علينا محاذاة المرامي سهامنا ... وليس علينا أن نصيب ولا [١] نخطي
(طويل) وله [أيضا] [٢] :
جلوسي في سوق أبيع وأشتري ... دليل على أنّ الأنام قرود
(طويل)
ولا خير في قوم يذلّ كرامهم ... ويعظم فيهم نذلهم ويسود
ويهجوهم عنّي رثاثة كسوتي ... هجاء قبيحا ما عليه مزيد [٣]
قلت: بلغني أنّ [هذا] [٤] الفاضل [٥] كان يحضر السوق، (ويحمل إليها) [٦] الوسوق «١» ، ويحلب درّ الرزق ويمتري، بأن يبيع الأمتعة ويشتري.
فانظر كيف يحدو الكلام ويسوق، وتأمّل هل غضّ من فضله السوق؟ وكان له في سوقة الفضلاء أسوة، أو كأنّه استعار منهم لأشعاره كسوة، وهم نصر بن
стр. 492
أحمد الخبزرزيّ «١» [١] وأبو الفرج الوأواء «٢» [الدّمشقيّ] [٢] ، والفامي «٣» ، والسّريّ الرفّاء الموصلي «٤» .
أمّا نصر فكان [٣] يدحو الرّقاقة الأرزيّة، ويشكو في أشعاره تلك
стр. 493
الرزيّة. وأمّا أبو الفرج فقد كان يسعى بالفواكه رائحا وغاديا، ويتغنّى عليها مناديا. وأما السريّ فكان يطرّي [١] الخلق ويرفو الخرق، ويصف تلك العبرة، ويزعم أنّه يسترزق الابرة. وكيف ما كان فهذه حرفة لا تخلو من حرفة [٢] ، وصنعة لا تنجو من ضرعة، وبضاعة لا تسلم من إضاعة، ومتاع ليس به [٣] لأهله استمتاع. ولأبي هلال هذا قوله:
لا يغرّنّكم علوّ لئيم ... فعلوّ لا يستحقّ سفال
(خفيف)
وارتفاع الغريق فيه فضوح ... وعلوّ المصلوب فيه نكال [٤]
وقوله أيضا:
شوقي إليك، وإن نأيت، شديد ... شوقي [٥] عليّ [٦] به الاله شهيد
(كامل)
طوبى لمن أمسى يراك بعينه ... وتراه عينك إنّه لعيد
стр. 494
٥٧- حمد [١] بن محمد التوّجيّ «١» [٢]
أنشدني [القاضي] [٣] أبو جعفر البحاثيّ [الزّوزنيّ] [٤] ، قال: أنشدني [حمد هذا] [٥] لنفسه:
كم قد صبرت على الضرّاء مجتهدا ... ألّا [٦] أكون لحرّ الوجه بذّالا
(بسيط)
فالآن قد حال ببني والمنى زمني ... فصرت في عرصات الأرض جوّالا [٧]
قال: وأنشدني أيضا لنفسه:
أرى الدّنيا تميل إلى أناس ... لئام ما لنا فيهم صلاح
(رمل)
بقيت كطائر في قبض باز ... جريح الجسم هيض له الجناح
قال: وأنشدني أيضا لنفسه: [٨]
стр. 495
أسرب مها عارضننا أم كواعب؟ [١] ... أبرق ثغور ما نرى أم كواكب؟
(طويل)
أحور جنان [٢] أم خرائد فارس ... برزن شموسا؟ أم نجوم ثواقب؟
قال: وأنشدني أيضا لنفسه:
خيالك في الكرى وهنا أتانا ... ومن سلسال ريقك قد سقانا
(وافر)
وبات معانقي ليلا تماما ... فلمّا بان وجه الصّبح بانا [٣]
٥٨- الرئيس أبو بكر اللاسليّ [٤]
أنشدني الرئيس أبو الحسن محمد بن الحسين بن طلحة له:
دعا لومي فلومكما [٥] معاد ... وقتل العاشقين له معاد
(وافر)
ولو [٦] قتل الهوى أهل التّصابي ... لما تابوا، ولو ردّوا لعادوا
стр. 496
وكتب إلى المخزوميّ جوابا عن أبيات توسّل بها بعض المتوسّلين:
أنا [١] مطر ذاك الصديق صدوقا [٢] ... ومراع له عليّ حقوقا
(خفيف)
خطّ لي، بابتغاء حظّك فيما ... تبتغيه إلى رضاك طريقا
فشكرنا سؤاله وسراه ... وحمدنا طريقة والطّروقا
وبعثنا من البياض بدستي «١» ... ن [٣] أعيرا حسنا ولونا أنيقا
ولو أنّي ملكت بين [٤] سمرقن ... د لسرّحته إليك طليقا
ورقي مكبث «٢» [٥] فإن كسر الرّا ... عد أبهجها [٦] عليّ سحيقا
وأنشدني الشيخ أبو القاسم بكر بن المستعين الكاتب له:
قف بذات الجرعاء «٣» يا صاحب البك ... رة [٧] وانظر تلقاء جانب نجد
(خفيف)
стр. 497
فإذا ما بدت خيام لعيني ... ك فتلك [١] التي بها طال وجدي
فأت تلك الخيام ثمّ تيمّم ... خيمة سترها عصائب برد
ثم سلّم وقف وقل [بعد] [٢] تسلي ... مك قول امرىء مجدّد عهد
أترى أنّكم (كما قد) [٣] عهدنا ... كم عليه، أم خنتم العهد بعدي؟
٥٩- الإمام أبو الفضل الجلوديّ «١» [٤]
كتب إلى [٥] الوزير أبي سعد الآبيّ، وهو بقزوين [٦] ، وقد فرّق الحسن [٧] بن عليّ [بن بابك البلخيّ حنطة يسلف أهل الريّ بها مالا، ووزّع ذلك على أصناف الناس، ولم يستثن الامام أبا الفضل] [٨] :
يا ذا المعالي الرئيس ... ومن حماه خميس
(مجتث)
стр. 498
ومن ليوم وقاه [١] ... من [٢] الحديد شموس
ومن لنحر قراه ... عيرانة عنتريس «١»
معقّرات ومنها ... معرقبات تكوس «٢»
قد حكّمتك الليالي ... سعودها والنّحوس
ففي مواليك نعمى ... وفي أعاديك [٣] بوس
يوماك دست لسلم ... ويوم حرب عبوس
ومنها:
[يراعة [٤] أو حسام ... درّاعة [٥] أو لبوس] [٦]
كنت الحيا انهلّ صوبا ... ترقّبته الغروس [٧]
стр. 499
فارتجّ منها هشيم [١] ... وثجّ «١» منها يبيس [٢]
وبعد طول حران [٣] ... جرى الرّجاء الشموس [٤]
فالأرض كالرّوض طيبا ... إن قاسها من يقيس
كانت توقّد قيظا ... والجوّ منه وطيس
فالظّلّ ضافي الحواشي ... والغصن غضّ يميس
كمنتش يتثنّى [٥] ... خافت عليه الكؤوس
ومنها:
مقرّط بشنوف «٢» ... من الثّمار ينوس
فاسمع صراخ معنّى ... عضّته نار ضروس
стр. 500
جنت عليه [١] الليالي ... ما قد حبتها [٢] بسوس «١»
من عصبة هم ذنابى ... وليس فيهم رؤوس
ففي المناظر ناس ... وفي العفول تيوس
[قوم جنوا ما جنوه [٣] ... بالصّيف في الصوف سوس] [٤]
ساموا جليسك ضيما ... ولن يضام الجليس [٥]
فكلّفوه [٦] ابتياعا ... لحنطة لم يدوسوا
وهل لمثلي إلّا ... دفاتر و [٧] طروس؟
من أين لي كيس مال؟ ... ما التام كيس وكيس
وله [أيضا] [٨] :
стр. 501
سقى الله قصرا لي بقصران «١» مونقا ... سحبت به في اللهو أعطاف مئزري
(طويل)
كأنّ سقيط الثلج في جنباته ... صفائح كافور على طود [١] عنبر
٦٠- أبو محمد عبد الله بن الحسن [٢] بن النّصر الهمدانيّ
يقول من قصيدة نظامية له:
سقى بالحمى أقطار تلك المعاهد ... قطار الغوادي البارقات الرّواعد
(طويل)
وشقّ شقيق الرّمل فيها كمامه ... كما رفعت [٣] في الرّوع حمر المطارد
يقول لي العذّال: شيب وصبوة؟ ... فريقان شتّى ما استقاما لواحد
محال، لعمر الله، ما أنت طالب ... وقصد [٤] ضلال لست فيه براغد [٥]
стр. 502
لعمري لئن [١] أودى الشباب فطالما ... خلعت به عذر العذارى النّواهد
يخرّقن ستر الخدر ليس يروعها ... شتيمة بعل، لا ولا زجر والد
ويمشين عجلى الخطو يهززن صبوة ... قدودا لها محفوفة بالولائد
وتبدو لآلى الثّغر منها كأنّها ... على العهد [٢] قد نظّمنها للقلائد
يحاولن إمتاع العيون بفاحم ... من الشّعر غربيب «١» الخصائل وارد
ويمسحن بالأجفان منها غباره ... ويغسلن عنه بالدّموع الشّوارد
وإنّي وإن حلّ المشيب بعارضي ... وزال شبابي للخطوب الشّدائد
فلم أشتغل عصر الشّباب عن العلا ... بمخفوض عيش في البطالة بارد
وكم قد خفضت الطّرف عن طلب العلا [٣] ... ورفّعته نحو السّهى والفراقد
ودافعت أبكار الخطوب وعونها ... بعزم كحدّ الهندوانيّ [٤] واقد
стр. 503
فعذلك قد عرّيت أفراس باطلي ... ولست لعادات الصّبا بمعاود
وله من [قصيدة] [١] أخرى:
سما بالخيل من جيحون حتى ... سقاها الريّ من قلب الفرات
(وافر)
وعادلها [٢] يروم الروم قصدا ... لإدراك القديم [٣] من الترات
فجاس خلالها بالخيل شعثا ... نواصيها تمطّر بالكماة
فكم [٤] بلد أبحن [٥] وكم قلاع ... قلعن فصرن مجرى السافيات
وكم من كاعب حسناء أمست ... تفدّيها البطارق «١» بالحياة
فأضحت وهي ملقاة لديهم ... تنادي في الشّرى [٦] : خذها وهات
стр. 504
٦١- حمزة بن أبي سعد المفتيّ الهمذانيّ [١]
بديع [٢] الزمان [أبو الفضل] [٣] [محمد] [٤] عمّه. يقول من قصيدة نظامية:
بالرأي [٥] تصبح ساحات الحمى حرما ... ويبرز العزّ في أثوابه القشب
(بسيط)
وكلّ أسمر هزهاز الكعوب ترى ... أعطافه أبدا فرّاجة الكرب
٦٢- أبو الفرج حمد [٦] بن عليّ الزّعفرانيّ الهمدانيّ «١»
أنشدني الأستاذ المهذّب أبو الفضل اسماعيل بن عليّ العبد يليّ قال: أنشدني حمد لنفسه:
стр. 505
وما أبواي، ويحك، أدّباني ... ولكن مصبح ومساء ليل
(وافر)
دما بدم غسلت (وما أراني) [١] ... أرقّع جيب أطماري بذيلي
وأنشدني أيضا له:
يا مرزبان «١» نداء من أخي ثقة:
من يعمر الكيس يترك عرضه خربا [٢] (بسيط) وله أيضا:
جانس في اللّؤم (ولا مثلما) [٣] ... جانس في أشعاره البستي «٢»
(سريع)
بخل وعجب وحجاب معا ... أحسنت يا جامع فهرست «٣»
стр. 506
٦٣- السيد أبو الحسن محمد بن عليّ بن الحسن [١] العلويّ الهمذانيّ الوصيّ
قال: دخلت على عمّي الرئيس أبي الحسن [٢] ، وقد دخل عليه غلام أمرد وناوله طاقة نرجس، فقال: قل في ذلك شيئا. فأنشأت:
ومكحّل بالسّحر أحور شادن ... حيّا بنرجسة غداة بكور
(كامل)
فكأنّه [٣] وكأنّها في كفّه ... بدر يريك التّبر في كافور
قد ركّبت فوق الزّبرجد خلقة ... تحكي فتور اللفظ [٤] من مخمور
وله [أيضا] [٥] في البنفسج:
هذا البنفسج قد بدا ... يحكي لنا بين الرّياض
(مجزوء الكامل)
(في خدّ أحور شادن [٦] ) ... آثار قرص في البياض
стр. 507
٦٤- أبو هاشم العلويّ الهمدانيّ «١» [ ١] :
كتب إلى الصاحب اسماعيل بن عبّاد، رحمة الله عليه:
سألت إله الخلق حولا محرّما ... ليصرف سقم الصّاحب المتفضّل
(طويل)
إلى بدني أو مهجتي فاستجاب لي ... فها أنا، مولانا، من السّقم ممتلي
فشكرا لربّي حين حوّل سقمه ... إليّ وعافاه ببرء معجّل
وأسأل ربّي أن يديم علاءه ... فليس سواه مفزع لبني علي [٢]
فأجاب [٣] :
أبا هاشم لم أرض هاتيك دعوة ... وإن صدرت عن مخلص متفضّل [٤]
(طويل)
فإن نزلت [٥] يوما بجسمك علّة ... فحاشاك [٦] منها يا عليّ [٧] بني علي
стр. 508
فناد بها في الوقت غير معرّج ... إلى جسم اسماعيل دوني تحوّلي
فلا عيش إلّا أن تدوم مسلّما [١] ... وصرف الرّزايا عن ذراك «١» بمعزل
٦٥- أبو سعد بن خلف الهمدانيّ «٢» [ ٢]
كان من أعيان [٣] الدهر وأفراد العصر، محمودا بكلّ لسان، مشهورا بكل مكان، [مشهودا لكلّ إنسان] [٤] . وله نظم أبهى [٥] من العقود، ونثر أحلى من المعقود [٦] . وكلاهما أطيب وأطرب من ابن الغمام، صاهر ابنة العنقود. وليس يحضرني في العاجل من شعره أكثر من هذه الأبيات التي لو صوّبت لقطرت من كثرة مائها:
جرت النّوى بهم فما حنّوا ... رفقا بنا ونأوا فما أنّوا
(كامل)
стр. 509
إن كان عندهم وقد رحلوا ... (أنّا نقيم) [١] فبئس ما ظنّوا
لابدّ منهم أيّة سلكوا ... إن أسعفوا بالوصل أو ضنّوا [٢]
لي عندهم دين فوا عجبا ... الدّين لي وفؤادي الرّهن
٦٦- أبو الفرج بن أبي سعد بن خلف
ليست تساعدني عبارة أرضاها له إلّا أن أقول: هو كوالده في طريف الفضل وتالده. ومن محاسن كلامه [٣] قوله:
ولي أنمل تغني وتفني كأنّها ... مسار غمام أو مثار حمام
(طويل)
فما انبسطت إلّا لإغناء مقتر ... ولا انقبضت إلّا لهزّ حسام
وحكى [٤] لي الشيخ أبو عبد الله [سليمان بن عبد الله] [٥] النّهروانيّ النحويّ الأديب، قال: حدّثني [٦] الأستاذ أبو الفرج قال: حدّثني [٧]
стр. 510
أبو منصور [١] بهرام بن مافنّه «١» وزير الأمير [٢] أبي كاليجار: حبسني (لعلّة ختني بدر بن سما) «٢» . وخفت على نفسي التلف، فكان خلاصي بعد صنع الله تعالى هذه الأبيات. وأنشدني لنفسه:
ماذا يخبّر ضيف دارك قومه؟ ... إن قيل: كيف معاده ومعاجه؟
(كامل)
أيقول: جاوزت الفرات فلم أجد ... ريّا لديه وقد طغت أمواجه؟
ورقيت في طود العلا فتضايقت، ... عمّا أردت، شعابه وفجاجه
وسعيت أقبس جذوة من ناره ... فدجا عليّ شهابه وسراجه
فلئن شكرت تصنّعا وتملّقا ... شكرا يكون من [٣] النّفاق مزاجه
لتخبّرنّ خصاصتي بتخرّصي ... والماء يخبر عن قذاه زجاجه [٤]
عندي يواقيت الكلام ودرّه ... وعليّ إكليل القريض وتاجه
стр. 511
يربي على نور الرّبا أنواره [١] ... ويرفّ في وادي [٢] النّدى ديباجه
والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشّعر منه لعابه ومجاجه
وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه
وأنشدني الشيخ أبو الفرج الحسنيليّ له، وهو من أحسن ما يروي في معناه:
وأنكر جاراتي خضاب ذؤابتي ... وهنّ به زيّنّ بيض الأنامل
(طويل)
فوا عجبا منهنّ أنكرن باطلا ... عليّ ولم يخلبن إلّا بباطل
٦٧- أبو الفرج حمد بن محمد بن حسنيل [٣] الهمذانيّ «١»
نكتة [الدّهور و] [٤] الأيام، وزبدة الشهور والأعوام. لفظته همذان،
стр. 512
فأعاد [١] خراسان من نتائج طبعه، لا بل من نسائج وشيه. وقد اتّخذها وطنا ما تركها من الظّل البرود عدنا [٢] ومن عصب البرود «١» عدنا. ولم يزل في قيد إنعام الشيخ [الامام] [٣] الموفّق [﵀] [٤] حتى لحق ذلك الصدر الكبير بجوار اللطيف الخبير بعد ما فرح [٥] أبو الفرج برهة من الدهر مصطنعا برسمه وهو في ارتباطه والتجمّل به موفّق كاسمه [٦] . ثم ذكره [٧] وهن العظم، وكلال الخاطر بعلّة [٨] الشيب عن تعاطي النثر والنظم، [فعاد إلى] [٩] الوطن الذي [فيه] [١٠] درج، والعشّ الذي منه خرج، فطار إليه بفراخه، وارتضاه لعطنه «٢» ومناخه. وأدرّ عليه عميد الملك أبو نصر، أنار الله برهانه، رسما أصلح رياشه ورقّح «٣» معاشه. ولم تطل به المدّة حتى امتلأ مكياله، وأهابت به آجاله [١١] ، وزمّت إلى (المنهل المورود) [١٢] جماله. تعمّده الله بغفرانه، وبوّأه بحبوحة جنانه. وكانت بينه وبين والدي- ﵀ صداقة صادقة،
стр. 513
ومودّة معدّة، واختصاص يطلع من جيب واحد رأسيهما، ويحيي بروح واحدة نفسيهما [١] . فانضافت إلى ذلك من مجاورتي [إياه، في المدرسة النظامية بنيسابور سنتين أنفقتهما على الاستضاءة] [٢] بزاهر درّه والاغتراف من زاخر [٣] بحره. فإذا [٤] أنا راتع من مودّته بين موروث [٥] ومكتسب، ومدلّ منهما [٦] بامتزاج سبب أوكد من اتّشاج نسب. وكان قليل المبالاة بشعره، نزر الالتفات إليه لسهولة مآخذه عليه. وكنا نطلبه على شرف الغمام، فنجده على طرف الثّمام «١» . وكان في بيته الّذي يسكنه [٧] حبّ «٢» كأنّه جبّ يرمي إليه بمسوّداته على (جزء من) [٨] القراطيس بطونا وظهورا. ولم تكد تصل إليها [٩] الأيدي سنين بله شهورا، وربّما كنت أنتهز الفرصة فأستنقع «٣» [١٠] باحتجانها الغصّة، وأدرك منها بغية الحريص، وأفرح بها فرح يعقوب بالقميص. وقد فجعني الدهر (بفرائدي منها) [١١] فصارت
стр. 514
فوائت، إلّا ما زيّنت به هذا الكتاب.
وكان- رحمة الله عليه- سمح [البديهة] [١] شديد العارضة [٢] ، يموج [٣] بها [٤] فمه، ويتسابق [٥] إليها [٦] لسانه وقلمه. وكان أكثر ما يجود به خاطره الخطّار مقصورا على الافتخار، وحقّ لمن خلق من صلصال كالفخّار، ثمّ حلّي بشعار مثل تلك الأشعار أن يخرق الارض أو يبلغ الجبال طولا، ويعدّ فضل الفضلاء بالاضافة إليه فضولا.
وهذه قصيدة له مدح [٧] بها الشيخ الامام أبا سهل محمد بن هبة الله الموفّق، وأودع أثناءها ثناء للشيخ الإمام أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجوينيّ «١» ، رحم الله الماضي وأيّد الباقي:
مجد على مفرق العيّوق كالتّاج ... ومنصب كالثّريّا جدّ وهّاج
(بسيط)
وطود عزّ تطول النّجم قمّته ... ويزحم الفلك الأعلى بأثباج «٢»
стр. 515
وشرق
شمس علا تجلو أشعتها [١] ... جون [٢] الخطوب وغيث أخضر الرّاجي [٣]
مقابلات علا في بيت مكرمة ... كالزّهر يقرن [٤] أفرادا بأزواج
بيت تردّد فيه سؤدد [٥] عجب ... والخلق بين سلالات [٦] وأمشاج «١»
للدّين طينته والعلم صخرته ... وللعلا ركنه، والحجر للّاجي
هذا الموفّق في علياء سؤدده [٧] ... يذكو كبدر الدّجى في الغيهب [٨] الداجي
ساد الأئمة والأعيان مقتبلا ... من قبل أن مسّ مسك صفحة العاج [٩]
ثم الرشيد ابنه ساد الورى شرفا ... لا يرتقى جوّه إلّا بمعراج
وهمّة عالت [١٠] الجوزاء قاهرة ... وأين منطقه من ذروة [١١] التاج؟
стр. 516
يحيا به أمل العافي إذا ازدخرت ... يمينه كبحور ذات أمواج
عرض طهور بعطر المدح [١] مختمر ... وربّ عرض تراه عرضة الهاجي
ما إن [٢] رأيت سواه سائلا كرما ... إن يسألوه تلقّ الحاج بالحاج «١»
مهر نماه عتيق فرد غائبة «٢» ... راض الزمان بإلجام وإسراج
أيامه [٣] عرفت فيها رئاسته [٤] ... كجدول التّبر يسقي روض ديباج
ثناؤه ومواضيه ونعمته ... حليّ لأيد وأعناق وأوداج
فالبيت بيت علا والكفّ كفّ ندى ... والنّطق نطق بليغ الفضل محجاج
وقتاه وقت ندى تندى غمامته ... ووقت بأس يغشّيه بإرهاج [٥]
يستنفد الوصف في أدنى مناقبه ... ويملأ الثّني [٦] من صحف وأدراج
مآثر كاثرت حصر النّقا «٣» ومحت ... آي الدّجى وارتقت أعراف أبراج
стр. 517
وغرّة مثل أنف الرّعن «١» شامخة ... في بحر جود صخوب اللّجّ عجّاج
من [١] معشر كأنابيب القناة سمت ... بكفّ قارع حصن السابق النّاجي
ومنها:
ألست نجل فتى سحّاب أردية ... دخّال نقع مصاع منه خرّاج؟
لا يوصف العبد في أحشاء بدوته ... ولا تحمّل أظعان وأحداج «٢» [٢]
ومنها:
هذا الكلام الذي تذكو غزالته ... يغشى سنا البدر في طرف الدّجى السّاجي «٣» [٣]
فخذه كالفجر [٤] وضّاحا مقلّده ... ترب التّريبة «٤» من بيضاء مغناج
стр. 518
قال يرثي الشيخ الامام أبا محمد عبد الله بن يوسف الجوينيّ «١» [رحمة الله عليه] [١] :
علوم علت أعلامها غبراتها ... وأعين أعيان طغت عبراتها
(طويل)
وأفلاذ أكباد من الفضل فتّشت ... فدلّ [٢] على تفتيتها زفراتها
نبإ بليوث الغاب عقر غيولها «٢» ... وأخلي من عفر الفلا سمراتها
أبى الله (عزّ الله) [٣] إلّا تنقّصا ... من الأرض حتى استقلعت شجراتها
تداعت مباني الدّين وانهدّ [٤] ركنه ... ودهده من أطواده صخراتها
وغار ضياء الشمس [٥] فانكسفت له ... شموس وأقمار خبت شرراتها
أرى عصبا تيجانها قد تقوّضت [٦] ... وقد عصبتها بالثّرى غبراتها
стр. 519
وأوجه أقوام كرام على العلا ... وقد رهقتها [١] فجعة فتراتها
إذا شقّقت أجفانها عبراتها ... تشقّق عن أبدانها حبراتها [٢] «١»
علا الحبر [٣] عبد الله صهوة سابق ... قوائمه [٤] من معشر قصراتها «٢»
وإنّ قلوبا قطّعت لوفاته ... كوتها على تقطيعها حسراتها
ذوت دوحة الإسلام والعلم والعلا ... بمصرع من جذّت به ثمراتها
هوى نجمها العالي وأظلم جوّها ... ومادت رواسيها ومارت كراتها
ألا من لحفل [٥] ندّ منه لقد خلت ... نواد وعادت غيبة حضراتها
سلام على المنطيق في شبهاتها [٦] ... إذا ما رجال عاقها حصراتها
برغم النّوادي والمجالس رنّقت «٣» ... مواردها وارتدّ ملحا فراتها
برغم الفتاوى والمدارس هوّرت ... خواطره [٧] واستنزفت خطراتها
стр. 520
برغم العلا والدين والعلم [١] والحجى ... ثوى البدر والبيضاء [٢] ضلّت سراتها
فيا ويب «١» [٣] أحداق [٤] طمسن بأدمع ... غزار تدمّت [٥] حرقة قطراتها
[ويا ويح [٦] أقدام عثرن لفقده ... فلمّا استقالت ثبّتت عثراتها] [٧]
فجائع سالت بالخدود دماؤها ... كدا وتهاوت في الحشا جمراتها
لخفّت مثاقيل الرجال وأضللت [٨] ... حلوما [٩] وطاشت بعده وقراتها «٢»
وكان إذا ما حرّرت كلماته ... معاني لم ترقم سطورا قراتها «٣»
وما ذاك فهم المستفيد وإنّما [١٠] ... سنا نور تفهيم المفيد مراتها «٤»
стр. 521
ومنها:
لربّ بدور عجّرت «١» بدياجر ... وربّ خدور [١] هتّكت خفراتها
فمن فتيات [٢] نطّقت بذوائب ... ومن فتية [٣] مسّ الثّرى وفراتها
ومن أعين غضّت وكانت عليّة ... تشاوس ألحاظ الدّجى نظراتها
ومنها:
أساغت بطون الأرض سود أسودها ... ولقد لفظت فوق الثّرى حشراتها
فكن للمعالي يا أباها بعيده ... حساما (تجد عنك العدا) [٤] وتراتها
وما للمنايا عن عدى [٥] وأقارب ... مراح [٦] إذا عاد [٧] الورى سكراتها
عزاء على [٨] الدّنيا وصبرا على الرّدى ... إذا ما دواعيه علت نعراتها
تنكّرت الأيام لا بل تنكّست ... فقد [٩] شابهت آصالها بكراتها
ألا فليرث نجل الإمام وصنوه ... بقايا علا تحوى بها أثراتها
стр. 522
وما بعد عبد الله إلّا لنجله ... وسائده فلتحوه فغراتها
إذا ما خلا الميدان عن قرّح [١] الوغى ... أقيمت على مضمارها مهراتها
وممّا أنشدني لنفسه قوله من فخريّة:
يا للوزارة ما لي لا أغضّ بها ... وما لها لا تعلّى أو تشرّف بي؟
(بسيط) وهذه مبالغة حسنة. ومن عجيب ما سنح من فخرياته تخلّصه من صفة البرغوث والبقّ إلى نوع من فخره المستحقّ في أرجوزة له، يقول فيها:
رقص البراغيث وزمر البقّ ... في مفحص مخصّص بالذّرق «١» [٢]
(رجز)
يرعين بين أخمصي والفرق ... لحما جرت فيها [٣] دماء العتق
ومن فخريّاته الحسنة قوله مما أنشدنيه لنفسه:
لئن كان خظّي منك أني مخوّل ... لحظّك أثني إذ تجود وأقبل [٤]
(طويل)
стр. 523
فقد نلت منّي رتبة لا تنالها ... ذكاء تعاطيني السّنا فأظلّل
ومنها:
مشت فيّ أحداث الليالي كأنّها ... سيول حريق في الاباء تغلغل
أجوع وأظما عفّة وتكرّما ... وقد ضجّ بي واد وغطغط مرجل
مكارم خاطتها العلا بجلودنا [١] ... فما هي عن أبشارنا تتنقّل [٢]
وأنشدني لنفسه [٣] [من غزليّة] [٤] :
ما هي إلّا لطخة الغالية «١» ... وهي لعمري لطخة غاليه
(سريع)
انظر إليها كدجى مسكه ... في ضوء شمس الضّحوة العاليه
وحولها من صدغه عنبر ... كالعذر [٥] السّود على الغاليه
وهي على مذهبنا قبلة ... للقبل العاطرة الحاليه
فبوركت خلقة تضميخه ... لم تمتهنها أنمل الطاليه
стр. 524
قد خطر الشّوق على باليه ... إثر رسوم الصّبوة الباليه
وشوق قلبي بجنون الهوى ... نشوان لا [١] يعرف ما حاليه
وأنشدني أيضا لنفسه من غزليّة:
أمير الحسن لا يلوي [٢] عزيمه ... ويقسم في ضرائره الغنيمه
(وافر)
وماذا ضرّه لو أنّ لامي ... يغازل في خلال المشق «١» ميمه
وقال وشاته: لم تحظ عنه [٣] ... وقد ثقّبت درّته اليتيمه
وله أيضا من حادثة في [٤] بعض الغلمان:
(إنّ الكرنديّ) [٥] روشنا خرّه «٢» ... في غلمة وجهه لهم غرّه
(منسرح)
стр. 525
فخيّطوا بالعقار مقلته ... ومزّقوا لا «١» [١] وثقّبوا درّه
قلت: ما أحسن استدراكه اللفظة [٢] الفاحشة، مع جمعه بين ضدّي التّخييط والتّمزيق! .. [و] [٣] هذا من باب التوفيق للتلفيق [٤] . وكتب إلى القاضي أحمد بن منصور بن محمد الأزديّ الهرويّ، يعاتبه، وبينهما محاورات [٥] ومكاتبات:
الذّنب لي لا لمنصور وللكرم [٦] ... أنا المضيّع يا ذيب العلا كلمي
(بسيط)
ناسمته «٢» فتلقّتني سمائمه ... ليت الجفاء كفاء منه للنّعم
وله في غلام (أورد الماء مهرا) [٧] ؟
وظبي أورد الماء ... غزالا حالي النّحر
(هزج)
فأبصرت غزالين ... مروحين إلى النّهر [٨]
стр. 526
وتاها بعذارين ... من العنبر والتّبر
فلمّا نزل الأقم ... ر للريّ إلى النّهر [١]
نحا الأظمأ للرّدف [٢] ال ... لذي برّح بالخصر
فنادى يا فتى عرّج ... وعوّج طلق «١» الشّهري «٢»
فلبّيت بغاما [٣] «٣» زل ... ل عن خمر وعن درّ
وله من قصيدة فخريّة أوّلها:
بريق بأنف اللّوى [٤] يعتلي ... كما دمّيت [٥] طرّة المنصل
(متقارب) قلت: عدل في هذه الكلمة عن الفخر إلى الطرد واتّفق له معنى ما سمعت بمثله في فنّه، وهو قوله:
تبارى [٦] على طائر أجدلان ... تناوب دلوين في منهل
стр. 527
٦٨- أبو المفاخر حمد [١] بن عليّ النّيرمانيّ»
[كنيته أبو الفرج ولقبه ذو المفاخر] [٢] . أنشدني الشريف أبو طالب محمد ابن عبد الله الانصاريّ «٢» ، قال: أنشدني الأستاذ الشريف أبو المفاخر لنفسه، وقد عيّر أنّه [٣] أعجميّ على [٤] جودة شعره:
فإن لم يكن في العرب أصلي ومنصبي ... ولا [٥] من جدودي يعرب وإياد
(طويل)
فقد تسجع [٦] الورقاء وهي حمامة ... وقد تنطق الأوتار وهي جماد
قال الشريف أبو طالب: (ونيرمان) [٧] ضيعة خسيسة بظاهر همذان.
قال: وسألت الأستاذ أبا المفاخر عنها، فانصبغ وجهه من الخجل حتى عاد
стр. 528
كأنه أيدع «١» وأنشدني أيضا له، قال: أنشدني لنفسه:
حجاب وإعجاب وفرط تصلّف ... ومدّ يد نحو العلا بالتكلّف
(طويل)
فلو كان هذا من وراء كفاية ... لهان ولكن من طريق [١] التّخلّف
٦٩- أبو الحسن عليّ بن الحسن [٢] الحسنيّ الهمذانيّ «٢»
أنشدني له الشيخ أبو عامر الجرجانيّ:
ويوم توّلت الأظعان عنّا ... وقوّض حاضر وأرنّ «٣» باد
(وافر)
مددت إلى الوداع يدا، وأخرى ... حبست بها الحياة إلى [٣] فؤادي
стр. 529
٧٠- أبو الحسن [١] عليّ بن الحسن بن عليّ الوقفيّ
من كرج أبي دلف «١» رأيت له ديوان شعر كبير الحجم، فاخترت منه هذه الأبيات، على حدّ عجلة مني. وأنا مستوفز لبعض نهضاتي استيفاز البدويّ المصطلي الشاتي، وهي «٢» :
أدهق الكأس من سلاف مدام ... بقيت في الدّنان من عهد سام
(خفيف)
خندريسا «٣» كأنّما أسكنوها ... بالخوابي حواصلا للنّعام
واسقني بالكبير سقيا وقصّر ... من ليال في الطّول كالأعوام
طوّل الاثنان [٢] مداهنّ كون الش ... شمس في الشّمس [٣] واشتداد أوامي «٤»
стр. 530
فإذا ما توسّط السّكر قلبي ... والبّواطي «١» دببن [١] بين عظامي
فأجد ضربك المثاني وغرّد ... لي ببيت يطيب للمستهام
يا نسيم الجنوب بلّغ سلامي ... من بكفّيه صحّتي وسقامي
وله [أيضا] [٢] من أخرى:
تملّست من دار الهوان تملّسا ... بأجرد مبسوط الخطا شنج النّسا
(طويل)
أغرّ سرى كالبرق جذلان خيفقا «٢» ... فحيّر أبصارا وأعجب أنفسا
علوت صباحا ظهره من قباقب «٣» ... فصرت [٣] مع البيضاء في الغرب بالمسا
ومنها:
ولم أرض بالإفلاس إلّا لأنّني ... رأيت من الأحرار دهري مفلسا
فأكبرت نفسي أن أذلّ لموسر ... تمهّر في حفظ الغنى وتنطّسا «٤» [٤]