← Адаб

Адаб · id 10670

الرسائل الأدبية

الجاحظ

Полный текст (465 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أتطلب ويحك أثرا بعد عين، أو عطرا بعد عروس، أو تريد أن تجتني عنبا من شوك، أو تلتمس حلب لبن من حائل. إنّك إذا أعيا من باقل، وأحمق من الضبع، وأغفل من هرم. إن كنت تجهل بعد ما أعلمناك، وتعوجّ بعدما قوّمناك، وتبلّد بعدما ثقّفناك، وتضلّ إذ هديناك، وتنسى إذ ذكّرناك، فأنت كمن أضلّه الله على علم فبطلت عنده المواعظ، وعمي عن المنافع، فختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة. فنعوذ بالله من الخذلان. إنّه لا يأتيك ولكن يناديك ولا يحاكيك ولكن يوازيك. أحسن ما تكون عنده حالا [أقلّ ما تكون مالا، وأكثر ما تكون عيالا، [وأعظم] ما تكون ضلالا. وأفرح ما يكون بك أقرب ما تكون بالمصيبة عهدا، وأبعد ما تكون من الناس حمدا. فإذا كان الأمر على هذا فمجاورة الموتى، ومخالطة الزّمنى، والاجتنان بالجدران، ومصر المصران، وأكل القردان، أهون من معاشرته، والاتّصال بحبله. والغلّ نتيج الحسد، وهو رضيعه، وغصن من أغصانه، وعون من أعوانه، وشعبة من شعبه، وفعل من أفعاله، كما أنّه ليس فرع إلّا له أصل، ولا مولود إلّا له مولد، ولا نبات إلّا من أرض، ولا رضيع إلّا من مرضع، وإن تغيّر اسمه، فإنّه صفة من صفاته، ونبت من نباته، ونعت من نعوته. [١٠- الجنة حيث لا حسد] ورأيت الله ﷻ ذكر الجنّة في كتابه فحلّاها بأحسن حلية، وزيّنها بأحسن زينة، وجعلها دار أوليائه ومحلّ أنبيائه، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فذكر في كتابه ما منّ به عليهم من

стр. 107

السّرور والكرامة عندما دخلوها وبوّأها لهم فقال: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ. وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ. لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ. فما أنزلهم دار كرامته إلّا بعد ما نزع الغلّ والحسد من قلوبهم، فتهنّوا بالجنّة، وقابلوا إخوانهم على السّرر، وتلذّذوا بالنظر في مقابلة الوجوه لسلامة صدورهم. ونزع الغلّ من قلوبهم. ولو لم ينزع ذلك من صدورهم ويخرجه من قلوبهم، لافتقدوا لذاذة الجنّة، وتدابروا وتقاطعوا وتحاسدوا، وواقعوا الخطيئة، ولمسّهم فيها النّصب، وأعقبوا منها الخروج، لأنّه فضّل بينهم في المنازل، ورفع درجات بعضهم فوق بعض في الكرامات، وسنيّ العطيات. قلمّا نزع الغلّ والحسد من قلوبهم ظنّ أدناهم منزلة فيها، وأقربهم بدخول الجنّة عهدا، أنّه أفضلهم منزلة، وأكرمهم درجة، وأوسعهم دارا بسلامة قلبه، ونزع الغلّ من صدره، فقرّت عينه وطاب أكله. ولو كان غير ذلك لصاروا إلى التنغيص في النظر بالعيون، والاهتمام بالقلوب، ولحدثت العيوب والذّنوب. [١١- السلامة في الابتعاد عن الحسود] وما أرى السّلامة إلّا في قطع الحاسد، ولا السّرور إلّا في افتقاد وجهه، ولا الرّاحة إلّا في صرم مداراته. ولا الرّبح إلّا في ترك مصافاته. فإذا فعلت ذلك فكل هنيّا مريّا، [ونم رضيّا] ، وعش في السّرور مليّا.

стр. 108

ونحن نسأل الله الجليل أن يصفّي كدر قلوبنا، ويجنّبنا وإياك [دناءة الأخلاق، ويرزقنا وإيّاك] حسن الألفة والاتّفاق ويحسن توفيقك وتسديدك. والسّلام.

стр. 109

٢- هامش كتاب الحاسد والمحسود (١) لاحظ وجوه التصنع البياني في المقدمة: السجع مثل: وهب الله لك السلامة، وادام لك الكرامة، ورزقك الاستقامة ورفع عنك الندامة. ثم الطباق مثل: ولم يعرف ظاهره ومكتومه، وكيف يعلم مجهوله ومعلومه ولم صار العلماء فيه اكثر من الجهلاء الخ ... (٢) صاحب ليل: المسهد الذي لا يستطيع ان ينام. ويروى عن الحسن: الارجح ان يكون الحسن البصري. (٣) حرب البيان: يعني ان الحاسد يضمر عكس ما يفصح. (٤) لاحظ بلاغة الجاحظ في تصوير نفس الحسود «تراكم الغموم على قلبه، واستمكان الحزن في جوفه، وكثرة مضضه، ووسواس ضميره، وتنغص عمره، وكدر نفسه، ونكد عيشه.. واستصغار نعمة الله عليه وسخطه على سيده بما أفاء عليه، وتمنيه ان يرجع في هبته اياه وان لا يرزق احدا سواه..» . - رجوع الجاحظ الى القرآن باستمرار دليل على استمكان الثقافة الدينية فيه: قصّة الملاك الذي عصى ربه فلعنه وجعله ابليسا وشوه خلقه، وابعده عنه. وقصة قابيل الذي قتل اخاه هابيل. (٥) يجب ان يعاد ولا يعود: يجب ان يزار ولا يزور لكبره وحقده. وبرى علة العقود: جمع عقد وهو خيط من الخرز يعقد للرؤساء. - المبتدع: من يخالف السنة او يأتي بجديد لم يعرفه السلف. - المتبع: غير الاصيل يأخذ عن غيره.

стр. 110

- حاطب ليل: يمشي في الظلام على غير هدى ودون استبصار؛ يخلط في كلامه. - عبد الله بن أبيّ الخزرجي عرف بنفاقه وعاش في عهد الرسول. (٦) المعدم: الفقير؛ طلائع: مطلعون وناظرون. (٧) الحسود لا يستطيع كتمان حسده. انظر رسالة كتمان السر وحفظ اللسان وتعليل الجاحظ النفسي لميل الانسان الى الافضاء عما في نفسه. (٨) الح من الذباب مثل يضرب بلجاجة الذباب في الحط على الاجسام التي يريدها. راجع خبر القاضي والذباب الوارد في كتاب الحيوان. (٩) الفحل القطم: الذي اشتدت به الشهوة الى الضراب. - السيل العرم: السيل الغامر الجامح الذي لا يطاق. - الجليل والدقيق: الجليل الكلام المتعلق بامور الدين الدقيق: الكلام المعلق بامور الفلسفة الطبيعية مثل الجوهر والعرض والحركة الخ. - لاحظ كلف الجاحظ بالطباق في جميع اجزاء الرسالة: الرمز والاشارة، السر والجهر، الخفض والرفع، الاختصار والتطويل الخ. - تلتمس حلب لبن من حائل: الحائل هي الناقة التي انقطع حملها. - لاحظ كثرة الامثال التي يضربها الجاحظ: أعيى من باقل، احمق من ضبع، اغفل من هرم (مسن) . راجع الامثال للميداني. (١٠) وصف الجنة الجميل: فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ... الخ تخلو قلوب اهلها من الغل والحسد ويطيب عيشهم. (١١) يشير الجاحظ الى نوع الرسالة: انها رسالة في الاخلاق هدفها تصفية القلوب، وحسن الالفة.

стр. 111

[٣- رسالة النبل والتنبل وذم الكبر] (- ٣- النبل والتنبل وذم الكبر)

стр. 112

[١- مقدمة يحرض فيها مخاطبه على اناس تكبروا عليه] فصل منه: قد قرأت كتابك وفهمته، وتتبّعت كلّ ما فيه واستقصيته، فوجدت الذي ترجع إليه بعد التّطويل، وتقف عنده بعد التّحصيل، قد سلف القول منّا في عيبه، وشاع الخبر عنّا في ذمّه، وفي النّصب لأهله، والمباينة لأصحابه، وفي العجّب منهم، وإظهار النّفي عنهم. والجملة أنّ فرط العجب إذا قارن كثرة الجهل، والتّعرّض للعيب إذا وافق قلّة الاكتراث، بطلت المزاجر، وماتت الخواطر. ومتى تفاقم الداء وتفاوت العلاج، صار الوعيد لغوا مطّرحا، والعقاب حكما مستعملا. وقد أصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم إلّا التوقيف، ولا من تأديبهم إلّا التعريف. ولو ملكناهم ملك السّلطان، وقهرناهم قهر الولاة، لنهكناهم عقوبة بالضّرب، ولقمعناهم بالحصر. والكبر- أعزّك الله تعالى- باب لا يعدّ احتماله حلما، ولا الصّبر على أهله حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التّغافل

стр. 113

عنهم كرما، ولا الإمساك عن ذمّهم صمتا. واعلم أنّ حمل الغنى أشدّ من حمل الفقر، واحتمال الفقر أهون من احتمال الذّل على أنّ الرضا بالفقر قناعة وعزّ، واحتمال الذّلّ نذالة وسخف. ولئن كانوا قد أفرطوا في لوم العشيرة، والتكبّر على ذوي الحرمة، لقد أفرطت في سوء الاختيار، وفي طول مقامك على العار. وأنت مع شدّة عجبك بنفسك، ورضاك عن عقلك، خالطّت من موته يضحك السّنّ، وحياته تورث الحزن، وتشاغلك به من أعظم الغبن. وشكوت تنبّلهم عليك، واستصغارهم لك، وأنّك أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق المعقول. ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذّلّ ولما تجرّعت الصّبر وأنت بمندوحة منهم، وبنجوة عنهم. ولعارضتهم من الكبر بما يهضّهم، ومن الامتعاض بما يبهرهم. وقلت: ولو كانوا من أهل النّبل عند الموازنة، أو كان معهم ما يغلط النّاس فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم، ولسترت عيبهم، ولرقعت وهيهم. ولكنّ أمرهم مكشوف، وظاهرهم معروف. وإن كان أمرهم كما قلت، وشأنهم كما وصفت، فذاك ألوم لك، وأثبت للحجّة عليك. وسأؤخّر عذلك إلى الفراغ منهم، وتوقيفك بعد التّنويه بهم. [٢- شروط النبل] أقول: وإن كان النّبل بالتنّبل، واستحقاق العظم بالتّعظّم وبقلّة النّدم والاعتذار، وبالتّهاون بالإقرار، فكلّ من كان أقلّ حياء، وأتمّ قحة، وأشدّ تصلّفا، وأضعف عدّة، أحقّ بالنّبل وأولى بالعذر.

стр. 114

وليس الذي يوجب لك الرّفعة أن تكون عند نفسك- دون أن يراك الناس- رفيعا، وتكون في الحقيقة وضيعا. ومتى كنت من أهل النبل لم يضرّك التبذّل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التنبّل. وليس النّبل كالرّزق، يكون مرزوقا الحرمان أليق به، ولا يكون نبيلا السّخافة أشبه به. وكلّ شيء من أمر الدنيا قد يحظى به غير أهله، كما يحظى به أهله. وما ظنّك بشيء المروءة خصلة من خصاله، وبعد الهمّة خلّة من خلاله، وبهاء المنظر سبب من أسبابه، وجزالة اللفظ شعبة من شعبه، والمقامات الكريمة طريق من طرقه. فصل منه: واعلم أنّك متى لم تأخذ للنّبل أهبته، ولم تقم له أداته، وتأته من وجهه، وتفم بحقه، كنت مع العناء مبغضا، ومع التكلّف مستصلفا. ومن تبغّض فقد استهدف للشّتام، وتصدّى للملام. فإن كان لا يحفل بالشّتم، ولا يجزع من الذّمّ، فعدّه ميّتا إن كان حيّا، وكلبا إن كان إنسانا. وإن كان ممّن يكترث ويجزع، ويحسّ ويألم، فقد خسر الراحة والمحبّة، وربح النّصب والمذمّة. وبعد، فالنّبل كلف بالمولّى عنه، شنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد النّفار ممّن طلبه. [٣- نبل السيد] فصل منه: والسّيّد المطاع لم يسهل عليه الكظم، ولم يكن له كنف

стр. 115

الحلم، إلّا بعد طول تجرّع للغيظ، ومقاساة للصّبر. وقد كان معنّى القلب دهره، ومكدود النّفس عمره، والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. فلمّا انقادت له العشيرة، وسمحت له بالطّاعة، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة سهل عليه الصّبر، وغمر بعلوّه دواعي الجزع، بطلت المجاذبة، وذهبت المساجلة. والذي كان دعاه إلى تكلّف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أوّل شأنه، الأمل في الرّياسة، والطّمع في السيادة، ثمّ لم يتمّ له أمره، ولم يستحكم له عقده إلّا بعد ثلاثة أشياء: الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور طاعة الرّجال. ولولا خوف جميع المظلومين من أن يظنّ بهم العجز، والا يوجه احتمالهم الى الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم، ولغمرهم بعض من ليس معه من أسبابهم. [٤- صفات النبيل] فصل منه: ولا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرّأي، نبيل اللّفظ، نبيل العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزّه، طاهر الثّوب من الفحش، إن وافق ذلك عرقا صالحا، ومجدا تالدا. فالخارجيّ قد يتنبت بنفسه، والنّابتيّ قد يخرج بطبعه. ولكلّ عزّ أول، وأوّل كلّ قديم حادث. ومن حقوق النّبل أن تتواضع لمن هو دونك، وتنصف من هو مثلك، وتتنّبل على من هو فوقك. [٥- الكبر قبيح في الانسان] فصل منه: وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف، لا يحتقر أحدا،

стр. 116

ولا يتحرج لزائر، وكان يقول: ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل فكان الأحنف ما يزداد إلّا علوّا، وكان ذلك الرجل لا يزداد إلّا تسفّلا. وقد ذم الله تعالى المتكبّرين، ولعن المتجبّرين، وأجمعت الأمّة على عيبه، والبراءة منه، وحتّى سمّي المتكبّر تائها، كالذي يختبط في التّية بلا أمارة، ويتعسّف الأرض بلا علامة. ولعلّ قائلا أن يقول: لو كان اسم المتكبّر قبيحا، ولو كان المتكبّر مذموما، لما وصف الله تعالى بهما نفسه، ولما نوّه بهما في التنزيل حين قال: الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ، ثم قال: لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. قلنا لهم: إنّ الإنسان المخلوق المسخّر، والضعيف الميسّر، لا يليق به إلّا التذلّل، ولا يجوز له إلّا التّواضع. وكيف يليق الكبر بمن إن جاع صرع، وإن شبع طغى، وما يشبه الكبر بمن يأكل ويشرب، ويبول وينجو. وكيف يستحقّ الكبر ويستوجب العظمة من ينقصه النّصب، وتفسده الراحة؟. فإذا كان الكبر لا يليق بالمخلوق فإنّما يليق بالخالق، وإنّما عاند الله تعالى بالكبر لتعدّيه طوره، ولجهله لقدره، وانتحاله ما لا يجوز إلّا لربّه. وقال النبي ﷺ : «العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه قصمه» . فصل منه: والنبيل لا يتنبّل، كما أنّ الفصيح لا يتفصّح، لأنّ النّبيل يكفيه نبله عن التنبّل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصّح. ولم يتزيّد أحد قطّ إلّا لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلّا لوهن قد أحسّ به

стр. 117

قوّته. والكبر من جميع النّاس قبيح، ومن كلّ العباد مسخوط، إلّا أنّه عند الناس من عظماء الأعراب، وأشباه الأعراب أوجد، وهو لهم أسرع، لجفائهم وبعدهم من الجماعة، ولقلّة مخالطتهم لأهل العفّة والرّعة، والأدب والصّنعة. [٦- مواضع استحسان الكبر] ولم نر الكبر يسوغ عندهم ويستحسن إلّا في ثلاثة مواضع: من ذلك أن يكون المتكبّر صعبا بدويّا، وذا عرضيّة وحشيّا، ولا يكون حضريّا ولا مدريّا، فيحمل ذلك منه على جهة الصّعوبة ومذهب الجاهليّة، وعلى العنجهيّة والأعرابيّة. أو يكون ذلك منه على جهة الانتقام والمعارضة، والمكافأة والمقابلة. أو على أن لا يكون تكبّره إلّا على الملوك والجبابرة، والفراعنة وأشباه الفراعنة. وصاحبك خارج من هذه الخصال، مجانب لهذه الخلال. إن أصاب صديقا تعظّم عليه، وإن أتاه ضيف تغافل عنه، وإن أتاه ضعيف منّ عليه، وإن صادف حليما اعتمر به. وينبغي أن يكون خضوعه لمن فوقه على حسب تكبّره على من دونه. [٧- صفات اللئيم] ومن صفة اللّئيم أن يظلم الضّعيف، ويظلم نفسه للقوىّ، ويقتل الصّريع، ويجهز على الجريح، ويطلب الهارب، ويهرب من الطّالب، ولا

стр. 118

يطلب من الطّوائل إلّا ما لا خطار فيه ولا يتكبّر إلّا حيث لا ترجع مضرّته عليه، ولا يقفو التّقيّة ولا المروءة، ولا يعمل على حقيقته. ومن اختار أن يبغي تبدّى، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه، إذ كان لا يحفل ببغض النّاس له ووحشة قلوبهم منه، واحتيالهم في مباعدته، وقلّة ملابسته. وليس يأمن اللّئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللّؤم إلّا حاسد. فإذا رأيته يعقّ أباه، ويحسد أخاه، ويظلم الضّعيف، ويستخفّ بالأديب، فلا تبعده من الخيانة، إذ كانت الخيانة لؤما ولا من الكذب، إذ كان الكذب لؤما، ولا من النّميمة، إذ كانت النّميمة لؤما، ولا تأمنه على الكفر فإنّه ألأم اللّؤم، وأقبح الغدر. ومن رأيته منصرفا عن بعض اللّؤم، وتاركا لبعض القبيح، فإيّاك أن توجّه ذلك منه على التجنّب له، والرّغبة عنه، والإيثار لخلافه، ولكن على أنّه لا يشتهيه أو لا يقدر عليه، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرا يعفي على حلاوة العاجل، لأنّ اللّؤم كلّه أصل واحد وإن تفرّقت فروعه، وجنس واحد وإن اختلفت صوره، والفعل محمول على غلبته، تابع لسمته. والشّكل ذاهب على شكله، منقطع إلى أصله، صائر إليه وإن أبطأ عنه، ونازع إليه وإن حيل دونه. وكذلك تناسب الكرم وحنين بعضه لبعض. [٨- عواقب الكبر] ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهّمت العقول عملا اجتباه ذو عقل، أو اختاره ذو علم، بأوبأ مغبّة، ولا أنكد عاقبة، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد مهوى، ولا أضرّ على دين، ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط

стр. 119

الله، ولا أدعى إلى مقت النّاس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن التّوبة، ولا أقلّ دركا عند الحقيقة، ولا أنقض للطّبيعة، ولا أمنع من العلم، ولا أشدّ خلافا على الحلم، من التكبّر في غير موضعه، والتنبّل في غير كنهه. وما ظنّك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنّفج أليفه، والصّلف عقيده. والبّذّاخ متزيد، والنّفّاج كذّاب، والمتكبّر ظالم، والمعجب صغير النّفس. وإذا اجتمعت هذه الخصال، وانتظمت هذه الخصال في قلب طال خرابه، واستغلق بابه. وشرّ العيوب ما كان مضمّنا بعيوب، وشرّ الذنوب ما كان علّة لذنوب. والكبر أوّل ذنب كان في السماوات والأرض، وأعظم جرم كان من الجنّ والإنس، وأشهر تعصّب كان في الثّقلين، وعنه لجّ إبليس في الطّغيان، وعتا على ربّ العالمين، وخطّأ ربّه في التّدبير، وتلقّى قوله بالرّد. ومن أجله استوجب السّخطة، وأخرج من الجنّة، وقيل له: فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها. ولإفراطه في التّعظيم خرج إلى غاية القسوة، ولشدّة قسوته اعتزم على الإصرار، وتتايع في غاية الإفساد، ودعا إلى كلّ قبيح، وزيّن كل شرّ، وعن معصيته أخرج آدم من الجنّة، وشهر في كلّ أفق وأمّة، ومن أجله نصب العداوة لذرّيته، وتفرّغ من كل شيء إلّا من إهلاك نسله، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ولا يضاهيه في نسب، ولا يشاكله في صناعة، وعن ذلك قتل النّاس بعضهم بعضا، وظلم القويّ الضّعيف، ومن أجله أهلك الله الأمم بالمسخ والرّجف، وبالخسف وبالطّوفان، والرّيح العقيم، وأدخلهم النّار،

стр. 120

وأقنطهم من الخروج. والكبر هو الذي زيّن لإبليس ترك السّجود، ووهّمه شرف الأنفة، وصوّر له عزّ الانتقاض، وحبّب إليه المخالفة، وآنسه بالوحدة والوحشة، وهوّن عليه سخط الرّبّ، وسهّل عليه عقاب الأبد، ووعده الظّفر، ومنّاه السّلامة، ولقّنه الاحتجاج بالباطل، وزيّن له قول الزّور، وزهّده في جوار الملائكة، وجمع له خلال السّوء، ونظم له خلال الشّرّ، لأنّه حسد والحسد ظلم، وكذب والكذب ذلّ، وخدع والخديعة لؤم. وحلف على الزور، وذلك فجور. وخطّأ ربّه، وتخطئة الله جهل، وأخطأ في جليّ القياس وذلك غيّ، ولجّ واللّجاج ضعف. وفرق بين التكبّر والتبدّي. وجمع بين الرّغبة عن صنيع الملائكة وبين الدّخول في أعمال السّفلة. واحتجّ بأنّ النار خير من الطّين. ومنافع العالم نتائج أربعة أركان: نار يابسة حارة، وماء بارد سيّال، وأرض باردة يابسة، وهواء حارّ رطب. ليس منها شيء مع مزاوجته لخلافه إلّا وهو محي مبق. على أنّ النار نقمة الله من بين جميع الأصناف، وهي أسرعهنّ إتلافا لما صار فيها. وأمحقهنّ لما دنا منها. هذا كلّه ثمرة الكبر، ونتاج النّية، والتكبّر شرّ من القسوة، كما أنّ القسوة شرّ المعاصي. والتّواضع خير الرحمة، كما أنّ الرّحمة خير الطّاعات. [٩- الكبر رذيلة تعتري مختلف طبقات الناس] والكبر معنى ينتظم به جماع الشّرّ، والتّواضع معنى ينتظم به جماع الخير، والتّواضع عقيب الكبر، والرّحمة عقيب القسوة. فإذا كان للطّاعة قدر من الثّواب فلتركها وعقيبها، ولما يوازنها ويكايلها، مثل ذلك القدر من

стр. 121

العقاب. وموضع الطاعة من طبقات الرّضا، كموضع تركها من طبقات السّخط إذ كانت الطّاعة واجبة، والتّرك معصية. والكبر من أسباب القسوة. ولو كان الكبر لا يعترى إلّا الشّريف والجميل، أو الجواد، أو الوفيّ أو الصّدوق، كان أهون لأمره، وأقلّ لشينه، وكان يعرض لأهل الخير، وكان لا يغلط فيه إلّا أهل الفضل، ولكنّا نجده في السّفلة، كما نجده في العلية ونجده في القبيح كما نجده في الحسن، وفي الدّميم كما نجده في الجميل، وفي الدّنّي الناقص، كما نجده في الوفيّ الكامل، وفي الجبان كما نجده في الشّجاع، وفي الكذوب كما نجده في الصّدوق، وفي العبد كما نجده في الحر، وفي الذّمّيّ ذي الجزية والصّغار والذّلّة، كما نجده في قابض جزيته والمسلّط على إذلاله. ولو كان في الكبر خير لما كان في دهر الجاهليّة أظهر منه في دهر الإسلام، ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في السّنّد أعمّ منه في الرّوم والفرس. [١٠- الكبر ليس من سياسة الملوك] وليس الذي كان فيه آل ساسان وأنوشروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من الكبر في شيء. تلك سياسة للعوامّ، وتفخيم لأمر السّلطان، وتسديد للملك. ولم يكن في الخلفاء أشدّ نخوة من الوليد بن عبد الملك، وكان أجهلهم وألحنهم. وما كان في ولاة العراق أعظم كبرا من يوسف ابن عمر، وما كان أشجعهم ولا أبصرهم، ولا أتمّهم قواما، ولا أحسنهم كلاما. ولم يدّع الرّبوبيّة ملك قطّ إلّا فرعون، ولم يك مقدّما في مركّبه، ولا في شرف حسبه، ولا في نبل منظره، وكمال خلقه، ولا في سعة سلطانه

стр. 122

وشرف رعيّته وكرم ناحيته. ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلّة الأكابر، بل دون كثير منهم في الحسب وشرف الملك وكرم الرعيّة، ومنعة السّلطان، والسّطوة على الملوك. ولو كان الكبر فضيلة وفي التّيه مروءة، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد المطّلب أولى النّاس منه بالغاية، وأحقّهم بأقصى النهاية. ولو كان محمود العاجل ومرجوّ الآجل، وكان من أسباب السّيادة أو من حقوق الرّياسة، لبادر إليه سيّد بني تميم، وهو الأحنف بن قيس، ولشحّ عليه سيّد بكر بن وائل وهو ملك، ولاستولى عليه سيّد الأزد وهو المهلّب. ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السّادة، وما كان فيهم من الخلال المذمومة، حيث قال: «ما رأينا شيئا يمنع من السّودد إلّا وقد وجدناه في سيّد: وجدنا البخل يمنع من السّودد، وكان أبو سفيان بن حرب بخيلا. والعهار يمنع من السّودد، وكان عامر بن الطفيل سيّدا، وكان عاهرا. والظّلم يمنع من السّودد، وكان حذيفة بن بدر ظلوما، وكان سيد غطفان. والحمق يمنع من السّودد، وكان عتيبة بن حصن محمقا، وكان سيّدا. والإملاق يمنع من السّودد، وكان عتبة بن ربيعة مملقا. وقلّة العدد تمنع من السّودد وكان شبل بن معبد سيّدا، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان. والحداثة تمنع من السّودد، وساد أبو جهل وما طرّ شاربه، ودخل النّدوة وما استوت لحيته. فذكر الظّلم، والحمق، والبخل، والفقر، والعهار، وذكر العيوب ولم يذكر الكبر، لأنّ هذه الأخلاق وإن كانت داء فإنّ في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ما يداوى به ذلك الدّاء، ويعالج به ذلك السّقم، وليس الداء الممكن كالدّاء المعضل، وليس الباب المغلق كالمستبهم، والأخلاق التي لا يمكن معها السّؤدد، مثل الكبر والكذب والسّخف، ومثل الجهل بالسّياسة.

стр. 123

وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجّهت إليهم وكيع إبن أبي سود لكفاهم فقال: وكيع رجل عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة، وفي رأسه نعرة، وإنّما أنفه في أسلوب؛ ومن عظم كبره اشتدّ عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور كفيّا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجّح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظّفر بعيدا، ومن الخذلان قريبا، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة. وإن كانت الجماعة لا تخطىء والفرقة لا تصيب. ومن تكبّر على عدوّه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره. ومن تهاون بخصمه ووثق بفضل قوّته قلّ احتراسه، ومن قلّ احتراسه كثر عثاره. وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلّا كان منكوبا ومهزوما ومخدوعا. ولا يشعر حتّى يكون عدوّه عنده، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشدّ إقداما من الأسد، وأوثب من فهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشحّ من صبيّ، وأجمع من ذرّة، وأحرص من كلب، وأصبر من ضبّ. فإنّ النّفس إنّما تسمح بالعناية على قدر الحاجة، وتتحفّظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطّمع، وتطمع على قدر السّبب. فصل منه: وأقول بعد هذا كلّه: إنّ النّاس قد ظلموا أهل الحلم والعزم، حين زعموا أنّ الذي يسهّل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام، فكيف والمذكور بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيّض له من السّفهاء، ويؤتى له من أهل البذاء ما لا يقوم له صبر، ولا ينهض به عزم. بل على قدر حلمه يتعرّض له، وعلى قدر عزمه يمتحن صبره ولأنّ الذي سهّل عليه الحلم، ومكّنه من العزم، معرفة الناس بقدرته على الانتقام، واقتداره

стр. 124

على شفاء الغيظ؛ فإنّ منعه لنفسه، ومجاذبته لطبعه مع الغيظ الشّديد، والقدرة الظاهرة، أشدّ عليه في المزاولة وأبلغ في المشقّة والمكابدة، من صبر الشّكل على أذى شكله، واحتمال المظلوم عن مثله، وإن خاف الطمس، وتوقّع العيب. فصل منه: ومن بعد هذا، فمن شأن الأيّام أن يظلم المرء أكثر محاسنه ما كان تابعا، فإذا عاد متبوعا عادت عليه من محاسن غيره بأضعاف ما منعته من محاسن نفسه، حتّى يضاف إليه من شوارد الأفعال، ومن شواذّ المكارم إن كان سيّدا، ومن غريب الأمثال إن كان منطيقا، ومن خيار القصائد إن كان شاعرا، مما لا أمارات لها، ولا سمات عليها. فكم من يد بيضاء وصنيعة غرّاء، ضلّت فلم يقم بها ناشد، وخفيت فلم يظهرها شاكر. والذي ضاع للتّابع قبل أن يكون متبوعا، أكثر ممّا حفظ، والذي نسي أكثر مما ذكر، وما ظنّك بشيء بقيّته تهب السّيادة، ومشكوره يهب الرياسة، على قلّة الشّكر، وكثرة الكفر. وقد يكون الرجل تامّ النّفس ناقص الأداة، فلا يستبان فضله، ولا يعظّم قدره، كالمفرج الذي لا عشيرة له، والإتاويّ الذي لا قوم له. وقد يعظّم المفرج الذي لا ولاء له ولا عقد جوار، ولا عهد حلف، إذا برع في الفقه وبلغ في الزّهد، بأكثر من تعظيم السيّد، كجهة تعظيم الدّيّان. كما أنّ طاعة السّلطان غير طاعة السّادة، والسّلطان إنّما يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم، وكذلك الموالي والعبيد. وطاعة النّاس للسيّد، وطاعة الديّان طاعة محبّة ودينونة، والقلوب أطوع لهما من الأبدان، إلّا أن يكون السلطان مرضيّا، فإن كان كذلك فهو أعظم خطرا من السيّد، وأوجه عند الله من ذلك الدّيّان. وربّما ساد الأتاويّ لأنّه عربيّ على حال. والمفرج لا يسود أبدا لأنّه

стр. 125

عجميّ لا حلف له، ولا عقد جوار، ولا ولاء معروف، ولا نسب ثابت. وليس التّسويد إلّا في العرب، والعجم لا تطيع إلّا للملوك. والذي أحوج العرب في الجاهليّة إلى تسويد الرّجال وطاعة الأكابر، بعد دورهم من الملوك والحكّام والقضاة، وأصحاب الأرباع، والمسالح والعمّال. فكان السيّد، في منعهم من غيرهم ومنع غيرهم منهم، ووثوب بعضهم على بعض، في كثير من معاني السّلطان.

стр. 126

٣- هامش كتاب النبل والتنبل وذم الكبر (١) الجاحظ يحرض على تأديب المتكبرين بقوله «والكبر أعزّك الله تعالى باب لا يعد احتماله حلما، ولا الصبر على اهله حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التغافل عنهم كرما، ولا الامساك عن ذمهم صمتا» . لاحظ تقطيع الجمل المتوازي وزنا ومعنى. (٢) يفرق بين النبل والتنبل: التنبل هو التظاهر بالنبل او تكلفه. (٣) الدول جمع دولة ومعناها هنا العهد والمرحلة الزمنية. (٤) «فالخارجي قد يتنبت بنفسه، والنابتي قد يخرج بطبعه، ولكل غر اول، واول كل قديم حادث» . هذه العبارة مبهمة لا يأتلف معناها مع ما قبلها وما بعدها. الخارجي هو من ينتمي الى فرقة الخوارج الذين خرجوا على علي وكفروه بعد ان كانوا من اتباعه ونادوا بالجهاد. والنابتي نسبة الى النابتة، أتباع معاوية، وهي فرقة نبتت اي حدثت في عصر الجاحظ تدعو مجددا الى احياء الدولة الاموية، نبتت خلافة معاوية. وقد كتب الجاحظ حولها رسالة النابتة التي نشرناها ضمن رسائل الجاحظ الكلامية. (٥) الاحنف هو الاحنف بن قيس ساد قبيلته في العصر الأموي واشتهر بحلمه ولسنه وموهبته الخطابية. - الكبر والعظمة لله اما الانسان فاخلق به التواضع والتذلل. - الرغبة: الورع والتقوى. (٦) الخلال والخصال مترادفتان. (٧) اللئيم يستعملها بمعنى المتكبر؟. الحقيقة تعنى هنا الطبيعة والجوهر.

стр. 127

(٨) لاحظ الجمل المترادفة والمتوازنة «العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنفج أليفه، والصلف عقيده» . - الثقلين: الانس والجن. - الاركان الاربعة: النار والماء والارض والهواء. يدل على التأثر بالفلاسفة اليونانيين القائلين بالعناصر الاربعة: انبدقليس وافلاطون وارسطو. - لاحظ اقتباس الجاحظ من القرآن: قصة ابليس وكبره ورفضه السجود. وقد ورد ذلك في اماكن عدة من نتاج الجاحظ (انظر مثلا كتاب الحاسد والمحسود، ضمن رسائل الجاحظ الادبية) . (٩) الكبر نقيض التواضع. يكايلها من الكيل لمعرفة كمية الشيء، مثل الموازنة لمعرفة الوزن. الذمي ذي الجزية: اهل الذمة هم النصارى واليهود الذين منحوا حرية العبادة شرط دفع الجزية لبيت المال المسلم. (١٠) القول ان ملوك آل ساسان لم يعرفوا التعظيم والكبر غير صحيح. لقد احاطوا ملكهم بالابهة والاجلال واسرفوا في ذلك حتى اصبحوا مضرب الأمثال. ويبدو ان بعض النساخ الميالين للشعوبية حرفوا قول الجاحظ. - لاحظ اطلاع الجاحظ على اخبار العرب ومعرفة ساداتهم وخصالهم: وهؤلاء السادة عاشوا حتى ادركوا الاسلام وكان لهم مواقف من الدعوة: ابو سفيان وعامر بن الطفيل وحذيفة بن بدر، وعيينة بن حصن الفزارى، وعتبة بن ربيعة إبن عبد شمس بن مناف الذي قتل كافرا يوم بدر مع أبي جهل عمرو بن هشام إبن المغيرة المخزومي. - اثبت الجاحظ جملة من الامثال التي وردت في مجمع الامثال للميداني: اسمع من فرس، ابصر من غراب، اهدى من قطاة، احذر من عقعق، اشد من اسد، اوثب من فهد، احقد من جمل، اروغ من ثعلب، اغدر من ذئب، اسخى من لافظة (ديك) اشح من صبي، اجمع من ذرة، احرص من كلب، اصبر من ضب.

стр. 128

[٤- رسالة تفضيل البطن على الظهر] (- ٤- تفضيل البطن على الظهر)

стр. 129

[١- مناسبة الرسالة: كتاب وارد من شخص يفضل الظهر على البطن] فصل منه: عصمنا الله وإيّاك من الشّبهة، وأعاذنا وإيّاك من زيغ الهوى، ومضلّات المنى، ووهب لنا ولك تأديبا مؤدّيا إلى الزّيادة في إحسانه، وتوفيقا موجبا لرحمته ورضوانه. وقد كان كتابك يا ابن أخي- وفّقك الله- ورد عليّ، تصف فيه فضيلة الظّهور وصفا يدلّ على شغفك بها، وحبّك إيّاها، وحنينك إليها وإيثارك لها، وفهمته. فلم تمنع- أعاذك الله من عدوّك- من الإجابة عن كتابك في وقت وروده، إلا عوارض أشغال مانعة، وحوادث من التصرّف والانتقال من مكان إلى مكان عائقة. ولم آمن أن لو تأخّر الجواب عليك أكثر ممّا تأخّر، أن يسبق إلى قلبك أنّي راض باختيارك، ومسلّم لمذهبك، وموافق لك فيه، مساعد لك عليه، ومنقاد معك فيما اعتقدت منه، ومجدّ في طلبه، ومحرّض عليه.

стр. 130

[٢- الجاحظ يرجو الهداية لصاحب الكتاب] فبادرت بكتابي هذا، منبّها لك من سنة رقدتك، وداعيا إلى رشدك. فإنّك تعلم- وإن كنت لي في مذهبي مخالفا، وفي اعتقادي مباينا- أنّ اجتماع المتباينين فيما يقع بصلاحهما أولى في حكم العقل، وطريق المعرفة [منه] فيما أبادهما، وعاد بالضّرر في اختيارهما عليهما. وأنا، وإن كنت كشفت لك قناع الخلاف، وأبديت مكنون الضّمير بالمضادّة، وجاهدتني بنصرة الرّأي والعقيدة في حبّ الظّهور، وتلفيق الفضائل لها، غير مستشعر لليأس من رجعتك، ولا شاكّ في لطائف حكمتك، وغوامض فطنتك. وقد أعلم أنّ معك- بحمد الله- بصيرة المعتبرين، وتمييز الموفّقين وأنّك إذا أنعمت فكرا وبحثا ونظرا، رجعت إلى أصل قويّ الانقياد والموافقة، ولم تتورّط في اللّجاج فعل المعجبين، ولم يتداخلك غرّة المنتحلين؛ فإنّا رأينا قوما انتحلوا الحكمة وليسوا من أهلها، بل هم أعلام الدّعوى، وحلفاء الجهالة، وأتباع الخطأ، وشيع الضّلالة، وخول النّقص، الذين قامت عليهم الحجّة بما نحلوه أنفسهم من اسمها، وسلبوه من فهم عظيم قدرها ومعرفة جليل خطرها، ولم يجلوا الرّين عن قلوبهم والصّدأ عن أسماعهم، بالتنقير والبحث والتكشّف، ولم ينصبوا في عقولهم لأنفسهم أصلا يئلون في اعتقادهم عليه، ويرجعون عند الحيرة في اختلاف آرائهم إليه. فضلّوا، وأصبح الجهل لهم إماما، والسّفهاء لهم قادة وأعلاما. ونحن نسأل الله بحوله وطوله ومنّه، ألّا يجعلك من أهل هذه الصّفة، وأن يريك الحقّ حقّا فتتبعه، والباطل باطلا فتجتنبه، وأن يعمّنا ببركة هذا الدعاء، وجماعة المسلمين، وأن يأخذ [إلى] الخير بنواصينا، ويجمع على

стр. 131

الهدى قلوبنا، ويؤلف فيه ذات بيننا، فإنّك ما علمت- وأتقلّد في ذلك أمانة القول- ممّن أحبّ موافقته ومخالطته، وأن يكون في فضله مقدّما، وعن كلّ عضيهة منزّها. وما أعلم حالا أنا عليها في الرّغبة لك فيما أرغب لنفسي فيه، والسّرور بتكامل أحوالك، واستواء مذهبك، وما أزابن به من إرشادك ونصيحتك، وتسديدك وتوفيقك، إلّا وصدق الطويّة منّي فيها أبلغ من إسهامي في فضل صفتها. والله تعالى المعين والمؤيّد والموفّق، والمبدع، وحده لا شريك له. والحمد لله، كما هو أهله، وصلى الله على محمد وآله وسلم كثيرا. [٣- الشريعة تنهى عن الظهور] يا أخي- أرشدك الله- إنّك أغرقت في مدح الظّهر من الجهة التي كان ينبغي لك أن [تذمّها، وقدّمتها من الجهة التي ينبغي لك أن] تؤخّرها. وآثرتها وهي محقوقة بأن ترفضها. وما رأينا هلاك الأمم الخالية، من قوم لوط، وثمود وأشياعهم وأتباعهم، وحلول الخسف والرّجفة والآيات المثلات والعذاب الأليم والرّيح العقيم، والغير والنّكير ووجوب نار السّعير، إلّا بما دانوا به من اختيار الظّهور. قال الله تعالى، في قصّة لوط: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ. وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ. فذمّهم الله- ﵎ كما ترى، وبلغ بهم في ذكر ما استعظم من عتوّهم إلى غاية لا تدرك صفتها، ولا يوقف على حدّها مع آي كثيرة قد أنزلها فيهم، وقصص طويلة قد أنبأ بها عنهم، وروايات كثيرة أثرها فيمن كان من طبقتهم.

стр. 132

وسنأتي منها بما يقع به الكفاية دون استفراغ الجميع، مما حملته الرّواة، ونقله الصالحون. فصل منه: والحقّ بيّن لمن التمسه، والمنهج واضح لمن أراد أن يسلكه. وليس في العنود درك ولا مع الاعترام فلج. والرّجوع إلى الحقّ خير من التّمادي في الباطل، وترك الذّنب أيسر من التماس الحجة، كما كان غضّ الطّرف أهون من الحنين إلى الشّهوة. وبالله تعالى التوفيق. [٤- فضائل البطون في القرآن والسنة والحكم] فصل منه: نبدأ الآن بذكر ما خصّ الله به البطون من الفضائل، ليرجع راجع، وينيب منيب مفكّر، وينتبه راقد، ويبصر متحيّر، ويستغفر مذنب، ويستقيل مخطىء، وينزع مصرّ، ويستقيم عاند، ويتأمّل غمر، ويرشد غويّ، ويعلم جاهل، ويزداد عالم. قال الله فيما وصف به النّحل: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ. وبعث رسول الله ﷺ في خير بطون قريش. ووجدنا الأغلب في صفة الرجل أن يقال إنّه معروف بكذا مذ خرج من بطن أمّه، ولا يقال من ظهر أبيه. ويقال في صفات النّساء: «قبّ البطون نواعم» . ويقال: خمصانة البطن، ولا يقال: خمصانة الظّهر. ويقال: فلان بطن بالأمور، ولا يقال: ظهر. ويقال: بطانة الرّجل وطهارته، فيبدأ بالبطانة.

стр. 133

وبطن القرطاس خير من ظهره، وبطن الصّحيفة موضع النّفع منها لا ظهرها، وببطن القلم يكتب لا بظهره، وببطن السّكّين يقطع لا بظهرها. وخلق الله جلّ وعزّ آدم من طين، ونسله من بطن حوّاء. ورأينا أكثر المنافع من الأغذية في البطون لا في الظّهور؛ فبطون البقر أطيب من ظهورها، وبطن الشّاة كذلك. ومن أفضل صفات عليّ ﵁ أن كان أخمص بطينا. وأسمع من غنائهم: بطني على بطنك يا جاريه ... لا نمطا نبغي ولا باريه ولم يقل «ظهري على ظهرك» ، فجعل مماسّة البطن غانيا عن الوطاء، كافيا من الغطاء. ولو لم يكن في البطن من الفضيلة إلّا أنّ الوجه الحسن، والمنظر الأنيق من حيّزه، وفي الظهر من العيب، إلّا أنّ الدّبر في جانبه، لكان فيها أوضح الأدلة على كرم البطن ولؤم الظهر. ولم نرهم وصفوا الرجل بالفحولة والشّجاعة إلّا من تلقائه، وبالخبث والأبنة إلّا من ظهره. وإذا وصفوا الشّجاع قالوا: مرّ فلان قدما، وإذا وصفوا الجبان قالوا: ولّى مدبرا. ولشتّان بين الوصفين: بين من يلقى الحرب بوجهه وبين من يلقاه بقفاه، وبين الناكح والمنكوح، والراكب والمركوب، والفاعل والمفعول، والآتي والمأتيّ، والأسفل والأعلى، والزائر والمزور، والقاهر والمقهور. ولمّا رأينا الكنوز العاديّة والذّخائر النفسية، والجواهر الثّمينة مثل الدّرّ

стр. 134

الأصفر، والياقوت الأحمر، والزّمرّد الأخضر، والمسك والعنبر والعقيان واللّجين، والزّرنيخ والزّئبق، والحديد والبورق، والنّفط والقار، وصنوف الأحجار، وجميع منافع العالم وأدواتهم وآلاتهم، لحربهم وسلمهم، وزرعهم وضرعهم، ومنافعهم ومرافقهم ومصالحهم، وسائر ما يأكلونه ويشربونه، ويلبسونه ويشمّونه، وينتفعون برائحته وطعمه، ودائع في بطون الأرض، وإنّما يستنبط منها استنباطا، ويستخرج منها استخراجا، وإنّ على ظهرها الهوامّ القاتلة، والسّباع العادية التي في أصغرها تلف النفوس ودواعي الفناء وعوارض البلاء، وأنّه قل ما يمشي على ظهرها من دابّة، إلّا وهو للمرء عدوّ، وللموت رسول، وعلى الهلكة دليل- لم يمتنع [في] عقولنا، وآرائنا ومعرفتنا من الإقرار بتفضيل البطن على الظهر في كلّ وقت، وعلى كلّ حال. ومن فضيلة البطن على الظّهر أنّ أحدا إن ابتلي فيه بداء كان مستورا، وإن شاء أن يكتمه كتمه عن أهله، ومن لا ينطوي عنه شيء من أمره، وغابر دهره. ومن بليّة الظّهر أنّه إن كان داء ظهر وبان، مثل الجرب والسّلع والخنازير وما أشبهها، مما سلمت منه البطون وجعل خاصّا في الظّهور. [٥- حرم الله اتيان النساء من دبرهن] وفضّل الله تعالى البطون بأن جعل إتيان النساء، وطلب الولد، والتماس الكثرة مباحا من تلقائها، محرّما في المحاشّ من ورائها، لأنّه حرام على الأمّة إتيان النساء في أدبارهنّ، لما جاء في الحديث عن الصادق ﷺ : «لا تأتوا النّساء في محاشّهنّ» . وقد ترى بطانة الثّوب تقوم بنفسها، ولا ترى الظّهارة تستغني.

стр. 135

وجعل الله تعالى البطن وعاء لخير خلقه محمد ﷺ ، ثم جعل أوّل دلائل نبوّته أن أهبط إليه ملكا حين أيفع، وهو يدرج مع غلمان الحيّ في هوازن، وهو مسترضع في بني سعد، حين شقّ عن بطنه، ثم استخرج قلبه فحشي نورا، ثم ختم بخاتم النبوّة. ولم يكن ذلك من قبل الظّهر. فصل منه: وممّا فضلت به البطون: أنّ لحم السّرّة من الشاة أطيب اللحم، ولحم السّرّة من السّمك الموصوف، وسرّة حمار الوحش شفاء يتداوى بها، ومن سرّة الظّباء يستخرج المسك. وهذا كلّه خاصّ للبطون ليس للظّهور منه شيء. وبدأ الله في ذكر الفواحش بما ظهر منها، ولم يبدأه بما بطن فقال: إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ ، فجعله ابتداء في الذم. والظّهر في أكثر أحواله سمج، والبطن في أكثر أحواله حسن. والظّهر في كلّ الأوقات وحشة ووحش، والبطن في كلّ الأوقات سكن وأنس. [٦- محاسن المرأة من جهة البطن لا الظهر] ولم نرهم حين بالغوا في صفات النّساء بدأوا بذكرها إلّا من جهة البطن فقالوا: مدمجة الخصر،! لذيذة العناق، طيّبة النّكهة، حلوة العينين، ساحرة الطّرف، كأنّ سرّتها مدهن، وكأنّ فاها خاتم، وكأنّ ثدييها حقّان، وكأنّ عنقها إبريق فضّة. وليس للظهور في شيء من تلك الصّفات حظّ. [٧- حد الزاني واللوطي] وأنّى نبلغ في صفة البطون، وإن أسهبنا، وكم عسى أن نحصي من

стр. 136

معايب الظهور وإن اجتهدنا وبالغنا. ألا ترى أنّ حدّ الزّاني ثمانون جلدة ما لم يكن محصنا، وحدّ اللّوطيّ أن يحرق. وكلاهما فجور ورجاسة، وإثم ونجاسة. إلّا أنّ أيسر المكروهين أحقّ بأن يميل إليه من ابتلي، وخير الشّرّين أحسن في الوصف من شرّ الشّرّين. ولو أنّا رأينا رجلا في سوق من أسواق المسلمين يقبّل امرأة فسألناه عن ذلك، فقال: امرأتي. وسألوها فقالت: زوجي- لدرأنا عنهما الحدّ، لأنّ هذا حكم الإسلام. ولو رأيناه يقبّل غلاما لأدّبناه وحبسناه؛ لأنّ الحكم في هذا غير الحكم في ذاك. ألا ترى أنّه ليس يمتنع في العقول والمعرفة أن يقبل الرجل في حبّ ما ملكت يمينه حتّى يقبّلها في الملا كما يقبّلها في الخلا، يصدق ذلك حديث ابن عمر: «وقعت في يدي جارية يوم جلولاء كأنّ عنقها إبريق فضّة فما صبرت حتّى قبّلتها والنّاس ينظرون» . [٨- تفضيل الظهر على البطن يثير الشك] فصل منه: وقد رأيت منك أيّها الرّجل إفراطك في وصف فضيلة الظّهور، وفي محلّ الرّيبة وقعت، لأنّا روينا عن عمر أنّه قال: «من أظهر لنا خيرا ظننّا به خيرا، ومن أظهر لنا شرّا ظننا به شرّا» . وإنّما يصف فضل الظّهر من كان مغرما بحبّ الظهور، وإلى ركوبه صبّا، وبالنّوم عليه مستهترا، وبالولوع بطلبه موكّلا، ومن كان للحلال مباينا، ولسبيله مفارقا، ولأهله قاليا، وللحرام معاودا، وبحبله مستمسكا وإلى قربه داعيا، ولأهله مواليا. وقد اضطررتنا بتصييرك المفضول فاضلا، والعامّ خاصّا، والخسيس

стр. 137

نفيسا، والمحمود مذموما، والمعروف منكرا، والمؤخّر مقدّما والمقدّم مؤخّرا، والحلال حراما، والحرام حلالا، والبدعة سنّة، والسّنّة بدعة، والحظر إطلاقا، والإتلاق حظرا، والحقيقة شبهة والشّبهة حقيقة، والشّين زينا والزّين شينا، والزّجر أمرا والأمر زجرا، والوهم أصلا والأصل وهما، والعلم جهلا والجهل فضلا- إلى أن أدخلنا عليك الظّنّ، وألحقناك التّهمة، ونسبناك إلى غير أصلك، ونحلناك غير عقيدتك، وقضينا عليك بغير مذهبك. و «يداك أوكنا، وفاك نفخ» . فلا يبعد الله غيرك! أوجدنا أيّها الضالّ المضلّ، المغلوب على رأيه، المسلوب فهمه، المولّي على تمييزه، النّاكص على عقبه في اختياره، المفارق لأصل عقده، المدبر بعد الإقبال في معرفته، السّاقط بعد الهوى في ورطته، المتخلّي من فهمه، الغنيّ عن إفهامه، المضيّع لحكمته، المنزوع عقله، المختلس لبّه، المستطار جنانه، المعدوم بيانه، في الظّهور بعد الفضائل التي أوجدناكها في البطون، إمّا قياسا، وإمّا اختيارا، وإمّا ضرورة، وإما اختبارا وإمّا اكتسابا، أو في كتاب منزل، أو سنّة مأثورة، أو عادة محمودة، أو صلاح على خير. أم هل لك في مقالتك في إمام تأتمّ به، أو أستاذ تقتفي أثره، وتهتدي بهداه، وتسلك سننه. فصل منه: وقد حضّتني عليك عند انتهائي إلى هذا الموضع رقّة، وتداخلتني لك رحمة، ووجدت لك بقيّة في نفسي؛ لأنّه إنّما يرحم أهل البلاء. والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاك به، وفضّلنا على كثير من خلقه تفضيلا. فرأيت أن أختم بأبسط الدّعاء لك كتابي، وأن أحرز به أجري وثوابي،

стр. 138

ورجوت أن تنيب وترجع بعد الجماح واللّجاج، فإنّ للجواد استقلالا بعد الكبوة، وللشّجاع كرّة بعد الكشفة، وللحليم عطفة بعد النّبوة. وأنا أقول: جعلنا الله وإيّاك ممن أبصر رشده، وعرف حظّه، وآثر الإنصاف واستعمله، ورفض الهوى واطّرحه؛ فإنّ الله تعالى لم يبتل بالهوى إلّا من أضلّه، ولم يبعد إلّا من استبعده. [٩- فصل في ذم اللواط [١]] والذي يدل على ان هذه الشهوة معيبة في نفسها، قبيحة في عينها، ان الله تعالى وعز لم يعوض في الآخرة بشهوة الولدان من ترك لوجهه في الدنيا شهوة الغلمان. كما سقى في الآخرة الخمر من تركها له في الدنيا، ثم مدح خمر الجنة باقصر الكلام، فنظم به جميع المعاني المكروهة في خمر الدنيا فقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ . كأنه ﵎ قال: لا سكر فيها ولا خمار. وفي اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء انقطاع النسل، وفي انقطاع النسل بطلان جميع الدين والدنيا. وغشيان الرجل الرجل والمرأة المرأة من المنكوس المعكوس، ومن المبدل المقلوب؛ لأن الله جل ذكره انما خلق الذكر للانثى، وجعل بينهما اسباب التحاب وعلائق الشركة، وعلل المشاكلة وجعل الذكر طبقا للانثى، وجعل الانثى سكنا للرجل. فقلب هؤلاء الأمر وعكسوه، واستقبلوا من اختار الله لهم بالرد والزهد فيه.

стр. 139

٤- هامش تفضيل البطن على الظهر (١) الجاحظ يعلن موقفه الجازم من الموضوع: انه ليس راض باختيار من يفضل الظهر على البطن، ولا مسلما لمذهبه، ولا موافقا فيه، او مساعدا عليه. (٢) الجاحظ ينصح ويرشد ويسدد الخطى. وكأنه ينفي عن نفسه تهمة الميل الى مذهب من يفضل الظهر على البطن. (٣) الشريعة تنهي عن اللواط. والاستشهاد بالآيات القرآنية دليل على اهتمام الجاحظ بعلم الكلام. (٤) بطون قريش: ما تتفرع اليه من عشائر. - لاحظ استغلال اللغة في تأييد آرائه: بطن الامر خير من ظهره. بطن القرطاس خير من ظهره، بطن الصحيفة خير من ظهرها الخ.. - السلع جمع سلعة: زيادة في الجسد كالغدة. (٥) المحاش، جمع المحشة، اي الدبر. لاحظ المعجزة النبوية: الملاك يشق بطن النبي حين ايفع ويحشو قلبه نورا ويختمه. (٦) مدهن: قارورة الدهن. مدمجة الخصر: مستقيمة الخصر، محكمة الخصر. (٧) لاحظ كيف يستغل الفرق بين حد الزاني وحد اللوطي لتأييد رأيه وكذلك تقبيل الغلام والمرأة.

стр. 140

(٨) لاحظ هذا القلب الممل: صيرت المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا، والحلال حراما والحرام حلالا، والبدعة سنة والسنة بدعة ... الخ.. هل تظن ان الجاحظ كان غافلا عن هذه اللعبة البيانية؟ - يداك اوكتا، وفاك نفخ» مثل يضرب لمن يجني على نفسه.

стр. 141

[٥- رسالة مفاخرة الجواري والغلمان] (- ٥- كتاب مفاخرة الجواري والغلمان)

стр. 142

[١- موضوع الكتاب ومبررات مزج الجد بالهزل] بالله نستعين واياه نستهدي وعليه نتوكل. ان لكل نوع من العلم اهلا يقصدونه ويؤثرونه، واصناف العلم لا تحصى، منها الجزل ومنها السخيف. واذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخل في باب حد المزح، فابدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وضع على ان يسر النفوس يكربها ويغمها. ومتى كان صاحب علم ممرنا موقحا، الف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبين، وكان ذلك عادة له، لم يضره النظر في كل فن من الجد والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل الى شكل. فان الاسماع قد تمل الاصوات المطربة والاوتار الفصيحة والاغاني الحسنة، اذا طال ذلك عليها. وقد روي عن ابي الدرداء، ﵁، انه قال: «اني لاستجم نفسي ببعض الباطل مخافة ان أخمل عليها من الحق ما يملها» . وقد روي عن علي بن ابي طالب ﵁ انه قال: «العلم اكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء احسنه» .

стр. 143

وروي عن الشّعبي أنه قال: «إنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة» . وبعض من يظهر النسك والتقشّف إذا ذكر الحر والأير والنّيك تقزّز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا التصنّع. ولو علم أنّ عبد الله بن عباس أنشد في المسجد الحرام وهو محرم: وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطّير ننك لميسا فقيل له: إنّ هذا من الرّفث! فقال: إنما الرّفث ما كان عند النساء وقول عليّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: «من يطل أير أبيه ينتطق به» . فعلى عليّ في التّنزّه يعوّل. وقول أبي بكر الصديق ﵁ لبديل بن ورقاء يوم الحديبية، وقد تهدّد رسول الله ﷺ : «عضضت ببظر اللات، أنحن نخذله؟!» . وقول حمزة بن عبد المطّلب ﵁: «وأنت يا ابن مقطّعة البظور ممن يكثّر علينا!» . وحديث مرفوع: «من عذيري من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور» . ولو تتبّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.

стр. 144

وإنّما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألّا يلفظ بها ما كان لأوّل كونها معنى، ولكان في التّحريم والصّون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها. وقد أصاب كلّ الصّواب من قال: «لكلّ مقام مقال» . ولو كان ممّن يتصوّف ويتقشّف، علم قول امرأة رفاعة القرظيّ تجبهه عند رسول الله ﷺ غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنّما معه مثل هدبة الثّوب، وكنت عند رفاعة فطلّقني- ورسول الله ﷺ ما يزيد على التبسّم حتى قضت كلامها- فقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك» . ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزّهري عن عروة عن عائشة ﵂ لعلم أنّه على سبيل التّصنّع والرّياء. ولو سمعوا حديث ابن حازم حين زعم أنّه يقيم ذكره ويصعد السّلّم وامرأته متعلّقة بذكره حتّى يصعد. وحديث ابن أخي أبي الزّناد إذ يقول لعمّه: أنخر عند الجماع؟ قال: يا بنيّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عمّ، أتنخر أنت؟ قال: يا بنيّ، لو رأيت عمّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله العظيم! وهذان من ألفاظ المجان. وروى عن بعض الصّالحين من التابعين ﵀، أنه كان يقول في دعائه: اللهمّ قوّ ذكري على نكاح ما أحللت لي. ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردّ على من أنكر هذه الأمور، ولكنّا لما ذكرنا اختصام الشّتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب المعز والضّأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين

стр. 145

اللّاطة والزّناة، وذكرنا ما نقل حمّال الآثار وروته الرّواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض البطالات، فأردنا أن نقدّم الحجّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا. ونعوذ بالله أن نقول ما يوتغ ويردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ونسأله السلامة في الدّين والدّنيا برحمته. [٢- ذكر الولدان والجواري في القرآن] قال (صاحب الغلمان) : إنّ من فضل الغلام على الجاريه أن الجارية إذا وصفت بكمال الحسن قيل: كأنّها غلام، ووصيفة غلاميّة. لها قدّ الغلام وعارضاه ... وتفتير المبتّلة اللّعوب وقال: فطب لحديث من نديم موافق ... وساقية بين المراهق والحلم إذا هي قامت والسّداسيّ طالها ... وبين النّحيف الجسم والحسن الجسم وقال والبة بن الحباب: وميراثيّة تمشي اختيالا ... من التكريه قاتلة الكلام لها زيّ الغلام ولم أقسها ... إليه ولم أقصّر بالغلام وقال عكّاشة: مطمومة الشّعر في قمص مزرّرة ... في زيّ ذي ذكر سيماه سيماها وأكثر من قول الله : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ
следующие страницы →