(رياسة [١] باض في رأسي وساوسها) [٢] ... تدور فيه وأخشى أن تدور به
فكأنّ النّفس الناطقة نفثت في روعه، أنّ عاقبة أمره تؤول إلى روح [٣] ، تخطف ورأس يقطف. ودخلت عليه بنيسابور وهو محبوس في دار عميد الحضرة [٤] ، فساق إليّ [٥] من مجاري أحواله/ قصصا، وأساق [٦] من مناقب [٧] أنفاسه غصصا، وأثنى على الصّاحب نظام الملك بآلائه، وسمّاه بأحسن [٨] أسمائه «١» ، وقال في أثناء ثنائه: [حقّق أملي، واستلب حياتي من يدي أجلي.
ولا تكاد تجد في التواريخ والأخبار شخصا واحدا تشعّب فرقا، وتقسّم شققا، وصار في عدّة من البلدان، طرائق قددا «٢» ، وجوارح بددا غيره.
واقترح [٩] عليّ أن أنظم هذا المعنى في مرثيّة له فقلت:
стр. 772
ما بال هذا الفلك الجاني ... نأى [١] ولكن جوره دان
(سريع)
وليست [٢] الدّنيا سوى قحبة ... تبرز في الزّينة [٣] للزّاني
حتى إذا اغترّ بإقبالها ... مالت لإعراض وهجران
هذا عميد الملك وهو الذي ... لم يخل منه صدر ديوان
ولا نضا طاعته مارد ... إلّا [٤] اكتسى فروة خذلان
ولا اعتراه [٥] القرن «١» إلّا رأى ... غضنفرا في زيّ إنسان
كأنّ في خاتمه حيث ما ... أومى به فصّ سليمان
شادت يد الدّولة أركانه ... ثمّ هوى أعظم بنيان
مفرّقا في الأرض أجزاؤه ... رهن [٦] قرى شتّى وبلدان
جبّ «٢» بخوارزم مذاكيره ... طغرل ذاك الملك الفاني [٧]
стр. 773
وجاد [١]
مرو الرّوذ من جيده ... معصفر [٢] مخضبه قان
والشّخص في كندر مستبطن ... وراء أرماس وأكفان
ورأسه طار فلهفي على ... مجثمه في خير جثمان/
خلّوا بنيسابور مضمونه [٣] ... وقحفه الخالي بكرمان
والحكم للجبّار فيما قضى ... وكلّ يوم هو في شان «١»
فلا [٤] تلجّج في غمار المنى ... وارض بما يمني [٥] «٢» لك الماني
قلت: ولعميد الملك [٦] طريقة في الترسّل محمودة، ومواقفه في البلاغة مشهودة قرأت من خطّه كتابا له إلى القاضي [٧] أبي محمد النّاصحيّ [محمد بن عبد الله بن الحسين] [٨] رحمة الله عليه. وانتقيت فصوله [٩] ، وانتقدت
стр. 774
فصوصه. فمما استحسنته من ذلك قوله:
[وصل كتابه مشحونا ببرّ كان أغناه تالده عن مطرفه، وكفاه سالفه كلفة مؤتنفه. فجدّد عندي نعمة سابغة تباهي [١] قرائن لها سابغة، وألبسني جلبابا من الفخر [٢] ، لا تنضيه [٣] يد الدهر. وحمدت الله على ما منحني من ودّه المحروس على العلّات، وعهده المغروز [٤] في حيّز الثبات [٥] ، وسألته المحاباة في حوبائه «١» [والابقاء على الجسد [٦] بإطالة بقائه حتّى يلمّ شعث الاسلام بحسن أثره وتدبّره] [٧] ، ويقوّم زيغ «٢» [٨] الملك [٩] بثقاف نظره، وتفكّره، ولولا ما أوثره من التّخفيف عن [١٠] قلبه المكدود بالمكرمات، الدائم فكرا [١١] في طرق الخيرات لما أغبّته «٣» كتبي بتحف السلام،
стр. 775
ومؤتنف «١» الإعلام والاستعلام. لكني [١] أرى إجمام «٢» خاطره أجمل، وللتّرفيه عن نفسه النّفيسة أفضل.
وقد جرى في المجلس العالي، [أعلاه الله] [٢] ، من ذكر محاسنه التي تقصر عن نيلها يد البيان [٣] ، ويكلّ عن وصفها لسان البرهان، ما جدّد [٤] العزائم والرّغبات في انتهاز فرصة الامتداد [٥] إلى ذلك الصّقع. كلّ ذلك لما يضمره من التيمّن بلقائه، والتبرّك بدعائه الذي بمثله يستنزل النّصر [٦] من السماء، وتتاح [٧] الغلبة. في موافف البلاء [٨] . والله المدعوّ [٩] لإتمام ما أطبقت عليه العقول [١٠] وشهدت [١١] بصوابه النفوس، حتى انتهى/ إلى ما فرضه الله [تعالى] [١٢] من طاعته، وتفيّؤ ظلال [١٣] مشايعته. نعم واقتضى الرأي أن
стр. 776
تحبس على المدرسة أوقاف تبتاع بالمال من صفو الحلال، أو ينصب [١] لها متولّ يحتمل كلّها [٢] ، ويضبط بيد الاحتياط كلّها. فأمرني أن أستطلع صائب رأيه، وأستشفّ عين [٣] تدبيره، ليرشد إلى الوجه الذّي يتّخذه رائد العزم دليلا، ويسلك به إلى مقصده سبيلا. ثم التمس أن يشرّفها بحضوره في كلّ أسبوع يوما إذا طابت نفسه، ونشط لذلك قلبه، فان مال إلى الدّعة استناب ابنه الشيخ [الجليل العالم] [٤] أبا بكر، فهو النجم ابن البدر، طلع من أفق السّعادة والشبل ابن الهزبر، برز من خدر السّيادة.
والله تعالى يحرس عليه ظلّه حتّى يخرّجه من [٥] أنواع الأدب، ويدرّجه إلى رفاع [٦] الرّتب.
وممّا جال [به] [٧] الخاطر العالي فيه إسداء برّ إليه يحمد ثناه بعد [٨] أن يكون خالصا من شبه الحرام، عاريا من دنس الآثام. فوقع الرّضا الكريم على بغلة شهباء استحسنت شيتها «١» [٩] وامتحنت مشيتها فوجدت
стр. 777
أسير من الأمثال، وأسرى من الخيال قيدت في [بعض] [١] العساكر المنصورة ببلاد الرّوم، بعد أن خرق [٢] بها الصّفوف والمواكب، ورمى [٣] من ظهرها الرّاكب. وذلك أنّ بطارقة الروم كانوا يقاتلون على ظهور البغال ويقابلون بها وجوه الأهوال. وأمر، أعلى الله أمره [٤] ، أن يقرن ذلك بتشريف [للشيخ أبي] [٥] بكر أيّده الله، إلى أن يوفّق الله تعالى لما أؤمّله، ويقرّ عيونا، طالما انتظرت، [٦] للحقّ أن يدال، وتربّصت بالباطل [٧] أن يذال والسّلام [٨]] .
قلت: وقد ملت في هذا الباب عمّا هو شرط الكتاب، وفتلت عناني عن [٩] رواية الأشعار إلى سياقة الأخبار، وثنيت زمامي عن المنظوم، وأنخت ركابي على المنثور/، كلّ ذلك لما أعتقده [١٠] من قضاء حقّ ذلك المنعم.
فقد والله- طوّقني قلائد مننه، وقام معي بفروض [١١] الودّ وسننه.
واستمرّ على منهاج البرّ وسننه، ولم يهمل [١٢] رسمه في الإسعاف مع تحليق [١٣]
стр. 778
رتبته، ولا نسي المألف الخشن عند لين معيشته، أفرغ الله عليه في عقباه سجال نائله الغمر، وسقى أيامه السالفة [١] حيثما سقطت من الدهر بمنّه، وسعة طوله [٢] ، إنّه جواد كريم، رؤوف رحيم.
стр. 779
فصل في شعراء بلخ
стр. 780
قلت: قد أنجزت ما وعدت، والآن مطيّة غيرها اقتعدت [١] ، ولنوع آخر من سياقة أسامي هذا القسم قعدت، ونكصت على عقبي إلى [بلخ] لأفرغ منها، ثم هلمّ جرّا إلى أن [٢] وجد الخالع للحبل مجرّا [٣] . واللفظ [٤]-[من هاهنا] [٥]- للقاضي منصور بن محمد [٦] الازديّ «١» .، فاسمعه من من هذا القرويّ، وأنسبه إلى ذاك الهروي.
٨-[السيد] [٧] [الأجلّ] [٨] أبو الحسن عليّ بن أبي طالب البلخيّ
شرف السادة عمّه، وله أخصّ الفضل وأعمّه. وهو [من] [٩] أغصان تلك الدّوحة [١٠] العلياء، ومن أزهار تلك الرّوضة الغنّاء. ورأيت الشيخ
стр. 781
أبا عامر [١] يروي بين يدي عمّه شعره، وأسارير وجهه من السّرور تبرق، ولسانه بالحمد والشكر ينطق، هزّة لما يرشح به إناؤه من فضل مختزن [٢] في إهابه، ونجابة سار ذكره بها، وشرف قدرها [٣] به [٤] ولم يتّفق التقائي به على شغفي بأدبه، ومكانتي [٥] من البيت الذي بنى عليه رواقه.
وظلّل بسمكه [٦] «١» المشرئبّ [٧] إلى السّماك أعناقه. ولا أدري متى أدال على الفراق بالتلاق [٨] ؟، وإنّما الدّولة حسن الاتفاق، فأنفض بحضرته عياب «٢» الأشواق، وأدّرع طيب العيش بحواشيه [الرّقاق، وأسمع شعره من لسانه [٩] ، وأقطف ورده من أغصانه.
وقد رأيت في كتاب [قلائد الشّرف] [١٠] من تأليف الشّيخ أبي عامر الجرجانيّ قافية [قافيّة] [١١] منسوبة إليه. فلم أتمالك [١٢] أن قلت: عين
стр. 782
الله عليه وحواليه وتعجّلت بها حظّ السّعادة إلى أن أتدرّج إلى الزّيادة، وهي:/
أرقت وحجري [١] بالمدامع يشرق ... وقلبي إلى شرقيّ رامة «١» [٢] شيّق
(طويل)
وما زلت أحمي بالتّصبّر [٣] مهجة ... يكرّ عليها للصّبابة [٤] فيلق
خليليّ هل لي بالعذيبة «٢» رجعة؟ ... وإن لم يعاودني [٥] الصّبا المتأنّق
وهل لي بأطراف الوصال تمسّك [٦] ؟ ... وهل أنا من داء التفرّق مفرق «٣» ؟
سقى مربع الميثاء ربعيّ بارق ... يشفّ «٤» دماء المحل حين يرنّق
стр. 783
ويلبسه وشيا من الخصب [١] رائعا ... إذا انهلّ من أرواقه [٢] «١» فيه ريّق
بحيث الصّبا فينان أخضر مورق ... يغازلني والعيش صاف مروّق
وكم قد مضى ليل على أبرق الحمى ... مضيء ويوم بالمشرّق «٢» مشرق
تسرّقت فيه اللهو أملس ناعما ... وأطيب أنس المرء ما يتسرّق
ويا حسن طيف [٣] قد تعرّض موهنا ... وقلب الدّجى من صولة الصّبح يخفق
تنسّمت ريّاه قبيل وروده ... وما خلته يحنو عليّ ويشفق
وقد نال أعلاق [٤] «٣» النّباهة من له ... بخدمة مولانا الوزير تعلّق
وزير غدا للملك حصنا ممنّعا [٥] ... ومن رأيه للحصن [٦] سور وخندق
стр. 784
يفوح إلينا من نسيم خصاله ... أريج كريح المسك بل هو أعبق
أغرّ [١] ، له في كل حلبة [٢] سؤدد ... مساع إلى نيل المحامد سبّق [٣]
وينفذ من سرّ الغيوب ذكاؤه ... كما السّهم من جسم الرّميّة يمرق
فلو فاخر السّيف المصمّم رأيه ... لعاد وحدّ السّيف خزيان مطرق/
(ولو حلّ بالأرض الجديبة يمنه) [٤] ... لظلّت بأنواع [٥] الرّبيع تفتّق
٩- الشيخ أبو جعفر الموفّق بن [٦] عليّ الكاتب البلخيّ
شابّ شاب بالظرف شمائله، وزرّ على شخص الفضل غلائله. يكتب في ديوان الوزارة بخطّ منتسخ من خلقه، متسرّق [٧] من خلقه، يغضّ عند [٨] الرّبيع عيون الأزهار ويكور مداده [٩] الليل على النهار. ولم يطأ الحضرة النّظامية، حرسها الله، فاضل إلّا قام أمامه، وعرض عليه خزانته،
стр. 785
وكبّ بين يديه كنانته. وأحسن أولا قراه، وأثقل ثانيا قراه «١» .
وبسطه إلى المجلس العالي فاسترسل، وجرّاه على سلوك ذلك البساط فاستبسل؛ عادة تعوّدتها [منه] [١] كندة، وشنشنة عرفوها من أخزم «٢» .
أمّا الشّعر وما نحن فيه، فمعقود بنواصبه، فهو على نسج القوافي مطبوع، ونسجه للقوافي مصنوع. وقلّما يتّفق للكتّاب مثل نظمه، وللشعراء مثل نثره.
وهذه قصيدة له عيديّة، مدح بها الصّاحب نظام الملك، حرس الله نظامه [٢] مطلعها:
وصال مضى ليت الزّمان يعيده ... وهجر أتى ليت الوصال يبيده
(طويل)
ولا غرو أنّي أستعيد [٣] وصالكم ... فكلّ الذي سرّ امرأ يستعيده
стр. 786
وإن أخلق [١] العهد الذي كان بيننا ... فقلبي طريّ الذّكر فيكم جديده
غدوت سعيد [٢] الحبّ [٣] يوم لقائكم ... ولم يشق إلّا بالفراق سعيده
فيا طيب آمال نأت ليتها دنت ... فيدنو من العيش الهنيّ [٤] بعيده
عقدت لها [٥] عينيّ بالنّجم [٦] في الدّجى ... ودمعهما [٧] انحلّت عليه عقوده/
وإن يك في هجري من الصّبر مكثرا ... فإني قليل الصّبر فيه [٨] زهيده
[ومن أخرى أوّلها] :
ألم تر غصن العيش أصبح مورقا ... وقابلنا وجد المسرّة مشرقا؟
(طويل)
أساقينا صفّف [٩] أباريق قهوة ... تريك سنا من لمعة البرق أبرقا
وبادر إلى اللذّات قبل [١٠] فواتها ... وجدّد رسوم اللهو واسق المعتّقا
стр. 787
أمط كدر الأشجان عنّا وهاتها ... على نغم الأوتار صرفا مروّقا
إذا مزجت فاحت فخلت نسيمها ... بأخلاق مولانا الوزير تعبّقا [١]]
وكتب إلى الشيخ أبي عامر الجرجانيّ، يستزيره ليلة [عيد] [٢] الفطر:
حنانيك استقلّ الصّوم عنّا ... وصاح بنا المدام من القلال «١»
(وافر)
فهل يبدو لنا بدر الأماني ... فيكفينا مراقبة الهلال؟
[وله أيضا]
عرضن لعين فازوررت مفكّرا ... أأدخل باب العشق أم أتوقّف؟
(طويل)
تشوّفت يوما نحوهنّ، وها أنا [٣] ... يعذّب نفسي بعد ذاك التّشوّف
عذيري من طرف متى رام قتلنا ... يعاونه صدغ كالهلال معقّف
ترشّفت فاك العذب بالله خبّري ... أريقك أم مشمولة الراح أرشف؟
وخود براها ذو الجلال ظريفة ... فكيف ترى حين ازدهاها التظرّف؟
стр. 788
أرى الحلي [١] يكسوها الجمال كأنّما ... تقلّد من ألفاظها وتشنّف] [٢]
١٠- الأديب أبو [٣] عبد الرحمن بن أبي بكر [الخوسريّ] [٤] البلخيّ «١»
قال في تشبيب قصيدة، مدح [٥] بها الصاحب نظام الملك [٦] [أدام الله علاه واتمّ عليه نعماه [٧]] [٨] :
قفا نبك من معسولة الثّغر [٩] معهدا ... وقلّ له منّا البكاء تعهّدا
(طويل)
أطلّ عليه السّحب [١٠] تلطم خدّه ... شآبيبها [١١] حتى غدا متجدّدا [١٢]
стр. 789
[وله] [١] :
[ترحّلن فانحلّت عقود المدامع ... تكاثر جود «١» السّاريات المدامع
(طويل)
تراءت على خدّيّ خمرا كأنّها ... سبت (لون ورد صنّه) [٢] في البراقع
وأجرد تحكي الغاديات فعاله ... بتفتيقه [٣] في الطّرس نور البدائع
إذا اهتزّ للتّحرير خلت لسانه ... سنان كميّ في القتال مماصع «٢»
[ومنها في الشّكاية] [٤] :
وظلّت نيوب النّائبات ينشنني [٥] ... وتنهشني الأحداث نصّ [٦] الخوامع «٣»
وذاك لأنّي لم أغمّض على لقذى [٧] ... ولا ذلّ للواكي «٤» الغشوم أخادعي [٨]
стр. 790
وللموت خير للغريق (وقل يمت ... ولا يستغث) [١] من عاجزات الضفادع] [٢]
وله من قصيدة:
[إذا الضّجيع نضاها من غلالتها ... تزاحم الأضعفان؛ الفرع والعكن] [٣]
(بسيط)
ظلّت تصيد لبيب القوم لحظتها ... وبعد [٤] ، من شفتيها يرشح اللبن
لمّا تمنّت أسارى الحبّ [٥] رؤيتها ... جاءوا وفي حضن كلّ منهم كفن
كتمت حبّي ومن نمّت مدامعه ... فسرّه أبدا بين الورى علن [٦]
١١-[عبد الجبّار بن عبد الجليل] [٧]
وكنيته أبو المظفّر، شابّ حسن الوجه، ارتبطه الصاحب أبو عبد الله الحسين بن عليّ بن ميكال [٨] لكتابته في ديوان رسالته. وكنّا نحن ثلاثتنا
стр. 791
هو وأبو منصور الحلاج وأنا، فهو منخرط في سلك الكتّاب [١] لنجابته، وأبّوه «١» إلى أصحاب المراتب على الباب بحكم حجابته، وكان مزجى [٢] البضاعة في الصناعة. وجدته [٣] في الأدب شاديا، يخبر [٤] بمسحة ملاحته، إذ [٥] كان في صباه شادنا. أنشدني لنفسه ونحن في مجلس الأنس بين يدي الصاحب بالريّ سنة أربع وأربعين وأربعمئة «٢» :
أشتهي نوما ونيكا معه ... إنّما النّوم مع النّيك يطيب
(رمل)
هو دائي ودوائي عندكم [٦] ... هل لدائي، سادتي، فيكم طبيب؟
قلت: هذا الفاضل صادق الاشتهاء، أفصح عند الطّبيب بالدّواء [٧] ، ولم يسرّ الحسو في الارتغاء «٣» ، غير أنّ الطّبيب هاهنا كناية عن القوّاد للبغاء، وما أطيب ما اشتهى!!. والعجب أنه ما بكى، فهو ما وصفت
стр. 792
[به] [١] نفسي حيث قلت:
يا قوم إنّي رجل فاضل ... وليس في فضلي من شكّ
(سريع)
[أهوى كؤوس الرّاح مملوءة ... وأشتهي الإيلاج في التّرك] [٢]
وأقضم القند «١» ولا أشتكي ... وآكل التّمر، ولا أبكي
١٢- أبو حنيفة البنجدهي «٢» [٣]
[أنشدني القاضي أبو جعفر البحاثيّ قال: قال العبشميّ: أنشدني أبو حنيفة لنفسه] [٤] في غلام إسكاف:
стр. 793
فديت قامة اسكاف أمرّ به ... فيستوي قائما والطرف [١] ينكسه
(بسيط)
كأنّ ألحاظه [٢] أشفاه في يده ... وقلبي الجلد، فهو، الدهر، ينخسه
قلت: وهذا الإسكاف في سلب الفؤاد [٣] كاف، ومقال هذا الشاعر في أشفاه بيان شاف.
١٣- الحكيم أبو بكر الخسرويّ السرخسيّ «١»
هو في شعراء العجم من الأئمة المذكورين، وفي ذلك العلم من الاعلام المشهورين. وكانت [٤] له وظائف [في] [٥] كلّ سنة من الأمير شمس المعالي قابوس بن وشمگير «٢» ، والصاحب أبي القاسم اسماعيل [٦] بن عباد، تدرّ
стр. 794
عليه، وتتسابق إليه [١] / [٢] وقرأت في [٣] ديوان الأستاذ أبي بكر الخوارزميّ قصيدة رثاه بها، ومطلعها:
طوت [٤] المنون محاسن الدهر ... بيد لها طيّ بلا نشر
(كامل)
صبحت يد الدّنيا [٥] ، أبا بكر ... كأسا سيغبقها [٦] أبو بكر
١٤-[أبو نصر أحمد [٧] بن ابراهيم] [الطالقانيّ] [٨] «١»
المعروف بالدّغلابادي، من مدّاح الصاحب نظام الملك، حرس الله أيامه.
стр. 795
[أورد] [١] أبياتا ثلاثة من قصيدة له، وهي فيه:
وخوطب بالوزارة من تناهى ... إليه المجد واجتمع [٢] الفخار
(وافر)
نظام الملك ملك أبي شجاع ... وزير لا يشقّ له غبار
لعضد الدولة الملك المفدّى ... على ماضي الملوك به افتخار
ولولا [٣] تقدّم قدمه في الفضل، لما كانت هذه التي وصفت حاله أيام حياته، وبعد وفاته. وما كان عندي أنه ذو [٤] لسانين، وأنه يرجع من العربية والفارسية إلى إحسانين، حتّى أنشدني له بعض من أثق به من أهل بلدته هذه الأبيات:
عجبت من ربّي وربّي حكيم ... أن يحرم العاقل [٥] فضل النّعيم!
(سريع)
ما ظلم الباري ولكنّه ... أراد أن يظهر عجز الحكيم
وأنشدني له أيضا:
(تخلّل «١» حاجتي) [٦] واشدد قواها ... فقد أضحت بمنزلة الضّياع
(وافر)
стр. 796
إذا أرضعتها بلبان أخرى ... أضرّ بها مشاركة الرّضاع [١]
إشارة إلى قول القائل:
وأرضع حاجة بلبان أخرى ... (البيت)
لا يكن برقك برقا خلّبا ... إنّ خير البرق ما الغيث معه
(رمل)
لا تهنّي بعدما أكرمتني [٢] ... فشديد عادة منتزعه
وله [أيضا] [٣] :
اليوم قرّ وعندي من مصالحه [٤] ... سبع تقلّم [٥] ناب [٦] البرد إن نهسا [٧] «١»
(بسيط)
(حروف كافاتها) [٨] فيها مقدّمة ... لمن تأمّلها في السّطر أو درسا
стр. 797
كنّ [١] وكيس وكانون وكاس طلا ... (مع الكباب) [٢] وكس ناعم وكسا
فلو [٣] عرتني جبال الثّلج لم ترني ... أقول: أجحف هذا البرد [٤] بي وأسا
١٥- عبد الله الرّزجاهي «١» [٥]
/ عليكم بغاة الفقه كتب ابن شافع «٢» ... وعضّوا بأضراس عليها قواطع
(طويل)
رأيت لأهل الفقه كتبا كثيرة ... فلم أر كتبا مثل كتب ابن شافع [٦]
стр. 798
حوت كتبه الفقه المبين [١] فأصبحت ... تضيء كإيماض البروق اللوامع
براهينه في كلّ شيء يقوله ... زواهر بيض كالنّجوم الطّوالع
١٦- أبو عمرو [٢] محمد بن عبد الله الرّزجاهيّ «١»
أنشدني القاضي أبو جعفر البحاثيّ، قال: أنشدني الأسناذ أبو محمد العبد لكانيّ قال: أنشدني الرزجاهيّ لنفسه.
وقالوا [٣] : عزيز أن نراك مع الكبر ... بلا ولد أنثى ولا ولد ذكر
(طويل)
وذكر الفتى يبقى له [٤] بعد موته ... فقلت: دعوني إنّ ذا كلّه سمر
стр. 799
ونسلي [١] إذا ما متّ غرّ قلائد [٢] ... بثثت من المنظوم والعلم والخبر [٣]
خوالد لا أخشى عليهنّ موتها [٤] ... إذا خيف موت أو عقوق من البشر
فكم نسب من كلّ عيب [٥] مطهّر ... ملاه بنو السّوأى [٦] من العارو العرر «١»
١٧- محمد بن علي الغالبيّ السّرخسيّ [٧]
[هو في شعر العجم من الأئمة المذكورين، وفي ذلك العلم من الأعلام المشهورين. وكانت له وظائف] [٨] . مدح الصاحب نظام الملك على باب جزيرة [ابن] [٩] عمر، في رمضان سنة ثلاث وستين وأربعمنة «٢» بهذه القصيدة:
стр. 800
أمن أجل أحباب ثووا لك في الغرب ... جرى الدّمع من عينيك غربا على غرب «١» ؟
(طويل)
أم الرّكب هاجت من دموعك ساكبا ... عشيّة بان الإلف عنك [١] مع [٢] الركب؟
أم النظرة الأولى سبتك وكم سبت ... قلوب الرجال الغانيات وكم تسبي! [٣] /
بلى كلّ ما قد قيل من ذاك كائن ... سوى نظرات الغانيات التي تصبي
وهل يتصابى من ينادي بقربه ... من العطب الشّيب الذي هو كالعطب «٢»
بكائي على ما قد مضى من شبيبتي ... بكاء ولكن كي يخفّ به كربي [٤]
كما ليس شرب الرّاح [٥] مني خلاعة ... تذمّ ولكن كي يفلّ الجوى شربي
فما العيش إلّا ساعة أنت مقبل ... على اللهو واللذات فيها مع الصّحب
стр. 801
فأعط [١] دواء الهمّ همّا يغب به ... حجاه «١» فعيش المرء في غيبة اللبّ
مشعشعة صفراء كالحصّ مثلما ... يقول ابن كلثوم لنا في [ألا هبّي] «٢»
يدور بها [٢] ساق مليح كأنّما ... سنا وجنتيه قد تناثر في القعب
على ذكر مولى لو تحلّى ببعض ما ... به الشمس لم تطلع علينا من العجب
سليل كرام كلّ مجد مؤثّل ... وجود ومعروف أخوهم من الصّلب
هم أرشدوا الأقلام للجري سالفا ... كما أرشدوا السّيف المهنّد للضّرب
مناقب لم ترض الأقاليم مسكنا ... لها فارتقت منها إلى الأنجم الشّهب
فلو وطىء الصّخر الأصمّ تفجّرت ... ينابيع ماء منه فاعتمّ «٣» بالعشب
стр. 802
إذا دعي الأبطال في الحرب باسمه ... تطايرت الأكباد خوفا من الحجب «١» [١]
فحسبي من دنياي أن يعلم الورى ... بأنّي بحبل الشيخ مستمسك حسبي
١٨- الشيخ أبو علي [٢] الحسين [٣] بن عبد الله القلندوشيّ [٤]
وقلندوش من ناحية سرخس «٢» . [هو] [٥] من فحول الشّعراء، ووجوه الكتّاب والبلغاء. إذا نثر رسالة أو نظم شعرا، علمت أنّ/ من الشعر حكمة [٦] وأنّ [٧] من البيان سحرا، رأيته بسرخس وهو يكتب في ديوان الرسالة للرئيس أبي الحسن عليّ بن محمد العمرانيّ «٣» بقلم حدّه عضب، وخطّ
стр. 803
كأنّه عصب «١» [١] ، ولفظ كلّه عذب. وكتبت إليه:
يا من به تحسد الدّنيا قلندوشا ... ويبرز الفضل وجه النّقص مخدوشا
(بسيط)
ما عضّ صاحب فضل ناب نائبة ... إلّا وقدّمت قلبا دونه حوشا «٢»
سلكت نحوك نهجا (ظلت أحسبه) [٢] ... من الأزاهير والأنوار منقوشا
أزرى [٣] على وشي صنعاء الذي صنعوا ... درج بخطّك يوشى نعم ما يوشى
لذاك غادرت [٤] طبعي بعد حدّته ... كالقطن منتدفا والعهن «٣» منفوشا
стр. 804
وقرأت في [كتاب قلائد الشرف] [١] من تأليف الشيخ أبي عامر الجرجانيّ قصيدة له نظامية، ما رأيت أحسن منها في فنّها، وهي:
سقى عهد سعدى [٢] حيث كانت [٣] خيامها ... بواكر أبكار العهاد «١» غمامها
وإن عزّ مرآها وشطّ مزارها ... (وأوحش مغناها) [٤] وأقوى مقامها
سلا [٥] ربعها أنّى استقلّت حمولها ... وأين استقرّت بالعراء خيامها
وماذا عليها لو أشارت فسلّمت [٦] ... وكان شفاء للسليم سلامها
وما ضرّها لو كلّمت يوم بينها ... فنفّس عن نفس الكليم كلامها
ألا ليت نفسي، يوم زمّ جمالها ... وغرّد حادي البين، حمّ حمامها
تصرّم منها العهد إلّا تذكّرا ... إذا ساور [٧] الأحشاء هاج غرامها
فلا عيش إلّا أن يباح وصالها ... ولا وصل إلّا أن يتاح لمامها
/
стр. 805
وإني وإن جرّعت كأس فراقها ... وحان لأسباب الوصال انصرامها [١]
فلا مقلتي العبرى تجفّ شؤونها [٢] ... ولا مهجتي الحرّى يخفّ سقامها
وله من قصيدة [أخرى] [٣] :
بنانك سابق والبحر تال [٤] ... ووجهك أول والبدر ثان
(وافر)
وأنت الغوث من نوب الليالي ... وأنت الغيث من قحم «١» [٥] الزّمان
وأنت النار فيك حمى ونور ... وغيري منك يرضى بالدّخان
سترضى شيمتي [٦] غبّ اختباري ... وتحمد سيرتي بعد امتحاني
١٩- القاضي أبو منصور محمد بن عبد الجبّار السّمعانيّ «٢»
رحمة الله عليه. هو كما قال [فيه] [٧] العميد القهستانيّ، إمام مرو
стр. 806
وحبرها الرّبّانيّ. وقد [١] لقيته بمرو سنة سبع وأربعين وأربعمئة «١» يوم جمعة، قضى فيه حقّ زيارة [السيد] [٢] ذي المجدين أبي القاسم عليّ بن موسى الموسويّ، أدام الله جماله، والمجلس غاصّ يشحنه من المراوزة عامّ وخاصّ. واتّفق حضوري في جملتهم [٣] فالتقى سهيل [٤] والثّريّا، وتصافح الماء والحميّا. وقلت: هذا يوم مجموع له الناس، واتفاق حسن يحصل بمثله الاستئناس. وأبرزت القصيدة التي عملتها برسم الخدمة النبويّة، وهي:
حبا لك من تحت ذيل الحبيّ «٢» ... شعاع كحاشية المشرفيّ
(متقارب)
أعاد [٥] (طراز رداء الهوى [٦] ) [٧] ... ولكن تردّى وشيك الهويّ
стр. 807
وأطلع في [١] جنح ليل السّحاب ... صباحا مضيّا وشيك المضيّ/
هي النار تعبد لا للصّلاة ... إليها، وتعمد لا للصّليّ «١»
ولكنّ إشراقها موهم ... بإيماض [٢] ثغر لسعدى نقيّ
ذكرت عرارة نجد وعزّ ... شميم العرارة بعد العشيّ «٢»
وجدّد [٣] شوقي [٤] وراء الضّلوع ... بلى [٥] الرّبع من بعد أخذي بليّ «٣»
ومن لي بسعدى ومن دونها ... وقد حجبت خلف مرمى قصيّ؟ [٦]
نعيب الغراب ونبح الذئاب ... وحرش الضّباب «٤» ووخد المطيّ
يقشّر بالضّرب منها اللّحى ... ويشغل عن ضربها باللّحيّ «٥» [٧]
стр. 808
وترمي قوائمها كالسّهام ... وتبرى هياكلها [١] كالقسيّ
ببهماء [٢] أحشاء أحسائها ... تشكّت إلى الرّكب وقع الدّليّ «١»
تظلّ القطا وهي أهدى الطّيور ... تضلّ بها كالغويّ الغبيّ
إلى مثلها طال باعي وطاب [٣] ... لجنبي اجتناب الفراش الوطيّ «٢»
وأسكرني شرب كأس السّرى ... على عزف جنّيّها الجهوريّ
وسقت الركائب حتّى أنخن ... بسبط الأنامل [٤] سبط النّبيّ
عليّ بن موسى مواسي العفاة ... أبي القاسم السّيد الموسويّ
خصيب [٥] الثّرى غضّ نبت المراد ... رحيب الذّرى [٦] عذب ماء الرّكيّ «٣» [٧]
طمى بالنّدى واديا راحتيه ... فطمّ [٨] على آجنات القريّ «٤»
стр. 809
وهذه قصيدة طويلة، فلمّا انتهيت إلى قولي فيها:/
معاد معاديه مهما طوى ... على بغضه القلب، قعر الطّويّ «١»
وأمثل أحوال أعدائه ... وكلّهم نهب داء دويّ [١]
عصيّ مكلّلة بالرؤوس ... وروس مكلّلة بالعصيّ
صفّق القاضي أبو منصور السمعانيّ بيديه [٢] ، وقال: عين الله عليه، وأثنى عليّ في ذلك المجلس الغصّان بمثل ما أثنى به حسان على آل غسان، وقال في بديهة وتواضع بذلك:
حسن شعر وعلا قد جمعا ... لك جمعا يا عليّ بن الحسن
(رمل)
أنت في عين العلا كحل ومن ... ردّ قولي فهو في عين الوسن
وقلت أنا فيه:
شغلت بسمعانيّ مرو مسامعي ... فحزت المنى من أوحد العصر [٣] فرده
(طويل)
وألبست زيّا من نسائج وشيه ... وقلّدت سمطا من جواهر عقده
стр. 810
وسرّحت [١] منه الطّرف في متواضع [٢] ... أتى نحوه [٣] الجبّار وهو ابن عبده
فبات عزيز العيش في بيت عزّه ... وظلّ قرير العين في ظلّ مجده
وحضرت يوما مجلسه على حين غفلة منه، وهو يعظ الناس بألفاظ تهدي إلى السامعين هدوّ [٤] الجوانح [٥] ، وسكون الجوارح، وتحلّ العصم سهل الأباطح. فلما فرغ ونزل قمت [٦] إليه وسلّمت عليه، فقال: مثلك إذا عثر صديق له أقال «١» . وحلف عليّ لأنبّهنّه [٧] على سهو ربّما [٨] جرى على لسانه أو غلط يدفع بمثله [٩] عين الكمال عن إحسانه. فقلت: معاذ الله أن أكون منك بهذه المنزلة. [ثمّ قال: لو علمت بحضورك لحبّرت [١٠] المجلس تحبيرا [١١] [١٢] . [وممّا] [١٣] أنشدني لنفسه بعد ما رواه لي غيره عنه، [قوله] [١٤] :