Полный текст (465 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
[١١- قول الطباخ في الحرب والغزل]
قال: وسألت عبد الله بن طاهر عن مثل ذلك- وكان طبّاخا- فقال:
لقيناهم في مقدار صحن المطبخ، فما كان بقدر ما يشوي الرجل حملا حتّى تركناهم في أضيق من موقد نار، فقتلناهم فلو سقطت مغرفة ما وقعت إلا في قدر.
وعمل أبياتا في الغزل فكانت:
يا شبيه الفالوذ في حمرة الخ ... دّ ولوزينج النّفوس الظّماء
أنت جوزينج القلوب وفي اللّي ... ن كلين الخبيصة البيضاء
عدت مستهترا بسكباج ودّ ... بعد جوذابة بجنب شواء
يا نسيم القدور في يوم عرس ... وشبيها بشهدة صفراء
أنت أشهى إلى القلوب من الزّب ... د مع النّرسيان بعد الغداء
أطعم الحاسدون ألوان غمّ ... في قصاع الأحزان والأدواء
قد غلا القلب مذ نأت عنك داري ... غليان القدور عند الصّلاء
هام قلبي لمّا كسرن غضارا ... ت سروري مغارف الشّحناء
فتفضّل على العميد بيوم ... جد بوصل يكبت به أعدائي
وتفضّل على الكئيب ببز ما ... ورد وصل يشفي من الأدواء
[١٢- قول الفراش في الحرب والغزل]
قال: وسألت- أطال الله بقاءك- محمد بن داود الطوسيّ عن مثل ذلك- وكان فرّاشا- فقال:
لقيناهم في مقدار صحن بساط، فما كان إلا بقدر ما يفرش الرجل بيتا
стр. 282
حتّى تركناهم في أضيق من منصّة فقتلناهم، فلو سقطت مخدّة ما وقعت إلّا على رأس رجل.
ثم عمل أبياتا في الغزل فكانت:
كسح الهجر ساحة الوصل لمّا ... غبّر البين في وجوه الصّفاء
وجرى البين في مرافق ريش ... هي مذخورة ليوم اللقاء
فرش الهجر في بيوت هموم ... تحت رأسي وسادة البرحاء
حين هيّأت بيت خيش من الوص ... ل لأبوابه ستور البهاء
فرش البحر لي بيوت مسوح ... متّكاها مطارح الحصباء
رقّ للصبّ من براغيث وجد ... تعتري جلده صباح مساء
قال: فضحك المعتصم حتى استلقى، ثم دعا مؤدّب ولده فأمره أن يأخذهم بتعليم جميع العلوم.
تم كتاب الجاحظ ولله المنة، وبيده الحول والقوة، والله سبحانه الموفق للصواب. والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وصحبه وسلامه. بعد زيادات ليست للجاحظ.
стр. 283
١٥- هامش رسالة صناعة القواد
(١) «قال ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ» جملة مقحمة.
«دخلت على امير المؤمنين المعتصم» تشير الى تاريخ كتابة الرسالة.
البيتان الواردان في النص للشاعر الجاهلي الحكيم زهير بن ابي سلمى، وردا في المعلقة:
وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته او نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق الا صورة اللحم والدم
(٢) «حين قدم امير المؤمنين من بلاد الروم» إشارة الى غزو المعتصم بلاد الروم.
أنابير سرجين: اكداس زبل.
يحسّ دابته: ينفض عنها التراب.
الشكال: حبل تشد به قائمة الدابة.
(٣) بخشيشوع: طبيب وفد الى بغداد من نيسابور في مطلع الدولة العباسية وجعله الخلفاء طبيبهم ومات في خلافة المتوكل سنة ٢٥٦ هـ-.
- اختلف الرجل: ذهب الى المتوضأ.
- الاكحل: عرق في اليد.
- الدستج: آنية.
(٤) الدرز: موضع الخياطة- الجربان: جيب القميص.
стр. 284
(٥) المشارة: مقبعة الأرض.
اليرقان: دود ينمو في الزرع ثم يصير فراشا.
(٦) الجرادق: جمع جردق، الرغيف (كلمة فارسية معربة) .
(٧) المؤدب: المعلم.
الكتّاب: المدرسة.
- الامام: البرنامج.
(٨) الأتون: الموقد.
الزنبيل: الفقة.
(٩) الزبيل: القفة مثل الزنبيل.
- بنت وردان: الخنفس- البرينج: مجرى البول.
- يسلح: ينجو.
(١٠) الرطيلة وعاء يسع رطلا من الشراب.
القرابات: ضرب من الاواني.
١١- السكباج لحم يعالج بالخل والتوابل.
النرسيان: نوع من التمر الجيد.
(١٢) الغضارات: الصحاف المتخذة من الغضار اي الطين.
- البزماورد: نوع من الخبز يحشى بالشواء.
стр. 285
١٦- رسالة الجد والهزل
стр. 286
[١- أسباب معاقبة ابن الزيات للجاحظ وعدم عدالة العقوبة]
جعلت فداك. ليس من أجل اختياري النّخل على الزّرع أقصيتني، ولا على ميل إلى الصّدقة دون إعطائي الخراج عاقبتني، ولا لبغضي دفع الإتاوة والرضا بالجزية حرمتني.
ولست أدري لم كرهت قربي وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي واستطلت عمري وأيام مقامي. ولم سرّتك سيّئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي، حتّى ساءك تجمّلي بقدر ما سرّك جزعي وتضجّري، وحتى تمنّيت أن أخطىء عليك فتجعل خطيئي حجّة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفا من أن تجعله ذريعة لك إلى تقريبي.
فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك (فليس- جعلت فداك- هذا الحقد في طبقة هذا الذّنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.
ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقع قريبا، وإذ لم يكن عدله وقع مشبها كان أهون في موضع الضّرر، وأسهل في مخرج السّماع.
стр. 287
فأيّ شيء بقّيت للعدوّ المكاشف والمنافق الملاطف، وللمعتمد المصرّ وللقادر المدلّ.
ومن عاقب على الصّغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستّر بعقوبة معصية المعلن، ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزّنى بعقوبة السّرق، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى مثله في باب الثّواب. ومن خرج من جميع الأوزان وخالف جميع التعديل، كان بغاية العقاب أحقّ، وبه أولى.
والدّليل على شدّة غيظك وغليان صدرك قوّة حركتك وإبطاء فترتك، وبعد الغاية في احتيالك. ومن البرهان على ثبات الغضب، وعلى كظم الذنب تمكّن الحقد ورسوخ الغيظ، وبعد الوثبة وشدّة الصّولة.
[٢- ذم الغيظ]
وهذا البرهان صحيح ما صحّ النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب.
ولا أعلم نارا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوّة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء الحالات أقسامها من التدبير.
ولا أعلم تجارة أكثر خسرانا ولا أخفّ ميزانا من عداوة العاقل [العالم] ، وإطلاق لسان الجليس المداخل، والشّعار دون الدّثار، والخاصّ دون العامّ.
والطالب- جعلت فداك- بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة. ومن الحزم ألّا تخرج إلى العدوّ إلّا ومعك من
стр. 288
القوى ما يغمر الفضلة التي ينتجها له الإخراج. ولا بدّ أيضا من حزم يحذّرك مصارع البغي، ويخوّفك ناصر المطلوب.
وبعد- أبقاك الله- فأنت على يقين من موضع ألم الغيظ من نفسك، والغيظ عذاب. ولربّما زاد التشفّي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من نفوذ سهمك في صيدك [كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك] .
والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضعفه، ولا يطفىء نار غضبه تأخّر عقوبة من أغضبه، ولا يسدّد سهمه إلّا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب إلّا والمهرب معجزة.
إنّ سلطان الغيظ غشوم، وإنّ حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم على التصرّف أضعف ما يكون الحزم. والغضب في طباع شيطان، والهوى يتصوّر في صورة امرأة، فلا يبصر مساقط العيب ومواقع الشّرف إلّا كلّ معتدل الطباع، ومعتدل الأخلاط مستوي الأسباب.
والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا مخافة جواذبه إلى سرف الهوى.
فما ظنّك بسرف الغضب، وبغلبة الغيظ، ولا سيّما ممّن قد تعوّد إهمال النّفس ولم يعوّدها الصبر، ولم يعرّفها موضع الحظّ في تجرّع مرارة العفو، وأن المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.
ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السّرور فما ظنّك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض الناس: لا خير في طول الرّاحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في الكفاية إذا كان يؤدّي إلى المعجزة، ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة.
جعلت فداك. إنّ داء الحزن وإن كان قاتلا فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ومعه من التمهّل بقدر قسطه من أناة المرّة السوداء. وداء الغيظ
стр. 289
سفيه طيّاش، وعجول فحّاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصيّة، ومعه من الخرق بقدر قسطه من التهاب المرّة الحمراء. [والعجول يخطىء وإن ظفر، فكيف به إذا أخفق. على أنّ إخفاقه يزيد في حقيقة خطئه كما أنّ ظفره لا ينتقص من مقدار زلله] . وأنت روح كما أنت وحشيّ من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدّقاق والعتاق أسرع، وحدّها عن الغلاظ الجفاة أكلّ؛ فلذلك اشتدّ جزعي لك من سلطان الغيظ وغلبته.
والله لو كنت ابتلعت مزار بابك، وأبطلت بمر الباطل، ووردت الفظائع كلّها، ونقضت الشّروط بأسرها، وأفسدت نتاجك، وقتلت كلّ شطرنجيّ لك، ورفعت من الدنيا فراهة الخيل، وجعلت المروج كلّها حمىّ، وكنت صداق المرادين، وبرسام الأولاد، ومسخت جميع الجواري في صورة أبي رملة ورددت شطاط خلقك إلى جعودة أبي حثّة وكنت أول من سنّ بيع الرجال في النخّاسين، وفتح باب الظّلم لأصحاب المظالم، وحوّلت إليك عقل أبي دينار، وطبعت على بيان ما نويه، وأعنت على موت المعتصم، وغضبت لمصرع الأفشين، واستجبت للديك الأبيض الأفرق وأحببت صالح بن حنين، وأحوجتك إلى حاتم الرّيش، وكان أبو الشّماخ صديقي، والفارسيّ من شيعتي- لكان ما تركبني به سرفا، ولكنت في هذا العتاب متعدّيا.
[٣- يجب التمييز في العداوة بين الاخيار والاشرار والمحبين والمبغضين]
جعلت فداك، لا تتعرض لعداوة عقلاء الرّواة، ولضغينة حفّاظ المثالب، وللسان من قد عرف بالصّدق والتوخّي، وبقلّة الخطل والتنكّب، ما وجدت عن ذلك مندوحة، ووجدت المذهب عنه واسعا. ولا تعاقب وادّا وإن اضطرّك الوادّ، ولا تجعل طول الصّحبة سببا للتضجّر، واصبر على خلقه فإنّ
стр. 290
خلقه خير من جديد غيره. وصداقة المتطرّف غرور، وملالة الصّديق أفن، والعلم بأقدار الذّنوب غامض، وحدود الذنوب في العقاب خفيّة. ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذّنب. والأجرام كثيرة الأشكال، ومتفاوتة في الأقدار. وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك عليه فانظر في علّته وسببه، وإلى معدنه الذي منه نجم، وعشّه الذي منه درج، ومغرسه الذي منه نبت، وإلى جهة صاحبه في التّتابع والتّترّع، وفي النزوع والثّبات، وإلى قحته عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، وإلى فطنته عند الرشق والتورية؛ فإنّ فضل الفطنة ربّما دلّ على فرط الاكتراث، وعلى قدر الاكتراث يكون الإقدام والإحجام. فكلّ ذنب كان سببه الدالّة وضيق صدر وغلظ طباع وحدّة مرار، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير، أو من طريق [فرط] الأنفة وغلبة طباع الحميّة من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة استحقاقه عند نفسه وفيما زيّن له من عمله، وأنّه مقصّر به مؤخّر عن مرتبته، أو كان مبلّغا عنه أو مكذوبا عليه، وكان ذلك جائزا عليه غير ممتنع فيه- فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس يقف عليها كريم، [ولا يلتفت لها حليم] .
ولست أسمّيه بكثرة معروفه كريما حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا لطبعه، وحتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما أخذ. واسم الحليم جامع للكظم، والقدرة، والفهم.
فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلّا البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقاب دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، ولصوّب رأيك عالم من الأشراف.
ومتى كانت (علّته طبيعة البذاء، وخلقه الشّرارة والتسرّع، فاقتله قتل العقارب، وادمغه دمغ رؤوس الحيات.
стр. 291
وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلّا لتعطيه على الخوف، وتمنع عرضك من جهبة التقيّة فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل غيرك؛ فإنّك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته في سبّ نفسك، واستدعيت الألسنة البذيّة إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك.
وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلا أنّ عليك غرمه ولك غنمه.
ومن العدل المحض والإنصاف الصحيح أن تحطّ عن الحسود نصف عقابه، وأن تقتصر على [بعض] مقداره، لأنّ ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه.
وأما الوادّ فلا تعرض له البتة، [ولا تلتفت لفته] ، ولو أتى على الحرث والنسل، وحتى على الرّوح والقلب. ولا تغتر بقوله إنّي وادّ، ولا تحكم له بدعواه بأنى جدّ وامق. وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وإلى لحن قوله، وإلى طريقته وطبيعته، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرّفه وتصميمه وإلى توقّفه وتهوّره. وتأمّل مقدار جزعه من قلة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى انصرافه عمن انصرف عنك وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلّمه من الشر وتعرّضه له، وإلى مداهنته وكشف قناعه. بل لا تقض له بجماع ذلك ما كان ذلك في أيام دولتك ومع إقبال من أمرك، وإن طالت الأيام وكثرت الشهور، حتى تنتظم الحالات، وتستوي فيه الأزمان.
نعم، ثمّ لا تحكم له بذلك حتى تكون حاله مقصورة على محبّتك، ومحنوّة على نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال. والأسباب التي تسخّر القلوب للمودّات، كالعلل الثابتة في الصنيعة، والأسباب الموجودة مع مولى العتاقة؛ فإنّ عللهما خلاف علل مولى الكلالة، وخلاف علل الصّديق الذي
стр. 292
لم يزل يرى أنّه مثلك، وأنه يستوجب منك استيجابك، ولا سيما إذا كانت الصنيعة أنت ابتدأتها، وأنت أبو عذرتها.
فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ولم تقض له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل، وتعاون هذه البرهانات، فكل خبر بيّنه زور، وكلّ دلالة فاسدة.
وقد قال الأول: «دلائل الأمور أشد تثبيتا من شهادات الرجال» . إلّا أن يكون في الخبر دليل، ومع الشّهادة برهان؛ لأنّ الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدّل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما.
[٤- تفضيل النخل على الزرع سبب سخيف للعداوة]
وبعد متى صار اختيار النّخل على الزرع يحقد الإخوان، ومتى صار تفضيل الحبّ وتقريظ الثّمر يورث الهجران، ومتى تميّزوا هذا التميّز وتهالكوا هذا التهالك؟ ومتى صار تقديم النحلة ملّة، وتفضيل السنبلة نحلة؟ ومتى صار الحكم للنّعجة نسبا وللكرمة صهرا، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة، ويحدث عنها حميّة.
وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع ناب، ومن حرب بعاث في مخرف تمر، ومن حرب غطفان في سبق دابّة. فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كلّ عجب، وآنسنا بكل غريب، وحسّن عندنا كلّ قبيح، وقرّب عندنا كلّ بعيد.
فإن جهلت- أعزّك الله- غضبك فمثلي جهل ما لا علّة له، وإن عجزت عن احتمال عقابك فمثلي ضجّ مما لا يطيق حمله. ولا عار على جازع إلّا فيما يمكن في مثله الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر.
стр. 293
وليس هذا أوّل شرك نصبته، ولا أوّل كيد أرغته، ولا هي بأول زبية غطّيتها وسترتها، وحيلة أكمنتها وربصتها.
وقد كانت التقيّة والاقتصاد أسلم، بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم.
[٥- ذم العجلة]
ولا خير في عقوبة تشمت العدوّ المتقادم، وينادي بها العدوّ الحادث.
والأناة أبلغ في الحزم، وأبعد من الذمّ، وأحمد مغبّة وأبعد من خرق العجلة.
وقد قال الأول: «عليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على ردّ ما قد أوقعته» . فقد أخطأ من قال:
قد يدرك المتأنّي بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل
بل لو قال: والمتأنّي بدرك حاجاته أحقّ، والمستعجل بفوت حاجاته خلق، لكان قد وفّى المعنى حقّه، وأعطى اللّفظ حظّه، و [إن] كان القول لأوّل موزونا والثاني منثورا. ولولا أنه اشتقّ المستعجل من العجلة لما قرنه مالمتأنّي. وينبغي أن يكون الذي غلّطه قولهم: «ربّ عجلة تهب ريثا» .
فجعل الكلام الذي خرج جوابا عندما يعرض من السبب، كالكلام الذي خرج رتجالا، وجعله صاحبه مثلا عاما. فإذا سمّيت العمل عجلة وريثا فاقض على الريث بكثرة الفوت، وبقدر ذلك من العجز، وعلى العجلة بقلّة النّجح، بقدر ذلك من الخرق.
والرّيث والأناة في بلوغ الأمل وإدراك النّعمة كانتهاز الفرصة واهتبال لغرّة. والأناة وإن طالت [فليست من جنس الريث] ، وانتهاز الفرصة وإن كان في غاية السّرعة فليس من جنس العجلة.
وربّت كلمة لا توضع إلّا على معناها الذي جعلت حظّه، وصارت هي
стр. 294
حقّه والدالّة عليه دون غيره، كالحزم والعلم، والحلم والرّفق، والأناة والمداراة، والقصد والعدل والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة والتسرّع، والغلوّ والتقصير.
وربّت كلمة تدور مع خلّتها، وتتقلّب مع جاراتها، وإزاء صاحبتها، وعلى قدر ما تقابل من الحالات، وتلاقي من الأسباب، كالحبّ والبغض، والغضب والرّضا، والعزم والإرادة، والإقبال والإدبار، والجدّ والفتور؛ لأن هذا الباب الأخير يكون في الخير والشرّ، ويكون محمودا ويكون مذموما.
وصاحب العجلة- أعزّك الله- صاحب تغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عالم، وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والرّيث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى مدرجة اللائمة. وصاحب الأناة إن ظفر نفع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وأطاب ذكره دوام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم فمبسوط عذره، ومصوّب رأيه مع انتفاعه بعلمه وما يجد من عزّ حزمه ونبل صوابه، ومع علمه بالذي له عند العقلاء، وبعذره عند الأولياء والأعداء.
وما عندي لك إلّا ما قال الدّهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان، حين مرّ به وهو يدهق في حبسه:
إن كنت تعطي من ترحم فارحم من تظلم. إنّ السموات تنفرج لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلّا الله، ولا جنّة إلا الثّقة بنزول الغير، ولا سلاح إلّا الابتهال إلى مولى لا يعجزه شيء.
يا أسد، إنّ البغي يصرع أهله، وإنّ الظّلم مرتعه وخيم، فلا تغترّ بإبطاء العقاب من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقوم كي يزدادوا إثما. وجميع أهل السّعادة إمّا سالم من ذنب، وإما تارك لإصرار. ومن رغب عن التمادي فقد نال أحد الغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار
стр. 295
الندوة. وسواء- جعلت فداك- ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدّحس والدّسّ. فشاور لبّك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلّة العالم.
وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلّد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطرة ذنبا، والذنب ذنوبا، ومقدار الطّرفة إصرارا، والصّغير كبيرا، والقليل كثيرا، عاقب على المتروك الذي لا يعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقيّة معه، ورأى أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمّل معه، الحزم المحمود؛ وأنّ الاعتزام في كلّ موضع هو الرأي الأصيل.
وقال أيضا: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمّر عليه دون عقله، ولم يتوكّل لما لا يهواه على ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من المستطرف المقرّب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم حججهما، ويصوّر صورهما، في كتاب مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلّا من لا يدري أيّ النوعين يبغي، وعلى أيّهما يحامي، وأيّهما دواؤه وأيّهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورّطا في الخطاء مغمورا بالذمّ.
[٦- ابن الزيات يعرض بالجاحظ لاهماله تجليد كتبه ونظمها]
سمعتك وأنت تريدني وكأنّك تريد غيري، وكأنّك تشير عليّ من غير أن تنصّني. وتقول: إنّي لأعجب ممّن ترك دفاتر علمه متفرّقة مبثوثة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرّضها للتجرّم، وكيف لا يمنعها من التفرّق. وعلى أنّ الدفتر إذا انقطعت حزامته، وانحلّ شداده، وتخرّمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ولا جنّة، تفرّق ورقه؛ وإذا تفرّق ورقه اشتدّ
стр. 296
جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وربّما ضاع أكثره. والدّفّتان أجمع، وضمّ الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. وينبغي للأشكال أن تنظم وللأشباه أن تؤلّف؛ فإنّ التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة، فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت كلّها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت فيها.
وإذا كانت منظومة، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفّت عليك مؤونتها وقلت فكرتك فيها، وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادّخرت تلك القوّة لنوائب غدك.
وعلى أن ذلك أدلّ على حبّك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، والتقدم في إحكام الصناعة.
وقلت: لأمر ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرّقا في الصّدور، ولا مبدّدا في الدفاتر، ومفرّقا في القماطر. على ذلك أجمع المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وصغير عن كبير، وحديث عن قديم.
ولم أشكّ في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأي حضر أو حكمة نبغت، أو صدر جاش فلم يملك، أو علم فاض فلم يردّ، استعمله من استعمله، وتركه من تركه.
فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم وحظّ عنايتك من النّقل، وجمعت البعض إلى البعض،
стр. 297
والشّكل إلى الشّكل، وتقدّمت في استجادة الجلود، وفي تمييز الصنّاع، وفي تخيّر البياعات، وغرمت المال، وشغلت البال، وجعلتها مصحفا مصحفا، وأجملتها صنفا صنفا؛ ورأيت أنّي قد أحكمت شأني، وجمعت إليّ أقطاري، رأيت أن أنظر فيها وأنا مستلق ولا أنظر فيها وأنا منتصب، استظهارا على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأنّ ذلك أبقى على نور البصر، وأصلح لقوّة الناظر؛ إذ كلّ واحد من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيّق صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم.
وإذا أنا نظرت فيها وأنا جالس سدرت عيني، وتقوّس ظهري، واجتمع الدم في وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه.
وقد علمت- أبقاك الله- مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع والمضارّ، ثم بمصالح العباد والبلاد، أنّ من كان على مقطع جبل، أو على شرفات قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفا، وإن أراد أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئا ثقيلا. فإن بدا لي أن يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، كلّفت أخرق النّاس كفّا، وأقلّهم وفقا، وأكثرهم التفاتا، وأحضرهم نعاسا، وأقلّهم على حال واحدة ثباتا، وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحطّ اليد ورفعها، وإمالتها ونصبها. ثم رأيت في تضجّرهم وتكرّههم وفرارهم منه، ما صيّر تجشّمي لثقل وزنه، ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخفّ على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك بنفسي فشقاء حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظ قاتل. وحتّى صارت الحال فيها داعية إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما كان فيها من الفائدة الحسنة، والمنافع الجامعة،
стр. 298
ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة.
ولو لم يكن في ذلك إلا الشّغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللّاهين، ومن الغيبة للناس والتمنّي لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيرا، وموقعه من الدّين والفرض عظيما.
ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعسته الطبيعة. ومتى دام الاستثقال احدث الهجران. وإذا تطاول الكدّ رسخ الزهد. وفي ترك النظر عمى البصر، وفي اهمال الطبيعة كلال حد (الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما انه على قدر غريزة العقل تصح الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرف يحدث العي ويظهر العجز ويبطىء الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان. وفي فساد البرهان هلاك الدّنيا وفساد الدين.
فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت، فحسبك الآن من شج من بأسوك، ومن قتل من يقتل فيك.
جعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواجد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجي منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولا دحل، ولا نفق ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلّب. فان اعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتّني من سكينه.
وإلا فأنا أوّل من ابتلعته تلك الحية. ولا والله إن بي قوة على الثّعبان، فكيف التّنّين. أعفني من حيّة المهلّب ثم اقتلني أيّ قتلة شئت.
إن احترست منك ألفيت لنفسي كدّا شديدا، وغما طويلا، وطال اغترابي وافتراق الافي، وتعرضت للعدو، وتحرّشت بالسباع. فإن استرسلت اليك لم تر أن تقتلني إلا شرّ قتلة وآلمها، ولم تعذبني إلا باشد النقم وأطولها. ولو اردت ذبحي لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل
стр. 299
على التذفيف، حتى كأني علمت عليك «شاه مات» ، أو أكلت سبعة وأطعمتك واحدة.
[٧- ابن الزيات يكيد للجاحظ]
ولقد تقدّمت في المكر واستظهرت عليّ في الكيد، حتى توليّت ذلك في صغار كتبي وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت ان الدّرس لليل وأن الإستراحة للنهار، وأن الكتاب لا يقرأ إلّا ليلا والنّيران زاهرة، والمصابيح مقرّبة. وعلمت أنّ كلّ من ضعف بصره وكلّ نظره، فإنه أبدا أقرب مصباحا وأعظم نارا وأن المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ودرس، أنّه لا يجد بدّا من الصبر على ما يحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرّض لها. فخيّرتني بين العمى والجهل. وما فيهما حظّ لمختار.
وقلت: إذا سخن بدنه سجن بوله، وإذا سجن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، وطبخ فضول غذائه، وجفّف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصى قاتلا وصخرا جامدا، وهو دقيق القضيب ضيّق الإحليل، فإذا حصاه يورث الأسر، وفي ذلك الأسر تلف النفس أو غاية التعذيب.
وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولا بنفسه، وإن ذهب عنّا فقد كفانا مؤونة الحيلة في أمره.
جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبّع لغوامض المسألة، والتعرّض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيء يخمل ذكري؟! وما هذا الترقّي إلى كلّ ما يحطّ من قدري؟!
стр. 300
[٨- ابن الزيات يعيب ورق كتب الجاحظ]
وما عليك أن تكون كتبي كلها من الورق الصّينيّ، ومن الكاغد الخراسانيّ؟! قل لي: لم زيّنت النّسخ في الجلود، ولم حثثتني على الأدم، وأنت تعلم أنّ الجلود جافية الحجم، ثقيلة الوزن، إن أصابها الماء بطلت، وإن كان يوم لثق استرخت. ولو لم يكن فيها إلّا أنّها تبغّض إلى أربابها نزول الغيث، وتكرّه إلى مالكيها الحيا، لكان في ذلك ما كفى ومنع منها.
قد علمت أنّ الورّاق. لا يخطّ في تلك الأيام سطرا، ولا يقطع فيها جلدا. وإن نديت- فضلا على أن تمطر، وفضلا على أن تغرق- استرسلت فامتدّت. ومتى جفّت لم تعد إلى حالها إلّا مع تقبّض شديد، وتشنّج قبيح.
وهي أنتن ريحا وأكثر ثمنا، وأحمل للغش: يغشّ الكوفيّ بالواسطيّ، والواسطيّ بالبصريّ، وتعتّق لكي يذهب ريحها وينجاب شعرها. وهي أكثر عقدا وعجرا، وأكثر خباطا وأسقاطا، والصّفرة إليها أسرع، وسرعة انسحاق الخطّ فيها أعمّ. ولو أراد صاحب علم أن يحمل منها قدر ما يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير. ولو أراد مثل ذلك من القطنيّ لكفاه ما يحمل مع زاده.
وقلت لي: عليك بها فإنها أحمل للحكّ والتغيير، وأبقى على تعاور العاريّة وعلى تقليب الأيدي، ولرديدها ثمن، ولطرسها مرجوع، والمعاد منها ينوب عن الجدد. وليس لدفاتر القطنيّ أثمان في السّوق وإن كان فيها كلّ حديث طريف، ولطف مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلودا ثم كان فيها كلّ شعر بارد وكلّ حديث غثّ، لكانت أثمن، ولكانوا عليها أسرع.
وقلت: وعلى الجلود يعتمد في حساب الدواوين، وفي الصّكاك
стр. 301
والعهود، وفي الشّروط وصور العقارات. وفيها تكون نموذجات النقوش، ومنها تكون خرائط البرد. وهنّ أصلح للجرب ولعفاص الجرّة وسداد القارورة. وزعمت أنّ الأرضة إلى الكاغد أسرع، وأنكرت أن تكون الفأرة إلى الجلود أسرع، بل زعمت أنها إلى الكاغد أسرع وله أفسد، فكنت سبب المضرّة في اتّخاذ الجلود والاستبدال بالكاغد، وكنت سبب البليّة في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل، إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطّم الصدور، وتقوّس الظهور، وتعمي الأبصار.
وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل مجلّد، وألّا يروموا جمع شيء من أبواب التعلّم بين الدّفّتين، فيلحقوا بما جعله السّلف للقرآن غير ذلك من العلوم.
[٩- ابن الزيات يشمت بعدم انجاب الجاحظ]
دع عنك كلّ شيء. ما كان عليك أن يكون لي ولد يحيي ذكري ويحوي ميراثي، ولا أخرج من الدنيا بحسرتي، ولا يأكله مراء يرصدني، وابن عمّ يحسدني، ولا يرتع فيه المعدّلون في زمان السّوء، ولا تصطنع فيه الرجال، ويقضى به الذّمام. فقد رأيت صنيعهم في مال المفقود والمناسخة والوارث الضعيف، ومن مات بغير وصية.
جعلت فداك، إن النفوس لا تجود لمولى الكلالة بما تجود به لأولاد الأصلاب وما مسّ تلك الأصلاب؛ لأنّ الرحم الماسّة والقرابة الملتصقة، واللّحمة الملتحمة، وإن أمّلت التركة ونازعت إلى المورّث، فمعها ما يأطرها ويثنيها، ويحزنها ويبكيها، ويحرّك دمها ويستغزر دمعها. وقد يشفع للولد إلى أبيه حال أبيّة كانت من أبيه.
وابن العمّ الذي ليس بالبعيد فيحتّك من جسده، وليس بالقريب المحنوّ
стр. 302
على رحمه، وسببه الجاذب له إلى تمنّي مماتي أمتن من سببه إلى تمنّي بقائي، وهو إلى الحال الموجبة للقسوة والغلظة أقرب منه إلى الحال الموجبة للرقّة والعطف. وليس ينصرك إذا نصرك ولا يحامي عليك لقرابته منك، ولكن لعلمه بأنّه متى خذلك حلّ به ضعفك، واجترأ بعد ضعفك عليه عدوّه. فهو يريد بنصره من لا يجب عليه شكره، ويقوّي ضعف غيره بدفع الضعف عن نفسه.
جعلت فداك. ما كان عليك من بنيّ صغير يكون لي، ولا سيّما ولست عندك ممن يدرك كسبه أو تبلغ نصرته، أو يعاين برّه أو يؤمّل إمتاعه.
وما كان عليك مع كبر سنّي وضعف ركني، أن يكون لي ريحانة أشمّها وتمرة أضمّها، وأن أجد إلى الأماني به سببا، وإلى التلهّي سلّما، وأن تكثر لي من جنس سرور الحالم، وبقدر ما يمتّع به راجي السّراب اللامع، حتّى حببت قصر عمري إلى وليّي، وشوّقته إلى ابن عمّي؛ وحتّى زدت فيما عنده مع كثرة ما عنده، وحتّى صيّرني حبّه لموتي إلى حبّ موته، وتأميل مالي [إلى] تأميل فقره؛ وحتى شغلتني عمّن كان يشغل عدوّي عني.
وسواء أعبت عليّ ألا يكون لي ولد قبل أن يكون، أو عبت عليّ ألا يكون بعد أن كان. وإنما يعذّب الله على النيّة والقصد، وعلى التوخّي والعمد.
وكما أنّه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مال قبل أن أملكه. أو احتلت في ألا يكون بعد أن ملكته.
وكنت لا أدري ما كان وجه حبّك لإعناتي، والتشييد بذكر ثرائي، والتنويه باسمي، ولا لم زهّدتني في طلب الولد، ورغّبتني في سيرة الرهبان.
стр. 303
[١٠- ابن الزيات يتمنى موت الجاحظ]
فإذا أنت لم ترفع ذكري في الأغنياء إلّا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثّر مالي إلّا لتقوّي العلّة في قتلي، فيا لها مكيدة ما أبعد غورها، ويا لها حفرة ما أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشّخص ودقّة المسلك، وبعد الغاية.
والله لو دبّرها الإسنكدر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلّب على سفيان بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبّرها لقيم بن لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها قيس بن زهير على حصن بن حذيفة، ولو توجّهت لكهّان بني أسد على دهاة قريش- لقد كان ذلك من تدبيرهم نادرا [بديعا] ، ولكان في مكايدهم شاذّا غريبا. وإنّها لترتفع عن قصير في كيد الزّباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلّا ستدقّ على ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكلّ عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سميّة.
هذا والله التّدبير لا مخاريق العرّاف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ولا ما ينتحلها صاحب الرّئيّ؛ بل تضلّ فيها رقى الهند، وتقرّبها سحرة بابل.
فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كلّ شيء المؤانسة، ثم أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البرّ، ثم أذنت مع العامّة، ثم أعملت الحرمان، ثم صرّحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من بعد ذلك كلّه أسرفت واعتديت، لكنت واحدا ممّن يصبر أو يجزع، فلعلّي كنت أعيش بالرّفق، وأتبلّغ بحشاشة النفس، وأعلّل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء
стр. 304
لا يقوم لها الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غاية في صرف ما بين طبقات التعذيب إلّا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلّا بلغتها. فقد متّ الآن فمع من تعيش؟ [بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!] ، كما قال ديوست المغنّي لكسرى حين أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: خلّوا سبيله؛ فإنّ الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجّة.
ولكنّي أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشّطرنجيّين؟! فقد قال جالينوس: إيّاك والاستمتاع بشيء لا يعمّ نفعه.
إنّ الكلام إنما صار أفضل من الصّمت؛ لأنّ نفع الصمت لا يكاد يعدو الصّامت، ونفع الكلام يعمّ القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر.
وقالوا: ومما يدلّ من فضل الكلام على الصمت، أنّك بالكلام تخبر عن الصّمت وفضله، ولا تخبر بالصّمت عن فضل الكلام. ولو كان الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتا، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن.
وقد فرّق بينهما رسول الله، ﷺ ، وفصّل وميّز وحصّل، حيث قال: «رحم الله امرأ قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» .
فجعل حظّ السكوت السلامة وحدها، وجعل حظّ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ولا يغنم إلّا من سلم.
فأمّا الدوابّ فمن يضع المركب الكريم إلى الصّاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتاع بهيمة بإمتاع أديب.
قالت ابنة النّعمان: لم نر فيما جرّبنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشرّ من صاحب.
стр. 305
ولمّا عزم ابن زياد على الحقنة بعد أن كان تفحّشها قال له حارثة بن بدر: ما أجد أولى بتولّي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلّا، فأين الصاحب.
والله أن لو نتجت في كلّ عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ربرب، وصار لك كلّ نهر المبارك بدلا من بعض بابك وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشّبق، لما كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتّة لكان أمثل.
[١١- ذم الغضب]
إنّ الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدىء العقاب بعرض لجاج. وليس يعاقب إلّا غضبان.
والغضب يغلب العزم على قدر ما مكّن، ويحيّر اللّبّ بقدر ما سلّط.
والغضب يصوّر لصاحبه مثل ما يصوّر السّكر لأهله.
والغضبان يشعله الغضب، ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلىء بدنه رعدة، وتتزايل أخلاطه، وتنحلّ عقده، ولا يعتريه من الخواطر إلّا ما يزيده في دائه، ولا يسمع من جليسه إلّا ما يكون مادّة لفساده، وعلى أنّه ربّما استفرغ حتّى لا يسمع، واحترق حتّى لا يفهم.
ولولا أنّ الشيطان يريد ألّا يخلو من عمله، ولا يقصّر في عادته، لما وسوس إلى الغضبان ولا زيّن له، ولما أغراه ولا فتح عليه؛ إذ كان قد كفاه، وبلغ أقصى مناه.
стр. 306
وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلّا صرعه، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيء إلّا قهره. وإنّما يحتال له قبل هيجه، ويتوثّق منه قبل حركته، ويتقدّم في حسم أسبابه وفي قطع علله- فأمّا إذا تمكّن واستفحل، وأذكى ناره واشتعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا وطاعة، فلو سعطته بالتوراة، ووجرته بالإنجيل، ولددته بالزّبور، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم ﵇ شفيعا لما قصّر دون أقصى قوّته، ولتمنّى أن يعار أضعاف قدرته.
وقد جاء في الأثر: أن أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب.
قال قتادة: ليس يسكن الغضب إلّا ذكر غضب الرحمن .
وقال عمرو بن عبيد: ذكر غضب الربّ يمنع من الغضب. إلّا أن يريد الذكر باللسان.
ويسمّى المتوجّد غضبان، والذّكور حقودا.
فلا تقف- حفظك الله- بعد مضيّك في عقابي التماسا للعفو عنيّ، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي؛ ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله، والشيطان على دينه، ويعلم أنّ للعقل خصوما، وللكرم أعداء.
وإنّ من النّصف أن تنتصف لعقلك من خصمه، وتنتصف لكرمك من عدوّه، وتمسك إمساك من لا يبرّىء نفسه من الهوى، ولا يبرّىء الهوى من الخطأ.
[١٢- علاقة الاسماء بالمعاني]
ولا تنكر لنفسك أن تزلّ، ولعقلك أن يهفو؛ فقد زلّ آدم ﵇ وهفا، وعصى ربّه وغوى، وغرّه عدوّه وخدعه خصمه، وعيب باختلال عزمه
стр. 307
وسكون قلبه إلى خلاف ثقته. هذا وقد خلقه الله بيده، وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ورفع فوق العالمين درجته، وعلّمه جميع الأسماء بجميع المعاني. ولا يجوز أن يعلّمه الاسم ويدع المعنى، ويعلّمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم بلا معنى لغو، كالظّرف الخالي. والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى الأرواح. اللّفظ للمعنى بدن، والمعنى للّفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان لكان كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حسّ فيه، وشيئا لا منفعة عنده.
ولا يكون اللفظ اسما إلّا وهو مضمّن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، ولا يكون اسم إلّا وله معنى.
في قوله جلّ ذكره: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
إخبار أنّه قد علّمه المعاني كلّها. ولسنا نعني معاني تراكيب الألوان والطّعوم والأراييح، وتضاعيف الأعداد التي لا تنتهي ولا تتناهى. وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسم إلّا أن تدخله في باب العلم فتقول: شيء، ومعنى.
الأسماء التي تدور بين الناس إنّما وضعت علامات لخصائص الحالات، لا لنتائج التركيبات. وكذلك خاصّ الخاصّ لا اسم له إلّا أن تجعل الإشارة المقرونة باللفظ اسما.
وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة، ولعمري إنّها لتحيط بها وتشتمل. فأما العلوم المبسوطة فإنّها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي.
فإذا زعمت أنّ الله ﵎ علّم آدم الأسماء كلّها بمعانيها، فإنّما تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك. هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة، وهو سماويّ وأنت أرضيّ، وهو الأصل وأنت الفرع، والأصل أحقّ بالقوّة والفرع
стр. 308
أولى بالضّعف.
فلست أسألك أن تمسك إلّا ريثما تسكن إليك نفسك، ويرتدّ إليك ذهنك، وحتّى توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة، وترى تضرّم الغضب وما يفضى لأهله من فضل القوّة.
على أنّ العقل إذا تخلّص من سكر الغضب أصابه ما يصيب المخمور إذا خرج من سكر شرابه، والمنهزم إذا عاد إلى أهله، والمبرسم إذا أفاق من برسامه.
وما أشكّ أنّ العقل حين يطلق من إساره كالمقيّد حين يفكّ من قيوده؛ يمشي كالنّزيف، ويحجل كالغراب. فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مخامرة داء الغضب بعد تخلّصه، وأن تتعمّده بالعلاج بعد مباينته له وتخلّصه من يده، فما ظنّك به وهو أسير في ملكه، وصريع تحت كلكله، وقد غطّه في بحره، وغمره بفضل قوّته.
وقد زعموا أنّ الحسن حضر أميرا قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين، فكلّمه فلم يحفل بكلامه، وخوّفه فلم يتّعظ بزجره، فقال: إنّك إنما تضرب نفسك، فإن شئت الآن فأقلّ، وإن شئت فأكثر.
ومعاذ الله أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي، والمصمّم القاسي، ولكنّي أقول: اعلم أنّك تضرب من قد جعلك من قتله في حلّ. وإن كان القتل يحّل بإحلال المقتول، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم؛ ولو أمكن في الدين تواهب قصاص الآخرة في الدّنيا؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب، وكان الوفاء مضمونا- لكنت أوّل من أسمحت بذلك نفسه، وانشرح به صدره.
стр. 309
[١٣- اسباب التعادي غير متوافرة بين الجاحظ وابن الزيات]
جعلت فداك، إنّي قد أحصيت جميع أسباب التعادي، وحصّلت جميع علل التضاغن، إلّا علّة عداوة الشيطان للإنسان؛ فإنّي لا أعرف إلّا مجازها في الجملة ولا أحقّ خاصّتها على التحصيل. وعلى حال فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من طريق التفصيل. فأما هذا التجنّي فلم أعرفه في خاصّ ولا عامّ.
فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الأشكال في الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشرّ وأسرعها إلى المروءة والعقل، وأقدحها في العرض وأحطبها على الدين، التشاحّ على المواريث، والتنازع في تخوم الأرضين. فإن اتّفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، والداء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة. ولذلك كتب عمر ﵁ إلى قضاته: أن ردّوا القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن.
ولم أعجب من دوام ظلمك، وثباتك على غضبك، وغلظ قلبك، ودورنا بالعسكر متجاورة، ومنازلنا بمدينة السّلام متقابلة، ونحن ننظر في علم واحد، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد؛ ولكن اشتدّ عجبي منك اليوم وأنا بفرغانة وأنت بالأندلس، وأنا صاحب كلام وأنت صاحب نتاج، وصناعتك جودة الخطّ وصناعتي جودة المحو، وأنت كاتب وأنا أمّي، وأنت خراجيّ وأنا عشريّ، وأنت زرعيّ وأنا نخليّ. فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من تميم، كان ذلك إلى العداوة سببا، وإلى المنافسة سلّما.
أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، وأنت ركين وأنا عجول،
стр. 310
وأنت تدبر لنفسك وتقيم أود غيرك، وتتّسع لجميع الرعيّة، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا أصف، وأنت مقدّم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا كان أجود، ولو تركت قول كذا لكان أحسن؛ وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلّمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها؛ فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلّمت ندمت، [وإن جاريت أبدعت] ورأيي كلّه دبريّ. وأنت تعدّ في الشطرنج زبر، وأنا في الشّطرنج لا أحد.
وما أعرف ها هنا اجتماعا على مشاكلة إلا في الإيثار بخبز الخشكار على الحوّارى، والباقلّى على الجوزينج، وأنّا جميعا ندّعي الهندسة. فقد بلغ الآن من جرمي في مساواتك في خبز الخشكار، وإيثاري الباقلّى، والمعرفة بتقدير المدن وإجراء القنى، أن أنفى من جميع الأرض، وأن تجعل في دمي الجعائل؛ فإنيّ قد هجرت الخبز البتّة إلى مواصلة التّمر، ونزلت الوبر بدلا من المدر.
دعنا الآن فإنّك فارغ. إن الله يعلم- وكفى به عليما، وكفى به شهيدا، وكفى به حفيظا ووكيلا، وكفى بجرأة من يعلّمه ما لا يعلم جرأة وتعرّضا، وكفى بحاله عند الله بعدا ومقتا- لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى، فرأيت أنّ من الخيانة لك ومن اللؤم في معاملتك، أن أفديك بنفسي ميتة، وأن أريك أنّي قد جدت لك بأنفس علق والعلق معدوم. ليس أنّ من قد فدّاك فقد جعل فداك، ولكنها نهاية من نهايات التعظيم، ودليل من دلائل الاجتهاد. ومن أعلن الاجتهاد لك واستسرّ خلاف ذلك فقد نافق وخان، وغشّ وألام. وأخلق بمن أخلّ بهذه ألّا
стр. 311
يرعى حقّا، ولا يرجع إلى صحّة ولا إلى حقيقة.
ثم أنت لا يشفيك منّي السمّ المجهز، ولا السمّ الساري؛ فإنه أبعد غاية في التطويل وأبلغ في التعذيب. لا ولا لعاب الأفاعي وداهية الدّواهي، فإنّه يعجز الرّقى ويفوت ذرع الأطبّاء. لا ولا نار الدّنيا، بل لا يشفيك من نار الآخرة إلّا الجحيم، ولا يشفيك من الجحيم الا أن أرى في سوائه وفي أصطمّة ناره، وفي معظم حريقه، وفي موضع الصّميم من لهيبه. بل لا تكتفي بذلك دون الدّرك الأسفل، بل لا يرضيك شيء سوى الهاوية، بل لا ترضى إلّا بعذاب آل فرعون، أشدّ العذاب، بل لا يرضيك إلّا عذاب إبليس الذي زيّن الختر للعباد، وبثّه في البلاد، والذي خطّأ الربّ وعانده وردّ قوله، وغيّر عليه تدبيره، ولم يزده إلّا شكّا ولجاجة، وتماديا وإصرارا. ثم لم يرض من الجدّ في مخالفة أمره، وخلع العذار في شدّة الخلاف عليه إلّا بأن يحلف على شدّة اجتهاده في ذلك بعزّته، فجعل العزّة المانعة من إسخاطه سبيلا إلى إسخاطه، والقسم الحاجز دون إغضابه وسيلة إلى إغضابه، حيث قال:
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
فعليك عافاك الله بإبليس إن كنت لله تغضب، أو عليك بالأكفاء إن كنت لنفسك تتشفّى.
[١٤- ابن الزيات استضعف الجاحظ فوصفه]
لا ولكنّك استغمرتني واستضعفتني، وجعلتني فرّوج الرفّاء، وتريد أن تتعلّم فيّ معاقبة الأعداء. فإن كنت إلى هذا تذهب فجعفر بن معروف أضعف مني، وعبد الله بن عيسى أسوأ خبرا منّي.
سبحان الله، يسلم عليك حيدر الأفشين، ويهلك عليك عمرو الجاحظ، ويسعد بك أبعد البعداء ويشقى بك أقرب القرباء. وتتغافل عن مثل
стр. 312
الجبال التماسا للتسلّم وحبّا للسلامة، وتغلغل إلى المحقّرات طلبا للتعرّض وحبّا للشرّ.
ومتى قدرت على عدوّك فلم تجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، ومتى لم تتغافل عنه تكرّما أو تدعه احتقارا، ومتى اكترثت لكبير وضاق صدرك عن شيء عظيم فهأنذا بين يديك، فكلني بخلّ وخردل؛ فو الله إنّك لتأكل غثّا غير مريء، وخبيثا غير شهيّ.
لا والله، لكأنّك وقعت على مطمورة، وظفرت برأس خاقان. كنت أظنّ أنّ الرشاقة والحلم لا يجتمعان، وأنّ ظرف الإنسان وأصالة الرأي لا يفترقان، وأنّ النّزق والخفّة مقرونان بخفّة البدن، وأنّ الرّكانة والأناة مجموعتان لصاحب السّمن، حتى رأيتك فاعتقدت بك خلاف ذلك الرأي، واستبدلت فيك ضدّ ذلك الظّن. فتركتني حتى إذا نازعت الرجال، وتعرّضت للشّجى، وشغلت نفسي بثلب الخصام، وانقطعت إلى أصحاب القدود، وجعلت عدوائي في تقديم القضاف، وطال لساني، وأظهرت الاستبصار في فضلك، وجعلت مزاج أخلاطك هو الحجة، واعتدالك هو النهاية، وطبيعتك هي المسكة؛ وزعمت أنّ منظرك يغني عن مخبرك، وأنّ أوّلك يجلّي عن آخرك- شددت عليّ شدّة المهر الأرن، وتسرّعت إليّ تسرّع الغرّ النّزق، وألححت [عليّ] إلحاح اللّجوج الحنق. كأنّك لم تحفل بما يشيع لك من اسم المتسرّع، وبما تضاف إليه من سخف المتترّع، بعد أن تكذّب قولي وتفنّد خبري.
وقد تقدمت التجربة أن الحديد لا يكون حقودا، وأن المصطنع لا يكون للصنيعة حاسدا، فقصدت على رأس إلى القياس الممتحن فأفسدته، وإلى الطبائع المعتدلة فنقضتها، وإلى القضايا الصحيحة فرددتها.
وقالوا بأجمعهم: حالان لا تقبلان الحسد، ولا يخلوان من الرّشد:
стр. 313
حال الصّنيعة لمصطنعه، وحال المولى لمعتقه. فكيف إذا كان الصّنيعة صديقا، وكان للخاصّة محتملا.
[١٥- ما يصيب الانسان يصيب صديقه]
وإنما صارت- أبقاك الله- أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها، واختلاف أخلاطها، وتباعد أماكنها، نفسا واحدة وجسدا واحدا، لاستواء الخواطر، ولاتفاقها على الإرادة. فأنت وصديقك الموافق، وخليلك ذو الشكل المطابق، مستويان في المحابّ، متّفقان في الهوى، متشاكلان في الشّهوة؛ وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما، وتسالمكما كتسالم المتّفق من طبائعكما. فإذا بان منك صديقك فقد بان منك شطرك، وإذا اعتلّ خليلك فقد اعتلّ نصفك، بل النفوس المضمّنة كالمعاني المضمّنة، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها. فموتي هو موت صديقي، وحياتي هي حياة صديقي. فلا تبعدنّه من قلبك بعد بدنه من بدنك؛ فقد يقرب البغيض وينأى الحبيب.
ولعلّ بعض طبائعك المخالط لروحك، أن يكون أعدى من كلّ عدو، وأقطع من كلّ سيف، وأخوف عليك من الأسد الضاري، ومن السمّ الساري.
ثم اعلم أنّ الموثّق بمودّته قليل، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحة العقدة، وفي كرم الغيب والعشرة، عنقاء مغرب. ولا أعلم الكبريت الأحمر إلّا أوجد منه. وإني لأظنّ القناعة أكثر منه. وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف طمعه لانقطاع سببه قناعة:
وقيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمّة البعيدة بالعيش الدّون، وصديق قليل الآفات كثير الإمتاع، شكور النفس، ويصيب مواضع المدح.
стр. 314
لا والله إن تعرف على ظهرها موضعا للسرّ، ولا مكانا للشكوى، ولا روحا تأنس بها، ولا نفسا تسكن إليها. ولو أردت أن تعرّفني من جميع العالمين رجلا لما قدرت على أحد يحتمل الغنى. ومحتمل الفقر قليل، ومحتمل الغنى عديم.
إنّ الخير- أبقاك الله- في أيام كثرته كان قليلا فما ظنّك به في أيام قلّته، وإن الشرّ في أيام قلّته كان كثيرا فما ظنّك به في أيّام كثرته، وأنت غريب في المصطنعين، وأنا غريب في الصنائع، والغريب للغريب نسيب، ونسب المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة، أقرب من نسب الرحم؛ لأنّ الأرحام مولعة بالتحاسد، لهجة بالتقاطع، وأن التحابّ على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاق من الطبيعة، أبعد من التفاسد، وأبعد من التعادي. وسبب التعادي عرض في طبائع الغرباء، وجوهر في طبائع الأقرباء.
واعلم أنّك لا تزال في وحشة إلى وحشة، وفي غربة إلى غربة، وفي تنكّر العيش وتسخّط الحال، حتى تجد من تشكو إليه بثّك، وتفضي إليه بذات نفسك. ومتى رأيت عجبا لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحكك إخبارك إياه. فمن أغلب عليك ممّن كانت هذه حاله منك، وموقعه من نفسك.
[١٦- الجاحظ يستعطف ابن الزيات بشيخوخته وافضاله عليه ابان شبابه]
ولو أنّ شيبتي التي بها استعطفتك، وكبرة سنيّ التي بها استرحمتك، اللتان لم يحدثا عليّ إلّا وأنا في ذراك، ولم يحلّا بي إلّا وأنا في ظلّك، لكان في شفاعة الكبرة، واسترحام الضّعف والوهنة، ما يردعك عنّي أشدّ الردع، ويؤثّر في طباعك أبين الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديدا، ثم تريد أن
стр. 315
تهينني خلقا، وقوّيت عظمي أغلظ ما كان، ثم تريد أن توهنه أرقّ ما كان.
وهل هرمت إلّا في طاعتك، وهل أخلقني إلّا معاناة خدمتك!.
قال علي بن أبي طالب: رأي الشّيخ الضّعيف أحبّ إلينا من جلد الشابّ القويّ.
وأنا أقول كما قال أخو ثقيف: مودّة الأخ التالد وإن أخلق خير من من مودّة الطارف وإن ظهرت بشاشته، وراعتك جدّته.
وقال عبد الملك بن مروان: رأي الشيخ أحبّ إلينا من مشهد الغلام.
وقال بعضهم: ليس بغائب من شهد رأيه، وليس بفان من بقي أثره.
وما كمّل العقل ولا وفّر التجربة شيء كنقصان البدن، وكأخذ الأيّام من قوى الأعضاء.
وقال آخر: ما قبّح الرجال شيء كالوكال، ولا أفسد الكريم شيء كحبّ الاستطراف. وخير الناس من أتبع العقاب مواقع الغضب، ولم يتبع الغضب مواقع الهوى.
ولقد منحتك جلد شبابي كملا، وغرب نشاطي مقتبلا، وكان لك مهناه، وثمرة قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، وكان لك غنمه وعليّ غرمه، وأعطيتك عند إدبار بدني قوّة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن الكبر وإسقام الهرم.
وخير شركائك من أعطاك ما صفا، وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك مؤونته، وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه، ونشاطه لك.
وأكرم دخلائك وأشكر مؤمّليك من لا يظنّ أنك تسمّي جزيل ما تحتمل في بذلك ومواساتك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة، بل يرى أنّ نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة الوادّ المخلص فوق نعمة الجواد المغنى؛ وأنّه لا
стр. 316
يبلغ في إعطاء المجهود من نفسه في خلع جميع ما له إلى مؤملّيه والمتحرّمين به، حسن نيّة الشاكر الوامق، وحقّ تمنّي الوادّ العارف.
ولو اقتضيت جميع حقوقك عليّ، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقّي عليك حقّا لك، ثمّ زعمت أنّ حقّك لا يؤدّي إلى شكره، وأنّ حقّي لا يلزم حكمه، وأنّ إحساني إساءة، وأنّ الصغير من ذنوبي كبير، وأنّ اللّمم منّي إصرار، وأنّ خطائي عمد، وأنّ عمدي كلّه كفر، وأنّ كفري يوجب القمع ويمنع من النّزوع لما كان عندك. وما اتّسع قولي لأكثر من هذا العقاب، ولا أشدّ من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النّقم إلّا لبارىء النّسم في دار البقاء، لا في دار الفناء. [و] الذي يجوز بين العباد إنّما هو تعزير أو حدّ، أو قود أو قصاص، أو حبس أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتّقويم والتنكيل، فيكون مضض الألم جزاء له ومعدّلا أسبابه.
وربّما قصر الإيقاع على السّخط وجاوز حدّ الغضب. وربّما كان مقصورا على مقدارهما، ومحبوسا على نهاية حالهما.
وليس كلّ عقاب نتيجة سخط، وقد لا يسمّى ذلك الموقع والمعاقب واجدا كما يسمّى ساخطا، ولا يسمّى عاتبا كما يسمّى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمّى سخطا أو موجدة وغضبا، كما خرج عقاب آدم ﵇ من هاتين الصّفتين، ومن جميع القسمين. وعلى أنه كان إخراجا من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء والمحنة؛ ومع ما في ذلك من إعراء الجلد، والتّسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف العزم، والاغترار بيمين الخصم.
والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنّما تفعل ذلك لأنّك تلذّ ضرب السّياط ورضّ العظام،
стр. 317
فجنب «دندن» أحمل، والسّوط في ظهر قاسم أحسن، وأبدانهما تحت السّياط أثبت، وإنّ أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضّباب أقرب، وأرحامهم بالحمير أمسّ، ومن يشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. فاستدم اللذّة بطريق اللّذّة، وضع الأمور في مواضعها يطل سرورك بها.
إنّ عتاق الخيل وأحرار الطّير أدقّ حسّا، وأشدّ اكتراثا. والكوادن الغلاظ والمحامر الثّقال، أكلّ حسّا وأقلّ اكتراثا. وليس الصّبر بالصّمت والسكوت، ولا بقلّة الصّياح والضّموز. وقد يصيح تحت السّوط من لا يقرّ على صاحبه، ولا يدلّ على عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصّياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا يصيح، والحافر كلّه كظوم ضامز، والمخلب كلّه ضجور صيّاح، والضّجر في الخفّ عامّ، والبخاتيّ أضجر. فسمن الظلف عامّ، وهو في الضّأن أخفى، وكلّ مضروب هارب صيّاح، ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة الاكتراث وشدته.
وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد من اعتزام النفس، ولا يدلّ على الكرم.
وفي المثل: «ما روح فلان إلّا روح كلب» . وتقول العرب: «الضّبّ أطول شيء ذماء» . والكلب لئيم، والضبّ غير كريم.
والبازي أكرم من الصّقر وأشدّ وأكثر ثمنا، وأجمل جمالا، وأعفى صيدا، وأنبل نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينحّ كندرته عن قربه أوهن نفسه. ثم بلغ من رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع بردّ البازيار له إلى مسقطه من يده. والصّقر يتعلّق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكّسا إلى
стр. 318
الصّبح، ثم تجده وكأنّه لم يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتّى له.
فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات العير الكليل الحسّ، ولا أجعل الصّياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما تتمتّع به، وتدرك به حاجات نفسك.
[١٧- عليك بمن احتجن اموال الدولة]
وقد دللتك على ناس يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذّتك، وتمام شهوتك؛ فإن زعمت أنّ الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعيّة، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرّق بينهما وبين تلك الأموال التي تمسك أرواحهما بالحيل اللّطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم الكتاب والسّنّة؛ فإنّه سيحلّ عقدة أرواحهما عقدا عقدا، فيعظم أجرك، ويطيب ذكرك، وتطيع الخليفة، وتتحبّب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضّرب إلى أهله، وأرحت منه غير أهله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
تمت الرسالة بعون الله ومنّه وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته، والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
стр. 319
١٦- هامش رسالة الجد والهزل
(١) لم يمهد للرسالة بالمقدمة التقليدية التي عودنا عليها الجاحظ.
- «ومن خرج من جميع الاوزان وخالف جميع التعديل» يراد به ضرورة وجود توازن بين الذنب والعقوبة.
(٢) الطوائل: جمع طائلة، الوتر.
- لاحظ الوصف النفسي الدقيق للغيظ.
(٣) التمييز بين الصديق والعدو، والمحب والمبغض، والخير والشرير، ضرورية في العقوبة. والجاحظ يريد ان يقول انه صديق ودود وصاحب خير، وبالتالي لا ينبغي عداوته وانزال العقاب فيه.
- التتابع والتترع: التهافت والتسرع.
(٤) حرب البسوس نشبت في الجاهلية بين قبيلتي بكر وتغلب بسبب رمي كليب ضرع ناقة البسوس، خالة جساس، مما حمل جساسا على قتل كليب. فاستعرت الحرب بين قبيلة (تغلب) وقبيلة جساس (بكر) .
- حرب داحس والغبراء نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان (من قحطان) بسبب نزاع على سبق الخيل بين الغبراء فرس سيد ذبيان وداحس حصان قيس بن زهير سيد عبس.
(٥) لاحظ كيف يميز لغويا بين الاناة والريث. ويستنتج ان للكلمات استعمالين:
استعمال وضعي واستعمال قيمي، يعني بالاول استعمال الكلمة بمعناها الذي وضعت له اصلا، وبالثاني استعمال الكلمة بالمعنى الذي يتناسب مع اخواتها
стр. 320
في الجملة. وهذا ما انتهى اليه سوسير عندما تحدث عن قيمة الوحدات اللغوية (راجع كتاب: محاضرات في الالسنية العامة) .
- الدهقان: زعيم الفلاحين الفرس.
(٦) اسباب جمع القرآن في مصحف هي حفظه من الضياع.
- الجاحظ يجمع كتبه في اواخر أيامه وينظمها.
- الجاحظ يقرأ كتبه وهو مستلق بسبب عجزه عن الانتصاب.
- لاحظ تأثره بالنابغة في تصوير فزعه من ابن الزيات كما فزع النابغة الشاعر الجاهلي من النعمان ملك الحيرة:
وانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت ان المنتأى عنك واسع
وبت كاني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في انيابها السم ناقع
(٧) ابن الزيات يكيد للجاحظ صحيا وعقليا: يبدو ان الوزير نصح الجاحظ بعدم ادمان القراءة في الليل اشفاقا من العمى. ولكن الجاحظ ظن أنه يريد ان يتركه جاهلا.
(٨) لاحظ الاشارة الى انواع الورق المستعمل في الكتابة: الورق الصيني، الكاغد الخراساني، الجلود.
(٩) ابن الزيات يشمت لعدم انجاب الجاحظ الاولاد: لاحظ المرارة التي تعتصر قلب الجاحظ بسبب ذلك «ما كان عليك ان يكون لي ولد يحيي ذكري ويحوي ميراثي، ولا اخرج من الدنيا بحسرتي» او يقول معيرا من حسرته تلك «وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني ان يكون لي ريحانة أشمها وثمرة اضمها وان اجد الى الاماني سببا» .
(١٠) الجاحظ يتهم ابن الزيات بالكيد لقتله.
- الزباء: ملكة تدمر- ابن العاص: عمرو بن العاص- ابن هند: عمرو بن هند ملك الحيرة اخو ثقيف: الحجاج بن يوسف الثقفي- ابن سمية: زياد ابن ابيه.
(١١) ذم الغضب: استطراد، لأنه تكلم عليه في صدر الرسالة.
(١٢) يطرق الجاحظ هنا موضوعا لغويا هاما هو علاقة الاسماء بالمعاني. انظر تشبيهه المعنى بالروح، والاسم بالجسد. وقد ورد هذا الشبه ايضا في البيان والتبيين (١٣) اسباب العداوات: تنافس الجيران والاقارب، تحاسد اصحاب الصناعات، تكلم عليها في اماكن اخرى من كتبه- النحلة التي يجمعها الوزير والجاحظ هي الاعتزال.
следующие страницы →