Полный текст (465 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
[٦- رسالة المعلمين]
(- ٦- المعلمين)
стр. 177
[١- مدخل]
فصل منه: أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من سرف الهوى، وصرف ما أعارك من القوّة إلى حب الإنصاف، ورجّح في قلبك إيثار الأناة.
فقد استعملت في المعلّمين نوك السّفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأبذياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكّم المقتدرين، وأمن المغترّين. ومن تعرّض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلّف ما كفيت.
[٢- فضل المعلم]
فصل منه: ولولا الكتاب لاختلّت أخبار الماضين، وانقطعت آثار الغائبين. وإنّما اللسان للشاهد لك، والقلم للغائب عنك، وللماضي قبلك والغابر بعدك. فصار نفعه أعمّ، والدّواوين إليه أفقر.
والملك المقيم بالواسطة لا يدرك مصالح أطرافه وسدّ ثغوره، وتقويم سكّان مملكته، إلّا بالكتاب.
ولولا الكتاب ما تمّ تدبير، ولا استقامت الأمور. [وقد] رأينا عمود
стр. 178
صلاح الدّين والدّنيا إنّما يعتدل في نصابه، ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب.
وليس علينا لأحد في ذلك من المنّة بعد الله الذي اخترع ذلك لنا ودلّنا عليه، وأخذ بنواصينا إليه، ما للمعلمين الذين سخّرهم لنا، ووصل حاجتهم إلى ما في أيدينا. وهؤلاء هم الذين هجوتهم وشكوتهم وحاججتهم وفحشت عليهم، وألزمت الأكابر ذنب الأصاغر، وحكمت على المجتهدين بتفريط المقصّرين، ورثيت لآباء الصّبيان من إبطاء المعلّمين عن تحذيقهم، ولم ترث للمعلّمين من إبطاء الصّبيان عمّا يراد بهم، وبعدهم عن صرف القلوب لما يحفظونه ويدرسونه، والمعلّمون أشقى بالصّبيان من رعاة الضّان وروّاض المهارة.
ولو نظرت من جهة النظر علمت أنّ النعمة فيهم عظيمة سابغة، والشكر عليها لازم واجب.
[٣- الحفظ والاستنباط]
فصل منه: وأجمعوا على أنّهم لم يجدوا كلمة أقلّ حرفا ولا أكثر ريعا، ولا أعمّ نفعا، ولا أحثّ على بيان، ولا أدعى إلى تبيّن، ولا أهجى لمن ترك التفهّم وقصّر في الإفهام، من قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه:
«قيمة كلّ امريء ما يحسن» .
وقد أحسن من قال: «مذاكرة الرّجال تلقيح لألبابها» .
وكرهت الحكماء الرؤساء، أصحاب الاستنباط والتفكير، جودة الحفظ، لمكان الاتّكال عليه، وإغفال العقل من التمييز، حتّى قالوا: «الحفظ عذق الذّهن» . ولأنّ مستعمل الحفظ لا يكون إلّا مقلّدا، والاستنباط هو الذي يفضي بصاحبه إلى برد اليقين، وعزّ الثقة.
والقضيّة الصحيحة والحكم المحمود: أنّه متى أدام الحفظ أضرّ ذلك بالاستنباط، ومتى أدام الاستنباط أضرّ ذلك بالحفظ، وإن كان الحفظ أشرف
стр. 179
منزلة منه.
ومتى أهمل النظر لم تسرع إليه المعاني، ومتى أهمل الحفظ لم تعلق بقلبه، وقلّ مكثها في صدره.
وطبيعة الحفظ غير طبيعة الاستنباط. والذي يعالجان به ويستعينان متّفق عليه، [ألا] وهو فراغ القلب للشيء، والشّهوة له، وبهما يكون التمام، وتظهر الفضيلة.
ولصاحب الحفظ سبب آخر يتّفقان عليه، وهو الموضع والوقت.
فأمّا الموضع فأيّهما يختار إذا أرادا ذلك الفوق دون السفّل.
وأمّا السّاعات فالأسحار دون سائر الأوقات، لأنّ ذلك الوقت قبل وقت الاشتغال، وبعقب تمام الراحة والجمام، لأنّ للجمام مقدارا هو المصلحة، كما أنّ للكدّ مقدارا هو المصلحة.
[٤- اكثر العظماء كانوا معلمين]
فصل منه: ويستدلّ أيضا بوصايا الملوك للمؤدّبين في أبنائهم، وفي تقويم أحداثهم، على أنّهم قد قلّدوهم أمورهم وضميرهم ببلوغ التّمام في تأديبهم.
وما قلّدوهم ذلك إلّا بعد أن ارتفع إليهم في الحنوّ حالهم في الأدب، وبعد أن كشفهم الامتحان وقاموا على الخلاص.
وأنت- حفظك الله- لو استقصيت عدد النحويّين والعروضيّين والفرضيّين، والحسّاب، والخطّاطين، لوجدت أكثرهم مؤدّب كبار ومعلّم صغار، فكم تظنّ أنّا وجدنا منهم، من الرّواة والقضاة والحكماء، والولاة من المناكير والدّهاة، ومن الحماة والكفاة، ومن القادة والذّادة، ومن الرّؤساء والسّادة، ومن كبار الكتاب والشعراء، والوزراء والأدباء، ومن أصحاب الرسائل والخطابة، والمذكورين بجميع أصناف البلاغة، ومن الفرسان وأصحاب الطعان، ومن نديم كريم، وعالم حكيم، ومن مليح ظريف، ومن شابّ
стр. 180
عفيف.
ولا تعجل بالقضيّة حتى تستوفي آخر الكتاب، وتبلغ أقصى العذر، فإنك إنّ كنت تعمّدت تذمّمت، وإن كنت جهلت تعلّمت، وما أظن من أحسن بك الظّنّ إلّا وقد خالف الحزم.
[٥- لجميع اصناف العلوم معلمون]
فصل منه: قال المعلّم: وجدنا لكلّ صنف من جميع ما بالناس إلى تعلّمه حاجة، معلمين، كمعلّمي الكتاب والحساب، والفرائض والقرآن، والنحو والعروض والأشعار، والأخبار والآثار، ووجدنا الأوائل كانوا يتّخذون لأبنائهم من يعلّمهم الكتابة والحساب، ثم لعب الصّوالجة، والرّمي في التّنبوك، والمجثّمة، والطّير الخاطف، ورمي البنجكاز. وقبل ذلك الدّبّوق والنّفخ في السّبطانة. وبعد ذلك الفروسيّة؛ واللّعب بالرّماح والسّيوف، والمشاولة والمنازلة والمطاردة، ثم النّجوم واللّحون، والطبّ والهندسة، وتعلّم النّرد والشّطرنج، وضرب الدّفوف وضرب الأوتار، والوقع والنّفخ في أصناف المزامير.
ويأمرون بتعليم أبناء الرعيّة الفلاحة والنّجارة، والبنيان والصّياغة والخياطة، والسّرد والصّبغ، وأنواع الحياكة. نعم حتّى علّموا البلابل وأصناف الطّير الألحان.
وناسا يعلّمون القرود والدّببة والكلاب والظّباء المكّيّة والببّغاء، والسّقر وغراب البين، ويعلّمون الإبل، والخيل، والبغال، والحمير، والفيلة، أصناف المشي، وأجناس الحضر، ويعلّمون الشّواهين والصّقور والبوازي، والفهود، والكلاب، وعناق الأرض، الصّيد.
ويعلّمون الدّوابّ الطّحن، والبخاتيّ الجمز حتّى يروضوا الهملاج والمعناق، بالتخليع وغير التخليع، وبالموضوع والأوسط والمرفوع.
ووجدنا للأشياء كلّها معلمين.
стр. 181
[٦- الانسان عالم صغير]
وإنّما قيل للإنسان العالم الصّغير، سليل العالم الكبير، لأنّ في الإنسان من جميع طبائع الحيوان أشكالا، من ختل الذئب وروغان الثعلب، ووثوب الأسد، وحقد البعير، وهداية القطاة. وهذا كثير، وهذا بابه.
ولأنّه يحكي كلّ صوت بفيه، ويصوّر كل صورة بيده. ثم فضّله الله تعالى بالمنطق والرّويّة وإمكان التصرف.
وعلى أنا لا نعلم أنّ لأحد من جميع أصناف المعلّمين لجميع هذه الأصناف- كفضيلة المعلّم من الناس الأحداث المنطق المنثور، ككلام الاحتجاج والصّفات، والمناقلات من المسائل والجوابات في جميع العلامات، بين الموزون من القصائد والأرجاز، ومن المزدوج والأسجاع، مع الكتاب والحساب، وما شاكل ذلك ووافقه واتّصل به، وذهب مذهبه.
[٧- معنى المعلم والمؤدب]
وقالوا: إنّما اشتقّ اسم المعلّم من العلم، واسم المؤدّب من الأدب. وقد علمنا أنّ العلم هو الأصل، والأدب هو الفرع.
والأدب إمّا خلق وإمّا رواية، وقد أطلقوا له اسم المؤدّب على العموم.
والعلم أصل لكل خير، وبه ينفصل الكرم من اللّؤم، والحلال من الحرام. والفضل من الموازنة بين أفضل الخيرين، والمقابلة بين أنقص الشرين.
فلم يعرضوا لأحد من هذه الأصناف التي اتّخذ النّاس لها المعلّمين من جميع أنواع الحق والباطل، والسّرف والاقتصاد، والجدّ والهزل، إلّا هؤلاء الذين لا يعلّمون إلّا الكتاب والحساب، والشّعر، والنحو، والفرائض، والعروض.
وما بالسماء من نجوم الاهتداء والأنواء والسّعود، وأسماء الأيّام والشّهور، والمناقلات.
стр. 182
ويمنعهم بالغرامة، ويأخذهم بالصّلاة في الجماعة، ويدرّسهم القرآن، ويهذّب ألسنتهم برواية القصيد والأرجاز، ويعاقب على التّهاون، ويضرب على الفرار، ويأخذهم بالمناقلة، والمناقلة [من] أسباب المنافسة.
لحقيق بخلاف هذه السّيرة، وبضدّ هذه المعاملة.
[٨- فقر الأدباء]
فصل منه: وقد ذهب فوم إلى أنّ الأدب حرف، وطلبه شؤم. وأنشد قول الشاعر:
ما ازددت في أدبي حرفا أسرّ به ... إلّا تزيّدت حرفا تحته شوم
إن المقدّم في حذق بصنعته ... أنّى توجّه فيها فهو محروم
ولم نر شاعرا نال بشعره الرّغائب، ولا أديبا بلغ بأدبه المراتب، ذكر يمن الأدب، ولا بركة قول الشعر. فإذا حرم الواحد منهم، والرجل الشاذّ ذكر حرف الأدب وشؤم الشعر. وإن كان عدد من نال الرغائب أكثر من عدد من أخفق.
ومهما عيّرنا من كان في هذه الصّفة فإنا غير معايرين لأبي يعقوب الخريمي؛ لأنّه نال بالشّعر وأدرك بالأدب.
وليس الذي يحمل أكثر الناس على هذا القول إلّا وجدان المعاني والألفاظ، فإنهم يكرهون أن يضيعوا بابا من إظهار الظّرف وفضل اللسان وهم عليه قادرون.
[٩- المعلم يراعي مستوى الصبي العقلي]
فصل منه: وقد قالوا: الصبي عن الصبي أفهم، وبه أشكل. وكذلك
стр. 183
الغافل والغافل، والأحمق والأحمق، والغبيّ والغبيّ، والمرأة والمرأة. قال الله ﵎: وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا
. لأنّ الناس عن النّاس أفهم، وإليهم أسكن. فممّا أعان الله تعالى به الصّبيان، أن قرّب طبائعهم ومقادير عقولهم من مقادير عقول المعلّمين.
وسمع الحجّاج- وهو يسير- كلام امرأة من دار قوم، فيه تخليط وهذيان، فقال: مجنونة، أو ترقّص صبيا! ألا ترى أنّ أبلغ الناس لسانا، وأجودهم بيانا وأدقّهم فطنة، وأبعدهم رويّة، لو ناطق طفلا أو ناغى صبيّا، لتوخّى حكاية مقادير عقول الصّبيان، والشّبه لمخارج كلامهم، وكان لا يجد بدّا من أن ينصرف عن كلّ ما فضّله الله به بالمعرفة الشريفة، والألفاظ الكريمة. وكذلك تكون المشاكلة بين المتّفقين في الصناعات.
[١٠- تعليم النحو والرياضة]
فصل منه: وأمّا النّحو فلا تشغل قلبه منه إلّا بقدر ما يؤدّيه إلى السلامة من فاحش اللّحن، ومن مقدار جهل العوامّ في كتاب إن كتبه، وشعر إن أنشده، وشيء إن وصفه. وما زاد على ذلك فهو مشغلة عمّا هو أولى به، ومذهل عمّا هو أردّ عليه منه من رواية المثل والشاهد، والخبر الصادق، والتعبير البارع.
وإنّما يرغب في بلوغ غايته ومجاوزة الاقتصار فيه، من لا يحتاج الى تعرّف جسيمات الأمور، والاستنباط لغوامض التدبّر، ولمصالح العباد والبلاد، والعلم بالأركان والقطب الذي تدور عليه الرّحى؛ ومن ليس له حظّ غيره، ولا معاش سواه.
وعويص النحو لا يجري في المعاملات ولا يضطرّ إليه شيء. فمن
стр. 184
الرأي أن يعتمد به في حساب العقد دون حساب الهند، ودون الهندسة وعويص ما يدخل في المساحة. وعليك في ذلك بما يحتاج إليه كفاة السّلطان وكتّاب الدواوين.
وأنا أقول: إن البلوغ في معرفة الحساب الذي يدور عليه العمل، والتّرقّي فيه والسبب اليه، أردّ عليه من البلوغ في صناعة المحرّرين ورؤوس الخطّاطين؛ لأنّ في أدنى طبقات الخطّ مع صحّة الهجاء بلاغا. وليس كذلك حال الحساب.
[١١- تعليم صناعة الكتابة]
ثمّ خذه بتعريف حجج الكتّاب وتخلّصهم باللفظ السّهل القريب المأخذ إلى المعنى الغامض. وأذقه حلاوة الاختصار، وراحة الكفاية، وحذّره التكلّف واستكراه العبارة؛ فإنّ أكرم ذلك كلّه ما كان إفهاما للسامع، ولا يحوج إلى التأويل والتعقّب، ويكون مقصورا على معناه لا مقصّرا عنه، ولا فاضلا عليه.
فاختر من المعاني ما لم يكن مستورا باللفظ المتعقّد، مغرقا في الإكثار والتكلّف، فما أكثر من لا يحفل باستهلاك المعنى مع براعة اللّفظ وغموضه على السامع بعد أن يتّسق له القول، وما زال المعنى محجوبا لم تكشف عنه العبارة. فالمعنى بعد مقيم على استخفائه وصارت العبارة لغوا وظرفا خاليا.
وشرّ البلغاء من هيّأ رسم المعنى قبل أن يهيّىء المعنى، عشقا لذلك اللفظ، وشغفا بذلك الاسم، حتّى صار يجرّ إليه المعنى جرّا، ويلزقه به إلزاقا. حتّى كأنّ الله تعالى لم يخلق لذلك المعنى اسما غيره، ومنعه الإفصاح عنه إلّا به.
والآفة الكبرى أن يكون رديء الطّبع بطيء اللفظ، كليل الحدّ، شديد
стр. 185
العجب، ويكون مع ذلك حريصا على أن يعدّ في البلغاء، شديد الكلف بانتحال اسم الأدباء. فإذا كان كذلك خفي عليه فرق ما بين إجابة الألفاظ واستكراهه لها.
وبالجملة إنّ لكل معنى شريف أو وضيع، هزل أو جدّ، وحزم أو إضاعة، ضربا من اللفظ هو حقّه وحظّه، ونصيبه الذي لا ينبغي أن يجاوزه أو يقصّر دونه.
ومن قرأ كتب البلغاء، وتصفّح دواوين الحكماء، ليستفيد المعاني، فهو على سبيل صواب. ومن نظر فيها ليستفيد الألفاظ فهو على سبيل الخطأ.
والخسران ها هنا في وزن الرّبح هناك؛ لأنّ من كانت غايته انتزاع الألفاظ حمله الحرص عليها، والاستهتار بها إلى أن يستعملها قبل وقتها، ويضعها في غير مكانها. ولذلك قال بعض الشّعراء لصاحبه: أنا أشعر منك! قال صاحبه: ولم ذاك؟ قال: لأنّي أقول البيت وأخاه، وأنت تقول البيت وابن عمّه.
وإنّما هي رياضة وسياسة، والرفيق: مصلح وآخر مفسد. ولا بدّ من هدان وطبيعة مناسبة.
وسماع الألفاظ ضارّ ونافع.
فالوجه النافع: أن يدور في مسامعه، ويغبّ في قلبه، ويختمر في صدره، فإذا طال مكثها تناكحت ثم تلاقحت فكانت نتيجتها أكرم نتيجة، وثمرتها أطيب ثمرة؛ لأنّها حينئذ تخرج غير مسترقة ولا مختلسة ولا مغتصبة، ولا دالّة على فقر؛ إذ لم يكن القصد إلى شيء بعينه، والاعتماد عليه دون غيره. وبين الشيء إذا عشّش في الصّدر ثم باض، ثم فرّخ ثم نهض، وبين أن يكون الخاطر مختارا، واللفظ اعتسافا واغتصابا، فرق بيّن.
стр. 186
ومتى اتّكل صاحب البلاغة على الهوينى والوكال، وعلى السّرقة والاحتيال، لم ينل طائلا، وشقّ عليه النزوع، واستولى عليه الهوان، واستهلكه سوء العادة.
والوجه الضارّ: أن يتحفّظ ألفاظا بعينها من كتاب بعينه، أو من لفظ رجل، ثم يريد أن يعدّ لتلك الألفاظ قسمها من المعاني، فهذا لا يكون إلا بخيلا فقيرا، وحائفا سروقا، ولا يكون إلّا مستكرها لألفاظه، متكلّفا لمعانيه، مضطرب التأليف منقطع النظام. فإذا مرّ كلامه بنقّاد الألفاظ وجهابذة المعاني استخفّوا عقله، وبهرجوا علمه.
ثم اعلم أنّ الاستكراه في كل شيء سمج، وحيث ما وقع فهو مذموم، وهو في الطّرف أسمج، وفي البلاغة أقبح. وما أحسن حاله ما دامت الألفاظ مسموعة من فمه، مسرودة في نفسه، ولم تكن مخلّدة في كتبه.
وخير الكتب ما إذا أعدت النّظر فيه زادك في حسنه، وأوقفك على حدّه.
[١٢- عبد الله بن المقفع]
فصل منه: ومن المعلمين ثم من البلغاء المتأدّبين: عبد الله بن المقفّع، ويكنى أبا عمرو، وكان يتولّى لآل الأهتم، وكان مقدّما في بلاغة اللسان والقلم والتّرجمة، واختراع المعاني وابتداع السّير. وكان جوادا فارسا جميلا، وكان إذا شاء أن يقول الشعر قاله، وكان يتعاطى الكلام. ولم يكن يحسن منه لا قليلا ولا كثيرا. وكان ضابطا لحكايات المقالات، ولا يعرف من أين غرّ المغترّ ووثق الواثق. وإذا أردت أن تعتبر ذلك، إن كنت من خلّص المتكلّمين ومن النّظّارين، فاعتبر ذلك بأن تنظر في آخر رسالته (الهاشمية) ، فإنّك تجده جيّد الحكاية لدعوى القوم، رديّ المدخل في مواضع الطّعن
стр. 187
عليهم.
وقد يكون الرجل يحسن الصّنف والصنفين من العلم، فيظنّ بنفسه عند ذلك أنّه لا يحمل عقله على شيء إلّا نفذ به فيه، كالذي اعترى الخليل بن أحمد بعد إحسانه في النحو والعروض، أن ادّعى العلم بالكلام وبأوزان الأغاني، فخرج من الجهل إلى مقدار لا يبلغه أحد إلّا بخذلان الله تعالى.
فلا حرمنا الله تعالى عصمته، ولا ابتلانا بخذلانه.
فصل منه: وهذان الشاعران جاهليّان، بعيدان من التوليد، وبنجوة من التكليف.
[١٣- تعلم التجارة والصيرفة افضل من عمل السلطان]
فصل منه: ومن خصال العبادة وإن كانت كلّها راجحة فليس فيها شيء أردّ في عاجل، ولا أفضل في آجل من حسن الظنّ بالله تعالى وعزّ.
ثم اعلم أنّ أعقل النّاس السّلطان ومن احتاج إلى معاملته، وعلى قدر الحاجة إليه ينفتح له باب الحيلة، والاهتداء إلى مواضع الحجة. وما أقرب فضل الرّاعي على الرعية من فضل السّائس على الدابّة. ولولا السّلطان لأكل النّاس بعضهم بعضا، كما أنّه لولا المسيم لوثب السّباع على السّوام.
ودعني من تدريسه كتب أبي حنيفة، ودعني من قولهم: اصرفه إلى الصّيارفة؛ فإنّ صناعة الصّرف تجمع مع الكتاب والحساب المعرفة بأصناف الأموال، ولا تجد بدّا من حلّة السّلطان.
ودعني من قول من يقول: قد كانت قريش تجّارا؛ فإن هذا باب لا ينقاس ولا يطّرد. ومن قاس تجّار الكرخ وباعته، وتجّار الأهواز والبصرة، على تجّار قريش، فقد أخطأ مواضع القياس، وجهل أقدار العلل.
стр. 188
قريش قوم لم يزل الله تعالى يقلّبهم في الأرحام البريئة من الآفات، وينقلهم من الأصلاب السليمة من العاهات، ويعبّيهم لكل جسيم، ويربّيهم لكل عظيم.
ولو علم هذا القائل ما كانت قريش عليه في التّحارة لعرف اختلاف السّبل، وتفاوت ما بين الطّرق. ولو كانت علّتهم في ذلك كعلّة تجّار الأبلّة، ومحتكري أهل الحيرة، لثلمت دقّة التجارة في أعراضهم ولنهك سخف التربّح من مروءاتهم، ولصغّر ذلك من أقدارهم في صدور العرب، ولوضع من علوّهم عند أهل الشرف. وكيف وقد ارتحلت أليهم الشّعراء كما ارتحلت الى الملوك العظماء، فأسنوا لهم العطيّة، ولم يقصّروا عن غاية، فسقوا الحجيج وأقاموا القرى لزوّار الله تعالى، وهم بواد غير ذي زرع. فلو أنّه كان معهم من الفضل ما يبهر العقول، ومن المجد ما تحرج فيه العيون، لما أصلح طبائعهم الشيء الذي يفسد جميع الأمة. ولقد أورث ذلك صدورهم من السّعة بقدر ما أورث غيرهم من الضّيق. ولو كانت سبلهم عند الملوك إذا وفدوا عليهم، أو وردوا بلادهم بالتجارات، سبل غيرهم من التّجّار لما أوجهوهم وقرّبوهم، ولما أقاموا لهم قرى الملوك وحبوهم بكرامة الخاصّ.
وإذا كانت قريش حمسا تنسّك في دينها، وتتألّه في عبادتها وكان مانعا.
لهم من الغارات والسّباء، ومن وطء النّساء من جهة المغنم، ولذلك لم يئدوا البنات ولا ولدت منهم امرأة غيرهم من جهة السّباء، ولا زوّجوا أحدا من العرب حتّى يتحمّس ويدين بدينهم. ولذلك لمّا صاروا إلى بناء الكعبة لم يخرجوا في بنائها من أموالهم إلّا مواريث آبائهم ونسائهم، خوفا من أن يخالطه شيء حرام، إذ كانت أرباح التجارات مخوفا عليها ذلك. فلما كانوا بواد غير ذي زرع ويحتاجون إلى الأقوات، وإقامة القرى، لم يجدوا بدا من أن يتكلّفوا ما يعيشهم ويصلح شأنهم، فأخذوا الإيلاف، ورحلوا إلى الملوك
стр. 189
بالتّجارات. فهذا هو السبب.
فانظر كم بين علّتهم وعلّة غيرهم! فيسرّك بعد هذا أن يتحوّل ابنك في مسلاخ صالح الزّرازريشي، أو في طباع ابن بادام، أو في عقل ابن سامري.
فإن زعموا أنّ أصحاب السلطان بعرض مكروه فليعلموا أنّ كلّ مسافر فبعرض مكروه، وقد قال بعض الحكماء: «المسافر ومتاعه على قلت إلا من حفظ الله» ، يعني على هلاك.
وراكب البحر أشدّ خطرا، ومشتري طعام الأهواز أشدّ تهوّرا، ورافع الشّراع بعرض هلكة. والمتعرّض للملاحة والمعرّض نفسه للسّباع أقلّ شفقة.
وسكان الجزائر والسواحل أحقّ بالتعرّض، وأولى بالخوف. والمنهوم بالطعام الرديّ، والمدمن للشّراب أشبه بأصحاب التغرير، والمتباري في ذلك والمتزيّد منه أحقّ بتوقّع الحدثان وحوادث الأزمان، قد جرت عليه عادة الدهر وسيرة الأيام. وهذا كلّه أحقّ بالاهتمام.
وإن كنت إلى الإشفاق تذهب، وإلى إعطاء الحزم أكثر من نصيبه، وكيف دار الأمر فإنّ التاجر قد استشعر الذّلّ، وتغشّى ثوب المذلّة.
وصاحب السلطان قد تجاوز حدّ العزّ والهيبة. وإنما عيبه سكر السّلطان، وإفراط التعظيم. قد استبطن بالعزّ، وظاهر (بالبشر واستحكمت تجربته، وبعدت بصيرته حتّى عرف مصلحة كلّ مصر، وإصلاح كلّ فاسد، وإقامة كلّ معوجّ، وعمارة كلّ خرب.
ولا أعلم في الأرض أعمّ إفلاسا ولا أشدّ نكبة، ولا أكثر تحوّلا من يسر إلى عسر، ولا رأينا الجوائح إلى أحد أهدى منها إلى أموال الصّيارفة. فكيف يقاس شأن قوم تعمّهم المعاطب بشأن قوم أهل السّلامة فيهم أكثر، والنّكبات فيهم أقلّ.
стр. 190
وبعد هذا فإني أرى ألّا تستكرهه فتبغّض إليه الأدب، ولا تهمله فيعتاد اللهو.
على أنّي لا أعلم في جميع الأرض شيئا أجلب لجميع الفساد من قرناء السّوء، والفراغ الفاضل عن الجمام.
درّسه العلم ما كان فارغا من أشغال الرجال، ومطالب ذوي الهمم.
واحتل في أن تكون أحبّ إليه من أمّه. ولا تستطيع أن يمحضك المقة، ويصفي لك المودّة مع كراهته لما تحمل إليه من ثقل التأديب عند من لم يبلغ حال العارف بفضله.
فاستخرج مكنون محبّته ببرّ اللّسان، وبذل المال. ولهذا مقدار من جازه أفرط. والإفراط سرف. ومن قصّر عنه فرّط، والمفرّط مضياع.
ولا تستكثرنّ هذا كلّه فإنّ بعض النّعمة فيه تأتي على أضعاف النعامة، والذي تحاول من صلاح أمر من تؤمّل فيه أن يقوم في أهلك مقامك، وإصلاح ما خلّفت كقيامك، لحقيق بالحيطة عليه، وبإعطائه المجهود من نفسك.
وقال زكريا ﵇: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ.
فعلم الله ﵎، فوهب له غلاما، وقال الله : وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى.
اعلم أنّه أعطاك ولدا عبرة عين العدوّ، وقرّة عين الصديق الوليّ.
فاحمد الله وأخلص في الدّعاء، وأكثر من الخير إن شاء الله تعالى.
стр. 191
٦- هامش كتاب المعلمين
(١) يهجو الجاحظ شخصا ذم المعلمين ويتهمه بالسفه والجهل والبذاءة والغرور.
(٢) فوائد الكتاب في حفظ العلم والاخبار عن الماضي الخ ... وقد عدد الجاحظ فوائد الكتاب في مقدمة كتاب الحيوان حيث أبدع في ذلك.
(٣) الاستنباط تعني التفكير والحكماء هم اصحاب الاستنباط اما الحفظ فمن عمل المقلدين. لاحظ تأثر الجاحظ بالفلسفة.
- القضية تعني الحكم. والحكم عند المنطقيين مؤلف من قضية.
- لاحظ الآراء التربوية حول طبيعة الحفظ وزمانها ومكانها وطبيعة التفكير.
(٤) الفرضيين: علماء الميراث وتقسيم الارث على الورثة.
- القضية: معناها هنا الحكم ايضا.
(٥) الجاحظ لا يتورع عن استعمال الالفاظ الاعجمية مثل التنبوك (القوس) البنجكاز (خمس اخشاب، فارسية مثل التنبوك) . كما يستعمل كلمات عربية اصبحت غريبة بالنسبة لنا لعدم استعمالها مثل الدبوق (لعبة للصبيان) والسبطانة (قناة جوفاء يرمى بها الطير) والمجتمة (حيوان ينصب ويرمى ويقتل) .
(٦) الانسان عالم صغير: وردت هذه الفكرة مع شرحها في الحيوان ج ١ ص ٢١٢ طبعة عبد السلام هارون.
البابة الباب والوجه.
(٧) المعلم مشتق من العلم. والمؤدب مشتق من الأدب. والعلم أصل والأدب فرع.
- الادب له معنيان: معنى خلقي تأديبي، ومعنى تعليمي.
стр. 192
(٨) الحرف الحرمان. الادب لا يشبع ولا يغني من جوع.
(٩) ناطق: تكلم او حدث.
- توخى حكاية مقادير عقول الصبيان: راعى مستوى عقولهم.
(١٠) اللحن: الخطأ في تحريك الكلمات.
(١١) استكراه العبارة: استعمال العبارة الكريهة.
- التأويل: التفسير.
- الطبع: الموهبة الادبية- القريحة.
(١٢) عبد الله بن المقفع: يقدم الجاحظ ترجمة موجزة له. والجديد في هذه الترجمة قوله أنه اشتغل بعلم الكلام دون اجادة فيه.
(١٣٢) التجار وعمال السلطان: هذه الفقرة مشتركة بين كتاب المعلمين وكتاب «مدح التجار وذم السلطان» . وفيه يمدح قريشا وخصالها ومهارتها في التجارة ويتحدث عن الايلاف الذي عقدته مع ملوك اليمن والحبشة والشام وفارس. ونجد كلاما مشابها عن خصال قريش في كتاب الاوطان والبلدان، وكتاب فضل هاشم على بني عبد شمس.
стр. 193
[٧- رسالة طبقات المغنين]
(- ٧- طبقات المغنين)
стр. 194
[١- تصنيف العلوم]
فصل منه: ثمّ إنّا وجدنا الفلاسفة المتقدّمين في الحكمة، المحيطين بالأمور معرفة، ذكروا أنّ أصول الآداب التي منها يتفرّع العلم لذوي الألباب أربعة:
فمنها النّجوم وبروجها، وحسابها الذي يعرف به الأوقات والأزمنة، وعليها مزاج الطّبائع وأيّام السّنة.
ومنها الهندسة وما اتّصل بها من المساحة والوزن والتقدير، وما أشبه ذلك.
ومنها الكيمياء والطّبّ اللّذان بهما صلاح المعاش وقوام الأبدان، وعلاج الأسقام، وما يتشعّب من ذلك.
ومنها اللّحون ومعرفة أجزائها وقسمها، ومقاطعها ومخارجها ووزنها، حتّى يستوي على الإيقاع ويدخل في الوتر وغير ذلك ممّا اقتصرنا من ذكره على أسمائه وجمله، اجتنابا للتّطويل، وتوخّيا للاختصار. وقصدنا للأمر الذي إليه انتهينا، وإيّاه أردنا. والله الموفق وهو المستعان.
стр. 195
[٢- الخليل يضع علمي الغناء والعروض]
ولم يزل أهل كلّ علم فيما خلا من الأزمنة يركبون منهاجه، ويسلكون طريقه، ويعرفون غامضه، ويسهّلون سبيل المعرفة بدلائله، خلا الغناء، فإنّهم لم يكونوا عرفوا علله وأسبابه ووزنه وتصاريفه، وكان علمهم به على الهاجس وعلى ما يسمعون من الفارسيّة والهندية إلى أن نظر الخليل البصريّ في الشّعر ووزنه، ومخارج ألفاظه، وميّز ما قالت العرب منه، وجمعه وألّفه، ووضع فيه الكتاب الذي سمّاه العروض، وذلك أنّه عرض جميع ما روي من الشّعر وما كان به عالما، على الأصول التي رسمها، والعلل التي بيّنها، فلم يجد أحدا من العرب خرج منها، ولا قصّر دونها. فلمّا أحكم وبلغ منه ما بلغ، أخذ في تفسير النّغم واللّحون، فاستدرك منه شيئا، ورسم له رسما احتذى عليه من حلفه، واستتمّه من عني به.
[٣- ابراهيم الموصلي يتم علم الغناء]
وكان إسحاق بن إبراهيم الموصليّ أوّل من حذا حذوه، وامتثل هديه، واجتمعت له في ذلك آلات لم تجتمع للخليل بن أحمد قبله، منها معرفته بالغناء، وكثرة استماعه إيّاه وعلمه بحسنه من قبيحه، وصحيحه من سقيمه.
ومنها حذقه بالضّرب والإيقاع، وعلمه بوزنها. وألّف في ذلك كتبا معجبة، وسهل له فيها ما كان مستصعبا على غيره، فصنع الغناء بعلم فاضل، وحذق راجح، ووزن صحيح، وعلى أصل مستحكم له دلائل صحيحة واضحة، وشواهد عادلة. ولم نر أحدا وجد سبيلا إلى الطّعن عليه والعيب له.
стр. 196
وصنع كثير من أهل زمانه أغانيّ كثيرة بهاجس طبعهم والاتّباع لمن سبقهم، فبعض أصاب وجه صوابه، وبعض أخطأ، وبعض قصّر في بعض وأحسن في بعض.
[٤- طبقات المغنين في عصر الجاحظ]
ووجدنا لكلّ دهر دولة للمغنّين يحملون الغناء عنهم، ويطارحون به فتيان زمانهم، وجواري عصرهم. وكان يكون في كلّ وقت من الأوقات قوم يتنادمون، ويستحسنون الغناء، ويميّزون رديّه من جيّده، وصوابه من خطائه، ويجمعون إلى ذلك محاسن كثيرة في آدابهم وأخلاقهم، وروائهم وهيئاتهم، فلم نجد هذه الطبقة ذكروا. ووجدنا ذكر الغناء وأهله باقيا.
وخصصنا في أيّامنا وزماننا بفتية أشراف، وخلّان نظاف، انتظم لهم من آلات الفتوّة وأسباب المروءة ما كان محجوبا عن غيرهم، معدوما من سواهم، فحملني الكلف والمودّة لهم والسّرور بتخليد فخرهم وتشييد ذكرهم والحرص على تقويم أود ذي الأود منهم حتّى يلحق بأهل الكمال في صناعته، والفضل في معرفته، على تمييز طبقة [على] طبقة منهم، وتسمية أهل كلّ طبقة بأوصافهم، وآلاتهم وأدواتهم، والمذاهب التي نسبوا إليها أنفسهم، واحتملهم إخوانهم عليها. وخلطنا جدّا بهزل، ومزجنا تقريعا بتعريض، ولم نرد بأحد ممّن سمّينا سوءا، ولا تعمّدنا نقدا ولا تجاوزنا حدّا.
ولو استعملنا غير الصّدق لفضّلنا قوما وحابينا آخرين. ولم نفعل ذلك؛ تجنّبا للحيف، وقصدا للإنصاف. وقد نعلم أنّ كثيرا منهم سيبالغ في الذمّ، ويحتفل في الشتم، ويذهب في ذلك غير مذهبنا.
وما أيسر ذلك فيما يجب من حقوق الفتيان وتفكيههم، والله حسيب من ظلم، عليه نتوكل وبه نستعين، وهو ربّ العرش العظيم.
стр. 197
ولم نقصد في وصف من وصفنا من الطبقات التي صنّفنا منهم، إلّا لمن أدركنا من أهل زماننا ممّن حصل بمدينة السلام، إذ من خرج عنها ونزع إلى الفتوّة بعد التّوبة، وإلى أخلاق الحداثة بعد الحنكة، وذلك في سنة خمس عشرة ومائتين. فرحم الله امرأ أحسن في ذلك أمرنا، وحذا فيه حذونا، ولم يعجل إلى ذمّنا، ودعا بالمغفرة والرحمة لنا.
[٥- طريقة تأليف الكتاب]
وقد تركنا في كلّ باب من الأبواب التي صنّفنا في كتابنا، فرجا لزيادة إن زادت، ولاحقة إن لحقت، أو نابتة إن نبتت. ومن عسى أن ينتقل به الحذق من مرتبته إلى ما هو أعلى منها، أو يعجز به القصور عمّا هو عليه منها إلى ما هو دونها، إلى مكانه الذي إليه نقله ارتفاع درجة أو انحطاطها، ومن لعلّنا نصير إلى ذكره ممن عزب عنّا ذكره، وأنسينا اسمه، ولم يحط علمنا به، فنصيّره في موضعه، ونلحقه بأصحابه.
وليس لأحد أن يثبت شيئا من هذه الأصناف إلّا بعلمنا، ولا يستبدّ بأمر فيه دوننا. ويورد ذلك علينا فنمتحنه، ونعرّفه بما عنده، ويصير إلى ترتيبه في المرتبة التي يستحقّها، والطّبقة التي يحتملها.
[٦- الاحتياط من العيب]
فلما استتبّ لنا الفراغ مما أردنا من ذلك خطر ببالنا كثرة العيّابين من الجهّال بربّ العالمين، فلم نأمن أن يسرعوا بسفه رأيهم وخفّة أحلامهم إلى نقض كتابنا وتبديله، وتحريفه عن مواضعه، وإزالته عن أماكنه التي عليها رسمنا، وأن يقول كلّ امرىء منهم في ذلك على حاله، وبقدر هواه ورأيه،
стр. 198
وموافقته ومخالفته، والميل في ذلك إلى بعض، والذمّ لطبقة والحمد لأخرى، فيهجّنوا كتابنا، ويلحقوا بنا ما ليس من شأننا.
وأحببنا أن نأخذ في ذلك بالحزم، وأن نحتاط فيه لأنفسنا ومن ضمّه كتابنا، ونبادر إلى تفريق نسخ منها وتصييرها في أيدي الثّقات والمستبصرين، الذين كانوا في هذا الشأن، ثم ختموا ذلك بالعزلة والتّوبة منه، كصالح بن أبي صالح، وكأحمد بن سلّام، وصالح مولى رشيدة.
ففعلنا ذلك وصيّرناه أمانة في أعناقهم، ونسخة باقية في أيديهم، ووثقنا بهم أمناء ومستودعين وحفظة غير مضيّعين ولا متّهمين. وعلمنا أنّهم لا يدعون صيانة ما استودعوا، وحفظ ما عليه ائتمنوا.
فإن شيب به شوب يخالفه، وأضيف إليه ما لا يلائمه، رجعنا إلى النّسخة المنصوبة، والأصول المخلّدة عند ذوي الأمانة والثّقة، واقتصرنا عليها، واستعلينا بها على المبطلين، ودفعنا بها إدغال المدغلين، وتحريف المحرّفين، وتزيّد المتزيّدين، إن شاء الله.
ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
стр. 199
٧- هامش كتاب طبقات المغنين
(١) الكتاب يخلو من المقدمة التقليدية التي عهدناها في مؤلفات الجاحظ كالدعوة الى الهداية والسلامة والتوفيق الخ..
- الفلاسفة: هم الذين تقدموا في الحكمة واحاطوا بمعرفة الامور.
- الآداب: تتفرع منها العلوم. الفلاسفة كانوا يجعلون الفلسفة ام العلوم ومنها تتفرع. ولكن هنا تحل لفظة الآداب محل الفلسفة وتعتبر الاصول التي تتفرع منها العلوم. الخلط ظاهر بين المفهومين.
(٢) الخليل البصري: هو الخليل بن احمد الفراهيدي الذي وضع اسس علم الموسيقى العربي، واكتشف علم العروض، واسهم في بناء علم النحو وعلم المعاجم. عاش في البصرة وتوفي فيها سنة ٧٨٦ م.
(٣) اسحق بن ابراهيم الموصلي قلد الخليل واكمل علم الموسيقى والغناء. نشأ ومات في بغداد (٧٧٢- ٨٥٠ م) ونادم الخلفاء. وترك عدة كتب في الموسيقى والأدب.
(٤) طبقات المغنين في عصر الجاحظ وفي بغداد يقسمون الى فئتين. فئة تركت الغناء وتابت يذكر منهم ثلاثة هم صالح بن ابي صالح، واحمد بن سلام، وصالح مولى رشيدة. وفئة لا تزال تمارس الغناء وهم فتية يعطف عليهم الجاحظ ولكنه لم يذكر هنا احدا منهم.
(٥) طريقة تأليف الكتاب ليست جديدة على الجاحظ فقد اتبعها في البيان والتبين، او خطط لها ولكن لم يتقيد بها نظرا لميله الى الاستطراد.
стр. 200
(٦) خوف الجاحظ من العيابين الذين يسفهون كتابه او يسرعون الى نقضه وتحريفه عن مواضعه هو الذي حداه على ايداع نسخ يرجع اليها لدى حدوث ذلك.
هذا التدبير يثير العجب ويدعو الى الشك في صحة ما وصلنا من الكتاب ذاته.
стр. 201
[٨- رسالة الوكلاء]
(- ٨- الوكلاء)
стр. 202
[١- المقدمة]
فصل منه: وفّقك الله للطّاعة، وعصمك من الشّبهة، وأفلجك بالحجّة، وختم لك بالسعادة.
[٢- يجب التثبت في الأمور]
غبرت- أصلحك الله- أزمان وأنت عندي ممّن لا يمضي القول إلّا بعد التثبّت، ولا يخرج الكتاب إلّا بعد التصفّح، وكنت حريّا بتهيئة الرأي الفطير، جديرا أن تميّل بنفسك عاقبة التّفريط. ولولا كثرة مرور أيّام المطالبة عليك لما ثقل عليك التثبّت، ولولا قصر أيّام التحصيل لما وثقت بأوّل خاطر، ولولا سوء العادة لما كذبك رائد النّظر واتّهمت الرأي.
[٣- ينبغي عدم الانقياد مع الهوى]
واعترام الغضبان يهوّر الأعمار، فإنّ الغضبان أسوأ أثرا على نفسه من
стр. 203
لسّكران، ولولا أنّ نار الغضب تخبو قبل إفاقة المعتوه، وضباب السّكر ينكشف قبل انكشاف غروب عقل المذلّه، وأنّ حكم الظاعن خلاف حكم المقيم، وقضيّة المجتاز خلاف قضيّة الماكث، لكانت حال الغضبان أسوأ مغبّة، وجهله أوبأ، على أنّ الحكم له ألزم والنّاس له ألوم.
وما أكثر ما يقحم الغضب المقاحم التي لا يبلغها جناية الجنون، وفرط جهل المصروع.
فصل منه: وإنّ الغمر لا يكون إلّا عديم الآلة، منقطع المادّة، يرى الغيّ رشدا والغلوّ قصدا. فلو كنت إذا جنيت لم تقم على الجناية، وإذا عزمت على القول لم تخلّده في الكتب، وإذا خلّدته لم تظهر التبجّح به، والاستبصار فيه، كان علاج ذلك أيسر، وكانت أيّام سقمك أقصر.
فأخزى الله التصميم إلّا مع الحزم، والاعتزام إلّا بعد التثبّت والعلم إلّا مع القريحة المحمودة، والنّظر إلّا مع استقصاء الرويّة.
وأخلق بمن كان في صفتك، وأحر بمن جرى على دربك، ألّا يكون سبب تسرّعه، وعلّة تشحّنه إلّا من ضيق الصّدر.
وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر. فقد صحّ الآن أنّ سعة الصّدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع.
[٤- ينبغي الاحتراز من اصدار الآراء الفطيرة]
وقد رأيتك- حفظك الله- خوّنت جميع الوكلاء وفجّرتهم، وشنّعت على جميع الورّاقين وظلمتهم، وجمعت المعلّمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم، وتناسيت محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلّة، حتّى صوّب نفسك عند السّامع لكلامك، والقارىء كتابك، أنّك ممن ينكر الحقّ جهلا،
стр. 204
أو يتركه معاندة له. وقد علم النّاس أنّ من تركه جهلا به أصغر إثما ممن تركه عمدا.
ولعمري إنّ العلم لطوع يديك، والمتصرّف مع خواطرك، والمستملي من بديهتك، كما يستملي من ثمرة فكرك، والمحصّل من رويّتك. ولكنّ الرأي لك أن لا تثق بما يرسمه العلم في الخلاء، وتتوقّاه في الملاء.
اعلم أنّك متى تفرّدت بعلمك استرسلت إليه. ومتى ائتمنت على نفسك نواجم خواطرك، فقد أمكنت العدوّ من ربقة عنقك. وبنية الطّبائع وتركيب النفوس، والذي جرت عليه العادة، إهمال النّفس في الحلا، واعتقالها في الملا.
فتوقّف عند العادة، واتّهم النّفس عند الاسترسال والثّقة. قال ابن هرمة:
إنّ الحديث تغرّ القوم خلوته ... حتّى يكون له عيّ وإكثار
وبئس الشيء العجب، وحسن الظّنّ بالبديهة! واعلم أنّ هذه الحال التي ارتضيتها لشأنك هي أمنيّة العدوّ، ونهزة الخصم، ومتى أبرزت كتابك على هذه الصّورة وأفرغته هذا الإفراغ، ثم سبكته هذا السّبك، فليس بعدوّك حاجة إلى التكذيب عليك، وقول الزّور فيك، لأنّك قد مكّنته من عرضك، وحكّمته في نفسك.
وبعد، فمن يعجز عن عيب كتاب لم يحرس بالتثبّت، ولم يحصّن بالتصفّح، ولم يغبّ بالمعاودة والنّظر، ولم يقلّب فيه الطّرف من جهة الإشفاق والحذر. فكيف يوفّق الله الواثق بنفسه، والمستبدّ برأيه لأدب ربّه، ولما وصّى به نبيّه ﷺ [حين قال لرجل خاصم عنده رجلا فقال في بعض كلامه: حسبي الله! فقال النبيّ ﷺ ] : «أبل الله
стр. 205
من نفسك عذرا، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله» .
وزعمت في أوّل تشنيعك عليهم، فقلت: قال يعقوب بن عبيد لبعض ولده حين قال له في مرضه: أيّ شيء تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
وقد كان ترك التّجارة من سوء معاملتهم وفحش خبائثهم.
[٥- لا ينبغي تعميم الحكم على جميع الوكلاء]
فصل منه: قد فهمنا عذرك وسمعنا قولك، فاسمع الآن ما نقول:
اعلم أنّ الوكيل، والأجير، والأمين، والوصيّ، في جملة الأمر، يجرون مجرى واحدا. فأيش لك أن تقضي على الجميع بإساءة البعض. ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخوّنّا جميع الأمناء، واتّهمنا جميع الأوصياء وأسقطناهم، ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلّة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد وفسدت المستغلّات، واضطربت التّجارات، وعادت النّعمة بليّة والمعونة حرمانا، والأمر مهملا، والعهد مريجا.
ولو أنّ التّجّار وأهل الجهاز صاحبوا الجمّالين والمكارين والملّاحين، حتّى يعاينوا ما نزل بأموالهم في تلك الطّرق والمياه، والمسالك والخانات، لكان عسى أن يترك أكثرهم الجهاز.
فصل منه: وقد قال الله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
، وقال: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ
وقال: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ.
وقال يوسف النبيّ ﷺ لفرعون وفرعون كافر:
стр. 206
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ.
وقالت بنت شعيب في موسى بن عمران: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
: فجمع جميع ما يحتاج إليه في الكلمتين.
وفي قياسك هذا إسقاط جميع ما أدّبنا الله به، وجعله رباطا لمراشدنا في ديننا، ونظاما لمصالحنا في دنيانا.
والذي يلزمني لك أن لا أعمّهم بالبراءة، والذي لزمك أن لا تعمّهم بالتّهمة، وأن تعلم أنّ نفعهم عامّ، وخيرهم خاصّ.
وقالوا: مثل الإمام الجائر مثل المطر، فإنّه يهدم على الضعيف، ويمنع المسافر.
وقال النبي- ﷺ «حوالينا ولا علينا» .
والمطر وإن أفسد بعض الثّمار، وأضرّ ببعض الأكرة فإنّ نفعه غامر لضرره.
وليس شيء من الدّنيا يكون نفعه محضا، وشرّه صرفا. وكذلك الإمام الجائر، وإن استأثر ببعض الفيء، وعطّل بعض الحكم، فإنّ مضارّه مغمورة بمنافعه.
قالوا: وكذلك أمر الوكلاء والأوصياء والأمناء، لا تعلم قوما الشرّ فيهم أعتم ولا الغشّ فيهم أكثر من الأكرة، وما يجوز لنا مع هذا أن نعمّهم بالحكم مع إنّ الحاجة إليهم شديدة، ونزع هذه العادة [وهذا] الخلق منهم أشدّ.
فصل منه: وأنّا أظنّ أنّ الذنب مقسوم بينك وبين وكلائك. فارجع إلى نفسك فلعلّك أن ترى أنّك إنّما أتيت من قبل الفراسة، أو من قبل أنّك لم تقطع لهم الأجرة السنيّة، وحملتهم على غاية المشقّة في أداء الأمانة وتمام
стр. 207
النّصيحة.
[٦- لا بد من صحة الفراسة في معرفة الرجال]
فصل منه: ولابدّ في باب البصر بجواهر الرجال من صدق الحسّ، ومن صحّة الفراسة، ومن الاستدلال في البعض على الكلّ، كما استدلّت بنت شعيب- صلوات الله عليه- حين قضت لموسى- ﵇ بالأمانة والقوّة، وهما الرّكنان اللذان تبنى عليهما الوكالة.
[٧- خطر قول «ما ترك الاول للآخر شيئا» ]
فصل منه: وقد قالوا: ليس ممّا يستعمل الناس كلمة أضرّ بالعلم والعلماء، ولا أضرّ بالخاصّة والعامّة، من قولهم: «ما ترك الأوّل للآخر شيئا» .
ولو استعمل النّاس معنى هذا الكلام فتركوا جميع التكلّف، ولم يتعاطوا إلّا مقدار ما كان في أيديهم لفقدوا علما جمّا ومرافق لا تحصى، ولكن أبى الله إلّا أن يقسم نعمه بين طبقات جميع عباده قسمة عدل، يعطى كلّ قرن وكلّ أمّة حصّتها ونصيبها؛ على تمام مراشد الدّين، وكمال مصالح الدنيا.
فهؤلاء ملوك فارس نزلوا على شاطىء الدّجلة، من دون الصّراة إلى فوق بغداد، في القصور والبساتين؛ وكانوا أصحاب نظر وفكر، واستخراج واستنباط، من لدن أزدشير بن بابك إلى فيروز بن يزدجرد.
وقبل ذلك ما نزلها ملوك الأشكان، بعد ملوك الأردوان.
فهل رأيتم أحدا اتّخذ حرّاقة، أو زلّالة، أو قاربا؟! وهل عرفوا الحنش مع حرّ البلاد ووقع السّموم؟!
стр. 208
وهل عرفوا الجمّازات لأسفارهم ومنتزهاتهم؟! وهل عرف فلّاحوهم الثّمار المطعّمة، وغراس النخل على الكردات المسطّرة؟.
وأين كانوا عن استخراج فوه العصفر؟ وأين كانوا عن تغليق الدّور والمدن، وإقامة ميل الحيطان والسّواري المائلة الرؤوس، الرفيعة السّموك المركّبة بعضها على بعض؟! وأين كانوا عن مراكب البحر في ممارسة العدو الذي في البحر، إن طارت البوارج أدركتها، وإن أكرهتها فاتتها بعد أن كان القوم أسرى في بلاد الهند، يتحكّمون عليهم ويتلعّبون بهم؟
وأين كانوا عن الرّمي بالنيران؟! نعم، وكانوا يتّخذون الأحصار وينفقون عليها الأموال، رجالهم دسم العمائم، وسخة القلانس، وكان الرّجل منهم إذا مرّ بالعطار، أو جلس إليه، فأراد كرامته دهن رأسه ولحيته، لا يحتشم من ذلك الكبير، وكان أهل البيت إذا طبخوا اللّحم غرفوا للجار والجارة غرفة غرفة.
стр. 209
٨- هامش كتاب الوكلاء
(١) افلجك بالحجة او افلحك بالحجة: يراد به منحك الحجة والبينة في اعمالك.
(٢) التثبت: التحقيق.
التصفح: المراجعة واعادة النظر، وتقليبه.
الرأي الفطير: الرأي الفج الذي لم ينضج.
(٣) يهور: يتلف، يقضي.
الغمر: الجاهل، وعديم التجربة او الخبرة.
(٤) العلم طوع يديك والمتصرف مع خواطرك: يراد به انه من صنعك.
- الملأ: الجمع من الناس.
- نهزة: المناسبة الموافقة للغاية.
(٥) ايش لك: تخفيف للكلمتين: اي شيء. مثل ويلمه بدل ويل لأمه.
- العقد: العقود، الاتفاقات.
(٦) «ولا بد ... ومن الاستدلال في البعض على الكل» هذا يناقض كل ما قاله الجاحظ في الفقرة السابقة من عدم تعميم الحكم. ويبدو ان بعض التحريف في أجزاء العبارة ادى الى ان يكون معناها مناقضا لمعنى الفقرة السابقة.
(٧) التكلف: لا يراد بها التصنع، بل تحمل الكلفة والمشقة او التعب في سبيل البحث والاستنباط.
стр. 210
- ملوك الاشكان بعد ملوك الاردوان: طائفتان من ملوك الفرس حكموا بعد اجتياح الاسكندر ايران وموافقة منه.
- حراقة، زلالة: نوعان من السفن السريعة الحركة.- الحنيش: ثياب رقيقة من الكتان.
- الجمازات: الابل.
- الكردات: القنوات التي تجريها المياه بين المزارع.
стр. 211
[٩- رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان]
(- ٩- مدح التجار وذم عمل السلطان)
стр. 212
[١- مقدمة]
فصل منه: أدام الله لك السّلّامة، وأسعدك بالنّعمة، وختم لك بالسّعادة، وجعلك من الفائزين.
فهمت كتاب صاحبك، ووقفت منه على تعدّ في القول، وحيف في الحكم؛ وسمعت قوله. وهو على كلّ حال حائر، وطريقه طريقهم، وكتبه تشاكل كتبهم، وألفاظه تطابق ألفاظهم.
وكذلك حالنا وحال صاحب كتابك فيما يسخطه من أمرنا، أنّي لا أعتذر منه، وأستنكف من الانتساب إليه، بل أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب إليها من البلاغة أن أعرف بها في غير موضعها، ومن السّجع أن يظهر منّي، ومن الصّنعة أن تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون منّي.
وقديما كره ذلك أهل المروءة والأنفة، وأهل الاختيار للصّواب والصّدّ عن الخطإ، حتّى إنّ معاوية مع تخلّفه عن مراتب أهل السّابقة، أملى كتابا إلى رجل فقال فيه: «لهو أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من كلاب الحرّة» ثم قال: «امح: من كلاب الحرّة، واكتب: من الكلاب» . كأنّه كره اتّصال
стр. 213
الكلام والمزاوجة وما أشبه السّجع، وأري أنّه ليس في موضعه
[٢- فضيلة التجار]
فصل منه: وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشوة أتباع السّلطان. فأمّا عليتهم ومصاصهم، وذوو البصائر والتمييز منهم، ومن فتقته الفطنة، وأرهفه التأديب، وأرهقه طول الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب، فعرف العواقب وأحكم التفصيل وتبطّن غوامض التحصيل، فإنهم يعترفون بفضيلة التّجّار ويتمنّون حالهم، ويحكمون لهم بالسّلامة في الدّين، وطيب الطّعمة، ويعلمون أنّهم أودع النّاس بدنا وأهنؤهم عيشا، وآمنهم سربا، لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرّتهم، يرغب إليهم أهل الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذّلّة في مكاسبهم، ولا يستعبدهم الضّرع لمعاملاتهم.
[٣- ذل رجال السلطان]
وليس هكذا من لابس السّلطان بنفسه، وقاربه بخدمته؛ فإنّ أولئك لباسهم الذّلّة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممّن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها الرّعب، وألفها الذّلّ، وصاحبها ترقّب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفا من سطوة الرّئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدّول، واعتراض حلول المحن. فإن هي حلّت بهم، وكثيرا ما تحلّ، فناهيك بهم مرحومين يرقّ لهم الأعداء فضلا عن الأولياء.
فكيف لا يميّز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله، وبين من قد نال الرّفاهية والدّعة، وسلم من البوائق، مع كثرة الإثراء وقضاء اللّذّات، من غير منّة لأحد، ولا منّة يعتدّ بها رئيس ومن هو من نعم المفضلين خليّ، وبين
стр. 214
من قد استرقّه المعروف، واستعبده الطّمع، ولزمه ثقل الصّنيعة، وطوّق عنقه الامتنان، واسترهن بتحمّل الشّكر.
[٤- شهرة قريش بالتجارة]
فصل منه: وقد علم المسلمون أنّ خيرة الله تعالى من خلقه، وصفيّه من عباده، والمؤتمن على وحيه، من أهل بيت التّجارة، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم، وسيرة خلفهم.
ولقد بلغتك بسالتهم، ووصفت لك جلادتهم، ونعتت لك أحلامهم، وتقرّر لك سخاؤهم وضيافتهم، وبذلهم ومواساتهم. وبالتّجارة كانوا يعرفون.
ولذلك قالت كاهنة اليمن «لله درّ الدّيار لقريش التّجّار» .
وليس قولهم: قرشيّ كقولهم: هاشمي، وزهري وتيمي، لأنّه لم يكن لهم أب يسمّى قريشا فينتسبون إليه، ولكنّه اسم اشتقّ لهم من التجارة والتّقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوّه الله تعالى به في كتابه، وخصّهم به في محكم وحيه وتنزيله، فجعله قرآنا عربيّا يتلى في المساجد، ويكتب في المصاحف، ويجهر به في الفرائض، وحظوة على الحبيب والخالص.
ولهم سوق عكاظ، وفيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف
وقد غبر النبيّ ﷺ برهة من دهره تاجرا، وشخص فيه مسافرا، وباع واشترى حاضرا، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولم يقسم الله مذهبا رضيّا، ولا خلقا زكيّا ولا عملا مرضيّا إلّا وحظّه منه أوفر الحظوظ، وقسمه فيه أجزل الأقسام.
стр. 215
ولشهرة أمره في البيع والشّراء قال المشركون: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
، فأوحى الله إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
. فأخبر أنّ الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات.
[٥- التجار لا تعدوهم العلوم]
فصل منه: وإنّ الذي دعا صاحبك إلى ذمّ التجارة توهمه بقلّة تحصيله، انها تنقص من العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما. فأيّ صنف من العلم لم يبلغ التّجّار فيه غاية، أو يأخذوا منه بنصيب، أو يكونوا رؤساء أهله وعليتهم؟! هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيّب أو أنبل؟ وقد كان تاجرا يبيع ويشتري، وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله ﷺ وآله ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ- رضوان الله عليهم- قضاء إلّا وقد علمته.
وكان أعبر النّاس للرّؤيا وأعلمهم بأنساب قريش، وهو من كان يفتي أصحاب رسول الله ﷺ وهم متوافرون. وله بعد علم بأخبار الجاهليّة والإسلام، مع خشوعه وشدّة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدّمه على الجبّارين.
ومحمّد بن سيرين في فقهه وورعه وطهارته.
ومسلم بن يسار في علمه وعبادته، واشتغاله بطاعة ربّه.
وأيّوب السّختيانيّ، ويونس بن عبيد، في فضلهما وورعهما.
следующие страницы →