Полный текст (465 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
[٩- رسالة مدح التجار وذم عمل السلطان]
(- ٩- مدح التجار وذم عمل السلطان)
стр. 212
[١- مقدمة]
فصل منه: أدام الله لك السّلّامة، وأسعدك بالنّعمة، وختم لك بالسّعادة، وجعلك من الفائزين.
فهمت كتاب صاحبك، ووقفت منه على تعدّ في القول، وحيف في الحكم؛ وسمعت قوله. وهو على كلّ حال حائر، وطريقه طريقهم، وكتبه تشاكل كتبهم، وألفاظه تطابق ألفاظهم.
وكذلك حالنا وحال صاحب كتابك فيما يسخطه من أمرنا، أنّي لا أعتذر منه، وأستنكف من الانتساب إليه، بل أستحي من الكتابة، وأستنكف بأن أنسب إليها من البلاغة أن أعرف بها في غير موضعها، ومن السّجع أن يظهر منّي، ومن الصّنعة أن تعرف في كتبي، ومن العجب بكثير ما يكون منّي.
وقديما كره ذلك أهل المروءة والأنفة، وأهل الاختيار للصّواب والصّدّ عن الخطإ، حتّى إنّ معاوية مع تخلّفه عن مراتب أهل السّابقة، أملى كتابا إلى رجل فقال فيه: «لهو أهون عليّ من ذرّة، أو كلب من كلاب الحرّة» ثم قال: «امح: من كلاب الحرّة، واكتب: من الكلاب» . كأنّه كره اتّصال
стр. 213
الكلام والمزاوجة وما أشبه السّجع، وأري أنّه ليس في موضعه
[٢- فضيلة التجار]
فصل منه: وهذا الكلام لا يزال ينجم من حشوة أتباع السّلطان. فأمّا عليتهم ومصاصهم، وذوو البصائر والتمييز منهم، ومن فتقته الفطنة، وأرهفه التأديب، وأرهقه طول الفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب، فعرف العواقب وأحكم التفصيل وتبطّن غوامض التحصيل، فإنهم يعترفون بفضيلة التّجّار ويتمنّون حالهم، ويحكمون لهم بالسّلامة في الدّين، وطيب الطّعمة، ويعلمون أنّهم أودع النّاس بدنا وأهنؤهم عيشا، وآمنهم سربا، لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرّتهم، يرغب إليهم أهل الحاجات، وينزع إليهم ملتمسو البياعات، لا تلحقهم الذّلّة في مكاسبهم، ولا يستعبدهم الضّرع لمعاملاتهم.
[٣- ذل رجال السلطان]
وليس هكذا من لابس السّلطان بنفسه، وقاربه بخدمته؛ فإنّ أولئك لباسهم الذّلّة، وشعارهم الملق، وقلوبهم ممّن هم لهم خول مملوءة، قد لبسها الرّعب، وألفها الذّلّ، وصاحبها ترقّب الاحتياج؛ فهم مع هذا في تكدير وتنغيص، خوفا من سطوة الرّئيس وتنكيل الصاحب، وتغيير الدّول، واعتراض حلول المحن. فإن هي حلّت بهم، وكثيرا ما تحلّ، فناهيك بهم مرحومين يرقّ لهم الأعداء فضلا عن الأولياء.
فكيف لا يميّز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله، وبين من قد نال الرّفاهية والدّعة، وسلم من البوائق، مع كثرة الإثراء وقضاء اللّذّات، من غير منّة لأحد، ولا منّة يعتدّ بها رئيس ومن هو من نعم المفضلين خليّ، وبين
стр. 214
من قد استرقّه المعروف، واستعبده الطّمع، ولزمه ثقل الصّنيعة، وطوّق عنقه الامتنان، واسترهن بتحمّل الشّكر.
[٤- شهرة قريش بالتجارة]
فصل منه: وقد علم المسلمون أنّ خيرة الله تعالى من خلقه، وصفيّه من عباده، والمؤتمن على وحيه، من أهل بيت التّجارة، وهي معوّلهم وعليها معتمدهم، وهي صناعة سلفهم، وسيرة خلفهم.
ولقد بلغتك بسالتهم، ووصفت لك جلادتهم، ونعتت لك أحلامهم، وتقرّر لك سخاؤهم وضيافتهم، وبذلهم ومواساتهم. وبالتّجارة كانوا يعرفون.
ولذلك قالت كاهنة اليمن «لله درّ الدّيار لقريش التّجّار» .
وليس قولهم: قرشيّ كقولهم: هاشمي، وزهري وتيمي، لأنّه لم يكن لهم أب يسمّى قريشا فينتسبون إليه، ولكنّه اسم اشتقّ لهم من التجارة والتّقريش، فهو أفخم أسمائهم وأشرف أنسابهم، وهو الاسم الذي نوّه الله تعالى به في كتابه، وخصّهم به في محكم وحيه وتنزيله، فجعله قرآنا عربيّا يتلى في المساجد، ويكتب في المصاحف، ويجهر به في الفرائض، وحظوة على الحبيب والخالص.
ولهم سوق عكاظ، وفيهم يقول أبو ذؤيب:
إذا ضربوا القباب على عكاظ ... وقام البيع واجتمع الألوف
وقد غبر النبيّ ﷺ برهة من دهره تاجرا، وشخص فيه مسافرا، وباع واشترى حاضرا، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
ولم يقسم الله مذهبا رضيّا، ولا خلقا زكيّا ولا عملا مرضيّا إلّا وحظّه منه أوفر الحظوظ، وقسمه فيه أجزل الأقسام.
стр. 215
ولشهرة أمره في البيع والشّراء قال المشركون: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
، فأوحى الله إليه: وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ
. فأخبر أنّ الأنبياء قبله كانت لهم صناعات وتجارات.
[٥- التجار لا تعدوهم العلوم]
فصل منه: وإنّ الذي دعا صاحبك إلى ذمّ التجارة توهمه بقلّة تحصيله، انها تنقص من العلم والأدب وتقتطع دونهما وتمنع منهما. فأيّ صنف من العلم لم يبلغ التّجّار فيه غاية، أو يأخذوا منه بنصيب، أو يكونوا رؤساء أهله وعليتهم؟! هل كان في التابعين أعلم من سعيد بن المسيّب أو أنبل؟ وقد كان تاجرا يبيع ويشتري، وهو الذي يقول: ما قضى رسول الله ﷺ وآله ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا عليّ- رضوان الله عليهم- قضاء إلّا وقد علمته.
وكان أعبر النّاس للرّؤيا وأعلمهم بأنساب قريش، وهو من كان يفتي أصحاب رسول الله ﷺ وهم متوافرون. وله بعد علم بأخبار الجاهليّة والإسلام، مع خشوعه وشدّة اجتهاده وعبادته، وأمره بالمعروف، وجلالته في أعين الخلفاء، وتقدّمه على الجبّارين.
ومحمّد بن سيرين في فقهه وورعه وطهارته.
ومسلم بن يسار في علمه وعبادته، واشتغاله بطاعة ربّه.
وأيّوب السّختيانيّ، ويونس بن عبيد، في فضلهما وورعهما.
стр. 216
٩- هامش كتاب مدح التجار وذم عمل السلطان
(١) السجع: اتفاق اللفظ في آخر الجمل بالحرف الواحد. وقد اعطى مثلا عليه كلام معاوية «لهو اهون علي من ذرة، او كلب من كلاب الحرة» . ينفي عن نفسه تهمة الاهتمام به او تكلفه.
(٢) الحشوة: العامة والطبقة السفلى يقابلها العلية.
تبطن الامر: تعمق فيه.
الطعمة: الكسب.
الضرع والتضرع الخضوع والاستكانة.
الافنية جمع فناء: البيت.
(٣) لابس: قاربه ولصق به كاللباس الذي يلتصق بالجسم.
(٤) قريش: مشتقة من قرش وتقرش تقريشا اي حسب القروش وجمعها.
سوق عكاظ: سوق عامة كانت تقام في الجاهلية في الجزيرة العربية للتجارة وقرض الشعر، تقع قريبا من مكة، وتدوم شهرا.
يمشي في الاسواق: أي يتجر ويعمل في البيع والشراء.
(٥) تجار علماء أمثال سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين الخ..
- كان اعبر للرؤيا: أجود تفسيرا للأحلام.
стр. 217
١٠- رسالة الفتيا
стр. 218
[١- مدخل في مدح احمد بن أبي دؤاد]
. أطال الله بقاءك وأعزّك، وأصلح على يديك.
كان يقال: السّلطان سوق، وإنّما يجلب إلى كلّ سوق ما ينفق فيها.
وأنت أيّها العالم معلّم الخير وطالبه، والدّاعي إليه، وحامل النّاس عليه- من موضع السّلطان بأرفع المكان؛ لأنّ من جعل الله إليه مظالم العباد، ومصالح البلاد، وجعله متصفّحا على القضاة، وعتادا على الولاة، ثمّ جعله الله منزع العلماء، ومفزع الضّعفاء، ومستراح الحكماء، فقد وضعه بأرفع المنازل، وأسنى المراتب.
وقد قال أهل العلم، وأهل التّجربة والفهم: «لما يزع الله بالسّلطان أكثر ممّا يزع بالقرآن» .
وقد كان يقال: شيئان متباينان، إن صلح أحدهما صلح الآخر:
السّلطان والرعيّة.
فقد صلح السّلطان، وعلى الله تمام النّعمة في صلاح الرعية، حتى يحقق الأثر، وتصدق الشّهادة في الخبر.
стр. 219
[٢- صناعة الجاحظ]
فنسأل الذي منحك حسن الرّعاية أن يمنحنا حسن الطّاعة.
وقد نظرت في التّجارة التي اخترتها، والسّوق التي أقمتها، فلم أر فيها شيئا ينفق إلّا العلم والبيان عنه، وإلّا العمل الصالح والدّعاء إليه، وإلّا التّعاون على مصلحة العباد، ونفي الفساد عن البلاد.
وأنا- مدّ الله في عمرك- رجل من أهل النّظر، ومن حمّال الأثر، ولا أكمل لكلّ ذلك ولا أفي؛ إلّا أنّي في سبيل أهله وعلى منهاج أصحابه.
والمرء مع من أحبّ، وله ما اكتسب.
[٣- التعريف بكتاب أصول الفتيا]
وعندي- أبقاك الله- كتاب جامع لاختلاف النّاس في أصول الفتيا، التي عليها اختلفت الفروع وتضادّت الأحكام، وقد جمعت فيه جميع الدّعاوي مع جميع العلل. وليس يكون الكتاب تامّا، ولحاجة الناس إليه جامعا، حتّى تحتجّ لكلّ قول بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه أهله؛ وحتّى لا ترضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون إبطاله. وقد قال رسول ربّ العالمين وخاتم النبيّين، محمد ﷺ : «تهادوا تحابّوا» .
فحثّ على الهديّة وإن كان كراعا وشيئا يسيرا. وإذا دعا إلى اليسير الحقير فهو إلى الثّمين الخطير أدعى، وبه أرضى.
ولا أعلم شيئا أدعى إلى التحابّ، وأوجب في التّهادي، وأعلى منزلة وأشرف مرتبة، من العلم الذي جعل الله العمل له تبعا، والجنّة له ثوابا.
ولا عذر لمن كتب كتابا وقد غاب عنه خصمه، وقد تكفّل بالإخبار
стр. 220
عنه، في ترك الحيطة له، والقيام بكلّ ما احتمله قوله. كما أنّه لا عذر له في التقصير عن فساد كلّ قول خالف عليه، وضادّ مذهبه، عند من قرأ كتابه وتفهّم أدخاله، لأنّ أقلّ ما يزيل عذره ويزيح علّته، أنّ قول خصمه قد استهدف لخصمه، وأصحر للسانه ومكّنه من نفسه، وسلّطه على إظهار عورته. فإذا استراح واضع الكتاب من شغب خصمه ومداراة جليسه، فلم يبق إلّا أن يقوى على كسر الباطل أو يعجز عنه.
ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارّهم ومنافعهم، أن تحتمل ثقل مؤونتهم في تعريفهم، وأن تتوخّى إرشادهم، وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم.
[٤- الكتاب افضل من صاحبه]
ولم يصن العلم بمثل بذله، ولم يستبق بمثل نشره. على أنّ قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي يكثر التّظالم، وتفرط النّصرة، وتشتدّ الحميّة. وعند المواجهة يفرط حبّ الغلبة، وشهوة المباهاة والرّياسة، مع الاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن جميع ذلك تحدث الضّغائن، ويظهر التّباين. وإذا كانت القلوب على هذه الصّفة وهذه الحلية، امتنعت من المعرفة، وعميت عن الدّلالة.
وليست في الكتب علّة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجّة؛ لأنّ المتوحّد بقراءتها، والمتفرّد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه، ولا يغالب عقله.
والكتاب قد يفضل صاحبه، ويرجح على واضعه بأمور:
منها أنّه يوجد مع كل زمان على تفاوت الأعصار، وبعد ما بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في واضع الكتاب، والمنازع بالمسألة والجواب. وقد يذهب العالم وتبقى كتبه، ويفنى المعقّب ويبقى أثره. ولولا
стр. 221
ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلّدت من عجيب حكمها، ودوّنت من أنواع سيرها؛ حتّى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلّا بهم- لقد خسّ حظّنا في الحكمة، وانقطع سببنا من المعرفة، وقصرت الهمّة، وضعفت النيّة، فاعتقم الرّأي وماتت الخواطر، ونبا العقل.
[٥- يجب على العالم اظهار ما عنده]
وأكثر كتبهم نفعا، وأحسن ما تكلّموا به موقعا، كتب الله التي فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كلّ عبرة، وتعريف كلّ سيّئة وحسنة.
فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا. على أنّا قد وجدنا من العبرة أكثر ممّا وجدوا، كما أنّ من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا.
فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، والنّاشر للحقّ من القيام بما يلزمه.
فقد أمكن القول وصلح الدهر، وخوى نجم التّقيّة، وهبّت ريح العلماء، وكسد الجهل والعيّ وقامت سوق العلم والبيان.
وهذا الكتاب- أرشدك الله- وإن حسن في عيني، وحلا في صدري، فلست آمن أن يعتريني فيه من الغلط ما يعتري الأب في ابنه، والشّاعر في قريضه.
[٦- غرض الجاحظ من هذه الرسالة مساعدة القاضي وثوابه]
والذي دعاني إلى وضعه مع إشفاقي منه، وهيبتي لتصفّحك له، أنّي حين علمت أنّ الغالب على إرادتك، والمستولى على مذهبك، تقريب العالم وإقصاء الجاهل، وأنّك متى قرأت كتابا أو سمعت كلاما، كنت من وراء ما
стр. 222
فيه من نقص أو فضل، باتّساع الفهم، وصحة العلم؛ وأنّك متى رأيت زللا غفرته وقوّمت صاحبه، ولم تقرّعه به، ولم تخرمه له. ومتى رأيت صوابا أعلنته ورعيته، فدعوت إليه وأثبت عليه. ولأنّي حين أمنت عقاب الإساءة، [و] وثقت بثواب الإحسان، كان ذلك موجبا لوضعه، ولم أستكره نفسي عليه، وصار ذلك موجبا لنظمه وموحيا للتقرّب به. والسّبب أحقّ بالتّفضيل من المسبّب؛ لأنّ الفعل محمول على سببه، ومضاف إليه، وعيال عليه، ومضمّن به.
وإحساني- مدّ الله في عمرك- في كتابي هذا إن كنت محسا، صغير في جنب إحسانك، إذ كنت المثير له من مراقبه، والباعث له من مراقده.
فلذلك صار أوفر النصيبين لك، وأمتن السببين مضافا إليك. وإن كنت قد قصّرت عن الغاية، فأنا المضيّع دونك. وإن كنت قد بلغتها ففضلك أظهر وحظّك أوفر. لأنّي لم أنشط له إلّا بك، ولا اعتمدت فيه إلّا عليك.
ولولا سوقك التي لا ينفق فيها إلّا إقامة السنّة، وإماتة البدعة، ودفع الظّلامة، والنظر في صلاح الأمّة- لكانت هذه السّلعة باثرة، وهذا الجلب مدفوعا، وهذا العلق خسيسا.
فالحمد لله الذي عمر الدّنيا بك، وأخذ لمظلومها على يديك، وأيّد هذا الملك بيمنك، وصدّق فراسة الإمام فيك.
وأيّة منزلة أرفع وأيّة حالة أحمد ممّن ليس على ظهرها عالم إلّا وهو يحنّ إليه، أو قد رحل إليه، أو قد صار إلى كنفه وتحت جناحه. وليس على ظهرها ظالم إلّا وهو يتّقيه، ولا مظلوم إلّا وهو يستعديه.
ومن يقف على قدر ثواب من هذا قدره، وهذه حاله؟!
стр. 223
[٧- لدى الجاحظ كتب أخرى]
وعندي- مدّ الله في عمرك- كتب سوى هذا الكتاب، وليس يمنعني من أن أهديها إليك معا إلّا ما أعرفه من كثرة شغلك، وكثرة ما يلزمك من التّدبير في ليلك ونهارك. والعلم وإن كان حياة العقل، كما أنّ العقل حياة الروح، والرّوح حياة البدن، فإنّ حكمه حكم الماء وجميع الغذاء، الذي إذا فضل عن مقدار الحاجة عاد ذلك ضررا. وإنّما يسوغ الشّراب ويستمرأ الطّعام الأوّل فالأوّل. فكذلك العلم يجري مجراه، ويذهب مذهبه.
ومن شأن النّفوس الملالة لما طال عليها، وكثر عندها. فليس لنا أن نكون من الأعوان على ذلك، ومن الجاهلين بما عليه طبائع البشر؛ فإنّ أقواهم ضعيف، وأنشطهم سؤوم؛ وإن كانت حالاتهم متفاوتة فإنّ الضّعف لهم شامل، وعليهم غالب.
فإذا قرىء عليك- أيّدك الله- هذا الكتاب التمسنا أوقات الجمام وساعات الفراغ، بقدر ما يمكن من ذلك ويتهيّأ. والله الموفّق لذلك، والمهيّىء له.
ثمّ أتبعنا كلّ كتاب بما يليه إن شاء الله.
وليست بحمد الله من باب الطّفرة والمداخلة، ولا من باب الجوهر والعرض، بل كلّها في الكتاب والسّنّة، وبجميع الأمّة إليها أعظم الحاجة.
ثم نسأل الذي عرّفنا فضلك، أن يصل حبلنا بحبلك، وأن يجعلنا من صالحي أعوانك، المستمعين منك، والناظرين معك؛ وأن يحسّن في عينك ويزيّن في سمعك، ما تقرّبنا به إليك، والتمسنا الدنوّ منك، إنّه قريب مجيب، فعال لما يريد.
أطال الله بقاءك، وأتمّ نعمته عليك، وكرامته لك في الدّنيا والآخرة.
стр. 224
تمت الرسالة بعون الله تعالى ومنّه وتوفيقه. والله الموفق للصواب.
والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه الطيبين الطاهرين وسلامه.
стр. 225
١٠- هامش رسالة الفتيا
(١) القاضي احمد بن ابي دؤاد عالم، انه شيخ من شيوخ المعتزلة. ومنصب قاضي القضاة هام جدا لأنه يشرف على الولاة والقضاة ويدبر شؤون الناس، انه يتصفح القضاة أي يراقب اعمالهم.
- قوله «لما يزع الله بالسلطان اكثر مما يزع بالقرآن» يراد به أن من يكف من الناس عن ارتكاب العظائم خوفا من السلطان اكثر ممن يكف عن ارتكابها خوفا من نهي القرآن وامره وانذاره.
(٢) قوله «انا رجل من اهل النظر، ومن حمال الأثر» يراد به انه من اهل الفكر والعلم (النظر) . والحديث (الاثر) .
(٣) لاحظ اسلوب الجاحظ في البحث الذي عبرت عنه الجملة التالية: «وليس يكون الكتاب تاما، ولحاجة الناس اليه جامعا، حتى تحتج لكل قول بما لا يصاب عند صاحبه، ولا يبلغه اهله، وحتى لا ترضى بكشف قناع الباطل دون تجريده، ولا بتوهينه دون ابطاله» .
(٤) قوله «وليست في الكتب علة تمنع من درن البغية» العلة تعني السبب وليس الخلل.
- المتوحد بقراءتها: المنفرد.
(٥) يجب على العالم اظهار ما عنده خير تعبير عن مبدأ الالتزام. ينبغي ان يكون سبيلنا فيمن بعدنا كسبيل من قبلنا فينا: اي تحصيل العلم ونشره.
стр. 226
(٦) لاحظ موقف القاضي من الكتب التي تعرض عليه او تؤلف: انه يقرأها ليطلع على ما فيها ويراقبها، فيقرع على الخطأ او يصفح، ويشجع على الصواب ويكافىء. هذا يعني ان الدولة كانت تمارس رقابة على المنشورات والمؤلفات.
- قوله «ولولا سوقك التي لا ينفق فيها الا اقامة السنة، واماتة البدعة، ودفع الظلامة، والنظر في صلاح الامة..» . يعني حرص القاضي على العمل بالشريعة الاسلامية وعدم الابتعاد عنها، واحقاق الحق ورفع الظلم، واصلاح الرعية.
- «صدق فراسة الامام فيك» : الخليفة.
- لاحظ احترام الجاحظ لعلم احمد بن ابي دؤاد وخشية سطوته.
(٧) كثرة كتب الجاحظ تستفاد من هذه العبارة «وعندي مد الله من عمرك- كتب سوى هذا الكتاب» . لقد وصلتنا اسماء نحو مائتي رسالة وكتاب.
- العلم حياة العقل، والعقل حياة الروح، والروح حياة البدن. انه يميز بين العقل والروح والبدن. ويجعل الروح وسطا بين العقل والبدن.
- العلم اذا زاد مقداره على العقل كالطعام اذا زاد مقداره على الجسد يعود ضررا. قاعدة تربوية ينبغي الانتباه اليها.
- «من شأن النفوس الملالة لما طال عليها، فكرة يتذرع بها الجاحظ في معظم كتبه، اما ليبرر عدم اطالة الكتاب، واما ليبرر مزج الجد بالهزل، او الاستطراد.
- «الكتاب ليس من باب الطفرة والمداخلة ولا من باب الجوهر والعرض» . اربع مسائل بحثها المتكلمون، الطفرة: انتقال جسم من المكان الاول الى المكان الثالث دون المرور بالمكان الثاني، قال فيها النظام. المداخلة: دخول اجزاء الجسم في اجزاء الجسم الأخرى. الجوهر: هو ما قام بنفسه. العرض هو ما قام بالجوهر. (راجع كتابنا: المناحي الفلسفية عند الجاحظ، باب المنحى الطبيعي) .
стр. 227
[١١- رسالة مدح النبيذ وصفة أصحابه]
(- ١١- مدح النبيذ وصفة اصحابه)
стр. 228
[١- وصف النبيذ لا يفيه حقه]
أنا- أبقاك الله- الطالب المشغول، والقائل المعذور، فإن رأيت خطأ فلا تنكر فإنّي بصدده وبعرض منه، بل في الحال التي توجبه، والسّبب الذي يؤدّي إليه. وإن سمعت تسديدا فهو الغريب الذي لا نجده. اللهم إلّا أن يكون من بركة مكاتبتك، ويمن مطالبتك. ولأنّ ذكرك يشحذ الذّهن، ويصوّرك في الوهم، ويجلو العقل؛ وتأميلك ينفي الشّغل.
ولا يعجبني ما رأيت من قلّة إطنابك في هذا النّبيذ، وقلّة تلهّيك بهذا الشراب وأنت تجد من فضل القول وحسن الوصف ما لا يصاب عند خطيب، ولا يوجد عند بليغ. وأنت ولو مشيت الخيلاء، وحقّرت العظماء، وأرغبت الشعراء، وأعطيت الخطباء، ليكون القول منهم موصولا غير مقطوع، ومبسوطا غير مقصور، لكنت بعد مقصّرا في أمره، مفرّطا في واجب حقّه.
فلا تأديب الله قبلت، ولا قول الناصح سمعت.
قال الله ﵎: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
. وقال الأوّل:
«استدم النّعمة بإظهارها، واستزد الواهب بإدامة شكره» .
стр. 229
[٢- النبيذ دواء يشفي من الامراض]
بل كيف أنست بالجلساء، وأرسلت إلى الأطبّاء ولم يكن في قربك [منه] ما يغنيك، وفي النظر إليه ما يشفيك؟ ولم ملكت نفسك دون أن تهذي، ولم رأيت الوقار مروءة قبل أن تستخفّ ولم كان الهذيان هو الهذيان، والسّخف هو المروءة، والتّناقض هو الصّحّة وإلّا بأيّ شيء خصصت، وبأيّ معنى أتيت، ولم لم تخلع فيه العذار، ولم تخرج فيه عن كل مقدار.
وأيّ شيء أجرب جلدك وأمات حالك، وأضعف مسرّتك، وأوحش منك رفيقك، إلّا العقوبة المحضة، وإلّا الغضب والعقاب، وحرمك الثّواب إلّا التهاون في أمره، وقلّة الرّعاية لحقّه.
وكيف صارت أمراضي أمراض الأغنياء وأمراضك أمراض الفقراء إلّا لمعرفتي بفضله، واستخفافك بقدره. ألا ترى أنّي منقرس مفلوج، وأنت أجرب مبسور.
فإن تبت فما أقرب الفرج، وأسرع الإجابة. وسنفرغ لك إن شاء الله قريبا، وتفلح سريعا.
وإن أصررت وتتايعت وتماديت أتاك والله من سفلة الأدواء، وزوي عنك من علية الأمراض، ما يضعك موضعا لا ارتفاع معه، ويلزق بعقبك عارا لا زوال له. ثم تتبع أشياخك السّبّة، وتتبعهم المذمّة.
[٣- النبيذ شقيقك الذي شغلت عنه]
علم الله أنّه استظرفك واستملحك، واستحسن قدّك، واسترجح عقلك، وأحسن بك ظنّا، ورآك لنفسه أهلا، ولاتّخاذه موضعا، وللأنس به
стр. 230
مكانا، وأنت لاه عنه زار عليه متهاون به، قد اقبلت على ديوانك تشغل بملازمته وتدع ما يجب عليك من صفاته، والدّعاء إلى تعظيمه. بل هل كنت من شيعته والذابّين عن دولته، والمعروفين بالانقطاع إليه، والانبتات في حبله، إلّا أن يكون عندك التقصير لحقّه، والتّهاون بأمره اللازم، ونهي الناس عنه.
ولو خرجت إلى هذا لخرجت من جميع الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية. وأحسب أنّك لا تعظّمه ولا ترقّ له. ولو لم تتعصّب إلّا لجماله وحسنه، ولو لم تحافظ على نقائه وعتقه لكان ذلك واجبا، وأمرا معروفا.
فكيف مع المناسبة التي بينكما، والشّكل الذي يجمعكما. فإن كان بعضك لا يصون بعضا وأنت لا تعظّم شقيقا، فأنت والله من حفظ العشيرة أبعد، ولمعرفة الصّديق أنكر.
ولقد نعيت إليّ لبّك، وأثكلتني حفاظك، وأفسدت عندي كلّ صحيح.
وقد كان يقال: «لا يزال النّاس بخير ما تعجّبوا من العجب» . قال الشاعر:
وهلك الفتى أن لا يراح إلى النّدى ... وأن لا يرى شيئا عجيبا فيعجبا
قال بكر بن عبد الله المزنيّ: «كنا نتعجّب من دهر لا يتعجّب أهله من العجب فقد صرنا في دهر لا يستحسن أهله الحسن. ومن لا يستحسن الحسن لم يستقبح القبيح» .
وقال بعضهم: «العجب ترك التعجّب من العجب» .
ولم أقل ذلك إلّا لأن تكون به ضنينا، وبما يجب له عارفا. ولكنّك لم توفّر حقّه ولم توف نصيبه.
فإن قلت: ومن يقضي واجب حقّه، وينتهض بجميع شكره؟ قلنا:
فهل أعذرت في الاجتهاد حتّى لا يذمّ إلّا تعجّبك، وهل استغرقت الاعتذار
стр. 231
حتّى لا تعاب إلّا بما زاد على قوّتك. ولولا أنك عين الجواد لم نطلبه منك. ولولا ظنّك لم نحمدك عليه. ولولا معرفتك بفضله لم نعجب من تقصيرك في حقّه، ولولا أنّ الخطأ فيك أقبح، والقبيح منك أسمج، وهو فيك أبين والنّاس به أكلف، والعيون إليه أسرع- لكان كتابنا كتاب مطالبة، ولم يكن كتاب معاتبة، ولشغلنا الحلم لك عن الحلم عليك، والقول لك عن القول فيك.
وقد كنت أهابك بفضل هيبتي لك، وأجترىء عليك بفضل بسطك لي، فمنعني حرص الممنوع، وخوف المشفق، وأمن الواثق، وقناعة الراضي.
[٤- الجاحظ يطلب النبيذ ويخشى أن يرد طلبه]
وبعد فمن طلب ما لا يجاد به، وسأل ما لا يوهب مثله ممّن يجود بكلّ ثمين، ويهب كلّ خطير، فواجب أن يكون من الردّ مشفقا، وبالنّجح موقنا.
وإن كان، أبقاك الله، أهلا لأن يمنع، وكنت حفظك الله أهلا أن تبذل، وجب أن تكون باذلا مانعا، وساكنا مطمئنا، إلّا أن يكون الحرب سلما سجالا، والحالات دولا.
ولهذه الخصال ما وقع الطّلب، وشاع الطمع.
فإن منعت فعذرك مبسوط عند من عرف قدره، وإن بذلت فلم تعد الذي أنت أهله عند من عرف قدرك، إلّا أنّه لا يجود بمثله إلّا غنيّ عند جميع الناس، أو عاقل فوق جميع الناس.
وكيف لا أطلب طلب الجريء المتهوّر، وأمسك إمساك الهائب الموقّر.
وليس في الأرض خلق يغتفر في وصفه المحال ولا يستحسن الهذيان سواه؟!
стр. 232
على أنّ من الهذيان ما يكون مفهوما، ومن المحال ما يكون مسموعا.
فمن جهل ذلك ولم يعرفه، وقصّر ولم يبلغه، فليسمع كلام اللهفان والثّكلان، والغضبان والغيران، ومرقّصة الصّبيان، والمنعظ إذا دنا منه الحلقي.
حتّى إذا استوهبك لم تهب له منه حتّى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفّع على مستوهبه، وتعجّب من شاربه، ثم تطيل الكتاب بالامتنان، وتسطّر فيه بتعظيم الإنعام مع ذكر مناقه، ونشر محاسنه بقدر الطاقة. وإن لم تبلغ الغاية فاعرف وزنه، واشهد بطيبه، وأرّخ ساعته، واشهر في النّاس يومه.
وما ظنّك بشيء لا تقدر أن تشرد في ذكره وتفرّط في مدحه، وتقصيرك واضح في لونه، مكتوب في طعمه، موجود في رائحته، إذ كان كلّ ممدوح يقصر عن مدحه وقدره، ويصغر في جنبه.
ولو لم يستدلّ على سعادة جدّك، وإقبال أمرك، وأنّ لك زيّ صدق في المعلوم، وحظّا في الرّزق المقسوم، وأنّك ممن تبقى نعمه، ويدوم شكره، ويفهم النّعمة ويروبّها، ويدرأ عنها ويستديمها، إلّا أنّه وقع في قسمك، وكان في نصيبك- لكان ذلك أعظم البرهان، وأوضح الدلالة.
بل لا نقول: إنّه وقع اتفاقا وغرسا نادرا، حتّى يكون التّوفيق هو الذي قصد به، والصّنع هو الذي دلّ عليه.
[٥- النبيذ غنى لمالكه وفقر لفاقده]
ولو لم تملك غيره لكنت غنيّا، ولو ملكت كلّ شيء سواه لكنت فقيرا.
وكيف لا يكون كذلك وهو مستراح قلبك، ومجال عقلك، ومرتع عينك،
стр. 233
وموضع أنسك، ومستنبط لذّتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظّلام، وشعارك من جميع الأقسام.
وكيف وقد جمع أهبة الجلال، ورشاقة الخلال، ووقار البهاء، وشرف الخير، وعزّ المجاهرة ولذّة الاختلاس، وحلاوة الدّبيب.
[٦- النبيذ يطرد الهم ويعيد الشباب]
وسأصف لك شرف النبيذ في نفسه، وفضيلته على غيره، ثم أصف فضل شرابك على سائر الأشربة، كما أصف فضل النّبيذ على سائر الأنبذة؛ لأنّ النبيذ إذا تمشّى في عظامك، والتبس بأجزائك، ودبّ في جنانك، منحك صدق الحسّ، وفراغ النفس، وجعلك رخيّ البال، خليّ الذّرع، قليل الشّواغل، قرير العين، واسع الصّدر، فسيح الهمم حسن الظنّ. ثم سدّ عليك أبواب التّهم، وحسّن دونك الظّنّ وخواطر الفهم، وكفاك مؤونة الحراسة، وألم الشّفقة، وخوف الحدثان، وذلّ الطمع وكدّ الطلب، وكلّ ما اعترض على السّرور وأفسد اللّذّة، وقاسم الشهوة، وأخلّ بالنعمة.
وهو الذي يردّ الشّيوخ في طبائع الشّبان، ويردّ الشّبّان في نشاط الصّبيان، وليس يخاف شاربه إلّا مجاوزة السّرور إلى الأشر، ومجاوزة الأشر إلى البطر.
[٧- النبيذ يبعث على الظرف والضحك في كل وقت]
ولو لم يكن من أياديه ومننه، ومن جميل آلائه ونعمه، إلّا أنّك ما دمت تمزجه بروحك، وتزاوج بينه وبين دمك فقد أعفاك من الجد ونصبه، وحبّب إليك المزاح والفكاهة، وبغّض إليك الاستقصاء والمحاولة، وأزال عنك تعقّد الحشمة وكدّ المروءة، وصار يومه جمالا لأيّام الفكرة، وتسهيلا لمعاودة الرّويّة، لكان في ذلك ما يوجب الشّكر، ويطيب الذكر. مع أنّ جميع ما
стр. 234
وصفناه وأخبرنا به عنه يقوم بأيسر الجرم، وأقلّ الثمن.
ثم يعطيك في السّفر ما يعطيك في الحضر، وسواء عليك البساتين والجنان. ويصلح بالليل كما يصلح بالنهار، ويطيب في الصّحو كما يطيب في الدّجن، ويلذّ في الصيف كما يلذّ في الشتاء، ويجري مع كلّ حال. وكلّ شيء سواه فإنّما يصلح في بعض الأحوال.
ويدفع مضرّة الخمار، كما يجلب منفعة السّرور.
إن كنت جذلا [كان] بارّا بك، وإن كنت ذا همّ نفاه عنك.
وما الغيث في الحرث بأنفع منه في البدن، وما الرّيش السّخام بأدفأ منه للمقرور.
ويستمرأ به الغذاء ويدفع به ثقل الماء، وتعالج به الأدواء، وتحمّر به الوجنتان، ويعدل به قضاء الدّين.
[٨- النبيذ يسبب السرور ويحث على الجود]
إن انفردت به ألهاك، وإن نادمت به سوّاك.
ثم هو أصنع للسّرور من زلزل، وأشدّ إطرابا من مخارق، وقدر احتياجهما إليه كقدر استغنائه عنهما؛ لأنّه أصل اللذات وهي فرعه، وأوّل السرور ونتاجه.
ولله درّ أوّل من عمله وصنعه، وسقيا لمن استنبطه وأظهره. ماذا دبّر؟
وعلى أيّ شيء دلّ؟ وبأيّ معنىّ أنعم؟ وأيّ دفين أثار؟ وأيّ كنز استخرج.
ومن استغناء النّبيذ بنفسه، وقلّة احتياجه إلى غيره، أنّ جميع ما سواه من الشراب يصلحه اللّج، ولا يطيب إلّا به.
стр. 235
وأوّل ما يثنى عليه به، ويذكر منه، أنّه كريم الجوهر، شريف النّفس، رفيع القدر، بعيد الهم، وكذلك طبيعته المعروفة وسجيّته الموصوفة. وأنّه يسرّ النفوس ويحبّب إليها الجود، ويزيّن لها الإحسان، ويرغّبها في التوسّع، ويورثها الغنى، وينفي عنها الفقر، ويملؤها عزّا، ويعدها خيرا، ويحسّن المسارّة، ويصير به النّبت خصبا والجناب مريعا، ومأهولا معشبا.
[٩- النبيذ يجمع الندماء ويرفق بالسكارى]
وليس شيء من المأكول والمشروب أجمع للظّرفاء، ولا أشدّ تألّفا للأدباء، ولا أجلب للمؤنسين، ولا أدعى إلى خلاف الممتعين، ولا أجدر أن يستدام به حديثهم ويخرج مكنونهم، ويطول به مجلسهم، منه.
وإنّ كلّ شراب كان حلا ورقّ، وصفا ودقّ، وطاب وعذب، وبرد ونقخ، فإنّ استطابتك لأوّل جرعة منه أكثر، ويكون من طبائعك أوقع. ثم لا يزال في نقصان إلى أن يعود مكروها وبليّة، إلا النبيذ، فإنّ القدح الثاني أسهل من الأوّل، والثالث أيسر، والرابع ألذّ، والخامس أسلس، والسادس أطرب، إلى أن يسلمك إلى النّوم الذي هو حياتك، أو أحد أقواتك. ولا خير فيه إذا كان إسكاره تغلّبا، وأخذه بالرأس تعسّفا، حتّى يميت الحسّ بحدّته، ويصرع الشارب بسورته، ويورث البهر بكظّته، ولا يسري في العروق لغلظه، ولا يجري في البدن لركوده، ولا يدخل في العمق ولا يدخل الصّميم.
ولا والله حتّى يغازل العقل ويعارضه، ويدغدغه ويخادعه، فيسرّه ثمّ يهزّه، فإذا امتلأ سرورا وعاد ملكا محبورا، خاتله السّكر وراوغه، وداراه وماكره، وهازله وغانجه. وليس كما يغتصب السّكر، ويعتسف الداذيّ، ويفترس الزّبيب؛ ولكن بالتفتير والغمز، والحيلة والختل، وتحبيب النوم،
стр. 236
وتزيين الصّمت.
وهذه صفة شرابك إلّا ما لا نحيط به، ونعوته تتبدّل إلّا ما يقبح منها الجهل به.
وخير الأشربة ما جمع المحمود من خصالها وخصال غيرها. وشرابك هذا قد أخذ من الخمر دبيبها في المفاصل، وتمشّيها في العظام ولونها الغريب؛ وأخذ برد الماء ورقّة الهواء، وحركة النار، وحمرة خدّك إذا خجلت، وصفرة لونك إذا فزعت، وبياض عارضيك إذا ضحكت.
[١٠- مديح الحسن بن وهب]
وحسبي بصفاتك عوضا من كلّ حسن، وخلفا من كلّ صالح. ولا تعجب أن كانت نهاية الهمّة وغاية المنية؛ فإنّ حسن الوجوه إذا وافق حسن القوام وشدّة العقل، وجودة الرأي، وكثرة الفضل وسعة الخلق، والمغرس الطيّب والنصاب الكريم، والظّرف الناصع، واللّسان الفخم والمخرج السّهل والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة والنّبل في الجلسة، والحركة الرّشيقة واللهجة الفصيحة، والتمهّل في المحاورة والهزّ عند المناقلة، والبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والإيجاز يوم الإيجاز والإطناب يوم الإطناب، يفلّ الحزّ ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصّر عنه الجهد، كان أكثر لتضاعف الحسن، وأحقّ بالكمال. والحمد لله.
وإنّ التاج بهيّ وهو في رأس الملوك أبهى، والياقوت الكريم حسن وهو في جيد المرأة الحسناء أحسن، والشّعر الفاخر حسن وهو من فم الأعرابيّ أحسن. فإن كان من قول المنشد وقريضه، ومن نحته وتحبيره، فقد بلغ الغاية وأقام النهاية.
стр. 237
[١١- اهداء النبيذ دليل على المودة والتقدير]
وهذا الشراب حسن وهو عندك أحسن، والهديّة منه شريفة وهي منك أشرف.
وإن كنت قدّرت أنّي إنّما طلبته منك لأشربه أو لأسقيه، أو لأهبه، أو لأتحسّاه في الخلا، أو أديره في الملا أو لأنافس فيه الأكفاء، واجترّ زيادة الخلطاء، أو لأبتذله لعيون النّدماء، أو أعرّضه لنوائب الأصدقاء فقد أسأت بي الظنّ، وذهبت من الإساءة بي في كلّ فنّ، وقصّرت به فهو أشدّ عليك، ووضعت منه فهو أضرّ بك.
وإن ظننت أنّي إنما أريده لأطرف به معشوقة، أو لأستميل به هوى ملك، أو لأغسل به أوضار الأفئدة، أو أداوي به خطايا الأشربة، أو لأجلو به الأبصار العليلة، وأصلح به الأبدان الفاسدة، أو لأتطوّع به على شاعر مفلق أو خطيب مصقع، أو أديب مدقع، ليفتق لهم المعاني، وليخرج المذاهب، ولما في جانبهم من الأجر، وفي أعناقهم من الشكر، ولينفضوا ما قالت الشعراء في الحمد، وليرتجعوا ما شاع لهم من الذّكر؛ فإنيّ أريد أن أضع من قدرها، وإن أكسر من بالها، فقد تاهت وتيه بها. أو لأن أتفاءل برؤيته وأتبرّك بمكانه، وآنس بقربه، أو لأشفي به الظماء، أو أجعله إكسير أصحاب الكيمياء، أو لأن أذكرك كلّما رأيته، وأداعبك كلّما قابلته أو لأجتلب به اليسر وأنفي العسر. ولأنّه والفقر لا يجتمعان في دار، ولا يقيمان في ربع.
ولأتعرّف به حسن اختيارك، وأتذكّر به جودة اجتبائك. أو لأن أستدلّ به على خالص حبّك، وعلى معرفتك بفضلي، وقيامك بواجب حقّي- فقد أحسنت بي الظنّ، وذكرت من الإحسان في كلّ فن. بل هو الذي أصونه صيانة الأعراض، وأغار عليه غيرة الأزواج.
стр. 238
واعلم أنّك إن أكثرت لي منه خرجت إلى الفساد، وإن أقللت أقسمت على الاقتصاد.
وأنا رجل من بني كنانة، وللخلافة قرابة، ولي فيها شفعة، وهم بعد جنس وعصبة، فأقلّ ما أصنع إن أكثرت لي منه أن أطلب المملك، وأقلّ ما يصنعون بي أن أنفى من الأرض. فإن أقللت فإنّك الولد الناصح، وإن أكثرت فإنّك الغاشّ الكاشح. والسلام.
стр. 239
١١- هامش رسالة مدح النبيذ وصفة اصحابه
(١) «ان الطالب المشغول والقائل المعذور» يلخص موضوع الرسالة. فهو يطلب من مخاطبه الحسن بن وهب النبيذ، ويصفه ويمدحه.
(٢) «اني منقرس مفلوج، وانت أجرب ميسور» اشارة الى مرضي الجاحظ اللذين اصيب بهما في شيخوخته وهما النقرس والفالج. مما يدل على تاريخ وضع الرسالة المتأخر. اما مرض الحسن بن وهب فهو البواسير. وكأن الجاحظ يحاول ان يقنع الحسن بن وهب بأن النبيذ يساعد على الامراض المذكورة.
(٣) لاحظ كيف يحث الجاحظ على اقتناء النبيذ ويحسنه. انه بمثابة الصديق الذي ينبغي المحافظة عليه والضن به.
- اقبلت على ديوانك تشغل بملازمته: اشارة الى عمل الحسن بن وهب كاتبا في ديوان الخليفة.
(٤) لاحظ كيف يصف تردد المرء اذا سئل شيئا عزيزا عليه «وحتى اذا استوهبك لم تهب منه حتى تقف وقفة، وتطرق ساعة، ثم تستحسن وتستشير، ثم تشفع على مستوهبه، وتعجب من شاربه..» .
(٥) النبيذ غنى لمالكه وفقر لفاقده؛ لماذا؟ لأنه «مستراح قلبك وجمال عقلك، ومرتع عينيك، وموضع انسك، ومستنبط لذتك، وينبوع سرورك، ومصباحك في الظلام، وشعارك في جميع الاقسام» . هذه ذروة البلاغة.
(٦) تأثير النبيذ في النفس: يطرد الهم ويريح النفس ويعيد الشباب لمن فقده.
- الذرع: الطاقة والوسع.
стр. 240
(٧) النبيذ يحبب الظرف والفكاهة. والجاحظ يشدد على هذه الصفة لأنه مطبوع على الظرف كلف به.
- وما الريش السخام (اللين) بادفأ منه للمقرور: إشارة الى خاصة النبيذ في اثارة الدفء في الجسم ابان البرد.
- تعالج به الادواء: ترديد للفكرة التي اشرنا إليها.
(٨) اصنع للسرور من زلزل واشد اطرابا من مخارق: زلزل مغن مشهور عاش في عصر الرشيد واخذ عن ابراهيم الموصلي.
- اما مخارق: فمغن عباسي آخر معاصر لزلزل والجاحظ.
(٩) النبيذ يجمع الندامى ويرفق بالسكارى؛ لاحظ جمال الوصف.
الداذي: شراب يستخرج من حب كالشعير طيب الرائحة.
(١٠) مديح الحسن بن وهب يحيط بجميع النواحي الجسمية والخلقية والعقلية، والنفسية والفنية عنده. ان ادبه كأدب الجاحظ يتصف «بالبديه البديع والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والايجاز يوم الايجاز، والاطناب يوم الاطناب..» . وراجع مفهوم البلاغة عند الجاحظ في رسالة البلاغة والايجاز ضمن هذا الكتاب اي رسائل الجاحظ الأدبية.
(١١) لاحظ براعة الجاحظ في تبرير غايته.
- اكسير اصحاب الكيمياء: يدعى ايضا حجر الفلاسفة، وهو مادة كيمياوية اعتقد القدماء انها تحول المعادن الرخيصة الى ذهب.
- انا رجل من بني كنانة: يشير الى أصله ويعتز به. وهو لم يذكر انه مولى كما زعم البعض. مما يدل على صحة نسبه العربي.
стр. 241
[١٢- رسالة الشارب والمشروب]
(- ١٢- الشارب والمشروب)
стр. 242
[١- موضوع الكتاب]
فصل منه: سألت- أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتّى تبلغ من مصالح دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثّواب- أن أكتب لك صفات الشّارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميّز لك بين الأنبذة والخمر، وأن أقفك على حدّ السّكر، وان أعرّفك السّبب الذي يرغّب في شرب الأنبذة وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية.
وقلت: وما فرق ما بين الجرّ والسّقاء، والمزفّت والحنتم والدّبّاء، وما القول في الممتلّ والمكسوب، وما فرق ما بين النّقيع والدّاذيّ، وما المطبوخ والباذق، وما الغربيّ والمروّق، وما الذي يحلّ من الطّبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل يكره نبيذ العكر، وما القول في عتيق السّكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من السكّر، ولم كره النّقير والمقيّر.
وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف وجمهور، والمعلّق والمسحوم. والحلو والتّرش شيرين ونبيذ
стр. 243
الكشمش والتّين، ولم كره الجلوس على البواطي والرّياحين.
وقلت: وما نصيب الشّيطان، وما حاصل الإنسان؟
وسألت عمّن شرب الأنبذة أو كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه فيها من الآراء، وتشبّثوا فيها من الأهواء، ولأيّ سبب تضادّت فيها الآثار، واختلفت فيها الأخبار.
[٢- منافع النبيذ]
وسألت أن أقصد فى ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار.
وقلت: وإذ جعل الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنيّة الممدوحة، فما تقول فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدّت قواه، وعتق حتّى جاد، وعاد بعد قدم الكون صافي اللّون، هل يحلّ إليه الاجتماع، وفيه الاكتراع، إذ كان يهضم الطّعام ويوطّىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي خفيّات العروق جار، ولا يضرّ معه برغوث ولا يعوض ولا جرجس عضوض.
وقلت: وكيف يحلّ لك ترك شربه إذا كان لك موافقا، ولجسمك ملائما. ولم لا فلت: إنّ تارك شربه كتارك العلاج من أدوإ الأدواء وإنّه كالمعين على نفسه إذا ترك شربه أفحش الدّاء. وأنت تعلم أنّك إذا شربته عدّلت به طبيعتك، وأصلحت به صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السّقم صحّة، ومن حلول العجز قوّة، ومن الكسل نشاطا، وإلى اللّذّة انبساطا، ومن الغمّ فرجا، ومن الجمود تحرّكا، ومن الوحشة أنسا، وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. يترك الضّعيف وهو مثل أسد
стр. 244
العرين يلان له ولا يلين.
وقلت: الجيّد من الأنبذة يصفّي الذّهن ويقوّي الرّكن، ويشدّ القلب والظّهر، ويمنع الضّيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيّج للطعام الشّهوة، ويقطع عن إكثار الماء الذي منه جلّ الأدواء، ويحدر رطوبة الرّأس، ويهيّج العطاس، ويشدّ البضعة، ويزيد في النّطفة، وينفي القرقرة والرّياح، ويبعث الجود والسّماح، ويمنع الطّحال من العظم، والمعدة من التّخم، ويحدر المرّة والبلغم، ويلطّف دم العروق ويجريه، ويرقّه ويصفّيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشّي الغلظ في الرّثة، ويصفّي البشرة ويترك اللّون كالعصفر، ويحدر أذى الرّأس في المنخر، ويموّه الوجه ويسخّن الكلية، ويلذّ النّوم ويحلّل التّخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو لطيف الغداء، ويطيّب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النّفس، ويؤنس من الوحشة، ويسكّن الرّوعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصّلب بالإنشاط للجماع، وفصول المعدة بالهراع، ويشجّع المرتاع ويزهي الذّليل، ويكثّر القليل، ويزيد في جمال الجميل، ويسلّي الحزن، ويجمع الذّهن، وينفي الهمّ، ويطرد الغمّ، ويكشف عن قناع الحزم، ويولّد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحثّ على الصّبر، ويصحّح من الفكر، ويرجّي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس وحتّى إن عزّ لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، وينقّي الصّدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشّط الباه حتّى لا يزيّف شيئا يراه، وتقبله جميع الطّبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللّذّة والسّرور، والنّضرة والحبور. وحتّى سمّي شربه قصفا، وسمى فقده خسفا. وإن شرب منه الصّرف بغير مزاج، تحلّل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع الأهواء والسّموم، ويفتح الذّهن، ويمنع الغبن، ويلقّن الجواب، ولا يكيد منه العتاب، به تمام اللذّات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في
стр. 245
النّفوس، وكسطوته في الجباه والرّوس، وكإنشاطه للحديث والجلوس، يحمّر الألوان، ويرطّب الأبدان، ويخلع عن الطّرب الأرسان.
[٣- مساوىء النبيذ]
وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النّشاط. فأمّا إذا تبيّن في الرأس الميلان، واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخّع والبصاق، واشتملت عليه الغفلة، وجاءت الزّلّة بعد الزّلّة ولا سواء إن دسع بطعامه، أو سال على الصّدر لعابه، وصار في حدّ المخرفين، لا يفهم ولا يبين، فتلك دلالات النّكر، وظهور علامات السّكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك السّتر، ويسقط من الجدار، ويهوّر في الآبار، ويغرق في الأنهار، ويصرف عن المعروف، ويعرّض للحتوف، ويحمل على الهفوة، ويؤكّد الغفلة، ويورث الصّباح أو الصّمات، ويصرع الفهم للسّبات فلغير معنى يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن الإنصاف، وينقلب على الساكت الكافّ. ثم يظهر السّرائر، ويطلع على ما في الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفيّ الاعتقاد.
وقد يقلّ على السّكر المتاع، ويطول منه الأرق والصّداع، ثم يورث بالغدوات الخمار، ويختل سائر النّهار ويمنع من إقامة الصّلوات، وفهم الأوقات، ويعقب السّلّ، ويعقب في القلوب الغلّ، ويجفّف النّطفة، ويورث الرّعشة، ويولّد الصّفار، وضروب العلل في الإبصار، ويعقب الهزال، ويجحف بالمال ويجفّف الطبيعة ويقوّي الفاسد من المرّة ويذيل النفس، ويفسد مزاج الحسّ، ويحدث الفتور في القلب، ويبطىء عند الجماع الصّبّ، حتّى يحدث من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل على
стр. 246
المظالم، وركوب المآثم، وتضييع الحقوق حتّى يقتل من غير علم، ويكفر من غير فهم.
[٤- انواع النبيذ]
فصل منه: وقلت: ومن الحلو في المعد التّخم، وفي الأبدان الوخم، وللتّرش شيرين رياح كمثل رياح العدس، وحموضة تولّد في الأسنان الضّرس.
والسّكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ونفار الطّبيعة عنه.
وأنواع ما يعالج من التّمور والحبوب فشربها الدّاء العضال.
وللمسجور، والبتى، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولّد بين الجلدتين الحكّة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأنّي لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك تحليل ما يجلب المضرة.
ولكن ما تقول فيما يسرّك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقّته العروق فاتحة أفواهها كأفواه الفراخ، محسّنا للّون ملذّة للنّفس، يجثم على المعدة، ويرود في العروق، ويقصد إلى القلب فيولّد فيه اللّذّة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطّحال، وينتفخ منه العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللّون، ويولّد الشّجاعة والسّخاء، ويريح من اكتنان الضّغن، ويعفّي على تغيّر النّكهة، وينفي الذّفر، ويسرع إلى الجبهة، ويغني عن الصّلاء، ويمنع القرّ؟! وما تقول في نبيذ الزّبيب الحمصيّ والعسل الماذّي إذا تورّد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. تراه في الكأس لكأنّه بالشّمس
стр. 247
ملتحف، شعاعه يضحك في الأكفّ؟
وما تقول في عصير الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدّنّ نتاجه، فإذا فضّ عن غضارة قد صار في لون البجاديّ في صفاء ياقوتة تلمع في الأكفّ لمع الدّنانير، ويضيء كالشّهاب المتّقد.
وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنّه يؤدّي إلى شاربه الصّحيح من طعم الزّعفران، لا يلبس الخلقان ولا يجود إلّا في جدد الدّنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينقض على شيء من الأجسام لونه حتّى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا. وحسبك به في رقّة الهواء، يكدّره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟! وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد إذ يعود صلبا من غير أن يسلّ سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتّى يعود كلون العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، وأشدّها خشونة. ثمّ لا يستعين بعسل ولا سكّر ولا دوشاب. وما ظنّك به وهو زبيب نقيع، لا يشتدّ ولا يجود إلّا بالضّرب الوجيع؟! وما تقول في الدّوشاب البستانيّ، سلالة الرّطب الجنيّ بالحبّ الرتيليّ، إذا أوجع ضربا، وأطيل حبسا، وأعطى صفوه ومنح رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطّين ظهر في لون الشّقر والكمت وسطع برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطّبائع، وسلست له الأمعاء، وأيس الحصر، وانقطع طمع القولنج، وانقادت له اليبوسة، وأذعنت له بالطّاعة، وابتلّ به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، وكفى شاربه الوخز.
فإذا شجّ بماء تلظّى ورمى بشرره، هل يحلّ أن يشعشع إذا سكن جأشه، وآب إليه حلمه.
стр. 248
وما تقول في المعتّق من أنبذة التّمر، فإنّك تنظر إليه وكأنّ النّيران تلمع من جوفه. قد ركد ركود الزلال حتّى لكأنّ شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه سيف. وله صفيحة مرآة مجلوّة تحكي الوجوه في الزّجاجة، حتّى يهم فيها الجلّاس؟! وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتدّ النّطفة وتشتدّ النّقطة، يجلب الأحلام، ويركد في مخّ العظام؟! وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمرّدة خضراء صافية، محكم الصّلابة، مفرط الحرارة، حديد السّورة، سريع الإفاقة عظيم المؤونة، قصير العمر، كثير العلل، جمّ البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع إليه؟! وما تقول في نبيذ التّين فإنّك تعلم أنّه مع حرارته ليّن العريكة، سلس الطّبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتّاح للسّدد، غسّال للأمعاء، هيّاج للباه، أخّاذ للثّمن، جلّاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح منظر؟! وما تقول في نبيذ السكّر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة فيه، هل يوجد في المحصول لشربه معنى معقول؟! وما تقول في المروّق والغربيّ والفضيح؟ ألذّ مشروبات في أزمانها وانفع مأخوذات في إبّانها. أقلّ شيء مؤونة، وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعا، وأسرعه بلوغا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشمّ، أقلّ المشروبات صداعا، وأشدّهن خداعا.
فصل منه: وكرهت أيضا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون التأمّل والاعتبار بأنّ ظلام الشّكّ لا يجلوه إلّا مفتاح اليقين.
стр. 249
[٥- الرد على اسئلة السائل]
قد فهمت- أسعدك الله تعالى بطاعته- جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، وبديع صفاتها، والفصل بين جيّدها ورديّها، ونافعها وضارّها، وما سألت من الوقوف على حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من يشرح ويفصح.
[٦- هناك فرق بين الخمر والنبيذ]
اعلم- أكرمك الله- أنّك لو بحثت عن أحوال من يؤثر شرب الخمور على الأنبذة، لم تجد إلّا جاهلا مخذولا، أو حدثا مغرورا، أو خليعا ماجنا، أو رعاعا همجا؛ ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة، ليس عنده من المعرفة أكثر من انتحال القول بالجماعة؛ قد مزج له الصّحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد الرّجال، يشعشع الرّاح، ويحرّم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: الأشربة كلّها خمر، فلا أشرب إلّا أجودها.
وقد أحببت- أيّدك الله- التّوثّق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنّا بالتغرير فقدّمت لك من التّوطئة ما يسهّل [لك] سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيّما فيما خفيت معالمه ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتدّ غموضه.
ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص عليّ البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة عنه إلى ذكر ضدّه، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكلّ ذلك. فكيف والقدرة- بحمد الله- وافرة، والحجّة واضحة.
قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتّى يتغيّر
стр. 250
بلون يحدث له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغيّر لذلك اسمه، ويصير حلالا بعد أن كان حراما.
فصل منه: فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعلّ الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم الخمر، ولكن لمّا كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها وحدها في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التّحريم بالقصد والإرادة.
قلنا: قد علمنا أنّ ذلك على خلاف ما ذكر السّائل، لأسباب موجودة، وعلل معروفة.
[٧- الصحابة ميزوا بين الفرائض والمسكرات]
منها: أنّ الصّحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم يختلفوا في قاذف المحصنين أنّ عليه الحدّ، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المرويّة في تحريم المسكر، والواردة في تحليلها.
ولو كانت الأشربة كلّها عند أهل اللّغة في القديم خمرا لما احتاجوا إلى أهل الرّوايات في الخمر، أيّ الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة العبيد من الإماء.
وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب.
وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع إقراره أنّ الأشربة المسكرة الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها واعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأنّ الله تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرّمها، وترك سائر الأشربة طلقا مع أجناس
следующие страницы →