← Адаб

Адаб · id 10670

الرسائل الأدبية

الجاحظ

Полный текст (465 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولم يقل: الطويلة. وقال: ولا تحسداني بارك الله فيكما ... على الأرض ذات العرض أن توسعا وقال الراجز: تقطع أرضا وتلاقي أرضا ... إنّ البلاد غلبتني عرضا ولم يقل: طولا. وقلت: لولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله الجنة بالعرض دون الطول حيث يقول جل ثناؤه: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ . فهذه براهينك الواضحة ودلائلك الظاهرة، ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى أن ما عند الله خير لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف ويحكم لك بالتوفيق. وأنا أبقاك الله أتعشق إنصافك كما أتعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك للحق كما أتعلم التفقه في الدين، ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن تعقدك سماح رجال منصفين، وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة ومقابلة الإختيار بالاضطرار واليقين بالشك واليقظة بالحلم، إلا للذي خصصت به من إيثار الحق وألهمته من فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار، وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا، إلا أن ذلك بطرف ساكن وصوت خافض وقلب جامع وجأش رابط وبنية حسنة وإرادة تامة مع غفلة كريم وفطنة عليم! إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق ترفقت، غير منخوب ولا متشعب ولا مدخول ولا مشترك ولا ناقص النفس ولا واهن العزم ولا حسود ولا منافس ولا مغالب ولا معاقب، تفل الحز وتصيب المفصل وتقرب البعيد وتظهر الخفي وتميز الملتبس وتخلص المشكل، وتعطي المعنى حقه من اللفظ كما تعطي

стр. 387

اللفظ حقه من المعنى، وتحب المعنى إذا كان حيا يلوح وظاهرا يصيح، وتبغضه إذا كان مستهلكا بالتعقيد ومستورا بالتغريب. وتزعم أن شر الألفاظ ما أغرق المعاني وأخفاها وأسرها وعمّاها وإن راقت سمع الغمر واستمالت قلب الريض. واعجب الألفاظ عندك مارق وعذب وخف وسهل وكان موقوفا على معناه ومقصورا عليه دون ما سواه، لا فاضل ولا مقصر ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال البلاغة واستوفى خلال المعرفة. فإذا كان الكلام على هذه الصفة وألف على هذه الشريطة لم يكن اللفظ أسرع إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل والمتعلم كالمعلم، وخفت المؤونة واستغني عن الفكرة وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا بالخلاف وفاقا وبالمجاذبة موادعة، وتهنؤوا بالعلم وتشفوا ببرد اليقين واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند وتميز الناقص من الوافر وذل المخطل وعز المحصل وبدت عورة المبطل وظهرت براءة المحق. وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، وكأنه خوط بان، وكأنه قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمانية، وكأنه سيف هندواني، وكأنها جان، وكأنها جدل عنان. فقد قالوا. وكأنه المشتري، وكأن وجهه دينار هرقلي، وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث وكأنه الشمس، وكأنها دارة قمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة. فقد تراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا به القضيف والطويل: وقلت: وجدنا الأفلاك وما فيها والأرض وما عليها على التدوير دون التطويل، وكذلك الورق والتمر والحب والثمر والشجر. وقلت: والرمح وإن طال فان التدوير عليه أغلب، لأن التدوير قائم فيه موصولا ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصولا. وكذلك الانسان وجميع

стр. 388

الحيوان. وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفيما أكره على تركيبه دون ما (خلي وسوم طبيعته، وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور. فقد بان المدور بفضله وشارك المطول في حصته. ومن العجب أنك تزعم انك طويل في الحقيقة ثم تحتج للإستدارة والعرض، فقد أضربت عما عند الله صفحا، ولهجت بما عند الناس. فأما حور العين فقد انفردت بحسنه وذهبت ببهجته وملحه، إلى ما أبانك الله به من الشكلة فانها لا تكون في اللئام ولا تفارق الكرام. وقال الشاعر: ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطّير شكل عيونها وقال آخر: وشكلة سين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان النّجم مرأى ومسمعا فأما سواد الناظر وحسن المحاجر وهدب الأشفار ورقة حواشي الأجفان، فعلى أصل عنصرك ومجاري أعراقك. وأما إدراكك الشخص البعيد وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل الطبع وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبر وتقادم الميلاد، ومع تخون الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتياء الهند وترك الجماع، ومن الحمية الشديدة وطول استقبال الخضرة. فأنت يا عم حين تصلح ما أفسد الدهر وتسترجع ما أخذت منك الأيام، لكما قال الشاعر: عجوز ترجّى أن تكون فتيّة ... وقد لحب الجنبان واحدودب الظّهر تدسّ إلى العطّار ميرة أهلها ... وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر [٣- مراء احمد بن عبد الوهاب] وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد سقيته قبل المجاج، وكيف

стр. 389

أرجو إقرارك جهرا وقد أبيته سرا، وكيف تجود به صحيحا مطمعا وقد بخلت به مريضا مؤيسا، وكيف يرجو خيرك من يراك تطاول أبا جعفر وتخاشنه وتنافره وتراهنه، ثم لا تفعل ذلك إلا في المحافل العظام وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكا من طمعه فيك وتعجب الناس من مجاراته لك، وأشهد لك بعد هذا أنك ستخاشن عمرو بن بحر وتعاقله ثم تظارفه وتطاوله، وتغني مع مخارق وتنكر فضل زرزور، وتستجهل النظّام وتستبرد الأصمعي، وتستغبي قيس بن زهير، وتستخف الأحنف ابن قيس، وتبارز أبا الحسن علي بن أبي طالب ﵁. ثم تخرج من حد الغلبة إلى حد المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى! هذا وليس لك مساعد ولا معك شاهد واحد ولا رأيت أحدا يقف في الحكم عليك أو ينتظر تحقيق دعواك، ولا رأيت مبصّرا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبا يخليك من الوعيد، ولا متوعدا يخليك من الإيقاع، ولا موقعا يرثي لك، ولا شافعا يشفع فيك. [٤- الهزء من كبر سن احمد بن عبد الوهاب] يا عم لم تحملنا على الصدق، ولم تجر عنا مرارة الحق، ولم تعرضنا لأداء الواجب، ولم تستكثر من الشهود عليك، ولم تحمل الاخوان على خلاف محبتهم لك؟ إجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما تضطر الناس إلى أن يصدقوا فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك. ولا بد يرحمك الله لمن فاته الطول من أن يلقي بيده أو من أن يقول بخلاف ما يجد في نفسه. فو الله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف من حسن القامة، وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ، وإنك لقليل الشيب قليل البول، وإنك لتجد مقالا، وإنك لتعد خصالا. فقل معروفا فإنا من أعوانك، وأقتصد فإنا من أنصارك، وهات فانك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت. ولكنك تجيء بشيء: تَكادُ

стр. 390

السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا ولو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك، ولربما عذرتك ولان جانبي لك فأقول: خرف الشيخ إذا كان جادا، وعبث إن كان هازلا. وقد يعجل الخرف إلى أحدث منك سنا ويبطيء عن أطول منك عمرا. بل من هذا الذي يعد من السنين ما تعد وبلغ من الكبر ما بلغت؟ وعند من يدرك هذا العلم إلا عند النجوم أو عند إبليس الرجيم، بل من يعرف ذلك إلا فاطر السموات والأرض. لو عرفت عقبان خطفة ونسور السراة وأحناش الرمل وعير العانة وورشان الغابة وشيوخ اليمامة وهرمي فرغانة، إنك لا تعد عمر نوح عمرا ولا النجوم يوما، وإنك قد فت التاريخات وجزت حساب الباورات واستقللت الأحقاب وخرجت من خطوط الهند لما استطالت بأعمارها ولا فرحت بطول أيامها! فيا قعيد الفلك كيف أمسيت، ويا قوة الهيولى كيف أصبحت، ويا نسر لقمان كيف ظهرت، ويا أقدم من دوس ويا أسن من لبد ويا صفي المشقر ويا صاحب المسند. [٥- اسئلة على الطوفان] حدثني كيف رأيت الطوفان، ومتى كان سيل العرم، ومذ كم مات عوج، ومتى تبلبلت الألسن، وما حبس غراب نوح، وكم لبثتم في السفينة، ومذ كم كان زمان الخنان ويوم السلان ويوم خزاز ووقعة البيداء. هيهات! أين عاد وثمود، وأين طسم وجديس، وأين أميم ووبار، وأين جرهم وجاسم، أيام كانت الحجارة رطبة وإذ كل شيء ينطق، ومذ كم ظهرت الجبال ونضب الماء عن اللحف، وأي هذه الأودية أقدم، أنهر بلخ أم النيل أم الفرات أم دجلة أم جيحان أم سيحان أم مكران، وأين تراب هذه الأودية، وأين طين ما بين سفوح الجبال إلى أعاليها، في أي بحر كبست وفي أي هبطة شحنت، وكم نشأ لذلك من أرض وحدث من عين؟

стр. 391

[٦- اسئلة تاريخية] جعلت فداك، من أبو جرهم، ومن رهط الدجال، وهل تعرف له شبيها؟ أين طويس، وما قصة ابن صائد، ومن سوشى المنتظر. وخبرني عن هرمس أهو إدريس؟ وعن أرميا أهو الخضر؟ وعن يحيى بن زكريا أهو إيليا؟ وعن ذي القرنين أهو الإسكندر؟ ومن أبوه ومن أمه، ومن قيرى وعيرى، ومن جلندى، ومن أولاد الناس من السعالي، وما الحوش من الابل، وخبرني عن قحطان، ألعابر هو أم لإسماعيل. وعن قضاعة، ألمعدّ بن عدنان أم لمالك بن حمير. ومتى تخزعت خزاعة، ومتى طوت المناهل طيء، ومن ابن بنصر، وما تلك السبيل، وما قصة الزهرة، وما شأن سهيل، وما القول في هاروت وماروت، وما شأن الإربيانة، وما قصة الفأرة وجرم الوزغة، وما إحسان الحمامة، وما تفريط العظاية، وما خصب الضفادع، وما تسبيح الصرد، وما عداوة ما بين الديك والغراب، وما صداقة ما بين الجن والأروية، ومن أين لها الماء، وما بلغ من عقل الهدهد، وأين قبر أمه، ولم نتنت ريحه. وخبرني عن الأمة التي مسخت ثم فقدت، ممن كانت وإلى أي شيء صارت! أأخذت برا أم بحرا؟ فإن كانت بحريّة أفهي الجرّيّ، وإن كانت برية أفهي الضباب؟ وما آوى، وما حبين، وما عرس، وما أوبر، وما وردان، وما قصة الطراثيث، وما سبب كون السنانير، وما علة خلق الخنزير، وكيف اجتمع في الذبابة سم وشفاء؟ وكيف لم يقتل الأفعى سمها، وكيف لم يحرق الشمس ما عند قرصها. وخبرني عن الأبدال، أهم اليوم بالعرج أم ببيسان أم كما كانوا متفرقين، وخبرني أكلهم موال أم كلهم عرب أم هم أخلاط، وما فعل صاحب إنطاكية

стр. 392

ولم أقيم سلمان بعد بلال، ومن جعل بعد سلمان، ومن عشائرهم وأين دورهم وأين أهلوهم، وكيف لم يتقدموهم ويتفقدوهم، وكيف صارت بيسان لسان الأرض يوم القيامة! وكيف صارت كبد الحوت أول طعام أهل الجنة، ولم تسمى نونا، وهل الرجفة من حركته، وهل الزلزلة من تنقله، وما الخسف، وكيف شاهدت المسخ على طول الأيام، أنقلبت خلقتهم أم صار ذلك ضربة واحدة، وهل عاشوا أم أبلسوا أم تركوا ثلاثا ثم أبطلوا، وهل كانوا يتعارفون بعد المسخ ويعرفون بعض ما قد نزل بهم بعد القلب. وخبرني عن بحار بنطس، وعن قبيس وعن الأصم وعن المظلم، وعن جبل الماس، وعن الباكي، وعن قاف، وأين كنت عام الجحاف، ومذ كم كان زمن الفطحل، وأين كان ملك الأزد، وأين كان من ملك الإشكان، وأين كان من ملك بني ساسان، وأين كان خره أردشير من استاشف، وأين كان أبرويز من أنو شروان، وأين جذيمة من تبّع، وأين الفتجب من بلهره، وأين بغبور من قيصر. وخبرني عن الفراعنة، أهم من نسل العمالقة؟ وعن العمالقة أهم من قوم عاد. وخبرني أهم من عاد الأولى أو من عاد الأخرى؟ وخبرني عن عطارد الهندي وجوابه لعطارد السماوي حين هبط إليه من فلكه، وهل جرى بينهما إلا ما سمعنا ومذ كم كان ذلك. وخبرني: كيف كان أصل الماء في ابتدائه في أول ما أفرغ في إنائه، أكان بحرا أجاجا استحال عذبا زلالا، أم كان زلالا عذبا استحال أجاجا بحرا؟ خبرني: كيف صار الماء أبعد من الفلك ولا يكون إلا في بطن الأرض، وهو أشبه بالهواء كما أن الهواء أشبه بالنار، وكيف يكون أحق بالوسط والأرض أبعد من سية الفلك، وكيف طمع جعلت فداك الدهري في مسألة العلاة والمطرقة وفي البيضة والدجاجة، مع تقادم ميلادك ومرور الأشياء

стр. 393

على بدنك، وكيف كان بدء أمر البدّ في الهند، وعبادة الأصنام في الأمم، وقصة عمرو بن لحى في العرب. وخبرني عن عناق بنت آدم، وعن ميسرة ومسرة، وعن مهنه ومهنينة، وعن بهيا وطبحيا، ومذ كم عمرت جزيرة العرب، ومذ كم بادت يونان، وعن فصل ما بين السند والهند، والهند والميد، وعن جميع من هلك بالرّعاف، وعن من أفناهم النمل، وعن من أجحف بهم السيل، وعن أصحاب النعمان كم صنفهم، وما تقول في الرجم السماوي أكان من عظام البرد أم كحجارة الطير الأبابيل التي خلقت من سجيل؟ [٧- اسئلة طبيعية] وخبرني: عن معنى الفرات على حقه وصدقه، وعن نضوب البحر، وعن تنقص الأرض، ولم عمل الفلك في هذا العالم وليس بينهما شبه! وهلا عمل فيه بقدرة منه، وهل يجوز أن يعمل شيء في شيء إلا والآخر يعمل فيه. وخبرني: مذ كم كان الناس أمة واحدة ولغاتهم متساوية، وبعد كم بطن أسودّ الزنجي وابيض الصقلبي، ولم صار اللون أسرع تنقصا من الجمود، ولم كان الولد يجيء على شبه ما في أبيه من الأمور الحادثة في بدنه غير القديمة في أصل تركيبه، ومع ذلك لم يولد صبي قط في العرب مجنونا، وما هذه الخاصية التي منعت من هذا المعنى؟. وفي كم تمت لكل فرقة بعد التبلبل لغتها واستفاض لسانها. [٨- اسئلة على علم الحياة] خبرني: جعلت فداك، أيما أطول عمرا: الناس أم عير العانة أم الحية

стр. 394

أم الضب، ومتى تستغني الحية عن الغذاء، ومتى ينتفع الضب بالنسيم، ومتى ينقطع النسر عن السفاد، وكيف صار البغل لا ينسل وهو ولد الرمكة من العير، وكذلك السّمع لا ينسل وهو ولد الضبع من الذئب، والراعبي ينسل وهو ولد الحمام من الورشان، والبختي ينسل وهو من ولد [الغراب] من الفوالج، ولم يسمع في الظلف إذا اختلفت ولم يسمع في الحافر ولا في الخف إذا اختلف. وخبرني عن الزّرافة أمن ولد الناقة أم من الضبع، وعن الشّبّوط أمن ولد البنّي من الزّجر. وخبرني: ما عنقاء مغرب وما أبوها وما أمها، وهل خلقت وحدها أم من ذكر وأنثى، ولم جعلوها عقيما وجعلوها أنثى، ومتى تمهد لذلك الصبي، ومتى تظل بجناحها شيعة الإمام، ومتى يلقى في فيها اللجام، ومتى يباع له الكبريت الأحمر ويساق إليه جبل الماس. وخبرني عن بناء سور الأبلة وعمن حير الحيرة، ومن أنشأ بنيان مصر، ومن صاحب كربنداذ ومدينة سمرقند. وخبرني: عن البناء الذي يضاف بالمدائن إلى سام، أهو لسام؟ وعن تدمر أهو لسليمان! وأين ملك أخاذ بن عمري من ملك نمرود الخاطيء، وأين وقع ملك ذي القرنين من ملك سليمان. وقد كنت أطال الله بقاءك في الطول زاهدا وعن القصر راغبا، وكنت أمدح المربوع وأحمد الاعتدال، ولا والله أن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم، فأما اليوم فيا ليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقمى، وليس دعائي لك بطول البقاء طلبا للزيادة، ولكن على جهة التعبد والاستكانة، فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك، فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا أخلى الله مكانك، فإلى هذا المعنى أذهب. وقد زعموا جعلت فداك أن كل ما طال عمره من الحيوان زائد في شدة الأركان وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان، والضبّاب، وحمر

стр. 395

الوحش، وكلحم النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله، فإن كان هذا الأمر حقا وكان هذا العلاج نافعا وكنت له مستعملا وفيه متقدما وتراه رأيا وإن كنت عنه غنيا، أخذنا منه بنصيب وتعلقنا منه بسبب. وكيف لي بذلك وأنا صغير الأذن وأذنك أذن أبي سهيل، وأنا دقيق العنق وعنقك عنق قاسم التمار، وأنا صغير الرأس ورأسك رأس جالوت، وفيك أمران غريبان وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور النقصان والزيادة إياك. جوهرك فلكي وتركيبك أرضي، ففيك طول البقاء ومعك دليل الفناء. فأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. وما ظنك بخلق لا تضره الإحالة ولا يفسده التناقض..!؟ جعلت فداك ما لقي منك الذهب، وأي بلاء دخل بك على الخمر، كانا يتيهان بطول العمر ويبهجان ببقاء الحسن وبأن الدهر يحدث لهما الجدّة إذا أحدث لجميع الأشياء الخلوقة، فلما أربى حسنك على حسنهما وعمر طول عمرك أعمارهما ذلا بعد العز وهانا بعد الكرامة، ومالي فيك قول إلا قول الاعرابي حين ضل الطريق في الظلمة فلما عرف قصده عند طلوع القمر رفع رأسه شاكرا وهو يقول: ما أقول! أقول رفعك الله وقد رفعك، أم أقول جملك الله وقد جملك، أم أقول عمرك الله وقد عمرك؟ .. ولكن أقول: وهل أنطق إن نطقت إلا رجيعا، وأقول ما قلت إلا لغوا. وقد زعم ناس ممن ينتحل الاعتبار ويتعاطى الحكمة ويطلب أسرار الأمور أنه ليس شيء مما يساكن الانسان في منزله وربعه وفي داره وموضع منقلبه إلا والانسان يفضله في طول العمر وفي البقاء على وجه الدهر، كالحمام والدجاج والسنانير والكلاب والبقر والغنم والحمير والخيل والجواميس والابل. وزعموا أن أقصرها أعمارا العصافير، وأن أطولها أعمارا البغال، وأن العلة في طول بقاء البغل قلة السفاد، وفي قصر عمر العصافير كثرة السفاد. وأن مما يقضي بهذه العلة ويثبت هذه القضية ما يعم الخصيان من طول العمر، ويعم الفحولة من قصر

стр. 396

العمر. وما أرى حفظك الله بهذا القياس بأسا في ظاهر الرأي وما أجده بعيدا في أغلب الظن، ولو كنت أقتل ذلك علما وأعلمه يقينا لكان أحب الأمور إلى أن يكون لي فيه سلف صدق وإمام لا يغلط، وأن أحكيه عن معدل وأسنده إلى مقنع! فقل نسمع وأشر نتبع! يعجبني- جعلت فداك- منك بغض الشهرة ودبيبك في غمار الحشوية استغناء بنفسك، وصونا لقدرك، ومعرفة بما أعطيت، وثقة بالذي أوتيت. وما أقل بحمد الله ما سبقك به إبليس، وما أيسر ما فاتك به آدم. فزاد الله شاكرك نعمة وناصرك عزة. وقد ذكرت الرواة في المعمرين وصنعت في ذلك أخبارا، ولم نجد على ذلك شهادة قاطعة ولا دلالة قائمة، ولا نقدر على ردها بجواز معناها، ولا على تثبيتها إذ لم يكن معها دليل يثبتها، وقد تعرف ما في الشك من الحيرة، وما في الحيرة من القلق، وما في القلق من النصب، وما في النصب من طول الفكرة وما في طول الفكرة من الوحشة، وما في طول الوحشة من التعرض للوساوس والخفقة وما في إتعاب القلب وإنضاء النفس من كلال الحد، وما في الإلحاح من دواعي الضجر، وما في الجهل من النقص، وما في نزاع النفس من الكد. فافتح لبيتك بابا نسترح إليه، وأقم له علما نقف عنده. فقد علمت ما ذكروا من عمر نابغة بني جعدة، ومالك ذي الرقيبة، ونصر بن دهمان، وابن بقيلة الغساني، والربيع بن ضبيع، ودويد بن نهد. وأنت أبقاك الله تعرف ميلاد آبائهم وأجدادهم وقبائلهم وعمائرهم وأصولهم وأجذامهم، فخبرني أكذبوا أم صدقوا، أم اقتصدوا أم أسرفوا. فأما ما رووا لأجسام الناس من الطول والعرض، وثبتوا لهم من السمن والعظم والضخم سوى ما نطق به الكتاب عن أجسام عاد، فالشاهد على كذبهم حاضر، والدليل على فساد عقولهم ظاهر، كالذي رأينا من أقدار سيوف الأشراف وأزجّة رماح الفرسان، وكتيجان الملوك التي في الكعبة، وكضيق أوابهم وقصر سمك عتب درجهم في قصورهم العادية ومدنهم

стр. 397

العدمليّة، ويدل على ذلك الجرون التي كانت مقابرهم وأبواب مدافنهم في بطون أرضيهم وشعف جبالهم ومطاميرهم ومواضع قناديل كنائسهم ومجالسهم وبيوت عباداتهم وملاعبهم من قمم رؤوسهم. ولو حضرنا من الشواهد على ما ادعوا من أعمارهم مثل الذي حضرنا من الشواهد على تكذيبهم في طول قاماتهم إذا لما عنيناك ولا ابتذلناك، وعلى أنه لو كان السبب في طول قاماتهم وضخم أبدانهم تقادم ميلادهم وحدة قوة الأرض قبل أن تخلق وشبابها قبل أن تهرم، لكان ينبغي لمن كان قبلهم أن يكون أعظم منهم، ولكان نقصان من بعدهم ممن يلي عصرهم ومن يلي أولئك على حساب ذلك. [٩- اسئلة على الآثار القديمة] وخبرني أبقاك الله من كان باني ريام، ومن أنشأ كعبة نجران، ومن صاحب غمدان، ومن باني تدمر، ومن صاحب الهرمين، ومنذكم بنيت مأرب، وأين كان الأبلق الفرد من المشقر، وأين قصر النوبهار من قصر سنداد، ومن صاحب عقرقوف ولم قضيت جعلت فداك لخمعة الإيادية على بنت الخس ولابن شرية على شقّ وللنخار على ابن النطاح، ولابن الكيس على ابن لسان الحمّرة؛ وأين كانت الزباء من ملكة سبأ، وأين خاتون من بوران، وأين جلندى من أسباد، وأين حذيم من أفعى، وأين كان لقيم من لقمان، وأين كان كرز بن علقمة من مجزّز المدلجي. وأين كان رافع المخش من دعيميص الرمل؟. [١٠- اسئلة على الاقاليم والسكان] وخبرني عن عظامة أقاليم الخراب وعن خلاء شق الجنوب، أذلك قائم مذ دار الفلك وكان النمو، أو الدول بينهما مقسومة والأيام عليهما موقوفة! ولم

стр. 398

قدمت إقليم دوس على إقليم بابل. وخبرني عن الشهب أتكون نهارا أم تكون ليلا، ولم قدمت الروم في الصنعة على أهل الصين، ولم قدمت تبّت على الزابج، ولم فضلت السكون على الحركة، ولم جعلت السكون فسادا والافتراق اجتماعا.؟ قد وجدتك جعلت فداك خفت أن تكون ابن صائد، ورجوت أن تكون الدجال، ولعلك دابة الأرض، وما أدري لعلك سوشى! ولست بحمد الله الخضر. والذي لا أشك فيه أنك غير المسيح، وأظن روحك روح شيقرة بل روح بلعذبون، بل روح دلالا، وأنك الأركون المنتظر. [١١- اسئلة على الأوثان] واحتمل لي مسألة واحدة ولا أعود وسأجعلها طويلة ولا ازيد: كم بين ود وسواع ويغوث ويعوق، وبين مناة والعزى والغبغب وعائم، وبين مناف ونهم وسعد ومنهب، ومذ كم نكح أساف نائلة، ومذ كم مسخا في الكعبة؟ وخبرني عن برهوت وبلهوت، وعن الجابية وموضع الطاغية، وعن سيف الصاعقة، ومن ألقى ذلك إلى الرافضة، وما كان مال قارون، وما كان كنز النطف، ولمن كانت البليهة، وما قرط مارية، وما أصل مال ابن جدعان وكيف كان مشورة أمه. وخبرني عن ذلك المال الذي من أخذ منه ندم ومن تركه ندم. [١٢- اسئلة على الفراسة ومعرفة الغيب والرئي] جعلت فداك قد شاهدت الإنس مذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة وأغفالا وموسومة وسالمة ومدخولة، فما تخفى عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا المستغلق من المستبهم، ولا النادر من البديع، ولا

стр. 399

شبه الدليل من الدليل. وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها مصورة، ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الإحتجاج، وشاهدت العلل وهي تولد والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، والحقيقة من التمويه. فما تقول في الرئي وما تقول في الرؤيا، وما تقول في أكسير الكيمياء، وما تقول في كيموس الصنعة وما تقول في الزجر، وما تقول في الفراسة، وما تقول في الفأل، وما تقول في الطّيرة وما تقول في نمت الطلم؟ وما تقول في معنى البركة، وما تقول في النجوم، وما تقول في الخيلان، وما تقول في أسرار الكف، وما تقول في النظر في الأكتاف، وما تقول في قرض الفأرة، وما تقول في إلحاح الخنفساء، وما تقول في دوائر الرأس، وفي أوضاح الخيل، وفي النمس والسنور، وفي الديك الأفرق والسنور الأسود، وفي البول في النفق، وفي الإطلاع في عاديّ الآبار، وفي النوم بين البابين، وما تقول في التميمة وفي الرتيمة وفي تعليق كعب الأرنب، وفي حلى السليم، وفي البلايا والولايا، وما تقول في الهامّ والاستمطار بالسّلع والعشر، وما تقول في شق البرقع، وفي بدر الرداء، وفي كي الصحيح عن ذي العر، وفي فقء العين للسواف وفي نزع المسر للعارة، وما تقول في الآمر والناهي والمتربص، وفي النطيح والقعيد والسانح والبارح، وما تقول في وطء المقلات للقتلى، وفي دماء الملوك للكلبى، وما تقول في صرع الشيطان، وفي تلون الغيلان، وفي عزيف الجنان، وفي ظهور العمّار، وفي طاعتهم للعزائم، وفي رئي المأمور الحارثي وعتيبة بن الحارث اليربوعي وما فصل ما بين العراف والكاهن والحازي والمتبوع، وما تقول في تحول إبليس في صورة سراقة المدلجى وفي صورة الشيخ النجدي؟ وخبرني عن شنقناق وشيصبان. وعن سملقة وزوبعة، وعن المذهب والسعلاة وعن بركوير ودركاذاب، وأين كان مسحل شيطان الأعشى من عمرو شيطان المنخلّ.!؟

стр. 400

قد والله عافانا الله بك وابتلى، وأنعم بك وانتقم، فدحّا لمن زهد فيك وسقيا لمن رغب إليك وويل لمن جهل فضلك، بل الويل لمن أنكر فضلك. إنك جعلت فداك كما لم تكن فكنت فكذا لا تكون بعد أن كنت، وكما زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل، إذ كل طويل فهو قصير، وكل متناه فهو قليل، فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث فتشرك، فان للشيطان في مثلك أطماعا لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللا لا يجدها في غيرك. ولست جعلت فداك كابليس وقد تقدم الخبر في بقائه إلى انقضاء أمر العالم وفنائه، ولولا الخمر لما قدمته عليك ولا ساويته بك، وأنت أحق من عذر وأولى من ستر، ولو ظهر لي لما سألته كسؤالي إياك، ولما ناقلته الكلام كما قلتي لك، وإن كان في التجاذب مثلك فهو في النصيحة على خلافك، ولأنك إن منعت شيئا فمن طريق التأديب أو التقويم، وهو إن منع منع بالغش والإرصاد، وأنت على حال أشكل، ونحن نرجع إلى أصل ونلتقي إلى أب ويجمع بيننا دين. [١٣- اسئلة على معتقدات الشيعة] وخبرني عن الشق، وعن واقواق، وعن النسناس، وعن دوالباي، وعن الكركدن، وعن عنقاء مغرب، وعن الكبريت الأحمر، وعن ثور الله في الأرض؟ وحدثني عن شعب رضوى، وعن جبال حسمى ومتى ترى الماء الأسود والجو الأكلف والطين الأزرق، وكيف ذلك النمر، وهل يظمأ ذلك الأسد، وهل باض الخفاش، وهل أمنت الحبارى، ومتى تتعلم ما في الجفر وتحكم ما في الزبر، وما فعل فحل وبار، ونعاج أبي المرقال، وما الحجة في الرجعة، والقول في المناسخة، ومن أين قلتم بالبداء، ومن أين جعلتم

стр. 401

العلا فعلا والزيادة فلتا، وما القول في النفس؟ وخبرني ما السحر وما الطلسم، وما الدنهش وما الخلقطير، وما الهيكل، وما الطوالق، وما قولهم في اللبان الذكر، وفي مراعاة المشتري، ولم توحشوا من الناس ولم باتوا بالبراح وأقاموا بالخراب واغتسلوا بالماء القراح، ولم قدموا التصديق وأخرجوا الصرة، ولم أجابوا وأكرموا، ولم منعوا وقتلوا.!؟ [١٤- اسئلة على الجن] وخبرني من خانق الغريض وقاتل سعد يوم النفق، ومن الذي استهوى عمرو بن عدي، ومن صاحب عمارة بن الوليد، ومن يصرع منهم الأصحاء، ومن يبريء المرضى ويستوهي العقلاء، وعن فصل ما بين الشيطان والجني وما بين الجن والجن ومن طعامه الجدف. وخبرني عن أشعار الهاتف وما يسمع بالليل من جوائب الأخبار. وخبرني عن النميري صاحب الورقة، وعن تميم الداري صاحب الردم. وخبرني عن شقلون، وعن أهرمن، وعن كان وكان، ومره، وايددش، وافردش، وابرشارش، وابربارش، وخونرت بام، وكيف صارت خونرث هذه أعمر العوالم، وأيما أكثر يأجوج أم مأجوج، وأيما أقصر وأيما أطول عمارا، وأيما أفضل منكر أم نكير، وأيما أخبث هاروت أم ماروت، وأي حوت ابتلع يونس، وأي حية ابتلعت المهلب، ومن أي حية كانت سفينة نوح، ولم ملح الحمض، ولم طوقت الحمامة! [١٥- أسئلة على الكيمياء] وما فرق بين الطاس والكاس، وما كان سبب اتخاذ الأقبية، وما سبب صنعة الزجاج، وما قصة الرخام أكيمياء أم مخلوق، ولم امتنع عمل الذهب والزجاج أعجب منه، ومن صاحب المينا وتودين الحجارة، ومن صاحب التلطف، ومن صاحب النوشاذر، وما تقول في التنين وما فرانقث الاسد، وما

стр. 402

صداقة ما بين الخنفساء والعقرب، وما بال السواد يصبغ ولا ينصبغ وما بال البياض ينصبغ ولا يصبغ، ومن صاحب الاصطرلاب، ومن صاحب القرسطون. ولم أسألك عن الحداد وإنما سألتك عن الفيلسوف وعن علته في المد والجزر. وخبرني عن جوهر الأرض وعن جميع الفلز أشيء مفروغ من خلقه أم أرض يستحيل إليه، ولم عمل بعض السم في العصب وبعضه في الدم وبعضه فيهما جميعا، ولم كان بعضه سم نجاز وبعضه سم جهاز، ولم صار لا يقتل مع العادة وقتل قبل العادة، ألأنّ الطبائع تنكر الشيء الغريب أم لأنه ضد في نفسه، وكيف صار مع ريق الأفعى ريق بعض الناس في القتل وفي أيهما سم، ولم خالف البيش في العصب والدم، ولم يقتل العقرب إنسانا ويقتله آخر، ولم صارت الأفعى قاتلة وتأكلها القنافذ ولا تضرها وتأكلها الأروى فلا تتأذى بها، ولم صارت الهندية تقتل كل شيء ولا يقتلها شيء ولا يستمرئها شيء، ولم خالف النيل جميع الأودية في النقصان والزيادة، ولم بلغت جريته الشمال، ولم صار أقصاه كأدناه، ومتى يدال منه ومتى يحوله الامام..!؟ وقد علمت جعلت فداك أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره وكان في الدلالة على الحق كالعيان وفي الشفاه كالسماع، على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور لكن يعرف به جمل الأشياء إلا خبرك فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى اعادة ولا إلى [علة ولا إلى] تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاه وفي كيفية الشيء مقام العيان. وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما تقولون في رجل لم يقل قط بعد انقضاء خصومته وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا كان أمثل، فما بال عفوه أكثر من جهدكم وبديهته أبعد من أقصى فكرتكم؟ فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله على كل رفيع، ورحمة أنشأها لكل وضيع.

стр. 403

[١٦- اسئلة على الفلسفة] فخبرني ما كان بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون وما دار في ذلك بينك وبين أرسطا طاليس، وأي نوع اعتقدت، وأي شيء اخترت فقد أبت نفسي غيرك وأبت أن تشتفي إلا بخبرك، ولولا أني كاف برواية الأقاويل ومغرم بمعرفة الاختلاف، وأني أستجير مسألتك عن كل شيء وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت إلى أحد غيرك. [١٧- مساوىء المزاح] واعلم جعلت فداك أني لم أرد بمزاحك إلا ضحك سنك، ولا كانت غايتي فيك إلا لأنفق عندك، وقد كنت خفت ألا أكون وقفت على حده وأشفقت من المجاوزة لقدره. والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. وهو باب متى فتحه فاتح وطرّق له مطرّق لم يملك من سده مثل الذي يملك من فتحه، ولا يخرج منه بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف، ومن شأنه التزيد وأن يكون صاحبه قليل التحفظ، ولم نر شيئا أبعد من شر ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا ولا أكثر خلطا من الجد والمزاح والمناظرة والمراء. قال القعقاع بن شور: ليس لمزّاح مروءة ولا لممار خلة. وقال معاوية: المزاح هو الشنار الأصغر. وقال الحسن بن حي: المزاح استدراج من الشيطان واختداع من الهوى. وعاب عمر بعض العظماء فقال: ذلك رجل فيه دعابة. وقال الشاعر: «وجد القول يقدمه المزاح» وقال الآخر «رب كبير ساقة صغير» وقال الآخر «رب جد ساقه اللعب» .

стр. 404

فان كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية، فبما أعرف من يمن مكالمتك وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت قد أخطأت الطريق، وجاوزت حد المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك ولا إنكار لحقك، ولكن حدود الأشياء إذا خفيت ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل تمامك، ولا مع المتكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم منه بقدر نفاذه، نعم ولو كان من العلماء الموصوفين والأدباء المذكورين. ومن المزاح جعلت فداك باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى جليسه وإسماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب من المزاح إلا كز الخلق، ومن يرغب عن المفاكهة إلا ضيق العطن. وبعد فمتى أعدت النفس عذرا كانت إلى القبيح أسرع ومتى لم تجده كانت عنه أبطأ. ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيرا ممن تمازحه يضحك وإن كنت قد أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته، فإن حقد ففي الحقد الداء، وإن عجل فذلك البلاء. فان قلت: فما أدخلك في شيء هذا سبيله وهكذا جوهره وطريقه؟ قلت: لأني حين أمنت عقاب الإساءة ووثقت بثواب الإحسان وعلمت أنك لا تقص إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار الأمن سائقا والأمل قائدا. وأي عمل أردّ وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة والأمن والمثوبة. ولو كان هذا ذنبا لكنت شريكي فيه، ولو كان تقصيرا لكنت سببي إليه، لأن دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو المتتابع والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة ويذهبان بالتحفظ. ولذلك قال عيينة بن حصن لعثمان بن عفان ﵁: عمر كان خيرا لي منك،

стр. 405

رهبني فاتقاني وأعطاني فأغناني. فإن كنت اجترأت عليك فلم أجتريء عليك إلا بك، وإن كنت أخطأت فلم أخطيء عليك إلا لك، لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب في قلة التحفظ وداعية إلى ترك التحرز. [١٨- طلب العفو من احمد بن عبد الوهاب على مزاح الجاحظ وسخريته] وبعد، فمن وهب الكبير فكيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف يعاقب على السهو؟ ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدرك هو الذي شفع لي، ولو استحققت عقابك باقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن إقدامي عليك بحسن ظني بك. على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب فقد وصفتك بالانصاف، ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل، ولا الحال التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر. وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي، فان النعمة تشفع في النعمة، فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وإن لم تفعل ذلك لحسن الأحدوثة فعد إلى حسن العادة وإن لم تفعله لحسن العادة فأت ما أنت أهله. واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضى لي عليك ومتى ارتفعنا إلى عقلك حسن العفو عني عندك. وفصل ما بيننا وبينك وفرق ما بين أقدارنا وقدرك انا نسيء وتغفر، ونذنب وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتحلم، وإن عليك الانعام وعلينا الشكر، ومن صفاتك أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف، فإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلا، والتعرض لعقابك بالخوف حقا، ورغبت عن النبل والبهاء وعن السؤدد

стр. 406

والسناء، وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقدا أو يظهر القدرة أو يجب أن يذكر بالصولة. ولم نجدهم أبقاك الله يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ولا يذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل. وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود لأهله، وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك، ولم تستكره نفسك على المكافأة وطباعها الصفح، ولم تكدّها بالمنافسة ومذهبها المسامحة؟! فسبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك وقولك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من يقيننا، وفراستك أثبت من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من عقاب الظلمة. وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصرّ، وتتغافل عن المباديء، وتصفح عن المتهاون، حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته إخلاص وهفوته بكر وشفيعه الحرمة، ومن لا يعرف الشكر إلا لك، ولا الأنعام إلا منك، ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، لم يقصر في بعض طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من تعظيمك، صرت تتوعد بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل هلكة. وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، وأن تأنيبك أغلظ من العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك، ومالي اليوم عمل أنا إليه أسكن ولا شفيع أنا به أوثق من شدة جزعي من عتبك وإفراط هلعي من خوفك، ولست ممن إذا جاد بالصفح ومنّ بالعفو لم يكن لصاحبه منه إلا السلامة وإلا النجاة من الهلكة، بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة والعطايا الجزيلة والعز في العشيرة

стр. 407

والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب الذكر وشرف العقب ومحبة الناس. [١٩- محاسن المزاح] وأما ذكري القد والخرط والطول والعرض وما بيننا وبينك في ذلك من التنازع والتشاجر والتحاكم والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد ومعناه معنى الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه معنى الجد. ولو استعمل الناس الدّعابة في كل حال والجد في كل مقال وتركوا التسمح والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل لكان السفه صراحا خيرا لهم، والباطل محضا أردّ عليهم. ولكن لكل شيء قدر ولكل حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه. والتبسم في موضعه كالقطوب في موضعه، وكذلك المنع والبذل والعقاب والعفو وجميع القبض والبسط. فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع وحاله بحال السخف أشبه، فأما أن يذم حتى يكون كالظلم وينفى حتى يصير كالغدر، فلا لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا، والظلم لا يكون مرة قبيحا ومرة حسنا. [٢٠- مديح احمد بن عبد الوهاب الساخر] فاذا ملنا إلى الجد ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح وجلسنا للحكمة فقد أغناك الله عن الحجة كما سلمك من الشبهة، ولم يكلفك الاحتجاج كما رغب بك عن الإعتلال، فأصبحت لا محتجا ولا محجوجا، ولا غفلا ولا موسوما ولا ملوما ولا معذورا، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى إئتلاف، وليس مع العيان وحشة ولا مع الضرورة وجمة ولا دون اليقين وقفة. وهل في تمامك

стр. 408

ريب حتى تعالج بالحجة؟ وهل رد فضلك جاحد حتى يثبت بالبينة، وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم أو مجار في الحكم أو ضد في العزم؟ وهل يبلغك الحسد، أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى، أو يطمع فيك طامع، أو يتعاطى شأوك باغ؟ وهل يطمع فاضل أن يفوقك، أو يأنف شريف أن يقصر دونك، أو يخشع عالم أن يأخذ عنك؟ وهل غاية الجميل إلا وصفك؟ وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل لطلاب غرض سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للمادح رجز لا فيك وهل يحدو الحادي إلا بذكرك؟ فلولا أن يأخذ الواصف بنصيبه منك وبحصته من الصدق فيك، وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغوا، وكان تشقيق الكلام عجزا، ولكان تكلفه فضلا، ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يمتحن بالتسليم لك، أو يعد إقراره إحسانا وخضوعه إنصافا؟ وهل تقع الأبصار إلا عليك؟ وهل تصرف الإشارة إلا إليك؟ أم من الشبيه لك في منزلتك؟ ألست خلف الأخيار وبقية الأبرار؟ وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق شيئا أو يفوقه شيء أو يقال لو لم يكن كذا لكان أحسن أو لو كان كذا لكان أتم؟ وأين الحسن الخالص والجمال الفائق والملح المحض والحلاوة التي لا تستحيل والتمام الذي لا يحيل إلا فيك أو عندك أو لك أو معك، خالصة لك ومقصورة عليك، لا تليق إلا بك ولا تحسن إلا فيك، فلك منه الكل وللناس البعض، ولك الصافي وللناس المشوب؟! هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه، لا بل أين الحسن المصمت، والجمال المفرد، والقد العجيب، والكمال الغريب، والملح المنثور، والفضل المشهور إلا لك وفيك؟ وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أريب إلا وظلك أكبر من شخصه، وظنك أكثر من علمه، وإسمك أفضل من معناه، وحكمك أثبت من نجواه، وصمتك أفضل من فحواه؟ وهل

стр. 409

في الأرض حليم سواك، وهل أظلت الخضراء ذا لهجة أصدق منك، وهل حملت النساء أجل منك! [٢١- جمال احمد بن عبد الوهاب المعكوس] ولربما رأيت الرجل حسنا جميلا وحلوا مليحا وعتيقا رشيقا وفخما نبيلا ثم لا يكون موزون الأعضاء ولا مقدور الأجزاء، وقد تكون أيضا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة، ويكون قصدا ومقدارا عدلا، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها إلا الألمعي، ولطائف غامضة لا يعرفها إلا الذكي. فأما الوزن المحقق والتعديل المصحح والتركيب الذي لا يفضحه التفرس ولا يحصره التعنت ولا يتعلل جاذبه ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي خصصت به دون الأنام ودام لك على الايام. كذا الحسن إذا كان حرا مرسلا وعتيقا مطبقا لا يتحكم عليه الدهر ولا يذيله الزمان ولا يحتاج إلى تعليق التمائم ولا إلى الصون والسكن ولا إلى المناقش والكحل، ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلا وحبب إلى القلوب تحبيبا وقرب إلى النفوس تقريبا، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء وجرى في العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السم ولا الوهم ولا السرور الشديد ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة والفضيلة البينة. ولو لم يكن لك إلا أنا لا نستطيع أن نقول في الجملة وعند الوصف والمدحة: هو أحسن من القمر وأضوأ من الشمس وأبهى من الغيث، ولهو أحسن من يوم الحلبة، وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق؛ كأن عنقه إبربق فضة، وكأن قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن عوارضه البرد وكأن فاه خاتم، وكأن جبينه هلال، ولهو أطهر من الماء

стр. 410

وأرق طباعا من الهواء، ولهو أمضى من السيل وأهدى من النجم، لكان في ذلك البرهان النير والدليل البين. وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والنهاية في كل شكل. وأما قول الشاعر: يزيدك وجهه حسنا ... إذا ما زدتّه نظرا وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا وتركيب محرابنا وقبة مصلانا إلا أثار لنا التأمل واستخرج لنا التفرس غرائب حسن لم نعرفها وعجائب صنعة لم نقف عليها، وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر أم تنضيد أجزائه في تنضيد الأجزاء. فان ذلك معنى مسروق مني في وصفك ومأخوذ من كتبي في مدحك. والجملة التي تنفي الجدال وتقطع القيل والقال أني لم أرك قط إلا ذكرت الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك إلا ذكرت النار. والعجب أيها السامع أني مقصر، وإذا رأيته علمت أني فيما يجب له مفرط، وهو رجل طينته حرة وعرقه كريم ومغرسه طيب ومنشؤه محمود، غذي بالنعمة وعاش في الغبطة وأرهفه التأديب ولطفه طول التفكير وخامره الأدب وجرى فيه ماء الحياء وأحكمته التجارب وعرف العواقب، فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته وآخره كأوله. تحكي اختياراته التوفيق ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف ويرغب عن التجوز وينبل عن ترك الإنصاف، ولا يمتنع عليه معرفة المبهم ولا يلتحج باستبانة المشكل، يتخير من الألفاظ أرقها مخرجا ومن المعاني أدقها مسلكا، وأحسنها قبولا، وأجودها وقوعا وأتمها إطماعا، بأقوى الكلام وأوجزه وأعذبه وأحسنه، يقلل عدد حروفه ويكثر عدد معانيه. ومن الفعل بعد ذلك أكمله تحقيقا إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه، مع تمكنه وعقله وسعة صدره. وبعد [نظره] ولا يعرف الشك إلا في غيره ولا العي إلا سماعا. فمن يطمع في عيبك بل من يطمع في قدرك؟ وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود إلا وهي تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغني

стр. 411

بمدحك، ولا فتاة إلا وتشكو تباريح حبك، ولا محجوبة إلا وهي تثقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد شقي بك، فكم من كبد حرّى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم من حشا خافق، وقلب هائم، وكم عين ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية، وكم عبرى مولهة، وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها الحزن وأجمد عينها الكمد، قد استبدلت بالحلي العطلة، وبالأنس الوحشة، وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد طرف ناصع، وسن ضاحك، وغنج ساحر، وبعد أن كانت نارا تتوقد، وشعلة تتوهج؟ وليس حسنك أبقاك الله الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم، أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتخير، أو ينهنهه زجر، أو يهذبه خوف. هو أعزك الله شيء ينقض العادة، ويفسخ المنّة، ويعجل عن الرويّة، ويطرح بالعرا، وتنسى معه العواقب، ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر بن الحجاج، ولركبك بأعظم مما ركب به جعدة السلمي، بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، والغيظ عليك إلى الرحمة لهما. فمن كان عيب حسنه الإفراط عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل أو ينتقصه عالم. فلا تعجب إن كنت نهاية الهمة وغاية الأمنية، فإن حسن الوجه إذا وافق حسن القوام، وجودة الرأي، وكثرة العلم، وسعة الخلق، والمغرس الطيب، والنصاب الكريم، والطرف الناصع، واللسان البين، والنعمة البهجة والمخرج السهل، والحديث المونق، مع الإشارة الحسنة، والنبل في الجلسة، والحركة الرشيقة، واللهجة الفصيحة، والتمهل في المحاورة، والهذ عند المناقلة والبديه البديع، والفكر الصحيح، والمعنى الشريف، واللفظ المحذوف، والايجاز يوم الإيجاز، والإطناب يوم الاطناب، يفل الحز، ويصيب المفصل، ويبلغ بالعفو ما يقصر عنه الجهد، كان أكثر لتضاعف

стр. 412

الحسن، وأحق بالكمال والحمد. والتاج بهيّ، وهو على رأس الملك أبهى، والياقوت كريم حسن، وهو على جيد المرأة الحسناء أحسن، والشعر الفاخر حسن، وهو من فم المنشد أحسن، وإن كان قول المنشد فريضة من نجثه ومختبره فقد بلغ الغاية وقام على النهاية. وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك أم إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ فأما كفك فهي التي لم تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال بها كل ما صار فيها، كما أصبحنا وما ندري: الكأس في يدك احسن ام القلم ام الرمح الذي تحمله، ام المخصرة ام العنان الذي تمسكه، ام السوط الذي تعلقه، وكما اصبحنا وما ندري أي الأمور المتصلة برأيك أحسن وايها اجمل وأشكل اللمة أم مخطّ اللحية، أم الإكليل أم العصابة أم التاج، أم العمامة، أم القناع، أم القلنسوة! فأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم ويعلم البعيد الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، انها لم تخلق إلا لمنبر ثغر عظيم، أو ركاب طرف كريم. أما فوك فهو الذي لا ندري أي الذي تتفوه به أحسن، وأيّ الذي يبدأ به أجمل: الحديث، أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف. وعلى أننا ما ندري أي السنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى، أقلمك أم خطك، أم لفظك، أم إشارتك، أم عقدك. وهل البيان إلا لفظ أو خط أو إشارة أو عقد؟ وأنت في ذلك فوقهم والحمد لله، وواحدهم وأعيذك بالله، وأنت تجوز الغاية، وتفوق النهاية. وقد علمنا أن القمر هو الذي تضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال وهو مع ذلك يبدو ضيئلا نضوا، ويظهر معوجا شختا وأنت أبدا قمر بدر وفخم غمر. ثم مع ذلك يحترق في السرار ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسا

стр. 413

كما يكون سعدا، ويكون نفعا كما يكون ضرا، ويقرض الكتان، ويشحب الألوان، ويخمّ فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه، وعلى أنه قد محق حسنه المحاق وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال ولا خالص البياض ولا متلأليء، ويعلوه برد ويكسوه ظل الأرض. ثم لا يعتريه ذلك إلا عند كماله وليلة فخره واحتفاله، وكثيرا ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن، دري اللون، روحاني البدن. وإن احتجوا عليك بالجزر والمد، احتججت عليهم بالعلم والحلم، وبأن طاعتك اختيار واعتبار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا تمكنه البدوات، وليس في قواه فضل للتصرف، وعلى أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. فكم بين المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا حس فيه. ولا زالت الأرض بك مشرقة، والدنيا معمورة، ومجالس الخير مأهولة، ونسيم الهواء طببا، وتراب الأرض عبقا. إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تمسكنت فالرهبانية والأخلاص، وإن ترزنت «فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل» . وطباعك جعلت فداك طباع الخمر إلا أنك حلال كلك، وجوهرك جوهر الذهب إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله عليه، وأخذت خصال المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من كل شيء صفوته ولبابه وشرفه وبهاؤه. وهل يضر القمر نباح الكلب، وهل يزعزع النخلة سقوط البعوضة عليها.؟ [٢٢- عودة الى قيمة المزاح والجد] فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله. وقد ذهب الناس في

стр. 414

المزاح إلى مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة. فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد. وزعم آخرون أن الخير والشر عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان. وسنأتي على هذه الأقاويل ثم نذكر ما نقول إن شاء الله. فأما المحامي على الهزل والمفضل للمزح فانه قال: أول ما أذكر من خصال الهزل ومن فضائل المزح أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى. وأن الجد غضب والمزح جمام. والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه. والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. والجد مألم التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر. وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا وكدوا ليستريحوا. وإن كان المزاح إنما صار معيبا، والهزل إنما صار مذموما لأن صاحبه لا يكون معرضا لمجاوزة القدر ومخاطرا بمودة الصديق. فالجد داعية الى الإفراط كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر. والتجاوز للحد قاطع بين القرينين في جميع النوعين. فقد ساواه المزاح فيما هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح قبيحا لأنه يورث الجد، فأقبح من المزح ما صير المزح قبيحا، لأن الذي يكون بعده الجد، ولم يصير الجد قبيحا لأن الذي بعده المزح، كان الجد في هذا الوزن أقبح من المزح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن من الجد، لأن ما جعل الشيء قبيحا أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسنا أحسن من الشيء. وأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزح في موضعه كالجد في موضعه، كما أن المنع في حقه كالبذل في حقه. قال: ولكل شيء موضع

стр. 415

وليس شيء يصلح في كل موضع. وقد قسم الله الخير على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، فأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ في المباح كما شدد في المفروض، وجعل المباح جماما للقلوب وراحة للأبدان وعونا على معاودة الأعمال. فصار الإطلاق كالحظر والصبر كالشكر. وليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء شيء إلا وله في الضراء مثله، ولو لم يرزق الله العباد إلا بالصواب محضا وبالصدق صرفا وبمر الحق صفحا، لهلك العوام وانتقض أمر الخواص. ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولوجد في كل شيء لانتكث. وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلما كما يكون النسيان للسلامة سببا. وسبيل المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك مجرى جميع القبض والبسط. فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم. ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة المزح، والحق أن ينضح عن بعض المزح ويحتج لجمهور الجد، وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ذاكرون قال الشاعر: «وذو باطل إن شئت ألهاك باطله» وقال آخر: أخو الجدّ إن يجدد فما من وتيرة ... لديه وإن يهزل يعللك باطله وإن كانوا قد تسموا بعابس وعباس وشتيم وكالح وقاطب وحرب ومرة وصخر وحنظلة وحزن وحجر وقرد وخنزير، فقد تسموا بالضحاك والبطال وبسام

стр. 416

وهزال ونشيط. وقد مزح رسول الله ﷺ . ولا يقال كان فيه مزاح، وكذلك لا يقال مزّاح. وكذلك الأئمة ومن هزل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار. فما روي عنه ﷺ قوله: «يا أبا عمير ما فعل النّغير» وقوله: «لا تدخل الجنة عجوز» وقوله: «زوجك الذي في عينيه بياض» وقد كان علي ﵁ يمزح. وقال عمر: إنا إذا خلونا كنا كأحدكم. وقد كان عمر عبوسا قطوبا. وقد كان زياد مع كلوحه وقطوبه يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا. وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه وتمرده وشدة سلطانه يمازح أزواجه ويرقص صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ فقال: والله إن تروني إلا شيطانا، والله لربما رأيتني وإني أقبل رجل إحداهن! فقد ذكرنا خير العالمين وجلة من خيار المسلمين وجبارا عنيدا وكافرا لعينا. وبعد، فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة وفرع من فروع الطلاقة! وقد أتانا رسول الله ﷺ بالحنيفية السمحة ولم يأتنا بالانقباض والقسوة وقد أمرنا بافشاء السلام وبالبشر عند التلاقي وأمرنا بالتوادد والتصافح والتهادي. قالوا: وكان رسول الله ﷺ يضحك تبسما. وقالوا: كان لا يستغرق ضحكا. وقال: «دففوا على صاحبكم» . وقال: «هذه أيام أكل وشرب وتعلل» وسمع جواري تضرب الكبر عند عائشة فلم ينكره وضحك في قيافة مجزز المدلجي ومن الاعرابي صاحب الدجال. قد اعتذرنا من معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزح ومرة بالنسيان ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك. على اني لم ارد بمزاحك الا ضحك سنك، انظر هل هرمت إلا في طاعتك، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك؟ وفي الجملة إنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا لكان في فضلك ما يتغمدنا، وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا ثم اعتذرنا ثم أطنبنا، فإن تقبل فحظك أصبت ولنفسك نظرت، وإن لم تقبل

стр. 417

فاجهل جهدك ثم أجهد جهدك، ولا أبقى الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت، وأقول كما قال أخو بني منقر: فما بقيا عليّ تركتماني ... ولكن خفتما صرد النّبال والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن بأحمد بن خلف وباسماعيل بن علي، ولئن صلت عليّ بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن تهت علي بمنادمة جعفر الخياط لأتيهن عليك بحسة وهب الدلال! وأنا أرى لك أن تقبل العافية وترغب الى الله تعالى في طول السلامة، واحذر البغي فان مصرعه وخيم، واتق الظلم فان مرعاه وبيل، وإياك أن نتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر ولقيس بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر. ولطاهر إذا صال، ومن عرف قدره عرف قدر خصمه، ومن جهل قدر نفسه لم يعرف قدر غيره. وقد رعيت لك حق نبيذك وحسن شرابك وإن كان فوق العيوق ودونه بيض الأنوق، وحق توتيائك وإن بعثت به ممزوجا فكيف لو بعثت به خالصا. وعليك بالجد فانه خير لك، ودع البيات فانه أمثل بك، فأنت والله يا أخي تعلم علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الإخبار أني أشد منك عقلا، وأظهر منك حزما وألطف كيدا، وأكثر علما، وأوزن حلما وأخف روحا، وأكرم عينا، وأقل غشا، وأجل قدا وأبعد غورا، وأجمل وجها، وأنصع ظرفا، وأكثر ملحا، وأنطق لسانا، وأحسن بيانا وأجهر جهارة، وأحسن إشارة. وأنت رجل تشدو من العلم وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتغر من قدرك، وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء. ليس عندك إلا ذلك. فلم تزاحم البحار بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي لا يتجزأ..!؟

стр. 418

[٢٣- شروط التمثيل وانواع الخطأ] فأما الباد والقامة فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يمثل بين النخلة والدكان وبين رحى الطحان وسيف يمان! وإنما يكون التمثيل بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين دون المتقاوتين، فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، والفقر والغنى، فهذا ما لا يخطيء فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس، والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي، كل ذلك سبيله التنبيه والتذكير والتقويم والتأنيب، والعمد نوع واحد وسبيله القمع والحظر والضرب والقتل، وأول ذلك أن يهجره صاحب الحكمة ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة. وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة به استنباطا، ولم أر من يعاند الحق إذا كانت المعرفة به عيانا. وأنت لا ترضى بجحد العيان حتى تدعو اليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى بالعداوة فيه حتى تكون لك فيه الرئاسة، ولا ترضى بالرئاسة دون السابقة، ولا بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري والمواليد التي تنمى، ولا ترضى أن تكون أولا حتى تكون آخرا، ولا بالمداراة دون المباداة، ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام، وأن التقصير كفر. [٢٤- الامام عند الشيعة] وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة، ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة. لأنك رجل لا عقب لك، والإمامة اليوم لا تصلح في الاخوة ولو صلحت في الأخوة كانت تصلح في ابن العم، ثم إنها دنت من الأرحام بعد ذلك فصارت لا تصلح إلا في الولد، وفي هذا القياس إنها بعد أعوام لا

стр. 419

تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه آخر الأبد. وهذا هو علة أصحاب التناسخ وأنت رافضي، ولم يكن هذا عندك. فاهد اليّ الآن من خالص التوتياء كما أهديت اليك باب التناسخ. وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرئاسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمبالغة رفعة. أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتا، وأخلقهم للمثوبة أصلبهم وجها، وأحسنهم تقية أقلهم حرجا، وأكثرهم عندك إنصافا أشدهم شغبا. تعشق المتهور وتكلف بالجموح وتصافي الوقاح. والأديب عندك من عاب أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كلّ نعمة، وأنكر كل حقيقة. [٢٥- علة الاستطراد] جعلت فداك، إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن من شأن الناس ملالة الكثير واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده، وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي، لأنك متى كنت للشيء منتظرا وله متوقعا كان أحظى لما يرد عليك واشهى لما يهدى إليك، وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم. كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفا بالاقتباس، وشحا على نصيبي منك، وضنا بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر. [٢٦- اسئلة على الأنبياء والمتنبئين] خبرني: كيف كانت خدائع المتنبئين، ومخاريق الكذابين ممن قد كان

стр. 420

ترشح للتنبوء، ومن لم يظهر دعوته، ومن دعا واجتهد، ومن أجيب، ومن لم يجب. وصف لي أبواب مصايدهم وأجناس كيدهم وحيلهم، وعن اعتمادهم على المواطأة، وعن تقدمهم في الحجة، وعمن ذهب في طريق التفهم، وعن أصحاب الزّجر والتنجيم، وعن أصحاب الاسترحام، وعن إظهار الزهد وتحريم الاستمتاع، ومن وافق صورته وحاله بعض ما في البشارات المتقدمة وما في الكتب الصحيحة، ومن اتفق له غير ذلك من الشبهة. فقل في شيث بن آدم، وقل في زرادشت، وفي ماني، وفي فولس، وفيما ادّعي لمرقس ومتّى ولوقا ويوحنا. وخبرني عن الأسود العنسي، ومسيلمة الحنفي، وطليحة الأسدي، وبنت عقفان، وربعي، وأمية بن أبي الصلت، وما قصة الطائرين الاخضرين، وما كان شأن الرماح. وخبرني عن سلمى بن جندل، وما قال الهند في نزول البدّ، وقصة ابن ديصان، وما قول عبدة الكيان وعباد قوة الهيولى وأصحاب البيضة، ومن عبد النجوم وثبت لها الحس والعلم والنفع والضر، ومن جعل كل داع إلى الله بالصواب والعدل وصلة الرحم ونفي الجهل نبيا، ومن أنكر أصل النبوة البتة، وما تقول في حنظلة بن صفوان، وخالد بن سنان؟ وقل في الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وهل يجوز أن يكفر نبي أو يشرك أو يضل بعد هدايته، ويصير عدوا بعد ولايته، ويدل الله على كذبه كما دل على صدقه؟ وكيف صار النبي عندكم يعصي ويخطيء والإمام لا يعصي ولا يخطيء؟ وكيف ساغ ذلك في جميع النبيين وأمكن في جميع المرسلين، على كثرة عدد النبيين والمرسلين، ولم يجز ذلك في إمام واحد مع قلة عدد الأئمة مذ كانوا؟ [٢٧- اسئلة على الاديان] وخبرني لم تنصر النعمان ويزيد بن الحارث، وتهود ذو نواس،

стр. 421

وتمجست ملوك سبأ؟ وكيف صارت العرب فرقا بين محلّ ومحرم وأحمسي، سوى تفرقهم في الملل، وكيف لم نر أمة قط دهرية وقد علمنا أنه لا يجوز أن يتنبأ دهري؟ وكيف لم يتدهر ملك، وكيف لم نجد قول الدهرية إلا في الخاص والشاذ والرجل النادر؟ ولم كان لجميع أهل الاديان مملكة وملوك إلا الزنادقة ولم قتلهم جميع الأمم السالفة؟ ولم قضيت بهذا وقد رأينا المصدقية والدّيناوريّة والتّغزغزية! فإن قلت: لأن من لم يكن من دينه القتال ولا من غريزته البأس فهو مسلوب أو مسترق، فما بال الروم تمنع أن تسترق وأن تسلب وليس في دينهم قتال ولا جدال ولا مكافأة ولا دفع. [٢٨- اسئلة على العرافة والسحر] جعلت فداك، أين كان عبد الله بن هلال الحميري صديق إبليس من كردباش الهندي، وأين كان يقع منهما صالح المديبري، وأين عبيد مج من البطيحي، وأين عبد الوارث من الهجيمي، وأين كان أبو منصور المخاريقي من جرمي، وأين بامونة من حسده، وأين قشة اليهودي من كشة، وما فصل ما بين الكهانة والشعبذة، وما فصل ما بين الحازي والعراف، وأين كان عزّي سلمة من سطيح الدئبي، وأين كان الأبلق الأسدي من رياح بن كهيلة، وأين كاهن سعد هذيم من حليس الخطاط. وحدثني عن ساحرة حفصة وساحرة عائشة [أقتلتا] باقرار منهما بكيفية السحر؟. وحدثني عن صاحب جندب بن زهير باقرار قتله أم عن معرفة منه بمعنى السحر؟. وهل ثبت جعلت فداك أن النبي ﷺ سحر في جف طلعة ووضع تحت راعوفة البئر أم لا؟ وخبرني: ما البحر باي، وما البارباي، وما الكروريات، وما الخواتيم، وما المناديل والسعي والأمر الذي كان في خاتم سليمان، وما

стр. 422

السكينة التي كانت في التابوت، فقد اختلف المفسرون فيها وزعموا أنها كانت رأس هر. وما سعسف ياسينية، وما الفتل، وما التوجيه؟ وخبرني: ما تأويل الزّمزمة، وما فعل المال الذي من أخذ منه ندم ومن لم يأخذ منه ندم. وخبرني عن قول الخليل في الوهم القديم؟ [٢٩- اسئلة على التذكر والنسيان] وخبرني جعلت فداك عن قولك في الشعر الذي ننشده في المنام مما لم نسمع بأجود منه في اليقظة، وعن الشعر الذي نخترعه عن مناقلة الكلام وموازنة الأمور وحال النوم، وحال الآفة والنقص وصاحبه مغمور أم شبيه بالمغمور ولا يجري عليه قلم ولا يلام ولا يشكر، ولم صرنا نتذكر الشيء المهم فلا نقدر عليه حتى ندعه فأيسنا منه أجمع ما نكون أنفسا وأحسن ما نكون تذكرا، ثم يعارضنا ويخطر على بالنا في حال سهر أو في حال نوم وأغنى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالا به، ولم صرنا ننسى من القصيدة بيتا أو آية من جميع السورة أو كلمة من جميع كلام الخطبة، ولم صار البلغم بالباء أولى منه بالتاء، ولم كانت المرّة السوداء بالجيم أولى منها بالحاء، وكذلك القلب المانع من الحفظ. وهل بد للحقيقة من خصائص أسباب وأعيان علل؟ وإلا فقد يجوز أن تنسى هذه القصيدة بدل تلك، ولم صار بعض الناس أحفظ للنسب وبعضهم أحفظ للاسناد، وبعضهم أحفظ للمعاني، وبعضهم أحفظ للالفاظ. ولم صرنا لا ننسى السباحة وبالاكتساب عرفناها والعادة أن المكتسب قد ينسى ويجهل، وأن الضروريات لا تجهل. وقل لي لم لم تضرب السامري، ولم لم تعض ماني وتمضه، ولم لم تبزق في وجه فرعون. أم إن الطبيعة التي هيبتك من هشام بن خلف بن قواله الكناني حين قال على رأس النعمان وأنت رجل يمان هي التي منعتك من أن تبزق في وجه

стр. 423

فرعون وأنت سمعته يقول: «وما رب العالمين» ؟ ولم أزعم أنك رجل يمان لولادة لك في قحطان، كيف وأنت أقدم من قحطان ومعد بن عدنان، ومن القرون التي خبر الله عن كثرتها وعن آبائها وأجدادها! ولكنك منهم بالهوى والنصرة، ولأنهم كانوا لك أحشاما وصنيعة. وقل لم صار جميع الحيوان يسبح إلا الانسان والقرد والعقرب والفرس الأعسر؟ وأي شيء عندك في آصف، وفي سفر آدم، وفي جراب موسى، وفي درسب، وفي شنلة، وفي كتاب الأسماء، وفي قولهم دعا فلان باسم الله الاعظم، وما تقول في ابن عقيب، وفي أشج بن عمرو، وفي شعيب وصالح، وفي السفياني، وفي الأصفر القحطاني. [٣٠- اسئلة على الرياضيات] وخبرني جعلت فداك مذ كم صنعت حساب الهسمرح، ومن صاحب خطوط الهند، وأين كتب قوم صنعة السند هند والأركند وحساب كلا سفر؟ ومذ كم عمل الباب الجامع، ومذ كم عمل الارتماطيقي، ومن سمى الجبر بالجبر، والجذر بالجذر، والنشاذر بالبارود، والأكدرية من أي شيء اشتقت، وما تأويل الدحال، وما تأويل الجمل، ومن أول من عد إلى عشرة وجعل العشرة منتهى وغاية، ثم ضاعفها وجعل غايات الأعداد عشر العشرات وعشرات عشرات العشرات أبدا، ثم كسر على العشرة مما دون أعدادها، لأن الأصابع عشرة، وكيف لم يجعل الغاية ما له نصف وثلث وربع وسدس وثمن، أم رأى أن التضعيف أبدا لا يكون إلا للعشرات، فقد نجده في عشر العشرات، أم القول الأول الأشياء كلها عشرات، ولست أعرف جعلت فداك قوله إن الانسان عشرة أشياء، كما لم أعرف قول الفزاري أن العقل كريّ، وقد علمت أن القلب كري، وأن الرأس الذي جمع الحواس كري. فأما

стр. 424

العلم والقول وما أشبههما فإنا لا نعرف هذه الأمور إلا على خلاف الأجرام الموصولة والمقطوعة، وقد شدوت من الموسيقى ولم أبلغ منه شهوتي. [٣١- اسئلة على الموسيقى وبعض الكتب المعربة] فخبرني أين كان أقليدس وميرسطوس من فيثاغورس، وأين تلامذتهما من تلامذته، وهلا قدمتم أقليدس مع صنعة البرابط والمعارف؟ وأين أرشخانس من مورسطس، وأين ريوشت من فلهوذ، ولم قتله وهو فوقه في الإطراب والصنعة وفي الرواية والرئاسة، ولم عفا سابور عن قتله بعد إقراره بقتله وبعد أن سحب الى الفيلة وعزم على إمضاء الحكم. وأين كانت هر وفرتنا من الجرادتين، وأبو طيبة والرباب من السردان والمهراس، وأين حبابة من سلّامة صاحبتي يزيد، وأين عزة الميلاء من جميلة الحدباء، وأين حيية من الميلاء. وخبرني عن غناء الركبانية للمصطلق أخذته منه الركبان أم للركبان وهل رجعه بخسر المصطلق، وزعمت أن الاهراج لليمن، وأن النصب للقينات، فلمن السناد؟ فخبرني أين كان ضبيس بن حرام من المصطلق بن سعيدة، ولم جعل المعلم النغم يعد لليوناني ست عشرة نغمة؟ ألأنه لم يدرك أكثر منها أم لأنه ليس في الحلقة إلا ما أدرك، ولم جعل الرعب للسوداء، والحزن للبلغم، والجرأة للصفراء، والسرور للدم. ولم فسر الأوتار على ذلك فجعل الزير للصفراء، والمثنى للدم، والمثلث للبلغم، والبم للسوداء! وقال: ألزير لطيف ناري خفيف، والمثنى هوائيّ بين طبيعة النار وهو دون النار في الخفة وبين طبيعة الماء وهو فوق الماء في الخفة، والمثلث كالماء، والبم كالأرض، وفي المثنى ضعف وزن الزير، وفي المثلث ضعفا وزن الزير، وفي البم ثلاثة أضعاف. ولم زعم أن من اللحون ما يقلق ويفرق فإن زيد فيه نقض وإن قوي قتل. وأن فيها ما يغير فان زيد فيه غشىّ وإن قوي أجمد فإن

стр. 425

قوي قتل. فجعل لحنا مطلقا يقتل بالإذابة، وجعل لحنا يقتل بالاجماد. ولم وصف اللحون بالإجماد والاضاعة كما توصف السموم القاتلة؟. خبرني عن صنعة البربط، للمك أم لرفائيل أم لأقليدس؟ وما تقول في قولهم إن لمكا عمل العود على صورة فخذ ابنه ساقها وقدمها وأصابعها وأنه جعل الصدر الفخذ، والساق الإبريق، والقدم المشط، والأصابع الملاوي، والأوتار العصب والعروق. جعلت فداك كيف حفظك لكتاب كاوريد، وقد خبرني بعض المتكلمين أنه رأى بسيراف مجوسيا يحفظه وهو في ألف جلد بخط مقارب. وكيف حفظك لكتاب الطرف وهل لقيت واضعه أيام أدخلك بلاد الروم نزول عطارد؟ وخبرني عن أسرار الهند ألرجل بعينه أم لشورى؟ ولم زعموا أن العقوق يورث البرص، وهذا مما لا يعرف في الطب. ومن صاحب الشطرنج، ومن صاحب كليلة ودمنة، ومن واضع الكوكلة، ومن طبع القلعة، ولم صار الهندي والرومي لا يحفلان بالسندي في حال الأسر ويرغبان عنه في حال القتال. وقد اختلفوا علينا في النعال السندية فزعم قوم أن صاحب كتاب الباه كان قصيرا منكرا وكان بالنساء مستهترا وأنه احتال بها لجسمه حتى وصلها برجله ليكون ثخنها زائدا في طوله فلما طالت الأيام ومضت الدهور ظن من لا علم له أنها اتخذت للزينة أو لضرب من المرفق. وقال آخرون: بل اتخذت للعقارب ليلا وللطين نهارا، فلما طال عليها نسي السبب، وذلك أن أكثر الرداغ لا تستغرق ثخنها وابرة العقرب لا تكاد تجاوزها وقال آخرون: بل إنما اتخذتها ملوكها لمكان أصواتها وصريرها استئذانا على أزواجها وأمهات أولادها وعلى جميع محارمها لحالات تكنّ عليها وأمور تكن فيها، فصار صريرها تدنأ واستئذانا. وزعم إسماعيل بن علي أنك أنت الذي كنت أمرت باتخاذها وأشرت بصنعها، وأنك تكتم السر الذي فيه، وأنك الذي علمتهم مضغ التانبول ودبغ تحمير الاسنان، وتطيب النكهة، وأكل السعد لما أنت أعلم به، والتصندل لما لا
следующие страницы →