← Адаб

Адаб · id 10670

الرسائل الأدبية

الجاحظ

Полный текст (465 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

[١- المدخل التقليدي] جعلت فداك، وأطال الله بقاك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك وأيدك. [٢- اسماء من كني بابي عثمان] قد نسخت لك- أعزّ الله- في صدر هذا الكتاب قصيدة قيلت في أبي الفرج أدام الله عزّه، ذكروا أن قائلها رجل يكنى أبا عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان هشام بن المغيرة، أم أبو عثمان عفّان بن أبي العاص. ولا أدري أهو أبو عثمان عنبسة بن أبي سفيان، أم أبو عثمان سعيد ابن عثمان، ولا أدري أهو أبو عثمان النّهدي عبد الرحمن بن ملّ، أم أبو عثمان ربيعة الرأي بن أبي عبد الرحمن. ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان إسحاق إبن الأشعث بن قيس.

стр. 352

ولا أدري أهو أبو عثمان المنذر بن الزّبير بن العوّام، أم أبو عثمان عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك. ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن خالد بن أسيد، أم أبو عثمان أبو العاص بن [بشر بن] عبد دهمان، وهو اسمه. ولا أدري أهو أبو عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس، أم أبو عثمان عبد الله بن عامر بن كريز. ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن أسعد بن إمام المسجد الجامع الأعظم، أم أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب. ولا أدري أهو أبو عثمان فيروز حصين العنبريّ، أم أبو عثمان بن عمر إبن أبي عثمان الشّمّريّ. ولا أدري أهو أبو عثمان خالد بن الحارث بن سليمان الهجيميّ، أم أبو عثمان أبو العاص بن عبد الوهاب الثقفيّ. ولا أدري أهو أبو عثمان سعيد بن وهب الشاعر، أم أبو عثمان عمرو الأعور الخاركي. ولا أدري أهو أبو عثمان الحكم بن صخر الثّقفي، أم أبو عثمان عمرو إبن بكر المازنيّ. ولا أدري أهو أبو عثمان الأعور النحويّ، أم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ. والذي لا أشك فيه أنّه لم يقرضها أبو عثمان عمرو بن حزرة، ولا أبو عثمان عمرو المخلخل، ولا أبو عثمان إبراهيم بن يزيد المتطبّب، ولا أبو عثمان سعيد بن حيان البزاز.

стр. 353

وقد بلغني عن أبي عثمان هذا المجهول موضعه، المغمور نسبه، أنه قال: ما راكب الأسد الأسود، والبحر الأخضر، والمصبور على السّيف الحسام، بأحقّ بجهد البلاء وشماتة الأعداء، ممّن تعرّض للمتصفّحين، وتحكّك بالعيّابين، وحكّم في عرض الحسدة المغتابين. فإن سلم فبحسن النيّة، ولأنه مدح كريما، ووصف حليما. والكريم صفوح، والحليم متغافل. وإن ابتلي فبذنب، وما عفا الله عنه أكبر. وقال: اللهمّ اجعل هذا القول حسنا في عينه، خفيفا على سمعه، وألهمه حسن الظنّ به، وبسط العذر له، إنّك سميع الدعاء، رحيم بالضعفاء. [٣- وصف جال الجاحظ] والقصيدة هي قوله: أقام بدار الخفض راض بحظّه ... وذو الحرص بسري حين لا أحد يسري يظنّ الرّضا بالقسم شيئا مهوّنا ... ودون الرضا كأس أمرّ من الصّبر جزعت فلم أعتب فلو كنت ذا حجا ... لقنّعت نفسي بالقليل من الوفر أظنّ غبيّ القوم أرغد عيشة ... وأجذل في حال اليسارة والعسر تمرّ به الأحداث ترعد مرّة ... وتبرق أخرى بالخطوب وما يدري سواء على الأيام صاحب حنكة ... وآخر كاب لا يريش ولا يبري فلو شاء ربّي لم أكن ذا حفيظة ... طلوبا لغايات المكارم والفخر خضعت لبعض القوم أرجو نواله ... وقد كنت لا أعطي الدنيّة بالقسر فلمّا رأيت المرء يبذل بشره ... ويجعل حسن البشر واقية التّبر ربعت على ظلعي وراجعت منزلي ... فصرت حليفا للدراسة والفكر وشاورت إخواني فقال حكيمهم ... عليك الفتى المرّيّ ذا الخلق الغمر

стр. 354

فتى لم يقف في الدهر موقف ظنّة ... فيحتاج فيه للتّنصّل والعذر [٤- الجاحظ يطلب إجراء الرزق عليه] أعيذك بالرحمن من قول شامت ... أبو الفرج المأمول يزهد في عمرو ولو كان فيه راغبا لرأيته ... كما كان دهرا في الرّخاء وفي اليسر أترضى- فدتك اليوم نفسي وأسرتي- ... بتأخير أرزاقي وأنت تلي أمري [٥- مدح ابي الفرج] ألا يا فتى الكتّاب والعسكر الذي ... تأزّر بالحسنى وأيّد بالنّصر أخاف عليك العين أو نفس وامق ... وذو الودّ منخوب الفؤاد من الذّعر وعهدي به والله يرشد أمره ... ويحفظه في القاطنين وفي السّفر مطلّا على التدبير ما يستفزّه ... مكايد محتال عقاربه تسري برأي يزيل الطّود من مستقرّه ... وأوضح عند الخصم من وضح الفجر وعزم كغرب المشرفيّ مصمّم ... وقلب ربيط الجأش منثلج الصدر فيا ابن نجاح أنجح الله سعيكم ... وأيّدكم بالنّصر والعدد الدّثر قعدت فلم أطلب وجلت فلم أصب ... خليلا يواسيني ويرغب في شكري وإن أخفقت كفّي وقد علقتكم ... فقد قال رأيي واستنمت إلى شعري أعيذك بالرحمن أن تشمت العدى ... فللفقر خير من شماتة ذي الغمر فإن ترع ودّي بالقبول فأهله ... ولا يعرف الأقدار غير ذوي القدر وحسبك بي إن شئت ودّا وخلّة ... وحسبك بي يوم النّزاهة والصّبر ألا ربّ شكر داثر الرسم دارس ... وشكر كنقش الحميريّة في الصّخر [٦- الاعتذار عن التقصير في المديح] قال أبو عثمان المجهول: إذا كان الممدوح ظاهر المحاسن كثير المناقب

стр. 355

فلم يجد الشاعر [إن] كان ألوم. ونعوذ بالله أن يكون فيكم ما يستدعي الألفاظ الشريفة والمعاني النفيسة، ويكون التقصير منّي. وكيفما تصرّفت بي الحال فإنّي لم أخرج من جهد المجتهدين الراغبين المخلصين. فإن وقعت هذه القصيدة والتي قدّمنا قبلها بالموافقة فالحمد لله. وإن خالفت فنستغفر الله. وإن شيّعتم ضعفها بقوّة كرمكم، وقوّمتم أودها بفضل حلمكم، كان في ذلك بلاغ لما أمّلنا. والله الموفّق. تمت الرسالة بعون الله وتوفيقه، والله الموفّق للصواب برحمته والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه.

стр. 356

١٨- هامش رسالة الى ابي الفرج (١) هذه قصيدة يمدح فيها الجاحظ ابا الفرج بن نجاح الكاتب. ولكنه قدم لها بمقدمة تقليدية «جعلت فداك، واطال الله بقاك الخ..» . (٢) لائحة بالذين يحملون كنية ابي عثمان تدل على ثقافة الجاحظ الواسعة المحيطة بالأدب والانساب والاخبار والكلام. ولن نعرف باصحابها ونحيل القارىء الى كتاب جمهره انساب العرب وغيره. (٣) مطلع القصيدة يذكرنا بقصيدة الحطيئة: وطاوي ثلاث عاصب البطن مرمل البيتان السابع والثامن نجد معناهما تقريبا عند المتنبي في تعبيره عن طموحه وخيبة امله في الممدوحين. (٤) لم يفصح الجاحظ عن ارزاقه التي أخرت عنه من قبل ذوي الأمر. وربما كانت الدولة تدفع له راتبا ايام عز المعتزلة وسيطرتهم على زمام السلطة. فلما دالت دولتهم منذ عهد المتوكل قطعت عنه. (٥) مديح أبي الفرج: تجد المعاني ذاتها التي اضفاها على الممدوح في رسالتي استنجاز الوعد، والمودة والخلطة. (٦) عودة الى النثر يدل على غلبة الأدب عنده على الشعر. ومن ثم ندر شعره ولم يصلنا منه سوى النزر القليل بينما غزر النثر فبلغ مئات الكتب. وربما دلنا ذلك على خوف الجاحظ من الافصاح عن نسبة القصيدة اليه.

стр. 357

[١٩- رسالة المودة والخلطة] (- ١٩- المودة والخلطة)

стр. 358

[١- المديح الخادع ليس من بضاعة الجاحظ] فصل منه: أطال الله بقاءك، وأعزّك وأكرمك، وأتمّ نعمته عليك. زعم- أبقاك الله- كثير ممّن يقرض الشّعر ويروي معانيه، ويتكلّف الأدب ويجتبيه، أنّه قد يمدح المرجوّ المأمول، والمغشىّ المزور بأن يكون مخدوعا، وعمي الطّرف مغفّلا، وسليم الصّدر للراغبين وحسن الظّنّ بالطالبين، قليل الفطنة لأبواب الاعتذار، عاجزا عن التخلّص إلى معاني الاعتلال، قليل الحذق بردّ الشّفعاء، شديد الخوف من مياسم الشّعراء، حصرا عند الاحتجاج للمنع، سلس القياد إذا نبّهته للبذل، واحتجّوا بقول الشاعر: ايت الخليفة فاخدعه بمسألة ... إنّ الخليفة للسّؤّال ينخدع فانتحال المأمول للغفلة التي تعتري الكرام، وانخداع الجواد لخدع الطالبين ومخاريق المستميحين، باب من التكرّم، ومن استدعاء الرّاغب، والتعرّض للمجتدى، والتلطّف لاستخراج الأموال، والاحتيال لحلّ عقد الأشحّاء، وتهييج طبائع الكرام. وأنا أزعم- أبقاك الله- أنّ إقرار المسؤول بما ينحل من ذلك نوك،

стр. 359

وإضماره لؤم، حتّى تصحّ القسمة، ويعتدل الوزن. وأنا أعوذ بالله من تذكير يناسب الاقتضاء، ومن اقتضاء يضارع الإلحاح. ومن حرص يعود إلى الحرمان، ومن رسالة ظاهرها زهد، وباطنها رغبة. فإنّ أسقط الكلام وأوغده، وأبعده من السّعادة وأنكده، ما أظهر النّزاهة وأضمر الحرص، وتجلّى للعيون بعين القناعة، واستشعر ذلّة الافتقار. وأشنع من ذلك، وأقبح منه وأفحش، أن يظنّ صاحبه أنّ معناه خفيّ وهو ظاهر، وتأويله بعيد الغور وهو قريب القعر. فنسأل الله تعالى السّلامة فإنّها أصل النّعمة عليكم، ونحمده على اتّصال نعمتنا بنعمتكم، وما ألهمنا الله من وصف محاسنكم. والحمد لله الذي جعل الحمد مستفتح كتابه، وآخر دعوى أهل جنّته. ولو أنّ رجلا اجتهد في عبادة ربّه، واستفرغ مجهوده في طاعة سيّده، ليهب له الإخلاص في الدّعاء لمن أنعم عليه، وأحسن إليه، لكان حريّا بذلك أن يدرك أقصى غاية الكرم في العاجل، وأرفع درجات الكرامة في الآجل. [٢- واجبات المداح والممدوح] وعلى أنّي لا أعرف معنى أجمع لخصال الشّكر، ولا أذلّ على جماع الفضل، من سخاوة النّفس بأداء الواجب. ونحن وإن لم نكن أعطينا الإخلاص جميع حقّه، فإنّ المرء مع من أحبّ، وله ما احتسب. ولا أعلم شيئا أزيد في السّيّئة من استصغارها، ولا أحبط للحسنة من العجب بها.

стр. 360

ومما يستديم الخطأ لبث التّقصير وإهمال النّفس، وترك التوقّف، وقلّة المحاسبة، وبعد العهد بالتثبّت. ومهما رجعنا إليه من ضعف في عزم، وهان علينا ما نفقد من مناقل الحلم، فإنّا لا نجمع بين التّقصير والإنكار. ونعوذ بالله أن نقصّر في ثناء على محسن، أو دعاء لمنعم. ولئن اعتذرنا لأنفسنا بصدق المودّة- وبجميل الذّكر، فلما يعدّ لكم، من تحقّق الآمال، والنّهوض بالأثقال أكثر. على أنّكم لم تحملونا إلّا الخفّ، وقد حمّلناكم الثّقل. ولم تسألونا الجزاء على إحسانكم، وقد سألناكم الجزاء على ما سألناكم. ولم تكلّفونا ما يجب لكم، وكلّفناكم ما لا يجب. ومن إفراط الجهل أن نتذكّر حقّنا في حسن الظّنّ، ولا نتذكّر حقّكم في تصديق ذلك الظّنّ وقد قال رسول الله ﷺ «ما عظمت نعمة الله على أحد إلّا عظمت عليه مؤونة النّاس» . وأنا أسأل الله الذي ألزمكم المؤن الثّقال، ووصل بكم آمال الرّجال، وامتحنكم بالصّبر على تجرّع المرار، وكلّفكم مفارقة المحبوب من الأموال، أن يسهّلها عليكم، ويحبّبها إليكم، حتّى يكون شغفكم بالإحسان الداعي. إليه، وصبابتكم بالمعروف الحامل عليه، وحتّى يكون حبّ التفضّل والمحبّة لاعتقاد المنن الغاية التي تستدعي المدبّر، والنهاية التي تعذر المقصّر، وحتى تكرهوا الى الخير من أخطأ حظّه، وتفتحوا باب الطّلب لمن قصّر به العجز. ثم اعلم- أصلحك الله- أنّ الذي وجد في العبرة، وجرت عليه التّجرية، واتّسق به النظم، وقام عليه وزن الحكم، واطّرد منه النّسق، وأثبته الفحص، وشهدت له العقول، أنّ من أوّل أسباب الخلطة، والدّواعي إلى المحبّة، ما يوجد الى بعض النّاس من القبول عند أوّل وهلة وقلّة انقباض

стр. 361

النّفوس مع أوّل لحظة، ثم اتّفاق الأسباب التي تقع بالموافقة عند أوّل المجالسة، وتلاقي النّفوس بالمشاكلة عند أوّل الخلطة. [٣- أصول المديح والطلب] والأدب أدبان: أدب خلق، وأدب رواية ولا تكمل أمور صاحب الأدب إلّا بهما، ولا يجتمع له أسباب التّمام إلّا من أجلهما، ولا يعدّ في الرّؤساء، ولا يثنى به الخنصر في الأدباء، حتّى يكون عقله المتأمّر عليهما، والسائس لهما. فصل منه: فإن تمّت بعد ذلك أسباب الملاقاة تمت المصافاة، وحنّ الإلف إلى سكنه. والشّأن قبل ذلك لما يسبق إلى القلب، ويخفّ على النّفس، ولذلك احترس الحازم المستعدى عليه من السّابق إلى قلب الحاكم عليه. وكذلك التمسوا الرّفق والتّوفيق، والإيجاز وحسن الاختصار، وانخفاض الصّوت، وأن يخرج الظّالم كلامه مخرج لفظ المظلوم: نعم، وحتّى يترك اللّحن بحجّته بعد، ويخلّف الدّاهية كثيرا من أدبه، ويغضّ من محاسن منطقه، التماسا لمواساة خصمه في ضعف الحيلة، والتشبّه به في قلّة الفطنة. نعم، وحتّى يكتب كتاب سعاية ومحل وإغراق وتحدّ، فيلحن في إعرابه، ويستخف في ألفاظه، ويتجنّب القصد، ويهرب من اللّفظ المعجب ليخفي مكان حذقه، ويستر موضع رفقه، حتّى لا يحترس منه الخصم، ولا يتحفّظ منه صاحب الحكم، بعد أن لا يضرّ بعين معناه، ولا يقصّر في الإفصاح عن تفسير مغزاه، وهذا هو الموضع الذي يكون العيّ فيه أبين، وذو

стр. 362

الغباوة أفطن، والرديّ أجود، والأنوك أحزم، والمضيّع أحكم. إذ كان غرضه الذي إيّاه يرمي، وغايته التي إليها يجري، الانتفاع بالمعنى المتخيّر دون المباهاة باللّفظ، وإنّما كان غايته إيصال المعنى إلى القلب دون نصيب السّمع من اللفظ المونق أو المعنى المتخيّر، بل ربّما لم يرض باللّفظ السّليم حتّى يسقمه ليقع العجز موقع القوّة، ويعرض العيّ في محلّ البلاغة. إذا كان حقّ ذلك المكان اللّفظ الدّون، والمعنى الغفل. هذا إذا كان صاحب القصّة ومؤلّف لفظ المحل والسّعاية، ممّن يتصرّف قلمه، ويعلّل لسانه، ويلتزق في مذاهبه، ويكون في سعة وحلّ لأن يحطّ نفسه إلى طبقة الذّلّ وهو عزيز، ومحلّ العيّ وهو بليغ، ويتحوّل في هيئة المظلوم وهو ظالم، ويمكنه تصوير الباطل في صورة الحقّ، وستر العيوب بزخرف القول، وإذا شاء طفا، وإذا شاء رسب، وإذا شاء أخرجه غفلا صحيحا. وما أكثر من لا يحسن إلّا الجيّد، فإن طلب الردىّ جاوزه. كما أنّه ما أكثر من لا يستطيع إلا الردىّ، فإن طلب الجيّد قصّر عنه. وليس كلّ بليغ يكون بذلك الطّباع، وميسّر الأداة وموسّعا عليه في تصريف اللّسان، وممنونا عليه في تحويل القلم. وما أكثر من البصراء من يحكي العميان، ويحوّل لسانه إلى صورة لفظ الفأفاء بما لا يبلغه الفأفاء ولا يحسنه التّمتام. وقد نجد من هو أبسط لسانا وأبلغ قلما، لا يستطيع مجاوزة ما يشركه، والخروج مما قصّر عنه. فصل منه: ولولا الحدود المحصّلة والأقسام المعدّلة، لكانت الأمور سدى، والتّدابير مهملة، ولكانت عورة الحكيم بادية، ولاختلطت السافلة بالعالية.

стр. 363

[٤- لا خير في صاحب لا يساعد صاحبه اذا خلصت المودة] وأنا أقول بعد هذا كلّه: لو لم أضمر لكم محبّة قديمة، ولم أضر بكم بشفيع من المشاكلة، ولا سبب الأديب إلى الأديب، ولم يكن عليّ قبول، ولا عليّ حلاوة عند المحصول، ولم أكن إلّا رجلا من عرض المعارف، ومن جمهور الأتباع- لكان في إحسانكم إلينا، وإنعامكم علينا، دليل على أنا قد أخلصنا المحبّة، وأصفينا لكم المودّة. وإذا عرفتم ذلك بالدليل النّيّر الذي أنتم سببه، والبرهان الواضح الذي إليكم مرجعه، لم يكن لنا عند الناس إلّا توقّع ثمرة الحبّ، ونتيجة جميل الرّأي، وانتظار ما عليه مجازاة القلوب. وبقدر الإنعام تجود النّفوس بالمودّة، وبقدر المودّة تنطلق الألسن بالمدحة. وهذه الوسيلة أكثر الوسائل وأقواها في نفسي: أنّي لم أصل بي بمحّرم غمر ولا بمبخّل غفل، ولا بضيّق العطن حديث الغنى ولا بزمر المروّة مستنبط الثّرى، بل وصلته بحمّال أثقال ومقارع أبطال، وبمن ولد في اليسر وربي فيه، وجرى منه على عرق ونزع إليه. فصل منه: ولا خير في سمين لا يحتمل هزال أخيه، وصحيح لا يجبر كسر صاحبه. فصل منه: وقد تنقسم المودّة إلى ثلاث منازل: منها: ما يكون على اهتزاز الأريحيّة وطبع الحرّيّة. ومنها: ما يكون على قدر فرط وسائل الفاقة.

стр. 364

ومنها: ما يحسن موقعه على قدر طباع الحرص وجشع النّفس. فأرفعها منازل حبّ المشغوف شكر النّعمة. وهو الذي يدوم شكره، ويبقى على الأيام ودّه. والثاني هو الذي إنّما اشتدّ حبّه على قدر موضع المال من قلب الحريص الجشع، واللّئيم الطّمع. فهذا الذي لا يشكر، وإن شكر لم يشكر إلّا ليستزيد، ولم يمدح إلّا ليستمدّ. وعلى أنّه لا يأتي الحمد إلّا زحفا، ولا يفعله إلّا تكلّفا. وأنا أسأل الله الذي قسم له أفضل الحظوظ في الإنعام، أن يقسم لنا أفضل الحظوظ في الشّكر. وما غاية قولنا هذا ومدار أمرنا إلّا على طاعة توجب الدّعاء، وحرّيّة توجب الثّناء، شاكرين كنّا أو منعمين، وراجين كنّا أو مرجويّن. ومن صرف الله حاجته إلى الكرام، وعدل به عن اللّئام فلا يعدّنّ نفسه في الرّاغبين ولا في الطّالبين المؤمّلين، لأنّ من لم يجرع مرارة المطال، ولم يمدّ للرّحيل التّسويف، ويقطع عنقه بطول الانتظار، ويحمل مكروه ذلّ السؤال، ويحمل على طمع يحثّه يأس، كان خارجا من حدود المؤمّلين. ومن استولى على طمعه الثّقة بالإنجاز، وعلى طلبته اليقين بسرعة الظّفر، وعلى ظفره الجزيل من الإفضال، وعلى إفضاله العلم بقلّة التثريب، وبالسّلامة من التّنغيص بالتماس الشكر، وبالبكور وبالرّواح وبالخضوع إذا دخل، والاستكانة إذا جلس. ثم مع ذلك لم يكن ما أنعم به عليه ثوابا لسالف يد، ولا تعويضا من كدّ، كانت النعمة محضة خالصة، ومهذّبة صافية، وهي نعمتكم التي ابتدأتمونا بها. ولا تكون النّعمة سابغة ولا الأيدي شاملة، ولا السّتر كثيفا ذيّالا، وكثير العرض مطبقا، ودون الفقر حاجزا، وعلى الغنى ملتحفا، حتّى يخرج من عندكم، ثم يحتسب إلى شاكر حرّ.

стр. 365

[٥- مزايا ابي الفرج] فصل منها: وأنتم قوم تقدّمتم بابتناء المكارم في حال المهلة، وأخذتم لأنفسكم فيها بالثّقة على مقادير ما مكّنتم الأواخيّ، ومددتم الأطناب، وثبتتم القواعد. ولذلك قال الأوّل: عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود وأبو الفرج- أعزّه الله- فتى العسكرين، وأديب المصرين. جمع أريحيّة الشباب، ونجابة الكهول، ومحبّة السّادة، وبهاء القادة وأخلاق الأدباء، ورشاقة عقول الكتّاب والتّغلغل إلى دقائق الصّواب، والحلاوة في الصّدور، والمهابة في العيون، والتقدّم في الصّناعة، والسّبق عند المحاورة، شقيق أبيه وشبه جدّه، حذو النّعل بالنّعل، والقذّة بالقذّة لم يتأخّر عنهما إلّا فيما لا يجوز أن يتقدّمهما فيه، ولم يقصّر عن شأوهما إلّا بقدر ما قصّرا عن سنخهما وهم وإن قصّروا عن مدى آبائهم، وعن غايات أوائلهم، فلم يقصّروا عن جلّة الرّؤساء، وأهل السّوابق من الكبراء، ولست ترى تاليهم إلّا سابقا، ومصلّيهم إلّا للغاية مجاوزا. ليس فيهم سكّيت ولا مبهور ولا منقطع، قد نقّحت أعراقهم من الإقراف والهجنة، ومن الشّوب ولؤم العجمة. ومتى عاينت أبا الفرج وكماله، ورأيت ديباجته وجماله، علمت أنّه لم يكن في ضرائبهم وقديم نجلهم، خارجيّ النّسب، ولا مجهول المركّب، ولا بهيم مصمت، ولا كثير الأوضاح مغرب، بل لا ترى إلّا كلّ أغرّ محجّل، وكل ضخم المحزم هيكل. إنّي لست أخبر عن الموتى ولا استشهد الغيب، ولا أستدلّ بالمختلف فيه ولا الغامض الذي تعظم المؤونة في تعرّفه، والشّاهد لقولي يلوح في

стр. 366

وجوههم، والبرهان على دعواي ظاهر في شمائلهم، والأخبار مستفيضة، والشّهود متعاونة. وأنت حين ترى عتق تلك الدّيباجة، ورونق ذلك المنظر، علمت أنّ التالد هو قياد هذا الطّارف. أمّا أنا فلم أر لأبي الفرج- أدام الله كرامته- ذامّا ولا شانئا ولا عائبا ولا هاجيا، بل لم أجد مادحا قطّ إلّا ومن سمع تسابق إلى تلك المعاني، ولا رأيت واصفا له قطّ إلّا وكلّ من حضر يهشّ له ويرتاح لقوله. قال الطّرمّاح: هل المجد إلّا السّودد العود والنّدى ... ورأب الثّأى والصّبر عند المواطن ولكن هل المجد إلّا كرم الأرومة والحسب وبعد الهمّة، وكثرة الأدب، والثّبات على العهد إذا زلّت الأقدام، وتوكيد العقد إذا انحلّت معاقد الكرام، وإلّا التّواضع عند حدوث النّعمة، واحتمال كلّ العثرة، والنّفاذ في الكتابة، والإشراف على الصّناعة. والكتاب هو القطب الذي عليه مدار علم ما في العالم وآداب الملوك، وتلخيص الألفاظ، والغوص على المعاني السّداد، والتخلّص الى إظهار ما في الضّمائر بأسهل القول، والتمييز بين الحجّة والشّبهة وبين المفرد والمشترك، وبين المقصور والمبسوط، وبين ما يحتمل التأويل ممّا لا يحتمله، وبين السّليم والمعتلّ. فبارك الله لهم فيما أعطاهم ورزقهم الشّكر على ما خوّلهم، وجعل ذلك موصولا بالسّلامة، وبما خطّ لهم من السّعادة، إنّه سميع قريب، فعّال لما يريد.

стр. 367

١٩- هامش رسالة في المودة والخلطة . (١) يتكلف الادب ويجتبيه: يتصنعه ويحصله. - الاعتلال: بيان العلة او السبب. - مياسم الشعراء: هجاؤهم اللاسع. والميسم هو المكواة في الاصل. - النوك: الحمق. (٢) مناقل الحلم: مراحله. - لاحظ جهره بالسؤال. (٣) الادب أدبان: أدب خلق وادب رواية. ورد هذا القول في رسالة المعلمين. للادب معنيان: المعنى الخلقي والمعنى الفني. - اللحن: الخطأ في حركات الالفاظ النحوية. - القصة: الخبر والقضية. - الجاحظ يردد هنا مفهوم البلاغة الذي اعتمده في اماكن عدة من كتبه: الحيوان، البيان والتبين، رسالة المعلمين الخ. (٤) المحرم الغمر: البدوي الذي لم يخالط الحضر. - ثمرة الحب: هي العطاء. - أقسام المودة: انواعها او البواعث اليها وهي ثلاثة: الاريحية او الحرية، والفاقة، الجشع. تقسيم يدل على قدرة الجاحظ على التحليل النفسي. (٥) الاواخي جمع أخية: طنب البيت. - الأول، يراد به الشاعر انس بن مدركة الخثعمي، انظر الحيوان ج ١، ص ٨١.

стр. 368

- العسكرين: يريد بهما باب البصرة الذي بناه المنصور في بغداد، والرصافة الواقعة في الجانب الشرقي منها. - المصران: الكوفة والبصرة. - الهجنة والعجمة: الهجين هو الذي يكون والده عربيا وامه اعجمية. والعجمة: الاصل الاعجمي. - خارجي النسب: لا يعني نسبته الى الخوارج بل الاصل الاعجمي الغريب الخارج عن العروبة. - أغر محجل: فيه بقع بيضاء على رأسه (أغر) وعلى قوائمه (محجل) . - المخرم، هيكل: الجواد الضخم. - الشانىء: المبغض.

стр. 369

[٢٠- رسالة استنجاز الوعد] (- ٢٠- استنجاز الوعد)

стр. 370

[١- الجاحظ يسأل ويمدح] : فصل منه: قد شاع الخبر وسار المثل بقولهم: «اطلبوا الحاجات من حسان الوجوه» . فإن كان الوجه إنّما وقع على الوجه الذي فيه النّاظر والسامع، والشّامّ والذّائق، إذا كان حسنا جميلا، وعتيقا بهيّا، فوجهك الذي لا يخيل على أحد كماله، لا يخطيء حواله. وإن كان ذكر الوجه: إنّما يقع على حسن وجه المطلب وجماله على جهة الرّغبة، وإن كان ذلك على طريق المثل، وعلى سبيل اللفظ المشتقّ من اللفظ، والفرع المأخوذ من الأصل، فوجه المطلب إليك أفضل الوجوه وأسناها، وأصونها وأرضاها. وهو المنهج الفسيح والمتجر الرّبيح، وجمياله ظاهر، ونفعه حاضر، وخيره غامر، إلّا أنّ الله تعالى قرنه مع ذلك باليمن، وسهّله باليسر، وحبّبه بالبشر الحسن، ودعا إليه بلين الخطاب، وأظهر في أسمائكم وأسماء آبائكم وفي كناكم وكنى إخوانكم، من برهان الفأل الحسن ونفى الطيرة السيّئة ما جمع لكم به صنوف الأمل، وصرف إليكم وجوه

стр. 371

المطالب، فاجتمع فيكم تمام القوام وبراعة الجمال، والبشر عند اللّقاء، ولين الخطاب والكنف للخلطاء، وقلّة البذخ بالمرتبة الرّفيعة، والزّيادة في الإنصاف عند النعمة الحادثة. فجعل النّاس وعدكم من أكرم الوعد، وعقدكم من أوثق العقد، وإطماعكم من أصحّ الإنجاز. وعلموا أنّكم تؤيسون في مواضع اليأس، وتطمعون في مواضع الضّمان، وأنّ الأمور عندكم موزونة معدّلة، والأسباب مقدّرة محصّلة. هذا مع الصّولة والتّصميم في موضع التّصميم. والتقية أحزم، والصّفح إذا كان الصفح أكرم، والرّحمة لمن استرحم، والعقاب لمن صمّم. ثم المعرفة بفرق ما بين اعتزام الغمر واعتزام المستبصر، وفصل ما بين اعتزام الشجاع والبطل، وبين إقدام الجاهل المتهوّر. وقد علم الناس بما شاهدوه منكم، وعاينوه من تدبير، وعرفوه من تصرّف حالاتكم، أنّي لم أتزيّد لكم، ولم أتكلّف فيكم ما ليس عندكم. وخير المديح ما وافق جمال الممدوح، وأصدق الصّفات ما شاكل مذهب الموصوف، وشهد له أهل العيان الظّاهر، والخبر المتظاهر. ومتى خالف هذه القضيّة وجانب الحقيقة، ضارّ المادح ولم ينفع الممدوح. هذا إلى الثّبات على العهد، وإحكام العقد، مع الوفاء العجيب، والرّأي المصيب، وتمام ذلك وكماله، وسناء ذلك وبهائه، وكثرة الشّهود لكم، وإجماع النّاس على ذلك فيكم. [٢- ذم المديح الكاذب] ومن قبل لنفسه مديحا لا يعرف [به] كان كمادح نفسه. ومن أثاب

стр. 372

الكذّابين على كذبهم كان شريكهم في إثمهم، وشقيقهم في سخفهم، بل كان المحتقب لكبره، المحتمل لوزره، إذ كان المثيب عليه والداعي إليه. معاذ الله أن نقول إلّا معروفا غير مجهول، ونصف إلّا صحيحا غير مدخول، أو نكون ممن يتودّد بالملق، ويتقحّم على أهل الأقدار شرها إلى مال، أو حرصا على تقريب. وأبعد الله الحرص وأخزى الشّره والطّمع! فإن شكّ شاكّ أو توقّف مرتاب فليعترض العامّة. وليتصفّح ما عند الخاصّة حتّى يتبيّن الصّبح. [٣- الممدوح يجمع الطارف والتليد] وقالوا في تأديب الولاة وتقديم تدبير الكفاة: «إذا أبردتم البريد فاجعلوه حسن الوجه، حسن الاسم» . فكيف إذا قارن حسن الوجه وحسن الاسم كرم الضّريبة، وشرف العرق. وأعيان الأعراق الكريمة، والأخلاق الشريفة، إذا استجمعت هذا الاستجماع، وإقترنت هذا الاقتران، كان أتمّ للنّعمة، وأبرع للفضيلة وكانت الوسيلة إليها أسهل، والمأخذ نحوها أقرب، والأسباب أمتن. فإذا انتظمت في هذا السّلك، وجمعها هذا النّظم، كان الذي يبرد البريد أولى بها من البريد، وكان مقوّم البلاد أحقّ بها من حاشيته الكفاة، إذ التأميل لا يجمع أوجه الصّواب، ولا يحصي مخارج الأسباب، ولا يظهر برهانه ويقوى سلطانه، حتّى يصيب المعدن. ولن يكون موضع الرّغبة معدنا إلّا بعد اشتماله على ترادف خصال الشّرف وبعد أن يتوافى إليه معاني الكرم بالأعراق الكريمة، والعادات الحسنة، على حادث يشهد لمتقادم، وطارف يدلّ على تالد.

стр. 373

فإذا كان الأمل يخبر بالحسب فالحسب ثاقب، والمجد راسخ. وإن كان الشّأن في صناعة الكلام وفي القدم والرّياسة، وفي خلف يأثره عن سلف، وآخر يلقاه عن أوّل، فلكم ما لا يذهب عنه جاحد، ولا يستطيع جحده معاند. فصل منه: وأسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل، ووجوهكم وفق أسمائكم، وأخلاقكم وفق أعراقكم، لم يضرب التفاوت فيكم بنصيب. وبعد هذا فإنّي أستغفر الله من تفريطي في حقوقكم، وأستوهبه طول رقدتي عما فرضته لكم. ولا ضير إن كان هذا الذي قلنا على إخلاص وصحّة عهد، وعلى صدق سيرة وثبات عقد. ينبو السّيف وهو حسام، ويكبو الطّرف وهو جواد، وينسى الذّكور، ويغفل الفطن. ونعوذ بالله تعالى من العمى بعد البصيرة، والحيرة بعد لزوم الجادّة. [٤- والد الممدوح يشبهه] كان أبو الفضل- أعزّه الله- على ما قد بلغك من التبرّع بالوعد وسرعة الإنجاز وتمام الضّمان وعلى الله تمام النّعمة والعافية. وكان- أيدّه الله- في حاجتي، كما وصف زيد الخيل نفسه حين يقول: وموعدتي حقّ كأن قد فعلتها ... متى ما أعد شيئا فإني لغارم وتقول العرب: «من أشبه أباه فما ظلم» ، تقول: لم يضع الشّبه إلّا في موضعه، لأنّه لا شاهد أصدق على غيب نسبه وخفيّ نجله من الشّبه

стр. 374

القائم فيه، الظّاهر عليه. وقد تقيّلت- أبقاك الله- شيخك: خلقه وخلقه، وفعله وعزمه، وعزّ الشّهامة، والنّفس التّامّة. ومرجع الأفعال إلى الطبائع، ومدار الطبائع على جودة اليقين وقوّة المنّة، وبهما تتمّ العزيمة، وتنفذ البصيرة. هذا مع ما قسم الله لك من المحبّة ومنحك من المقة، وسلّمك عنه من المذمّة. والله لو لم يكن فيكم من خصال الحريّة وخلال النّفوس الأبيّة إلّا أنّكم لا تدينون بالنّفاق، ولا تعدون الكذب ولا تستعملون المواربة في موضع الاستقامة، وحيث تجب الثّقة. ولا يكون حظّ الأحرار بالمواعيد صرفا ولا تتّكلون على ملالة الطالب، ولا عجز الرّاغب، إذا استنفدت أيّامه، وعجزت نفقته، وماتت أسبابه، بل تعجّلون لهم الرّاحة عند تعذّر الأمور إليكم بالإياس، وتحقّقون أطماعهم عند إمكان الأمور لكم بالإنجاح. [٥- الممدوح لا يستحق الشكر الا اذا انعم وانجز ما وعد] فصل منه: وإنّك والله- أيّها الكريم المأمول، والمستعطب المسؤول- لا تزرع المحبّة إلّا وتحصد الشّكر، ولا تكثر المودّات إلّا إذا أكثر النّاس الأموال، ولا يشبع لك طيب الأحدوثة وجمال الحال في العشيرة، إلّا لتجرّع مرار المكروه. ولن تنهض بأعباء المكارم التي توجبها النّعمة وتفرضها المرتبة حتّى تستشعر التفكّر في التّخلّص إلى إغنائهم، والقيام بحسن ظنّهم، وحتّى ترحمهم من طول الانتظار، وترقّ عليهم من موت الأمل وإحياء القنوط،

стр. 375

وحتى تتغلغل ذلك بالحيل اللّطيفة، والعناية الشّديدة الشريفة، وحتى تتوخّى السّاعات وتنتهز الفرص في الحالات، وتتخيّر من الألفاظ أرقّها مسلكا وأحسنها قبولا، وأجودها وقوعا.

стр. 376

٢٠- هامش استنجاز الوعد . (١) حواله: طالبه. - «واظهر في اسمائكم واسماء آبائكم وفي كناكم وكنى اخوانكم من برهان الفأل الحسن ونفي الطيرة السيئة ما جمع لكم فيه صنوف الأمل» . يشير الجاحظ الى اسماء عائلة الممدوح التي تدل على اليمن: نجاح، سلمة، ابو الفرج، ابو الفضل (لقب والده) الخ.. وهذا ما اوضحه بعد قليل بقوله: «واسماؤكم وكناكم بين فرج ونجح، وبين سلامة وفضل.. الخ» . (٢) المحتقب لكبره: الجامع والحامل ومنها الحقيبة. (٣) الطارف والتليد: الحديث والقديم. (٤) «من اشبه اباه فما ظلم، مثل يضرب في شدة الشبه بين الأب والابن. راجع مجمع الامثال للميداني. - الحرية: ضد العبودية- كرم الأصل. - خلال: جمع خلة: الصفة. (٥) الاحدوثة: السيرة. - التخلص الى اغنائهم: سد حاجتهم.

стр. 377

[٢١- رسالة التربيع والتدوير] (- ٢١- كتاب التربيع والتدوير)

стр. 378

قال ابو عثمان: [١- التعريف باحمد بن عبد الوهاب وذكر موضوع الرسالة] كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدّعي أنه مفرط الطول. وكان مربعا وتحسبه لسعة جفرته واستفاضة خاصرته مدورا. وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي السباطة والرشاقة، وأنه عتيق الوجه أخمص البطن معتدل القامة تام العظم. وكان طويل الظهر قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدّعي أنه طويل الباد رفيع العماد عادي القامة عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم. وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد. وكان أدعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها، وتكلفه للإنابة عنها على قدر غباوته فيها. وكان كثير الاعتراض، لهجا بالمراء، شديد الخلاف، كلفا بالمجاذبة، متتايعا في العنود، مؤثرا للمغالبة، مع إضلال الحجة والجهل بموضع الشبهة، والخطرفة عند قصر الزاد، والعجز عند التوقف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء [ومحنة] فساد القلوب ونكد الخلاف، وما في الخوف من

стр. 379

اللغو الداعي إلى السهو، وما في المعاندة من الاثم الداعي إلى النار، وما في المجاذبة من النكد، وما في المغالبة من فقدان الصواب. وكان قليل السماع غمرا وصحفيا غفلا لا ينطق عن فكر ويثق بأول خاطر ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق. يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الإنتحال لاسم الأدب. فلما طال اصطبارنا حتى بلغ المجهود منا، وكدنا نعتاد مذهبه ونألف سبيله، رأيت أن أكشف قناعه، وأبدي صفحته للحاضر والبادي وسكان كل ثغر وكل مصر، بأن أسأله عن مائة مسألة أهزأ فيها وأعرف الناس مقدار جهله، وليسأله عنها كل من كان في مكة ليكفوا عنا من غربه، وليردوه بذلك إلى ما هو أولى به. كأنه لم يسمع بقول النبي ﷺ في السائب بن صيفي: «هذا شريكي الذي لا يشاري ولا يماري» . ولا بقول عثمان: إذا كان لك صديق فلا تماره ولا تشاره، ولا بقول ابن أبي ليلى: لا أماري أخي إما أن أكذبه وإما أن أغضبه. ولا بقول ابن عمر: لا يصيب الرجل حقيقة الايمان حتى يترك المراء وهو محق. وكأنه لم يسمع بقول الشاعر: خلافا علينا من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا ولم يسمع بقول الأول: رآه معدّا للخلاف. ألبيت. ولا بقول الآخر: لنا حاجب مولع بالخلاف ... كثير المراء قليل الصّواب ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب وقالوا: فلان أخلف من بول الجمل. ولذلك قال الشاعر: واخلف من بول البعير فإنّه ... إذا قيل للاقبال أقبل أدبرا

стр. 380

قال رجل لزهير البابي: أين نبت المراء؟ قال: عند أصحاب الأهواء. وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل. وكان عمر بن هبيرة يقول: أللهم إني أعوذ بك من المراء وقلة خيره، ومن اللجاج وتندم أهله. وقال بعض المذكورين: أللهم إنا نعوذ بك من المراء وقلة خيره وسوء أثره على أهله، فانه يهلك المروءة ويذهب المحبة ويفسد الصداقة ويورث القسوة ويضرّي على القحة، حتى يصير الموجز خطلا والحليم نزقا والمتوقي خبوطا، والصدوق كذوبا. والمراء من أسباب النضب، وأقرب ما يكون الرجل من غضب الله إذا غضب كما أنه أقرب ما يكون من رحمة الله إذا سجد. لقول الله : وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ. وقال لقمان لابنه: إياك والمراء فإنه لا تعقل حكمته ولا تؤمن لهجته. وقال آخر: ألمراء غضبة والصمت حكمة، ولو كان المراء فحلا والفخر أما ما ألقحا إلا الشر. وقال الشعبي: إني لاستحيي من الحق أن أعرفه ثم لا أرجع إليه. وقال ابن عيينة قال الحسن: ما رأيت فقيها قط يداري ولا يماري، إنما ينشر حكمته فان قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله. عن ابراهيم بن إسماعيل بن عائذ بن المبارك بن سعيد قال: قال مجاهد: صحبت رجلا من قريش ونحن نريد الحج فقلت له يوما: هلم نتفاتح الرأي؟ فقال: دع الود كما هو. فعلمت والله أن القرشي قد غلبني. وقال إسحاق الموصلي: كثرة الخلاف حرب، وكثرة المتابعة غش. [٢- وصف ساخر لجسم أحمد بن عبد الوهاب المربع المدور] بسم الله الرحمن الرحيم: أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك. قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين، وجودة القد، وعلى طيب

стр. 381

الأحدوثة، والصنيعة المشكورة، وأن هذه الأمور هي خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج، وإنما يحسد أبقاك الله المرء شقيقه في النسب، وشفيعه في الصناعة، ونظيره في الجوار، على طارف قدره أو تالد حظه، أو على كرم في أصل تركيبه ومجاري أعراقه وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك مقصورة عليك، وأنها لا تليق إلا بك ولا تحسن إلا فيك، وأن لك الكل وللناس البعض، وأن لك الصافي ولهم المشوب. هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه. فما هذا الغيظ الذي أنضجك، وما هذا الحسد الذي أكمدك، وما هذا الإطراق الذي قد اعتراك، وما هذا الهم الذي قد أضناك؟ وهل رأيت أخسر صفقة ولا أوهن قوة ممن يجري العتاق مع الكوادن، والروائع مع الحواسر، وممن حاكم من يسالمه، وجاذب من يقلده؟ وهل رأيت مكينا يقلق ومصنوعا له يسخط، وهل زدت على أن أطمعت في نفسك ومكنت للشبهة في أمرك، وأنشأت للخامل ذكرا وللوضيع قدرا؟ إنك لا تعرف الأمور ما لم تعرف أشباهها، ولا عواقبها ما لم تعرف أقدارها ولن يعرف الحق من يجهل الباطل، ولا يعرف الخطأ من يجهل الصواب، ولا يعرف الموارد من يجهل المصادر! فانظر لم تسالمت النفوس مع تفاوت منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ولم اختلف الكثير واتفق القليل، ولم كانت الكثرة علة للتخاذل والقلة سببا للتناصر. وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد وبين المنافسة والتغالب؟ فإنك متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك، وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل وكيف يعرف الحدود من لم يسمع الفصول، وكيف يعرف الحجة من الشبهة والعذر من الحيلة والواجب من الممكن والغفل من الموسوم والمعقول من الموهوم، والمحال من الصحيح والأسرار المجهولة من ذوات الدلائل الخفية، وما يعلم ما لا يعلم وما يعلم باللفظ دون الإشارة مما لا يعلم إلا بالاشارة دون اللفظ، وما يعلم معتقدا مما لا يعلم مكينا وما

стр. 382

يعلم مكينا مما لا يعلم معتقدا، وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت وساقط معها حيث سقطت مع الزراية عليها والرغبة عنها، قد ظلمها بفضل ظلمه لنفسه وجرى معها بقدر مناسبتها القدرة. فاعرف الجنس من الصنف والقسم من النصف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ما بين الحمد والشكر وحد الاختيار من الإمكان والاضطرار من الايجاب. وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابا أنت إليه أحوج وهو علينا أردّ. إعلم أن الحسد اسم لما فضل عن المنافسة، كما أن الجبن اسم لما فضل عن التوقي والبخل اسم لما قصر عن الإقتصاد، والسّرف ما جاوز الجود. وأنت جعلت فداك لا تعرف هذا ولو أدخلتك الكير ونفخت عليك إلى يوم ينفخ في الصور. وهل في الأرض إقرار أثبت أو دليل أوضح أو شاهد أصدق من شاهدي على ما ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الضعة؟ وهل تكون بعد ذلك إلا فاسد الحس ظاهر العنود أو جاهلا بالمحال..!؟ وبعد فأنت أبقاك الله في يدك قياس لا ينكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد لا يفل، وغرب لا ينثني. وهو قياسك الذي إليه تنسب ومذهبك الذي إليه تذهب، أن تقول: وما عليّ أن يراني الناس عريضا وأكون في حكمهم غليظا وأنا عند الله طويل جميل وفي الحقيقة مقدود رشيق! فقد علموا حفظك الله أن لك مع طول الباد راكبا طول الظهر جالسا، ولكن بينهم فيك اذا قمت اختلاف، وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل. ومن غريب ما أعطيت وبديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودا واسع الجفرة غيرك، ولا رشيقا مستفي الخاصرة سواك! فأنت المديد، وأنت البسيط، وأنت الطويل، وأنت المتقارب. فيا شعرا جمع الأعاريض ويا شخصا جمع الاستدارة والطول! بل ما يهمك

стр. 383

من أقاويلهم ويتعاظمك من اختلافهم والراسخون في العلم والناطقون بالفهم يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا. ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإذ قد سلّموا لك بالرغم شطرا ومنعوك بالظلم شطرا فقد حصلت ما سلّموا وأنت على دعواك فيما لم يسلّموا. ولعمري إن العيون لتخطيء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة الا للعقل إذ كان زماما على الأعضاء وعيارا على الحواس. ومما يثبت أيضا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي دواد الإيادي في إبله: سمنت واستحشّ أكرعها ... لا النّيّ نيّ ولا السّنام سنام وقول رافع بن هريم: أدقّ شواها عند بهرة جوفها ... سنام كقصر الهاجريّ مقرمد ولو لم يكن من العجب إلا أنك أول من تعبده الله تعالى بالصبر على خطأ الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد كنت في طولك آية للسابلين، وفي عرضك منارا للضالين: وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل محمد ومن القصير مثل أحمد إذ زعم محمد أنه إنما أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضافة لأن إفراط طوله غمر الإعتدال من عرضه. وزعم أحمد أنه إنما أفرط في العرض ونسب إلى الغلظ لأن افراط عرضه غمر الإعتدال من طوله. وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار ويفتقر إلى الاعتلال. والمربوع بحمد الله قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة كما اعتدلت في المنظر! فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار وبحكم الظاهر عن الاعتلال. وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري

стр. 384

على القصار، ولم نسمع أحدا ذم المربوع ولا أزرى عليه ولا وقف عنده ولا شك فيه، ومن يذمه إلا من ذم الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل! بل من يزري على أحد بتفاقم التركيب وبسوء التنضيد مع قول الله جل ثناؤه «ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت» . وبعد، فأي قدّ أردى وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر وطول مجاوز للقصد؟ ومتى لم يضرب العرض بسهمه على قدر حقه ويأخذ الطول من نصيبه على مثل وزنه خرج الجسد من التقدير وجاوز التعديل. وإذا خرج من التقدير تفاسد، وإذا جاوز التعديل تباين! ولئن جاز هذا الوصف وحسن هذا النعت كان لقاسم التّمّار من الفضيلة ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب. وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة واحتججت لعرضك في الحكومة. على أنك باعتلالك لما ينفيه العيان واستشهادك لما تنكره الأذهان متعرض للصدق من المتكرم ومتحكك بالحكم من المتغافل! وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا القول! وإذا كان هذا ناقضا لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف! فأنشدك الله أن تغري بك السفهاء أو تنقض عزائم الحلماء! وما أدري حفظك الله في أي الأمرين أنت أعظم إثما، وفي أيهما أنت أفحش ظلما، أبتعرضك للعوام، أم بافسادك حكم الخواص. وبعد، فما يحوجك إلى هذا وما يدعوك إليه، وأشباهك من القصار كثير، ومن ينصرك منهم غير قليل. وقد رأيتك زمانا تحتج بالنعمان بن المنذر، وبضمرة بن ضمرة، وبمجّاعة بن مرارة وبمجّاعة بن سعر، وبأوفى بن زرارة، وبعبد الله بن الجارود، وبعلباء بن الهيثم، وبسعيد بن قيس، وبأبي اليسر كعب بن عمرو، وبحسكة بن عتّاب، وبمخارق بن غفار، وبعمران بن

стр. 385

حطّان، وبيوسف بن عمر، وباياس بن معاوية، وبمعن بن زائدة، وبعقبة بن سلم، وبرجال ناهيك بهم رجالا وبأعلام كفاك بهم أعلاما. ورأيتك تقول: إن كان الفضل في النكاية وفي الشدة والصلابة فقصار كل شيء أشد ضررا وأدق مدخلا وأظهر قوة وجلدا، كالحجارة أصلبها الحصى، وكالحيات أقتلها الأفعى، وكالبعوض أضرها القرقس وكالعقارب أقتلها الجرارات وكذلك أحرار الطير وبغاثها وصغار البراغيث وكبارها. وقلت: إن كان الفضل في العدد فمنا يأجوج ومأجوج، ومنا الذر والفراش، ومنا الدعاميص والبعوض، ومنا الرمل والتراب وقطر السحاب. واحتججت بأن الحسن والفضل لصغار ما في الأنسان كالناظرين والانثيين وحبة القلب وأم الدماغ. وزعمت أن الإنسان إذا طال جسمه وامتد شخصه أسرع الإنهدام إلى بدنه والإنحناء إلى ظهره، وأن القصير لا يتقوس ظهره ولا يميل عنقه ولا يضطرب شخصه ولا تعوج عظامه، ويسعه كل باب ويقطعه كل ثوب ولا تخرج رجلاه من النعش ولا تفضلا عن الفراش، وهو بعد أخف على القلوب وأخلط بالنفوس وأبعد من السماجة وأدخل في كل باب ملاحة. وقلت: وتقول الناس: ما هو إلا فلفلة، وما هو إلا زنبقة، وما هو إلا شرارة، وما لسانه إلا لسان ضبة. ولم أزل أراك تقدم العرض على الطول وتزعم أن الأرض لم توصف بالعرض دون الطول إلا لفضيلة العرض على الطول. وذلك كقول الشعراء ووصف العلماء، وقال الشاعر: كأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفّة حابل ولم يقل: كأن بلاد الله وهي طويلة. وقال آخر: وفي الأرض للمرء العريضة مذهب

стр. 386

ولم يقل: الطويلة. وقال: ولا تحسداني بارك الله فيكما ... على الأرض ذات العرض أن توسعا وقال الراجز: تقطع أرضا وتلاقي أرضا ... إنّ البلاد غلبتني عرضا ولم يقل: طولا. وقلت: لولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله الجنة بالعرض دون الطول حيث يقول جل ثناؤه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . فهذه براهينك الواضحة ودلائلك الظاهرة، ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى أن ما عند الله خير لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف ويحكم لك بالتوفيق. وأنا أبقاك الله أتعشق إنصافك كما أتعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين، ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن تعقدك سماح رجال منصفين، وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة ومقابلة الإختيار بالاضطرار واليقين بالشك واليقظة بالحلم، إلا للذي خصصت به من إيثار الحق وألهمته من فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار، وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا، إلا أن ذلك بطرف ساكن وصوت خافض وقلب جامع وجأش رابط وبنية حسنة وإرادة تامة مع غفلة كريم وفطنة عليم! إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق ترفقت، غير منخوب ولا متشعب ولا مدخول ولا مشترك ولا ناقص النفس ولا واهن العزم ولا حسود ولا منافس ولا مغالب ولا معاقب، تفل الحز وتصيب المفصل وتقرب البعيد وتظهر الخفي وتميز الملتبس وتخلص المشكل، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي

стр. 387

اللفظ حقه من المعنى، وتحب المعنى إذا كان حيا يلوح وظاهرا يصيح، وتبغضه إذا كان مستهلكا بالتعقيد ومستورا بالتغريب. وتزعم أن شر الألفاظ ما أغرق المعاني وأخفاها وأسرها وعمّاها وإن راقت سمع الغمر واستمالت قلب الريض. واعجب الألفاظ عندك مارق وعذب وخف وسهل وكان موقوفا على معناه ومقصورا عليه دون ما سواه، لا فاضل ولا مقصر ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال البلاغة واستوفى خلال المعرفة. فإذا كان الكلام على هذه الصفة وألف على هذه الشريطة لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤونة واستغني عن الفكرة وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقا وبالمجاذبة موادعة، وتهنؤوا بالعلم وتشفوا ببرد اليقين واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند وتميز الناقص من الوافر وذل المخطل وعز المحصل وبدت عورة المبطل وظهرت براءة المحق. وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، وكأنه خوط بان، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمانية، وكأنه سيف هندواني، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان. فقد قالوا. وكأنه المشتري، وكأن وجهه دينار هرقلي، وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث وكأنه الشمس، وكأنها دارة قمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة. فقد تراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا به القضيف والطويل: وقلت: وجدنا الأفلاك وما فيها والأرض وما عليها على التدوير دون التطويل، وكذلك الورق والتمر والحب والثمر والشجر. وقلت: والرمح وإن طال فان التدوير عليه أغلب، لأن التدوير قائم فيه موصولا ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصولا. وكذلك الانسان وجميع

стр. 388

الحيوان. وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفيما أكره على تركيبه دون ما (خلي وسوم طبيعته، وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور. فقد بان المدور بفضله وشارك المطول في حصته. ومن العجب أنك تزعم انك طويل في الحقيقة ثم تحتج للإستدارة والعرض، فقد أضربت عما عند الله صفحا، ولهجت بما عند الناس. فأما حور العين فقد انفردت بحسنه وذهبت ببهجته وملحه، إلى ما أبانك الله به من الشكلة فانها لا تكون في اللئام ولا تفارق الكرام. وقال الشاعر: ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطّير شكل عيونها وقال آخر: وشكلة سين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان النّجم مرأى ومسمعا فأما سواد الناظر وحسن المحاجر وهدب الأشفار ورقة حواشي الأجفان، فعلى أصل عنصرك ومجاري أعراقك. وأما إدراكك الشخص البعيد وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل الطبع وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبر وتقادم الميلاد، ومع تخون الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتياء الهند وترك الجماع، ومن الحمية الشديدة وطول استقبال الخضرة. فأنت يا عم حين تصلح ما أفسد الدهر وتسترجع ما أخذت منك الأيام، لكما قال الشاعر: عجوز ترجّى أن تكون فتيّة ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظّهر تدسّ إلى العطّار ميرة أهلها ... وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر [٣- مراء احمد بن عبد الوهاب] وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد سقيته قبل المجاج، وكيف

стр. 389

أرجو إقرارك جهرا وقد أبيته سرا، وكيف تجود به صحيحا مطمعا وقد بخلت به مريضا مؤيسا، وكيف يرجو خيرك من يراك تطاول أبا جعفر وتخاشنه وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكا من طمعه فيك وتعجب الناس من مجاراته لك، وأشهد لك بعد هذا أنك ستخاشن عمرو بن بحر وتعاقله ثم تظارفه وتطاوله، وتغني مع مخارق وتنكر فضل زرزور، وتستجهل النظّام وتستبرد الأصمعي، وتستغبي قيس بن زهير، وتستخف الأحنف ابن قيس، وتبارز أبا الحسن علي بن أبي طالب ﵁. ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى! هذا وليس لك مساعد ولا معك شاهد واحد ولا رأيت أحدا يقف في الحكم عليك أو ينتظر تحقيق دعواك، ولا رأيت مبصّرا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبا يخليك من الوعيد، ولا متوعدا يخليك من الإيقاع، ولا موقعا يرثي لك، ولا شافعا يشفع فيك. [٤- الهزء من كبر سن احمد بن عبد الوهاب] يا عم لم تحملنا على الصدق، ولم تجر عنا مرارة الحق، ولم تعرضنا لأداء الواجب، ولم تستكثر من الشهود عليك، ولم تحمل الاخوان على خلاف محبتهم لك؟ إجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما تضطر الناس إلى أن يصدقوا فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك. ولا بد يرحمك الله لمن فاته الطول من أن يلقي بيده أو من أن يقول بخلاف ما يجد في نفسه. فو الله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف من حسن القامة، وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ، وإنك لقليل الشيب قليل البول، وإنك لتجد مقالا، وإنك لتعد خصالا. فقل معروفا فإنا من أعوانك، وأقتصد فإنا من أنصارك، وهات فانك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت. ولكنك تجيء بشيء: تَكادُ

стр. 390

السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ولو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك، ولربما عذرتك ولان جانبي لك فأقول: خرف الشيخ إذا كان جادا، وعبث إن كان هازلا. وقد يعجل الخرف إلى أحدث منك سنا ويبطيء عن أطول منك عمرا. بل من هذا الذي يعد من السنين ما تعد وبلغ من الكبر ما بلغت؟ وعند من يدرك هذا العلم إلا عند النجوم أو عند إبليس الرجيم، بل من يعرف ذلك إلا فاطر السموات والأرض. لو عرفت عقبان خطفة ونسور السراة وأحناش الرمل وعير العانة وورشان الغابة وشيوخ اليمامة وهرمي فرغانة، إنك لا تعد عمر نوح عمرا ولا النجوم يوما، وإنك قد فت التاريخات وجزت حساب الباورات واستقللت الأحقاب وخرجت من خطوط الهند لما استطالت بأعمارها ولا فرحت بطول أيامها! فيا قعيد الفلك كيف أمسيت، ويا قوة الهيولى كيف أصبحت، ويا نسر لقمان كيف ظهرت، ويا أقدم من دوس ويا أسن من لبد ويا صفي المشقر ويا صاحب المسند. [٥- اسئلة على الطوفان] حدثني كيف رأيت الطوفان، ومتى كان سيل العرم، ومذ كم مات عوج، ومتى تبلبلت الألسن، وما حبس غراب نوح، وكم لبثتم في السفينة، ومذ كم كان زمان الخنان ويوم السلان ويوم خزاز ووقعة البيداء. هيهات! أين عاد وثمود، وأين طسم وجديس، وأين أميم ووبار، وأين جرهم وجاسم، أيام كانت الحجارة رطبة وإذ كل شيء ينطق، ومذ كم ظهرت الجبال ونضب الماء عن اللحف، وأي هذه الأودية أقدم، أنهر بلخ أم النيل أم الفرات أم دجلة أم جيحان أم سيحان أم مكران، وأين تراب هذه الأودية، وأين طين ما بين سفوح الجبال إلى أعاليها، في أي بحر كبست وفي أي هبطة شحنت، وكم نشأ لذلك من أرض وحدث من عين؟
следующие страницы →