← Адаб

Адаб · id 10670

الرسائل الأدبية

الجاحظ

Полный текст (465 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[٥- رسالة مفاخرة الجواري والغلمان] (- ٥- كتاب مفاخرة الجواري والغلمان)

стр. 142

[١- موضوع الكتاب ومبررات مزج الجد بالهزل] بالله نستعين واياه نستهدي وعليه نتوكل. ان لكل نوع من العلم اهلا يقصدونه ويؤثرونه، واصناف العلم لا تحصى، منها الجزل ومنها السخيف. واذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخل في باب حد المزح، فابدلت السخافة بالجزالة انقلب عن جهته، وصار الحديث الذي وضع على ان يسر النفوس يكربها ويغمها. ومتى كان صاحب علم ممرنا موقحا، الف تفكير وتنقيب ودراسة، وحلف تبين، وكان ذلك عادة له، لم يضره النظر في كل فن من الجد والهزل؛ ليخرج بذلك من شكل الى شكل. فان الاسماع قد تمل الاصوات المطربة والاوتار الفصيحة والاغاني الحسنة، اذا طال ذلك عليها. وقد روي عن ابي الدرداء، ﵁، انه قال: «اني لاستجم نفسي ببعض الباطل مخافة ان أخمل عليها من الحق ما يملها» . وقد روي عن علي بن ابي طالب ﵁ انه قال: «العلم اكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء احسنه» .

стр. 143

وروي عن الشّعبي أنه قال: «إنّ القلوب تملّ كما تملّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة» . وبعض من يظهر النسك والتقشّف إذا ذكر الحر والأير والنّيك تقزّز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم، والنّبل والوقار، إلّا بقدر هذا التصنّع. ولو علم أنّ عبد الله بن عباس أنشد في المسجد الحرام وهو محرم: وهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطّير ننك لميسا فقيل له: إنّ هذا من الرّفث! فقال: إنما الرّفث ما كان عند النساء وقول عليّ رضوان الله عليه ودخل على بعض أهل البصرة، ولم يكن في حسبه بذاك، فقال: من في هذه البيوت؟ فقال: عقائل من عقائل العرب. فقال: «من يطل أير أبيه ينتطق به» . فعلى عليّ في التّنزّه يعوّل. وقول أبي بكر الصديق ﵁ لبديل بن ورقاء يوم الحديبية، وقد تهدّد رسول الله ﷺ : «عضضت ببظر اللات، أنحن نخذله؟!» . وقول حمزة بن عبد المطّلب ﵁: «وأنت يا ابن مقطّعة البظور ممن يكثّر علينا!» . وحديث مرفوع: «من عذيري من ابن أمّ سباع مقطّعة البظور» . ولو تتبّعت هذا وشبهه وجدته كثيرا.

стр. 144

وإنّما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأي ألّا يلفظ بها ما كان لأوّل كونها معنى، ولكان في التّحريم والصّون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها. وقد أصاب كلّ الصّواب من قال: «لكلّ مقام مقال» . ولو كان ممّن يتصوّف ويتقشّف، علم قول امرأة رفاعة القرظيّ تجبهه عند رسول الله ﷺ غير محتشمة: إنّي تزوّجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنّما معه مثل هدبة الثّوب، وكنت عند رفاعة فطلّقني- ورسول الله ﷺ ما يزيد على التبسّم حتى قضت كلامها- فقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك» . ورواه ابن المبارك عن معمر عن الزّهري عن عروة عن عائشة ﵂ لعلم أنّه على سبيل التّصنّع والرّياء. ولو سمعوا حديث ابن حازم حين زعم أنّه يقيم ذكره ويصعد السّلّم وامرأته متعلّقة بذكره حتّى يصعد. وحديث ابن أخي أبي الزّناد إذ يقول لعمّه: أنخر عند الجماع؟ قال: يا بنيّ إذا خلوت فاصنع ما أحببت. قال: يا عمّ، أتنخر أنت؟ قال: يا بنيّ، لو رأيت عمّك يجامع لظننت أنّه لا يؤمن بالله العظيم! وهذان من ألفاظ المجان. وروى عن بعض الصّالحين من التابعين ﵀، أنه كان يقول في دعائه: اللهمّ قوّ ذكري على نكاح ما أحللت لي. ونحن لم نقصد في ذكرنا هذه الأخبار الردّ على من أنكر هذه الأمور، ولكنّا لما ذكرنا اختصام الشّتاء والصيف، واحتجاج أحدهما على صاحبه، واحتجاج صاحب المعز والضّأن بمثل ذلك، أحببنا أن نذكر ما جرى بين

стр. 145

اللّاطة والزّناة، وذكرنا ما نقل حمّال الآثار وروته الرّواة، من الأشعار والأمثال، وإن كان في بعض البطالات، فأردنا أن نقدّم الحجّة لمذهبنا في صدر كتابنا هذا. ونعوذ بالله أن نقول ما يوتغ ويردي، وإليه نرغب في التأييد والعصمة، ونسأله السلامة في الدّين والدّنيا برحمته. [٢- ذكر الولدان والجواري في القرآن] قال (صاحب الغلمان) : إنّ من فضل الغلام على الجاريه أن الجارية إذا وصفت بكمال الحسن قيل: كأنّها غلام، ووصيفة غلاميّة. لها قدّ الغلام وعارضاه ... وتفتير المبتّلة اللّعوب وقال: فطب لحديث من نديم موافق ... وساقية بين المراهق والحلم إذا هي قامت والسّداسيّ طالها ... وبين النّحيف الجسم والحسن الجسم وقال والبة بن الحباب: وميراثيّة تمشي اختيالا ... من التكريه قاتلة الكلام لها زيّ الغلام ولم أقسها ... إليه ولم أقصّر بالغلام وقال عكّاشة: مطمومة الشّعر في قمص مزرّرة ... في زيّ ذي ذكر سيماه سيماها وأكثر من قول الله : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ

стр. 146

مَكْنُونٌ وقال ﵎: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ. بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ . فوصفهم في غير موضع من كتابه، وشوّق إليهم أولياءه. قال (صاحب الجواري) : قد ذكر الله جلّ اسمه الحور العين أكثر مما ذكر الولدان، فما حجّتك في هذا إلا كحجّتنا عليك. وممّا صان الله به النّساء أنّه جعل في جميع الأحكام شاهدين: منها الإشراك بالله، وقتل النّفس التي حرّم الله تعالى؛ وجعل الشهادة على المرأة إذا رميت بالزّنى أربعة مجتمعين غير مفترقين في موضع، يشهدون أنّهم رأوه مثل الميل في المكحلة. وهذا شيء عسير؛ لما إراد الله من إغماض هذا الحدّ إذ جعل فيه الشّدخ بالحجارة. وإنّما خلق الله الرّجال بالنساء. وريح الجارية أطيب، وثيابها أعطر، ومشيتها أحسن، ونغمتها أرقّ، والقلوب إليها أميل، ومتى أردتها من قدّام أو خلف من حيث يحسن ويحلّ وجدت ذلك كما قال الشاعر: وصيفة كالغلام تصلح لل- ... - أمرين كالغصن في تثنّيها أكملها الله ثم قال لها ... لما استتمّت في حسنها: إيها قال: ونظر بعض الحاجّ إلى جارية كأنها دمية في محراب، قد أبدت عن ذراع كأنه جمّارة، وهي تكلّم بالرّفث، فقال: يا هذه، تكلّمين بمثل هذا وأنت حاجّة! قالت: لست حاجّة، وإنما يحجّ الجمل، ألست تراني جالسة وهو يمشي! قال: ويحك، لم أر مثلك فمن أنت؟ قالت: أنا من اللواتي وصفهنّ الشّاعر فقال: ودقّت وجلّت واسبكرّت وأكملت ... فلو جنّ إنسان من الحسن جنّت

стр. 147

[٣- الغلمان والجواري في الحديث النبوي] قال (صاحب الغلمان) : إنّ أحدا لا يدخل الجنّة إلا أمرد، كما جاء في الحديث: «إنّ أهل الجنّة يدخلونها مردا مكحّلين» . والنّساء إلى المرد أميل، وله أشهى، كما قال الأعشي: وأرى الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشّباب وقد يصلن الأمردا وقال امرؤ القيس: فيا ربّ يوم قد أروح مرجّلا ... حبيبا إلى البيض الأوانس أملسا أراهن لا يحببن من قلّ مالة ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا وقال علقمة بن عبدة: فإن تسألوني بالنّساء فإنّني ... بصير بأدواء النّساء طبيب إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهنّ عجيب قال (صاحب الجواري) : فإنّ الحديث قد جاء عن الرسول ﷺ : «حبّب إليّ النّساء والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . ولم يأت للغلمان مثل هذه الفضيلة. وقد فتن بالنساء الأنبياء ﵈، منهم داود، ويوسف، ﵉. [٤- حد الزنى واللواط] قال (صاحب الغلمان) : لو لم يكن من بليّة النساء إلّا أنّ الزّنى لا يكون إلّا بهنّ، وقد جاء في ذلك من التغليظ ما لم يأت في غيره في الكتاب نصّا، وفي الروايات الصحيحة. قال الله ﵎: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى

стр. 148

إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا ، وقال: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً. يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ، وقال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ . وقد جعل بينهما إذا لم يكن شهود التلاعن والفرقة في عاجل الدّنيا، إلى ما أعدّ للكاذب منهما من اللّعن والغضب في الآخرة. قال (صاحب الجواري) : ما جعل الله من الحدّ على الزّاني إلّا ما جعل على اللّوطيّ مثله. وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁، أنّه أتي بلوطيّ، فأصعد المئذنة ثم رمي منكّسا على رأسه، وقال: «هكذا يرمى به في نار جهنّم» . وحدّث عن أبي بكر، ﵁، أنّه أتي بلوطيّ فعرقب عليه حائطا. وحديث أبي بكر أيضا ﵁، أنّ خالد بن الوليد كتب إليه في قوم لاطوا فأمر بإحراقهم. وأحرقهم هشام بن عبد الملك، وأحرقهم خالد بن عبد الله بأمر هشام. وفي حديث مجاهد أنّ الذي يعمل عمل قوم لوط لو اغتسل بكلّ قطرة من السّماء وكلّ قطرة في الأرض لم يزل نجسا. وحديث الزّهريّ: «اللّوطيّ يرجم، أحصن أو لم يحصن؛ سنّة ماضية» . وروي عن الحكم بن عتيبة أن عليّا ﵀ رجم لوطيّا وقال: «لعن رسول الله ﷺ الذّكرين يلعب أحدهما بالآخر» . وحديث أنس قال: «لعن رسول الله ﷺ المؤنّثين من الرجال، والمذكّرات من النساء» .

стр. 149

وقد نفى رسول الله ﷺ مخنّثا من المدينة يقال له «هيت» وسمعه يقول لأمّ سلمة زوج النبي ﷺ : «إذا فتحتم الطّائف فعليك بادية بنت غيلان، فإنها هيفاء شموع، إذا قامت تثنّت، وإذا تكلّمت تغنّت، تقبل بأربع وتدبر بثمان، وبين رجليها كالإناء المكفوء، فزوّجيها عمر ابنك» . فقال رسول الله ﷺ : «لقد تغلغلت في النظر يا عدوّ الله، وما ظننتك من ذوي الإربة!» ، فنفاه عن المدينة. [٥- النبي يحث على الزواج والانجاب] قال (صاحب الغلمان) : من عيوب المرأة أنّ الرجل إذا صاحبها شيّبت رأسه، وسهّكت ريحه، وسوّدت لونه، وكثر بوله. وهنّ مصايد إبليس وحبائل الشيطان، يتعبن الغنيّ، ويكلّفن الفقير ما لا يجد. وكم من رجل تاجر مستور قد فلّسته امرأته حتّى هام على وجهه، أو جلس في بيته، أو أقامته من سوقه ومعاشه. وقال النبي ﷺ : «ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النّساء» . قال (صاحب الجواري) : قد جاء الحديث عن رسول الله ﷺ قال: «تزوّجوا فإنّي مكاثر بكم الأمم» . وجاء عنه: «إذا قضيتم غزوكم فالكيس الكيس» . يعني النكاح. وقال النبي ﷺ : «مسكين مسكين رجل لا زوجة له. مسكينة مسكينة امرأة لا بعل لها» . وجاء عنه ﷺ : «تزوّجوا والتمسوا الولد؛ فإنّهم ثمرات القلوب. وإيّاكم والعجز العقر» .

стр. 150

وكان رسول الله ﷺ أكثر أهل عصره نساء، وكذلك كانت الأنبياء ﵈ قبله. وقد أنبأك الله بخبر داود ﵇ في القرآن، وما روى أنّه كان لسليمان ﵇. وقد تزوّج ابن مسعود في مرضه الذي مات فيه. وقال معاذ: زوّجوني لا ألقى الله تعالى وأنا عزب. وروي عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأجهد نفسي في النّكاح حتّى يخرج الله منّي نسمة تسبّحه. وروى أنه قال: عليكم بالأبكار الشّوابّ؛ فإنهنّ أطيب أفواها، وأنتق أرحاما. والحديث في هذا أكثر من أن نأتي عليه. [٦- عيوب الزنا] قال (صاحب الغلمان) : إن من عيوب الجواري أنّ الرجل إذا اشترى الوصيفة إلى أن يستبرئها محرّم عليه أن يستمتع بشيء منها قبل ذلك، والوصيف لا يحتاج إلى ذلك. وقد قال الشاعر: فديتك إنّما اخترناك عمدا ... لأنك لا تحيض ولا تبيض وقد جاء في الحديث أنّ الزّنى فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب بالبهاء، ويعجّل الفناء، ويقطع الرّزق من السماء. وأمّا اللواتي في الآخرة فالحساب، والعذاب، ودخول النار.

стр. 151

وروي عن مجاهد، قال: إنّ لأهل النار صرخة من ريح الزّناة. وقالوا: إن أهل النار ليتأذّون بريح الزّناة. [٧- حب النساء يتيم صاحبه بعكس حب الغلمان] قال (صاحب الجواري) : لم نسمع بعاشق قتله حبّ غلام. ونحن نعدّ من الشّعراء خاصة الإسلاميّين جماعة، منهم جميل بن معمر قتله حبّ بثينة، وكثيّر قتله حبّ عزّة، وعروة قتله حبّ عفراء، ومجنون بني عامر هيّمته ليلى، وقيس بن ذريح قتلته لبنى، وعبيد الله بن عجلان قتلته هند، والغمر بن ضرار قتلته جمل. هؤلاء من أحصينا، ومن لم نذكر أكثر. قال (صاحب الغلمان) : لو نظر كثّير وجميل وعروة، ومن سمّيت من نظرائهم، الى بعض خدم أهل عصرنا ممن قد اشتري بالمال العظيم فراهة وشطاطا ونقاء لون، وحسن اعتدال، وجودة قدّ وقوام، لنبذوا بثينة وعزّة وعفراء من حالق، وتركوهنّ بمزجر الكلاب. ولكنك احتججت علينا بأعراب أجلاف جفاة، غذوا بالبؤس والشّقاء ونشّئوا فيه، لا يعرفون من رفاهة العيش ولذّات الدنيا شيئا، إنّما يسكنون القفار، وينفرون من الناس كنفور الوحش، ويقتاتون القنافذ والضّباب، وينقفون الحنظل، وإذا بلغ أحدهم جهده بكى على الدّمنة ونعت المرأة، ويشبّهها بالبقرة والظّبية، والمرأة أحسن منهما. نعم حتّى يشبّهها بالحيّة، ويسمّيها شوهاء وجرباء، مخافة العين عليها بزعمه. فأمّا الأدباء والظرفاء فقد قالوا في الغلمان فأحسنوا، ووصفوهم فأجادوا، وقدّموهم على الجواري، في الجدّ منهم والهزل.

стр. 152

[٨- اشعار في الغلمان والجواري] وقال الشاعر يصف الغلام: شبيه بالقضيب وبالكثيب ... غريب الحسن في قدّ غريب براه الله بدرا فوق غصن ... ونيط بحقوه دعص الكثيب أغنّ تولّد الشّهوات منه ... فما تعدوه أهواء القلوب وما اكتحلت به عين ففاتت ... مسلّمة الضّمير من الذّنوب شغلت به الهوى ونزعت عنه ... ولم أدنس به دنس المريب وقال آخر: كلفت بظبي له ... سوالف أدمانه قضيب على رملة ... على شعبتي بانه له لحظ وحشيّة ... وألفاظ إنسانه وقال أبو نواس: سقيا لغير العلياء والسّند ... وغير أطلال ميّ بالجرد ويا صبيب السّحاب إن كنت قد ... جدت اللّوى مرة فلا تعد لا تسقين بلدة إذا عدّت ال- ... بلدان كانت زيادة الكبد إن أتحرّز من الغراب بها ... يكن مفرّي منه إلى الصّرد بحيث لا تجلب الفجاج إلى ... أذنيك إلّا تصايح النّقد أحسن عندي من انكبابك بال- ... فهر ملحّا به على وتد وقوف ريحانة على أذن ... وسير كأس إلى فم بيد يسقيكها من بني العباد رشا ... منتسب عيده إلى الأحد إذا بنى الماء فوقها حببا ... صلّب فوق الجبين بالزّبد

стр. 153

أشرب من كفّه الشمول ومن ... فيه رضابا [يجري] على برد فذاك خير من البكاء على ال ... رّبع وأنمى في الرّوح والجسد قال (صاحب الجواري) : فقد قال أبو نواس الحكميّ شاعركم أيضا: لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد كأسا إذا انحدرت في حلق شاربها ... رأيت حمرتها في العين والخدّ فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كفّ لؤلؤة ممشوقة القدّ تسقيك من عينها سحرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بدّ لي نشوتان وللنّدمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي وقال أيضا: دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسّها حجر مسّته سرّاء من كفّ ذات حر في زيّ ذي ذكر ... لها محبان) : لوطيّ وزنّاء قامت بإبريقها واللّيل معتكر ... فظلّ من وجهها في البيت لألاء فأرسلت من فم الإبريق صافية ... كأنّما أخذها بالعين إغفاء في فتية زهر ذلّ الزمان لهم ... فما يصيبهم إلّا بما شاءوا لتلك أبكي ولا أبكي لمنزلة ... كانت تكون بها هند وأسماء [قال صاحب الغلمان] .... وقال النظام: بان بك الشّكل والنّظير ... وجلّ عن وصفك الضّمير فليس يخطيك في امتحان ... صغير أمر ولا كبير خلقت من مثل لا عيان ... جسما على أنّه منير فأنت عند المجسّ نار ... وأنت عند اللّحاظ نور

стр. 154

وقال أبو هشام الخرّاز: يا من تعدّى العباد من شبهه ... لمّا قصرن الصّفات عن كنهه ويا غزالا يسبي بلحظته ... مكتحلا راح أو على مرهه يجعل قتل النّفوس نزهته ... يوشك يفني النّفوس في نزهه لبّيك داع دعا فقلت له ... والقلب في كربه وفي ولهه هذا فؤادي أتاك مبتدعا ... طوعا ولم يأتكم على كرهه يشره منكم إلى مواصلة ... يابوس قلب يذوب من شرهه فالآن قل للخيال يطرق من ... أعيا عليه وصال منتبهه وقال الحكميّ: رسم الكرى بين الجفون محيل ... عفّى عليه بكا عليك طويل يا ناظرا ما أقلعت نظراته ... حتّى تشحّط بينهنّ قتيل أحللت من قلبي هواك محلّة ... ما حلّها المشروب والمأكول وقال أيضا: لي حبيب كلّما زاد في ... جفوته لي كان أشهى هو وجه كلّه في كلّ ما ... نظرت عيناك منه كان وجها وكذا الدّرّة لا يدري الفتى ... أيّها من أيّها في العين أبمى وقال أيضا: أفنيت فيك معاني الشكوى ... وصفات ما ألقى من البلوى قلّبت آفاق الكلام فما ... أبصرتني أغفلت عن معنى وأعدّ ما لا أشتكي غبنا ... فأعود فيه مرّة أخرى فلو أنّ ما أشكو إلى بشر ... لأراحني ظنّي من الشّكوى لكنّني أشكو إلى حجر ... تنبو المعاول عنه بل أقسى

стр. 155

فهذا وشبهه من الشعر كثير. وإذا جئت إلى أصحاب الهزل كقول بعضهم ممّن ذمّ النساء: هذه الخمر فاشرب ... واسقني يا ابن مصعب اسقنيها وغنّني: ... من لقلب معذّب طمعت فيّ طفلة ... ربّ راج مجنّب قلت لمّا رأيتها ... أسفرت لي: تنقّبي لست والله مدخلا ... إصبعي جحر عقرب وقال آخر: لا أبتغي بالمرد مطمومة ... ولا أبيع الظّبي بالأرنب لا أدخل الجحر يدي طائعا ... أخشى من الحيّة والعقرب وقال آخر: ليس لي في الحرّ حاجه ... نيكه عندي سماجه ما ينيك الحرّ إلّا ... كلّ ذي فقر وحاجه فإذا نكتم فنيكوا ... أمردا في لون عاجه وقال يوسف لقوه: ما يساوي نيك أنثى ... عند أيري بعرتين. إنّما نيك الجواري ... حلّ دين بعد دين ليس للأير حياة ... غير ريح الخصيتين وهو الذي يقول: وعلى اللّواط فلا تلومن كاتبا ... إنّ اللّواط سجيّة في الكاتب ولقد يتوب من المحارم كلّها، ... وعن الخصى ما عاش ليس بتائب

стр. 156

وقال الحكميّ: للطمة يلطمني أمرد ... تأخذ منّي العين والفكّا أطيب من تفّاحة في يدي ... معضوضة قد ملئت مسكا وقال آخر: إن تزن محصنة ترجم علانية ... وإن يلط عزب لا يرجم العزب وقال آخر: أيسر ما فيه من مفاضلة ... أمنك من طمثه ومن حبله وهذا قليل من كثير ما قالوا، فقد قالت الشعراء في الغلام في الجدّ والهزل فأحسنوا، كما قالت الشعراء في الغزل والنّسيب، ولا يضير المحسن منهم أقديما كان أو محدثا. قال (صاحب الجواري) : أمّا أنت فحيث اجتهدت واحتفلت جئت بالحكميّ، والرّقاشيّ، ووالبة، ونظرائهم من الفسّاق والمرغوب عن مذهبهم، الذين نبغوا في آخر الزمان، سقّاط عند أهل المروءات، أوضاع عند أهل الفضل؛ لأنّهم وإن أسهبوا في وصف الغلمان، فإنما يمدحون اللّواط ويشيدون بذكره. وقد علمت ما قال الله ﵎ في قوم لوط، وما عجّل لهم من الخزي والقذف بالحجارة، إلى ما أعدّ لهم من العذاب الأليم. فمن أسوأ حالا ممن مدح ما ذمّه الله، وحسّن ما قبّح! وأين قول من سمّيت من قول الأوائل في الغزل والنّسيب والنساء! وهل كان البكاء والتشبيب والعويل إلا فيهنّ وعليهنّ، ومن أجلهنّ! وهل ذمّت العرب الشّيب مع الخصال المحمودة التي فيه إلا لكراهتهنّ له. قال شاعر الشعراء من الأوّلين والآخرين، امرؤ القيس:

стр. 157

أراهنّ لا يحببن من قلّ ماله ... ولا من رأين الشّيب فيه وقوّسا وقال علقمة بن عبدة الفحل، وكان نظير امرىء القيس في عصره: إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له في ودّهنّ نصيب يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشّباب عندهن عجيب وما قالت القدماء في النسيب أكثر من أن نأتي عليه. وأين قول من ذكرت في صفات الغلمان من قول امرىء القيس في التشبيب حيث يقول: وما ذرفت عيناك إلّا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل أغرّك منّي أنّ حبّك قاتلي ... وأنّك مهما تأمري القلب يفعل وقول الأعشى: لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتّى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للقاتل الناشر وقال جرير: إنّ الذين غدوا بلبّك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيّضن من عبراتهنّ وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا وقال جميل: خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حبّ قاتله قبلي وقال القطاميّ: يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتّقين ولا مكنونه بادي فهنّ ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي

стр. 158

فهؤلاء القدماء في الجاهلية والإسلام، فأين قول من احتججت به من قولهم! ولا نعلم أحدا قال في الغلام ما قال الحكميّ وهو من المحدثين. وأين يقع قوله من قول الأوائل الذين شبّبوا بالنساء! فدع عنك الرّقاشيّ ووالبة والخرّاز ومن أشبههم؛ فليست لك علينا حجّة في الشعراء. وأخرى: ليس من قال الشعر بقريحته وطبعه واستغنى بنفسه، كمن احتاج إلى غيره يطرد شعره، ويحتذى مثاله، ولا يبلغ معشاره. [٩- صفات المرأة الجميلة] قال (صاحب الغلمان) : ظلمت في المناظرة ولم تنصف في الحجّة؛ لأنا لم ندفع فضل الأوائل من الشعرء، إنّما قلنا إنهم كانوا أعرابا أجلافا جفاة، لا يعرفون رقيق العيش ولا لذّات الدنيا؛ لأنّ أحدهم إذا اجتهد عند نفسه شبّه المرأة بالبقرة، والظبية، والحيّة. فإن وصفها بالاعتدال في الخلقة شبّهها بالقضيب، وشبّه ساقها بالبرديّة؛ لأنّهم مع الوحوش والأحناش نشؤوا، فلا يعرفون غيرها. وقد نعلم أنّ الجارية الفائقة الحسن أحسن من البقرة، وأحسن من الظّبية، وأحسن من كلّ شيء شبّهت به. وكذلك قولهم: كأنّها القمر؛ وكأنّها الشمس؛ فالشّمس وإن كانت حسنة فإنما هي شيء واحد، وفي وجه الإنسان الجميل وفي خلقه ضروب من الحسن الغريب، والتركيب العجيب. ومن يشكّ أنّ عين الإنسان أحسن من عين الظّبي والبقرة، وأن الأمر بينهما متفاوت! وهذه أشياء يشترك فيها الغلمان والجواري، والحجّة عليك مثل الحجّة لك في هذه الصفات

стр. 159

وأمّا احتجاجك علينا بالقرآن والآثار والفقهاء، فقد قرأنا مثل ما قرأت، وسمعنا من الآثار مثل ما سمعت. فإن كنت إلى سرور الدّنيا تذهب، ولذّاتها تريد، فالقول قولنا. كما قال الشاعر: ما العيش إلّا في جنون الصّبا ... فإن تولّى فزمان المدام كأسا إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردّى برداء الغلام [١٠- مفاخرة اهل البصرة والكوفة] وإن كنت إلى التقشّف والتزهيد في اللّذّات تعمد فترك جميع الشّهوات من النساء وغيرهنّ أفضل. فإن أنصفت فأتنا بمثل حجّتنا. فأمّا أن تتلو علينا القرآن وتأتينا بأحاديث ألّفتها فهذا منك انقطاع. ومثلنا ومثلك في ذلك مثل بصريّ وكوفيّ تفاخرا بعدد أشراف أهل البصرة وأشراف أهل الكوفة، فقال البصريّ للكوفيّ: هات في أربع قبائل الكوفة مثل أربعة رجال بالبصرة في أربع قبائل: في تميم الكوفة مثل الأحنف، وفي بكر الكوفة مثل مالك بن مسمع، وفي قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، وفي أزد الكوفة مثل المهلب. فقال الكوفيّ: مخنف بن سليم من أزد السّراة، وهم أشرف من أزد عمان. فقال البصريّ: إنا لم نكن في شرف القبائل وفرق ما بينها، فإنما ذكرنا المهلّب بنفسه، وما علمت أن أحدا يبلغ من جهله أن يفخر بمخنف بن سليم فيفضّله على المهلب. وأخمل رجل من ولد المهلّب أشهر في الولايات وفي الفرسان وفي الناس من مخنف. والمهلّب رجل ليس له بالعراق نظير يقاومه، ومناقبه وأيّامه وفتوحه أكثر وأشهر من أن يجوز لنا أن نجعله إزاء مخنف. وما زالوا يقولون: «بصرة المهلّب» . ولو لم يكن للمهلّب إلّا أنه

стр. 160

ولد يزيد بن بن المهلّب كان كافيا. ونحن إذا قلنا: ليس في قيس الكوفة مثل قتيبة بن مسلم، قال قائل: فزارة أشرف من باهلة. قلنا: ليس هذه معارضة؛ فإنّما المعارضة أن تذكر أسماء بن خارجة ثم تقول ونقول، فنذكر فتوح قتيبة العظام، والشّهامة والنفس الأبية، والشّجاعة والحزم والرأي، والوفاء، وشرف الولاية، ونذكر سودد أسماء، وجوده ونواله. فأمّا أن نتخطّى أنفسهما إلى قبائلهما كما تخطّيت بدن المهلّب وبدن مخنف إلى أزد عمان وأزد السّراة، فهذا ليس من معارضة العلماء. وكذلك إذا ذكرنا عبّاد البصرة وزهّادها ونسّاكها فقلنا: لنا مثل غامر بن عبد قيس، وهرم بن حيّان، وصلة بن أشيم. قلت: فعبّاد الكوفة: أويس القرنيّ، والرّبيع بن خثيم، والأسود بن يزيد النّخعي. وهذا جواب. فأمّا أن تذكر طيب الدّنيا والتمتّع من لذّاتها وصفات محاسنها، وتذكر ظرفاءها وأربابها، وتجيئنا بأحاديث الزهّاد والفقهاء، فقد انقطع الحجاج بيننا وبينك. وقد قلنا في صدر كتابنا: إن الكلام إذا وضع على المزح والهزل، ثم أخرجته عن ذلك إلى غيره من الجدّ، تغيّر معناه وبطل. وقد روي أنّ معاوية سأل عمرو بن العاص يوما- وعنده شباب من قريش- فقال له: يا أبا عبد الله، ما اللذّة؟ فقال: مر شباب قريش فليقوموا. فلما قاموا قال: «إسقاط المروءة» . قال الشاعر في مثل ذلك: من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللّذّة الجسور وقال الحكميّ: تجاسرت فكاشفت ... ك لمّا غلب الصّبر

стр. 161

وما أحسن في مثل ... ك أن ينهتك السّتر [١١- فضل الجارية على الغلام] قال (صاحب الجواري) : فنحن نترك ما أنكرت علينا ونقول: لو لم يكن حلال ولا حرام، ولا ثواب ولا عقاب، لكان الذي يحصّله المعقول ويدركه الحسّ والوجدان، دالّا على أنّ الاستمتاع بالجارية أكثر وأطول مدّة؛ لأنه أقل ما يكون التمتّع بها أربعون عاما، وليس تجد في الغلام معنىّ إلّا وجدته في الجارية وأضعافه. فإن أردت التفخيذ فأرداف وثيرة، وأعجاز بارزة لا تجدها عند الغلام. وإن أردت العناق فالثّديّ النواهد، وذلك معدوم في الغلام. وإن أردت طيب المأتى فناهيك، ولا تجد ذلك عند الغلام. فإن أتوه في محاشّه حدث هناك من الطّفاسة والقذر ما يكدّر كلّ عيش، وينغّص كلّ لذة. وفي الجارية من نعمة البشرة ولدونة المفاصل، ولطافة الكّفين والقدمين، ولين الأعطاف، والتثنّي وقلّة الحشن وطيب العرق ما ليس للغلام، مع خصال لا تحصى، كما قال الشاعر: يصف جودة القدّ وحسن الخرط، ويفرق بين المجدولة والسّمينة. وقولهم «مجدولة» يريدون جودة العصب وقلّة الاسترخاء، ولذلك قالوا: خمصانة وسيفانة، وكأنها جانّ، وكأنّها جدل عنان، وكأنّها قضيب خيزران. والتثنّي في مشية الجارية أحسن ما فيها، وذلك في الغلام عيب؛ لأنّه ينسب إلى التخنيث والتأنيث- وقد وصفت الشعراء المجدولة في أشعارها، فقال بعضهم: لها قسمة من خوط بان ومن نقا ... ومن رشأ الأقواز جيد ومذرف

стр. 162

وقال آخر: مجدولة الأعلى كثيب نصفها ... إذا مشت أقعدها ما خلفها وقال الآخر: ومجدولة جدل العنان إذا مشت ... ينوء بخصريها ثقال الرّوادف وقال الأحوص: من المدمجات اللحم جدلا كأنّها ... عنان صناع أنعمت أن تخوّدا وقالوا في ذلك أكثر من أن نأتي عليه. والغلام أكثر ما تبقى بهجته ونقاء خدّيه عشرة أعوام، إلى أن تتّصل لحيته ويخرج من حدّ المرودة، ثم هو وقاح طورا ينتف لحيته، وتارة يهلبها ليستدعي شهوة الرّجال. وقد أغنى الله الجارية عن ذلك، لما وهب لما من الجمال الفائق، والحسن الرائق. فإن قلت: إنّ من النساء من تتحسّن وتستر عيبها بخضاب الشعر وغيره، كما قال الشاعر: عجوز ترجّى أن تكون فتيّة ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظّهر تدسّ إلى العطّار ميرة أهلها ... ولن يصلح العطّار ما أفسد الدّهر قلنا: قد يفعل ذلك بعض النساء إذا شيّبت وليس كالغلام، لعموم هلب اللّحى في الغلمان. [١٢- الخصيان] وذكرت الخصيان وحسن قدودهم، ونعمة أبشارهم، والتلذّذ بهم، وأنّ

стр. 163

ذلك شيء لا تعرفه الأوائل، فألجاتنا إلى أن نصف ما في الخصيان وإن لم يكن لذلك معنى في كتابنا، إذ كنّا إنما نقول في الجواري والغلمان. والخصيّ- رحمك الله- في الجملة ممثّل به، ليس برجل ولا امرأة، وأخلاقه مقسّمة بين أخلاق النساء وأخلاق الصّبيان، وفيه من العيوب التي لو كانت في حوراء كان حقيقا أن يزهد فيها منه؛ لأن الخصيّ سريع التبدّل والتنقّل من حدّ البضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللّون ورقّته، وكثرة الماء وبريقه، إلى التكسّر والجمود والكمود، والتقبّض والتجمّد والتحدّب، وإلى الهزال وسوء الحال. لأنّك ترى الخصيّ وكأنّ السيوف تلمع في وجهه، وكأنه مرآة صينيّة، وكأنّه جمّارة، وكأنّه قضيب فضّة قد مسّه ذهب، وكأنّ في وجناته الورد. فإن مرض مرضة، أو طعن في السنّ ذهب ذهابا لا يعود. وقال بعض العلماء: إنّ الخصيّ إذا قطع ذلك العضو منه قويت شهوته، وقويت معدته، ولانت جلدته، وانجردت شعرته، وكثرت دمعته، واتّسعت فقحته، ويصير كالبغل الذي ليس هو حمارا ولا فرسا؛ لأنّه ليس برجل ولا امرأة. فهو مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ويعرض للخصيّ سرعة الدّمعة والغضب، وذلك من أخلاق النساء والصّبيان. ويعرض له حبّ النميمة وضيق الصّدر بما أودع من السّرّ. ويعرض لهم البول في الفراش ولا سيّما إذا بات أحدهم ممتلئا من النّبيذ. ومما ناله من الحسرة والأسف لما فاتهم من النّكاح مع شدّة حبّهم للنساء، أبغضوا الفحول أشدّ من تباغض الأعداء، فأبغضوا الفحول بغض الحاسد لذوي النّعمة. وزعم بعض أهل التجربة من الشّيوخ المعمّرين أنّهم اعتبروا أعمار

стр. 164

ضروب الناس فوجدوا [طول] أعمار الخصيان أعمّ من جميع أجناس الرجال، وأنهم لم يجدوا لذلك علّة إلّا عدم النّكاح. وكذلك طول أعمار البغال لقلة النّزو. ووجدوا أقل الأعمار أعمار العصافير؛ لكثرة سفادها. ثم الخصيّ مع الرّجال امرأة، ومع النّساء رجل. وهو من النمائم والتحريش والإفساد بين المرء وزوجه، على ما ليس عليه أحد. وهذا من النّفاسة والحسد للفحول على النساء. ويعتريه إذا طعن في السنّ اعوجاج في أصابع اليد، والتواء في أصابع الرّجل. ودخل بعض الملوك على أهله ومعه خصيّ فاستترت منه، فقال لها: تستترين منه وإنما هو بمنزلة المرأة! فقالت: ألموضع المثلة به يحلّ له ما حرّم الله عليه. مع أنّ في الخصيّ عيوبا يطول ذكرها. ولولا خوف الملال والسآمة على الناظر في هذا الكتاب، لقلنا في الاحتجاج عليك بما لا يدفعه من كانت به مسكة عقل، أو له معرفة. وفيما قلنا ما أقنع وكفى. وبالله الثّقة. [١٣- مقطعات من احاديث البطالين] وقد ذكرنا في آخر كتابنا هذا مقطّعات من أحاديث البطّالين والظّرفاء، ليزيد القارىء لهذا الكتاب نشاطا، ويذهب عنه الفتور والكلال، ولا قوّة إلا بالله. ١- قال: مرض رجل من عتاة اللّاطة مرضا شديدا، فأيسوا منه، فلما أفاق وأبل من مرضه، دخل عليه جيرانه فقالوا له: احمد الله الذي أقالك،

стр. 165

ودع ما كنت فيه من طلب الغلمان والانهماك فيهم، مع هذه السنّ التي قد بلغتها. قال: جزاكم الله خيرا؛ فقد علمت أنّ فرط العناية والمودّة دعاكم إلى عظتي. ولكنّي اعتدت هذه الصناعة وأنا صغير، وقد علمتم ما قال بعض الحكماء: ما أشدّ فطام الكبير! قال الشاعر: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه فقاموا من عنده آيسين من فلاحه. ٢- قال: كان رجل من اللّاطة وله بنون لهم أقدار ومروءات، فشانهم بمشيته مع الغلمان وطلبه لهم، فعاتبوه وقالوا: نحن نشتري لك من الوصائف على ما تشتهي، تشتغل بهنّ، فقد فضحتنا في الناس. فقال: هبكم تشترون لي ما ذكرتم فكيف لشيخكم بحرارة الجلجلتين! فتركوا عتابه وعلموا أنّه لا حيلة فيه. ٣- وقال بعض اللّوطيين: إنّما خلق الأير للفقحة، مدوّر لمدوّرة؛ ولو كان للحر كان على صيغة الطّبرزين. وقال شاعرهم: إذا وجدت صغيرا ... وكأت أصل الحماره وإن أصبت كبيرا ... قصدت قصد الحراره فما أبالي كبيرا ... قصدت أو ذا غراره ٤- وقيل لامرأة من الأشراف كانت من المتزوّجات: ما بالك مع جمالك وشرفك لا تمكثين مع زوجك إلّا يسيرا حتى يطلّقك؟ قالت: يريدون الضّيق، ضيّق الله عليهم.

стр. 166

٥- قال: طلّق رجل امرأته، فمرّ رجل في بعض الطّرقات فسمع امرأة تسأل أخرى عنها فقالت: البائسة طلّقها زوجها! فقالت: أحسن بارك الله عليه. فقال لها: يا أمة الله، من شأن النّساء التعصّب بعضهن لبعض، وأسمعك تقولين ما قلت. قالت: يا هذا، لو رأيتها لعلمت أن الله تعالى قد أحلّ لزوجها الزّنى، من قبح وجهها. ٦- وقال مخنّث لامرأة: يا معشر النّساء، مالكنّ همّة إلّا طلب النّيك، لا تؤثرن عليه شيئا. فقالت: إن أمرا انتقلت من شهوته من طبع الرّجال إلى طبع النساء حتّى عقرت لحيتك له، لحقيق ألّا تلام عليه. ٧- قال إسحاق الموصليّ: نظرت إلى شابّ مخنّث حسن الوجه جدّا قد هلب لحيته فشان وجهه، فقلت له: لم تفعل هذا بلحيتك، وقد علمت أن جمال الرجال في اللّحى؟ فقال: يا أبا محمد، أيسرّك بالله أنّها في استك؟ قلت: لا والله! فقال: ما أنصفتني، أتكره أن يكون في استك شيء وتأمرني أن أدعه في وجهي!. ٨- وقال: اشترى بعض ولاة العراق قينة بمال كثير، فجلس يوما يشرب وأمرها أن تغنّيه، فكان أوّل صوت تغنّت به: أروح إلى القصّاص كلّ عشيّة ... أرجّي ثواب الله في عدد الخطى فقال للخادم: يا غلام، خذ بيد هذه الزّانية فادفعها إلى أبي حزرة القاصّ. فمضى بها إليه فلقيه بعد ذلك، فقال: كيف رأيت تلك الجارية؟ فقال: ما شئت أصلحك الله، غير أنّ فيها خصلتين من صفات الجنّة! قال: ويلك ما هما؟ قال: البرد، والسّعة. ٩- قال: علق رجل من أهل المدينة امرأة فطال عناؤه وشقاؤه بها حتّى ظفر بها، فصار بها إلى منزل صديق له مغنّ، ثم خرج يشتري ما يحتاج

стр. 167

إليه، فقالت له: لو غنّيت لي صوتا إلى وقت مجيء صديقك! فأخذ العود وتغنّى: من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع لوالدها شنارا قال: فأخذت المرأة خفّها ولبست إزارها وقالت: ويلي ويلي، لا والله لا جلست! فجهد بها فأبت وصاحت، فخشي الفضيحة فأطلقها. وجاء الرجل فلم يجدها، فسأله عنها فقال: جئتني بمجنونة؛ قال: ما لها ويلك؟ قال: سألتني أن أغنّيها صوتا ففعلت، فضربت بيدها إلى خفّها وثيابها فلبست وقامت تولول، فجهدت أن أحبسها فصاحت فخلّيتها. قال: وأيّ شيء غنّيتها؟ فأخبره، فقال: لعنك الله! حقّ لها أن تهرب! قال: تواصف قوم الجماع، وأفاضوا في ذكر النساء، وإلى جانبهم مخنّث فقال: بالله عليكم دعوا ذكر الحر لعنه الله! فقال له بعضهم: متى عهدك به؟ قال: مذ خرجت منه! ١٠- قال: تزوج رجل امرأة، فمكثت عنده غير بعيد، ثم أتى الرجل بالذي زوّجه فقدّمه إلى القاضي فقال: أصلحك الله، إنّ هذا زوّجني امرأة مجنونة. قال: وأيّ شيء رأيت من جنونها؟ قال: إذا جامعتها غشي عليها حتّى أحسبها قد ماتت. فقال له القاضي: قم قبحك الله فما أنت لمثل هذه بأهل. وكانت ربوخا. ١١- قال: كانت عائشة بنت طلحة من المتزوّجات، فتزوّجها عمر بن عبيد الله بن معمر التّيميّ، فبينا هي عنده تحدّث مع امرأة من زوّارها إذ دخل عمر فدعا بها فواقعها، فسمعت المرأة من النّخير والشّهيق أمرا عجيبا، فلمّا خرجت قالت لها: أنت في شرفك وقدرك تفعلين مثل هذا! قالت: إنّ الدوابّ لا تجيد الشّرب إلّا على الصّفير!.

стр. 168

١٢- قال: وكانت حبّى المدينية من المغتلمات، فدخل عليها نسوة من المدينة فقلن لها: يا خالة، أتيناك نسألك عن القبع عند الجماع يفعله النّساء، أهو شيء قديم أم شيء أحدثه النّساء؟ قالت: يا بناتي، خرجت للعمرة مع أمير المؤمنين عثمان ﵁، فلمّا رجعنا فكنّا بالعرج نظر إليّ زوجي ونظرت إليه، فأعجبه منيّ ما أعجبني منه فواثبني، ومرّت بنا عير عثمان فقبعت قبعة وأدركني ما يصيب بنات آدم، فنفرت العير- وكانت خمس مائة- فما التقى منها بعيران إلى الساعة. والقبع: النّخير عند الجماع. والغربلة: الرّهز. كذاك تسمّيه أهل المدينة. ويقال إن حبّى علّمت نساء أهل المدينة القبع والغربلة. ١٣- قال: وكانت خليدة امرأة سوداء ذات خلق عجيب، وكان لها دار بمكّة تكريها أيّام الحجّ، فحجّ فتى من أهل العراق فاكترى منزلها، فانصرف ليلة من المسجد وقد طاف فأعيا، فلما صعد السّطح نظر إلى خليدة نائمة في القمر، فرأى أهيأ النّاس وأحسنه خلقا، فدعته نفسه إليها فدنا منها، فتركته حتى. رفع رجليها فتابعته وأرته أنها نائمة، فناكها، فلمّا فرغ ندم فجعل يبكي ويلطم وجهه، فتعاربت وقالت: ما شأنك؟ لسعتك حيّة؟ لدغتك عقرب؟ ما بالك تبكي؟ قال: لا والله ولكنّي نكتك وأنا محرم. قالت: فتنيكني وتبكي؟ أنا والله أحقّ بالبكاء منك. قم يا أرعن! ١٤- وقال ابن حبّى لأمّه: يا أمّه، أيّ الحالات أعجب إلى النّساء من أخذ الرجال إيّاهنّ؟ قالت: يا بنيّ، إذا كانت مسنّة مثلي فأبركها وألصق خدّها بالأرض ثمّ أوعبه فيها. وإذا كانت شابّة فاجمع فخذيها إلى صدرها فأنت تدرك بذلك ما تريد منها وتبلغ حاجتك منها.

стр. 169

١٥- وقال: اشترى قوم بعيرا وكان صعبا، فأرادوا إدخاله الدار فامتنع، فجعلوا يضربونه وهو يأبى، فأشرفت عليهم امرأة كأنّها شقّة قمر، فبهتوا ينظرون إليها، فقالت: ما شأنه؟ فقال لها بعضهم: نريده على الدّخول فليس يدخل. قالت: بلّ رأسه حتّى يدخل. ١٦- قال: نظر رجل بالمدينة إلى جارية سريّة ترتفع عن الخدمة، فقال: يا جارية، في يدك عمل؟ قالت: لا، ولكن في رجلي. ١٧- قال بعضهم: كنّا في مجلس رجل من الفقهاء فقال لي رجل: عندك حرّة أو مملوكة؟ قلت: عندي أمّ ولد، ولم سألتني عن ذلك؟ قال: إنّ الحرّة لها قدرها فأردت أن أعلّمك ضربا من النّيك طريفا. قلت: قل لي. قال: إذا صرت إلى منزلك فنم على فقاك، واجعل مخدّة بين رجليك وركبك. ليكون وطاء لك، ثمّ ادع الجارية وأقم أيرك وأقعدها عليه، وتحوّل ظهرها إلى وجهك، وارفع رجليك ومرها أن تأخذ بإبهامك كما يفعل الخطيب على المنبر، ومرها تصعد وتنزل عليه؛ فأنّه شيء عجب. فلمّا صار الرجل إلى منزله فعل ما أمره به، وجعلت الجارية تعلو وتستفل، فقالت: يا مولاي، من علّمك هذا النّيك؟ قال: فلان المكفوف. قالت: يا مولاي، ردّ الله عليه بصره! ١٨- قال: كانت امرأة من قريش شريفة ذات جمال رائع ومال كثير، فخطبها جماعة وخطبها رجل شريف له مال كثير، فردّته وأجابت غيره، وعزموا على الغدوّ إلى وليّها ليخطبوها، فاغتمّ الرجل غمّا شديدا، فدخلت عليه عجوز من الحيّ فرأت ما به وسألته عن حاله فأخبرها، قالت: ما تجعل لي إن زوّجتك بها؟ قال: ألف درهم. فخرجت من عنده ودخلت عليها، فتحدّثت عندها مليّا وجعلت تنظر في وجهها وتتنفّس الصّعداء، ففعلت ذلك غير مرّة، فقالت الجارية: ما شأنك يا خالة، تنظرين في وجهي وتنفّسين؟

стр. 170

قالت: يا بنيّة، أرى شبابك، وما أنعم الله عليك به من هذا الجمال، وليس يتمّ أمر المرأة إلّا بالزّوج، وأراك أيّما لا زوج لك. قالت: فلا يغمّك الله، قد خطبني غير واحد وقد عزمت على تزويج بعضهم. قالت: فاذكري لي من خطبك. قالت: فلان. قالت شريف، ومن؟ قالت: فلان. قالت: شريف، فما يمنعك منه؟ قالت: وفلان- لصاحبها- قالت: أفّ أفّ، لا تريدينه. قالت: وماله أليس هو شريفا كثير المال؟ قالت: بلى، ولكن فيه خصلة أكرهها لك. قالت: وما هي؟ قالت: دعى عنك ذكرها. قالت: أخبريني على كلّ حال. قالت: رأيته يبول يوما فرأيت بين رجليه رجلا ثالثة. وخرجت من عندها فأتته، فقالت: أعد إليها رسولك. وأتاها الرجل الذي كانت أجابته- بعد مجيء الرسول- فردته وبعثت إلى صاحب المرأة: أن اغد بأصحابك. فتزوّجها فلما بنى بها إذا معه مثل الزّرّ، فلمّا أتتها العجوز فقالت: بكم بعتني يا لخناء؟ قالت: بألف درهم. قالت: لا أكلتها إلّا في المرض! ١٩- قال: كان هشام بن عبد الملك يقبض الثّياب من عظم أيره، فكتب إلى عامله على المدينة: «أمّا بعد فاشتر لي عكاك النّيك» . قال: وكان له كاتب مدينيّ ظريف، فقال له: ويحك، ما عكاك النّيك؟ قال: الوصائف. فوجّه إلى النّخّاسين فسألهم عن ذلك. فقالوا: عكاك النّيك الوصائف البيض الطوال. فاشترى منهنّ حاجته، ووجّه بهنّ إليه. قال: وكانت بالمدينة امرأة جميلة وضيّة، فخطبها جماعة وكانت لا ترضى أحدا، وكانت أمّها تقول: لا أزوجها إلّا من ترضاه. فخطبها شابّ جميل الوجه ذو مال وشرف. فذكرته لابنتها وذكرت حاله وقالت: يا بنيّة إن لم تزوجي هذا فمن تزّوّجين؟ قالت: يا أمّه: هو ما تقولين، ولكنّي بلغني عنه شيء لا أقدر عليه. قالت: يا بنيّتي لا تحتشمين من أمّك، اذكري كلّ

стр. 171

شيء في نفسك. قالت: بلغني أنّ معه أيرا عظيما وأخاف ألّا أقوى عليه. فأخبرت الأمّ الفتى فقال: أنا أجعل الأمر إليك تدخلين أنت منه ما تريد وتحبسين ما تريد. فأخبرت الابنة فقالت: نعم أرضى إن تكفّلت لي بذلك. قالت: يا بنّية والله إنّ هذا هو لشديد عليّ، ولكنّي أتكلّفه لك. فتزوّجته. فلما كانت ليلة البناء قالت: يا أمّه، كوني قريبة منّي لا يقتلني بما معه. فجاءت الأمّ وأغلقت الباب وقالت له: أنت على ما أعطيتنا من نفسك؟ قال: نعم، هو بين يديك. فقبضت الأمّ عليه وأدنته من ابنتها فدسّت رأسه في حرها وقالت: أزيد؟ قالت: زيدي. فأخرجت إصبعا من أصابعها فقالت: يا أمّه زيدي. قالت: نعم. فلم تزل كذلك حتّى لم يبق في يدها شيء منه، وأوعبه الرجل كلّه فيها، قالت: يا أمّه زيدي. قالت: يا بنيّة لم يبق في يدي شيء. قالت بنتها: رحم الله أبي فإنّه كان أعرف الناس بك، كان يقول: إذا وقع الشيء في يديك ذهبت البركة منه قومي عنّي! ٢٠- قال: تزوّج رجل امرأة وكان معه أير عظيم جدّا، فلمّا ناكها أدخله كلّه في حرها، ولم تكن تقوى عليه امرأة، فلم تتكلّم، فقال لها: أيّ شيء حالك خرج من خلفك بعد؟ قالت: بأبي أنت وهل أدخلته؟ ٢١- قال: نظر رجل إلى امرأة جميلة سريّة، ورجل في دارها دميم مشوّه يأمر وينهى، فظنّ أنّه عبدها، فسألها عنه فقالت: زوجي. قال: يا سبحان الله، مثلك في نعمة الله عليك تتزوّجين مثل هذا؟ فقالت: لو استدبرك بما يستقبلني به لعظم في عينك. ثم كشفت عن فخذها فإذا فيه يقع خضر، فقالت: هذا خطاؤه فكيف إصابته. ٢٢- قال: وكانت بالمدينة امرأة ماجنة يقال لها سلّامة الخضراء، فأخذت مع مخنّث وهي تنيكه بكيرنج، فرفعت إلى الوالي فأوجعها ضربا وطاف بها على جمل، فنظر إليها رجل يعرفها فقال: ما هذا يا سلّامة؟

стр. 172

فقالت: بالله اسكت، ما في الدّنيا أظلم من الرجال، أنتم تنيكونا الدّهر كله فلمّا نكنا كم مرّة واحدة قتلتمونا. ٢٣- قال: تزوّج رجل امرأة فقيل له: كيف وجدتها؟ قال: كأنّ ركبها دارة القمر، وكأنّ شفريها أير حمار مثنيّ. ٢٤- وقال بعض العجائز المغتلمات: وخضبت ما صبغ الزّمان فلم يدم ... صبغي ودامت صبغة الأيّام أيّام أمسي والشّباب غريرة ... وأناك من خلفي ومن قدّامي ٢٥- وقال سياه، وكان من مردة اللّاطة، واسمه ميمون بن زياد بن ثروان، وهو مولى لخزاعة: أخزاع إن عدّ القبائل فخرهم ... فضعوا أكفّكم على الأفواه إلّا إذا ذكر اللّواط وأهله ... والفاتقون مشارج الأستاه فهناك فافتخروا فإنّ لكم به ... مجدا تليدا طارفا بسياه ٢٦- قال: وجاء سياه إلى الكميت فقال له: يا أبا عمارة، قد قلت على عروض قصيدتك: أبت هذه النّفس إلّا ادّكارا فقال: هات. فقال: أبت هذه النفس إلّا خسارا ... وإلّا ارتدادا وإلّا ازورارا وحمل الدّيوك وقود الكلاب ... فهذا هراشا وهذا نقارا وشرب الخمور بماء الغمام ... تنفجر الأرض عنه انفجارا ٢٧- وقال: أخذ «ديك» ، وكان من كبار اللّاطة، وهو رجل من أهل

стр. 173

الحجاز، مع غلام من قريش كأنه قديدة، فقيل له: عدوّ الله هبك تعذر في الغلمان الصّباح فما أردت إلى هذا؟ فقال: بأبي أنتم وأمّي، قد والله علمت أنّه كما تقولون، وإنّما نكته لشرفه. ٢٨- وقد يضرب المثل في اللّواط بالحجاز فيقال: «ألوط من ديك» ، كما يقول أهل العراق: «ألوط من سياه» ، وهو كوفيّ. وقد اختصرت كتابي هذا لئلا يملّه القارىء. وبالله التوفيق. تم كتاب مفاخرة الجواري والغلمان، والله المستعان، وعليه التّكلان، ولا إله إلا هو. يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب القيان من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أيضا، والله الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه.

стр. 174

٥- هامش مفاخرة الجواري والغلمان (١) السبب في مزج الجد بالهزل هو طرد الملل عن نفس القارىء هذه العلة يذكرها الجاحظ في معظم كتبه لتبرير اسلوبه. والواقع ان الجاحظ كان مطبوعا على الظرف وهذا هو السبب الحقيقي لما نلفيه في كتبه من خلط الجد والهزل. - «لكل مقام مقال» اصل فني من اصول فلسفة الجاحظ الجمالية. راجع نظريته الجمالية في كتابنا المناحي الفلسفية عند الجاحظ، المنحى الجمالي. (٢) والبة بن الحباب شاعر عباسي من زمرة ابي نواس في المجون والتهتّك. عكاشة: هو عكاشة بن عبد الصمد العمي، عاش في البصرة في مطلع الدولة العباسية، وهو شاعر مقل. الرفث: حديث الجنس. (٣) لاحظ الاحاديث النبوية حول الجنس، ومدى صحتها. «ان اهل الجنة يدخلونها جرادا مكحلين» .. «حببت الي النساء والطيب» . (٤) حد الزنى عقاب الزنى. لاحظ لجوء الجاحظ الى الكتاب والسنة والاستشهاد بهما. الهيفاء الشموع: الضامرة البطن، والضمون اللعوب. (٥) لاحظ التناقض في الحديث «ما تركت بعدي فتنة اصر على الرجال من النساء» والحديث السابق «حبب الي النساء والطيب» . - النساء العجز والعقر: اللائي لهن اعجاز كبيرة ولا ينجبن الاولاد. (٦) عيوب الزنى الست: يذهب بالبهاء، ويعجل بالغباء، ويقطع الرزق ويعاقب عليه في الآخرة ويعذب من اجله هناك ويدخل النار.

стр. 175

(٧) الشعراء الذين تيمهم الحب: جميل بن معمر وكثير عزة وعروة بن الورد، وقيس إبن الملوح، وقيس بن ذريح، وعبد الله بن عجلان والغمر بن ضرار. (٨) اشعار في الغلمان والجواري، معظم هذه الاشعار اختيرت من ابي نواس (٧٦٣- ٨٢٤ م) الذي اشتهر بتهتكه، وتغزله بالغلمان. وكذلك نجد نموذجا من شعر النظام استاذ الجاحظ الذي يبدو فيه اثر الفلسفة ظاهرا. ويوسف لقوة صاحب ابي نواس ونظيره في المجون. حتى قال في ابي نواس «ولا نعلم احدا قال في الغلام ما قال الحكمي..» . (٩) صفات المرأة الجميلة: نقد للتشابيه التي وجدها في الشعر القديم الذي يتناول وصف المرأة: لقد شبهوها بالقضيب والبقرة والظبية والشمس. وهي اجمل من هذا كله. (١٠) مفاخرة اهل البصرة والكوفة: هذا من نوع الاستطراد الذي نجده في كتب الجاحظ. ويمكن ان نلتمس في المفاخرة بين المدينتين دليلا على التنافس بينهما في المجالات العلمية والسياسية. (١١) لاحظ الكلمات الجنسية التي تدل على اعضاء الجسم: الارداف، والاعجاز، والثدي، والمحاش، والقد والخرط والمجدولة والسمينة الخ. (١٢) الخصيان: جمع خصي، وهو الانسان الذي عطلت قدرته الجنسية. لاحظ الوصف الدقيق لنفس الخصي وجسمه وخلقه، وموقف الجاحظ الانساني من مسألة الخصاء. (١٣) مقطعات من احاديث البطالين والظرفاء: ربما زيد عليها الكثير مما لم يورده الجاحظ.

стр. 176

[٦- رسالة المعلمين] (- ٦- المعلمين)

стр. 177

[١- مدخل] فصل منه: أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حب الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الأناة. فقد استعملت في المعلّمين نوك السّفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكّم المقتدرين، وأمن المغترّين. ومن تعرّض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلّف ما كفيت. [٢- فضل المعلم] فصل منه: ولولا الكتاب لاختلّت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنّما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعمّ، والدّواوين إليه أفقر. والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسدّ ثغوره، وتقويم سكّان مملكته، إلّا بالكتاب. ولولا الكتاب ما تمّ تدبير، ولا استقامت الأمور. [وقد] رأينا عمود

стр. 178

صلاح الدّين والدّنيا إنّما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب. وليس علينا لأحد في ذلك من المنّة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلّنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخّرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصّرين، ورثيت لآباء الصّبيان من إبطاء المعلّمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلّمين من إبطاء الصّبيان عمّا يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه، والمعلّمون أشقى بالصّبيان من رعاة الضّان وروّاض المهارة. ولو نظرت من جهة النظر علمت أنّ النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها لازم واجب. [٣- الحفظ والاستنباط] فصل منه: وأجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا ولا أكثر ريعا، ولا أعمّ نفعا، ولا أحثّ على بيان، ولا أدعى إلى تبيّن، ولا أهجى لمن ترك التفهّم وقصّر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: «قيمة كلّ امريء ما يحسن» . وقد أحسن من قال: «مذاكرة الرّجال تلقيح لألبابها» . وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان الاتّكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتّى قالوا: «الحفظ عذق الذّهن» . ولأنّ مستعمل الحفظ لا يكون إلّا مقلّدا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعزّ الثقة. والقضيّة الصحيحة والحكم المحمود: أنّه متى أدام الحفظ أضرّ ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضرّ ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف

стр. 179

منزلة منه. ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ لم تعلق بقلبه، وقلّ مكثها في صدره. وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متّفق عليه، [ألا] وهو فراغ القلب للشيء، والشّهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر الفضيلة. ولصاحب الحفظ سبب آخر يتّفقان عليه، وهو الموضع والوقت. فأمّا الموضع فأيّهما يختار إذا أرادا ذلك الفوق دون السفّل. وأمّا السّاعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأنّ ذلك الوقت قبل وقت الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأنّ للجمام مقدارا هو المصلحة، كما أنّ للكدّ مقدارا هو المصلحة. [٤- اكثر العظماء كانوا معلمين] فصل منه: ويستدلّ أيضا بوصايا الملوك للمؤدّبين في أبنائهم، وفي تقويم أحداثهم، على أنّهم قد قلّدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التّمام في تأديبهم. وما قلّدوهم ذلك إلّا بعد أن ارتفع إليهم في الحنوّ حالهم في الأدب، وبعد أن كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص. وأنت- حفظك الله- لو استقصيت عدد النحويّين والعروضيّين والفرضيّين، والحسّاب، والخطّاطين، لوجدت أكثرهم مؤدّب كبار ومعلّم صغار، فكم تظنّ أنّا وجدنا منهم، من الرّواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدّهاة، ومن الحماة والكفاة، ومن القادة والذّادة، ومن الرّؤساء والسّادة، ومن كبار الكتاب والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شابّ

стр. 180

عفيف. ولا تعجل بالقضيّة حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إنّ كنت تعمّدت تذمّمت، وإن كنت جهلت تعلّمت، وما أظن من أحسن بك الظّنّ إلّا وقد خالف الحزم. [٥- لجميع اصناف العلوم معلمون] فصل منه: قال المعلّم: وجدنا لكلّ صنف من جميع ما بالناس إلى تعلّمه حاجة، معلمين، كمعلّمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتّخذون لأبنائهم من يعلّمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصّوالجة، والرّمي في التّنبوك، والمجثّمة، والطّير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدّبّوق والنّفخ في السّبطانة. وبعد ذلك الفروسيّة؛ واللّعب بالرّماح والسّيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم النّجوم واللّحون، والطبّ والهندسة، وتعلّم النّرد والشّطرنج، وضرب الدّفوف وضرب الأوتار، والوقع والنّفخ في أصناف المزامير. ويأمرون بتعليم أبناء الرعيّة الفلاحة والنّجارة، والبنيان والصّياغة والخياطة، والسّرد والصّبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتّى علّموا البلابل وأصناف الطّير الألحان. وناسا يعلّمون القرود والدّببة والكلاب والظّباء المكّيّة والببّغاء، والسّقر وغراب البين، ويعلّمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف المشي، وأجناس الحضر، ويعلّمون الشّواهين والصّقور والبوازي، والفهود، والكلاب، وعناق الأرض، الصّيد. ويعلّمون الدّوابّ الطّحن، والبخاتيّ الجمز حتّى يروضوا الهملاج والمعناق، بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع. ووجدنا للأشياء كلّها معلمين.
следующие страницы →