Полный текст (465 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
يبلغ في إعطاء المجهود من نفسه في خلع جميع ما له إلى مؤملّيه والمتحرّمين به، حسن نيّة الشاكر الوامق، وحقّ تمنّي الوادّ العارف.
ولو اقتضيت جميع حقوقك عليّ، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقّي عليك حقّا لك، ثمّ زعمت أنّ حقّك لا يؤدّي إلى شكره، وأنّ حقّي لا يلزم حكمه، وأنّ إحساني إساءة، وأنّ الصغير من ذنوبي كبير، وأنّ اللّمم منّي إصرار، وأنّ خطائي عمد، وأنّ عمدي كلّه كفر، وأنّ كفري يوجب القمع ويمنع من النّزوع لما كان عندك. وما اتّسع قولي لأكثر من هذا العقاب، ولا أشدّ من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النّقم إلّا لبارىء النّسم في دار البقاء، لا في دار الفناء. [و] الذي يجوز بين العباد إنّما هو تعزير أو حدّ، أو قود أو قصاص، أو حبس أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتّقويم والتنكيل، فيكون مضض الألم جزاء له ومعدّلا أسبابه.
وربّما قصر الإيقاع على السّخط وجاوز حدّ الغضب. وربّما كان مقصورا على مقدارهما، ومحبوسا على نهاية حالهما.
وليس كلّ عقاب نتيجة سخط، وقد لا يسمّى ذلك الموقع والمعاقب واجدا كما يسمّى ساخطا، ولا يسمّى عاتبا كما يسمّى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمّى سخطا أو موجدة وغضبا، كما خرج عقاب آدم ﵇ من هاتين الصّفتين، ومن جميع القسمين. وعلى أنه كان إخراجا من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء والمحنة؛ ومع ما في ذلك من إعراء الجلد، والتّسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف العزم، والاغترار بيمين الخصم.
والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنّما تفعل ذلك لأنّك تلذّ ضرب السّياط ورضّ العظام،
стр. 317
فجنب «دندن» أحمل، والسّوط في ظهر قاسم أحسن، وأبدانهما تحت السّياط أثبت، وإنّ أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضّباب أقرب، وأرحامهم بالحمير أمسّ، ومن يشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. فاستدم اللذّة بطريق اللّذّة، وضع الأمور في مواضعها يطل سرورك بها.
إنّ عتاق الخيل وأحرار الطّير أدقّ حسّا، وأشدّ اكتراثا. والكوادن الغلاظ والمحامر الثّقال، أكلّ حسّا وأقلّ اكتراثا. وليس الصّبر بالصّمت والسكوت، ولا بقلّة الصّياح والضّموز. وقد يصيح تحت السّوط من لا يقرّ على صاحبه، ولا يدلّ على عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصّياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا يصيح، والحافر كلّه كظوم ضامز، والمخلب كلّه ضجور صيّاح، والضّجر في الخفّ عامّ، والبخاتيّ أضجر. فسمن الظلف عامّ، وهو في الضّأن أخفى، وكلّ مضروب هارب صيّاح، ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة الاكتراث وشدته.
وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد من اعتزام النفس، ولا يدلّ على الكرم.
وفي المثل: «ما روح فلان إلّا روح كلب» . وتقول العرب: «الضّبّ أطول شيء ذماء» . والكلب لئيم، والضبّ غير كريم.
والبازي أكرم من الصّقر وأشدّ وأكثر ثمنا، وأجمل جمالا، وأعفى صيدا، وأنبل نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينحّ كندرته عن قربه أوهن نفسه. ثم بلغ من رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع بردّ البازيار له إلى مسقطه من يده. والصّقر يتعلّق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكّسا إلى
стр. 318
الصّبح، ثم تجده وكأنّه لم يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتّى له.
فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات العير الكليل الحسّ، ولا أجعل الصّياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما تتمتّع به، وتدرك به حاجات نفسك.
[١٧- عليك بمن احتجن اموال الدولة]
وقد دللتك على ناس يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذّتك، وتمام شهوتك؛ فإن زعمت أنّ الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعيّة، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرّق بينهما وبين تلك الأموال التي تمسك أرواحهما بالحيل اللّطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم الكتاب والسّنّة؛ فإنّه سيحلّ عقدة أرواحهما عقدا عقدا، فيعظم أجرك، ويطيب ذكرك، وتطيع الخليفة، وتتحبّب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضّرب إلى أهله، وأرحت منه غير أهله.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
تمت الرسالة بعون الله ومنّه وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته، والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
стр. 319
١٦- هامش رسالة الجد والهزل
(١) لم يمهد للرسالة بالمقدمة التقليدية التي عودنا عليها الجاحظ.
- «ومن خرج من جميع الاوزان وخالف جميع التعديل» يراد به ضرورة وجود توازن بين الذنب والعقوبة.
(٢) الطوائل: جمع طائلة، الوتر.
- لاحظ الوصف النفسي الدقيق للغيظ.
(٣) التمييز بين الصديق والعدو، والمحب والمبغض، والخير والشرير، ضرورية في العقوبة. والجاحظ يريد ان يقول انه صديق ودود وصاحب خير، وبالتالي لا ينبغي عداوته وانزال العقاب فيه.
- التتابع والتترع: التهافت والتسرع.
(٤) حرب البسوس نشبت في الجاهلية بين قبيلتي بكر وتغلب بسبب رمي كليب ضرع ناقة البسوس، خالة جساس، مما حمل جساسا على قتل كليب. فاستعرت الحرب بين قبيلة (تغلب) وقبيلة جساس (بكر) .
- حرب داحس والغبراء نشبت بين قبيلتي عبس وذبيان (من قحطان) بسبب نزاع على سبق الخيل بين الغبراء فرس سيد ذبيان وداحس حصان قيس بن زهير سيد عبس.
(٥) لاحظ كيف يميز لغويا بين الاناة والريث. ويستنتج ان للكلمات استعمالين:
استعمال وضعي واستعمال قيمي، يعني بالاول استعمال الكلمة بمعناها الذي وضعت له اصلا، وبالثاني استعمال الكلمة بالمعنى الذي يتناسب مع اخواتها
стр. 320
في الجملة. وهذا ما انتهى اليه سوسير عندما تحدث عن قيمة الوحدات اللغوية (راجع كتاب: محاضرات في الالسنية العامة) .
- الدهقان: زعيم الفلاحين الفرس.
(٦) اسباب جمع القرآن في مصحف هي حفظه من الضياع.
- الجاحظ يجمع كتبه في اواخر أيامه وينظمها.
- الجاحظ يقرأ كتبه وهو مستلق بسبب عجزه عن الانتصاب.
- لاحظ تأثره بالنابغة في تصوير فزعه من ابن الزيات كما فزع النابغة الشاعر الجاهلي من النعمان ملك الحيرة:
وانك كالليل الذي هو مدركي ... وان خلت ان المنتأى عنك واسع
وبت كاني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في انيابها السم ناقع
(٧) ابن الزيات يكيد للجاحظ صحيا وعقليا: يبدو ان الوزير نصح الجاحظ بعدم ادمان القراءة في الليل اشفاقا من العمى. ولكن الجاحظ ظن أنه يريد ان يتركه جاهلا.
(٨) لاحظ الاشارة الى انواع الورق المستعمل في الكتابة: الورق الصيني، الكاغد الخراساني، الجلود.
(٩) ابن الزيات يشمت لعدم انجاب الجاحظ الاولاد: لاحظ المرارة التي تعتصر قلب الجاحظ بسبب ذلك «ما كان عليك ان يكون لي ولد يحيي ذكري ويحوي ميراثي، ولا اخرج من الدنيا بحسرتي» او يقول معيرا من حسرته تلك «وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني ان يكون لي ريحانة أشمها وثمرة اضمها وان اجد الى الاماني سببا» .
(١٠) الجاحظ يتهم ابن الزيات بالكيد لقتله.
- الزباء: ملكة تدمر- ابن العاص: عمرو بن العاص- ابن هند: عمرو بن هند ملك الحيرة اخو ثقيف: الحجاج بن يوسف الثقفي- ابن سمية: زياد ابن ابيه.
(١١) ذم الغضب: استطراد، لأنه تكلم عليه في صدر الرسالة.
(١٢) يطرق الجاحظ هنا موضوعا لغويا هاما هو علاقة الاسماء بالمعاني. انظر تشبيهه المعنى بالروح، والاسم بالجسد. وقد ورد هذا الشبه ايضا في البيان والتبيين (١٣) اسباب العداوات: تنافس الجيران والاقارب، تحاسد اصحاب الصناعات، تكلم عليها في اماكن اخرى من كتبه- النحلة التي يجمعها الوزير والجاحظ هي الاعتزال.
стр. 321
- الزبر: العقل والرأي وقد وردت خطأ زبرب في طبعة عبد السلام هارون.
(١٤) «استغمرتني واستضعفتني وجعلتني فروج الرفاء» تعبير نجده عند المعري.
(١٥) تعاون الاصدقاء كتعاون جوارح الجسم؟
(١٦) «اني استرحمك بكبرة سني» : لاحظ ضعف الشيخوخة.
(١٧) القاسم وديدن: يبدو أنهما ممن احتجن مال الدولة، وهما يستحقان العقاب بنظر الجاحظ وليس هو.
стр. 322
[١٧- رسالة فصل ما بين العداوة والحسد]
(- ١٧- فصل ما بين العداوة والحسد)
стр. 323
[١- فضل هذا الكتاب]
أصحب الله مدّتك السعادة والسّلامة، وقرنها بالعافية والسّرور، ووصلها بالنعمة التي لا تزول، والكرامة التي لا تحول.
هذا كتاب- أطال الله بقاءك- نبيل بارع، فصل فيه بين الحسد والعداوة، ولم يسبقني إليه أحد ولا إلى كتاب فضل الوعد الذي تقدّم هذا الكتاب، ولا إلى كتاب أخلاق الوزراء الذي تقدّم كتاب فضل الوعد.
وإنّما نبلت هذه الكتب وحسنت وبرعت، وبذّت غيرها لمشاكلتها شرف الأشراف، بما فيها من الأخبار الأنيقة الغريبة، والآثار الحسنة اللّطيفة، والأحاديث الباعثة على الأخلاق المحمودة، والمكارم الباقية المأثورة، مع ما تضمّنته من سير الملوك والخلفاء ووزرائهم وأتباعهم، وما جرت عليه أحوالهم.
فأنا أسألك بساطع كرمك وناصع فضلك، لمّا امتننت عليّ بصرف عنايتك إلى قراءتها، فإن لم يمكنك تبحّرها والتقصّي لجميعها، للأشغال التي تعروك، فبحسبك أن تقف على حدودها، وتتعرّف معاني أبوابها بتصفّح
стр. 324
أوائلها؛ فإنّ معك قلبا به من اليقظة والذكاء، والتوقّد والحفظ، ما يكفي معه النّظر الخاطف.
[٢- حساد المؤلفين]
إنه لم يخل زمن من الأزمان فيما مضى من القرون الذاهبة إلّا وفيه علماء محقّون، قد قرأوا كتب من تقدّمهم، ودارسوا أهلها، ومارسوا [الموافقين] لهم، وعانوا المخالفين عليهم، فمخضوا الحكمة وعجموا عيدانها، ووقفوا على حدود العلوم، فحفظوا الأمّهات والأصول، وعرفوا الشرائع والفروع، ففرقوا ما بين الأشباه والنظائر، وصاقبوا بين الأشكال والأجناس، ووصلوا بين المتجاور والمتوازي، واستنبطوا الغامض الباطن بالظاهر البيّن، واستظهروا على الخفيّ المشكل بالمكشوف المعروف، وعرفوا بالفهم الثّاقب والعلم الناصع، وقضت لهم المحنة بالذكاء والفطنة، فوضعوا الكتب في ضروب العلوم وفنون الآداب لأهل زمانهم، والأخلاف من بعدهم.
يزدلفون بذلك إلى الممتنّ عليهم بفضل المعرفة التي ركّبها الله فيهم، وأبانهم من غيرهم، وفضّلهم عليهم، ويباهون به الأمم المخالفة لهم، ويتبارون بذلك فيما بينهم، ولهم حسّاد معارضون من أهل زمانهم في تلك العلوم والكتب، منتحلة يدّعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسمّوا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزّور متزخرفين متشبّعين بما لا محصول له، يحتذون أمثلة المحقّين في زيّهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم، وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويحلّوا محلّهم، فاستمالوا بهذه الحيلة قلوب ضعفاء العامّة، وجهلاء الملوك، واتّخذهم المعادون للعلماء المحقّين عدّة يستظهرون بهم عند العامّة. وحمل المدّعية للعلم المزوّر الحسد على بهت العلماء المحقّين،
стр. 325
وعضههم والطّعن عليهم، وجرّأهم على ذلك ما رأوا من صفو ضعفة القلوب واذلّة الناس إليهم، وميل جهلاء الملوك معهم عليهم، وأمّلوا أن ينالوا بذلك بشاشة العامة، وتستوي لهم الرّياسة على طغام الناس ورعاعهم، ويستخولوا رعاتهم وقومهم، فهمروا وهدروا وتورّدوا على أهل العلم بغباوتهم، وكشفوا أغطية الجهل عن أنفسهم، وهتكوا سترا كان مسدلا عليهم بالصّمت. فقد قيل: «الصمت زين العالم، وستر الجاهل» ؛ طمعا في الرياسة وحبّا لها.
وقد قيل:
حبّ الرياسة داء لا دواء له ... وقلّما تجد الراضين بالقسم
ولم يخل زمن من الأزمنة من هذه الطبقة ولا يخلو. وهلاك من هلك من الأمم فيما سلف بحبّ الرياسة. وكذلك من يهلك إلى انقضاء الدّهر فبحبّ الرياسة.
وقد قيل: هلاك الناس منذ كانوا إلى أن تأتي الساعة بحبّ الأمر والنّهي، وحبّ السّمع والطاعة.
فأشكل على العامّة أمر العالم الحقيقيّ والمدّعي المجاري المنتحل للزّور والباطل؛ ثم ترادف عليهم من هذه العلل التي يعمى لها السبيل الواضح والطّريق المنشأ، على الجاهل المستضعف؛ وذي الغباء المسترهف.
[٣- منتحلو كتب الجاحظ]
ولست آمن- جعلني الله فداك- أن تكون هذه الكتب التي أعنى بتأليفها، وأتأنّق في ترصيفها، يتولّى عرضها عليك من قد لبس لباس الزّور في انتحال وضع مثلها، ونسب نفسه إلى القوّة على نظائرها، والمعرفة بما يقاربها، إن لم يكن أخاها فابن عمّها، وتشبّع بما لم يطعمه الله منها.
стр. 326
ولعلّ بعض من حوله، أو بعض من يهزل به، ويرتع في عقله ويلهو بلبّه، ويضعه على طبطابة اللّعب، وفي أرجوحة العبث، يوهمه الحسد له على ما يدّعي من ذلك، ويتقدّم إلى آخرين في إيهامهم إياه ذلك، فيزيده فعلهم ضراوة بادّعاء ما ليس معه وهو منه عار. فإذا رجع إلى الحقائق علم أنّ مثله كما قد قيل:
ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في البطن والبطن جائع
وقد قيل: «الذئب يغبط وهو جائع» . فيلتوي في قراءتها، ويقبض لسانه عن بسط ما يحتاج أن ينشره منها، ويقصّر في تفخيم حروفها ولا يملأ فمه منها.
[٤- الطاعنون على كتب الجاحظ]
بل لا آمن أن يتجاوز ذلك إلى الطّعن عليها بقول أو إشارة، فيوهم فساد معانيها ويومي إلى سقوط ألفاظها، من غير أن يظهر المعاداة لها، والحسد لمؤلفها، والحمل عليها بقول يكون دليلا على ما يضمر، وهو أبلغ ما يكون من قلب المستمع وأنجعه فيه، فيقع ذلك بخلده. وقد قيل: «من يسمع يخل» .
وليس يقابله أحد بردّ، ولا يوازيه بنزاع، فيزداد نشاطا عندما يرى من خلاء الأمر. وقد قيل: «كلّ مجر في الخلاء يسرّ» وكلّ مناظر متفرّد بالنظر مسرور، وإنّما يعرف جري الخيل عند المسابقة، وبراعة النظر عند المخاصمة.
وقال لي بشر المريسي: عرض كتابي على المأمون في تحليل النّبيذ،
стр. 327
وبحضرته محمد بن أبي العبّاس الطّوسي، فانبرى للطّعن عليه والمعارضة للحجج التي فيه، وأسهب في ذلك وخطب، وأكثر وأطنب، فقلق المأمون واحتدم، وهاج واضطرم؛ لاستحقار الطّوسي وخلاء المجلس له، وكان يحبّ أن يزعه وازع يكفّه بحجّة تسكته، فلما لم ير أحدا بحضرته يذبّ عن كتابي قال متمثلا:
يا لك من قبّرة بمعمر ... خلا لك الجوّ فبيضي واصفري
ونقرّي ما شئت أن تنقّري
فما كان إلّا ريث فراغه من التمثّل بهذه الأبيات حتى استؤذن لي فدخلت عليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، ما تقول في النبيذ؟ فقلت: حلّ طلق يا أمير المؤمنين. فقال: فما تقول فيما أسكر كثيره؟ قلت: لعن الله قليله إذا لم يسكر [إلّا] كثيره. ثم قال: إنّ محمدا يخالفك. فأقبلت على ابن أبي العباس فقلت له: ما تقول فيما قال أمير المؤمنين؟ قال: لا خلاف بيني وبينك [و] كلاما يوهم به أهل المجلس، حبّا للتسلّم منّي والتخلّص من مناظرتي، لا على حقيقة التحليل له. فاستغنمت ذلك منه وقلت له: فما لي لا أرى أثر قواه في عقلك؟ فضحك المأمون، فلمّا رأيت ضحكه أطنبت في معاني تحليل النبيذ، وابن أبي العباس ساكت لا ينطق، وكان قبل دخولي ناطقا لا يسكت. فلما رأى المأمون سكوته عند حضوري مع كثرة كلامه في ثلب كتابي وعيبه- كان- قبل دخولي، قال متمثّلا:
ما لك لا تنبح يا كلب الدّوم ... قد كنت نبّاحا فما لك اليوم
[٥- ابناء النعم محسودون]
ثم نظر إليّ فقال: إنّ الكتب عقول قوم وراءها عندهم حجج لها، فما
стр. 328
ينبغي أن يقضى على كتاب إلّا إذا كان له دافع عنه، وخصم يبين عمّا فيه؛ فإنّ أبناء النّعم وأولاد الأسد محسودون.
ثم قال: يا أبا عبد الرحمن، بإزاء كل حاسد راهن.
وقد قيل في مثل من الأمثال: «الحسن محسود» . وفي مثل آخر:
«لن تعدم الحسناء ذاما» . وقال الأحنف بن قيس:
ولن تصادف مرعى ممرعا أبدا ... إلّا وجدت به آثار مأكول
يقول: يعاث في كلّ [مرعى] حسن ويؤكل منه، فيعيبه ذلك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁: «ما أحدث الله لعبد نعمة إلّا وجدت له عليها حاسدا. ولو أنّ امرأ كان أقوم من القدح لوجدت له غامزا» .
وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: الحاسد لا يملك إلا عنان حسده؛ لأنّه مغلوب على نفسه.
وقال الخطّاب بن نمير السّعديّ: الحاسد مجنون؛ لأنه يحسد الحسن والقبيح.
[٦- فصل ما بين العداوة والحسد]
وقال المهلّب بن أبي صفرة: الحسد شهاب لا يبالي من أصاب، وعلى من وقع.
والعداوة لها عقل تسوس به نفسها فينجم قرنها، وتبدي صفحتها في أوقات الهتر. وإلّا فإنها كامنة تنتهز أزمنة الفرض. والحسد مسلوب المعقول بإزاء الضّمير في كلّ حين وزمان ووقت.
стр. 329
ومن لؤم الحسد أنه موكّل بالأدنى فالأدنى، والأخصّ فالأخصّ. والعداوة وإن كانت تقبّح الحسن فهي دون الحسد؛ لأنّ العدوّ المباين قد يحول وليّا منافقا، كما يحول المولى المنافق عدوّا مباينا.
والحاسد لا يزول عن طريقته إلّا بزوال المحسود عليه عنده. والعداوة تحدث لعلّة، فإذا زالت العلّة زالت معها. والحسد تركيب لعلة يحسد عليها فهو لا يزول إلّا بزوالها. ومن هذا قال معاوية ﵀: يمكنني أن أرضي الناس كلّهم إلّا حاسد نعمة، فإنّه لا يرضيه منها إلّا زوالها.
وأعداء النّعمة إذا شوركوا فيها ونالوا منها تزحزحوا عن عداوتها، وكانوا من أهلها المحامين عنها، والدافعين عن حماها.
ومن هذا قال المغيرة بن شعبة: النعمة التي يعاش فيها نعمة محروسة ليس عليها ثائر يغتالها، ولا ذو حسد يحتال في غيرها.
وقال قتيبة بن مسلم: خير الخير وأحصنه خير عيش فيه. وكلّ خير كان يرضخ بذلا كان من المتألف ممنوعا، ومن الغير آمنا.
وحسّاد النعمة إن أعطوا منها وتبحبحوا فيها، ازدادوا عليها غيظا وبها إغراء.
والعداوة تخلق وتملّ، والحسد غضّ جديد، حرم أو أعطي، لا يبيد.
فكل حاسد عدوّ، وليس كل عدوّ بحاسد. وإنّما حمل اليهود على الكفر بمحمد ﷺ وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم أنّه نبيّ صادق ورسول محقّ، يقرأون بعثه في توراتهم، ويتدارسونه في بيت مدراسهم- الحسد، وحجز بين علمائهم والإيمان به، ثم نتج لهم الحسد عداوته.
ومن الدليل على أنّ الحسد آلم وآذى وأوجع وأوضع من العداوة، أنّه مغرى بفعل الله ، والعداوة عارية من ذلك لا تّتّصل إذا اتّصلت إلّا
стр. 330
بأفعال العباد. ولا يعادى على فعل الله تباركت أسماؤه ألا ترى أنك لم تسمع أحدا عادى أحدا لأنّه حسن الصورة جميل المحاسن، فصيح اللسان حسن البيان. وقد رأيت حاسد هذه الطبقة وسمعت به، وهم كثير تعرفهم بالخبر والمشاهدة.
فهذا دليل على أن الحسد لا يكون إلّا عن فساد الطبع، واعوجاج التركيب، واضطراب السّوس.
والحسد أخو الكذب، يجريان في مضما واحد؛ فهما أليفان لا يفترقان، وضجيعان لا يتباينان. والعداوة قد تخلو من الكذب؛ ألا ترى أنّ أولياء الله قد عادو أعداء الله إذ لم يستحلّوا أن يكذبوا عليهم؟! والحسد لا يبرأ من البهت، وكيف يبرأ منه وهو عموده الذي عليه يعتمد، وأساسه الذي به البناء يعقد. وأنشد:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... كذبا ورورا إنّه لدميم
والحسد نار وقوده الرّوح، لا تبوخ أبدا أو يفنى الوقود. والحسد لا يبلى إلّا ببلي المحسود أو الحاسد. والعداوة جمر يوقده الغضب، ويطفئه الرّضا.، فهو مؤمّل الرّجوع مرجوّ الإنابة. والحسد جوهر والعداوة اكتساب.
وقال بعضهم: الحسد أنثى، لأنّه ذليل؛ والعداوة ذكر فحل، لأنّها عزيزة.
والحسد وإن كان موكّلا بالأدنى فالأدنى فإنّه لم يعر منه الأبعد فالأبعد.
فقد رأينا وشاهدنا من كان يسكن العراق وينتحل العلم والأدب، انتهى إليه خبر مشارك له في الصناعة من أهل خراسان وجنبة بلخ من اتّساق الرياسة في بلده، وجميل حاله ونبيل محلّه عند أهل مصره، وطاعة العامّة له، وترادف الناس عليه، فطار قلبه فرقا، وأخذته الأرباء، وتنفّس الصّعداء وانتفض
стр. 331
انتفاض المفلس الممطور، فقال لي رجل من إخواني كان عن يميني، حين رأى ما رأى منه: بحقّ قال من قال: «لم ير ظالم أشبه بمظلوم من حاسد نعمة؛ فإنّ نفسه متّصل، وكربه دائم، وفكرته لا تنام» .
وهو في أهل العلم أكثر، وعليهم أغلب، وبهم أشدّ لصوقا منه بغيرهم من الملوك والسّوقة. وكأنّ من ناله التقصير في صناعة العلم عن غايته القصوى قد استشعر حسد كلّ ما يرد عليه من طريف أدب، أو أنيق كلام، أو بديع معنى. بل قد وقع بخلده لضعفه، وقرّ في روعه لخساسته، أنّه لا ينال أحد منهم رياسة في صناعة، ولا يتهيّأ له سياسة أهلها، إلّا بالطّعن على نواصيهم، والعيب لجلّتهم، والتحيّف لحقوقهم.
قال لي مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، الذي يعرف بصريع الغواني: خيّل إلى نوكى الشّعراء أنّهم لا يقضى لهم بجودة الشّعر إلّا بهجائي والطّعن في شعري، ولسان يهجى به عرضي، لا أنفكّ متّهما من غير جرم، إلّا ما سبق إلى قلوبهم من وساوس الظنون والخواطر التي أوهمتهم أنه لا يسجّل لهم بجودة الشعر إلّا إذا استعملوا فيّ ما خيّل إليهم.
وأخبرني أشياخنا من أهل خراسان أنّ أبا الصّلت الهرويّ كان عند الفضل بن سهل ذي الرياستين بمرو، فقرأ عليه كتابا ألّفه النّضر بن شميل، فطعن أبو الصّلت فيه، وكان الفضل عارفا بالنضر الشّميلي، واثقا بعلمه، مائلا إليه، فأقبل على أبي الصّلت وقال له: إن يحيى بن خالد قال يوما: إنّ كتبي لتعرض على من يغلظ فهمه عن معرفتها، ويجسو ذهنه عنها، ولا يبلغ أقصى علمه ما فيها- يعرّض بإسماعيل بن صبيح- فيطعن فيها ولا يدري ما يقرأ عليه منها. إلّا أن نار الحسد تلهبه فيهذي هذيان المريض، ويهمز همزات الغيرى، ثم لا يرضى أن يقف عند أوّل الطعن ويميل عنه حتّى يستقصي على نفسه إظهار جهله عند أهل المعرفة، باستيعابه الطّعن على ما
стр. 332
لم يبلغ درايته، ولم يحط به علمه، ثم ينسيه جهله الطّعن الذي تقدّم منه فيها، ويحمله نوكه على استعمال معانيها وألفاظها، في كتبه إلى إخوانه وأعوانه الذين شهدوه في أوان طعنه عليها، وحين ثلبه لها.
[٧- بعض الكتاب يسرقون كتب الجاحظ أو قسما منها]
وقد عرفت حقيقة ما قال يحيى بن خالد بالتّجربة والابتلاء. وإنّي ربّما ألّفت الكتاب المحكم المتقن في الدّين والفقه، والرسائل والسّيرة، والخطب والخراج والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه إلى نفسي، فيتواطأ على الطّعن فيه جماعة من أهل العلم، بالحسد المركّب فيهم، وهم يعرفون براعته ونصاعته. وأكثر ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلّفا لملك معه المقدرة على التقديم والتأخير، والحطّ والرّفع، [والترغيب] والترهيب، فإنّهم يهتاجون عند ذلك اهتياج الإبل المغتلمة، فإن أمكنتهم حيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيّد الذي ألّف له فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيّد المؤلّف فيه الكتاب نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ذلك الكتاب وألّفوا من أعراضه وحواشيه كتابا، وأهدوه إلى ملك آخر، ومتّوا إليه به، وهم قد ذمّوه وثلبوه لمّا رأوه منسوبا إليّ، وموسوما بي.
[٨- الجاحظ ينحل كتبه غيره لتروج]
وربّما ألّفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، وأحيله على من تقدّمني عصره مثل ابن المقفّع والخليل، وسلم صاحب بيت الحكمة، ويحيى بن خالد، والعتّابيّ، ومن أشبه هؤلاء من مؤلّفي الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم الطاعنون على الكتاب الذي كان
стр. 333
أحكم من هذا الكتاب، لاستنساخ هذا الكتاب وقراءته عليّ، ويكتبونه بخطوطهم، ويصيّرونه إماما يقتدون به، ويتدارسونه بينهم، ويتأدّبون به، ويستعملون ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عنّي لغيرهم من طلّاب ذلك الجنس فتثبت لهم به رياسة، [و] يأتمّ بهم قوم فيه؛ لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى تأليفي.
[٩- الجاحظ يترك بعض الكتب غفلا اشفاقا من الطعن عليها]
ولربّما خرج الكتاب من تحت يدي محصفا كأنّه متن حجر أملس، بمعان لطيفة محكمة، وألفاظ شريفة فصيحة، فأخاف عليه طعن الحاسدين إن أنا نسبته إلى نفسي، وأحسد عليه من أهمّ بنسبته إليه لجودة نظامه وحسن كلامه، فأظهره مبهما غفلا في أعراض أصول الكتب التي لا يعرف وضّاعها، فينهالون عليه انهيال الرّمل، ويستبقون إلى قراءته سباق الخيل يوم الحلبة إلى غايتها.
[١٠- عودة الى الحسد والعداوة]
وحسد الجاهل أهون شوكة وأذلّ محنا، من حسد العارف الفطن؛ لأنّ الحاسد الجاهل يبتدر إلى الطّعن على الكتاب في أوّل وهلة يقرأ عليه، من قبل استتمام قراءته ورقة واحدة؛ ثم لا يرضى بأيسر الطعن وأخفّه حتّى يبلغ منه إلى أشدّه وأغلظه، من قبل أن يقف على فصوله وحدوده. وليس ثلبه مفسّرا مفصّلا، ولكنه يجمل ذلك ويقول: هذا خطأ من أوّله إلى آخره، وباطل من ابتدائه إلى انقضائه، ويحسب أنّه كلما ازداد إغراقا وطعنا وإطنابا في الحمل على واضع الكتاب، كان ذلك أقرب إلى القبول منه. وهو لا يعلم أنّ المستمع إليه إذا ظهر منه على هذه المنزلة استخفّ به، وبكّته بالجهل،
стр. 334
وعلم أنّه قد حكم من غير استبراء، وقضى بغير رويّة، فسقط عنه وبطل.
والحاسد العارف الذي فيه تقيّة ومعه مسكة، وبه طعم أو حياة، إذا أراد أن يغتال الكتاب ويحتال في إسقاطه، تصفّح أوراقه ووقف على حدوده ومفاصله، وردّد فيه بصره وراجع فكره، وأظهر عند السيّد الذي هو بحضرته وجلسائه، من التثبّت والتأنّي حبالة يقتنص بها قلوبهم، وسببا يسترعي به ألبابهم، وسلّما يرتقي به إلى مراده منهم، وبساطا يفرش عليه مصارع الخدع. فيوهم به القصد إلى الحقّ والاجتباء له. فربّما استرعى بهذه المخاتل والخدع قلب السيّد الحازم.
فمن أعظم البلايا وأكبر المصائب على مؤلّفي الكتب إذا كان العارض لها على السيّد الذي منه ترجى أثمانها، وعنده تنفق بضائع أهلها، على هذه الصّفة التي وصفتها من الحسد والحذق بأسبابه، والمعرفة بالوجوه التي تثلم المحسود وتهدّه، وتضع منه ومن كتبه: لا سيما إن كان مع استبطان الحسد واستعمال الدهاء والذّكاء جليسا لازما، وتابعا لا يفارق، ومحدّثا لا يريم، وليست له رعة تحجره عن الباطل، ولا معه حذر يبعثه على الفكر في العواقب؛ فإنّ هذا ربّما وافق فترة السيّد بطول ترداد الكلام، وكثرة تكراره عليه، من تأكيد خطائه، ونصرته قوله، وذياده عنه، واحتجاجه فيه، فيؤثّر في قلبه، ويضجّع رأيه. فليس للسيّد الذي يحبّ أن تصير إليه الأمور على حقائقها، وتصوّر له الأشياء على هيئاتها، حيلة في ذلك إلّا حسم مادّة هذا من أهل الحسد، بالإعراض عنهم، والاحتجاز دونهم.
وربّما بلغ من الحاسد جهد الحسد إذا لم يعمل بشهوته، ولم تنفذ سهام لطائفه، أن يقرّ على نفسه بالخطأ، ويعترف أنّ الطّعن الذي كان منه في الكتاب عن سهو وغفلة، وأنّه لم يكن بلغ منه في الاستقصاء ما أراد، وكان مشغول الفكر مقسّم الذهن، فلمّا فرغ له ذهنه وانفرد له همّه راجع ما
стр. 335
كان بدر منه، لتظنّ به الرّعة، ويقال إنّه لم يرجع عن قوله واعترف بالخطأ إلّا من عقل وازع، ودين خالص. وإنما ذلك حيلة منه ودهاء قدّمه أمام ما يريد أن يوكّد لنفسه ويوطّد لها، من قبول القول في سائر ما يرد عليه من الكتب عن غير مواقفة على مواضع، ويجعل ما قد تقدّم له من الرّجوع عن قوله عند ما تبيّن له خلاف ما قال، أوثق أسباب عدالته، وأحكم عرى نصفته.
وكان يقال: من لطيف ما يستدعي به الصّدق إظهار الشك في الخبر الذي [لا] يشكّ فيه.
وكان يقال: من غامض الرياء أن ترى بأنك لا ترائي. ومن أبلغ الطّعن على ما تريد الطّعن عليه أن تطعن ثم تستغفر الله، ثم تتمهّل فترة، ثم تعود لطعن هو أعظم منه وأطمّ من الأوّل؛ ليوثق بك فيه، ويقال: إنّ هذا لو كان عن حسد ما رجع عن الطعن الأوّل.
وقد قيل: ذو الغيبة المشهور بها المنسوب إليها يقلّ ضرره، ويضعف كيده، لما شاع له في الناس وانتشر منه، فكان عندهم ظنينا متّهما، ومطبوعا عليها، يستمعون منه على قضاء ذمام المجالسة والتلذّذ به، من غير قبول ولا اصطفاء له.
وإنما البليّة في غيبة حذّاق المغتابين الذين يسمعون، فيضحكون ولا يتكلّمون. وأحذق منهم الذين يستمعون ويسكتون القائل ويدعون الله بالصّلاح للمقول فيه، فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه، وأوكدوا قول القائل؛ لأنّه لو حلّ عندهم محلّ البراءة مما قيل له لجبّه القائل وردع عن قوله.
وقد قال بعض العلماء: إنّ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان من نبلاء المغتابين وحذّاقهم حيث يقول:
стр. 336
مسّا تراب الأرض، منه خلقتما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر
ولا تعجبا أن تؤتيا وتعظّما ... فما حشي الإنسان شرّا من الكبر
فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال ذلك في سرّ
فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتّى يلجّ فيستشري
ومن هذا سرق العتابيّ المعنى حيث يقول:
إن كنت لا تحذر شتمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل
فاخش سكوتي سامعا ضاحكا ... فيك لمشنوع من القائل
مقالة السّوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل
ومن دعا الناس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحق وبالباطل
وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلّب كفّيه وقال:
من الناس من يخفى أبوه وجدّه ... وجدّ أبي ليلى كالبدر ظاهر
فلم تثبت عليه به حجة في ذمّ له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد.
وسئل يوما عن علمه فقال: أوعوه وطبا، فإن كان محضا أو مشوبا أظهره الوطب وما خضوه.
فإن قدح- جعلني الله فداك- بالحسد قادح فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق إلى وهمك شكّ فيه، أعلمتني النّكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني أرجو ألّا تحتاج إلى حاكم عند تجاثي القولين بين يديك، لعلوّ الحقّ على الباطل، ودموغه إيّاه.
والحسد أذلّ نفسا من أن يجاثي أحدا، والعداوة إنّما قدّمت عليه لأنها عزيزة منيعة.
стр. 337
ويقال: الحسد لا يبدو إلّا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله المؤتلفين على ... والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين له والمخالفين عليه.
وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجبل عليه، فليس له أخ في السرّ ولا عدوّ في العلانية.
وسئل العتّابي عن أهل بغداد فقال: حسّاد، إخوان العلانية، وأعداء السّريرة، يعطونك الكلّ ويمنعونك القلّ.
ومما يدلّك على أنّ الحسد أخسّ وأغبن من العداوة، أنّ الملل كلّها ذمّته وعابته. ولا تعلم أنّ شاذّا من الشواذّ، وشاردا من الشّرّاد، فضلا عن جيل من الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل: «عاد من عاداك، وقارع بالعداوة أهلها» . ثم عظم شأن العداوة عندهم، وجلّ قدرها لديهم، حتّى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل.
وقال الشّعبيّ لبشر بن مروان: لو وجّهت إلى عمرو بن محمد بن عقيل مولى آل الزّبير- وكان شتمه- من يأتيك به سحبا وجرّا! فقال بشر: إنّي مستعمل في عدوّي قول القائل:
وعاد إذا عاديت بالحزم والنّهى ... تنل ظفرا ممن تريد وتغلب
فكان بهذا ممن يرى المعاداة بالحزم، ويغتالها بالعقل والتأنّي.
وكان عروة بن المغيرة يقول: شرّ العداوة ما ستر بالمداراة، وأشقاها للأنفس ما قرع بمثلها باديا. وكان ينشد:
لا أتّقي حسك الضّغائن بالرّقي ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا
لكن أعدّ لها ضغائن مثلها ... حتّى أداوي بالحقود حقودا
كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السّقيم وتبريء المنجودا
стр. 338
فانتهى قوله إلى ابن شبرمة فقال: «لله درّ عروة، هذه أنفس العرب!» .
فهؤلاء رأوا كشف المعاداة ولم يروا التأنّي.
ومنهم من رأى المعاداة بعد الفرار منها والإعذار فيها، فإن هي أبت إلا المقارنة قارنوها بمثلها.
قال شبيب بن شيبة: إذا رأيت الشرّ قد أقبل إليك فتطامن له حتّى يتخطّاك، ولا تهجه ولا تبحث عنه؛ فإن أبى إلّا أن يبرك عليك فكن من الأرض نارا ساطعة تتلظّى. وأنشد:
إذا عاداك محتنك لبيب ... فعاد النّوم واحترس البياتا
ولا تثر الرّبوض وخلّ عنها ... وإن ثارت فكن شبحا مواتا
تجزك إلى سواك ونحّ عنها ... فخير الشرّ أسرعه فواتا
وإن مالت عليك وخفت منها ... فواجهها مجاهرة صلاتا
ومنهم من أمر بقبول الإنصاف وترك المحاسبة. قال عبيد الله بن عبد الله ابن [عتبة بن] مسعود: إنّ الملامات والمذمّات كلّها قبيحة، وأقبح الملامة والمذمّة ما كانتا في ترك نصفة أو شدّة منافسة في تعداد الذّنوب. وأنشد:
منافسة العدوّ أو الصديق ... تجرّ إلى المذمّة والملامه
إذا أعطاك نصفا ذو وداد ... وبعض النّصف فانتهز السّلامة
ومنهم من قال: لا ترض من عدوّك إلّا بالظّلم، ولا تقبل إنصافه ونافسه في ذلك. قال العباس بن عبد المطلب:
أبا طالب لا تقبل النّصف منهم ... ولو أنصفوا حتى تعقّ وتظلما
ومنهم من أمر بمعونة الدهر على العدّوّ إذا حمل عليه. قال: حدثني
стр. 339
إبراهيم بن شعبة المخزومي قال: سمعت من حكى لي عن مصعب بن الزبير قال: إذا رأيت يد الدهر قد لطمت عدوّك فبادره برجلك، فإن سلم من الدّهر لم يسلم منك. وأنشد:
إذا برك الزّمان على عدوّ ... بنكبته أعنت له الزّمانا
قال العتّابي: قلت لطوق بن مالك: إنّ من شرط الدهر ومن صناعة الزمان السّلب، فإذا حملت الأيام على عدوّك ثقلا وأمتك منه فزده ثقلا إلى ثقله. قال: فقال لي طوق: من لم ينتهز من عدوّه انتهز منه، وحالت الأيام التي كانت بيضا عليه سودا. وأنشد:
لله درّك ما ظننت بثائر ... حرّان ليس على التّراب براقد
أحقدته ثم اضطجعت ولم ينم ... أسفا عليك وكيف نوم الحاقد
إن تمكن الأيام منك، وعلّها، ... يوما نوفّك بالصّواع الزائد
ولئن سلمت لأتركنّك عارضا ... بعدي لكل مسالم ومعاند
ومنهم من كان يرى جبر كسر العدوّ وإقالة عثرته، ونصرته عند وثوب الدّهر عليه.
قال: حدثني ابن عبد الحميد قال ابن شبرمة: كانت الحرب يوم صفّين بين العرب محضة لا شوب فيها، فكانت محاربتهم كداما واعتناقا، وكانوا إدا مرّوا برجل جريح كانوا يقولون: خذله قومه فانصروه، وألقاه دهره بمضيعة فردّوه إلى أهله.
وقال ابن شبرمة: ما زلنا نسمع أنّ المصيبات تنزع السجيّات.
قال: وأنشدني بعض أهل العلم في هذا المعنى:
فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتم ... لفرّجتها وحدي ولو بلغت جهدي
стр. 340
إذا المرء ذو القربى وذو الحقد أجحفت ... به سنة سلّت مصيبته حقدي
ومنهم من رأى الإفضال على عدوّه وترك مجازاته. وهذا كثير لا يحتاج فيه الى استقصاء شواهده.
قال غيلان بن خرشة الضّبيّ- وقال بعضهم: بل الأحنف بن قيس- لا تزال العرب بخير ما لبست العمائم وتقلّدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حميّة الأوغاد. قيل: وما حميّة الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلّا، والتّواهب ضيما.
وقال الشّعبيّ لرجل قال له: ألا تنتقم من فلان فقد عاداك ونصب لك؟
فقال:
ليست الأحلام في حال الرّضا ... إنّما الأحلام في حال الغضب
وأنشدني بعض العلماء بيتين وقال: إنّ الزّبيريّ كان كثيرا ما يتمثّل بهما:
وإنّي لأعدائي على المقت والقلى ... بني العمّ منهم كاشح وحسود
أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم ... وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
وكان عبد الملك بن مروان إذا أنشد:
إني وإن كان ابن عمي كاشحا ... لمراجم من دونه وورائه
ومعيره نصري وإن كان امرأ ... متزحزحا في أرضه وسمائه
وإن اكتسى ثوبا نفيسا لم أقل ... يا ليت أنّ عليّ حسن ردائه
وإذا تخرّق في غناه وفرته ... واذا تصعلك كنت من قرنائه
قال: هذا والله من شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم
стр. 341
والانتقام عند الإمكان، والمسألة عند الحاجة.
ومنهم من أمر بالسّفه في العداوة واستعمال الخرق فيها.
حدّثني نوح بن أحمد عن أبيه عن ابن عبّاس قال: جاء النابغة الجعديّ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: هل معك من الشّعر ما عفا الله عنه؟ قال: نعم. قال: أنشدني منه. فأنشده:
وإنّا لقوم ما نعوّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
وتنكر يوم الرّوع ألوان خيلنا ... من الطّعن حتى تحسب الجون أشقرا
وليس بمعروف لنا أن نردّها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقّرا
بلغنا السّماء مجدنا وسناؤنا ... وإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
فقال له رسول الله ﷺ : إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال:
إلى الجنّة. فقال رسول الله ﷺ : «إلى الجنّة إن شاء الله» .
ثم رجع في قصيدته فقال:
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
فقال رسول الله ﷺ : «لا فضّ الله فاك!» . قال:
فأتت عليه عشرون ومائة سنة، كلّما سقطت له سنّ اثّغرت أخرى مكانها؛ لدعوة رسول الله ﷺ .
فهذا أحسن ما روي في البادرة التي يصان بها الحلم.
وقال الشاعر الجاهليّ:
صفحنا عن بني ذهل ... وقلنا: القوم إخوان
стр. 342
عسى الأيّام أن يرجع ... ن حيّا كالذي كانوا
فلما صرّح الشّرّ ... وأمسى وهو عريان
مشينا مشية الليث ... بدا واللّيث غضبان
يضرب فيه توهين ... وتضجيع وإذعان
وطعن كفم الزّق ... وهى والزّق ملان
وفي الشرّ نجاة حي ... ن لا ينجيك إحسان
حدثنا أبو مسهر عن أبيه عن خالد بن عمرو الكلبيّ قال:
كنّا مع أبي برزة الأسلميّ في غزاة، فكان منّا رجل يمتار لنا الميرة ويقوم بحوائجنا، فإذا أقبل قلنا: جزاك الله خيرا. فغضب لدعائنا، فشكونا ذلك إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: كنّا نسمع أنّ من لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ، فاقلبوا له. فكنّا نقول له إذا أتانا بالحوائج: جزاك الله شرّا وعرّا، فيضحك لذلك.
وأنشدني رجل عن بعض الأعراب:
أرى الحلم في بعض المواطن ذلّة ... وفي بعضها عزّا يشرّف فاعله
إذا أنت لم تدفع بحلمك جاهلا ... سفيها ولم تقرن به من يجاهله
لبست له ثوب المذلّة صاغرا ... فأصبح قد أودى بحقّك باطله
فأبق على جهّال قومك إنّه ... لكلّ حليم موطن هو جاهله
وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «استوصوا بالغوغاء خيرا، فإنهم يطفئون الحريق، ويسدّون البثوق» .
وقال أبو سلمى في الجاهلية:
لا بدّ للسّودد من رماح ... ومن عديد يتّقى بالراح
ومن كلاب جمّة النّباح
стр. 343
وقال مسلم بن الوليد:
حلفت لئن لم تلقني سفهاؤها ... خزاعة والحيّان عوف وأسلم
لأرتجعنّ الودّ بيني وبينها ... بقافية تفري العروق فتحسم
من اللاء لا يرجعن إلّا شواردا ... لهنّ بأفواه الرجال تهمهم
أصابوا حليما فاستعدّوا بجاهل ... إذا الحلم لم يمنعك فالجهل أحزم
ولم نستقص الأبواب كلّها بالمعارضة في هذا الكتاب، ولو استقصينا لطالت بنا الأيّام وتراخت الليالي إلى بلوغ الغاية في تمام الكتاب. وإنّما ذكرنا من كل باب عرض فيه ما دلّ على معناه الذي إليه قصد.
ولم نر الحسد أمر به أحد من العرب والعجم في حال من الأحوال، ولا ندب إليه ونبّه عليه. وقد نبّه على العداوة وفصّل بين أحوالها بما قد بيّنّاه، فظهر فضلها على الحسد بذلك.
[١١- الكتاب يطلبون من الجاحظ ان يشاطروه فيء كتبه]
وكنت امرأ قليل الحسّاد حتّى اعتصمت بعروتك، واستمسكت بحبلك واستذريت في ظلّك، فتراكم عليّ الحسّاد وازدحموا، ورموني بسهامهم من كل أوب وأفق، وتتايعوا عليّ تتايع الدّثر على مشتار العسل. ولئن كثروا لقد كثر بهبوب ريحك إخواني، وبنضرة أيامك وزهرة دولتك خلّاني. وأنا كما قلت:
فأكثرت حسّادي وأكثرت خلّتي ... وكنت وحسّادي قليل وخلّاني
فلمّا بلغت هذا الفصل من تأليف هذا الكتاب دخل عليّ عشرة نفر من الكتّاب قد شملهم معروفك، ورفع مراتبهم جميل نظرك، فهم من طاعتك
стр. 344
والمحبّة لك على حسب ما أوليتهم من إحسانك وجزيل فوائدك، فأفاضوا في حديث من أحاديث الحسد، فشعّب لهم ذلك الحديث شعوبا افتنّوا فيها- والحديث ذو شجون- فما برحوا حتّى أتتني رقعة أناسية من الحسّاد فيها سهام الوعيد، ومقدّمات التهديد والتحذير والتخويف، للطّعن على ما ألّفت من الكتب إن أنا لم أضمن لهم الشركة فيما يجرى عليّ، فدفعت رقعتهم إلى من قرب إليّ منهم، فقرأها ثم قال: «قاتلهم الله! أبظلم يرومون النّيل ويلتمسون الشركة في المعروف! لنزع الرّوح بالكلاليب أهون من بذل معروف بترهيب» . وأنشأ يقول:
أبقى الحوادث من خلي ... لك مثل جندلة المراجم
قد رامني الأعداء قب ... لك فامتنعت من المظالم
ودفعها إلى من قرب منه فقرأها. وقال الثاني: «صكّة جلمود، لكل مرعد حسود، يمتطر العرف بالتهديد. خلّ الوعيد، يذهب في البيد» .
وأنشأ يقول:
أبرق وأرعد يا يزي ... د فما وعيدك لي بضائر
ودفعها إلى الثالث فقرأها وقال: «سألوا ظلما، وخوّفوا هضما، لقوا حربا ولقيت سلما» . وأنشأ يقول:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع
ودفعها إلى الرابع فقرأها وقال: «قول الذّليل وبوله سيّان» . وأنشأ يقول:
ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران
ودفعها إلى الخامس فقرأها وقال: «نهيق الحمار، ودم الأعيار جبار
стр. 345
جبار» . وأنشأ يقول:
ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم
ودفعها إلى السادس فقرأها وقال: «إذا علقتك الأمجاد، فليهن عليك الحسّاد» . وأنشأ يقول:
إذا أهل الكرامة أكرموني ... فلا أخشى الهوان من اللّئام
ودفعها إلى السابع فقرأها وقال: «كيف يخاف الصّرعة، من هو في ذي المنعة» . وأنشأ يقول:
كم تنبحون وما يغني نباحكم ... ما يملك الكلب غير النّبح من ضرر
ودفعها إلى العاشر فقرأها وقال: «نوكى هلكى، لم يعرفوا خبرك، ولا دروا أمرك» . وأنشأ يقول:
فلو علم الكلاب بنو الكلاب ... بحالك عند سيّدنا لذلّوا
وعندي صديق لي من السّوقة له أدب، فقال لي بعقب فراغهم مسرّا:
إنّ هؤلاء الكتّاب قد أظهروا الاستخفاف بقول الحسّاد، وضربوا الأمثال في هوانهم عليك، وعرفوا أنّك في منعة من عزّ أبي الحسن أطال الله بقاءه، ومعقل لا يسامى ولا ينال. وأنا أقول بالشّفعة:
توقّ قوما من الحسّاد قد قصدوا ... لحطّ قدرك في سرّ وفي علن
فقلت له: إنّي أقول بيتين هما جوابك وجواب الحسّاد:
إنّ ابن يحيى عبيد الله أمنني ... من الحوادث بعد الخوف من زمني
فلست أحذر حسّادي وإن كثروا ... ما دمت ممسك حبل من أبي الحسن
стр. 346
فلما رأى صديقي اقتفائي آثار الكتّاب، باستهانتي للحساد عند اعتلاقي حبائلك أعزّك الله، أنشأ متمثّلا بقول نصر بن سيّار:
إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم أحدا
إن يحسدوني على ما قد بنيت لهم ... فمثل حسن بلائي جرّ لي الحسدا
وليس العجب أن يكثروا وأنا أنعق بمحاسنك، وأهتف بشكرك، ولكن العجب كيف لا تتفتّت أكبادهم كمدا.
وكان بعضهم يقول: اللهمّ كثّر حسّاد ولدي؛ فإنّهم لا يكثرون إلّا بكثرة النّعمة.
فإن كان والدي سبق منه هذا الدّعاء، فإنّ الإجابة كانت مخبوءة إلى زمان عزّك؛ فقد رأينا تباشيرها، وبدت لنا عند عنايتك غايتها.
وكان بعض الصالحين يقول: اللهم اجعل ولدي محسودين، ولا تجعلهم مرحومين؛ فإنّ يوم المحسود يوم عزّة، ويوم الحاسد يوم ذلّة.
ويقال: إنّه لمّا مات الحجّاج سمعوا جارية خلف جنازته وهي تقول:
اليوم يرحمنا من كان يحسدنا ... واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
ويقال: إنّ زياد ابن أبيه قال لحرقة ابنة النعمان: أخبريني بحالكم.
قالت: إن شئت أجملت وإن شئت فسّرت. فقال لها: أجملي، فقالت: «بتنا نحسد، وأصبحنا نرحم» . فخطبها زياد وكانت في دير لها فكشفت عن رأسها، فإذا رأس محلوق، فقالت: أرأس عروس كما ترى يا زياد؟ وأعطاها دنانير فأخذتها وقالت: جزتك يد افتقرت بعد غنى، ولا جزتك يد استغنت بعد فقر! ولا نعلم الحسد جاء فيه شيء أكثر من حديث روى عن النبي صلى الله
стр. 347
عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله حفظ القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النّهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في وجوه البرّ آناء الليل وآناء النهار» .
فهذا الحسد إنّما هو في طاعة الله ، وطاعة رسوله ﷺ .
وقال بعض الأشراف:
احسد على نيل المكارم والعلى ... إذ لم تكن في حالة المحسود
حسد الفتى بالمكرمات لغيره ... كرم ولكن ليس بالمعدود
فهذا ما انتهى إلينا من أخبار الحسد، وزادك الله شرفا وفضلا، وعلما ومعرفة، ولا زلت بالمكان الذي يهدى إليك [فيه] الكتب، وتتحف بنوادر العلوم وفرائد الآداب، إنّه قريب مجيب.
تم الكتاب ولله المنة، وبيده الحول والقوة تتلوه رسالة من كلام أبي عثمان أيضا في ذم القواد والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وسلامه.
стр. 348
١٧- هامش فصل ما بين العداوة والحسد
. (١) كتاب فضل الوعد ربما كان كتاب استنجاز الوعد الذي وصل الينا قسم منه. ولم يصلنا شيء غيره حول موضوع الوعد. كما لم يصلنا شيء من كتاب اخلاق الوزراء.
(٢) الحكمة: الفلسفة. بعض افكار هذه الفقرة وبعض تعابيرها يحتمل ان تكون مدسوسة على الجاحظ.
(٣) «إن لم يكن أخاها فابن عمها» يراد به شبيهها.
(٤) الطاعنون على كتب الجاحظ من جهة اللفظ ومن جهة المعنى.
(٥) بشر المريسي: احد شيوخ المعتزلة، توفي سنة ٢١٨ هـ.
- لاحظ مناصرة المأمون للمعتزلة ومكانة هؤلاء عنده امثال بشر المريسي والجاحظ.
- الرجز: «يا لك من قبره بمعمر ... » للشاعر الجاهلي طرفة بن العبد نظمه وهو حدث يصطاد القبر.
(٦) القدح: السهم.
- يعاث: يعبث.
- لاحظ كثرة الاستشهاد بالشعر والامثال والاقوال المأثورة.
(٧) قارن بين آراء الجاحظ في الحسد هنا وآرائه في كتاب الحاسد والمحسود:
الحسد موكل بالأدنى فالادنى والأخص فالأخص. سبب الحسد النعمة لدى المحسود.
- مسلم بن الوليد الانصاري الشاعر عرف بصريع العنواني لأنه كان متيما بحبه
стр. 349
عاصر الجاحظ وتوفي عام ٢٠٨ هـ وتولى بريد جرحان حيث مات.
- اسماعيل بن صبيح كاتب يحيى بن خالد البرمكي في عهد الرشيد وتولى ديوان الشام.
(٨) النحرير: جمع نحارير، الحاذق، الفطن.
النقريس: الطبيب الماهر المدقق.
(٩) ابن المقفع والخليل بن احمد الفراهيدي وسلم صاحب بيت الحكمة التي اسسها المأمون سنة ٨٣٠ م ويحيى بن خالد والعتابي. عاشوا جميعا في صدر الدولة العباسية.
(١٠) الكتاب الغفل: الذي لم يذكر اسم مؤلفه.
الكتاب المحصف: المحكم الخالي من الخلل.
(١١) الرعة: الورع.
الخطاء الخطأ.
- ابو برزة الاسلمي، هو نضلة بن عبيد الاسلمي، نزل البصرة وشهد وقعة النهروان، وهو صحابي جليل، مات بالبصرة سنة ٦٠ هـ-.
- الشاعر الجاهلي الذي قال: «صفحنا عن بني ذهل ... » . هو الفند الزماني، شهل بن شيبان، شهد حرب البسوس.
(١٢) الجاحظ يشكو كثرة الحساد الذين لم يكتفوا بالاغارة على كتبه سرقة وطعنا وتشويها، بل طلبوا ان يشاركهم فيما تدره عليه من مال.
- «تتايعوا علي تتايع الدبر على مشتار العسل» : تهافتوا عليه مثل جماعة النحل على العسل.
- أناسية: جمع انسي او اناس.
يبدو لي ان قصّة الكتاب العشرة الذين دخلوا على الجاحظ مقحمة على كتاب الجاحظ. كما ان كثيرا مما ورد في هذا الكتاب قد أضيف عليه.
стр. 350
١٨- رسالة الى ابي الفرج
стр. 351
[١- المدخل التقليدي]
جعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك وأيدك.
[٢- اسماء من كني بابي عثمان]
قد نسخت لك- أعزّ الله- في صدر هذا الكتاب قصيدة قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجل يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص.
ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد ابن عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان النّهدي عبد الرحمن بن ملّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق إبن الأشعث بن قيس.
стр. 352
ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزّبير بن العوّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن [بشر بن] عبد دهمان، وهو اسمه.
ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، أم أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كريز.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب.
ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حصين العنبريّ، أم أبو عثمان بن عمر إبن أبي عثمان الشّمّريّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهجيميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرو الأعور الخاركي.
ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو إبن بكر المازنيّ.
ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.
والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.
стр. 353
وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السّيف الحسام، بأحقّ بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرّض للمتصفّحين، وتحكّك بالعيّابين، وحكّم في عرض الحسدة المغتابين.
فإن سلم فبحسن النيّة، ولأنه مدح كريما، ووصف حليما. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلي فبذنب، وما عفا الله عنه أكبر.
وقال: اللهمّ اجعل هذا القول حسنا في عينه، خفيفا على سمعه، وألهمه حسن الظنّ به، وبسط العذر له، إنّك سميع الدعاء، رحيم بالضعفاء.
[٣- وصف جال الجاحظ]
والقصيدة هي قوله:
أقام بدار الخفض راض بحظّه ... وذو الحرص بسري حين لا أحد يسري
يظنّ الرّضا بالقسم شيئا مهوّنا ... ودون الرضا كأس أمرّ من الصّبر
جزعت فلم أعتب فلو كنت ذا حجا ... لقنّعت نفسي بالقليل من الوفر
أظنّ غبيّ القوم أرغد عيشة ... وأجذل في حال اليسارة والعسر
تمرّ به الأحداث ترعد مرّة ... وتبرق أخرى بالخطوب وما يدري
سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري
فلو شاء ربّي لم أكن ذا حفيظة ... طلوبا لغايات المكارم والفخر
خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنيّة بالقسر
فلمّا رأيت المرء يبذل بشره ... ويجعل حسن البشر واقية التّبر
ربعت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفا للدراسة والفكر
وشاورت إخواني فقال حكيمهم ... عليك الفتى المرّيّ ذا الخلق الغمر
стр. 354
فتى لم يقف في الدهر موقف ظنّة ... فيحتاج فيه للتّنصّل والعذر
[٤- الجاحظ يطلب إجراء الرزق عليه]
أعيذك بالرحمن من قول شامت ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو
ولو كان فيه راغبا لرأيته ... كما كان دهرا في الرّخاء وفي اليسر
أترضى- فدتك اليوم نفسي وأسرتي- ... بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري
[٥- مدح ابي الفرج]
ألا يا فتى الكتّاب والعسكر الذي ... تأزّر بالحسنى وأيّد بالنّصر
أخاف عليك العين أو نفس وامق ... وذو الودّ منخوب الفؤاد من الذّعر
وعهدي به والله يرشد أمره ... ويحفظه في القاطنين وفي السّفر
مطلّا على التدبير ما يستفزّه ... مكايد محتال عقاربه تسري
برأي يزيل الطّود من مستقرّه ... وأوضح عند الخصم من وضح الفجر
وعزم كغرب المشرفيّ مصمّم ... وقلب ربيط الجأش منثلج الصدر
فيا ابن نجاح أنجح الله سعيكم ... وأيّدكم بالنّصر والعدد الدّثر
قعدت فلم أطلب وجلت فلم أصب ... خليلا يواسيني ويرغب في شكري
وإن أخفقت كفّي وقد علقتكم ... فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري
أعيذك بالرحمن أن تشمت العدى ... فللفقر خير من شماتة ذي الغمر
فإن ترع ودّي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر
وحسبك بي إن شئت ودّا وخلّة ... وحسبك بي يوم النّزاهة والصّبر
ألا ربّ شكر داثر الرسم دارس ... وشكر كنقش الحميريّة في الصّخر
[٦- الاعتذار عن التقصير في المديح]
قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب
стр. 355
فلم يجد الشاعر [إن] كان ألوم.
ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منّي.
وكيفما تصرّفت بي الحال فإنّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله.
وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما أمّلنا. والله الموفّق.
تمت الرسالة بعون الله وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.
следующие страницы →