← Акыда

Акыда · id 10699

تبسيط العقائد الإسلامية

حسن أيوب

Полный текст (311 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أما الأعراض التي تخل بمنصب الرسالة مثل الإغماء الطويل والجذام، والبرص والجنون والعمى والأمراض المنفرة كلها ممتنعة عليهم. وأما السهو والنسيان فلا يجوزان عليهما إلا فيما يتصل بأمر التشريع فقط كسهو الرسول ﷺ في الصلاة لتعليم الأمة. وأمل النسيان من جانب الشيطان فمستحيل عليهم إذ ليس للشيطان عليهم سبيل. وما كان قول يوشع ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ (١) إلا تواضعا وتأدبا مع الله.

стр. 142

المعجزة تعريف المعجزة إذا جاء أحد الناس وادعى أن الله اختاره واجتباه وارتضاه لأن يكون رسولا من عند الله تعالى إلى الناس فإن الناس لا يمكن أن يقبلوا قوله في بادئ الأمر- مهما كان حميد السيرة مرضي الخلق حسن العشرة بين قومه- إلا إذا جاء بدليل قاطع يثبت أنه حقا رسول الله إليهم، وهذا الدليل الذي يثبت رسالته لا بد من أن يكون صادرا من عند الله تعالى، فإذا جاء الدليل من الله تعالى يثبت رسالته وجب على المرسل إليهم اتباع رسولهم، وإلا نزل بهم عذاب الله ووعيده، لأنهم كذبوا المرسل إليهم بعد وجود دليل صدقه. هذا الدليل الذي يثبت رسالة الرسول، وأنه موفد من عند الله هو المسمى (المعجزة). تعريف المعجزة فالمعجزة دليل حسي أو معنوي يعجز جميع البشر الموجودون عند إرسال الرسول عن الإتيان بمثله. وعجز البشر دليل على أن المعجزة فعل الله القادر على كل شيء. والله لا يفعل المعجزة إلا ليثبت للمرسل إليهم أنه تعالى هو الذي أرسل هذا الرسول إليهم وأنهم مكلفون باتباعه والعمل بما جاء به من دين وشرع. وقد عرف العلماء المعجزة بالتعريف الآتي: المعجزة: هي أمر يظهره الله بخلاف العادة على يد مدعي النبوة عند تحدي المنكرين على وجه يعجز المنكرون عن الإتيان بمثله. فشروط المعجزة حسب هذا التعريف هي:

стр. 143

١ - أن تكون المعجزة من الله تعالى دون غيره، لأنها تصديق منه لرسول فلا يصدقه بفعل غيره، سواء كان هذا الأمر (المعجزة) الذي يظهره الله قولا مثل القرآن، أم فعلا كفلق البحر لسيدنا موسى، أم تركا كعدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم ﵇. ٢ - أن تكون خارقة للعادة لأنها لو لم تكن كذلك لأمكن للكاذب ادعاء الرسالة، وخرج بهذا السحر والشعوذة والمخترعات الغربية. ٣ - أن تظهر على يد من يدعي النبوة ليعلم أنه تصديق له ... فخرج بهذا الكرامة والمعونة والإستدراج. ٤ - أن تكون مقرونة بدعوى النبوة ومصاحبة لها حقيقة أو حكما كما إذا تأخرت بزمن يسير ... وخرج بهذا الإرهاص. ٥ - أن تكون المعجزة موافقة للمطلوب، فإن جاءت مخالفة للمطلوب سميت إهانة كما حصل لمسيلمة الكذاب، فإنه تفل في عين لتبرأ فعميت السليمة. ٦ - أن لا تكون مكذبة للمدعي. فلو قال الإنسان: معجزتي نطق هذا الجماد فنطق الجماد مكذبا له فإن تكذيبه يعتبر دليلا على كذب المدعي. ٧ - أن تتعذر معارضة الأمر الخارق للعادة والإتيان بمثله لأن المعارضة لو أمكنت واستطاع أحد أن يأتي بمثل الأمر الخارق للعادة الذي جاء به النبي لأمكن لأي كاذب أن يدعي النبوة. ٨ - زاد بعضهم أن لا تحصل المعجزة زمن نقض العادات- وذلك كزمن طلوع الشمس من مغربها وتكلم الدابة، وظهور المسيح الدجال، فإن الخوارق فيه ليست معجزة. الفروق بين المعجزة وبين غيرها من خوارق العادات ١ - هو: أن المعجزة أمر خارق للعادة يظهر على يد مدعي النبوة. ٢ - والكرامة: أمر خارق للعادة يظهر على يد عبد صالح غير مدع للنبوة.

стр. 144

٣ - والمعونة: أمر خارق للعادة يظهر على يد بعض العوام تخليصا من شدة. ٤ - والإهانة: أمر خارق للعادة يظهر على يد كاذب مدع للنبوة خلاف مطلوبه كما حصل لمسيلمة الكذاب. ٥ - والإستدراج: أمر خارق للعادة يظهر على يد فاسق مدع للإلهية، كما يظهر على يد المسيح الدجال. ٦ - والإرهاص: أمر خارق للعادة يظهر على يد نبي قبل بعثته كتظليل الغمام لنبينا محمد ﵊. ٧ - والسحر: قواعد يقتدر بها على أفعال غريبة بالنظر لمن جهل قواعده ويمكن اكتسابه بالتعلم. ٨ - والشعوذة: خفة في اليد بوساطتها يرى الشخص أشياء على أنها حقيقية وليست كذلك في الواقع كما يفعل الحواة. ٩ - وغرائب المخترعات: هي الناشئة عن معرفة بعض خصائص المادة وأسرار الكون. مثل الراديو- والتلفزيون وسفن الفضاء وغيرها. المعجزة إمكان المعجزة المعجزة أمر ممكن عقلا، وواقع فعلا- إذ قد ثبتت معجزة القرآن الكريم بالتواتر. وقص علينا القرآن الكريم كثيرا من معجزات الأنبياء السابقين التي تحدوا بها قومهم، وأثبتوا بها رسالتهم واو لم تكن المعجزة ممكنة لما وقعت.

стр. 145

وأما مخالفة المعجزة للسنن العادية في إيجاد الممكنات فإن ذلك أمر لا يمتنع على الله، لأنه تعالى قادر على كل شيء. وقد يكون للخوارق عند الله سنن خاصة لا نعرفها ولكن يظهر أثرها على يد مدعي النبوة. المعجزة دلالة المعجزة ذهب جمهور العلماء إلى أن دلالة المعجزة على صدق الرسول في دعواه يقينية، فالمعجزة تثبت إثباتا لا شك فيه أن الذي جرت على يديه هو رسول من عند الله. وهذه الدلالة اليقينية تلزم من عاصر الرسول ومن غاب عنه وجاء بعده لأن الذين يشاهدون المعجزة يكونون عددا كثيرا، فإذا نقل العدد الكير أمر المعجزة إلى الغائبين كان ذلك حجة عليهم توجب تصديقهم بها وذلك هو الحاصل في حياة الناس والمركوز في فطرهم، فإن أكثرهم يؤمن بكثير من المدن والقرى ومن الشخصيات التاريخية والأحداث العظيمة وليس من سبب في إيمانهم بها إلا الأخبار المتواترة. المعجزة ذكر بعض معجزات الرسل اعلم أن من حكمة الله تعالى البالغة أنه يؤيد رسله بمعجزات من نوع ما فاق وأبدع فيه القوم المرسل إليهم حتى تنقطع حجتهم عن رسولهم، لأن الرسول لو جاء بمعجزة من نوع يجهلونه وطالبهم أن يأتوا بمثلها لكان لهم أن يقولوا: إن هذا شيء نجهله ولو علمناه لعارضناه، أما إذ تحداهم الرسول بمعجزاته في أمر قد برعوا فيه وأجادوه ثم لم يستطيعوا معارضته فإن ذلك يفحمهم ويلزمهم الحجة، فمثلا عندما أرسل الله تعالى سيدنا موسى ﵇ كان فن السحر شائعا في القبط قوم فرعون، ولهم فيه المهارة التامة، ويعلمون من شأنه ما هو ممكن للبشر معرفته وصنعه منه وما ليس ممكنا لهم،

стр. 146

فلما سحر السحرة منهم الحبال والعصي بأمر فرعون، وصارت ترى حيات تسعى ألقى سيدنا موسى ﵇ عصاه بأمر الله تعالى فقلبها الله ثعبانا عظيما فابتلعت تلك الحيات الكثيرة، ثم لما أخذها بيده عادت عصا كما كانت فخر السحرة لله ساجدين، وآمنوا برسالة موسى، وصبروا على تعذيب فرعون لهم، وما ذلك إلا لأنهم بسبب معرفتهم فن السحر وعلمهم بمقدار ما يدخل منه في طوق البشر وما لا يدخل أيقنوا أن تلك الخارقة، وهي انقلاب العصى ثعبانا ابتلع حبالهم وعصيهم المسحورة على صورة الحيات، ثم عودتها كما كانت مع تلاشي حبال السحرة وعصيهم دليل على أن ما حصل على يد موسى ليس سحرا، وإنما هو آية ومعجزة من عند الله تعالى. ولما بعث الله تعالى سيدنا عيسى ﵊ كان فن الطب شائعا في بني إسرائيل، فكان من حكمته تعالى أن جعل كثيرا من معجزاته ﵇ من قبيل أعمال أهل الطب، فأبرأ الله على يديه الأبرص والأكمه (الذي ولد أعمى) وأحيا الموتى، فأهل المعرفة في علم الطب لا يحتاجون في تصديق رسالته إلى أمر صعب، بل من الواضح لديهم أن يقولوا: إننا نعلم في الطب ومقدار ما يمكن الإنسان أن يبلغه فيه من الأعمال وما لا يمكنه- فيدخل في طاقة الأطباء الحذاق أن يشفوا الأبرص، ولكن ذلك يحدث بمعالجة مخصوصة مع مرور زمان مخصوص، وأما شفاؤه في الحال بمجرد لمسه أو الدعاء له فهذا ليس في طوقهم. ويمكنهم أن يشفوا مرضى العمى الذي يكون عرضيا ليس مخلا بجوهر البصر، وأما شفاء الأكمه عديم البصر فهذا ليس في طوقهم، وكذلك إحياء الموتى. وحيث أن عيسى قد أتى بهذه الخوارق التي لا يستطيعها حذاق الأطباء فإن ذلك دليل على صدق دعواه الرسالة. ولما بعث سيدنا محمد ﷺ - وكان أميا لا يعرف القراءة والكتابة- ولم يجتمع مع أهل القراءة والكتابة اجتماعا يمكنه من التعلم منهم ويؤهله لاكتساب جملة معارف الأمم وشرائع الأقدمين، وقوانين الممالك،

стр. 147

ولم يعلم عنه في تلك المدة أنه كان يدرس شيئا مما ذكر، وكذلك لم يحصل له في تلك المدة- مدة حياته قبل البعثة - أن مارس صناعة الفصاحة والبلاغة، فلم يكن له عناية بالأشعار والخطب والرسائل العربية، لا قولا ولا رواية، ولم يكن مولعا بمحاورة الفصحاء، ومغالبة البلغاء حتى تقوى فيه ملكة الفصاحة والبلاغة، وحتى يصبح أهلا لبلوغ الدرجة القصوى فيها (مع العلم بأنه مع عدم التعلم والممارسة كان أفصح العرب، وأوتي جوامع الكلم بما وهبه الله وعلمه)، فلما أرسل بين جماهير العالم من عرب وعجم فقر في المال، وفقد للناصر والمعين، فادعى أن الله تعالى أرسله إلى الناس كافة ليبلغهم شرعه ودينه. وليبشر من اتبعه بالفلاح في الدنيا والآخرة، ولينذر من تولى وأعرض بالخزي والشقاء فيهما، وأعلن فيهم الدعوة إلى توحيد الله تعالى، وهدم كل ما ورثوه من شرك وكفر، وأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. عندما فعل ذلك وسمعت منه الجماهير هذه الدعوى العظيمة نفروا منه، وعادوه أشد المعاداة، وهجره الأهل والخلان، وكذبه الشيوخ والشبان، ثم أخذوا في مجادلته ومخاصمته وطلبوا الحجة على صدق دعواه الرسالة، فجاءهم ﷺ بمعجزات كثيرة سنذكر بعضها فيما يأتي، غير أن المعجزة الخالدة التي استند إليها في إثبات رسالته وجعلها الأساس في ذلك، وتحداهم بها ثلاثة وعشرين عاما هي المعجزة العقلية المعنوية العظمى (القرآن الكريم) فقد تحداهم أن يأتوا بمثله فعجزوا ثم تحدهم أن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بمثل أقصر سورة منه فعجزوا، ثم أعلمهم بأنه لو اجتمع البشر كلهم، وتظاهرت الجن معهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا، أن يأتوا بسورة مثله ولو كأقصر سورة منه. قال تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (١).

стр. 148

وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢). وإنما كان القرآن هو المعجزة الأساسية التي تحدى بها النبي ﷺ قومه، لأنه كان في الأمة العربية أمراء الفصاحة والبلاغة وكان العرب أكثر الناس شاعرا وخطيبا، وفيهم العالمون بأساليب الفصاحة والبلاغة، والمحيطون بأسرارها، وبما هو في طوق البشر من مراتبها وبما ليس في طوقهم. لذلك لما عرض عليهم القرآن وأخذ يتحداهم كما سبق- وهو يسفه أحلامهم ويعيب أخلاقهم، ويندد بآثامهم- نظر فيه علماء البلاغة والفصاحة منهم ثم أيقنوا بعد المكابرة أنهم أعجز من أن يأتوا بآية واحدة مثل آياته. ولا يزال القرآن وسيظل يتحدى العالم كله في كل زمان ومكان، ولن يستطيع العالم مهما أوتي من علوم الفصاحة والبلاغة وغيرهما أن يعارض آية من كتاب الله تعالى وصدق الله إذ يقول: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (٣).

стр. 149

المعجزة معجزات النبي محمد ﷺ معجزاته ﷺ التي أيده الله بها كثيرة منها ما هو متواتر كالقرآن، ومنها ما ليس متواترا كتسبيح الحصى في كفه ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ . فمن أنكر المتواتر من المعجزات كان كافرا. ومن أنكر الصحيح الثابت منها كنبع الماء من بين أصابعه كان فاسقا. وتنقسم معجزاته ﷺ إلى قسمين (١ - معنوية كالقرآن) (٢ - وحسية كنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام بدعائه). وقد أيده الله بمعجزات عقلية ليدركها أصحاب العقول السليمة فيقتنعوا وينقادوا، كما أيده بالمعجزات الحسية لتطمئن نفس المتردد، وتنقطع حجة الجاحد، وبهذا لا يكون لمكلف عذرا أيا كان إدراكه. أمثلة للمعجزات الحسية ١ - نبع الماء من بين أصابعه ﷺ : عن جابر ﵁ قال: عطش الناس يوم الحديبية فأتوا رسول الله ﷺ وبين يديه ركوة (١) وقالوا ليس عندنا ما نتوضأ به ولا ما نشرب إلا ما في ركوتك، فوضع ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فتوضأنا وشربنا، قيل لجابر كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا. كنا خمس عشرة مائة. أخرجه الشيخان. ٢ - تكثير الطعام ببركة دعائه ﷺ : عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في مسير، فنفذت أزواد القوم حتى هموا بنحر حمائلهم (٢) فقال عمر

стр. 150

رضي الله عنه: يا رسول الله، لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها، ففعل. فجاء ذو البر ببره (١) وذو التمر بتمره، وذو النواة بنواته قيل: ما كانوا يصنعون بالنوى؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء. فدعا عليها حتى ملأ القوم مزاودهم (٢) فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقي الله بها عبد غير شاك فيها إلا دخل الجنة. أخرجه مسلم. ٣ - تكليم الشجر له ﷺ : عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي ﵀ يقول: سألت مسروقا: من آذن (٣) النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك يعني ابن مسعود أنه قال: آذنت بهم شجرة- أخرجه الشيخان. ٤ - حنين الجذع له ﷺ : عن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ إلى لزق (٤) جذع فلما صنعوا له المنبر فخطب عليه حن الجذع حنين الناقة. فنزل ﷺ فمسه فسكن- أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح. ٥ - تسليم الحجر عليه ﷺ : عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت، إني لأعرفه الآن" أخرجه أحمد ومسلم. وله ﷺ معجزات حسية كثيرة غير ما ذكر غير أننا، اكتفينا بالأمثلة السابقة لدلالتها على المطلوب.

стр. 151

المعجزة معجزة القرآن ... القرآن هو المعجزة الأساسية التي اعتمد عليها النبي ﷺ في إثبات رسالته وإعجازه قومه. وهو معجزة عقلية معنوية باقية إلى يوم القيامة. تعريفه: القرآن هو اللفظ العربي المنزل على سيدنا محمد ﷺ المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المتحدي بأقصر سورة منه. بم كان إعجاز القرآن ؟ ... زعم النظام من المعتزلة أن إعجاز القرآن بالصرفة (أي إن الله صرف العرب عن معارضته، وسلب عقولهم حتى لا يأتوا بمثله، وكان ذلك مقدوراً لهم، لكمن عاقهم أمر خارجي، فصار كسائر المعجزات). وهذا قول فاسد بدليل قوله تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم. ولو سلبوا القدرة لم تبق فائدة لاجتماعهم، لأن اجتماعهم حين يسلبون القدرة بمنزلة اجتماع الموتى، وليس عجز الموتى مما يحفل بذكره، هذا مع أن الإجماع منعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن فكيف يكون معجزاً وليس فيه صفة إعجاز، بل المعجز هو الله حيث سلبهم القدرة على الإتيان بمثله؟. وأيضاً يلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمن التحدي وخلو القرآن من الإعجاز، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة على أن معجزة الرسول العظمى باقية، ولا معجزة له باقية سوى القرآن. إذن فالقول بأن الإعجاز القرآني سببه صرف الله الناس عن الإتيان بمثله قول باطل ومخالف باطل ومخالف لإجماع الأمة ولا يصح الاعتداد به.

стр. 152

لذلك اجتهد العلماء من السلف والخلف في استنباط أوجه الإعجاز في كتاب الله تعالى وسيظلون يجتهدون ويستنبطون إلى يوم القيامة. فإن كتاب الله تعالى يكفي في عظمته وسموه ورفعته أنه كتاب الله، ولأنه كذلك عجز الإنس والجن عن أن يأتوا بسورة كأقصر سورة منه. لكن العقل الإنساني وإن عجز عن الإتيان بمثل القرآن فإنه لم يعجز عن المحاولات الكثيرة ليستشف بعض الأوجه في إعجاز القرآن الكريم. وساعد العقل على ذلك في صدر الإسلام تمكن العرب المسلمين من أساليب الفصاحة والبلاغة وبلوغهم فيها شأواً بعيداً، وساعده على ذلك بعد صدر الإسلام إلى يوم اطراد التقدم البشري في العلوم الكونية والإنسانية وغيرها مما جعل المسلمين المنصفين ينظرون إلى القرآن الكريم باعتباره الكتاب الإلهي الوحيد الذي (بقي) وسيظل شامخاً جامعاً شاملاً كل حاجات الإنسانية. فيجدون أن هذا القرآن الكريم يعايش الحياة كلها. أرضها وسماءها، محسوسها ومعنوياتها وأنه يجمع بين دفتيه علوماً لا حصر لها، وأن أي خطوة يخطوها الإنسان في اكتشاف أو اختراع أو تشريع أو تقنين عادل فإن القرآن الكريم يعتبر سابقاً بالإشارة أو العبارة كل ما يصل إليه البشر. ونحن حين نقدم للأمة بعض أوجه الإعجاز فإننا لا نريد الحصر بما نقدم. إنما نقدم الأهم الذي يفتح لك آفاق البحث والاستزادة إن أردت المزيد. فقد اقتصر بعض العلماء على أربعة أوجه لإعجاز القرآن، وأوصلها بعضهم إلى عشرة أوجه، وأوصلها آخرون إلى ستين وجهاً، وآخرون بلغوا بها أكثر من ذلك. أوجه الإعجاز في القرآن ... الوجه الأول: حسن تأليفه وتناسق كلماته، وفصاحته، ووجوه إيجازه وبلاغته الخارقة عادة العرب. فإن العرب الذين كان الكلام طوع أمرهم، والبلاغة ملك قيادهم،

стр. 153

قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها، ودخلوا كل باب من أبوابها، وعلواً لبلوغ أسبابها، وبلغوا من الفصاحة قمتها، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، وقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث والسمين، وتساجلوا في النظم والنثر. ما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياتهن وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتضافر إيجازه وإعجازه، وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه، وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه (١) فلم يسعهم بعد المحاولات والمشاورات والمؤتمرات والافتراءات إلا أن يخضعوا مذعنين، وأن يقروا خاضعين بأن ما يسمعونه من القرآن ليس من نوع ما ألفوا، ولا من جنس ما عرفوا، ولا هو في طوق واستطاعة أحد منهم. وصدرت من مجالسهم الخاصة واجتماعاتهم المغلقة اعترافات تعلن عجزهم، وتشهد عليهم بأن موقفهم من القرآن ليس إلا مكابرة وعناداً. من هذه الاعترافات أن الوليد بن المغيرة لما سمع قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون﴾ [النحل: ٩٠]. قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر. وسمع أعرابي رجلاً يقرأ: ﴿فاصدع بما تؤمر .. ﴾ [الحجر: ٩٤]، فسجد وقال:

стр. 154

سجدت لفصاحته. وسمع آخر رجلاً يقرأ: ﴿فلما استيئسوا منه خلصوا نجيّاً﴾ [يوسف: ٨٠]. فقال أشهد أن مخلوقاً لا يقدر على مثل هذا. وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها: قاتلك الله! ما أفصحك؟ فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ [القصص: ٧٠]. فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين؟؟؟؟ (١). الوجه الثاني: صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها. فإن الأسلوب الذي جاء القرآن عليه، ووقفت مقاطع آيه، وانتهت فواصل كلماته إليه، لم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر فهو نوع متميز كل التمييز في كل شيء وحتى في تسمية جملته قرآناً وفي تسمية أجزائه سوراً وآياته تنتهي بفواصل، وذلك بدلاً من الديوان والقصيدة والبيت والقافية مما تعارف عليه العرب. لذلك لما سمع عتبة بن ربيعة القرآن وهو من أشد الناس عداوة له - قال يا قوم ... قد علمتم أني لم أترك شيئاً إلا وقد علمته وقرأته وقلته، والله لقد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قط، وما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة. وفي صحيح مسلم أن أنيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون:

стр. 155

شاعر، كاهن، ساحر، وكان أنيس شاعراً ناقض اثني عشر شاعراً في الجاهلية فقال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أمراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون. والإعجاز بكل واحد من النوعين السابقين: ١ - الإيجاز والبلاغة بذاتها، ٢ - والأسلوب الغريب بذاته - كل منهما نوع إعجاز على التحقيق. وهذان الوجهان لازمان كل سورة وكل آية وبهما يتميز مسموع كل آية وكل سورة عن سائر كلام البشر، وبهما وقع التحدي والتعجيز. الوجه الثالث: الإخبار عن الأمور التي تقدمت من نشأة الحياة إلى وقت نزول القرآن على محمد ﷺ وهو النبي الأمي الذي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فأخبر بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، والقرون الخالية في دهرها، وأجاب عن تحديات أهل الكتاب حين سألوه عن قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين، وغير ذلك، فجاءهم بما عرفوا من الكتب الثابتة صحتها مع أنه أمي من أمة أمية لها علم بذلك، ومع أنه ﷺ لم يكن مختلطاً بأهل الآثار والتاريخ، وحملة الأخبار، ولم يكن متردداً إلى المتعلم منهم. فلم يبق سبب لعلمه بذلك كله إلا الوحي الذي أنزل عليه من ربه. الوجه الرابع: الإخبار بالمغيبات في المستقبل وهي التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا بالوحي وهي التي أخبر عنها القرآن بأنها ستقع فوقعت كما أخبر ولم يتخلف منها شيء. من ذلك قوله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون﴾ [الفتح: ٢٧].

стр. 156

ومنه قوله تعالى: ﴿غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين﴾ [الروم: ٢ - ٣ - ٤]. ومنه قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيداً﴾ [الفتح: ٢٨]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٠٩]. ومنه قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ [الحجر: ٩٥]. وكان المستهزئون نفراً من بمكة ينفرون الناس عن النبي ﷺ فلما نزلت هذه الآية بشر أصحابه بأن الله كفاه إياهم فهلكوا جميعهم. ومنه قوله تعالى: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ [المائدة: ٦٧]، فحفظه الله وعصمه من كل من رام قتله والفتك به ﷺ . الوجه الخامس: الروعة التي تلحق قلوب سامعيه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة تأثيره، وزيادة خطره. ولذلك كان وقع القرآن على المكذبين أعظم وأخطر، وكانوا يخشون تأثيره على أنفسهم ونسائهم وأولادهم، وكانوا يقولون - خوفاً من تأثيره عليهم-:

стр. 157

﴿لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: ٢٦]. وكان كبراؤهم هم يمنعون أتباعهم من الاستماع إلى القرآن الكريم، كما يؤذون من يجهر بالقرآن من المسلمين ولو كان يقرأ في فناء داره. والسيرة مليئة بالأمثلة الموضحة لذلك. وأما المؤمنون فإن روعة كتاب الله تعالى وقوة تأثيره في نفوسهم وهيبته في قلوبهم جعلتهم يعشقون هذا الكتاب الإلهي ويهجرون ما سواه من أشعار وخطب، ويعيشون مع القرآن الذي أخذ بمجامع قلوبهم، واستولى على مشاعرهم ووجدانهم، وأسر بروعته عقولهم، وهذب بكماله نفوسهم، ووصل بالله أرواحهم. فهم من يوم أن عرفوه عشقوه، وبمجرد أن قرأوه تمثلوه، فصارت أحرفه نغماً عذباً في أسماعهم، وكلماته نوراً يتلألأ في قلوبهم، وأحكامه وحكمه دواء روحياً لأمراضهم ومتاعبهم. وفي جوف الليل يسمع المار بأي بيت فيه مسلم دوياً عذباً حلواً مصدره قارئ يرتل كتاب الله، وفي شعاب الجبال ووديانها بمكة أفراد هربوا في جنح الظلام ليستمعوا بتلاوة كتاب الله. وسقطت سياط العذاب على رؤوس المسلمين وجسومهم فآلمت ومزقت، وألقيت الصخور الحامية على صدور المؤمنين فأثقلت وعذبت، ووضعت الأغلال في الرقاب والقيود في الأرجل فأنهكت وأتعبت. ومع ذلك كله انتفضت القلوب المؤمنة بحب الله هون عليها كل عذاب، وانطلقت ألسنة الموحدين باسم الله مخترقة كل حاجز وحجاب، وتحملت عذاب الجبابرة فتيات ناعمات، ونساء مرفهات، وصبية أعوادهم رطبة كنبت الربيع. ما السر في ذلك كله؟ وما هو الروح الجديد الذي سرى في دماء المؤمنين؟ وما هو السحر الذي استولى على نفوس المسلمين؟.

стр. 158

إنه كتاب الله. الذي جعله الله يفعل ذلك كله وهو القائل فيه: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله﴾ [الزمر: ٢٣]. وهو القائل: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبلٍ لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله﴾ [الحشر: ٢١]. الوجه السادس: كونه آية باقية، ومعجزة خالدة لا يؤثر فيها مر السنين ولا يقلل من شأنها توالي الأحقاب إلى يوم القيامة. وهو مع وجود أسباب بقائه وخلوده تكفل الله بحفظه وصيانته فقال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٠٩]. وقال تعالى: ﴿وإنه لكتاب عزيز. لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]. مع العلم بأن سائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، ولم يبق إلا خبرها، أما القرآن الكريم فقد ظل باهرة آياته، ظاهرة معجزاته، سليمة حروفه وكلماته، لم يستطع أحد تغيير حرف منه بأخر، أو نقل كلمة عن مكانها، أو آية إلى سورة غير سورتها، ومن رام شيئاً من ذلك فضحه الله وكشفه وباءت بالفشل محاولاته، ولقد مضى على نزوله أربعة

стр. 159

عشر قرناً ولا يزال غضاً طرياً معجزاً جميع البشر محفوظاً بحفظ الله من أي تحريف أو تبديل مع مروره خلال تلك القرون على أهل البيان، وحملة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان البراعة، والملحد فيهم كثير. والمعادي للشرع عدد وفير، فما منهم من أحد استطاع معارضته، أو قدر على مطعن صحيح فيه، وسيظل كذلك إلى يوم القيامة. الوجه السابع: جمعه لعلوم ومعارف لا عهد للعرب بها عامة، ولا لمحمد ﷺ قبل نبوته خاصة بمعرفتها، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم، ولا يشتمل عليها كتاب من كتبهم، فقد جمع في هذا الكتاب من بيان علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقلية، والرد على فرق الأمم ببراهين وأدلة بينة سهلة الألفاظ، موجزة المقاصد. كما حوى من علوم السير وأبناء الأمم والمواعظ والحكم، محاسن الآداب والشيم، وأخبار الدار الآخرة، وأخبار وأحوال كثير من العالم الغيبي، فلم يترك القرآن علماً إلا ذكره، ولا فناً إلا نبه إليه، ولا كمالاً إلا حض عليه. وسيظل القرآن بحر علوم وفنون لا ينفد، ومنار هداية لمن استرشد، وبرهان الحقائق ما كبر منها وما صغر وصدق الله القائل: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين﴾ [النحل: ٨٩]. والقائل: ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون﴾ [الزمر: ٢٧]. وصدق ﷺ إذ قال في هذا القرآن: "إن الله أنزل هذا القرآن آمراً وزاجراً، وسنة خالية، ومثلاً مضروباً، فيه نبؤكم،

стр. 160

وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم، لا يخلقه طول الرد، ولا تنقضي عجائبه. هو الحق ليس بالهزل، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن خاصم به فلج، ومن قسم به أقسط، ومن عمل به أجر، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله، ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم، والنور المبين، والصراط المستقيم، وحبل الله المتين، الشفاء النافعن عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه ... " وهذا الحديث بالموقوف أشبة. الوجه الثامن: أن القرآن جمع بين الدليل ومدلوله. وبيان ذلك أن الاحتجاج على أن القرآن من عند الله أثبت بنظم القرآن وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته، وأثناء قراءتك للقرآن للوقوف على بلاغته وفصاحته وجمال أسلوبه وبراعة إيجازه. يقابلك أمر القرآن ونهيه، ووعده ووعيده، فالقارئ للقرآن يفهم دليل إعجازه، وأدلة أحكامه وتكليفه معاً، من كلام واحد، وسورة منفردة. الوجه التاسع: أن الله تعالى يسر حفظه لمن يريد تعلمه. قال تعالى: ﴿ولقد يسرنا القرآن للذكر، فهل من مدكر﴾ [القمر: ١٧]. فالقرآن ميسر حفظه للصغير والكبير، وللرجل والمرأة، في أقرب مدة وأقل زمن، لو قيس حفظه بحفظ أي شيء سواه. وسائر الأمم لا يحفظ كتبها منهم أحد، أما القرآن الكريم فيحفظه، في كل عصر مئات الألوف. ولذلك نقل القرآن الكريم من جيل إلى جيل عدد وفير حفظه في الصدور، وأحسن قراءته وترتيله، ولقنه تلامذته وأتباعه، وهذا التواتر السليم الصحيح الدقيق لم يحدث لكتاب غير القرآن. وذلك راجع إلى يسر حفظه وكثرة حفظته في كل عصر. الوجه العاشر: اشتمال القرآن على تشريع انتظم قانوناً عادلاً مؤلفاً من مواد قليلة تتضمن أحكاماً كلية، ومبادئ عامة في كل الفروع وذلك ما لم يحصل لغيره من الكتب السماوية: قال الله تعالى: ﴿وكل شيء فصلناه تفصيلاً﴾ [الإسراء: ١٢].

стр. 161

الوجه الحادي عشر: يتضح لقارئ كتاب الله تعالى المتصل بالعلوم الإنسانية والكونية وغيرها أنه ما من حقيقة علمية يصل العقل البشري إليها إلا ويجد لها أصلاً في كتاب الله تعالى عن طريق الإشارة أو العبارة. اقرأ في الدلالة على أن الأرض معلقة في الفضاء قوله تعالى: ﴿خلق السموات بغير عمدٍ ترونها، وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم﴾ [لقمان: ١٠]. والمعنى أن الله أوجد الجبال في الأرض حتى تظل محتفظة بتوازنها فلا تميد (تميل) بمن عليها، ولا يفهم حفظ التوازن بالنسبة للأرض إلا على أنه دليل على تعلقها في الفضاء. واقرأ في علم الأجنة قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٣ - ١٤]. وسبقت أمثلة كثيرة في الأدلة على وجود الله تعالى. وإذا قرأت المزيد من ذلك فاقرأ التفاسير والكتب التي اهتمت بهذا النوع من الدراسات لتؤمن إيماناً قوياً بروعة القرآن الكريم، وبإعجازه الخالد، ولكن حذار أن تظن أن القرآن أنزل ليكون كتاب علوم كونية وإنسانية من هذا النوع. إن القرآن أنزل ليكون هداية للناس من ضلال وتقويماً من انحراف، وتيسيراً للوصول إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة

стр. 162

عن طريق علاج الإنسان من أمراضه النفسية والقلبية والخلقية، وصبغه الصبغة التي تتفق مع تكريم الله له. وهذا هو الهدف من القرآن الكريم كما ذكر في غير آية منه، وما ذكر في القرآن من علوم وفنون وغيرهما فللوصول إلى الهدف المذكور، وهذا موضوع تورط فيه كثيرون حتى إن بعضهم جعل همه كله شغل الناس بتفسير زعم أنه عصري ولم يكن له علم بأصول التفسير، وموازينه الدقيقة فأخطأ كثيراً وأصاب قليلاً وصرف الناس عن الهدف إلى الوسيلة فغفر الله له ورحمه.

стр. 163

المعجزة ما اختص الله به محمداً ﷺ دون المرسلين ... لقد اختص الله نبينا محمد ﷺ دون غيره من الرسل بأمور كثيرة وردت الأدلة الصحيحة بها ونوجز أهمها فيما يلي: أولاً - عموم رسالته: ... اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون تكليف الناس والتشريع لهم حسب استعدادهم ونضجهم وتقدمهم أو تأخرهم علمياً وفكرياً واجتماعياً، وحسب الظروف والأحوال التي يعيشون فيها ويتأثرون بها ليكون الغذاء النفسي كالغذاء الحسي ملائماً ومفيداً. لذلك كان الله تعالى يرسل إلى كل أمة رسولاً يصلح من شأنها ويبلغها الشرع الذي يناسبها. ولم تعم رسالة قبل رسالة محمد ﷺ ، لأن العالم لم يكن قد ارتقى قبله إلى المستوى الذي يشعر فيه بالحاجة إلى تشريع وقانون عام يجمعه تحت راية واحدة. ولما جاء وقت الرسالة المحمدية كان المجتمع البشري قد بلغ أشده واستوى فكرياً واجتماعياً وسياسياً، وصار جمعه على تشريع واحد ممكناً وميسوراً. لذلك أرسل الله محمداً ﷺ إلى الناس كافة سواء أكانوا عرباً أم غير عرب، وثنيين أم أهل كتاب، لهم دين أم لا دين لهم على الإطلاق. كما جعل الله تعالى رسولاً إلى الجن بنفس الشرع الذي جاء به إلى الإنس مع مراعاة طبائعهم وأحوالهم، وجعل رسالته ناسخة لجميع الرسالات قبله، فلا يحق لأحد بلغته رسالة محمد ﷺ أن يدين بغير دينه.

стр. 164

قال تعالى: ﴿قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [سبأ: ٢٨]. قال ابن عباس في هذه الآية: إن الله تعالى فضل محمداً ﷺ على جميع الأنبياء. قالوا: فيم فضله الله على جميع الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ وقال للنبي ﷺ : ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ ... فأرسله الله إلى الجن والإنس. وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا، فلما قضي ولوا إلى قومه منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وجاء في الحديث المتفق عليه: عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة".

стр. 165

ثانياً - خاتم النبيين والمرسلين: ... جاءت الشريعة الإسلامية وقت اكتمال الإنسان في الإدراك، وتفهم المصالح والمنافع، فاقتضت حكمة الله تعالى أن تكون هذه الشريعة صالحة لجيمع البشر في كل زمان ومكان، كفيلة بإسعاد المجتمع العالمي كله إذا أخذ بها، لأنها عالجت جميع احتياجاته، ووضعت الحلول لجيمع مشكلاته إما عن طريق التفصيل وإما عن طريق الإجمال وترك التفصيل للعقل البشري يتصرف فيه حسب موازين الشرع وأصوله ... قال تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين﴾ [النمل: ٨٩]. لذلك أصبحت البشرية بعد إرسال محمد ﷺ إليها ونزول القرآن الكريم ليكون هادياً لها وتشريعاً حريصاً على سعادتها غير محتاجة إلى نبي أو رسول غيره، إنها محتاجة فقط إلى أن تجتهد فيما يحدث من أمور لا نص فيها، وقد أعطاها القرآن حق الاجتهاد اعترافاً منه ببلوغها رشدها فقال تعالى: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣]. ومن أجل هذا أعلن القرآن أن النبوة قد ختمت بمحمد ﷺ فلا نبي بعده وبالتالي فلا رسول بعده لأن نفي النبوة نفي للرسالة كما مر. قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠].

стр. 166

عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين" (١). ثالثاً - نصره الله بالرعب وبينه وبين عدوه مسيرة شهر: ... بسير الإبل، لأنها كانت وسيلة للمواصلات البعيدة يومئذ، وسيرة الرسول ﷺ شاهدة على ذلك. رابعاً - جعل الله له ولأمته الأرض مسجداً وطهوراً: ... فأي رجل من أمته تدركه الصلاة في أي موضع فالموضع مسجده الذي يصلي فيه، وهو طهوره الذي يتيمم عليه إن لم يجد ماء يتوضأ به. فلا حرج ولا عسر ولا تضييق ولا اشتراط لمكان معين. خامساً - أحل الله الغنائم له ولأمته ﷺ : ... والغنائم، ما يؤخذ من الكفار عقب الجهاد والنصرمن متاع وسلاح ومال وغيرها، وكانت هذه الغنائم محرمة على الأمم السابقة ولم تحل إلا لأمة محمد ﷺ . سادساً - أعطاه الله الشفاعة العظمى يوم القيامة: ... وهي التي يحمده عليها الأولون والآخرون، وسيأتي ذكرها. سابعاً - جعله الله تعالى أفضل المرسلين: ... ومبدأ تفضيل الله بعض الرسل على بعض مقرر في كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقال تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].

стр. 167

وأما دليل تفضيله ﷺ على غيره من المرسلين فهو من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ : قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلى رحمة للعالمين﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. وقال تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠]. قال ابن كثير في هذه الآية: وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد ﷺ فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبي قبله ولا رسول من الرسل. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي، آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض، وأنا أول شافع وأول مشفع" (١). الإيمان بكتب الله تعالى الوحي - أصل معنى الوحي - أنواع وحي الله تعالى إلى أنبيائه يجب الإيمان والاعتقاد الجازم بأن الله تعالى أنزل على رسله كتباً فيها أمره ونهيه ووعده ووعيده وما شاء من كلامه تعالى. وأفضل هذه الكتب على الإطلاق القرآن الكريم المنزل على محمد ﷺ ، ويليه في الفضل التوراة المنزلة على موسى ﵇، ثم الإنجيل الذي أنزل على عيسى ﵇ ثم الزبور: وهو كتاب داود ﵇. كما يؤمن بأن الله أنزل صحفاً ... المذكور منها في القرآن صحف إبراهيم وموسى. قال تعالى:

стр. 168

﴿يأيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ [النساء: ١٣٦]. وحديث جبريل في الإيمان والإسلام والإحسان معروف. ويجب الإيمان بأن الكتب السابقة حصل فيها تحريف وتغيير وتبديل. أما القرآن الكريم فهو كتاب محفوظ لم يغير فيه حرف واحد كما سبق. وذلك أن الكتب السابقة وُكّل حفظها إلى أهلها فلم يحفظوها، أما القرآن الكريم فإن الله تعالى هو الذي تولى حفظه. قال تعالى في شأن التوراة: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى في القرآن: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٠٩].

стр. 169

الوحي الوحي هو الصلة بين الله تعالى وبين رسله وأنبيائه كي يوصل الله تعالى إليهم ما يريد إيصاله من علم وحكم وأمر ونهي وإرشاد وغير ذلك. قال تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيين من بعده﴾ [النساء: ١٦٣]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم﴾ [الأنبياء: ٠٧]. وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]. أصل معنى الوحي ... معنى الوحي يطلق على التفهيم وعلى الإعلام بالشيء في خفاء سواء كان هذا التفهيم والإعلام بكلام أم بكتابة أم بإشارة أم بإلهام أم برؤيا. ومن الوحي بالإشارة قوله تعالى في شأن زكريا ﵇: ﴿فأوحى إليهم أن سبحوه بكرة وعشياً﴾ [مريم: ١١].

стр. 170

ومن الوحي بالإلهام قوله تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ [القصص: ٠٧]. ومعنى الوحي في اصطلاح أهل الشرع: كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه. أنواع وحي الله تعالى إلى أنبيائه ... الله تعالى حين يكلم نبياً من أنبيائه بوحي فإنما يكلمه بأحد الأنواع الآتية: ١ - يكلمه عن طريق الوحي: والمراد به هنا الإلهام في اليقظة أو في النوم. قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي (١) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب". وهذا الإلهام في اليقظة. وقال تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى﴾ [الصافات: ١٠٢]. وأول الوحي إلى نبينا محمد ﷺ كان في المنام مدة ستة أشهر. ٢ - أو يكلم الله تعالى نبيه من وراء حجاب. قال تعالى: ﴿وكلّم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: ١٦٤]. وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجابر ﵁: "ما كلم الله أحداً إلا من وراء حجاب وإن الله كلم أباك كفاحاً": أي من غير حجاب. ٣ - أو يرسل الله رسولاً من الملائكة كجبريل ﵇ ليبلغ النبي كلام الله تعالى: وهذا هو الغالب.

стр. 171

قال تعالى مبيناً أن الأنواع الثلاثة السابقة هي الوسائل لتكليمه أنبياءه: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إنه عليّ حكيم﴾ [الشورى: ٥١]. وكيفية مجيء جبريل إلى رسول الله ﷺ لا نعلم عنها إلا أنه: ١ - كان يأتيه أحياناً على صورة رجل كما جاء في حديث الإيمان والإسلام والإحسان. ٢ - وأحياناً كثيرة كان يأتيه مثل صلصلة الجرس ودقاته المتتابعة بهيئة وصورة لا نعلمها، لأن الرسول ﷺ لم يخبرنا. ٣ - وظهر جبريل للنبي ﷺ على حقيقته مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء. بذلك وردت الأدلة ولا مجال للإطالة بذكرها وذكر أقوال العلماء فيها.

стр. 172

الأولياء تعريف الولي - تعريف الكرامة - تحذير ... من فضل الله على عباده ورحمته بهم ورعايته لهم أن فتح للمؤمنين أتباع المرسلين أبواب الترقي في الكمالات إلى آفاق بعيدة جداً لا يحدها إلا مقام الرسالة وحدودها، فكلما جاهد الإنسان نفسه وأكثرمن عبادة ربه وتخلص من أمراض القلب وأهواء النفس ونزعات الشيطان وإخوان السوء وظلمات المعاصي زاد إحساسه وشعوره بصفاء نفسه وإشراق قلبه ونشوة روحه وجمال حياته وزيادة معارفه، ذلك أن الفيوضات الإلهية لا تغزو إلا القلوب الربانية. والرحمات الربانية قريبة من النفوس النورانية. قال تعالى: ﴿إن رحمة الله قريب من المحسنين﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الأمي .... ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]. وهؤلاء الذين يؤمنون بالله إيماناً صادقاً ويواظبون على الطاعات ويجتنبون المعاصي والانهماك في الملذات والشهوات المباحة، ويعملون بالسنن والآداب الشرعية ما استطاعوا يسمون في عرف الشرع - الأولياء -.

стр. 173

تعريف الولي ... الولي شرعاً: هو العارف بالله وبصفاته حسب الإمكان، المواظب على الطاعة المجتنب للمعاصي المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات المباحة المحافظ على السنن والآداب الشرعية قدر الاستطاعة. وسمي ولياً: لأنه يتولى عبادة الله على الدوام، أو لأن الله تعالى تولاه برحمته ولطفه وعنايته. قال تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الذين آمنوا وكانوا يتقون. لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣ - ٦٤]. فالولي في الآية تولي عبادة الله بالإيمان والتقوى. وتولاه الله تعالى برفع الخوف والحزن عنه وبإدخال السرور عليه بما يبشره به من الخير والسعادة في الدنيا والآخرة. والحديث القدسي يوضح نفس المعنى، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب (١) وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه (٢) الذي يسمع به وبصره الي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه" رواه البخاري.

стр. 174

ومما يبشر به الأولياء في الدنيا الرؤيا الصالحة الحسنة يراها الرجل الصالح أو تُرى له. ومن ذلك الكرامة يكرمهم الله بها ويتفضل بها عليهم. تعريف الكرامة ... الكرامة: هي أمر خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد عبد صالح غير مدع للرسالة. وهي من الأمور الجائزة عقلاً والواقعة فعلاً. جاء بها كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ الصحيحة، كما جاءت بها الأخبار الكثيرة المستفيضة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا. أما الدليل من القرآن فاقرأ قصة مريم الصديقة حيث وجد عندها الرزق بلا سبب، وحملت بعيسى ﵇ بدون ملامسة رجل، وتساقط عليها الرطب من النخلة اليابسة، وأنطق الله لها وليدها في المهد صبياً. واقرأ قصة أهل الكهف حيث مكثوا في الغار ثلثمائة وتسع سنين تحسبهم أيقاظاً وهم رقود، ويقلبهم الله ذات اليمين وذات الشمال. ومنها عرش بلقيس، فقد أحضره الذي عنده علم من الكتاب قبل أن يرتد طرف سليمان إليه. واقرأ في الحديث قصة الثلاثة الذين آواهم غار، وقصة جريج العابد وغيرهما، وتجد الكثير من الكرامات للصحابة ومن بعدهم، فاقرأ السير والتراجم وكتب الصفوة إن أردت المزيد. والواجب عليك هو اعتقاد وقوع الكرامة، وليس عليك أن تعتقد كرامة معينة لشخص إلا أن يأتي بذلك دليل من الكتاب أو السنة وكذلك الشأن في الولي. تحذير ... إذا عرفت معنى الولي ومعنى الكرامة، ووعيتهما وعياً سليماً استطعت أن تفرق بسهولة بين من يمكن أن يكون ولياً ومن يمكن أن يكون دجالاً نصاباً كذاباً.

стр. 175

فقد يستطيع بعض الدجالين بألاعيبهم وألاعيب أشياعهم أن يوهموا بعض الأغرار من الناس بأنهم أولياء وبأن لهم كرامات، ليأكلوا بذلك أموال الناس بالباطل، أو ليحتفظوا لأنفسهم بمكانة معينة عند الناس، وهؤلاء كثيرون جداً وهم يجيدون حبك مظاهرهم بأساليب عديدة ويوهمون الأغرار. كثيراً بأن من يعترض عليهم يؤذى في نفسه وأولاده وماله. كذباً وافتراءاً وتحايلاً، ولذلك حذر العلماء المحققون وكبار الصالحين من هؤلاء الناس فقالوا: إذا رأيت رجلاً يطير في الهواء أو يمشي على الماء أو يقطع المسافة البعيدة في طرفة عين فلا تغتر به. بل اعرضه على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فإن وجدته ملتزماً به متأدباً مع الله، يشهد تاريخه بذلك فهو ولي وإلا فهو شيطان في صورة آدمي أو آدمي في جوفه شيطان. أعاذنا الله وحفظنا ورعانا.

стр. 176

السمعيات: معناها - مصدرها مقدمة ... هذا هو القسم الثالث من أقسام علم التوحيد الثلاثة: الإلهيات - النبوات - السمعيات وتسمى الغيبيات أيضاً: وسميت مباحثه بالسمعيات، لأنه لا طريق لمعرفتها إلا الكتاب والسنة: والأصل في وصولهما إلينا السماع فقط أو مع القراءة. فلا دخل للعقل في الوصول إلى ما يذكر في هذا القسم ويجب الإيمان به كالملائكة والجن والأرواح واليوم الآخر والجنة والنار إلا بالفهم عن الكتاب والسنة الصحيحة. أما تسميتها بالغيبيات فلأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدلنا عليها دلالة قطعية. ونحن فيما سبق اقتنعنا وآمنا بوجود الله تعالى بأدلة قطعية يقينية. وآمنا بوجود صفات الله تعالى بأدلة قطعية يقينية. وآمنا برسل الله تعالى وصفاتهم بأدلة قطعية يقينية. وآمنا بكتب الله تعالى التي أنزلها على رسله بأدلة قطعية يقينية. نحن ملزمون نتيجة هذا الإيمان بالله وصفاته ورسله وكتبه أن نؤمن بما جاء في الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسولنا من أجلنا، وأن نعمل بما جاء فيه، وهذا الكتاب نصوصه كلها (حروفه وكلماته وآياته وسوره) وردت إلينا بدليل قطعي، والذي ينكر شيئاً مما ورد عن الله بدليل قطعي يكفر بسبب هذا الإنكار. وأما معاني كتاب الله تعالى فمنها ما هو قطعي لم يختلف فيه العلماء بل أجمعوا كلهم عليه، وهذا إنكاره كفر أيضاً، مثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾.

стр. 177

ومنها ما هو ظني لم يتفق عليه العلماء، بل اختلفوا فيه فلك أن تأخذ برأي منهم ما دام هذا الرأي متفقاً مع اللغة ومع الأصول والموازين الإسلامية. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإن القرء في اللغة يطلق على دم الحيض كما يطلق على الطهر منه، لذلك اختلف الفقهاء فيه وفي الأحكام المترتبة عليه. كما أنه يجب الإيمان بأن رسولنا محمداً ﷺ بين لنا كتاب الله، وأوضح شرعه. قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. كما يجب الإيمان بأننا مكلفون بالأخذ بحديث رسول الله ﷺ تلبية لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب﴾ [الحشر: ٠٧]. وهنا يقال: إن ما جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث: إن كان متواتراً مقطوعاً به فإن الإيمان به واجب، وإلا كان كفراً: ويقال في نصه ومعناه ما قيل في القرآن. وإذا لم يكن الحديث متواتراً فإن إنكاره ليس كفراً، وإنما هو فسق إذا كان الحديث مجمعاً على صحته: والعمل بهذه الأحاديث واجب، وعليها بني أكثر الأحكام الفقهية، غير أن هذه الأحكام المأخوذة من الأحاديث

стр. 178

منها الواجب ومنها السنة، ومنها الحرام، ومنها المكروه، ومنها المباح، وكذلك الأحكام المأخوذة من القرآن أو منهما معاً. وبناء على هذا نستطيع أن نفهم، لماذا قلنا: إن العقائد الإسلامية مصدرها الأدلة القطعية "العقل، الكتاب، السنة المتواترة". فإنه صار واضحاً أن العقائد يترتب عليها الإيمان أو الكفر، وهما أخطر وصفين يوصف الإنسان بهما، ويترتب عليهما مصيره، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ونستطيع أن ندرك الآن أن السمعيات التي سنذكرها فيما يأتي، ويجب الإيمان بها ثابتة بأدلة قطعية من كتاب الله تعالى، ولا يوجد دليل عقلي يمنع من وقوعها، بل هي داخلة في الأمور الجائزة عقلاً، لأنها أثر لقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه، وإليك بيانها: السمعيات: معناها - مصدرها الملائكة ... يجب على كل مكلف شرعاً الإيمان بالملائكة: وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنهم موجودون. وبأنهم مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبأنهم قادرون على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. وهم لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة: فمن قال إنهم إناث كفر، ومن قال إنهم ذكور فسق أي "ارتكب معصية صار بها فاسقاً" وهم لا يتزوجون، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا ينامون، وهم أنواع كثيرة: فمنهم حملة العرش ومنهم رسل الوحي، ومنهم الكتبة، والحفظة، والموكلون بقبض الأرواح، ورئيسهم ملك الموت، والموكلون بالأرزاق، ورئيسهم ميكائيل، والموكلون بالجنة ورئيسهم رضوان، والموكلون بالنار ورئيسهم مالك، ومنهم القائمان بالسؤال في القبر، ومنهم ملائكة ذكرت أسماؤهم

стр. 179

في كتاب الله تعالى، وهم جبريل، وميكائيل ومالك. فالواجب علينا بالنسبة لمن ذكر بنوعه أن نصدق بالنوع الذي ذكر كحملة العرش وغيرهم، ومن ذكر بشخصه وجب علينا التصديق بشخصه كجبريل وميكائيل ومالك. والأدلة على ما ذكر أدلة قطعية من كتاب الله تعالى، ومعانيها لا تحتمل غير ما ذكر. الدليل على وجود الملائكة، ووجوب الإيمان بهم: ... قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وفي وصفهم قال الله تعالى: ﴿وقالوا تخذ الرحمن ولداً سبحانه، بل عبادٌ مكرمون. لا يسبقونه بالقول. وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨].

стр. 180

وقال تعالى: ﴿وله من في السموات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٩ - ٣٠]. فهم لا ينامون ولا يكسلون عن عبادة الله أبداً. وفي تشكلهم بالأشكال الحسنة: قال تعالى في الذين نزلوا في صور آدميين حسان الوجوه شبان على سيدنا لوط ﵇: ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ [هود: ٨١]. وقال تعالى في الملك الذي أرسله إلى الصديقة مريم ليبشرها بحملها بعيسى ﵇: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [مريم: ١٧]. وأنكر الله على الكفار وصفهم الملائكة بالأنوثة، وتوعدهم على ذلك. قال تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عبادٌ الرحمن إناثاً، أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ [الزخرف: ١٩]. وأما المنع من وصفهم بالذكورة فسببه أن الله تعالى لم يصفهم بذلك، فالذي يصفهم بذلك يعتبر كاذباً مفترياً، وبناء على عدم جواز وصفهم بالذكورة أو الأنوثة يجب الاعتقاد بأنهم لا يتزوجون، ولا يتناسلون.
следующие страницы →