وشرّدت [١] ألّاف الحيا [٢] فتشرّدت ... وألّفت شرّاد النّهى فتألّفت
وقرطست مرمى القول حين [٣] رميته ... إذا [٤] كفّ رام من مراميه أخطفت «١»
فهزل ولا كالبابلية صفّيت [٥] ... وجدّ ولا كالمشرفيّة أرهفت [٦]
وبسط يضاهي غرّة النّجح أشرقت ... وبشر يحاكي طرّة الصبح [٧] أشرفت [٨]
ولا سيّما ليلا «٢» [٩] كليلة يوسف ... رأيت بها طير السعادة رفرفت
تجمّع فيها ما اشتهيت من المنى [١٠] ... بأخوان [١١] صدق كالكواكب [١٢] أردفت
стр. 947
وكتب إلى الشيخ أبي طالب البغداديّ الآدمي في هذا المعنى، ونقل القافية.
من الفاء إلى القاف:
أبا طالب نفسي تنازع ليلة ... طلعت بها بدرا منيرا [١] فأشرقت
(طويل)
وحولك إخوان أجدّ لقاؤهم ... من الأنس أثوابا أمحّت «١» [٢] وأخلقت
وكان المنى أسرى النوائب والنّوى ... ففاديتها بالنفس منك فأطلقت
وندّيت روض المكرمات فنوّرت ... وسقّيت دوح [٣] المأثرات فأورقت
وهزهزت [٤] أسياف الهجاء فصمّمت [٥] ... وحثحثت أفراس المديح فأعنقت «٢»
стр. 948
فجدّ كما شمت «١» [١] الصفيحة [٢] جرّدت ... وهزل كما شئت المدامة عتّقت
فيا ليت شعري هل أراها معادة ... علينا فعيني [٣] من هواها ترقرقت؟
وله أيضا من غزلياته [٤] :
/ حلاوة أيام الوصال شهيّة ... ولكن ليالي الهجر [٥] أمررن طعمها
(طويل)
ولي كبد حرّى ونفس عليلة ... (كليم تولّى) [٦] كلمها البيض كالمها
وله أيضا:
هل عاجب أنت مثلي؟ ... فإنني جدّ عاجب
(مجتث)
стр. 949
من حاجب مثل [١] قوس ... يزري [٢] بقوس [٣] لحاجب «١»
وأنشدني لنفسه وأنا أدّعي فيها الإبداع:
لا تحسب الخال الذي راعكم ... إلّا سويداء فؤادي [٤] الكلف
(سريع)
أراد لثم الخطّ في خدّه ال ... موصوف بالحسن فلم ينصرف
وله [أيضا] [٥] في [ذمّ الدهر] [٦] :
الدّهر أخبث صاحب ... واللؤم من [٧] أوصافه
(مجزوء الكامل)
إن شئت أن تحظى به ... كن مثله أو صافه
[وله] [٨] [أيضا] [٩] في قريب منه:
стр. 950
الجدّ أبلى [١] جدّتي ... والسّعي أوهن [٢] ساعدي
(مجزوء الكامل)
ما كان تغني حيلتي [٣] ... والجدّ غير مساعدي
وله يفتخر، وقد بلغه أنّ بعض حسدته عيّره فرط عنايته بمؤلفات الثّعالبيّ، وهو [٤] من فروع الأدب وثماره، والاشتغال بالأصل أولى؛ إذ هو ريّض [٥] في مضماره. واللفظ إلى هاهنا للأديب يعقوب:
وناقص قد غاظه فضلي ... ينسبني جهلا إلى الجهل
(سريع)
يغضّ مني أنّني خائض ... غمار بحر الأدب الجزل [٦]
ونائل أقصى المنى جامعا [٧] ... محاسن الفرع إلى الأصل
/ ولو جرينا لدرى أيّنا ... يحوز سبقا قصب الخصل «١»
стр. 951
إليك عني إنّ في فيّ ما [١] ... يزري مضاء بظبى النّصل
(واخس [٢] كما يخسا أبو خالد «١» ) [٣] ... عن صولة اللّيث أبي الشّبل
وله [أيضا] [٤] في [٥] الهجاء:
لنا صديق أيره ميّت ... لكنّما فقحته «٢» حيّه
(سريع)
أبغى من الإبرة لكنّه، ... بزعمه، ألوط من حيّه
وله [أيضا] [٦] في شكاية الإخوان من قطعة:
[وزنت [٧] إخواني لامرية ... بكفّتي خبري وتجريبي] [٨]
(سريع)
فكلّهم أروغ من ثعلب ... وكلّهم أغدر من ذيب
стр. 952
حدّثني الأديب يعقوب، ﵀، قال: دخل القاضي أبو جعفر البحاثيّ على الحاكم أبي سعد بن دوست قال [١] : عن لي بيتان في معنى، وهما:
ليت شعري إذا خرجت من الدنيا وأصبحت ساكن الأجداث (خفيف)
هل يقولنّ إخوتي [٢] بعد موتي: ... رحم الله ذلك البحّاثي؟ [٣]
[قال] [٤] : فاقتدى به فيهما الشّيخ أبو مسعود [٥] أحمد بن عثمان الخشناميّ، وقال:
ليت شعري إذا تصرّم عمري ... ودنا الموت وانقضت أيامي
هل يقولنّ إخوتي بعد موتي: ... رحم الله ذلك الخشنامي؟ [٦]
قال: فلمّا لحقا باللطيف الخبير قلت محققا ظنونهما، ومصدّقا تخمينهما [٧] :
يا ابن عثمان كنت خلّا ودودا ... ناصح الجيب [٨] ذا سجايا كرام
(خفيف)
فطوتك المنون «١» دوني [٩] طيّا ... وكذاك [١٠] المنون قصر «٢» الأنام [١١]
стр. 953
فأنا اليوم قائل كلّ وقت [١] ... رحم الله ذلك الخشنامي
قال: وقلت للقاضي:
/ يا أبا جعفر بن اسحاق إنّي ... خانني فيك نازل الأحداث
(خفيف)
وهوى [٢] عن [٣] مصاعد النجم قسرا ... بك تحت الرّجام «١» في الأجداث
فلك اليوم من قواف حسان ... سرن في المدح [٤] سيرها في المراثي
مع كتب جمعن [٥] في كلّ فن ... حين يروين [٦] ألف باك وراث
(قائل كلّها بغير) [٧] لسان: ... رحم الله ذلك [٨] البحّاثي
وأنشدني لنفسه [٩] في الشيب:
أرى زمن الشبيبة قد تقضّى ... وأخلق برده الغضّ القشيب
(وافر)
стр. 954
ووافاني المشيب كما تراه ... فما عيشي وقد وافى المشيب؟
٧١- الأستاذ [الإمام] [١] زين الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيريّ «١»
جامع لأنواع المحاسن، تنقاد له صعابها ذلل المراسين «٢» . فلو قرع الصخر بسوط تحذيره لذاب، ولو ارتبط ابليس في مجلس تذكيره [٢] لتاب. وله فصل الخطاب في فضل النطق المستطاب. ماهر في التكلم على مذهب الأشعري، خارج في إحاطته [٣] بالعلوم عن الحدّ البشريّ [٤] . كلماته كلّها، ﵁، للمستفيدين فوائد وفرائد، وعتبات [٥] منبره للعارفين وسائد. ثمّ إذا
стр. 955
عقد بين مشايخ [١] الصوفيّة حبوته «١» ورأوا قربته من الحقّ وخطوته/ تضاءلوا بين يديه، وتلاشوا بالإضافة إليه. وطواهم بساطه في حواشيه، وانقسموا بين النظر إليه والتفكر فيه. وله شعر تتوّج به رؤوس معاليه، إذا ختمت به أذناب أماليه. فمما أنشدنيه [٢] [لنفسه] [٣] قوله في عميد الملك أبي نصر [منصور بن محمد] [٤] غفر الله له [٥] .
عميد الملك ساعدك [٦] الليالي ... على ما شئت من درك المعالي
(وافر)
فلم يك منك شيء غير أمر [٧] ... بلعن المسلمين على التّوالي
فقا بلك البلاء [٨] بما تلاقي ... فذق [٩] ما تستحقّ من الوبال [١٠]
وأنشدني لنفسه في رمد الحبيب:
يا من تشكّى رمدا مسّه ... لا ترفع الشّكوى إلى خالقك
(سريع)
стр. 956
موجب ما مسّك من عارض ... أنّك لم تنظر إلى وامقك «١» [١]
وله أيضا:
الأرض أوسع رقعة [٢] ... من أن يضيق بك المكان
(مجزوء الكامل)
وإذا نبا بك منزل ... ويظلّ يلحقك الهوان
فاجعل سواه [٣] معرّسا «٢» ... ومن الزمان لك الأمان
ومن غزلياته الرقيقة، التي هي الماء الزّلال على الحقيقة، ما أنشدنيه [٤] لنفسه:
قالوا: بثينة لا تفي بعداتها ... روحي [٥] فداء عداتها ومطالها
(كامل)
إن كان نجز عداتها مستأخرا ... فلقد تشرّفنا [٦] بنقد مقالها
وله، وهو [٧] معنى متداول بين شعراء العرب والعجم:
стр. 957
ما خضابي بياض شعري إلا ... حذرا أن يقال: شيخ خليع
(خفيف) / وقد أحسن أبو أحمد [١] اليماميّ [٢] [البوشنجيّ] [٣] في العبارة [٤] عن هذا المعنى بقوله:
أقول ونوّار [٥] المشيب [٦] بعارضي [٧] ... قد افترّ لي عن ناب أسود سالخ «١»
(طويل)
أشيبا وحاجات الشباب [٨] كأنّها [٩] ... يجيش بها في الصدر مرجل طابخ [١٠] ؟
[ولم أرجارا كالشباب تحذّمت «٢» ... قواه ولم يسمع له صوت صارخ] [١١]
стр. 958
وما كلّ حزني للشباب الذي هوى ... به الشيب عن طود من [١] الأنس شامخ
ولكن لقول الناس: شيخ. وليس لي ... على نائبات الدّهر صبر المشايخ [٢]
وأقرب إلى مساغ الطبع منها قول أبي الحسن المروزي [٣] في قصيدة له:
از خضاب من واز موى سيه كردن من ... گر همى خشم خورى نيش خور ورنج مبر [٤]
غرضم زونه [٥] جوانيست كه زين رنگ بمن ... حالت يسير [٦] بجويند ونيابند مگر «١»
стр. 959
[قريب من قوله:
لعمرك ما كرهت الشيب يوما ... وعندي أنه شيء يعاب
(وافر)
ولكنّي خشيت يراد منّي ... عقول ذوي المشيب فلا يصاب] [١]
٧٢- الشيخ الإمام ركن الإسلام [٢] أبو محمد عبد الله ابن يوسف الجوينيّ «١»
[رحمة الله عليه] [٣] علمه في العالم علم، والألسنة والأقلام كلّها في ذكر فضائله ونقش بدائعه [٤] لسان وقلم. وكانت أوقاته على الخيرات مقصورة، وراياته على العصاة منصورة، مقضيّ الأرب من الأدب، مملوء العكم «٢» [٥] من العلم. اشتقّ [٦] كنية [٧] شبله من معاليه، ووقّع عن
стр. 960
الله تعالى في فتاويه، وخلى المساوىء لمناويه ومساويه. وقد اختلفت إليه فصارت دهم أيامي بمجالسته غرا، وملأت جيبي وحجري «١» وسمعي من حسن عبارته [١] درّا. ولم يسمح لي ولغيري من تلامذته [٢] بشيء من منظومه، ولا بمقدار ما يتعلّل به غيضا من فيض علومه، غير أني عثرت في بعض تعليقاتي [٣] /على بيتين له رثى [٤] بهما واحدا من أصدقائه، وجلب [٥] بحسن صنعته وشي الأدب من صنعائه «٢» ، وهما:
رأيت العلم بكّاء حزينا ... ونادى الفضل واحزنا [٦] وبوسا
(وافر)
سألتهما بذاك فقيل: أودى ... أبو سهل محمد بن موسى «٣»
стр. 961
٧٣- ابنه ركن [١] الدين إمام الحرمين أبو المعالي عبد [٢] الملك «١»
فتى الفتيان ومن أنجب [٣] به الفتيان «٢» ، ولم يخرج مثله المفتيان، عنيت محمد بن إدريس والنعمان بن ثابت «٣» [٤] . فالفقه فقه الشافعيّ، والأدب أدب الأصمعي، وحسن بصره بالوعظ كالحسن البصري. وكيفما كان فهو إمام كلّ إمام، والمستعلي بهمّته [٥] على كلّ همام، والفائز بالظفر
стр. 962
على إرغام [١] كلّ ضرغام. إذا تفقّه [٢] فالمزني «١» من مزنته [٣] قطرة، وإذا تكلم فالأشعريّ من وفرته «٢» شعرة. وإذا خطب ألجم الفصحاء [٤] بالعيّ شقاشقه الهادرة، ولثّم [٥] البلغاء بالصمت حقائقه النادرة. ولولا سدّه مكان أبيه بسدّه [٦] الذي أفرغ على [٧] قطره قطر «٣» بانيه [٨] لأصبح مذهب الحديث حديثا، ولن يجد المستغيث منهم [٩] مغيثا. وله شعر لا يكاد يبديه، وأرجو أن يضيفه قبلي إلى سوالف أياديه. وهو وإن غطّاه فكيف تصبر عن التبرّج [١٠] في حلاه [١١] الآداب [١٢] العواطل؟ وإن أخفاه فهل يخفى على
стр. 963
الناس الرباب/ «١» الهاطل؟ ولا بأس من أن يحصّل المغرى، ويكثب «٢» المرمى فتكرن فوائده لأنسي الحائل نتاجا، [١] وفوائده لرأسي العاطل تاجا.
وقد بيّضت هذه الصفحة [٢] انتظارا مني لتلك اليد البيضاء، وانتجاعا لتلك الروضة الخضراء وحقّ لمن استجلس [٣] مجلس إفادته أن يظفر بإرادته، ويجد روضا وغديرا، ويرد عينا يشرب بها عباد الله، يفجرونها تفجيرا.
٧٤- الشيخ أبو الحسن عليّ بن عبد [٤] الله الدلشاديّ «٣» [٥]
كاتب ديوان الحضرة الغزنوبة، وكان طويل الباع [بها] [٦] ، عريض الجاه فيها. [٧] كتب إلى ابنه أبي الفتح جوابا عن كتاب تقدّم منه «٤» إلى أستاذه في الإعتذار، عن سابق جفوة، وبادر [٨] هفوة، [تبدو أمثالها من الأغمار الأغرار] [٩] :
стр. 964
أبا الفتح، إني قد تأملت رقعة ... كتبت إلى الشيخ الأديب أبي الفتح
(طويل)
شكوت إليه أنّ أمرك مظلم ... وأنّك مطويّ على كمد برح
تماديت في غيّ وما كان [١] ثانيا ... عنانك عنه كثرة الوعظ والنّصح
ومن يك في شوط [٢] البطالة مجريا [٣] ... يكن ليله ليل الضرير بلا صبح
أما تخطىء الأيام [٤] فيك بأن ترى ... وقد فزت يوما في قداحك بالنّجح
فإن صحّ منك الإرعواء [٥] إلى الهدى ... من الغيّ قابلت الخطيئة بالصّفح
عسى الله بعد العسر يعطيك يسره ... وينعم بعد الجدب بالديمة السحّ
قلت: كان أبو الفتح هذا معنا بالبصرة ولم يكن عاريا من الفضل، ولا عاطلا عنه. [فمرض بها مدة، فإذا أنا [٦] به يوما من الأيام] [٧] ، وقد توسّد
стр. 965
ظلّ نخلة بالأبلّة «١» ، وقضى نحبه فدفنّاه بها، وذلك في شوال سنة خمسين وأربعمائة «٢» [١] /
٧٥- الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الدّوغيّ [٢]
من عباد الله الصالحين، رأيته بنيسابور يختلف إلى دار الشيخ المؤيّد [٣] القاضي أبي عمرو [٤] البسطاميّ، ويكرر وظائف الفقه على أولاده، ويقدم أورادهم على جميع أوراده. وفيه من لين [٥] العشرة، ولين الجانب، وسلامة الناحية، ولزوم العافية في الزاوية، [٦] ممّا يستميل [٧] إليه الأهواء، ويؤلف عليه الآراء. فمما أنشدني لنفسه من شعره قوله في صفة الشّمع:
стр. 966
وباكيات [١] قصر الأعمار ... بأدمع صفر [٢] لها [٣] جوار
(مجزوء الرجز)
(إذا [٤] امتطت مراكب النّضار) [٥] ... وبرزت لأعين النظّار
عاد ظلام الليل كالنهار
وقوله: [٦]
يا خاضب الشيب كي تخفى بواديه ... وقد نهاك عن اللذات ناهيه [٧]
(بسيط)
هب أنّك اليوم قد غلّطت مبصره ... فكيف تغلط فيما أنت تدريه؟
وقوله: [٨]
لا تعجبوا من غلوّي في مودّتكم [٩] ... فأنتم بمحلّ السمع والبصر
(بسيط)
إن تحسنوا فلكم شكري [١٠] ومحمدتي ... وإن تسيئوا فمحمول على القدر
قد يشرب الصفو أحيانا أخو ظمأ ... وقد يكون له شرب على الكدر [١١]
стр. 967
وله [أيضا] [١] في العزلة:
وقد [٢] لازمت قعر [٣] البيت حتّى ... كأنّي بعض أحلاس «١» [٤] البيوت
(وافز)
إذا ما البحر ماج فليس فيه ... لمن [٥] رزق السعادة من ثبوت [٦]
وله [أيضا] [٧] في غرض عرض له:
تسيء إليّ ثمّ تريد شكري؟ ... لعمري لست فيه بالمصيب
(وافر)
ربحت عليّ إذ لم أبد [٨] شكوي ... فدع ما قد يريب من الأريب [٩]
وله [أيضا] [١٠] في غير معناه:
متى ترجو خلوص الودّ منّي ... ولم يك في اصطناع [١١] منك همّه؟
(وافر)
стр. 968
/
فلا تطلب لديّ لسان صدق ... وجاوزني [١] عساك تنال ثمّه «١»
وقرأت له فصلا، كتبه تحت أبيات شعر له، كتبها [٢] على ما سمح به الخاطر، لا للحكم لأنّه [٣] نادر، ورجوت أن يذكرني بها ذاكر. وهذا كما حكي عن بعض أهل الأبلّة أنه غرس وديّة «٢» واحدة في موضع منها، مع كثرة نخيلها وأشجارها، وخضرها وأنهارها، وكتب عليها: «هذا ما أمكننا» ، فصار ذلك الموضع من أعجب متنزّهاتها، وأطيب جنانها.
٧٦- القاضي أبو سعد عليّ [بن] [٥] عبد الله الناصحيّ
جرت بينه وبين الحاكم أبي سعد بن دوست، رحمهما الله، مبادهة.
فقال القاضي:
وما وصل الكتاب إليّ حتّى ... أجبت إلى الذي استدعاه منّي
(وافر)
стр. 969
فقال أبو سعد:
جزاه الله عن مولاه [١] خيرا ... وخفّف [٢] ثقل هذا الشكر عنّي
(وافر) فقال القاضي:
وأولى [٣] الشيخ [٤] عزا مستفادا ... وحقّق فيه مأمولي [٥] وظنّي
(وافر)
[فكم لي نعمة من غير ذكر ... وكم لك منّة من غير منّ] [٦]
٧٧- الشيخ أبو [٧] علي الحسن بن عبد الله العثمانيّ
واسطة عقد نيسابور، وأول دستها، ووجه تختها «١» ، وعين إنسانها. لابل
стр. 970
إنسان عينها، والمخصوص بزينها، والمنصوص من بينها. وكلماته [١] كلّها حكم وأمثال [٢] ، وإن عزّت [٣] لها أشباه وأمثال، وبيني وبينه ودّان؛ موروث [٤] ومكتسب، وسبب من آصرة الأدب، كأنه في الامتزاج والاتّشاج «١» نسب وكان والدي، ﵀، مفتونا به، مشغوفا بأدبه. وكتب إليه جوابا عن رقعة طواها على خطبة مودته. فنشرها [٥] والدي عن صدق رغبته. أما رغبته في خطبة/ مودّتي [٦] سرّا وجهرا، ورهبته [٧] عن [٨] الوقوع دون واجبها (برا ومهرا) [٩] :
فقد خاطبته [١٠] فيها ... ليكفي [١١] المهر ترفيها
(هزج)
فنفس الشاطر الجنّة ... لا الزوجة تسفيها وإن سفّه رأي جا
هل بالطرف [١٢] تسفيها
стр. 971
وكتب [هو] [١] إلى والدي، رحمهما الله:
إن كلام أبي أحمد الحسن» ... أسا [٢] كلام الهموم والحزن
(منسرح)
سحر ولكن يحكي الصّبا سحرا ... عن نشره غبّ عارض هتن
أنشدني بعض من يصاحبه ... شعرا (له ارتحت) [٣] حين أنشدني
(ما أنشد الشعر بل ضللت) [٤] من ال ... بهجة أسنى علق فأنشدني «٢»
وكتب [٨] إليه:
الله يعلم أنني متبجّح ... بمحاسن الحسن بن عبد الله
(كامل)
كم للظريف أبي [٦] عليّ نكتة ... غربت [٧] فلم تدر الخلائق ما هي
كجواهر الأصداف بل كزواهر ال ... أسداف «٣» [٨] بل عظمت عن الأشباه
стр. 972
شاعت وجوه الطالبين [١] لشأوه [٢] ... فهم البياذق وهو مثل الشاه «١»
فأجاب عنها بأبيات قال في أثنائها:
يا هدهدا هو للفيوج «٢» بحمله ... في هامة الرأس الكتاب مضاه
(كامل)
إذهب إليه بالكتاب فألقه ... بالقرب منه وإن نهاك الناهي
وتولّ عنه فانظرن [٣] في خفية ... (ثم اذكر) [٤] الحسن بن عبد الله
فأجبت عنها بأبيات على غير رويّها وهي:
تلك الجنان قطوفهنّ دوان ... تشدو حمائمها على الأغصان
(كامل)
стр. 973
/
أم صدغ معشوق تصولج مسكه ... من [١] ورد وجنته على ميدان؟
أم روضة بيد السحاب مروضة «١» ... لنسيمها لعب بغصن البان
أم شعر أظرف [٢] من مشى فوق الثّرى ... الحسن بن عبد الله ذي الإحسان؟
فأجاب عنها [بأبيات] [٣] وهو بقرية [يان] من ناحية [أرغيان] «٢» :
عثمان يوم الدار لم يك جازعا ... جزعي لحرقة فرقة العثماني «٣» [٤]
(كامل)
ريح الصّبا خلّي قضيب البان ... هبّي على قلبي بقرية يان
هبّي عليه سحرة [٥] قولي له: ... كم ذا المقام كذا بدار هوان
стр. 974
قد كنت تولع [١] بالبديع وشعره ... فارجع فقدوا فى بديع زماني [٢]
أين [٣] البديع من الظريف [٤] الفاضل [اب ... ن الفاضل] [٥] الفرد البديع [٦] الثاني؟
ومنها، وقد ختم بهذه الأبيات:
سلسل خطوطك ما غدا متسلسلا ... شاطي (الجمام الزّرق) [٧] بالأغصان [٨]
واسجع بشعرك ما شدا متصلصلا ... شادي الحمام الورق في الغيطان [٩]
قلت: الترصيع صنعة يتعاطاها كفاة البلغاء في النثر. فأمّا [١٠] في النظم فهو أبعد مراما من أن يسمو إليه ناظر، ويرفرف [١١] عليه خاطر. وكثيرا ما يتّفق لي [١٢] أمثالها في أثناء قصائدي ومقطعّاتي، مثل قولي في مدحة نظامية:
وافرح فما يلقى لسدّك هادم ... وامرح فما يلفى لحدّك ثالم
(كامل)
стр. 975
/
فإذا سخوت فإن سيبك عارض ... وإذا سطوت [١] فإنّ سيفك عارم
فلذاك تخشى من قناك مطاعن ... وكذاك [٢] تغشى من قراك مطاعم
وأنشدني لنفسه في معنى لم يسبق إليه:
لا تعلونّ على السلطان طائفة ... وبعد ذاك لتفعل كلّ ما فعلت
(بسيط)
لا تحرق النار إلا كلّ نابتة [٣] ... لأنها نازعتها في العلا فعلت
ومن غزلياته التي يتغنى بها قوله:
هواك على مرّ الجديدين لا ببلى ... وأنت على مرّ التعتّب [٤] مستحلى
(طويل)
ومثلك يا من ليس يوجد مثله ... وإن كان يقلي حبة القلب لا يقلى
وفاؤك فيها سورة أبدا تتلى ... وحبّك [٥] فيها صورة أبدا تجلى
فما ساحت الأنهار ودّك لا يسلى ... وما فاحت الأزهار عهدك لا يبلى
[قلت: قد وفق طبعه في نقل الفارسية إلى العربية، توفيقا زوى [٦]
стр. 976
عن غيره من الفضلاء، وحيل بينه وبين سواه من الشعراء مثل قوله في ترجمة قول الفرّخيّ «١» [١] [الشاعر] [٢] :
خط آوردى رواست بر روى چوماه ... خوشتر گشتى از آنچهـ بودى صد راه
در آرزوى خطّ تو خوبان سياه ... بر روى همى كشند خطهاى سياه «٢»
وقال في ترجمة قول الشاعر:
تا پير بدى دو زلف بر عارض بست [٣] ... صد پرده دريده گشت وصد توبه شكست
خوبيت بمستى وبهشيارى هست ... هشيار نكوترى ندانم يا مست
стр. 977
منذ قرصت الصّدغ ... فوق عارض كالبدر
(مجزوء الرجز)
نقضت ألف توبة ... هتكت ألف ستر
حسنك باق حالة الصّ ... حو وحال السكر
في الصحو أبهى أنت أم ... في السكر؟ لست أدري «١» .
وترجم قول القائل:
آنجا كه نيابد نابد پرى گويي ... وآنجا كه نيابد از زمين بر روى
عاشق كشى ومراد عاشق جوى ... اينت خوشى وظريفى وخوش خوى
فقال:
تحجّب في وقت الحجاب فلا ترى ... وتنبت في وقت اللقاء من الأرض
(طويل)
стр. 978
وتصمي [١] الموالي ثم تبغي مرادهم ... وذا غاية في الظّرف والخلق المرضي «١» ] [٢]
وله:
[عذرت يا من وجهه ... قد عذر المعهودا
(مجزوء الرجز)
يحسدك الصّباح مذ [٣] ... أريتها الخدودا
تخطّ في خدودها ال ... بيض خطوطا سودا] [٤]
٧٨- الشيخ أبو الحسن [٥] عليّ بن أحمد الواحديّ «٢»
مشتغل بما يعنيه وإن كان استهدافه للمختلفة [إليه] [٦] يعنّيه. وقد
стр. 979
خبط [١] ما عند أئمة الأدب من أصول كلام العرب خبط عصا الراعي فروع الغرب «١» [٢] . وألقى الدلاء في بحارهم حتّى نزفها، ومدّ البنان إلى ثمارهم إلى أن قطفها. وله في علم القرآن، وشرح غوامض الأشعار تصنيفات بيديه، لأعنّتها تصاريف تصريفات. وقلمّا يعرض على الرواة ما يصوغه من [نسمات] [٣] الأشعار، ويبدي [٤] ما [٥] يفتح كمامها [٦] عن النوّار [٧] . فمما أنشدني لنفسه قوله، وقد دخل على الشيخ الإمام أبي عمر سعيد بن هبة الله الموفّق [٨] ، وهو في كتّابه يتعلم الخطّ ويكتب:
/ إنّ الربيع بحسنه وبهائه ... يحكيهما خطّ الرئيس [٩] أبي عمر
(الكامل)
فكأنّه في الدرج يرقم كاتبا ... ولي «٢» [١٠] لطاف [١١] بنانه فتق الزهر
стр. 980
خطّ غدا ملء العيون ملاحة ... متنزها للّحظ قيدا للبصر
أخذت [١] نقوش العين [٢] بدعة صنعه ... فتعظّلت «١» ورقوم موشيّ الحبر
وسأله عبد الكريم الجبليّ أبياتا يصف فيها خطّه فقال:
لعبد الكريم خطوط أنيقه ... يحبّرهنّ بحذق ونيقه «٢» [٣]
(متقارب)
يطّرز [٤] بالخطّ قرطاسه ... كما طرّز السحب لمع العقيقة «٣»
سطور إذا ما تأملتها ... تخيلت [٥] منها «٤» غصونا وريقه
وغارسها مرهف ناحل ... يمجّ عليها بسنيّه ريقه [٦]
стр. 981
وبنيسابور [١] خوخ [٢] يقال له «مزوره» أهدى منه شيئا إلى بعض أصدقائه، [وكتب معه] [٣] .
الخوخ أرسل رائدا متقدّما ... ما مثله في طيبه باكوره
(كامل)
هو زائر في كلّ عام مرة ... عند المصيف فلم يقال مزوره؟
٧٩- الأستاذ أبو منصور عبد الرحيم بن محمد [٤]
أنشدني الأديب يعقوب له قال: أنشدني لنفسه:
أشكو إلى الله ما أقاسي ... من جور قلبي وشرّ نفسي
(مخلع البسيط)
سلبت أنسي لطول جرمي ... (لطول جرمي) [٥] سلبت أنسي
أمسي يبكّي عليّ يومي ... يومي يبكيّ عليّ [٦] أمسي
стр. 982
إلى متى عثرتي وتعسي؟ ... قد كربت للأفول شمسي
/ يا ربّ غفرا [١] فانّ وزري ... أنقض ظهري وشجّ رأسي [٢]
٨٠- الشيخ أبو نصر سعيد بن الشاه [٣]
نظمتني [٤] وإيّاه صحبة الكتّاب، ونشأنا معا في حجور الآداب [٥] .
وكان، رحمة الله عليه، صورة الظرف مجلوّة، وسورة الفضل متلوّة.
واحتضر وعود شبابه ناضر، واختضر والدهر بطرف ظرفه ناظر. فيالهفي على شمله وقد اخترق، وأصابه إعصار فيه نار فاحترق.
ومما سمعته ينشد لنفسه في صباه قوله:
قالت: اسودّ عارضاك بشعر ... وبه تقبح الوجوه الحسان
(خفيف)
قلت: أشعلت في فؤادي نارا ... فعلى وجنتيّ منها دخان
стр. 983
وهذا من أملح [١] ما قيل [في مثله] ؛ [٢] ومدح الشيخ الإمام الموفّق، [﵁] [٣] ونحن في الكتّاب بهذه القصيدة:
يا من به [٤] يعرف المعروف [٥] من جحده [٦] ... ومن به يجد الإنسان [٧] من فقده [٨]
(بسيط)
وقد عنيت به الشيخ الامام أبا ... محمد سيد السادات والمجده
ذاك الّذي لم يزل للخير مصطنعا ... عند الورى مطلقا للمكرمات [٩] يده
لا عيب فيه سوى عيب وذلك أن ... لا عيب فيه يقيه عين من حسده
ما مات آباؤه إذ كان يخلفهم ... لكنّ آباءه صاروا به خلده
يا مرحبا بكريم صار [١٠] والده ... إذ [١١] نال فخر الورى زين الهدى [١٢] ولده
стр. 984
أجدّ للعلم عزّا (كان غاب له) [١] ... وراح للعلم روحا سالكا جسده
وقد تعجبت إذ حقّ [٢] التعجب من ... قوم يعادونه لم يصبحوا قرده
/ إني قصدت بآمالي ذرا رجل ... طلق اليدين جواد فاز من قصده
[ومنها] [٣] :
قصدت من ظنّ أنّ الجود مفترض ... وأنّ [٤] في تركه العصيان واعتقده [٥]
وقد نشأت بما قد كان يرفدني ... فخلت (عيني وروحي) [٦] بعض ما رفده
وله من [قصيدة] [٧] أخرى نظامية [٨] [يقول فيها] [٩] :
أظاعن أم مقيم أنت يا خلدي؟ ... فانني أول الغادين بعد غد
(بسيط)
стр. 985
غدا أودع قوما أودعوا كبدي ... نارا وعهدي بهم بردا على الكبد [١]
أبدي التجلّد أحيانا فينهرني [٢] ... ريق يجفّ وخدّ [٣] بالدموع ندي
لا أنس [٤] يوما تنازعنا حديث نوى ... وقولها، وهي تبكي خانني جلدي
فدمعها برد فوق العقيق بدا ... ولفظها ضرب قد شيب بالبرد «١»
كنا إلى الوصل أخلدنا فنغّصه ... هذا الرحيل الذي ما [٥] دار في خلدي
ومنها أيضا في المدح:
البدر نام فلم أستنّ «٢» في ظلم؟ ... والبحر طام فلم أمتصّ من ثمد «٣» ؟
أبو عليّ نظام الملك أكرم من ... ساس البريّة [٦] فاستولى على الأمد