قال: وأنشدني أيضا لنفسه [مما عمل] [١] في الحال:
أقول، وقد هزّ القنا لي [٢] قومها [٣] ... وما لي من بين الأسنّة مذهب
(طويل)
ألا ليت نحري للأسنّة ملعب ... وكفّي في نحر ابنة القوم تلعب
٤٨- الأعزّ أبو الفضل محمد بن اسماعيل
رأيته ببغداد مصروفا [٤] من عمل البصرة، وهو في ولاية فضله، وكتبت إليه بهذه الزّائية:
عليّ بها مدخّنة بندّ ... عليّ بها مقدّمة بقزّ «١»
(وافر)
إذا ما قهقه الإبريق عنها ... ليكسو [٥] الكأس منها أحسن الزّي
تحيّر ناظري [٦] في عين ديك ... جرت من [٧] مثل منقار الاوزّ
стр. 352
أدرها يا أعزّ الناس عندي [١] ... على تذكار سيّدنا الأعزّ
ولم يكد يسمح عليّ بشيء من ثمرات [٢] خواطره [٣] غير [٤] أني قطفت من أفواه الرواة هذين البيتين له، [وهما] [٥] :
إشرب إذا كان الزّمان مساعدا ... وارفض مقالة [٦] لائم أو عاتب [٧]
(كامل)
كأسا إذا مزجت حسبت حبابها ... حلق الدّروع على عقيق ذائب
٤٩- ابن بحر [٨] بن البغداديّ [٩]
داهية الدهر وصمّاء الغير [١٠] ، وان عميت عليك أنباؤه فسلني عن الخبر؛ شيخ نسر لقمان عنده فريخ. وقد حجب بصره وكفّ، فإذا أخرجت إليه الأيدي لم يكد يبصر الأكفّ تقطر من لسانه البذاءة، وتتعجّن بطينته [١١] الاساءة، وتعمّ منه في الناس المساءة.
стр. 353
وعهدي به في نادي عميد الملك بمدينة السلام، ﵀، وسقاها صوب الغمام، ومحفله [١] (غاصّ بالخاصّ والعام) [٢] ، شرق بأمراء الاسلام.
وقد اجتمعوا لصلة أوراق الجرثومة القائمية بأغصان الأرومة السلجوقية. وهذا الفاضل معتص بيد قائده إلى تكأة [عميد] [٣] الملك ووسائده. فلمّا انتصب بين يديه كالرّمح بيد الشّجاع مائلا، وكالحرباء بحذاء الشمس ماثلا. قال له:
أرى قدمك أراق دمك، فأنت كالهدي بلغ المحلّ، ولم يلبث أن يضمحلّ، وليس يقيك اليوم سهام الملام، ولو اتّقيتها بحلق اللام [٤] ، إلّا إنشادك قصيدتك [٥] المقفّاة باللام، أو نقلك الرّجل من المحطّ إلى الجذع المنصوب لك على الشطّ. فقال: أيّما لامية يعني مولانا؟، قال: أعني القصيدة التي عفت في انشائها شرب العافية، ووضعت بإنشادها قفاك على القافية، فمدحت الأعلام البيض بأهواس أبت إلّا أن تعشّش في رأسك وتبيض. فلما أخذته الصّيحة بالحقّ، ورمي بهذا الجلمود [و] [٦] المدقّ استدار فخرّ صعقا على الأرض، وبدّل طول قامته بالعرص، وأخذ عميد الملك ينشد ما علق بحفظه من اللامية [٧] التي خاطب بها البساسيريّ «١» شامتا بعرش الخلافة، وقد تثلّم جانبه أشرا بالشّر
стр. 354
الذي شالت مذانبه مستسخرا [١] من رئيس الرؤساء، وقد نصب على الشطّ علما، بعدما [٢] كان في كعبة الوزارة ركنا مستلما. وهذه هي اللامية:
أجل لعمري صدق القائل ... إنّك حقّ وهم الباطل
(سريع)
قد جاءت [٣] الرّايات مبيضّة [٤] ... يقدمهنّ الأسد الباسل
وولّت السّوداء [٥] منكوسة ... ليس لها من ذلّة شائل
أنظر إلى الباغي على جذعه ... والدّم من أوداجه سائل
قلت: ولعمري إنّ هذا الشيطان الرجيم استمطر برأسه نعال الأدم [٦] من أكفّ الخدم، غضّ الله فاه، وأنبت شقائق النّعمان على قفاه. ثم أمر له عميد الملك فشيل من بين يديه، وحمل الى داره الخاصّة، يكاد [٧] من
стр. 355
الغرق في العرق يلفظ آخر الرّمق. فلما أفاق قال: قد غامرت بوسلك «١» البحر ذا التيار والحدب [١] . غير أنّك [قد] [٢] أطلعت الرأس [٣] من جيب قميص الأدب. ولو كان شعرك سخيفا لحقّ لقلبك أن يضمر وجدا وحيفا، ولكنك أحميت فشويت، ورميت فما أشويت، وقلت فأسمعت [٤] وضربت فأوجعت. فأنت في خفارة إحسانك آمن من جناية [٥] لسانك.
وردّ المسكين الى أفحوصه، وكأنه [٦] هائم ردّ إليه فؤاده، لا بل هالك عجّل له معاده.
ولم يحضرني الآن من شعره إلّا هذه الأبيات:
خليليّ ما أحلى صبوحي بدجلة ... وأطيب منه بالصّراة «٢» [٧] غبوقي
(طويل)
شربت على الماءين من ماء كرمة ... فكانا كدرّ ذائب وعقيق
على قمري أفق وأرض [٨] تقابلا ... فمن شائق حلو الهوى ومشوق
стр. 356
فما زلت أسقيه وأشرب ريقه ... وما زال يسقيني ويشرب ريقي
فقلت لبدر التّمّ: تعرف ذا الفتى؟ ... فقال: نعم، هذا أخي وشقيقي
٥٠- الشريف لطف «١» الله الهاشميّ [١]
أنشدني الشيخ والدي، رحمة الله عليه [٢] ، قال: ورد هذا الشريف علينا فجمّل ناحيتنا، وأفادنا [من] [٣] أعلاق فضله، وزوّدنا من ثمار عقله. فكان ممّا أنشدنا لنفسه قوله:
قالت: سلا ودّنا، وحال ولم ... أسل فيجزى به ولم أحل
(منسرح)
عندك قلبي فقلّبيه وإن ... وجدت فيه سواك فانتقلي
стр. 357
٥١- أحمد بن عيسى الوشّاء البغداديّ [١]
ورد على الشيخ أبي الطيّب الخداشيّ بباخرز مادحا له [٢] ، مؤمّلا جداه، مستمطرا نداه، (وقال فيه قصيدة أولها) [٣] :
صلي حبل عذلي يا أمام أو اقطعي ... فما خلتني عند الملام بمقلع [٤]
(طويل)
أعاذلتي ليس الدّواء بنافعي ... إذا كان دائي ثاويا بين أضلعي
أقول وقد ولّى الشّباب وعمّمت ... مفارق رأسي من مشيبي بمقنع
لك الخير هذا الشيب قد قام واعظا ... وأوجز وعظا، كيفما شئت فاصنعي
صلي خلّتي إن شئت أصفيك [٥] خلّة ... وإلّا فجذّي حبل وصلك فاقطعي [٦]
سأصدف [٧] عن ذكر البطالة والصّبا ... إلى الماجد القرم الهمام السّميذع «١»
стр. 358
أبي الطيّب الندب الجواد الّذي له ... من المجد بيت قطّ لم يتضعضع
علا فوق أفراد النّجوم بمجده ... ونال سماء المجد من كلّ موضع
فمن رام عند الفضل إدراك شأوه ... كمن رام حمل الرّاسيات بإصبع
٥٢- أبو الفتح الحسن [١] بن ابراهيم الصّيمريّ [٢]
وقع الى خراسان، فاستذرى «١» بظلال الحضرة الجغريّة [٣] ، وتمسّك بعصمة الخدمة العصميّة، وخصّ منها بموادّ [٤] الأنعام الشامل العام، والاكرام القريب المرام. وكان على وهن عظمه، واشتعال رأسه، وتشنّن [٥] «٢» جلده واستبداله ركوب المناكب في الأعواد من ركوب صهوات الجياد، يعانق مهمّات دار الحرم العالية بجدّ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها،
стр. 359
وجهد لا يخلي دقيقة ولا جليلة إلا استقصاها. وقد مدحته [بالرائية] [١] وهو بأندرابه «١» ، دار الملك بمرو، فما كان عطفه عنّي ثانيا [٢] ، ولا عطفه منّي نائيا [٣] . وكنت عنونت القصيدة بعليّ الباخرزيّ فوقع [من] [٤] تحته ببيتين من قيله [٥] ، وأضاف [٦] الى سائر ما شرّفني به من ترحيبه وتأهيله. وهما:
كلامك معجز وكذاك خلو ... من [٧] العيب المهجّن للكلام
(وافر)
فدع باخرز حقّا عنك واكتب ... نظام المعجز الحسن النظام
وكان يخاطبني في كتبه الواردة عليّ بالمعجز البديع. ومن عجيب الاتفاقات أنّ [الشيخ] [٨] عيسى بنّ [عليّ بن] [٩] محمد [بن عيسى] [١٠] أخا شيخ الدولة ثقة الحضرتين علي البر كزدري»
[١١] طلب من الورّاقين بمرو نسخة
стр. 360
ألفاظ [١] الحماديّ لابن له [بمرو] [٢] ، فجلبت إليه وجليّت عليه، وفكّ الزرّعن عروة الأدم، فأطّلع من [ظهر] [٣] الورقة الاولى على ما أقرعه سنّ الندم؛ وهو [٤] بيتان للشيخ أبي الفتح هذا، قالهما فيه يصف قصوره عن شأو أخيه فيه، وهما:
عليّ كاسمه أبدا عليّ ... وعيسى خامل نخّ دنيّ «١»
(وافر)
هما ثمران من شجر ولكن ... عليّ مدرك وأخوه نيّ
فودّ الشيخ عيسى عندهما أنّ الدّنيا مجّته [٥] ، والعقبى [٦] التقمته، وصار سببا للوحشة بينهما، وموجبا لقرع صفاة صفائهما، ومؤدّيا [٧] بقلع أواخي إخائهما:
وما النفس إلّا نطفة في قراره ... إذا لم تكدّر صار [٨] صفوا غديرها
(طويل) وأنشدني لنفسه بمرو سنة خمس وأربعين وأربعمائة «٢» :
стр. 361
سنّي وسرّي [١] كلّ منهما بطلا ... ودمع عيني على الخدّين قد هملا
(بسيط)
ولا أقول بأنّ الشّيب يظلمني ... بعد الثّمانين لا والله قد عدلا
٥٣- الشريف أبو جعفر بن البيّاضيّ «١»
أنشدني الشيخ أبو عامر الجرجانيّ قال: أنشدني [الخطيب أبو زكريا يحيى ابن علي التبريزيّ «٢» قال: أنشدني] [٢] هذا الشريف لنفسه في إنسان يلقّب [أبوه] [٣] ب «صرّ بعرا» الكاتب وقد ملح فيه وظرف:
لئن نبز [٤] الناس قدما أباك ... فسمّوه من شحّه صرّ بعرا
(متقارب)
فإنّك تنثر [٥] ما صرّه ... خلافا له وتسمّيه شعرا
стр. 362
٥٤- أبو الحسن بن السّكريّ «١» [ ١]
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني ابن السكريّ هذا لنفسه من قصيدة يصف فيها الأتراك:
وجرّ [٢] جيوش التّرك من مستقرّها ... فقل في جيوش الأبلج المتكبّر
(طويل)
بكلّ غلام ملء درعيه [٣] نجدة ... يسير إلى الأبطال غير معذّر
يصرّف في إحدى يديه حنيّة ... تحنّ حنين الواله المتذكّر
ويرسل سهما يقصر اللحظ دونه ... فيودعه والجبن في كلّ منحر
ومنها في صفة [٤] القلم:
وأرقش مشقوق اللسان لعابه ... يميت ويحيي في حروف وأسطر
كأنّ حروف السّطر منه أسنّة ... ترعرع في روض من الحسن مزهر [٥]
стр. 363
ويصمت إلّا في بنانك [١] إنّه [٢] ... يكون خطيبا راكبا ظهر منبر
تغلغل في أرض المشارق كتبه ... فمن ساجد ينتابها أو معفّر
وينفذ في أقصى المغارب أمره ... على كلّ مأمور بها ومؤمّر
٥٥- أبو عليّ محمّد بن وشاح الكاتب البغداديّ «١» [٣]
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني من قصيدة يصف فيها السيف:
وذي رونق ما الدّرع منه بجنّة ... ولا الزرد الضافي عليه كفيل
(طويل)
يسيل الفرند في حفافي غراره ... كما مهج الشّجعان فيه تسيل
عليه أسابيّ الدماء «٢» وإنّه ... على بعد عهد بالصّقال صقيل
стр. 364
صموت لسان الضّرب [١] ينطق دونه ... فيغنيه عن تقواله ويقول
قال: وأنشدني لنفسه من قصيدة [أخرى] [٢] أيضا يصف فيها الرمح:
وأسمر هزهاز كأنّ كعوبه ... عواصي رضيخ من نوى العسب صلّب
(طويل)
قويم أخي عشرين لا الطيش شانه ... ولا قصر أزرى به في المركّب
كأنّ الهوى والوجد حقا سنانه ... فما حلّ إلّا في فؤاد محجّب
يطيع مجالات الطّعان تصرّفا ... بكّفّي في اليوم [٣] الغماس العصبصب «١»
كأنّي وقد أوردته مهج العدا ... أشير إليها بالبنان المخضّب
стр. 365
٥٦- أبو سعد الحسن بن العلا «١» [البغداديّ] [١] الموصلانيّ [٢]
كاتب الديوان العزيز. عقدت بيني وبينه الأخوّة مناسبة الآداب، وإنها لمن أو كد الأسباب. فممّا أنشدني لنفسه قوله:
خليليّ إني كلّما ذرّ شارق ... يزيد إلى أرض العراق حنيني
(طويل)
وإن قابلتني نفحة بابليّة ... تنمّ بما تخفي الضّلوع شؤوني
ولست بمرتاح إلى [٣] قرب من غدا ... مكاني من نجواه غير مكين
فمن مخبر أهل العراق بأنّني ... أبيت ومكنون الهموم قريني؟
حظرت على جنبيّ طيب مضاجعي ... فعزّت على مسّ الغرار جفوني
وإني [٤] مذ شطّت بي الدار عنهم ... أخو قلق ما ينقضي وأنين
стр. 366
أناجي بنات الشّوق حتّى يقال لي: ... به خلطة من عارض وجنون
وما بي إلّا حبّ بغداد عارض ... وحسبي من داء بذاك دفين
أقول وأسباب الهوى تستفزّني ... وقد شرقت بالدّمع ذات معين
على ساكني [١] الزّوراء «١» ما هبّت الصّبا ... تحيّة مقروح الفؤاد حزين
طوى كشحه طيّ السجلّ على الأسى ... وظلّ [٢] يعانيه بغير معين
قلت: نظم هذا الكاتب مسفّ ونثره محلّق. فليته اقتصر على إحدى الحالتين، وعمل بما هو أحذق فيه من الآلتين. فان لكلّ عمل رجالا ولكل مقام مقالا.
٥٧- القاضي النّعماني «٢» [٣]
أنشدني له أبو الفضل يحيى بن نصر السّعديّ البغداديّ
стр. 367
ربّ خود عرفت في عرفات ... سلبتني بحسنها حسناتي
(خفيف)
حرّمت حين أحرمت نوم عيني ... واستباحت دمي لدى [١] اللّحظات
وأفاضت مع الحجيج ففاضت ... من جفوني سوابق العبرات
[ورمت بالجمار جمرة قلبي ... أيّ قلب يبقى على الجمرات] [٢] ؟
لم أنل من منى منى النفس حتّى ... خفت بالخيف أن تكون وفاتي
٥٨- عبد الله بن أبي طالب [٣] الفتى «١» [٤]
أنشدني ابنه الأديب [٦] سليمان [٥] له قال: وإنما قاله على لسان الأمير حسام الدّولة فارس بن عيّار [٧] . وكان ينقش في فصّ خاتمه:
стр. 368
أعدّ للبعث أبو [١] طالب ... حبّ عليّ بن أبي طالب
(سريع) [وله] [٢]
بمحمّد وبحبّ آل محمد ... علقت وسائل فارس بن محمد
(كامل)
يا آل أحمد يا مصابيح الدّجى [٣] ... ومنار منهاج السّبيل الأقصد
لكم الحصيم «١» وزمزم ولكم منى ... وبكم الى سبل الهداية نهتدي
وعليكم نزل الكتاب مفصّلا ... من ذي المعارج بالمنير المرشد [٤]
إنّي بكم متوسّل وبحبّكم ... متمسّك، لا تنثني عنه يدي
إنّ ابن عيّار [٥] بكم كبت العدا ... وعلا بحبّكم رقاب الحسّد
ولئن تأخّر جسمه لضرورة ... فالقلب منه مخيّم بالمشهد
يا زائرا أرض العراق [٦] مسدّدا ... سلّم، سلمت، على الإمام السّيّد
بلّغ أمير المؤمنين تحيّتي ... واذكر له حبّي وصدق تودّدي [٧]
стр. 369
وزر الحسين بكربلاء وقل له: ... يا بن الوصيّ ويا سلالة أحمد
ضاموك وانتهكوا حريمك [١] عنوة ... ورموك بالأمر الفظيع الانكد
ولو انّني شاهدت نصرك أوّلا ... روّيت منهم ذابلي ومهنّدي
منّي السّلام عليك يا بن المصطفى ... أبدا يروح مع الزّمان ويغتدي
وعلى أبيك وجدّك المختار والث ... ثاوين منهم في بقيع الغرقد «١»
وبأرض بغداد على موسى، وفي ... طوس «٢» على ذاك الرّضي المتفرّد
وبسرّ من را [٢] فالسلام [٣] على الهدى ... وعلى التّقى وعلى النّدى والسؤدد
بالعسكريّين اعتصامي [٤] من لظى ... وبقائم بالحقّ يصدع في غد
يجلو الظلام بنوره ويعيدها ... علويّة فينا بأمر موصد
стр. 370
إنّي سعدت بحبّكم أبدا ومن ... يحببكم يا آل أحمد يسعد «١»
مستبصرا [١] والله عون بصيرتي ... ما ذاك إلا من طهارة مولدي
وأنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ له:
ما شكّ في فضل آل فاطمة ... إلّا امرؤ ما لأمّه بعمل
(منسرح)
نغل إذا الحرّ طاب مولده ... وكيف يهوى ذوي الهدى نغل «٢»
خدّي لأقدام آل فاطمة ... ، إذا تخطّوا على الثّرى، نعل
٥٩- ابنه الأديب أبو عبد الله سلمان «٣» ابن عبد الله النّهروانيّ
عاشرته بنيسابور سنة ثلاث وستين [وثلاثمائة] [٢] ، فوجدته لطيف العشرة،
стр. 371
رقيق القشرة. وفتّشت عما يتحلّى به من علم [١] الأعراب، فمدّ فيه أطناب الاطناب حتى كاد يكون مكانه على المبرّد والزّجّاج مكان الأسنّة من الزّجاج. وهو مع هذا أشعر أبناء جنسه.
فممّا أنشدني لنفسه قوله من قصيدة نظامية:
قد كان اسماعيل قدّس روحه ... أعني ابن عبّاد وزير المشرق
(كامل)
يرعى لأهل العلم حقّ رجائهم ... فمضى وخلّد [٢] فيه [٣] ذكرا قد بقي
فاليوم أنت غدوت أعلى رتبة ... منه وأسبق في العتاق [٤] السّبّق
الله قد أعطاك ما لم يعطه ... ملّيته ولحقت ما لم يلحق
فأقم لأهل الفضل سوقا نافقا ... حتّى يصبر كأنّه لم يخلق [٥]
وأنشدني أيضا لنفسه من قصيدة نظامية:
يا ظبية حلّت بباب الطّاق ... بيني وبينك أوكد [٦] الميثاق
(كامل)
فوحقّ أيام (الحمى ووصالنا) [٧] ... قسما بها وبنعمة الخلّاق
ما مرّ من يوم ولا من ليلة ... إلّا إليك تجدّدت أشواقي
стр. 372
سقيا لأيام جنى لي طيبها ... ورد الخدود ونرجس الأحداق
وإذا أضرّت بي عقارب صدغها ... كانت مراشف ريقها ترياقي [١]
٦٠- أبو الفضل يحيى بن نصر السعديّ البغداديّ [٢]
رأيته بزوزن «١» سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة شابا ساريا في الآفاق، سرى الطّيف لإيلافه رحلة الشتاء والصيف. قصد زعيم زوزن أبا القاسم عبد الحميد ابن يحيى في جملة المنتجعين، وانتفع بنفحات جوده في غمار المنتفعين.
وعهدي به وهو يهذّ «٢» من أشعار العرب أكثر من عشرين ألف بيت، ويسردها وراء ظهره من غير أن يزيغ في [٣] طريقه أو يشرق بريقه. ومدح
стр. 373
الصاحب الأجلّ نظام الملك، حرس الله دولته، وهو مخيّم على باب آمد «١» بقصيدة، أولها:
تقوى الاله ذخيرة للموئل [١] ... والبرّ خير مطيّة المتحمّل
(كامل)
ولقد خلعت خلاعتي ورفضتها ... وعقال لهوي مطلق لم يعقل [٢]
وهجرت خلّان الصّبابة والصّبا ... وهوى مغازلة الغزال الأكحل
[ومنها] [٣] :
والشّيب قد شبّت لوامع برقه ... شعلا لها حرق الحريق المشعل
أأجامل الأهواء في طلب المنى ... ولطالما جانبت [٤] ما لم يجمل؟
[ومنها] [٥] :
ولربّ مهلكة طويت فجاجها ... وحللت منها منزلا لم يحلل
ما افتضّ بكر أكامها ووهادها ... خبب الجياد ولا وجيف البزّل
стр. 374
تحكي عظام العيس فوق يفاعها [١] ... شهب النسور المشرفات المثّل
يهماء ليس بها لركب مؤنس ... غير النّواعب والرّئال «١» الجفّل
كلّفت نفسي قطعها وركبتها ... عجلا ولم أفرق ولم أتململ
يرجو أوامي ريّ أعذب مورد ... ويشيم برق حيا السّحاب المخضل «٢»
المحسن الحسن الّذي إحسانه ... ونواله أقصى منى المتنوّل
أصل رسا في المكرمات وفرعه ... متفرّع [٢] فوق السّماك الأعزل
إسحاق يأتي مجده بفعاله ... وعليّ العالي الذّرا وأبو علي «٣»
قوم هم أعيان أعيان العلا [٣] ... قولا بغير تزّيد وتغوّل
كم فيهم، إن طاولوا أو ساجلوا ... يوم التّفاخر، من معمّ مخول
الواهب المنح الجسام تبرّعا ... إن سيل بذل المال أو لم يسأل
стр. 375
ملك اذا التوت الأمور بدا له ... رأي [١] يبيّن كلّ أمر مشكل
تشتاق سيرته [٢] البلاد بأسرها ... شوق الظّماء إلى الزّلال السّلسل
تلقى الوفود ببابه يوم النّدى ... من صادر أو وارد مستعجل
مثل الحجيج إذا تزاحم وفدهم ... بالبيت أو رجل الجراد المجفل
ضافي الظلال لمن يلوذ بظلّه ... رحب الذّرا للوفد عذب المنهل
وجه إذا سيل النّوال رأيته ... متهلّلا كالعارض المتهلّل
قد طبّق الآفاق عدلك كلّها ... وكفى الرّعيّة جور من لم يعدل
ونشرت منشور الأمان لأهلها ... من نازل ثاو ومن مترحّل
بمؤلّلات كالألال «١» إذا جرت ... لم تنب عن قهر [٣] القضاء المنزل
رقش لها كتب تخال كتائبا ... في كلّ معضلة وأمر مهول
تغني عن البيض الحداد [٤] لدى الوغى ... وأسنّة الأسل الظّماء الذّبّل
ومنها:
стр. 376
قد آن للإعسار إن [١] أدنيتتي ... ورفعت من قدري أو ان تزّيل
ووسائلي عند الكرام مدائحي ... والمدح خير وسيلة المتوسّل
[وأنشدني أيضا] [٢] لنفسه:
لو كنت ذا مال وذا ثروة ... والشّيب ما آن ولا قيل كاد
(سريع)
لجاملت [٣] جمل [٤] بميعادها ... وساعدت بالوصل منها سعاد
٦١- أبو طالب أحمد بن محمد الأدميّ البغداديّ النّحويّ «١»
أقرأني الأديب يعقوب بن أحمد النيسابوريّ، أيّده الله، جزءا بخطّه، مشتملا على قصائد ومقطّعات من أشعاره، فاخترت منها اللائق بكتابي هذا.
стр. 377
قال يمدح [الأمير] [١] أبا طاهر محمد بن الحسن «١» [٢] الأردستانيّ [مؤمّلا نداه ومستمطرا جداه] [٣] ، ويهنئه بخلاصه من الغزّ [٤] [التّرك] [٥] ، ويستبطئه وعدا ماطله فيه:
ضوّ الزّجاجة إن ضوء الصّباح أبى ... لا تكذبنّ فليس [٦] العيش ما ذهبا
(بسيط)
أما ترى كيف جاء الدّهر معتتبا ... واليوم مبتسما والجوّ منتقبا؟
كأنّما سحر «٢» الادلاج مقلته ... أو جاذبته حواشي الليل فانتحبا [٧]
فامزج بجودك إملاقي [٨] فإنّ له ... جمرا إذا لمسته راحتاك خبا
كم صاح جودك بي واليأس معترضا [٩] ... ولان عطفك لي والسيف مختضبا
ونالني منك معروف على عدم ... لولا احتفاؤك بي ما جاز لي طنبا
стр. 378
ولو رهنت وما أحويه [١] من نشب «١» ... على غدائك يوما لم تنم سغبا
وما نأمت [٢] بشعري أستميح به ... إلّا ليعلم فضلي شرّما اكتسبا
ولا [٣] مدحت الألى دوني لحبّهم [٤] ... إذا ابتغى الباز صيدا جاءه كثبا
رفعت قوما بشعري وانحفضت به ... كالغيم [٥] شمّ «٢» الثّرى يستصعد العشبا
لا مرحبا بالأماني إن رفعت لها ... رأسي، وقائم سيفي من يديّ كبا
فما يهابك صدر لست [٦] مالئه [٧] ... ولا يطيعك قلب لم يطر رعبا
أيطمع الدّهر في عطفي وقد (سفرت ... عنّي) [٨] الثّلاثون واعتضت الزّمان أبا؟
مهلا فإنّك ما أوليت من حسن ... باق عليك وخير المال ما رتبا «٣»
لا تأمننّ صروف الدهر إن رقدت ... وسورة الملك إن شيطانها ركبا
إذا رأيت أكفّ الأسد دامية ... من الفريس فلا تستبعد السّغبا
стр. 379
ومهمه سرت فيه والبساط دم ... والجوّ نقع وهامات الرجال ربا
وللمنايا ضجيج في مخارقه [١] ... ما صمّ عنه العوالي أسمع القضبا
لا ألبس العزّ إلّا وهو مستلب ... ولا أريغ «١» قرى إلّا إذا اغتصبا
حتّى هتكت رواق الملك عن شرس ... يرضي السّيوف من الجاني إذا غضبا
إيها أبا طاهر هذا مقام ندى ... لا خير في الجود ما لم يسبق الطّلبا
أنهب أكفّ المنى ما كان من ذهب ... لا ينهب الحمد من لم ينهب الذّهبا
أنائم أنت عن شعري وقد ملأت [٢] ... به الرواة صدور الناس والكتبا
ما زلت تبسط آمالي وتؤنسها [٣] ... حتى ظننتك منها أوبها وصبا
ثم انحرفت كأنّا لم نكن أبدا ... على صفاء كذا [٤] الدّنيا ولا عجبا
إذا بخلت فمن نرجو لمكرمة ... وإن غضبت [٥] فمن نرضي إذا عتبا؟
ليهنك الظّفر الميمون طائره ... يا أنصف الناس سلطانا إذا غلبا
стр. 380
لما سمعت دعاء لم يكن ملقا ... ورنّة من زئير [١] ينفض القصبا
أعملت [٢] رأيك [٣] في أمرين أيّهما ... فيه السّداد وكان [٤] الأحزم الهربا
أبدى لك الله عمّا في نفوسهم ... حتّى كأنّ على أسرارهم رقبا [٥]
هزّوك غرّا ولو هزّوك منصلتا ... تحت العجاجة يوما أكثروا العطبا
إذا لصدّهم [٦] عن وردهم أسد ... شاك «١» البراثن إن طال المدى وثبا
يا أكثر الناس معروفا وأخيرهم ... فعلا، وأكرمهم أصلا إذا نسبا
أطل إليّ يدا لو كنت باسطها ... حسب الّذي تقتضيه طالت الشّهبا
وله أيضا:
تأمّل حمول الحيّ تسترق البدرا [٧] ... كأنّ عليهم أن نفارقهم نذرا
(طويل)
سروا بهلال من هلال بن عامر ... يحلّ سواد القلب من برجه خدرا
وكيف [٨] ألذّ العيش أو أطعم الكرى ... بأرض أرى اليوم القصير بها شهرا؟
стр. 381
وخلّفت مغلوب العزاء كأنّني ... وراءهم من سرعة أطأ الجمرا
فإلّا أكن [١] للوصل أهلا فسائل ... أتى يطلب المعروف، فاغتنموا [٢] الأجرا
إذا ما دعت فوق الأراك حمائم ... بأصواتها جهرا دعوتكم سرّا
وله [أيضا] [٣] :
وشادن من بني الأتراك مرّ بنا ... خوف الرّقيب وطرفي [٤] عنه مصروف
(بسيط)
يغضي حياء إذا قبّلت راحته ... كأنّما طرفه بالشّوك مطروف
كأنّ أصداغه والرّيح تضربها ... عقارب بعضها بالبعض ملفوف
وله [أيضا] [٥] :
يا قاتلي بصدوده ... رفقا [٦] فقد شمت الحسود
(مجزوء الكامل)
بالأمس جئت مسلّما ... فلقيت دونك ما يؤود
إن أنت عدت لمثلها ... بالله أحلف لا أعود
[لو قلت: إنّ هذا سحر وليس بشعر لما تخطّيت الحقّ، ولا تعدّيت الصّدق] [٧]
стр. 382
٦٢- أبو طالب حمزة بن غاضرة [١] الأسديّ البغداديّ
ترامت به الأسفار إلى بوشنج «١» [٢] ، فاستوطن بها. وبنيت فيها مدرسة برسمه، وانثالت التلامذة عليه كعرف الضّبع. واستقرّ فيها استقرار الظفّر في برثن السّبع، وحسنت آثاره على المختلفة إليه، المقتبسة ممّا لديه. وله شعر الأدباء والنّحاة، وليس مع ذلك من صخر [٣] البلادة بالنحّات. وأنشدني لنفسه ببوشنج سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة «٢» :
أضعت الشّباب وخنت المشيب ... برفض الوقار وخلع الرّسن [٤]
(متقارب)
ولم [٥] ترع سمعا إلى واعظ ... فحتّى [٦] متى ذا؟ أما آن أن؟ [٧]
стр. 383
ورأيت في بعض التّعاليق [١] منسوبة [٢] إليه:
يا شبيه الرّشا الأح ... ور ألحاظا وجيدا
(مجزوء الرمل)
هل لعيش فات ردّ ... فلقد ولّى حميدا
إنّما يعرف طعم ال ... وصل من ذاق الصّدودا
وله [أيضا] [٣] :
إن كنت في حبّكم كاذبا ... فقد عرفتم ذاك من أمري
(سريع)
فما لقلبي أبدا ضاربا [٤] ... وما لدمعي أبدا يجري؟
ما بحت بالحبّ ولكنّني ... وما بجفنيك من السّحر
أخاف من قولكم قد سلا ... فأطلع الناس على سرّي [٥]
وله [أيضا] [٦] :
قد كتمت الحبّ حتّى ... لم أجد قلبا مطيعا
(رمل)
والهوى [٧] أرفق بالصّب ... ب [٨] إذا كان مذيعا
стр. 384
فاغفروا زلّة صبّ ... جعل الدّمع شفيعا
وله:
أصبحت في الحبّ كما قد ترى ... معذّبا ما بين عذّالي
(سريع)
أعدّ ما شئت ليوم الّلقا ... ملآن «١» من قيل ومن قال
حتّى إذا أبصرته مقبلا ... لم يخطر العتب على بالي
وله:
يا ليل هل لمتيّم ... عرف الاساءة، من متاب؟
(مجزوء الكامل)
لا [١] يستطيع لما جنا ... هـ عليكم ردّ الجواب
أطمعته حتّى إذا ... ولج الهوى من كلّ باب
أعرضت عنه ملامة [٢] ... وقطعت [٣] أسباب العتاب
[ومنها] [٤] :
فارقت [٥] مضمضة «٢» الكرى ... ثملا على زلق الهضاب
стр. 385
في فتية بيض المفا ... رق والخلائق والقباب
نفس يكاد لحبّها ال ... لإقدام [١] يخرج من إهابي
كالسّيف أذلق حدّه ... من غمده سأم القراب
ولما [٢] لقي [٣] يومه وافق ذلك وفاة الامام أبي الحسن علي بن طالوت البلخيّ، وكانا معا فردي دهر هما وأوحدي عصرهما، فرثاهما شرف السادة أبو الحسن البلخيّ، رحمة الله عليه ورضوانه، بقصيدة فريدة نظمتها في سلك، ولزّتهما في قرن، واشتملت على كلّ معنى بديع، ولفظ حسن، وهي:
لا يسلم العصم [٤] في حلقاء راسية ... طود ولا الحقب في يهماء سبروت «١»
(بسيط)
ولا يقي الحوت في آذيّ ملتطم ... دفاع دفّاعه «٢» عن مهجة الحوت [٥]
من المنون إذا نابتهما حنقا ... حتى يتبّع مكبوتا بمكبوت
стр. 386
فذا صريع [١] نصال قد رصدن له ... وذا أسير حبال بثها النّوتي
وهل سمعت بشعب غير منصدع ... على الزّمان وحبل غير مبتوت؟
نكا ابن غاضرة إذ شدّ أرحله [٢] ... قرحا بقلبي من شدّ ابن طالوت
ما أنصف الدّهر إذ (أغرى بواحده [٣] ) ... فجيعتين؛ بمغتال ومبغوت
نجمان في أفق الآداب قد أفلا ... والدّهر يرجع يوما كلّ ما يوتي
كانا إذا نطقا في مشكل فتقا ... وأوضحا كلّ منطوق ومسكوت
كانا إذا نظما عقدا بلفظهما ... أزرى العقود بمرجان وياقوت
كانا إذا ما أفادا أبدعا غررا ... ولم يلمّا بمنحول ومنحوت
فالغمض بعدهما نسي ومطّرح ... والصّبر يعثر في أذيال مبهوت
وأصبح العيش ممقوتا [٤] ولست أرى ... بعد الأحبّة عيشا غير ممقوت
يحرك الدهر منّا ساكنا أبدا ... ويوقظ الموت [٥] منّا طرف مسبوت
نصاب منه بداء لا دواء له ... في طبّ أهرن «١» [٦] أو في سحر هاروت
стр. 387
٦٣- أبو منصور أحمد بن محمد الموصليّ [١]
أنشدني الشيخ أبو محمد الحمدانيّ قال: أنشدني هذا الفاضل لنفسه بالموصل من قصيدة يصف فيها الفرس:
أطوي الفلاة إذا طويت بجسرة «١» ... وإذا ثويت حللت في مثواك
(كامل)
وبملجم بفناء بيتك مسرج ... تدمي درادره من التّعلاك
ينقضّ كالنّجم انبرى للرّجم أو ... كالسّهم طاح بملعب الأتراك
من نسل أعوج والوجيه ولا حق ... قيد الأوابد سابق معّاك
شنج النّسا وعل كأنّ سراته ... زحلوف لعب أو سراة مداك «٢»
стр. 388
٦٤- أبو سعد [١] محمد بن حمزة الموصليّ [٢]
لفظته الغربة إلى خراسان، فأقام ببلادها، ورمت به الموصل، وهو من أفلاد أكبادها. وهو صديقي الصدوق منذ سنين. وقد وجدته في أنواع العلوم من المحسنين، ولم أر من [٣] ذوي الفنون مثله على أنّ الدّهر قد بخس حظّه [٤] ، وظلم فضله. وقد أهدى إليّ من نتائج خاطره [٥] هذه القصيدة النظامية، فألحقت منها بهذا الكتاب ما كان من شرطه، وذلك قوله فيها:
وهل تركت فيّ الحوادث منّة «١» [٦] ... بها أستميل الخلّ أو أستزيده
(طويل)
وأيسر خطب عاق عزمي عن [٧] الصّبا ... مشيب تداعت في العذار وفوده
إذا لم يكن عقل الفتى وازعا له ... فكلّ يد من كلّ خود تقوده
стр. 389
إذا عدم المرء الكمال فإنّه ... سواء علينا فقده ووجوده
إذا المرء لم يستأنف المجد نفسه ... فلا خير فيما أورثته جدوده
إذا رنّق العذب الفرات فإنّه ... عزيز على نفس الكريم وروده
بنفسي من الفتيان كلّ مصمّم ... إذا صافح [١] المكروه هان شديده
قليل إلى داعي الصّبا لفتاته ... كثير من المرعى الوخيم صدوده
فلا تطّبيه «١» الغادة السّهلة الحشا ... ولا صدرها [٢] الموفي عليه نهوده
ومنها:
مجدّد ما يفني الرّدى ومعيده ... ومتلف ما يرضي العدا ومبيده
يعفّي ويعفي سخطه وابتسامه ... ويحيي ويردي وعده ووعيده
أبرّت على وكف الغمائم كفّه ... وأربى على جود السّحائب جوده
تسير المعالي حيث تسري ركابه ... وتدجو الليالي حيث تدجو جنوده
وهبّ على أكناف كرمان هبّة ... فأسمع أهل الخافقين وئيده
стр. 390
الوئيد: الصوت. قال المثقّب «١» :
وجاءوا ففيها كوكب الشّمس فحمة ... تقمّص بالأرض الفضاء وئيدها [١]
وألقم شدقيها الرّغيبين فيلقا [٢] ... تحوز على هوج الرّياح بنوده «٢»
فلمّا تجلّت راية الحقّ أيقنوا ... بأن ليس يغني ذا الدّلاص سروده «٣»
وولّوا على أعقابهم، فمحيّن [٣] ... قتيل، وفلّ في البلاد طريده
وسرح من الآمال [٤] نامت رعاته ... وصبّت [٥] عليه [٦] سيده وأسوده
تطرّقته بالرّأي حتى أرحته ... فقد آب راعيه وثاب شريده