والتودّد فقل ما شئت فيه، ولا تخف، إنك من الآمنين، وأنا من الضّامنين.
وله شعر حسن أنشدني منه في أثناء المذاكرة، ما هو من شرط المحاضرة حدّثني أنّ بعض فضلاء زوزن قال فيه وفي أخيه:
سئلت عن الأفاضل في هرات [١] ... فقلت: القوم ضحضاح «١» وغمره
(وافر)
وذا التمّار أفضل أم أخوه؟ ... فقلت: كلاهما عندي وتمره «٢»
قال: فأجبته [٢] عنه بقولي [٣] :
أتى من زوزن، زعموا، أديب ... فقلت: رأيته ورأيت شعره
(وافر)
فأما عرضه فأخسّ عرض ... وأمّا شعره فعديل شعره
[وله في الخطّ:
قل للمليح معاجلا ... بالخطّ قبل لداته:
(مجزوء الكامل)
ما بال بدرك كاسفا ... وضياؤه [من] [٤] ذاته؟
وله في الشيخ أبي منصور بن أبي غزوان:
стр. 842
يا من غدا فردا فقي ... د المثل في آدابه [١]
(مجزوء الكامل)
سالبدر فلق جبينه ... والنّحر فلق جنابه
جاريت منّي خائبا [٢] ... آذاك نور جوابه
أخطأت فيه وقلّ من ... هو يهتدي لصوابه
فالعفو أخلق بالكر ... يم فإنّه من دابه
ومن [٣] هممت «١» بمثله ... فجحدت من أكنى به] [٤]
٢٩- أبو الفضل محمد بن عبد الله المنذريّ [الهرويّ] [٥]
ظاهر الشّعار في صناعة [٦] الأشعار، وأحذق من تعاطى الشطرنج بهرات [٧] وبوشنج. و [هو] [٨] من المختصّين بخدمة الحضرة النظامية، حرسها الله، موفق الرأي في المصير إليها، غال في المدح لها، والثناء عليها غلوّا أفاده
стр. 843
في مراقي المجد علوّا. وكنت، وأنا بهرات، أسمع أشعاره، كما كنت في الغيبة [عنه] [١] أتنسّم أخباره. غير أني نسيت من مسموعي أكثره، «وما أنسانيه إلّا الشيطان أن أذكره» «١» . وجدت في الخزانة النظامية بنيسابور قصيدة له، فانتخبت منها اللائق بهذا المكان، ومطلعها [٢] :
/ رجعت وفود الأنس بعد نفورها ... [وأتت تمايل في ثياب حبورها] [٣]
(كامل) ومنها:
وألحّت الأيام في استغفارها ... لذنوبها حتّى التقت بغفورها
فسخت عزيمة بخلها [٤] فسخت لنا ... بمنادح «٢» ممدودة بوفورها
وثوت شموس الحسن إيناسا لمن ... عذّبنه بشماسها ونفورها
ورسول فصل الورد جاء مبشّرا ... بزيارة منه صفت من زورها
وكأنّني ببكوره تلقاءنا ... ينعى [٥] إلى الغربان فضل بكورها
стр. 844
وكأنّني [١]
بجنانه قد زانها ... زهراتها بجمانها وشذورها
وكأنّني ببهائها جزعيّة «١» ... نضت الذي لبسته من بلّورها [٢]
وكأنّني بمنابر من دوحها ... خطباؤها مترنّمات طيورها
تثني بألسنها على ملك الهدى ... حامي رباع بني الهدى وثغورها
لم تدع روم مذ دعا بلقائها [٣] ... سلطانه الإسلام غير ثبورها «٢» [٤]
هبّت سمائم «٣» سخطه في أرضها ... فتركن بارد ظلّه كحرورها
يمضي [٥] غرار السّيف في رئبالها [٦] ... ويجيز حكم السّيف [٧] في يعفورها «٤» [٨]
стр. 845
وإذا انتأى [١] عنهم فليس بمنتئى ... ذعر ورعب عن حشا مذعورها
فمتى يشم «١» في (الجوّ برقا) [٢] خاله ... ظبة يشمّ الموت من مأثورها
بأبي الجنود جنونهم بدم العدا ... كجنون شطّار بشرب خمورها
آبوا بكلّ خريدة لم يطّلع ... بصر عليهم [٣] من وراء خدورها
كانت ذرور العين طلعتها [٤] التي ... عدلت بعين الشمس عند ذرورها
/ سبيت [٥] ببيض سيوفهم وسبتهم [٦] ... بنهار غرّتها وليل شعورها
تعتاد ظلم المستهام بها كما ... أردافها تعتاد ظلم خصورها
قد أقطف الرمان والتفاح في ... بستانتي «٢» [٧] ؛ وجناتها ونحورها
فكأنّ أبواب الجنان غدت لهم ... مفتوحة فأتت بأحسن حورها
стр. 846
٣٠- أبو بكر عبد الله بن محمد [١] الحنفيّ الهرويّ «١» [٢]
خدم المجلس [العالي] [٣] النظاميّ بقصيدة أولها:
سلام الله ذي العرش العليّ ... على الشيخ الأجلّ أبي عليّ
(وافر)
سلام مثلما ابتسم الأقاحي ... ضحى، وبكا السحائب بالعشيّ
ومنها:
وأبلج مثل نصل [٤] السيف ضرب ... حديد مضارب الرأي الزّكيّ
له القلم الذي يضحي ويمسي ... حمام مكاشح «٢» وحمى وليّ
إذا ما مشكل أعيا مراما ... أصاب شباه شاكلة «٣» الرّميّ [٥]
стр. 847
خراسان التي [١] تزورّ عطفا ... عن الأمراء بالأنف الأبيّ
أطاعته وأعطته انقيادا ... ولا مثل انقياد الأرحبيّ «١»
ومدّ [٢] إلى العراق يد اقتسار «٢» ... فذلّله [٣] كتذليل المطيّ
وألقى كلكل [٤] الرأي اشتمالا ... على الرّوم القياصرة العتيّ «٣»
فلمّا أن أبوا إلّا جماحا ... بعزم في الغواية شمّريّ «٤» [٥]
أراهم حدّ بأس صاحبيّ «٥» ... وردّاهم [٦] رداء ردى وحيّ «٦» [٧]
وله فيه، رحمة الله عليه: [٨]
стр. 848
/
ملكت بلاد العرب والعجم ناظما ... نظام لآلي العقد عن [١] مبرم السّلك
(طويل)
وأوسعت أرض الرّوم سبيا وغارة ... وأبدلنها الإسلام بالكفر والشّرك
فعد لبلاد التّرك والهند خاطبا ... وأمهرهما بيضا تلاعب بالنّزك «١»
وجلّ في ميادين العزائم جولة ... تردّ (قراحا قرحة «٢» ) [٢] الثّكل والهلك
[فللهند عين لا يلمّ بها الكرى ... حذار السّوافي من زعازعك الحلك «٣» [٣]
وأظلم أياما ولا الشّعر حالكا [٤] ... وقد ضاق أكنافا ولا مقل التّرك
وللتّرك أحشاء يلجّ اضطرابها ... ولا الذهب الملقى على النار للسّبك] [٥]
стр. 849
٣١- أبو الفضل القطّان الهرويّ
رأيته [١] بهرات، فيمن زارني من فضلائها، وعاشرني من أبنائها، وثنائها «١» ، فوجدت القطّان من وجوه قطّانها، المنيخين [٢] في أعطافها، المقيمين بأوطانها وكتب إليّ قطعة أجبته [٣] عنها، فزعم أنّ نسختها ضاعت، وسألني إعادة النّسخة بأبيات أولها:
أمولاي إني قد أضعت خريدة ... ضميرك جلّاها تبختر في الحلي
(طويل)
أعدها فإنّ العود أحمد طالما ... سمعت «٢» فلا تبخل بها [٤] وتفضّل
فأجبت عنها بقولي:
أمولاي قل لي: لم أضعت خريدة ... عليها حليّ من صياغة أنملي؟ [٥]
(طويل)
ألم تخش جيشا يستبدّ بذاتها [٦] ... فيقنصها [٧] قسرا ويطمع في الحلي؟
стр. 850
ترفّق بتلك المبتلاة وجد لها ... بعونك يا معوان كلّ من ابتلي [١]
ولا تستجز تبعيدها منك إنّها ... إذا بعدت فرّت بتقريب تتفل «١» [٢]
٣٢- الإمام يحيى بن عمار القاصّ الهرويّ [٣]
مذكّر لسانه حسام مذكّر. وسمعت أئمة صنعة التذكير يقولون:
إنّه أفضل من رقي في معاريج المواعظ، واستبدّ بمرعى [٤] الأسماع، ومرأى اللواحظ. أنشدني الإمام أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ/ القاصّ بهرات، قال: أنشدني الإمام يحيى القاصّ لنفسه أيام حداثته:
من كثرة الاختلاف [٥] يا سكني ... قد صرت في الناس شهرة آيه
(منسرح)
حتى إذا ما دخلت سكّتكم [٦] ... قالوا: (أتانا جحا) [٧] مع الرايه
стр. 851
ثم رجع عنها تفاديا من الهزل واستطرادا إلى الجدّ. ومنذا الذي يستطيع ردّ الكلام الشارد والسهم النافذ [الصارد] «١» ؟ [١]
[٣٣- الإمام أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاريّ] «٢» [ ٢]
وهو من التذكير في الدّرجة العليا، وفي علم التّفسير أوحد الدّنيا. يعظ فيصطاد القلوب بحسن لفظه، ويمحّص الذنوب بثمين وعظه، ولو سمع قسّسّ ابن ساعدة تلك الالفاظ، لما خطب بسوق عكاظ. أنشدني لنفسه في الصاحب نظام الملك، ﵀:
بجاهك أدرك المظلوم ثاره ... ويمنك شاد باني العدل داره
(وافر)
وقبلك هنّيء الوزراء [٣] حتّى ... نهضت بها فهنّئت الوزاره
стр. 852
٣٤- الإمام أبو عبد الله محمد بن الهيصم «١» [ ١]
من جبال هرات. وهو من أصحاب المقالات. فلا يتصورنّ [٢] لك في الهواجس والخيالات أنه من الجسميّة المرتكبة للمحالات. وقد تقرّر عند العلماء الكرام أنّه ليس من أشياع [أبي] [٣] عبد الله [٤] بن كرّام «٢» .
وقد تأملت كتابه في إعجاز القرآن فإذا عبارات فصيحة، وإشارات صحيحة.
ولو عاش أبو عبد الله إلى زمانه، لتواضع لرتبته [٥] ، وحبا بين يديه على ركبته. وممّا بلغني من شعره قوله:
رحلت من العراق ولست آسى [٦] ... لعمر أبي على أرض العراق
(وافر)
стр. 853
كأنّ تلاطم [١] الأمواج فيها ... جبال قد جنحن إلى اعتناق
ولا أنسى ليالي ساعفتني [٢] ... بها والأنس ممتدّ الرّواق
أغلّ، تشفّيا من كلّ حزن، ... بكأس من مآنسها دهاق
وله:
من ذا الذي لم تبكه الأيام ... أو لم تحلّ عقوده الأعوام؟
(كامل)
راقب عواقبك التي لو أظهرت ... ما طاب [٣] عند الذّائقين طعام
وله يرثي ابنا له:
وكنت أرّبيه لغير الّذي أرى ... فإن خاب آمالي فربّي به أولى
(طويل) وله:
/ (ليل الشّباب) [٤] غدا نهارا مصبحا [٥] ... وطوى نهار اللهو ليل مطبق
(كامل)
من شام برق الشّيب أيقن أنّما ... وبل [٦] المنيّة عقبه يتدفّق
стр. 854
[فأعدّ زادا (للرّحيل مبادرا) [١] ... أجلا يغافص «١» ضحوة [٢] أو يطرق] [٣]
وله [٤] في شأن الفرش [٥] :
ألا إنّما الإنسان كاسب نفسه ... فلا الشّرّ منسيّ ولا الخير ضائع
(طويل)
وما المرء إلّا للحوادث نهبة ... وما المال والأهلون إلا ودائع «٢» [٦]
وما جسد الإنسان إلّا كعلّة ... مورّثة سلّا له الموت تابع
ومن لم يزعه «٣» العقل عمّا يشينه ... فليس له إلّا المقارع وازع
стр. 855
ومن يركب الإعجاب يخذل ومن يرد ... حياض الهوى أكدت «١» عليه المشارع
عجبت لهذا السّائلي أين أنتوي؟ ... وهل منتوى إلا إلى الشّار «٢» شارع؟
وهل عنده للعين من مطمح وهل ... إليه سواه في الملمّات شافع؟
قصدت ذراه اليوم في مرجحنّة «٣» ... من الأمر أحدوها [١] ويردع رادع
فإن تقبل العذر الذي قد بسطته ... فذاك وإلّا فالذي حمّ واقع [٢]
قلت: تأمل هذا الكلام، وأنصف [لتعلم ما بينه] [٣] وبين الكرّاميّة «٤» [الفلانيّة] [٤] الذين يقولون: قتلت السراج بمعنى أطفأت [٥] ، ورأيت
стр. 856
الجماع في النوم أي احتلمت [١] ، وأكلت الخجل أي خجلت. وحاشا هذا [٢] الفاضل من إدبار تلك الأكسية، ودبر تلك الأقفية، وسخنة تلك [٣] العيون، وسعة [٤] تلك البطون وجنونهم/ في طريقتهم، والجنون فنون!.
٣٥- أبو عمرو يحيى بن صاعد بن سيّار الهرويّ ابن قاضي هرات
وصاعد هذا [هو] [٥] أخو القاضي أبي الفتح [٦] الذي مرّ شعره، وسبق ذكره. وهذا الشابّ كأبيه وعمّه. وإذا شبّهته بهما فقد خصّصته من المدح بأعمّه. وقد جمعتنا الحضرة بنيسابور إلّا أنّ الوحل ألزمني الرحل، ألزمني الرحل، فلم ألتق به. وأهدى إليّ الأديب يعقوب أبياتا من قيله، خدم بها المجلس العالي النظامي وهي:
قل لنظام الملك [٧] في صدره ... يا سيّد الناس أما فرصه؟
(سريع)
ينشد فيها عبده [٨] بعض ما ... أنشأ من نظم ومن قصّه
لم يك لي قصد سوى أنّني ... أنال من إكرامه حصّه
стр. 857
فكيف يثنيني على حسرة ... أجول فيها وعلى غصّه؟
(لست أرى) [١] في مجده فسحة ... لردّ آمالي ولا رخصه [٢]
أأنثني من عنده خائبا؟ ... لم يسقني من عطفه [٣] مصّه
والله قد آثره بالعلا ... وخصّه الله بما خصّه
ما زال كل في العلا يدّعي ... وهي بك، السّاعة، مختصّه
وكتب إلى الأجلّ شرف السادة البلخيّ، وقد زاره:
قد فاز سهمي وعلت رتبتي ... إذ زار بيتي شرف السّاده
(سريع)
وأضحت الأموال مجلوبة ... لديّ والآمال منقاده
حمّلني من عبء أفضاله ... ما لو حواه جبل آده «١» /
فكيف أقضي شكر ما شاده ... من شرف أقدح [٤] أزناده؟
لم يبتدع شيئا ولكنّه ... جرى على الفضل الّذي اعتاده
وليس من يأتي العلا كلفة ... كمثل من يأتي العلا عاده
لا زال في عزّ وفي دولة ... ونال [٥] من دنياه ما ارتاده
стр. 858
٣٦- الغانميّ [١] الهرويّ «١»
هو أبو العلاء محمد بن غانم، شابّ فاضل، اختلف إليّ بنيسابور، وحصّل ديوان شعري، وانتسخه من جمعي، وأمرّه على سمعي. وله شعر حسن ووراءه للزّيادة مواعد، وله في مناهل الآداب بعد موارد وارتبط لخدمة التّأديب [٢] في الدّار العالية النظامية، فانساب رونق الاقبال في متصرّفات أحواله [٣] ، ولاحت آثار السعادة على صفحات جاهه وماله. فمما نشدني لنفسه قوله في خدمة نظامية [من قصيدة] [٤]
ضياء الشّمس جزء من جبينك ... وناصية الليالي في يمينك
(وافر)
إذا قيست بك الوزراء يوما ... فأسدهم ثعالب في عرينك
وقوله فيه:
نظام الملك يا شمس الممالك ... ويا قمر الأسرّة والأرائك
стр. 859
لقد رضت الليالي فاستكانت ... حوادثهنّ ليّنة [١] العرائك
وأصبحت المشارق كلّها في ... يمينك والمغارب في شمالك
وكتب إليّ أبياتا اخترت [٢] منها قوله فيها:
تدور «١» في يديها الكأس ريّا ... مدار الشّمس في يدها [٣] الثّريّا
(وافر)
براح يد تردّ الشيخ طفلا ... وراح فم تعيد الميت حيّا/
لها صفتان [٤] من (نار وماء) [٥] ... يعمّان الأسى غرقا [٦] وشيّا
غدائر غادرت عيني غديرا ... وحالي مثلها لونا وليّا «٢» [٧]
وكتب [٨] [إليّ أيضا يصف] [٩] كتابي هذا:
بقيت فأنت من (أضحى وأمسى) [١٠] ... على الفضلاء كلّهم رئيسا
(وافر)
стр. 860
ودمية قصرك الغرّاء وافت ... فحاكت في محاسنها عروسا [١]
أتيت بها يدا بيضاء حتّى ... كأنّك في الّذي أبدعت موسى
وقد أحييت موتى الفضل فينا ... كما قد كان يحيي الميت [٢] عيسى
٣٧-[الشيخ] [٣] أبو بكر الأسفزاريّ «١»
انعقدت بيني وبينه المودة بهرات سنة خمس وأربعين وأربعمئة «٢» [٤] .
وطال [٥] امتزاجه [٦] بي حتّى انصبغ بي، وتأدّب بأدبي، وقرأ عليّ، واقتبس مما لديّ. وكان، ﵀، مولعا بالآداب الغضّة [٧] ، يهصر «٣» [٨] أغصانها، ويشمّ ريحانها، ويقصد جنانها، ويفصد «٤» دنانها [٩] ، فاتفقت
стр. 861
لي [١] عودة [٢] الى هرات سنة [٣] اثنتين وخمسين «١» ، وهو في جوار الله . فوجدت الأفاضل [٤] نجوم سماء انقطع عن مددها [٥] البدر، وليالي صيام استرق من عددها القدر. فكنت في تلك الكرّة الخاسرة كمن رأى سرابا بقيعة «٢» ، وهو ظمآن غصّان، فحسبه زلالا حتى إذا جاءه آب [٦] الظنّ ضلالا، وآل الماء آلا، [ووجد الله عنده فوفّاه حسابه] «٣» . كتبت اليه أول ما أبرمت حبل [٧] وداده، ووثقت بحسن اعتقاده:
أبو بكر الصّدّيق في العهد [٨] مؤنسي ... إذا غار بي خوف المعادين في الغار
(طويل)
عرضت عليه دين ودّي فما نبا ... ولم يتلعثم من جحود [٩] وإنكار
стр. 862
ولم تك منه [١] بيعة الودّ [٢] فلتة ... فيزعم أنّ الأمر متّفق طاري
لذلك لم أمنعه من خالص الهوى ... عقالا، وإخلاص الهوى رسمي الجاري/
وبايع، يروى [٣] ، قبل هذا مداعنا، ... عليّ أبا بكر وراويه في النّار
وقد صنت عن أمثال ذلك بيعتي ... ففي النّصح إعلاني موافق إسراري
وصنعة [٤] هذه الأبيات، أني لم أخرج فيها عن الأحوال التي دارت بين أبي بكر وعليّ [﵄] [٥] من [٦] المسارعة إلى الإيمان، من غير تلعثم وكبوة عمّا [٧] دعته إليه [النبوّة] [٨] ، ومرية «١» فيما حملته عليه [٩] المروّة. فأجابني أبو بكر [الأسفزاريّ] [١٠] عنها ببيتين له استنبط فيهما معنى [من] [١١] جنس استنباطي، وهما:
стр. 863
سما عليّ في سماء العلا ... وغيره ملتصق بالرّغام «١»
(سريع)
أنا أبو بكر سوى أنّني ... معتقد أنّ عليّا إمام
وله من قصيدة:
أيا «٢» عاذلي لمّا رآني محرّقا ... إذا لم تبرّدني فلا تتبرّد [١]
(طويل)
زعمت بأنّ الشمس تغرب غدوة ... ومن بطلوع الشّمس في ضحوة الغد!
فعدت هباء إن أر الشمس أنتعش ... وأوجد، وإن أفقده [٢] أحرق وأفقد [٣]
بدا طالعا دون الثّنيّة فاردا «٣» ... يبين ويرنو نائرا مثل فرقد
وأرمد عيني نور شمسي فاشتفت ... إذ اكتحلت من عارضيه بإثمد
وعطّشني ياقوت فيه فلم أقل ... بتروية الياقوت من غلّة الصّدي [٤]
стр. 864
٣٨- الخطيب أبو يعلى [١] القرشيّ الهرويّ
أنشدني [الشيخ الرئيس أبو القاسم عبد الحميد [٢] بن يحيى الزّوزنيّ ﵀] [٣] ، قال: أنشدني الخطيب أبو يعلى [٤] لنفسه:
ليس ينفي الهموم غير الحميّا ... فاسقياني من كفّ طلق المحيّا
/ (خفيف)
قهوة تترك (السّقيم صحيحا) [٥] ... وتزيل [٦] الهموم محوا وطيّا
ذكّراني بها نسيما ووردا ... ودعاني من ذكر سعدى وريّا
قد دعوت الغلام ثمّت نادي ... .... ت: أدرها ولا تبقّ عليّا [٧]
ومتى عاف [٨] واحد منهم الكا ... س فأقبل بها إليّ إليّا
لم أزل قرنها هنالك حتّى ... بدّلتني والله بالرّشد غيّا [٩]
فتّرت مقلتي وأودت بلبيّ ... وسرت في العظام شيّا فشيّا
стр. 865
٣٩- الشيخ أبو نصر أحمد بن محمد بن أبي عمرو [١] الباذغيسيّ [٢] «١»
ولي البريد بهرات، أيام الأمير السعيد [٣] [أبي سعيد] [٤] مسعود بن محمود [رحمهما الله] [٥] . وعاش في ظلال تلك الدولة بجاه [٦] يحلّ فرق الفرقد، لبعد مرقى المرقد. ثم تراجعت أحواله، وأخدجت «٢» [آماله وأمواله] [٧] ولفظته هرات إلى زوزن، ورئيسها أبو القاسم في الدّست، ويده تقول للمزنة الكلفاء «٣» : أنا ولست. ففرش له حجر [إنعامه وألقمه] [٨] ثديّ إكرامه، حتى انتعش من سقطته، وتخلّص من ورطته، واعتذر إليه الدهر من غلطته. فألقى بزوزن عصا المقام، وشجّ في جواره
стр. 866
أوتاد الخيام. وما زال بها في بال رخيّ، وفلك بما يهواه سخيّ، حتى أسن، ورقّ جلده فاستشن «١» ، وصار كالكروان [١] ، صكّ [٢] فأكبأنّ «٢» .
وانتقل من ظلّ العافية التي عثر بها في تلك الزاوية إلى الجنّة العالية، رحمة الله عليه. فممّا أنشدني لنفسه قوله يصف تنقّل أحواله:
يا سادتي (إن تسمعوا، ... في قصّتي) [٣] عجب العجائب
(مجزوء الكامل)
رعت الهزابر برهة ... ثمّ انهزمت من الثّعالبّ
كنت امرأ زمن الغنى ... جمّ المآرب في المناقب/
أغشى الملوك كما أري ... .... د، ولا أحاشي ردّ حاجب
وأردّ بالرأي السّدي ... ... د السّمر في صدر النوائب
ومراكبي بسماتها [٤] ... تزهى على كلّ المراكب
стр. 867
[وحسان داري مثّل ... بحذاء وجهي كالكواكب] [١]
لمّا تغيّرت الأمو ... ر وعطّلت تلك المراتب
(بسحاءة «١» قيّدت) [٢] ث ... م حبست في بيت العناكب
[٣] وأنشدني أيضا لنفسه من أبيات كتبها إلى الأديب البارع الزّوزنيّ «٢» ، وهو بماثير ناباذ «٣» ، عند الأمير أبي المظفّر:
لولا مكانك من دار يحلّ بها ... أبو المظفّر بانيها وعامرها
(بسيط)
لطمت [٤] بالعذل وجها أنت مطلعه ... ولمت بالسّبّ [٥] نفسا أنت عاذرها
стр. 868
[وأنشدني لنفسه أيضا:
لئن كرهت نفسي رضاك فلقّيت ... فراق صديق أو فراق حبيب
(طويل)
وإن تهو شيئا غير ما تستحبّه ... فبات همومي في هموم مشيب [١]
وإن لذّ عيني لذّة [٢] لا تلذّها ... فلا لقّيت سعدى بغير رقيب
فلا تعجبن [٣] مما ذكرت فإنّني ... أدلّ بعهد في هواك عجيب
قال، رحمة الله عليه: أنشدوني بيت الحماسة:
بقّيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس «١»
فاستحسنت إقسامه حتى عارضت بأبياتي هذه أقسامه] [٤]
стр. 869
٤٠- الرئيس أبو الحسين [١] عفيف ابن محمد البوشنجيّ»
أنشدني [٢] القاضي أبو جعفر البحاثيّ، قال: أنشدني العبد لكانيّ قال: أنشدني عفيف هذا لنفسه:
أقمنا بين ريح في ... ذرى خصب من العيش
(هزج)
إذا قابلنا الصّيف ... بما [٣] عبّى «٢» [٤] من الجيش
هزمناه بجيشين؛ ... بيوت الماء والخيش
٤١- أبو سعد يحيى بن يحيى بن منصور المطّوّعيّ [٥] [البوشنجيّ] [٦]
أنشدني القاضي البحّاثيّ قال: أنشدني العبد لكانيّ، قال: أنشدني المطوعيّ لنفسه:
стр. 870
/
سفينة قد شحنت ... (بالهزل والجدّ) [١] معا
(مجزوء الرجز) كفلك نوح كان فيه كلّ شيء جمعا [٢]
٤٢- المظفّر بن أحمد الطيّب [٣] البوشنجيّ
بدن [٤] المرء إذا ما ... لم يساعده بقاؤه [٥]
(مجزوء الرمل)
كلّما زيد غذاء ... زاده شرّا غذاؤه [٦]
٤٣- الشيخ أبو عليّ الشّبليّ «١»
من رؤساء بوشنج [٧] . واردته «٢» [٨] مدة على الخدمة النظامية بهرات،
стр. 871
واستفدت من محاضراته ما لم أجد عند غيره من «١» ذلك الصّنف واقتبست من مذاكراته جملا ملات بها [١] الكنف «٢» . وكان الغالب عليه النثر، ولرسائله عذوبة هي [٢] بين الكتّاب أعجوبة. ولم يبلغني من شعره إلا ما أنشدنيه له الأديب عبد الصّمد الأزديّ و [هو] [٣] [قوله] : [٤]
نزحوا وقرّبت المكاره بعدهم ... فهلكت في يد نازح وقريب
(كامل)
هبني على المكروه أصبر جاهدا ... من أين لي صبر عن [٥] المحبوب؟
٤٤- أبو منصور [٦] عبد الرزّاق بن الحسين البوشنجيّ
غرّة جبن ناحيته، وطراز كمّ بلدته. [من] [٧] لم أر مثله في فنّه وأسلوبه، وغزارة سجله وذنوبه «٣» ، وكأن فضله اعتذار الدهر عن [٨]
стр. 872
ذنوبه. وكان بباخرز في جملة الشيخ أبي نصر أحمد بن الحسين [١] مدة، وأقام عنده حينا من الدّهر، يزوّجه [٢] عرائس خواطره [٣] ، ويرتزق من المهر.
وأنا يومئذ صبيّ غرّ، وأيامي بمجالسة الفضلاء محجّلة غرّ. ووالدي، رحمة الله عليه، في الأحياء، وحياة الآباء من أمتع [٤] الأشياء، سقى الله تلك الأيام، ولا أدري ما الّذي [٥] ألوى بها [٦] ، فما ألوى؛ أطارت بها [٧] العنقاء أم سبقت جلوى «١» ؟. وانتقل هذا الفاضل من جوارنا، بعد الواقعة بالشيخ أبي نصر [إلى زوزن] [٨] ، واختلط بالفضلاء المرتبطين بحبالة «٢» [٩] الشيخ أبي القاسم عبد [١٠] الحميد بن يحيى، ﵏، لهم عامة/ وله خاصة ما شاؤوا من معايش
стр. 873
خضر ونعم بيض ونعم حمر. ثمّ انقطع عن زوزن رفقه «١» ورزقه، فسار يطوي البلاد طيا، ولا يهدا [ليلا ونهارا] [١] حتى أناخ بعقوة «٢» الأمير أبي الأسوار بطنجة. وما زال بها يتصرّف على عمل القضاء إلى أن أدركه سوء القضاء. فدفن بها، رحمة الله عليه. له شعر غلبت عليه الصّنعة [٢] حتى خفّت رقّته، وجفّت ريقته. فمما أنشدنيه [٣] لنفسه قوله، من قصيدة، يمدح بها الشيخ أبا نصر أحمد بن الحسن [٤] ، ويفضّله بها [٥] على الشّمس وهي:
وما اسم الشمس [ليس الشمس] [٦] إلا ... أبا [٧] نصر فصنه عن اشتراك
(وافر)
تودّ الشّمس لو تمسي [٨] شراكا ... لنعليه [٩] وطوبى للشّراك
أيا شمس الضّحى، شمس المعالي ... أبو نصر فردّي من ضحاك
وذلك في التصرّف ذو اختيار ... وإنّك من [١٠] بروج في اشتباك
стр. 874
وذلك مشرق في كلّ وقت ... وإنّك من غروب في التباك «١»
وذلك ضاحك أبدا بجود ... وجوّك ليس يمطر غير باك
وذلك مستنير في نفوس ... وأنت منيرة بين السّكاك «٢»
وذلك في الحراك على سكون ... وأنت بلا سكون في الحراك
[وذلك في حراه «٣» كلّ فضل ... ولست أنال فضلا من حراك] [١]
وذلك أحمد السادات ليث ... وأنت غزالة، فمتى تحاكي؟
«٤» (أبا نصر نوّر [٢] الشمس واظهر [٣] ) [٤] ... وخلّ الشّمس في سمك [٥] السّماك «٥» ) [٦]
стр. 875
وأنت تواضعي يا شمس ذلّا ... لرفعة أحمد فلقد علاك [١]
وله فيه أيضا من قصيدة أولها:
سقيا لدارك من جفني ومعهدها ... وشادن لم يقصّر في تعهّدها
(بسيط) /
وظبية آنستني فانثنت وثنت ... قلبي بأبرح أسقام وأجهدها
تنهّدت ثم ولّت أي «١» لمعتبة [٢] ... نفسي فداء عتاب في تنهّدها
وظبي إنس فقل في الظّبى وا بأبي ... أصداغه إذ تلوّت في تعقّدها
تبوأت مرقدا من وردتيه على ... ديباجتيه فيا طوبى لمرقدها [٣]
رنا [٤] وأجلى وأضحى كالمهاة فمن ... لفهم معنى مهاة أو تفقّدها؛
أضحى كشمس وأجلى بالضّواحك [٥] عن ... بلّورة، ورنا عن عين فرقدها «٢»
قلت: انظر كيف أثار هذه المعاني [٦] من المهاة، وهي لغة تتضمن عدة
стр. 876
معان، وهي الشمس والبلّور وبقر الوحش، فردّها إلى المعشوق بثلاثة أوصاف مع مراعاة الترتيب في التقسيم. ومنها في المدح:
إذا تبسّم للعافين ليل ندى ... فالصّفر «١» تعبس ضربا من مجرّدها
(بسيط)
وإن تعبّس للعاصين يوم ردى ... (فالبيض تضحك) [١] ضربا من مجرّدها «٢»
يذيب بالخوف أكباد العداة كما ... تذوب من حرقة أكباد خرّدها
وليس تلهيه كأس في تورّدها ... عن نفس قرن لكأس [٢] في تورّدها
أحبابه كعلاه في تورّدها «٣» [٣] ... أعداؤه كلهاه في تشرّدها
ومنها يعدّد ذكر الحرب:
стр. 877
قتّال أقتلها [١] فرّاس أفرسها [٢] ... غلّاب أغلبها صيّاد أصيدها/
فلا نتيمه خود بمطرفها ... إذا رأى الخود في حرب بمطردها «١» [٣]
ولم أسمع في العذار أحسن مما أنشدنيه لنفسه [وهو] [٤] :
قد [٥] كان في نوره نهارا ... فزيد ليلا من العذار
(مخلع البسيط)
فأين منه وهل مفرّ ... لنا من الليل والنهار؟
ومن غزلياته الرقيقة قوله:
فو الله ما فارقت عهدة عقده ... وو الله ما حلّلت عقدة عهده
(طويل)
وإني على هجرانه عبد ودّه ... فمن لي بمولى يرتضي ودّ عبده؟
وأنشدني لنفسه أيضا [٦] :
стр. 878
أتاني حبيبي بعد طول ازوراره ... وقال: فمي ذقه فريقته قهوه
(طويل)
فقلت له: مولاي صدغك أشتهي ... فقال: هنيئا لا خصومة في الشّهوه
ومن نتفه المليحة:
حديث له حلو بماذا أقيسه؟ ... فقد جاز حدّ [١] (الفهم والوهم) [٢] والصّفه
(طويل)
وهل ينبغي إلا كذاك، مقالة [٣] ... تمرّ [٤] (بذاك الرّيق والثغر) [٥] والشّفه؟
وله في مجلس الأنس بديهة، بين يدي الشيخ أبي نصر أحمد بن الحسين [رحمهما الله] [٦] :
غدا نكون معا، يا طيب شرب غد ... في خير أنس وأهنا عيشة رغد
(بسيط)
стр. 879
إذا تبسّم نحوى [١] الراح عن درر ... عرفت من ضحكها بشرى بشرب غد [٢]
وله في وصف الساقي والخمر وهو من بدائعه:
/ ساق إذا رأت الصّهباء مبسمه [٣] ... تعرّقت حببا من شدة الخجل
(بسيط) وأنشدني قول الوأواء الدّمشقيّ «١» :
وأسبلت [٤] لؤلؤا من نرجس وسقت ... وردا وعضّت على العنّاب بالبرد [٥]
(بسيط) فأنشدني لنفسه ما زاد عليه فيه وهو:
стр. 880
جنى بنفسجة من [١] ورده «١» عنم ... وصبّ درّا على الياقوت من سبج «٢»
(بسيط) وقال بهجو [٢] :
لمت زيدا على خمود الحميّه ... فتلظّى من شدة [٣] العصبيّه
(خفيف)
قال: لو كان في الحميّة خير [٤] ... لم تسمّ الحميّة الجاهليّه
وله أيضا يهجو:
أبو سعيد شكل [٥] بطّيخة ... ولو غدا بطّيخة لم يشن «٣»
(سريع)
فهو ثقيل لزج أشقر [٦] ... مشقّق السّفل غليظ خشن