وحبرها الرّبّانيّ. وقد [١] لقيته بمرو سنة سبع وأربعين وأربعمئة «١» يوم جمعة، قضى فيه حقّ زيارة [السيد] [٢] ذي المجدين أبي القاسم عليّ بن موسى الموسويّ، أدام الله جماله، والمجلس غاصّ يشحنه من المراوزة عامّ وخاصّ. واتّفق حضوري في جملتهم [٣] فالتقى سهيل [٤] والثّريّا، وتصافح الماء والحميّا. وقلت: هذا يوم مجموع له الناس، واتفاق حسن يحصل بمثله الاستئناس. وأبرزت القصيدة التي عملتها برسم الخدمة النبويّة، وهي:
حبا لك من تحت ذيل الحبيّ «٢» ... شعاع كحاشية المشرفيّ
(متقارب)
أعاد [٥] (طراز رداء الهوى [٦] ) [٧] ... ولكن تردّى وشيك الهويّ
стр. 807
وأطلع في [١] جنح ليل السّحاب ... صباحا مضيّا وشيك المضيّ/
هي النار تعبد لا للصّلاة ... إليها، وتعمد لا للصّليّ «١»
ولكنّ إشراقها موهم ... بإيماض [٢] ثغر لسعدى نقيّ
ذكرت عرارة نجد وعزّ ... شميم العرارة بعد العشيّ «٢»
وجدّد [٣] شوقي [٤] وراء الضّلوع ... بلى [٥] الرّبع من بعد أخذي بليّ «٣»
ومن لي بسعدى ومن دونها ... وقد حجبت خلف مرمى قصيّ؟ [٦]
نعيب الغراب ونبح الذئاب ... وحرش الضّباب «٤» ووخد المطيّ
يقشّر بالضّرب منها اللّحى ... ويشغل عن ضربها باللّحيّ «٥» [٧]
стр. 808
وترمي قوائمها كالسّهام ... وتبرى هياكلها [١] كالقسيّ
ببهماء [٢] أحشاء أحسائها ... تشكّت إلى الرّكب وقع الدّليّ «١»
تظلّ القطا وهي أهدى الطّيور ... تضلّ بها كالغويّ الغبيّ
إلى مثلها طال باعي وطاب [٣] ... لجنبي اجتناب الفراش الوطيّ «٢»
وأسكرني شرب كأس السّرى ... على عزف جنّيّها الجهوريّ
وسقت الركائب حتّى أنخن ... بسبط الأنامل [٤] سبط النّبيّ
عليّ بن موسى مواسي العفاة ... أبي القاسم السّيد الموسويّ
خصيب [٥] الثّرى غضّ نبت المراد ... رحيب الذّرى [٦] عذب ماء الرّكيّ «٣» [٧]
طمى بالنّدى واديا راحتيه ... فطمّ [٨] على آجنات القريّ «٤»
стр. 809
وهذه قصيدة طويلة، فلمّا انتهيت إلى قولي فيها:/
معاد معاديه مهما طوى ... على بغضه القلب، قعر الطّويّ «١»
وأمثل أحوال أعدائه ... وكلّهم نهب داء دويّ [١]
عصيّ مكلّلة بالرؤوس ... وروس مكلّلة بالعصيّ
صفّق القاضي أبو منصور السمعانيّ بيديه [٢] ، وقال: عين الله عليه، وأثنى عليّ في ذلك المجلس الغصّان بمثل ما أثنى به حسان على آل غسان، وقال في بديهة وتواضع بذلك:
حسن شعر وعلا قد جمعا ... لك جمعا يا عليّ بن الحسن
(رمل)
أنت في عين العلا كحل ومن ... ردّ قولي فهو في عين الوسن
وقلت أنا فيه:
شغلت بسمعانيّ مرو مسامعي ... فحزت المنى من أوحد العصر [٣] فرده
(طويل)
وألبست زيّا من نسائج وشيه ... وقلّدت سمطا من جواهر عقده
стр. 810
وسرّحت [١] منه الطّرف في متواضع [٢] ... أتى نحوه [٣] الجبّار وهو ابن عبده
فبات عزيز العيش في بيت عزّه ... وظلّ قرير العين في ظلّ مجده
وحضرت يوما مجلسه على حين غفلة منه، وهو يعظ الناس بألفاظ تهدي إلى السامعين هدوّ [٤] الجوانح [٥] ، وسكون الجوارح، وتحلّ العصم سهل الأباطح. فلما فرغ ونزل قمت [٦] إليه وسلّمت عليه، فقال: مثلك إذا عثر صديق له أقال «١» . وحلف عليّ لأنبّهنّه [٧] على سهو ربّما [٨] جرى على لسانه أو غلط يدفع بمثله [٩] عين الكمال عن إحسانه. فقلت: معاذ الله أن أكون منك بهذه المنزلة. [ثمّ قال: لو علمت بحضورك لحبّرت [١٠] المجلس تحبيرا [١١] [١٢] . [وممّا] [١٣] أنشدني لنفسه بعد ما رواه لي غيره عنه، [قوله] [١٤] :
стр. 811
الحمد لله على أنّه ... لم يبلني بالماء والضّيعه
(سريع)
فالماء يفني ماء وجه الفتى ... وصاحب الضّيعة ذو ضيعه [١]
٢٠- محمد بن الحسن المروزيّ [٢]
/من قدماء المراوزة في [أوائل] [٣] هذا العصر. أنشدني القاضي أبو جعفر البحاثيّ قال. أنشدني الفقيه أبو نصر محمد بن الحسين [٤] الكافي له:
ضيّعت فيك إلى ذا اليوم أيّامي ... وعفت غيرك [٥] حتّى عفت إسلامي
(بسيط)
شغلا بغيرك إذ أوردتني [٦] سقما [٧] ... وقد جعلت سقاما منك أقسامي [٨]
стр. 812
٢١- القاضي أبو الفتح نصر بن سيّار الهرويّ
تلو القاضي الأزدي [و] [١] بلديّه في الأخذ بأطراف الفضائل، والاشتمال على كرم الشمّائل. وله شعر كاسم أبيه بحوافر الإجادة سيّار، وبقوادم الإصابة طيّار. وولي القضاء والزعامة بهرات مدّة، وكان ذا كفايتيها، المستولي على غايتيها. ثمّ تكدّرت الحال بينه وبين الأمير يبغو، وتصورت [٢] له منه مطابقة مخالفيه، فساء ظنّه فيه، وأمر بنقله إلى سجستان، معتقلا مع وزيره مسعود بن محمد بن سهل [٣] .
فلمّا بلغوا أسفزار أحسّ منه المتوكلون [٤] باحتيال في التملّس من أيديهم [٥] ، فعمد [٦] له بعض [٧] من مردة أولئك الشياطين، وعلّقوه في سوق أسفزار ببعض [٨] الأساطين، فجفّ ريقه، واختصر طريقه، وتفرّق عنه فريقه، وترك بها مخنوقا ينوح [٩] الفضل منه على أسد في جيده [١٠] حبل من مسد «١» .
стр. 813
وقد أحاطت المخنقة منه بملعب [١] الكرم «١» ، وتدلى كما يتدلّى العنقود من عريش [٢] الكرم، رحمة الله على ذاك [٣] الجسد، بل على ذاك [٤] الأسد. فممّا أنشدني لنفسه من بدائعه قوله من قصيدة له في الوزير أبي الفتح مسعود بن محمد بن سهل [رحمة الله عليه] [٥] :
للمحسنين نصيب من مدائحنا ... وللحسان نسيب من قوافينا
/ (بسيط)
نطري أبا الفتح مسعودا وقد رفعت ... في كلّ واد وناد نار مطرينا
وله في تفّاحة معضوضة:
تفّاحة قد عضّها قمر ... عمدا [٦] ومسّك موضع العضّه
(كامل)
وكأنّ عضته ممسّكة ... صدغ أحاط بوجنة غضّه
وكأنّها نونان [٧] قد كتبا ... بالمسك في كرة من الفضّه
стр. 814
وقوله: [١]
وبدا لنا بدر [٢] الدّجي والليل قد ... شمل الأنام بفاضل الجلباب
(كامل)
غطّى الكسوف عليه [٣] إلّا لمعة ... فكأنّه حسناء تحت نقاب
وقوله: [٤]
بنفسي أغيد، ألحاظه ... تمهّد لي في الذّنوب الرّخص
(متقارب)
يشقّق [٥] كبدي إذا ما شدا [٦] ... ويرقص قلبي إذا ما رقص
وقوله:
يا ليلة ضمّنا عناق ... ولفّنا تحتها التزام
(مخلّع البسيط)
ما لي سوى وجنتيه ورد ... ولا سوى ريقه مدام
تاب إلينا بها اللّيالي «١» ... فذمّها بعدها حرام [٧]
стр. 815
وقوله يصف [١] نار السّذق «١» [٢] :
ربّ [٣] ليل كشعر ليلى سوادا ... شقّ جلبابه [٤] على الأرض نار
(خفيف)
وترى الأرض كالسّماء فكلّ ... قد تجلّى خلالها أنوار
بشرار كأنّهنّ نجوم ... ونجوم كأنّهنّ شرار
وله أيضا في معناها:
وليلة سامحتني [٥] ... بها نوائب دهري
(مجتث)
(بتنا نضيع دجاها [٦] ) [٧] ... [ما] [٨] بين (خمر وجمر) [٩]
فتلك ذائب جمر ... وذاك جامد خمر
стр. 816
وله في صفة النار أيضا من قصيدة:/
لها شرر مثل النجوم تطايرت ... فمرّت دنانيرا وجاءت دراهما
(طويل) قلت: كنت يوما من الأيام أطالع ديوان [١] أشعاره [٢] ، وقد تناهى فيها [٣] إلى حدّ الإكثار تفنّنا في أوصاف النار. فقلت في نفسي [٤] :
تعجبا [٥] لهذه الأوراق، كيف سلمت من الاحتراق!! وفي كلّ بيت منها بيت نار، وإن لم يكن صاحبها عاقد زنّار «١» . وله في رمّانة سوداء:
وشادن ناولني بغنج
(مشطور الرجز)
ظبي فراش وهزبر سرج ... غصن على دعص نقا «٢» مرتجّ،
رمّانة سوداء قبل النّضج ... كثدي بكر من بنات الزّنج [٦]
стр. 817
وله في معنى اقترح [١] عليه:
دخلت يوما على صديق ... والبرد يفري به الفريّا «١» [٢]
(مخلع البسيط)
(قال: إلى) [٣] النار، قلت: كلّا ... فأنت أولى بها صليّا «٢»
وله من أبيات [أيضا] [٤]
وكنت وعدتني عسلا مصفّى ... فها أنا منك أرضى بالمضيض
(وافر) وله في الهجاء:
شعر عبد الكريم قد يترك الصّيف إذا أنشدوه مثل الشّتاء (خفيف)
ما رووه في مجلس قطّ إلّا ... أخذ الناس فيه بالعرواء «٣»
قد أتاني يوما لينشد شيئا ... منه عندي فقلت: هاتوا كسائي
قد غدونا ما بين بردين، ويلي؛ ... (برد أشعاره) [٥] وبرد الهواء!!
/
стр. 818
هو [١] من آلة المحبّين إذ يبردن حرّ [٢] الأكباد والأحشاء وله في صفة النّرجس:
ونرجس غادرني ... ما بين عجب وعجب
(مجزوء الرجز)
كطبق [٣] من فضّة ... عليه كأس من ذهب
٢٢- الأمير الأمين أبو الفتح الحاتميّ
صاحب البريد بهرات، وقد عاشرته بها فوجدته لذيذ المخبر، كريه المنظر. يسيغ مرارة كراهته [٤] بحلاوة فكاهته. وفي [٥] الجملة لا يشبه العنوان ما في [٦] الكتاب. وهو من أعيان بلغاء الكتّاب، إذا تعاطى القلم لم يكبح لجامه، ولم يثن [٧] زمامه، أو [٨] يؤدي الأغراض بأحسن عبارة،
стр. 819
ويقرطس الأهداف بألطف إشارة. وكان، ﵀، يكتب في ديوان الأمير أحمد بن محمد بن محمود «١» ﵀. فيفيد ديوان [١] رسالته تحصيلا وجمالا [٢] ، ويضطلع بأعباء أمانته تفصيلا وإجمالا. وله شعر باللسانين وحظّ من البيانين. أنشدني لنفسه بهرات سنة خمس وأربعين [وأربعمئة «٢» [٣] قوله:
تبارك ربّي ماذا الذي ... يرى الحرّ من كلّ نذل سفيه؟
(متقارب)
يقولون ما (لم يقل قائل) [٤] ... وهل كان (في الله) [٥] ما قيل فيه؟
وله: [٦]
وحمّامنا مثل الشباب مزاجه ... ومن ذا يؤدّي للشّباب معانيه؟
(طويل)
حكى العدن طيبا والجحيم حرارة ... (وخدّامه [٧] حور تليهم زبانيه) [٨]
стр. 820
وقوله: [١]
أما ترى الخمر مثل الشّمس في قدح ... كالبدر فوق يد، كالغيث إذ [٢] صابت
(بسيط)
فالكأس كافورة لكنّها انحجرت ... والخمر [٣] ياقوتة لكنّها ذابت
وقوله:
(هما ما هما) [٤] لم يبق شيء سواهما ... حديث صديق أو عتيق رحيق
(طويل)
وإنّي من لذّات دهري قانع ... بحلو حديث أو بمرّ عتيق «١»
/وشرب في بعض المجالس، فسمّ، وعاش بعد ذلك ليلة. ثمّ، وإنّ للأجل جنودا (منها الشراب) [٥] ، ونحن من التّراب، ومصيرنا إلى التواب.
ولا بدّ من أن ينعب [٦] [بالبين] [٧] الغراب، ويفرّق ذات البين الاغتراب [٨] .
стр. 821
٢٣- أبو الغنائم رحمة الله بن اسماعيل القرشيّ [١] الهرويّ
من أشراف هرات، ومن أصحاب ذوائبها [٢] ، ودراريّ كواكبها.
وقد جعلت له أرض البلاغة ذلولا، فمشى في مناكبها، يحفظ أصول الأدب، ومجاري كلام العرب. ويختلف إليه للاستفادة جماعة، ولا تخلو له من الإفادة [٣] ساعة. كتب إليه القاضي أبو الفتح، رحمهما الله، قصيدة يعاتبه فيها، وقد علق بحفظي بيت واحد منها [فقط] [٤] ، وهو:
أيا رحمة الله كيف انقلبت [٥] ... عليّ عذابا شديد الوصب؟
(متقارب) وله شعر بارع كقوله من قصيدة:
غدا رشأ يرعى اللّوى فالمحجّرا «١» ... ويا ليته يرعى جفوني محجرا
(طويل)
стр. 822
رأى [١]
أن يحلّ الدهر مكروه هجره ... ويحرم محبوب الوصال ويحجرا
وقد كان حرّ القلب عطفا ورقّة ... [فيا ليت شعري لم وفيم تحجّرا؟] [٢]
[أتاني، وقد جدّ الرّحيل مهجّرا ... فقلت: أو اصلت الحبيب لتهجرا؟] [٣]
بنفسي من وافى إليّ مهاجرا ... وفاء وعانى [٤] السّير نحوي مهجّرا
وصيّر فضّيّ السوالف مذهبا ... لوصلي ومسكيّ العذار [٥] معنبرا
وله في بعض الكبار [٦] يصف بطيخة كان يديرها في كفّه:
يغري ببطيخة في كفّه عبقت ... كالشّهد باطنها كالتّبر ظاهرها
/ (بسيط)
يحكي وجوه عداه لون [٧] ظاهرها ... لكن قلوب محبّيه سرائرها
стр. 823
٢٤- الشيخ أبو القاسم الفيّاض بن عليّ الهرويّ [١]
طبعه كاسمه، والفضائل [٢] كلّها برسمه. وهو من أفراد خراسان وفور حظّ، وسلاسة [٣] لفظ [٤] . وكأنّ البحتريّ «١» وصف [٥] أشعاره بقوله:
حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنّبن ظلمة التّعقيد
(خفيف)
وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المرام [٦] البعيد
[كالعذارى غدون في الحلل الصّف ... ر إذا رحن في الخطوط السّود
عرف الصالحون فضلك بالعل ... م وقال الجّهال بالتّقليد] [٧]
стр. 824
بلى لفظه قريب، ولكنه أمنع من معشوق [١] عليه [٢] رقيب، وشأوه [٣] بعيد ولكن ليس لنفس الفكر وراءه تصعيد. وسمعت [السيد] [٤] (الأجلّ العالم) [٥] شرف السّادة، رضوان الله عليه، يقول: وهو العالم [٦] الذي عرف العالم فضله، والرائد الذي لم يكذب قطّ أهله، إنه أشعر أقرانه، وآدب أبناء [٧] زمانه. وأنا، وإن لم أكن عديله فقد أوجبت تعديله. والقول ما [٨] قالت حذام. فأصغ من بعد من كلامه إلى الحلو الحلال، ممزوجا بالمرّ الحرام، أعني البائية التي مدح بها الصاحب نظام الملك، أدام الله أيامه [٩] ، فأحسن فيها ما شاء، وأتبع دلو إحسانه الرشاء. وذكر [١٠] فيها الفتوح التي اتفقت للدولة القاهرة، فاتّسقت [١١] كأنابيب القنا، واطّردت كأرسال القطا، واخترت منها ما هو من شرط الكتاب، وهي:
هو الدين فانظر كيف طالت مناكبه ... وكيف تراءت مشرقات كواكبه
(طويل)
حلفت [١٢] بمجرى الخيل والنقع ثائر ... تردّ عيون الناظرين غياهبه
стр. 825
ومنها:
وكلّ أصمّ الكعب ماض سنانه ... وكلّ صقيل المتن عضب «١» مضاربه
/ لقد راح دين الله وهو بمائه ... وأصبح ملك الأرض صفوا مشاربه
وعادا «٢» [١] على رغم العدا وكلاهما ... رقيق حواشيه فسيح مشاربه [٢]
فهذا نمير لا يعاف وروده ... يعود بريّ كيفما شاء شاربه
وذاك منيع لا يروّع جاره ... يروح ويغدو آمن السّرب ساربه «٣» [٣]
[ومنها] [٤] :
وقد شام ربّ الشام بارق سيفه ... لضلّته ظنّا بأن سيضاربه
فلمّا رآه عارضا يمطر الرّدى ... وتجنب أسباب المنايا جنائبه
أطاع وأعطى الملك [٥] عن ظهر كفّه ... وقد كان دهرا لا تذلّ مصاعبه
стр. 826
وقد طالعت [١] مصرا طلائع خيله [٢] ... فأصبح طوعا [٣] للمقادة صاحبه
وخلّى سرير [٤] الملك غير مدافع ... وأسلمه كتّابه [٥] وكتائبه [٦]
وذلّ، وقدما كان عزّ جنابه ... ولان، وقدما قد [٧] تمنّع جانبه
ومنها:
اوها فاسألوا [٨] عنه سجستان «١» إنّه ... يخبّر عنه رمله وأخاشبه «٢»
غدوا [٩] وابن يعقوب بن ليث «٣» على النّوى [١٠] ... يكاتبه بالعبد حين يكاتبه
стр. 827
يرى شرفا أن عدّه اليوم حاجبا ... وكان يسامي حاجب الشمس حاجبه
[ومنها] [١] [أيضا] [٢] :
ولا تسألوا عن قيصر وجموعه [٣] ... فقصّته ما تنقضي وعجائبه
سرى ورؤوس الروم والروس [٤] خلفه ... يجاذبهم ثوب المنى وتجاذبه
بأرعن جرّار [٥] يزيد على الحصى ... وقطر الحيا فرسانه وجنائبه «١» [٦]
يمدّ [٧] على الآفاق ليلا قتامه «٢» [٨] ... ويزحم أركان الجبال مناكبه «٣» /
مئون ألوفا كالصّواعق ترتمي ... لظى [٩] ما تني (برقا ورعدا) [١٠] سحائبه
стр. 828
فوارس يلقون السّيوف بأنفس ... شداد إذا ما الموت صرّت جنادبه
مساعير فيهم كلّ أروع باسل ... تحاماه حيّات الوغى وعقاربه
سرى وهو يطوي الأرض غير معرّج ... يصدّق [١] حسن الظنّ، والظنّ كاذبه
وخلّف قسطنطين يأمل أنّه ... تناخ بأعلى الرقّتين [٢] كتائبه «١»
ويزعم أنّ الريّ وطأة ساعة ... وظاهر [٣] نيسابور «٢» حيث مضاربه
وأنّ بمرو الشّاهجان «٣» مقامه ... ليفعل فيه كيف ما شاء ناهبه
يحاول دين الله غير مراقب ... ولم يدر أنّ الله كان يراقبه [٤]
стр. 829
وأنّ عليه هيبة [١] عضديّة ... تعاضده كيف اغتدى وتصاحبه
وعين نظام الملك ترعى [٢] ثغوره ... تباعده أطرافه وتصاقبه «١» [٣]
ومنها في صفة الشجعان [٤] :
مغاوير فيهم كلّ صلت «٢» جبينه ... جليل مساعيه كريم مكاسبه
يمجّ المنايا والمنايا تمجّه ... يقاربها مستبسلا وتجانبه
كليث الشّرى إقدامه، غير أنّه ... رقاق الظّبى أنيابه ومخالبه
يلاعب أطراف الرماح كأنّه ... يناسبها يوم الوغى وتناسبه [٥]
ويقدم يوم الرّوع لا يتّقي الرّدى ... ولو أصبح المرّيخ قرنا يواثبه
ففاجاهم «٣» بغتا ولم يشعروا به ... كما انقضّ نجم يملأ الجوّ ثاقبه
/ فما وقفوا للطّعن إلا تعلّة ... حيارى وكلّ ذاهل [٦] العقل ذاهبه
وغادرهم أيدي سبا، فمجدّل [٧] ... يحكّم في أطرافه السيف ضاربه
стр. 830
ومستأسر [١] ألقى يد الذّلّ صاغرا ... يراقب نقيا (جامد الرّيق عاصبه «١» ) [٢]
وقصّر [٣] لمّا أن رأى السيف قيصر [٤] ... وقد (خذلته خيله) [٥] ومواكبه
تولّى [٦] رجاء أن يفوت بنفسه ... وأنّى وبرهان الخليفة طالبه؟
ولا لوم أن ولّى على الوجه هاربا ... فذلك يوم لا يعنّف هاربه
فلم تغن عنه في الوقوف [٧] سيوفه ... ولم تنجه عند النّجاء نجائبه
[ومنها أيضا] [٨]
ومن يركب البحر الخضمّ طمى به ... عباب وأنّى يأمن البحر راكبه؟
فلمّا دنا من مجلس الملك خطوة ... وبين يديه ترجمان يخاطبه
تعفّر من مسّ التّراب جبينه ... وقد عاش دهرا [٩] ما تعفّر حاجبه
стр. 831
وأهوى لوجه الأرض لثما وقد بدا ... له يوم بؤس كالح الوجه قاطبه
وقام على ساقيه يخدم ساقيا ... وذلك أعلى ما اقتضته مراتبه
فلم يره [١] السلطان أهلا لعتبه ... وقد كان حقا في الهدى «١» لو يعاتبه
ومنّ عليه بالحياة تكرّما ... عشيّة أظفار المنون تناشبه
وقلّده ملك الممالك فانثنى [٢] ... وقد قضيت من كلّ شيء مآربه
فإن شكر النّعمى فذلك حقّه ... وإلا فقد أثنت عليه حقائبه «٢»
/أحاسده، مهلا، فهذي سيوفه [٣] ... وهاتيك يوم المكرمات مواهبه
وإن [٤] كنت في ريب [٥] فدونك [٦] فاعتبر [٧] ... فها هو نهج الحقّ يهديك لاحبه «٣»
إذا ما ملوك الأرض عدّوا [٨] فإنّما ... لكم كاهل المجد الأشمّ وغاربه
وأنشدني لنفسه أيضا:
стр. 832
توقّ مصارع الغفلات واحذر ... فليست زينة الدّنيا بزينه
(وافر)
وقصرك [١] عن هواك فكلّ نفس ... غداة غد بما كسبت رهينه «١» [٢]
هي الدّنيا تموج كما تراها ... بمن فيها فشأنك والسّفينه
قلت: ولهذا الفاضل شغف ببنات خاطري [٣] ، ولا يزال يخطبها إليّ، وأنا أعضلها «٢» وعزّ عليّ إذ ليس ذلك العضل، مما [٤] يجيزه الفضل.
ولكنّي [٥] مع ثقتي ببخت «٣» القباح أصونه عن [٦] [أن] [٧] أزفّ [٨] إليه غير الملاح، والملح على فراسخ من كلامي، وغرضي [٩] فيما أحوكه [١٠] مكثب للرّامي. وكان، أدام الله عزّه، كتب إليّ في هذا المعنى نونية، اعتقدت «٤» لها صبابة مجنونيّة ومطلعها:
стр. 833
يا سابقا في كلّ فنّ ... نفسي تقيك وقلّ منّي
(مجزوء الكامل)
ديوان شعرك منيتي ... إن قيل: أسرف في التّمنّي
فأجب إليه بلا توا ... ن منك فيه ولا تأنّ [١]
/فأجبت عنها بقولي من أبيات:
ما نطفة [٢] من حبّ مزن ... قد بيّتوها جوف شنّ «١» [٣]
(مجزوء الكامل)
وسلافة من قلب دنّ ... بخّروه بقلب دنّ «٢»
وتصافح بعد القلى ... وتصالح غبّ التّجنّي
إلّا كشعر [٤] صديقي ال ... فيّاض فاشد به وغنّ
стр. 834
٢٥- المصباح «١»
هو أبو منصور نصر بن منصور الشاركيّ [١] . وقد مرت بك أبيات القصيدة الفريدة، التي هي من ديوان شرف السادة، صدر الجريدة. ولو لم [٢] يك [٣] ذلك [٤] السّيد أهلا لها لما جلا عليه من بنات خواطره [تلك] [٥] العرائس.
ولا أهدى إليه من حصيات جواهره تلك النفائس. وكنت ببغداد سنة [٦] خمس وخمسين [وأربعمئة] «٢» [٧] فرأيت ذكره بها حاضرا، وإن كان عنها غائبا.
وفضل المصباح أشهر [٨] من فلق الصباح، وإنما شرف بهذا اللقب من حضرة الخلافة. وفيه من الظلف «٣» [٩] وصيانة النفس، وقصر الباع عن الأطماع
стр. 835
ما لا يخفى. وقد انتظم في مدّاح مولانا [١] الصاحب نظام الملك، حرس الله أيامه وأدام على الإسلام والمسلمين إنعامه. واختلف في خدمة ركابه العالي إلى خراسان مرّة وإلى العراق أخرى. ورأيت له في قلائد الشرف قصيدة نظامية أولها:
أنت فرد العصر ما فيه كلام ... للورى كهف وللدين قوام [٢]
(رمل)
ماجد يقصر عن همّته ... صخب الموج وتهطال الغمام
لا يني حول ذرا قبّته ... صارخ يكفى ومال يستضام
/ دع مديح الحسن القرم الذي ... أكمل الله به حسن [٣] الأنام
لم تكن تبلغ أدنى وصفه ... ولو استقصيت فيه ألف عام
وأنشدني [الأديب] [٤] الموفّق التعّار [الهرويّ] [٥] له قال: أنشدنيه لنفسه:
يا علّلاني بسليل العنب ... من قبل أن تعلم بنت النّوب
(سريع)
وانحدرا عن فلتتي «١» [٦] إنّه ... من أحسن الشّرب أساء الأدب
стр. 836
وأنشدني أيضا [له] [١] في غلام نحيف:
قالوا: نحيف، قلت لا تعجبوا ... فإنّه سلك لآلي [٢] الجمال
(سريع)
تنظم [٣] في السلك اللآلي وهل ... رأيتها منظومة في الحبال؟
٢٦- أبو عاصم الفضيل [٤] بن محمد الفصيلي [الهروي] [٥]
شيخ الأفاضل بهرات، تفتّح في ربيع فضلها [تفتّح [٦]] [الزاهرات] [٧] .
رأيته بها سنة خمس [وخمسين] [٨] وأربعمئة «١» [٩] ، وفاتحته بهذه الأبيات:
أبا عاصم كن عاصما [١٠] لابن محنة ... أبت نكبات الدّهر ألّا تعافه «٢»
(طويل)
стр. 837
صبور على عضّ الثّقاف «١» [١] وما القنا ... بمعتدل ما لم تمارس ثقافه
هو القادم الملقي بأرضك رحله ... فإن زرته بدّلت بالخاء قافه [٢]
أحبّك قبل الالتقاء فان يذق [٣] ... أخو صبوة شوقا إلى الملتقى فهو
وكان رحمة الله عليه، ترك [٤] الجواب واستعفاني من معارضة هذه الأبيات، واستناب فيها قدمه عن قلمه. وحضرت معه يوما من الأيام مجلس الأنصاريّ «٢» الإمام، وهو من لم تر العيون [٥] مثله في قصّه القصص، واستيفائه منها الانصباء «٣» والحصص. فلما طاب فؤاده وعرق [٦] جواده، وطنّت نعرات العارفين في جرّ السماء، ودنت الملائكة، فتدلّت للأصغاء، قال الشيخ أبو عاصم [٧] :
/ عيون الناس لا تلقى ... ولم تلق كعبد الله
(هزج)
стр. 838
فأجزته بقولي:
ولا ينكر هذا غي ... ر من مال [١] عن الملّه
ومددت يدي [٢] إلى كنانتي [٣] فرميت منها هذا الغرض بقولي:
مجلس الأستاذ عبد ال ... له روض العارفينا
(مجزوء الرمل)
ألحق الفخر [٤] بنا بع ... د [٥] احتكام العار فينا
وجرى بين يديه بهرات حديث ميمون الواسطيّ المقيم كان «١» بها، فقال فيه:
ميمون الواسطيّ واسطة ... ميمونة في قلادة الفضلا
(منسرح) ولم يحضرني من منظومه إلّا هذا القدر فقررت [٦] له من الذكر قسطا، وإن كان ذلك من زنده الواري سقطا «٢» [٧] .
стр. 839
٢٧- الأديب الأزديّ «١»
هو أبو نصر عبد الصمد [١] بن عبد الله الأزديّ الهرويّ، [المنتقل من هرات إلى نيسابور] ، [٢] حافظ راوية [٣] للأشعار، مرشّح لمنادمة الكبار.
يقول من قصيدته:
أبا نصر انهض بالسّرور [٤] وجدّد ... طريقا معفّى للوزارة واسعد
(طويل)
حملت الهدى كرها على [٥] كلّ جاحد ... وسقت الغنى طوعا إلى كلّ مجحد «٢»
تهجّدت عن قوم عن المجد هجّد ... وجاهدت عن كسلى عن الحرب هجّد
ولمّا بدا لي أوحد النّاس كلّهم ... بل النّاس لا حوا كلّهم في اسم أوحد
ظفرت [٦] من الدّنيا بحال هي المنى ... وربع هو الدّنيا ويوم كسرمد
وأنشدني الشيخ أبو عامر [٧] الحمدانيّ قال أنشدني [الأديب الأزديّ] [٨]
стр. 840
لنفسه، [يقول في الخزامى] [١] :
وناولني غصن [٢] الخزامى يقول لي: ... لعمرك إني للفراق مصافح
(طويل) /
فصحّفت [٣] من مقلوبه [٤] الخاء فانبرى ... يخبّرني أنّ الحبيب يمازح «١»
٢٨- الموفّق التّمّار الهرويّ
رأيته بأشكيذبان «٢» يوشنج يؤدب أولاد الرئيس أبي نصر منصور بن اسماعيل الشاذياخيّ «٣» ، وذاكرته ليلة بها، فوجدته يرجع الى إتقان في الأدب وذكاء في الخاطر، وحذق في الصناعة، وتوسّع في البضاعة. ثم العشرة
стр. 841
والتودّد فقل ما شئت فيه، ولا تخف، إنك من الآمنين، وأنا من الضّامنين.
وله شعر حسن أنشدني منه في أثناء المذاكرة، ما هو من شرط المحاضرة حدّثني أنّ بعض فضلاء زوزن قال فيه وفي أخيه:
سئلت عن الأفاضل في هرات [١] ... فقلت: القوم ضحضاح «١» وغمره
(وافر)
وذا التمّار أفضل أم أخوه؟ ... فقلت: كلاهما عندي وتمره «٢»
قال: فأجبته [٢] عنه بقولي [٣] :
أتى من زوزن، زعموا، أديب ... فقلت: رأيته ورأيت شعره
(وافر)
فأما عرضه فأخسّ عرض ... وأمّا شعره فعديل شعره
[وله في الخطّ:
قل للمليح معاجلا ... بالخطّ قبل لداته:
(مجزوء الكامل)
ما بال بدرك كاسفا ... وضياؤه [من] [٤] ذاته؟
وله في الشيخ أبي منصور بن أبي غزوان:
стр. 842
يا من غدا فردا فقي ... د المثل في آدابه [١]
(مجزوء الكامل)
سالبدر فلق جبينه ... والنّحر فلق جنابه
جاريت منّي خائبا [٢] ... آذاك نور جوابه
أخطأت فيه وقلّ من ... هو يهتدي لصوابه
فالعفو أخلق بالكر ... يم فإنّه من دابه
ومن [٣] هممت «١» بمثله ... فجحدت من أكنى به] [٤]
٢٩- أبو الفضل محمد بن عبد الله المنذريّ [الهرويّ] [٥]
ظاهر الشّعار في صناعة [٦] الأشعار، وأحذق من تعاطى الشطرنج بهرات [٧] وبوشنج. و [هو] [٨] من المختصّين بخدمة الحضرة النظامية، حرسها الله، موفق الرأي في المصير إليها، غال في المدح لها، والثناء عليها غلوّا أفاده
стр. 843
في مراقي المجد علوّا. وكنت، وأنا بهرات، أسمع أشعاره، كما كنت في الغيبة [عنه] [١] أتنسّم أخباره. غير أني نسيت من مسموعي أكثره، «وما أنسانيه إلّا الشيطان أن أذكره» «١» . وجدت في الخزانة النظامية بنيسابور قصيدة له، فانتخبت منها اللائق بهذا المكان، ومطلعها [٢] :
/ رجعت وفود الأنس بعد نفورها ... [وأتت تمايل في ثياب حبورها] [٣]
(كامل) ومنها:
وألحّت الأيام في استغفارها ... لذنوبها حتّى التقت بغفورها
فسخت عزيمة بخلها [٤] فسخت لنا ... بمنادح «٢» ممدودة بوفورها
وثوت شموس الحسن إيناسا لمن ... عذّبنه بشماسها ونفورها
ورسول فصل الورد جاء مبشّرا ... بزيارة منه صفت من زورها
وكأنّني ببكوره تلقاءنا ... ينعى [٥] إلى الغربان فضل بكورها
стр. 844
وكأنّني [١]
بجنانه قد زانها ... زهراتها بجمانها وشذورها
وكأنّني ببهائها جزعيّة «١» ... نضت الذي لبسته من بلّورها [٢]
وكأنّني بمنابر من دوحها ... خطباؤها مترنّمات طيورها
تثني بألسنها على ملك الهدى ... حامي رباع بني الهدى وثغورها
لم تدع روم مذ دعا بلقائها [٣] ... سلطانه الإسلام غير ثبورها «٢» [٤]
هبّت سمائم «٣» سخطه في أرضها ... فتركن بارد ظلّه كحرورها
يمضي [٥] غرار السّيف في رئبالها [٦] ... ويجيز حكم السّيف [٧] في يعفورها «٤» [٨]
стр. 845
وإذا انتأى [١] عنهم فليس بمنتئى ... ذعر ورعب عن حشا مذعورها
فمتى يشم «١» في (الجوّ برقا) [٢] خاله ... ظبة يشمّ الموت من مأثورها
بأبي الجنود جنونهم بدم العدا ... كجنون شطّار بشرب خمورها
آبوا بكلّ خريدة لم يطّلع ... بصر عليهم [٣] من وراء خدورها
كانت ذرور العين طلعتها [٤] التي ... عدلت بعين الشمس عند ذرورها
/ سبيت [٥] ببيض سيوفهم وسبتهم [٦] ... بنهار غرّتها وليل شعورها
تعتاد ظلم المستهام بها كما ... أردافها تعتاد ظلم خصورها
قد أقطف الرمان والتفاح في ... بستانتي «٢» [٧] ؛ وجناتها ونحورها
فكأنّ أبواب الجنان غدت لهم ... مفتوحة فأتت بأحسن حورها