ولربّ داء عاد وهو دواء
أعززته في عاجل وتركته ... بالعدل يرتع طلسه [٢] والشّاء «١»
ما زادك الألقاب معنى ثانيا ... وكأنّها [٣] من صدقها أسماء
قلت:
هذا والله في فنّه أسلوب غريب ونمط [٤] عجيب. ومنها:
قوم إذا خطر [٥] الغمام بدارهم [٦] ... ظهرت عليه خجلة وحياء
وكأنّما في غمد كلّ مهنّد ... سلّوه من فلق الصّباح ضياء
أمّا السماء فما أظلّت مثلهم ... أبدا ولم تتحمّل الغبراء
стр. 212
٤٥- سعيد بن عليّ [١]
من مدّاح الصّاحب نظام الملك (أدام الله علاه) [٢] . أنشده هذه الخدمة (على باب) [٣] مدينة «تلّ [٤] الثّور» «١» ، وقد فتحها آخر شهر ربيع الآخر [٥] سنة ثلاث وستين وأربعمائة:
أبى الضيم قلب بين جنبيّ قلّب ... وعزم من [٦] الشّهب الثّواقب أثقب
(طويل)
وكلّفني خوض الدّجى طلب العلا ... ولولا المعالي ما اطّباني «٢» [٧] مركب
فمالي وللّاحي يطيل ملامتي؟ ... كأني لغير المجد أسعى وأذأب
ويوم كأنفاسر المشوق [٨] قطعته ... وأنفاسه من حرّه تتلهّب
стр. 213
فلما دجا جنح الظّلام هتكته ... كأنّي في قلب الحنادس «١» كوكب
فوا أسفي [١] حتّام لا النأي ينقضي ... ولا الصبر يقضي لي ولا الدار تقرب؟
أكلّ زماني من زماني شكاية ... أطول حياتي من حياتي تعتّب؟
خلقت حمولا للخطوب فلو جرى ... لها مقول قامت بصبري [٢] تخطب
خليليّ مهلا لا تلوما أخاكما ... فما يعرف الأيام من لا يجرّب
لقيت من الأيام مالو [٣] قرنته ... بثهلان «٢» أضحى وهو في التّرب يحسب
وجربت أبناء الزّمان فكلّهم ... عدوّ مداج بين طمريه «٣» [٤] عقرب
وما أنا بالمطري ضننينا وإنّما ... بجود نظام الملك أطري وأطنب
همام له عند النّوائب همّة ... بأمثالها الأمثال في الناس تضرب
стр. 214
ومستنقذ الأقوام بالعدل بعدما ... فرى الناس ناب [١] للخطوب ومخلب
يرى عاجلا في آجل فكأنّما ... أبى الله أن يخفى عليه المغيّب
ومنها:
وأبلج بسّام [٢] يكاد [٣] جبينه ... يقوم مقام الشّمس أيّان [٤] تغرب
ومبتهج بالزّائرين كأنّه ... لأجمعهم من دون آبائهم أب
إذا حلّ فالجوزاء دست «١» وإن سرى ... فموكبه [٥] الأقدار والسّعد مركب
فمن مبلغ أقلامه أنّ ريقها ... سمام «٢» ودرياق [٦] معا حين تكتب؟
وأنّ المنايا الحمر منهنّ تستقى ... وأنّ العطايا البيض منهنّ تكسب [٧]
стр. 215
إليك نظام الملك قادني الهوى ... وجدّ [١] له بين الجوانح ملعب
أغثني وغثني واصطنعني من الرّدى ... فكلّ امريء يولي الجميل محبّب «١»
٤٦- ابراهيم بن عبد الرحمن المعرّيّ
هو في [٢] الفضلاء من [٣] أوساط الجمهور، والوسط خير الأمور. ولو لم يكن باع الفضل للأوساط منبسطا لما قال الله تعالى : «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» «٢» . وهو من مدّاح الصاحب نظام الملك، قصده بهذه القصيدة:
يا عالما غودر في رقدة ... هبّوا فكم يدعى بكم [٤] هبّوا
(سريع)
قد ظهر الحقّ وبان الهدى ... لمن له عينان أو قلب
стр. 216
مثل ظهور الشّمس من [١] حجبها ... إذ [٢] رفعت [٣] من نورها الحجب
بالملك الأعظم مستبشر ... شرق بلاد الله والغرب
أقطارها ترتجّ من ذكره ... وجيشه ضاق به الرّحب
فان [٤] تدر للحرب يوما رحى ... فهو لها [٥] من دونهم قطب
كالأسد الورد يرى خادرا [٦] ... وكلّ من عانده كلب [٧]
وصحبه [٨] الأشبال من حوله ... ملبدة يخشى لها وثب
أنيابها نشّابها، والظّبى ... أظفارها إن سئم النّشب
عودهم لين لسلطانهم ... وهو لمن عاداهم [٩] صلب [١٠]
يا ملك [١١] الأملاك بل لبّها ... شهادة صدّقها اللّبّ
نصرت حزب الله يا من له ... ربّ البرايا أبدا حزب
يا ملك الإسلام [١٢] يا من له ... ذكر بأفواههم عذب
стр. 217
ما ندب «١» الملك إلى ماجد ... إلّا وأنت الماجد النّدب
ذاد خطوب الدّهر عن ساحتي ... فلا عراه أبدا خطب
قلت، وقد أمطر أرضي الغنى ... وشرّد الجدب بها الخصب:
من لم يعد من رفده متربا «٢» [١] ... فإنّه أولى به التّرب
٤٧- الحسين بن عبد الله العبادوسيّ [٢]
خدم الحضرة النظامية، حرسها الله، متيمّما بشفته صعيد ترابها، مستلذا لما يقطفه [٣] من جنى جنابها. وقد مرّت بي حكمة له ميمية اخترت منها هذه الأبيات الثلاثة:
قد مرّ نقد أياديه بكلّ يد ... ولذّ نشر معاليه بكلّ فم
(بسيط)
стр. 218
تمضي أوامره في كلّ محتشم ... ويتبع الحقّ فيهم غير محتشم
يذلّ كلّ عزيز عند سطوته ... ويكتفي [١] منه قبل [٢] الكلم «١» بالكلم
٤٨- عليّ بن عبد العزيز بن عمرو المعريّ [٣]
خدم الصاحب نظام الملك على باب ميّا فارقين في صفر سنة ثلاث وستين [وأربعمائة] [٤] بهذه القصيدة:
حيّ الديار برامة الجرعاء «٢» ... فهناك أهل مودّتي وصفائي
(كامل)
أيام كنت بها مقيما ناعما ... أختال بين ضراغم وظباء
حور نواعم ما وسمن بريبة ... ما بين كاملة إلى عذراء
стр. 219
يخجلن بدر التّمّ في غلس [١] الدّجى ... ويذرن [٢] نور الشمس كالظّلماء [٣]
ومنها [في المديح] [٤] :
لمّا وفدت على [٥] الشآم تباشرت ... أقطارها بمفرّج الغمّاء
وأنار عدلك [٦] في دياجي [٧] أرضها ... وجرى إليهم مثل جري الماء
وتسامعت صيد الملوك بنعمة ... ملّيتها من مسبغ النّعماء
(أنصبت [٨] قصدا نحو) [٩] جودك أينقي «١» [١٠] ... متحقّقا أنّي أنال رجائي [١١]
خذها إليك قصيدة من ناظم ... زهراء مثل الرّوضة الزّهراء
غرّاء تزهر كالربيع نضارة ... جمعت صفات خليقة [١٢] غرّاء
стр. 220
٤٩- السيد أبو الحسين [١] الطّولقيّ «١»
هو من المغاربة، ضرير مقريء حسن التّصرف في [الشعر و] [٢] النحو.
سمع قول الشيخ أبي بكر القهستانيّ في الأتراك:
لأجل التّرك ما يدعون تركا ... فهم ترك وواحدهم تروك
(وافر)
كذاك الفعل واحدها [٣] فعول ... أليس الضّحك واحدها [٤] ضحوك؟
فأجاب عنه بقوله:
ألا يا عائب الاتراك مهلا ... فليس إلى معائبهم سلوك
(وافر)
تلوك القول إفحاشا وهجرا ... أتدري، لا أبالك، ما تلوك؟
فحرّهم على الأحرار ملك ... وعبدهم لمالكه [٥] ملوك
стр. 221
كفى الأتراك أنّ الناس طرّا ... رعاياهم وأنهم ملوك [١] [٢]
[قلت] [٣] : وزاد على القستهاني بإعناته، والتزام اللام والواو في أبياته، وقد ملّح العميد القهستاني في قياسه الترك والتروك على الضحك والضحوك.
وللسيد شرف السادة البلخيّ أبيات في الأتراك لم أسمع أحسن منها في معناها، وهي:
عليك الترك من هذا الأنام ... فهم زين المحاضر والموامي «١»
(وافر)
وهم مرّ الزمان وهم حلاه ... وقد حمد المرارة في المدام
بأوساط الفلاء لهم بيوت ... تحصّنها بأطراف السهام [٤]
وما أحسن ما لفّق بين الأوساط و [بين] [٥] الأطراف. ومثل هذه الصنعة في شعر المتنبي:
تولّيه أوساط البلاد رماحه ... وتمنعه أطرافهنّ من العزل «٢»
стр. 222
٥٠- الشريف أبو الحسن عليّ بن أبي طالب بن الحسن المغربيّ [١]
أنشدني له وشتاسف الأصفهانيّ، حافد الأستاذ أبي عبد الله البنداريّ الديلميّ، قال: أنشدني هذا الشريف لنفسه [بنصيبين] [٢] :
قمر يسيء إلى القلوب بحسنه ... وبسقم ناظره يصحّ ويسقم
(كامل)
الرّيم [٣] والغصن الرطيب ونوره ... ألحاظه وقوامه والمبسم
لا فزت يوما من رضاك بمبهج ... إن كنت من تعذيب حبك [٤] أسأم
٥١- أبو الوفا المافرّوخيّ [٥]
أنشدني وشتاسف الاصبهانيّ الذي سبق ذكره قال: أنشدني أبو الوفا لنفسه في بهرام الطبّاخ سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة «١» :
стр. 223
أقلّ من [١] صلف «١» لم تؤت عن سلف ... والق الأنام على قدر ومعرفة
(بسيط)
فإنّ والدك الطّباخ أعرفه ... فانشر حديثك عن قدر ومغرفة
٥٢- الحسين بن الحسن الخطيبيّ [٢] الأرمويّ [٣]
مدح الصاحب نظام الملك على باب أشنة «٢» في ذي الحجة سنة اثنتين وستين [وأربعمائة] [٤] بهذه القصيدة التي [٥] مطلعها:
خليليّ جودا [٦] بالدّموع وأنجدا
стр. 224
[ومنها] [١] :
إذا غام «١» خضراء الوغى لطريدة ... تقاطر منها النّصل والحين والرّدى
(طويل)
وإن ظمئت لله خيل أخاضها ... ليشفي ظماها في نجيع «٢» من العدا [٢]
تباهي [٣] بها تلك الدّيار تفاخرا ... ويبدي الثرى منها [٤] لجينا وعسجدا
براه إله الخلق رزّاق كلّهم ... فقلّدها [٥] النّعمى تؤاما ومفردا
هو البحر جودا زره ما دام ساجيا «٣» ... ولا تلقه إن كان يزخر مزبدا
أعزّ المعالي [٦] سافرات كأنّها ... تنادي بأعلى الصوت: هبّوا إلى الجدا «٤»
ولولا نظام الملك ما نجم العلا ... وعاد ضياء الشرع أغبر أرمدا «٥»
стр. 225
ولا رتّل القرآن في حندس «١» الدّجى ... ولا شاع [١] دين الله غضا مجدّدا
٥٣- عبد الله بن محمد بن بكر [٢] الجعفريّ الوزيريّ [٣]
ورد على مولانا نظام الملك، أدام الله أيامه وحرس على الملك نظامه، وهو بالشام في صفر سنة ثلاث [٤] وستين وأربعمائة، ومدحه بهذه النونية، التي أولها:
الشّوق فرّق بين الجفن والوسن ... والسّقم أثّر في روحي وفي بدني [٥]
(بسيط) ومنها [في المدح] [٦] :
هو الوزير الذي قد راض مملكة ... ما راضها قبله [٧] كسرى وذو يزن
стр. 226
دارت على فلك الإقبال دولته ... شمسا فخرّت له الدّنيا على ذقن [١]
فالدين من عدله المنشور في خلع ... والشّرك من بأسه المحذور في كفن
والعبد في ملكه كالحرّ مقتدر ... والحرّ من منّه عبد بلا ثمن [٢]
٥٤- المهذّب «١» [٣]
أنشدني القاضي أبو جعفر البحاثيّ، رحمة الله عليه، قال: أنشدني [القاضي] [٤] حمد بن محمد التّوزّيّ لوزير عزيز مصر الملقّب بالمهذّب في مدح المرتضى الموسويّ البغداديّ من قصيدة [يقول فيها] [٥] :
تختال بين السّمر وهي شواجر ... هل [٦] يفزعن أسد العرين عرين؟
(كامل)
стр. 227
٥٥- أبو الطالب الوحيد المصريّ [١]
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني غرس النعمة «١» له:
ضنّ الزمان بنيّة الإخلاص ... عني وجاء بودّه المعتاص [٢]
(كامل)
ما سرّ يوم [٣] منه إلّا ساءني ... غده، فأيامي [٤] جروح قصاص
ومن العجائب أنّ كلّ بلاغة ... جمحت تطاوعني، وحظّي عاص
والطّير أجناس تطير وإنّما [٥] ... للغاتهنّ حبسن في الأقفاص
٥٦- ابن بابا [٦]
باب الأدب عليه مفتوح، ودست «٢» الفضل له مطروح، وزند الشعر به مقدوح. قال يمدح الصاحب نظام الملك (حرس الله أيامه) [٧] على باب
стр. 228
قنّسرين «١» من الشام سنة ثلاث وستين [وأربعمائة] [١]
يمينك أندى العارضين [٢] سحابا ... وعزمك أمضى الصارمين ذبابا
(طويل)
وأنت أعمّ الناس طولا [٣] وسؤددا ... وأطيبهم جرثومة ونصابا
وأسرعهم في النائبات إغاثة ... وأمرعهم يوم العطاء جنابا [٤]
شهادة برّ لا تحابى بمثلها ... ألا ربّما كان السحاب يحابى [٥]
يقولون: إنّ المزن يحكيك صوبه ... مجاملة، ها قد شهدت [٦] وغابا
وكم أزمة عمّ البريّة بؤسها، ... فهل ناب [٧] فيها عن نداك منابا؟
همت «٢» ذهبا فيها يداك عليهم ... وضنّت [٨] يداه أن ترشّ ذهابا
стр. 229
ولو كان للأسياف عزمك، ما نبت [١] ... ولا ناط «١» بالخصر النّجاد قرابا
وما زلت ترضي الله في نصر دينه ... بمألكة «٢» تزجي الأسود غضابا
إذا طويت كانت وغى وقساطلا «٣» ... وإن نشرت كانت ظبى وحرابا
وما حملت غير السيوف رسالة ... ولا طلبت غير الرؤوس جوابا
قد اخترطت أيدي الخلافة منكم ... سيوفا على هام العداة غضابا
ومن بات عن قوس السّعادة راميا ... نحور أعاديه رمى فأصابا
دعاك على شحط المزار ابن صالح «٤» ... فلم ترض إلّا أن تكون جوابا
غدا طالبا في ظلّ ملكك عيشة ... فوافاه أحظى الوافدين طلابا
وكان إلى نيل السّلامة سلّما ... لنا وإلى باب [٢] السّعادة بابا
هو الجدّ فليمس الفتى في ظلاله ... فلو أخطأ المجدود «٥» قيل: أصابا
стр. 230
سقى حلبا من جود كفّك ماطر ... إذا لم تصب فيها المواطر صابا
سموت بها نحو السماء كأنّما ... ضربت عليها بالنّجوم قبابا
فإن ناسبت [١] منها الصقور فطالما ... رفعت عليها باللواء عقابا
قلت: لله درّه في الجمع [٢] بين الصقر والعقاب بهذا المعنى المقرطس لهدف [٣] الصّواب:
بحقّ تولّيت الخلافة معتقا ... برأيك من رقّ الخلاف رقابا [٤]
نظمت، نظام الملك، منثور [٥] مجدها ... عقودا على لبّاتها [٦] وسخابا «١»
وجلّيت يا شمس الكفاة غياهبا ... برأي غدا [٧] في النائبات شهابا
غصبت على المجد [٨] الرجال فسدتهم ... غلابا ومنهم من يسود خلابا «٢»
وأطلعت سحبا من [٩] بنانك [١٠] ثرّة ... تفيض عليهم نائلا وعقابا
стр. 231
وسهلت من بؤس الليالي شدائدا ... وذلّلت من شوس الخطوب صعابا
أعدت إلى الدّنيا نضارة حسنها ... وأبدلتها بعد المشيب شبابا
٥٧- عبد الله بن جابر
من مدّاح الصاحب نظام الملك، حرس الله دولته، وقد صقل صفائح ثنائه بالشام، كما تصقل ثغور الغواني بالبشام «١» . فممّا بلغني من مدائحه النظامية قوله:
أريّاك وافى [١] أم صبا وشمال ... تأرّج منها يمنة وشمال؟
(طويل)
ألمّ وفيما بيننا من بلاده ... رمال بأيدي اليعملات «٢» تهال
بنفسي خيال [٢] ما يزال يشوقني ... إلى جوّها ممّن هويت خيام
ولولا وفاء قد فطرت بدينه ... لما شاق قلبي جندل «٣» ورمال
стр. 232
فلله عزم كالأسنّة في الحشا ... له بين أحشاء الخطوب صيال «١»
يعاف لحاظ الماء ما هان ورده ... وإن شاقه ممّا يريغ «٢» بلال
وما للفتى في الوفر إن صين [١] مفخر ... إذا عاد ماء الوجه وهو مذال «٣»
أثرها ولا تنظر عواقب مشفق ... وفي [٢] كلّ أرض مسرح ومجال
ولا تخش أن تظما إذا عنّ مورد ... فما كلّ ماء [٣] بالبسيطة [٤] آل «٤»
وحلّ حبا العزم المصمّم في العلا ... فسعيك في طرق الخمول ضلال
وخض غمرات البيد [٥] فالركب أسهم ... نضتها الحنايا والذميل «٥» [٦] نضال
وكلّ دم أجرى لها السير والسّرى ... بحكم العلا يابن الكرام حلال
стр. 233
ولا تبغ أوشال «١» القناعة إنها ... لباغي المعالي غصّة وعقال
ولذ بنظام الملك والمجد إنه ... لكلّ البرايا ملجأ ومآل [١]
حسام ولكن ليس تنبو شفاره ... وبحر ولكنّ المعين [٢] زلال [٣]
له صهوات الجرد «٢» من كلّ سابق ... محلّ ومن سمر الرماح ظلال
إذا همّ لم يصحب عزيمة همّه ... إلى مقصد إلّا قنا ونصال
مساع على الأفلاك منهنّ رونق ... وللدّهر منها مفخر وجلال
٥٨- أبو نصر منصور بن ممكان التّبريزيّ
اختصّ من بين أهل تبريز بالتّبريز، وسبك المعاني سبك الذهب الإبريز [٤] وفيما أوردته [٥] باسمه من هذه الكافيّة كفاية، اذ ليس وراءها في الاحسان
стр. 234
غاية، ولا لها في حسنها نهاية. وهذه أول قصيدة رقيت إلى السمع العالي بديار الشام، لا يزال مقرّطا بجواهر الكلام:
أللعين بين البيض والسمر مسلك [١] ... إلى هودج واراه ريط «١» ممسّك؟
(طويل)
يخفّ به شوك الأسنة والظّبى ... كما حفّ بالشمس الشعاع المشوّك
معناه أن الشمس اذا صوّرت نقشت مشوّكة الأطراف:
يزين سنام الأرحبيّ «٢» جماله ... كما زان صدر الخود ثدي [٢] مفلّك
متى اكتنّ فيه»
بيضة الخدر فرقت ... حواليه طير للقلوب فتشبك
قوله: تشبك، أي تقع في الشبكة. وما أحسن ما لفّق بين البيضة والطير والشبكة، بألفاظ نظمتها [٣] ومعان [٤] جمعتها!:
ومما يعنّي أنّه متستّر ... وكلّ الورى من عشقه متهتّك
تمثّل لي منه من الحسن هيكل ... وضلّ [٥] به منّي [٦] من العشق مشرك
стр. 235
فمن مبلغ عنّي العواذل أنني ... بتعظيمه ما عشت أغرى وأسدك «١»
أقرّ بأنّ الخلد فيه مصوّر ... وأشهد أنّ الحسن فيه مفذلك
وأعلم أنّ العزّ في سرج سابح ... متى فرّ من ذلّ فما هو مدرك
يطير متى قرّطته من عنانه ... بصلّ «٢» تراه دائبا يتحرّك
إذا وطىء الصخر الأصمّ أطنّه ... بقعب يسمّى سنبكا «٣» وهو مدوك «٤»
وينبع عين الماء في الصخر كلّما ... تبدّى كحرف العين في الصخر سنبك
ينشّطه السّيف الذي أنا أنتضي ... ويطر بني الفأس «٥» الذي هو يعلك
وما إن يرى مني جماما [١] بمربع ... إلى أن أرى ربعا سما فيه ملأك «٦»
فيا سابحا تحتي ولا ماء تحته ... يجمّ «٧» بهذا الشرط والشرط أملك
стр. 236
فجلجل صهيلا إن تراءى مطيّبا ... مطنّب خيم [١] بالمعالي ممسّك
يسمّكه [٢] من مسّكته [٣] مناقب ... بهنّ لمولانا الوزير تمسّك
كما في نظام الملك للملك مفخر ... كذا لقوام الدّين في الدين منسك
ولله في نفس النظام جواهر ... محقّقها إسحاقه لا المحكّك «١» [٤]
بها زيّن السلطان ترصيع تاجه ... فراح [٥] من التاج المرصّع يضحك [٦]
ومنها:
من المجد لا من تبره [٧] متموّل ... من التّبر لا من مجده متصعلك
وقور السّجايا حين يعصف عاصف ... من الخطب، والأجبال منه تدكدك
علا العارض الثّجّاج «٢» جودا لأنه ... إذا جادبكّى [٨] وهو في الجود يضحك
لدى جوده للمال يبديه مأخذ ... وفي نصحه للسرّ يخفيه مترك [٩]
стр. 237
فأعجب به وقت النّدى وهو باذل ... وأعجب به حال النّهى وهو ممسك
ونير [١] مواليه مع الجهل عاقل [٢] ... ونير [١] معاديه مع الحلم [٣] أنوك «١»
تعالى عن الضّيم المسفّ بهمّة ... تحلّق في (جنب النّعائم «٢» ) [٤] تبرك
خذوا يا رواة الشّعر عنّي مديحه ... وبالمندل «٣» الرطب الزكيّ تسوّكوا
فدى الصارم الماضي يراعا بكفّ من ... به بتك «٤» الحسّاد وهو مبتّك [٥]
ومنها في صفة [٦] القلم [٧] :
وكم قتل الخصم البعيد [٨] بحدّه [٩] ... ومن دمه لا من دم الخصم يسفك
стр. 238
يلاقي [١] به الجلّى عذيق مرجّب ... ويلقى به الشّورى جذيل «١» محكك
يسير ويسري للأصادق والعدا ... وعند الرّضى ينجي [٢] وفي السّخط يهلك
ويزداد بأسا بالنّحول كأنّما ... يعدّ نهيكا «٢» كلّ من بات ينهك
تملّكت رقيّ وهو رقّ ابن همّة ... أبى جسمه وشيا [٣] بذل يحوّك
وممّا دهاني أنّ شعري منقّح ... وأنّ الذي يبتاع شعر [٤] مركّك
يجول غريبا باسمي الشّعر دائبا ... وفي كل قلب نفسه تتبنّك «٣»
وكافيّتي كافيّة لا أبيعها ... بكافية فيها الوراك «٤» وتروك
ولو أبصرتني عين راكب تروك [٥] ... إذا (لرأت بي) [٦] سابقا ليس يدرك
ومن بارع [٧] شعره قوله أيضا:
стр. 239
بنو اللّطف أبناء الهوى سادة التّجر ... قلوبهم تغلي وأعينهم تجري
(طويل)
أنا الشّيخ منهم كم تجرت فلم يكن ... بلا دمعة جفني ولا لوعة صبري
رضيت بحكم الحبّ في القرب والنّوى ... ودنت لأمر الحبّ في الوصل والهجر
وما ابتعت فيه [١] غير خصم من الأسى ... ولا بعت فيه غير عون [٢] من الصبر
ولو أنّ أمر (العين والقلب) [٣] في يدي ... لكنت أخذت العذر من حبّي [٤] العذري
ولكنّ لي (عينا وقلبا) [٥] تحالفا ... مع الحب في نفسي فلم يغنني حذري
تخبّر عيني عين قلبي بما ترى ... ويقبل قلبي ما تراه بلا خبر
هو الحبّ قبلي كان، إذ أنا لم أكن ... وكان [٦] مطاع الأمر ممتثل الزّجر [٧]
ومن أجله داود أسخط ربّه ... وباء بثقل الّلوم والإثم والغدر [٨]
فإن أنا من أسراه أصبحت واحدا ... فقل في سبيل الله كوني في الأسر [٩]
стр. 240
٥٩- الأستاذ أبو المحاسن الحسين بن علي بن نصر [١]
لما نزل الصاحب نظام الملك بباب تبريز خدمه هذا الاستاذ بهذه اللامية:
لو ساعفتني سلوة [٢] بتعلّل [٣] ... لفككت نفسي من وثاق العذّل
(كامل)
ولرحت عن [٤] ثقل الغرام [٥] مرفّها [٦] ... ولكنت من حمل [٧] المرام [٨] بمعزل [٩]
تحبو [١٠] الثّريا في السماء كعصبة ... ترد ازدحاما في اقتحام المنهل
والفرقدان تخطّيا وتمطّيا ... وكلاهما يرنو بطرف الأنجل
والبدر يسبح [١١] ساحبا أذياله ... والصبح ينذر بانتضاء المنصل «١»
стр. 241
وذلاذل الأغصان [١] تقلقها الصّبا ... فكأنّها انتفضت لعارض [٢] أفكل «١»
والطّير تتلو من عواشر لحنها ... والرّيح تلعب فوق درع الجدول
والكأس قارعها المزاج فأنشأت ... قطع اللّجين من الضّرام المشعل
والشّرب غالهم المدام فأصبحوا [٣] ... يتخافتون «٢» عن اللّسان المثقل
والعود قارضني [٤] بشكوى معبد [٥] ... زجلا [٦] وخاطبني بنجوى زلزل «٣»
شوق يغادرنا [٧] بدارة جلجل ... وبدمنة بين الدّخول فحومل «٤»
стр. 242
سمح إذا ما جاد أنشأ جوده ... من عارض هزج [١] الهدير مجلجل
حدث [٢] إذا افتتح الكلام حسبته ... يتلو عليك من الكتاب المنزل
تفديه أنفسنا إذا ما راقنا ... إيماضه «١» من منظر متهلّل
فالهمّ يقلع والضّلالة تمّحي [٣] ... والظّلم ينجم [٤] «٢» والعماية [٥] تنجلي
متعرّض طورا بخلق مصلت «٣» ... ومعرّض طورا بآخر أمثل [٦]
فشراسة موصولة بسجاحة «٤» [٧] ... كالرّاح تكسرها [٨] بعذب سلسل [٩]
لم تزه أشراف الكواكب من عل ... مذ حاز أشراف المناقب من علي [١٠]
ما زال يثقب كلّ صعب رأيه ... حتى تفكّك [١١] منه جرم [١٢] الجندل
стр. 243
قال الذي من قبل هذا لم يقل ... فعل الذي من قبله لم يفعل [١]
فالشرق [٢] يشكره بأعذب منطق ... والغرب يذكره بأفصح مقول
[ومنها] [٣] :
أوطأت أرض الروم جيشا مقبلا ... لا يسألون عن السّواد المقبل
من كلّ ملتهب العرام مجادل ... ركب الحصان كأجدل في مجدل [٤] «١»
قلت: انظر كيف جمع [بين] [٥] المجادل والأجدل والمجدل:
شرس التخطّف كالعقاب المعتدي ... عجل التوصّل كالظّليم المرقل «٢»
دوّخت منها كلّ صرح [٦] مانع ... وفتحت فيها [٧] كلّ باب مقفل
عاد الخليج بها شعاعا شائعا ... وشعاع قرن الشمس لمع المنصل «٣»
стр. 244
فالجرد تحطم والفوارس تدّعي ... والسّمر تخرق والصّوارم تختلي [١] «١»
غزو كسا الاسلام وشي نضارة ... ناهيك من غزو أغرّ محجّل
يثني ويثني المسلمون كأنّهم ... يثنون منك على نبيّ مرسل
فكما أردت سل البرايا واحتكم ... وكما اشتهيت سق القضايا وافعل
٦٠- عليّ بن هبة الله بن محمد بن خالد التّبريزيّ [٢]
[له من قصيدة] [٣] :
أسفي على زمن تولّى وانقضى ... وقد انقضت فيه لنا أوطار
(كامل)
أيام تسعفنا الليالي بالمنى ... وتطيع سعدى أمرنا ونوار
أيام عود العيش أخضر مثمر ... فيها وكاسات العقار تدار
стр. 245
٦١- أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب الأديب التبريزيّ «١» [ ١]
له في فتح خرشنة «٢» ، وما يسّر الله تعالى على يد الصاحب نظام الملك من استنزال [٢] «فضلون» عنها، وبثّه الطلب [على أثره] «٣» ، وهو في الهرب [٤] يجدّ حتى ردّ، وقد أحاط بقدّه القدّ [٣] . قصائد:
هنيئا لمولانا العلا وسعوده ... وأرغم شانيه وكبّ «٤» حسوده
(طويل)
هو الماجد المرجوّ فيض نواله ... وكعب الندى والمنذران عبيده
стр. 246
وما زلت أشكو [١] من زماني صرفه [٢] ... إلى أن بدت لي من ذراه سعوده
فآمنني منه ذمام عقدته ... لدى خير جار لا تحلّ عقوده
فتى ليس يبقى في يديه طريفه ... إذا ما انتدى يوم الندى وتليده
إذا جاد في شهباء ضنّت بدرّها ... وجفّ الثرى، أغنى عن القطر جوده
يجير [٣] من الدّهر الخؤون عهوده [٤] ... ويحيي [٥] الورى تهتانه وعهوده
عصى أمره راعي الرّعاة لجهله ... فأمسى يغني بالنّذير قيوده
قلت: لست أرضى لمثل هذا الفتح بمثل هذا الشرح. وقد اتّفقت لي منه نونيّة شغلت بأوصاف [٦] هذه الحالة، مطلعها ومشرعها [٧] ومقطعها. ولم أستطرد من معناها إلى معنى سواها، وهي:
وفت السعود بوعدها المضمون ... وترادفت بالطائر الميمون
(كامل)
وعلا لواء المسلمين وشافهوا ... تحقيق آمال لهم وظنون
стр. 247
وأضاءت الدّنيا وسلّ صباحها ... من بين جانحتي دجى ودجون «١»
واخضرّ [١] مغبرّ الثّرى فنسيمه [٢] ... يثني على سقيا أجشّ هتون
بالفتح فتّح بابه ذو عزّة ... وعد الإجابة حين قال: ادعوني
إنّ [٣] الحديث لذو شجون فاستمع ... أحلى حديث بل ألذّ شجون
أمّا الممالك فالسّرور مطنّب ... في مستقرّ سريرها الموضون «٢»
شقّت عقيق شفاهها مفترّة ... عن مبسم كاللّؤلؤ المكنون
بعد اعتراض اليأس نال محاقه ... قمر الرجاء [٤] فعاد كالعرجون «٣»
فضل من الله العزيز ونعمة ... كفّت [٥] فضول البغي من [٦] «فضلون»
стр. 248
لمّا اغتدى جار الغمام وغرّه ... بالومض بارق رأيه المأفون «١»
في شامخ [١] أيست [٢] وفود الريح من ... جرّ الذّيول بصحنه المسكون
لم تفترعه [٣] الحادثات ولم تطف ... إلا بمحروس الجهات مصون
يلقى بروقيه النجوم مناطحا ... ويحكّ بالأظلاف ظهر النّون «٢»
(أنسته بطنته) [٤] أيادي منعم ... سدك «٣» بعادة لطفه مفتون
في ضمن برديه مهيب متّقى ... وعليه بشر مؤمّل مأمون
كالمرخ «٤» يبدي الاخضرار غصونه ... والنار في جنبيه ذات كمون [٥]
فبغى، وألسنة القنا ينذرنه ... برحى [٦] لحبّات القلوب [٧] طحون
стр. 249
وطغى، ومن يستغن يطغ كما الثّرى ... إن يرو يوصف نبته بجنون
وافتنّ في [١] آرائه متلوّنا ... كأبي براقش [٢] أو أبي قلمون «١»
طورا يجرّ فؤاده رسن المنى ... أي كيف ألحق والمجرّة دوني؟
ويقيس طورا حصنه بالسجن من ... فشل وراء إهابه مسجون
والحرب [٣] تنكح والنفوس مهورها ... ما بين أبكار تزفّ وعون [٤]
والبيض تقمر والغبار كأنه ... خرق شققن من الدّآدي [٥] الجون «٢»
والنّبل يمطر وبله من منحنى ... نبع كمرتجز الغمام حنون [٦]
رشقا كألحاظ الحسان رمى بها ال ... عشاق قوس الحاجب المقرون
стр. 250
وتطير أفلاذ الجبال [١] كأنّها ... من كلّ ناحية تقول: خذوني
صمّ [٢] رواجع إن تزن رضوى «١» بها ... تخبرك عن كمّية الكمّون
وترى الدماء على الجراح طوافيا ... فكأنها [٣] رمد بنجل عيون
حتى إذا نضبت [٤] بحار عبابه ... عنه سوى حمأ «٢» بها مسنون
ركب البحار [٥] سحيرة وتخايلت ... صور النجاة لوهمه المظنون
وتدبّرت عصم [٦] الوعول مكانه ... وغدا كضبّ بالعراء مكون «٣» [٧]
فإذا الطلائع كالدّبى «٤» [٨] مبثوثة ... لفّوا سهولا خلفه بحزون