← Акыда

Акыда · id 10699

تبسيط العقائد الإسلامية

حسن أيوب

Полный текст (311 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

السمعيات: معناها - مصدرها مقدمة ... هذا هو القسم الثالث من أقسام علم التوحيد الثلاثة: الإلهيات - النبوات - السمعيات وتسمى الغيبيات أيضاً: وسميت مباحثه بالسمعيات، لأنه لا طريق لمعرفتها إلا الكتاب والسنة: والأصل في وصولهما إلينا السماع فقط أو مع القراءة. فلا دخل للعقل في الوصول إلى ما يذكر في هذا القسم ويجب الإيمان به كالملائكة والجن والأرواح واليوم الآخر والجنة والنار إلا بالفهم عن الكتاب والسنة الصحيحة. أما تسميتها بالغيبيات فلأنها أمور غائبة عنا ولا أثر لها في حياتنا يدلنا عليها دلالة قطعية. ونحن فيما سبق اقتنعنا وآمنا بوجود الله تعالى بأدلة قطعية يقينية. وآمنا بوجود صفات الله تعالى بأدلة قطعية يقينية. وآمنا برسل الله تعالى وصفاتهم بأدلة قطعية يقينية. وآمنا بكتب الله تعالى التي أنزلها على رسله بأدلة قطعية يقينية. نحن ملزمون نتيجة هذا الإيمان بالله وصفاته ورسله وكتبه أن نؤمن بما جاء في الكتاب الذي أنزله الله تعالى على رسولنا من أجلنا، وأن نعمل بما جاء فيه، وهذا الكتاب نصوصه كلها (حروفه وكلماته وآياته وسوره) وردت إلينا بدليل قطعي، والذي ينكر شيئاً مما ورد عن الله بدليل قطعي يكفر بسبب هذا الإنكار. وأما معاني كتاب الله تعالى فمنها ما هو قطعي لم يختلف فيه العلماء بل أجمعوا كلهم عليه، وهذا إنكاره كفر أيضاً، مثل قوله تعالى: ﴿قل هو الله أحد﴾.

стр. 177

ومنها ما هو ظني لم يتفق عليه العلماء، بل اختلفوا فيه فلك أن تأخذ برأي منهم ما دام هذا الرأي متفقاً مع اللغة ومع الأصول والموازين الإسلامية. وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فإن القرء في اللغة يطلق على دم الحيض كما يطلق على الطهر منه، لذلك اختلف الفقهاء فيه وفي الأحكام المترتبة عليه. كما أنه يجب الإيمان بأن رسولنا محمداً ﷺ بين لنا كتاب الله، وأوضح شرعه. قال تعالى لنبيه ﷺ : ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾ [النحل: ٤٤]. كما يجب الإيمان بأننا مكلفون بالأخذ بحديث رسول الله ﷺ تلبية لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب﴾ [الحشر: ٠٧]. وهنا يقال: إن ما جاء عن النبي ﷺ من الأحاديث: إن كان متواتراً مقطوعاً به فإن الإيمان به واجب، وإلا كان كفراً: ويقال في نصه ومعناه ما قيل في القرآن. وإذا لم يكن الحديث متواتراً فإن إنكاره ليس كفراً، وإنما هو فسق إذا كان الحديث مجمعاً على صحته: والعمل بهذه الأحاديث واجب، وعليها بني أكثر الأحكام الفقهية، غير أن هذه الأحكام المأخوذة من الأحاديث

стр. 178

منها الواجب ومنها السنة، ومنها الحرام، ومنها المكروه، ومنها المباح، وكذلك الأحكام المأخوذة من القرآن أو منهما معاً. وبناء على هذا نستطيع أن نفهم، لماذا قلنا: إن العقائد الإسلامية مصدرها الأدلة القطعية "العقل، الكتاب، السنة المتواترة". فإنه صار واضحاً أن العقائد يترتب عليها الإيمان أو الكفر، وهما أخطر وصفين يوصف الإنسان بهما، ويترتب عليهما مصيره، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، ونستطيع أن ندرك الآن أن السمعيات التي سنذكرها فيما يأتي، ويجب الإيمان بها ثابتة بأدلة قطعية من كتاب الله تعالى، ولا يوجد دليل عقلي يمنع من وقوعها، بل هي داخلة في الأمور الجائزة عقلاً، لأنها أثر لقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه، وإليك بيانها: السمعيات: معناها - مصدرها الملائكة ... يجب على كل مكلف شرعاً الإيمان بالملائكة: وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً بأنهم موجودون. وبأنهم مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وبأنهم قادرون على التشكل بالأشكال الحسنة المختلفة. وهم لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة: فمن قال إنهم إناث كفر، ومن قال إنهم ذكور فسق أي "ارتكب معصية صار بها فاسقاً" وهم لا يتزوجون، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا ينامون، وهم أنواع كثيرة: فمنهم حملة العرش ومنهم رسل الوحي، ومنهم الكتبة، والحفظة، والموكلون بقبض الأرواح، ورئيسهم ملك الموت، والموكلون بالأرزاق، ورئيسهم ميكائيل، والموكلون بالجنة ورئيسهم رضوان، والموكلون بالنار ورئيسهم مالك، ومنهم القائمان بالسؤال في القبر، ومنهم ملائكة ذكرت أسماؤهم

стр. 179

في كتاب الله تعالى، وهم جبريل، وميكائيل ومالك. فالواجب علينا بالنسبة لمن ذكر بنوعه أن نصدق بالنوع الذي ذكر كحملة العرش وغيرهم، ومن ذكر بشخصه وجب علينا التصديق بشخصه كجبريل وميكائيل ومالك. والأدلة على ما ذكر أدلة قطعية من كتاب الله تعالى، ومعانيها لا تحتمل غير ما ذكر. الدليل على وجود الملائكة، ووجوب الإيمان بهم: ... قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾ [النساء: ١٣٦]. وقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌّ آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وفي وصفهم قال الله تعالى: ﴿وقالوا تخذ الرحمن ولداً سبحانه، بل عبادٌ مكرمون. لا يسبقونه بالقول. وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨].

стр. 180

وقال تعالى: ﴿وله من في السموات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾ [الأنبياء: ٢٩ - ٣٠]. فهم لا ينامون ولا يكسلون عن عبادة الله أبداً. وفي تشكلهم بالأشكال الحسنة: قال تعالى في الذين نزلوا في صور آدميين حسان الوجوه شبان على سيدنا لوط ﵇: ﴿قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾ [هود: ٨١]. وقال تعالى في الملك الذي أرسله إلى الصديقة مريم ليبشرها بحملها بعيسى ﵇: ﴿فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً﴾ [مريم: ١٧]. وأنكر الله على الكفار وصفهم الملائكة بالأنوثة، وتوعدهم على ذلك. قال تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عبادٌ الرحمن إناثاً، أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون﴾ [الزخرف: ١٩]. وأما المنع من وصفهم بالذكورة فسببه أن الله تعالى لم يصفهم بذلك، فالذي يصفهم بذلك يعتبر كاذباً مفترياً، وبناء على عدم جواز وصفهم بالذكورة أو الأنوثة يجب الاعتقاد بأنهم لا يتزوجون، ولا يتناسلون.

стр. 181

ومن الافتراء على الله تعالى أيضاً القول بأنهم يأكلون أو يشربون، فإن أمرهم غيبي لا يعلمه إلا الله، ولا يجوز لنا أن نصفهم إلا بما وصفهم الله به، لا نزيد ولا ننقص. وفي حملة العرش قال تعالى: ﴿الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا﴾ [غافر: ٠٧]. وفي الكتبة الذين يكتبون الحسنات والسيئات: قال تعالى: ﴿وإن عليكم لحافظين. كراماً كاتبين. يعلمون ما تفعلون﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١ - ١٢]. وفي الحفظة الذين يحفظون الإنسان من كل شر سوى ما قدر عليه: قال تعالى: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ [الرعد: ١١]. أي للإنسان ملائكة يتناوبون حفظه من بين يديه ومن خلفه، أمرهم الله بذلك وقد فصل الحديث مدة نوبتهم فقال ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون". رواه الشيخان والنسائي.

стр. 182

وفي ملك الموت قال تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾ [السجدة: ١١]. وفي أعوانه قال تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون﴾ [الأنعام: ٦١]. والآيات في خزنة الجنة، وخزنة النار وغيرهم من الأنواع كثيرة في كتاب الله تعالى فارجع إليها إن شئت. وفي ذكر جبرائيل وميكائيل ومالك. قال تعالى: ﴿من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوٌ للكافرين﴾ [البقرة: ٩٨]. وقال تعالى: ﴿ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال: إنكم ماكثون﴾ [الزخرف: ٧٧]. حكم إنكار الملائكة ... دل على وجود الملائكة الكتاب والسنة والإجماع فمنكر وجودهم كافر. من أي شيء خلقوا وما حقيقتهم؟ ... ورد في حديث صحيح أنهم خلقوا من نور.

стр. 183

فعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم" رواه أحمد والنسائي، أما حقيقتهم فالله أعلم بها، لأن القرآن والسنة لم يذكرا شيئاً عن حقيقتهم وكل ما ذكر أن لهم أجنحة مثنى وثلاث ورباع، وورد أن جبريل له ستمائة جناح كما ثبت بالدليل القطعي أنهم أقوياء جداً فهم الذين حملوا قرى قوم لوط وقلبوها. ومنهم حملة العرش وبصيحة من ملك هلك قوم صالح، وبنفخة في الصور من الملك يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وبنفخة أخرى يبعث الخلائق أجمعون. وبالجملة فالملائكة عالم خلقه الله تعالى على حقيقة يعلمها الله. وهذا العالم من الملائكة ينفذ أوامر الله تنفيذاً دقيقاً فهو أشبه بالإدارة الربانية التي تتلقى الأوامر من الله لتنفيذها، وهذه الإدارة مكانها السماء، فهي مسكن الملائكة. وليس الله تعالى في حاجة إليهم ولا إلى غيرهم، لأنه تعالى غني عن كل ما سواه، لكنه تعالى كما قال: ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة﴾ [القصص: ٦٨]. وكما قال تعالى: ﴿فعالٌ لما يريد﴾ [البروج: ١٦]. فالعالم كله عالمه وهو تعالى مدبر أمره، والأعلم بشأنه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء. عصمة الملائكة ... قول جمهور العلماء - وهو الحق الذي تدل عليه الآيات السابقة - أن الملائكة معصومون من الذنوب ومخالفة الله تعالى في أي أمر، وما ورد في القرآن مما يوهم غير لك يجب حمله على الوجه المناسب لعصمتهم.

стр. 184

فمن اعترض بأن إبليس كان من الملائكة فعصى، أجيب بأن الله توصف الملائكة بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وقد ذكر القرآن أن إبليس كان من الجن كما استثنى من الملائكة وذلك يدل على أنه منهم. والتوفيق السليم أن يقال: إن إبليس كان من الجن حقيقة، وكان من الملائكة حكماً، أي إنه لشدة عبادته وبعده عن المخالفة أول الأمر كان شبيهاً بالملائكة فأخذ حكمهم. ومن اعترض بقول الملائكة لله في آدم قبل خلقه: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ [البقرة: ٢٠]. أجيب بأن الملائكة لم ترد بهذا القول غيبة آدم ولا تزكية أنفسهم ولا الظن السيء كما قد يتوهم، إنما أرادوا السؤال عن الحكمة في خلق آدم في الأرض، وكانوا قد علموا عن الله تعالى ما يحصل من ذريته من الإفساد، أو كان قولهم سببه أن الأرض كانت مسكونة قبل آدم بمخلوقات أفسدت وسفكت الدماء. ومن اعترض بأن هاروت وماروت كانا ملكين فعلما الناس السحر، وتعلم السحر للسحر معصية، أجيب بأن هاروت وماروت قيل إنهما كانا ملكين بكسر اللام، وقرئ بذلك، وحينئذ فلا إشكال لأنهما آدميان، والقول الثاني أنهما نزلا بأمر الله في زمن كثر فيه السحر والسحرة ودعوى السحرة أنهم أنبياء، لأنهم يأتون بأمور خارقة للعادة فنزل الملكان في صورة بشر وعلما الناس علم السحر حتى يكذبوا السحرة في ادعائهم النبوة، وتعلم السحر للتوقي من ضرره غير محظور وغير ممنوع. بل قد يكون مطلوباً وبهذا تثبت عصمة الملائكة، وتسقط الاعتراضات الموجهة إليهم.

стр. 185

السمعيات: معناها - مصدرها الجن والشياطين ... الجن: هم عالم من العوالم الغيبية، لا يعلم حقيقتهم إلا الله تعالى. دليل ثبوتهم الكتاب والسنة وإجماع العلماء. قال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن، فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين﴾ [الأحقاف: ٢٩]. وهم لا يرون على حقيقتهم. قال تعالى: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾ [الأعراف: ٢٧]. منهم المؤمنون ومنهم الكافرون والفاسقون. قال تعالى في شأن الجن حاكياً قولهم عن أنفسهم: ﴿وأنّا منا الصالحون، ومنا دون ذلك، كنا طرائق (١) قدداً﴾ [الجن: ١١]. ومن ذلك ندرك أنهم مكلفون كالإنس وأنهم مجازون مثلهم. قال تعالى حاكياً قولهم: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون، فمن أسلم

стр. 186

فأولئك تحروا رشداً. وأما القاسطون فكانوا لجنهم حطباً﴾ [الجن: ١٤ - ١٥]. واقرأ سورة الرحمن يتضح لك ذلك أكثر وأكثر. منهم الشياطين ومنهم العفاريت. قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً﴾ [الأنعام: ١١٢]. فذكرت الآية أن الشياطين تكون من الإنس ومن الجن. وقال تعالى: ﴿قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾ [النمل: ٢٩]. لطيفة: ... قال ابن عبد البر: الجن عند أهل الكلام والعلم باللسان منزلون على مراتب، فإذا ذكروا الجن خالصاً قالوا: جني، فإن أرادوا أنه ممن يسكن مع الناس قالوا: عامر والجمع عُمّار، فإن كان ممن يعرض للصبيان قالوا أرواح، فإن خبث وتعزم (أي تمرد) قالوا شيطان، فإن زاد على ذلك (أي في الإيذاء) قالوا: مارد، فإن زاد على ذلك وقوي فهو عفريت، والجمع عفاريت، والله تعالى أعلم بالصواب (١). والشيطان: - كما يؤخذ من الكتاب والسنة - لفظ يطلق على كل متمرد فاسق فاجر يدعو إلى عصيان

стр. 187

الله. وقد اختلف العلماء في الفرق بين الجن والشياطين. فهناك رأي يقول: هما جنس واحد، ويطلق الشيطان على المتمرد من الجن وهو الأرجح الذي تدل الأدلة عليه كما سبق بعضها. وعلى هذا رأى جمهور العلماء. وهناك رأي يقول: إن الحقيقتين متغايرتان. فالجن أجسام هوائية لطيفة تتشكل بالأشكال المختلفة، وتظهر منها الأفعال العجيبة، ومنهم المؤمن والكافر. أما الشياطين فهي أجسام نارية شأنها إضلال الناس وإلقاؤهم في الغواية والهلاك. من أي شيء خلق الجن؟ وما حقيقتهم ؟ خلق الجن من النار التي لهبها خالص من الدخان وصاف منه. قال تعالى: ﴿وخلق الجانّ من مارج من نار﴾ [الرحمن: ١٥]. وقال تعالى: ﴿والجان خلقناه من قبل من نار السموم﴾ [الحجر: ٢٧]. وقد مر حديث عائشة أن الرسول ﷺ قال: "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم" أخرجه أحمد ومسلم. وأما حقيقتهم التي خلقوا عليها فالله أعلم بها، لأنه لم يرد ما يدل عليها. ولكن العلماء استنبطوا من الأدلة الصحيحة الكثيرة التي مر بعضها وسيأتي بعضها "أن الجن أجسام نارية تتشكل بالأشكال الحسنة والأشكال القبيحة، وأنهم يعقلون، ويأكلون ويشربون، وينامون، ويتزوجون، ويتناسلون، وأن منهم الطائع، ومنهم العاصي، كما سبق، غير أن الشياطين منهم لا يراد بهم إلا العصاة المردة.

стр. 188

وقد سمعت الجن النبي ﷺ بدون أن يراهم أول مرة وفي هذه المرة نزل قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن﴾ الآيات. وجاء داعيهم إليه بعد ذلك فذهب ﷺ إليهم ووعظهم وعلمهم، لأنه مرسل إليهم كما سبق. قال علقمة: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ قال ما صحبه منا أحد، ولكن افتقدناه ذات ليلة وهو بمكة، فقلنا اغتيل (١) أو استطير ما فعل به؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم حتى إذا أصبحنا أو كان وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء. قال: فذكروا له الذي كانوا فيه. فقال: أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم، فانطلق فأرانا آثارهم، وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. فقال ﷺ : فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن. أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وقال حسن صحيح فالحديث يدل على اجتماع النبي ﷺ بالجن ورؤيته لهم ودعوتهم إلى الله ووعظهم بالقرآن، كما يدل على أنهم يأكلون ويشربون، ويدل على ذلك أيضاً الحديث الآتي: روى مسلم وأبو داود ومالك والترمذي من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا يأكلن أحدكم بشماله ولا يشربن بها فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها". أما تزواج الجن وتوالدهم فيدل عليهما قوله تعالى في وصف حور الجنة: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان﴾ [الرحمن: ٧٤].

стр. 189

أي لم يلمس الحور العين أحد من الإنس والجن قبل أزواجهم من أهل الجنة، وهذا دليل على أن للجن اتصالاً جنسياً كما للإنس. وقال تعالى في شأن إبليس وجنوده: ﴿أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو؟ بئس للظالمين بدلاً﴾ [الكهف: ٥٠]. والآية تدل على أنهم يتوالدون وأن لهم ذرية كذرية الإنسان. هل كان في الجن نبي منهم قبل بعثة محمد ﷺ ؟ ... عرفنا فيما سبق أن النبي محمداً ﷺ كانت بعثته عامة إلى جميع الإنس والجن، ولكن العلماء اختلفوا في الرسل الذين كانوا يرسلون إلى الجن قبل ذلك: هل كانوا من الإنس أم من الجن؟ فجمهور العلماء سلفاً وخلفاً على أنه لم يكن من الجن قط رسول .. ولم تكن الرسالة إلا من الإنس ونقل معنى هذا عن ابن عباس وابن جريج ومجاهد والكلبي وأبي عبيد والواحدي، وقال الضحاك وابن حزم وغيرهما: لم يرسل إلى الجن قبل محمد ﷺ رسول من الإنس. قال ابن حزم: وباليقين ندري أنهم قد أنذروا، فصح أنهم جاءهم أنبياء منهم، قال الله تعالى: ﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا؟ قالوا شهدنا على أنفسنا﴾ [الأنعام: ١٣٠]. وقال: لم يبعث إلى الجن نبي من الإنس قبل محمد صلى الله عليه

стр. 190

وسلم، لأنه ليس الجن من قوم الإنس، وقد قال النبي ﷺ : "وقد كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة". والناس تشمل الإنس والجن في اللغة. صلة الجن بالإنسان ... إن اتصال الجن بالإنس ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأئمة، غير أنه اتصال من نوع خاص، فهو ليس كاتصال الإنس بالإنس، لأن الجن كما عرفنا عالم غيبي يرانا ولا نراه، وليس اتصال المشاركة في الآلام والآمال، والمتاعب والمشاكل، والسلم والحرب، والأمن والخوف، كما هو الشأن بالنسبة للصلة بين الإنسان والإنسان إنما هو اتصال من نوع خاص يناسب طبيعة كل منهما وفي الحدود التي رسمتها سنن الله تعالى وقوانينه الكونية والشرعية. فالجن موجودون في كل مكان يكون فيه إنسي، ويحضرون أكله وشربه ومآدبه ومجالسه لا يفارقونه أبداً إلا أن يحجزهم بذكر اسم الله تعالى. والجن مسلطون على الإنس بالوسوسة والإغواء والإضلال، وأحياناً بالتمثل والتشبه بأشياء تزيد من إضلالهم للإنس وتكفيرهم، وأحياناً يلبسون جسم الإنسان، ويعيشون فيه بكيفية لا يعلمها إلا الله تعالى، فيصاب الإنسان عن طريقهم بمرض من الأمراض كالصرع والجنون والتشنج وغير ذلك. وكل ذلك بقدر الله، كما يصاب الإنسان بغير ذلك من الأمراض والمصائب بسبب الإنسان. وقد يسرق لصوصهم أموال الإنسان، وقد يكسر المشاغبون منهم الأواني والأشياء الثمينة، كما يظهر أحدهم للإنسان في صورة إنسان ليضله أو يوقعه في مهلكة كبئر أو نهر أو نار. والخلاصة: أنهم يتشكلون بالأشكال المختلفة التي عن طريقها يحاولون الإضرار بالإنسان أو نفعه. كما أن شياطينهم مسلطون بالوسوسة للإنسان، للإغواء والإضلال، فهم مضرون ظاهراً وباطناً. غير أنه لا يضر منهم إلا الكافرون أو الفاسقون، أما الصالحون منهم فشأنهم شأن صالحي

стр. 191

الإنسان، لا يفعلون إلا الخير، ولا يسعون إلا فيه. والله من فضله ورحمته أعطى الإنسان السر الذي به يفسد على الجن وسوستهم، ويحفظ نفسه من أضرارهم وأذاهم. فالإيمان الصادق عصمة لصاحبه من تسلط الشيطان عليه إلى النهاية. قال تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. وذكر اسم الله يحجبهم عن الإنسان ويمنعهم من إيذائه كما سيأتي. وقد كتب في موضوع الجن، وكل ما يتصل بهم وبصلتهم بالإنسان ابن تيمية في الفتاوى وابن القيم في كتاب "لقط المرجان في أحكام الجان" والقاضي بدر الدين الشبلي الحنفي في كتابه "آكام المرجان في غرائب الأخبار وأحكام الجان" وكتب غير هؤلاء من علماء الإسلام عن الجن ما يغني ويكفي. ونحن نورد لك بعض الأدلة على ما ذكرنا مكتفين بذكر الدليل عن التعليق عليه خوف الإطالة في موضوع يحتاج كتاباً مستقلاً. كذلك لن نتعرض لوسوسة الجن للإنس، لأن ذلك موضوع مفروغ منه ولا يشك فيه أحد، وقد مر بعض أدلته. الجن تسخر لسليمان ﵇ ... قال تعالى: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون﴾ [النمل: ١٧].

стр. 192

وقال تعالى: ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب وقدور راسيات، اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣]. وقال تعالى: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنّا لهم حافظين﴾ [الأنبياء: ٨٢]. ظهور الجن والشياطين في صور شتى ... قال تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريءٌ منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب﴾ [الأنفال: ٤٨]. ذكر ابن إسحق وغيره في سبب نزول هذه الآية أن المشركين جاءوا إلى غزوة بدر ومعهم إبليس في صورة سراقة بن مالك الكناني - وكان سراقة من أشراف بني كنانة. وكانت قريش تخشى كنانة على نفسها

стр. 193

فقال لهم إبليس أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه. فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس نكص على عقبيه وهرب، فقال له الحارث بن هشام - وتشبث به - إلى أين يا سراقة؟ أين تفر؟ فلكمه إبليس لكمة طرحه على قفاه ثم قال: إني أرى ما لا ترون الخ .... وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الشيطان عرض لي فشد علي ليقطع الصلاة علي فأمكنني الله منه فذعته (١)، ولقد هممت أن أوثقه (٢) إلى سارية (٣) المسجد حتى تصبحوا فتنظروا إليه فذكرت قول سليمان ﴿هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ فرده الله خاسئاً. وقد روى النسائي على شرط البخاري عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلي فأتاه الشيطان فأخذه فصرعه فخنقه. قال رسول الله ﷺ حتى وجدت برد لسانه على يدي ولولا دعوة سليمان لأصبح موثقاً حتى يراه الناس. وعن أبي أيوب أنه كان في سهوة (٤) له، وكانت الغول (٥) تجيء فتأخذ فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: "فإذا رأيتها فقل باسم الله أجيبي رسول الله". قال فجاءت فقال لها فأخذها فقالت إني لا أعود، فأرسلها، فجاء فقال له النبي ﷺ ، ما فعل أسيرك؟ قال أخذتها فقالت إني لا أعود فأرسلتها، فقال: إنها عائدة فأخذتها مرتين أو ثلاثاً كل ذلك تقول لا أعود وأجيء إلى النبي ﷺ فيقول: "ما فعل أسيرك؟ " فأقول أخذتها فتقول: لا أعود فيقول: "إنها عائدة" فأخذتها فقالت أرسلني وأعلمك شيئاً تقوله فلا يقربك شيء، "آية الكرسي". فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: "صدقت وهي كذوب".

стр. 194

رواه أحمد والترمذي وروى البخاري مثل هذا الحديث عن أبي هريرة وروى الحافظ أبو يعلى مثله عن أبي بن كعب - راجع ابن كثير عند تفسير آية الكرسي ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم ... ﴾. وروى أبو نعيم عن الأحنف بن قيس قال: قال علي بن أبي طالب: "والله لقد قاتل عمار بن ياسر الجن والإنس على عهد رسول الله ﷺ . فقلنا: هذا الإنس قد قاتل. فكيف الجن؟ فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر. فقال لعمار: "انطلق فاستق لنا من الماء. فانطلق فعرض له الشيطان في صورة عبد أسود فحال بينه وبين الماء. فأخذه فصرعه عمار. فقال له: دعني وأخلي بينك وبين الماء. ففعل ثم أبى. فأخذه عمار الثانية فصرعه. فقال: دعني وأخلي بينك وبين الماء. فتركه. فأبى فصرعه. فقال له: مثل ذلك. فتركه فوفى له. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان قد حال بين عمار وبين الماء في صورة عبد أسود. وإن الله أظفر عماراً به. قال علي. فلقينا عماراً. فقلت: ظفرت يداك يا أبا اليقظان. فإن رسول الله ﷺ قال: كذا وكذا. قال: أما والله لو شعرت أنه الشيطان لقتله. ولقد هممت أن أعض بأنفه لولا نتن ريحه". حضور الشياطين كل شيء للإنسان إذا لم يذكر اسم الله تعالى. روى مسلم والترمذي من حديث جابر عن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه". وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله. اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبداً". وروى مسلم من حديث سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه

стр. 195

وسلم: "لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها تركز رايته". وروى مسلم وأبو داود عن جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا دخل الرجل منزله فذكر اسم الله عند دخوله وعند طعامه. قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا ذكر اسم الله عند دخوله ولم يذكره عند طعامه يقول: أدركتم العشاء ولا مبيت لكم. وإذا لم يذكر اسم الله عند دخوله قال: أدركتم المبيت والعشاء". وروى مسلم وأبو داود عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله ﷺ (أي طعاماً) لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله ﷺ فيضع يده. وإنا حضرنا مرة معه طعاماً فجاءت جارية كأنها تدفع، فذهبت لتضع يدها في الطعام فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، ثم جاء أعرابي فكأنما يدفع فذهب ليضع يده فأخذ يده. فقال رسول الله ﷺ : "إن الشيطان يستحل الطعام أن لا يذكر اسم الله عليه وإنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، والذي نفسي بيده إن يده في يدي مع يديهما". وروى مسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن. قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: وأنا إلا أن الله تعالى أعانني عليه فأسلم فليس يأمرني إلا بخير". وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله. قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كان جنح (١) الليل وأمسيتم فكفوا صبيانكم. فإن الشيطان ينتشر حينئذ. فإذا ذهبت ساعة من الليل فخلوهم (٢)، وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله تعالى. وخمروا آنيتكم واذكروا اسم الله ولو أن تعرضوا عليها شيئاً (٣). وأطفئوا مصابيحكم".

стр. 196

وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد قال: كان فتى منا حديث عهد بعرس فخرجنا مع رسول الله ﷺ إلى الخندق فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله ﷺ بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يوماً. فقال له: خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة، فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع فإذا امرأته بين البابين قائمة. فأهوى اليها بالرمح لكي يطعنها لما أصابته غيرة. فقالت له: اكفف عليك رمحك وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني. فدخل فإذا بحية عظيمة منصوبة على الفراش فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به. ثم خرج فركزه (١) في الدار فاضطربت عليه فما ندري أيهما كان أسرع موتاً. الحية أم الفتى". يؤخذ من هذا الحديث ومما سبق أن الجن يظهرون في أشكال كثيرة. وخصوصاً أول الليل وآخره وفي الخربات والأماكن المظلمة والصحارى. والأماكن النجسة. فعلى الإنسان أن يأخذ دائماً حذره وألا يؤذي شيئاً مما يظن أنه قد يكون منهم إلا بعد أن يظهر أذاه ثم ينذره ثم يذكر اسم الله ويرد اعتداءه ولو بقتله. فقد روى الترمذي والنسائي عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: "إن بالمدينة نفراً من الجن قد أسلموا. فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئاً فآذنوه (٢) ثلاثاً فإن بدا لكم فاقتلوه". وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية: "قتل الجن بغير حق لا يجوز كما لا يجوز قتل الإنس بغير حق والظلم محرم في كل حال. والجن يتصورون في صور شتى. فإذا كانت حيات البيوت قد تكون جنيات فتؤذن ثلاثاً. فإن ذهبت فبها وإلا قتلت".

стр. 197

صرع الجن الإنس قال تعالى: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]. قال ابن كثير في معنى الآية: أي لا يقوم الذين يأكلون الربا في الدنيا من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له. واستدل أهل السنة والجماعة بهذه الآية على أن الجن تدخل في بدن المصروع. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: إن قوماً يقولون: إن الجن لا تدخل في بدن الإنس، قال يا بني يكذبون. هو ذا يتكلم على لسانه (أي على لسان من مسه الجن). وذكر الدارقطني والدارمي بالسند إلى ابن عباس أن امرأة جاءت بابن لها إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله. إن ابني به جنون، وإنه يأخذه عند غدائنا وعشائنا فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له. فتفتفه (١) فخرج من جوفه مثل الجرو (٢) الأسود فسعى. وروى الإمام أحمد وأبو داود وأبو قاسم الطبراني من حديث أم أبان بنت الوازع عن أبيها أن أجدها انطلق إلى رسول اله ﷺ بابن له مجنون. أو ابن أخت له. فقال يا رسول الله. إن معي ابناً لي، أو ابن أخت لي مجنون، أتيتك به لتدعو الله تعالى له. قال: ائتني به قال:

стр. 198

فانطلقت به إليه وهو في الركاب. فأطلقت عنه وألقيت عليه ثياب السفر، وألبسته ثوبين حسنين، وأخذت بيده حتى انتهيت به إلى رسول الله ﷺ فقال: أدنه مني، واجعل ظهره مما يليني، قال. فأخذ بمجامع ثوبه بين أعلاه وأسفله فجعل يضرب ظهره حتى رأيت بياض إبطه ويقول: اخرج عدو الله. فأقبل (يعني المريض) ينظر نظر الصحيح ليس بالنظر الأول. ثم أقعده رسول الله ﷺ بين يديه فدعا له بماء فمسح وجهه ودعا له. فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله ﷺ يفضل عليه. وذكر صاحب كتاب "آكام المرجان" حكاية عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁: هي أن المتوكل أنفذ إليه صاحباً له يعلمه أن جارية بها صرع وسأله أن يدعو الله لها بالعافية. فأخرج له أحمد نعلي خشب بشراك (١) من خوص للوضوء فدفعه إلى صاحب له وقال له: تمضي إلى دار أمير المؤمنين، وتجلس عند رأس هذه الجارية وتقول له (يعني الجني) يقول لك أحمد: أيما أحب إليك. تخرج من هذه الجارية، أو تصفع بهذه النعل سبعين؟ فمضى إليه وقال له مثل ما قال له الإمام أحمد. فقال له المارد على لسان الجارية: السمع والطاعة. لو أمرنا أحمد ألا نقيم بالعراق ما أقمنا به. إنه أطاع الله، ومن أطاع الله أطاعه كل شيء. وخرج من الجارية، وهدأت ورزقت أولاداً. ومما ذكر من الأدلة نعلم أن صرع الجن للإنس أمر ممكن وأنه وقع فعلاً. وقد كانت العرب وغيرها من الأمم تؤمن بذلك وتحكي فيه الحكايات الكثيرة. ولا غرابة فيما حكي وفيما يحكى اليوم عن الجن وتشكلهم بالأشكال المختلفة واتصالهم بالإنس بأنواع من الاتصالات. وهذا أمر مقرر في الإسلام حتى اختلف الفقهاء في جواز التزواج بين الإنس والجن فالقلة أجازته والكثرة منعته، لأن الجن جنس غير جنس الإنس.

стр. 199

وتكلم كثير من علماء الإسلام عن صرع الجني الإنسي وكيفية علاج الإنسي منه وأكثر الكلام في هذا الموضوع أبو العباس ابن تيمية، وغيره وألفت في ذلك أبواب عالجت الموضوع علاجاً علمياً مبنياً على أسس إسلامية. والخلاصة في هذا الموضوع أن علاج الإنسي المصاب بلمس الجني أمر يمكن إما بالتصالح مع الجني والتعاهد معه إن كان ذلك يصلح معه، وإما بالرقى - والتعاويذ. وأهمها قراءة آية الكرسي. فقد ذكر ابن تيمية أن الله شفى بسببها كثيرين. ومنها التخويف والإرهاب إن كان الإنسي المعالج أهلاً لذلك، ومنها كتابة التعاويذ لتشرب أو لتحمل بشرط أن يكون المكتوب ليس استعاذة بغير الله تعالى، لأن ذلك شرك، وليس استعاذة بأسماء لا تعرف معناها، لأنها غالباً ليست من أسماء الله تعالى. فلا مانع من العلاج إذاً بأي شيء مباح. ولا يجوز بالشيء الممنوع شرعاً. ومعالجة هؤلاء المصروعين جائزة بل قد تكون مستحبة أو واجبة كما قال ابن تيمية، لأنها إغاثة لمسلم ونصرة له من ظالمه، ونصرة المظلوم واجبة لمن قدر عليها بالطريق المشروع. ويلاحظ أن تصرفات المصروع التي يفعلها رغماً عنه ولا قدرة له على ردها تصرفات لا يحاسب عليها المصروع ولا يؤاخذ بها، لأنها فوق طاقته، فهو مثل المجنون.

стр. 200

السمعيات: معناها - مصدرها تحضير الأرواح ... هذا الموضوع ذو أهمية ويستحق الدرس والعناية به، وليس المجال هنا متسعاً للاطالة فيه، ولكن حسبنا أن نقول: إن هناك قضايا إذا فهمت عن درس أمكن الوصول إلى نتيجة يقينية لا لبس فيها ولا غموض. الأولى: هي أن الجن ثبت وجودهم، وأنهم يتشكلون بما يريدون، وأنهم متصلون ببني آدم اتصالاً وثيقاً ويعيشون معهم على أرضهم، وأحياناً يدخلون في أجسامهم ويتسلطون عليها بكيفية لا يعلمها إلا الله، لأن حقيقتهم لا يعلمها إلا الله. وبناء على ذلك فالجني يمكنه أن يتشبه بالرياح وبالأنوار المختلفة الألوان وبالسحاب والدخان والشخصيات العظيمة. كما يمكن للجني أن يقلد أية شخصية حية أو ميتة بعد موتها، لأن أعمار الجن تصل أحياناً إلى مئات السنين، كما ثبت في ذلك في بعض الأحاديث والآثار - كما أن تكليم الجني للإنسان على لسان إنسان آخر أمر ثابت كما سبق، وتحريك الجني لقلم يكتب، أو لسلة ترسم بوساطة قلم، أو لأثاث حجرة ليكسر أو لغير ذلك مما نسمع عنه أمر ممكن وواقع فيما مضى ويقع الآن كثيراً، والمتتبع لهذا الأمر يجد الغرائب التي لا شك فيها. الثانية: أن أرواح الموتى بعد موتهم لا سلطان لأحد عليها بتسخير أو تحضير أو غير ذلك لأن هذه الأرواح ذهبت إلى خالقها لتلقى مصيرها حسب عملها، فهي في روضة من رياض الجنة، أو في حفرة من حفر النار، وتلك حياة برزخية غيبية لا سلطان لأحد عليها غير الله تعالى .... قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾ [الإنشقاق: ٠٦].

стр. 201

وقد قال تعالى في مصير الإنسان بعد موته: ﴿فأما إن كان من المقربين. فروحٌ وريحان وجنة نعيم. وأما إن كان من أصحاب اليمين. فسلام لك من أصحاب اليمين. وأما إن كان من المكذبين الضالين. فنزل من حميم. وتصلية جحيم﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤]. الثالثة: لم يثبت أن نبياً مرسلاً أو صحابياً أو تابعياً أحضر روح ميت ليسأله عن أمر من الأمور - وكثيراً ما تأزمت أمور وتعقدت مسائل ووجدت قضايا لو قال الميت فيها كلمة واحدة لانتهى الأمر المعضل، وكان ذلك يحدث في حياة المرسلين الذين جاءوا بالمعجزات الباهرة، ومع ذلك لم تحدث مرة واحدة في عصرهم أن أحضرت روح لتقول الكلمة المطلوبة فتفك الأزمة القائمة، وكل ما سمعناه عن الاتصال بأرواح الموتى إنماهو ما يحدث في المنام لا في اليقظة وأما إحياء عيسى ﵇ الموتى فليس تحضيراً للأرواح إنما هو إحياء للجسم مع الروح، وكذلك إحياء الله ميت بني إسرائيل على يد موسى ﵇. الرابعة: أرواح الموتى لو أحضرت لفاحت منها ومن أخبارها وتصرفاتها رائحة النعيم أو العذاب، ولعرفنا منها أخباراً حقيقة عن أهل الجنة وأهل النار، وعن نعيم الجنة وعذاب النار، وأخبار القبور، والأسئلة والأجوبة بالنسبة للموتى، ولاتضح لنا كل ما يتصل بالعالم الآخر أو أكثره، ولأمكن نشر ذلك كله على الناس ودعوتهم لسماعه، وذلك ما لم يحدث بكيفية علمية مؤكدة. الخامسة: لو أنك تتبعت كل ما قيل عن تحضير الأرواح لخرجت بنتيجة واحدة هي: أن كل ما قيل عن الأرواح أنها قالته أو عملته، قيل وثبت عن الجن أنها قالت مثله وفعلت مثله.

стр. 202

فتحضير الجن كتحضير الأرواح - غير أن ما سمي تحضير الأرواح ألبس ثوباً علمياً كاذباً ووشاحاً يتفق مع عصر الصاروخ والقنبلة الذرية. السادسة: الأرواح التي تستحضر تراوغ، وتخلف الوعد، وترضى بالمنكر في مجالسها كأن ترضى بجلوس من يلبس الذهب والحرير من الرجال، وترتضي قوماً نساؤهم وبناتهم سافرات عاريات وقد يكون غير مصليات، كما أن الأرواح المستحضرة تكسر الأشياء أحياناً وتؤذي بعض الناس وقد تقوم بأعمال بهلوانية كالرقص والتلون بألوان مختلفة وإضاءة الحجرة والإخبار ببعض ما يحدث بين الناس وفي العالم مما لا يراه ولا يعلمه المحضرون ولكن تعلمه الجن لسعة كشفها وسرعة تنقلها بدرجة تفوق سرعة أسرع صاروخ اكتشفه العلم وكل هذه الأمور فعلتها الجن وفعلت أكثر منها وتجد لها أمثلة في القرى والمدن عند المتخصصين في أمور الجن، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا حولهم هالة من الدعاية ونفخ الأبواق ليلبسوا أمورهم لباساً علمياً مزيفاً، ويقولوا للناس - افتراء - إننا نستحضر الأرواح، إنما يقولون صادقين، إننا نستحضر الجن أو هم يحضرون معنا. وكثيراً ما رأيت أناساً مضللين بادعائهم تحضير الأرواح أو حضور جلساتها وأن هذه الأرواح زينت لهم فعل منكر أو أباحت لهم ترك فريضة أو هونت عليهم فعل جريمة بحجة أنها أرواح من عند الله وأنها تعلم الحقائق عارية مكشوفة لا لبس فيها ولا خفاء. ولم يدر المسكين أنه واقع في شباك جني كذاب مضلل. السابعة: أن الأرواح بعد فراق الأجساد محكومة بناموس وسر إلهي فلا يمكن لأحد أن يتسرب إليها ولا أن يسخرها هذا التسخير المزري ولا يمكن لها إلا أن تكون صورة صادقة للعالم الآخر وذلك ما لم يحدث أبداً في عالم ما يسمونه تحضير الأرواح.

стр. 203

خلاصة ... وخلاصة القول بعد عرض الأمور السابقة أن كل ما قيل في تحضير الأرواح المزعومة قيل في تحضير الجن، وأن كل ما تفعله الجن تفعله الأرواح، وأن محضري الأرواح لو اتصلوا بمحضري الجن لقالوا: لقد كنا مخدوعين حين صدقنا أن ما نستحضره هو أرواح الموتى، والحقيقة أنها ألعاب الجن، ولو اتصل محضرو الجن بمحضري الأرواح لقالوا: لو علمنا حقيقة محضري الأرواح لادعينا ادعاءهم وأوهمنا الناس أننا نحضر أرواحاً علوية، ولكسونا أعمالنا كسوة علمية لكي يلبس الوهم ثوب الحقائق. فالكل يستحضر الجن بطرق شتى يستوي فيها طريقة المندل، والتعاويذ السحرية المبنية على امتهان القرآن والحديث وكل ما هو مقدس شرعاً، وطريقة السلة وعلبة السجاير، ولعبة الحروف الأبجدية، والأرقام الحسابية، وطريقة القاعة المغلقة وطريقة الآلات المتحركة والوسيط وغيرها. ويستوي ظهورهم على لسان إنسان، أو في شكل نور، أو ريح أو سحاب في سقف حجرة أو في شكل ولي، أو غير ذلك. ولن نستطيع حين ندرس تحضير الجن، وتحضير الأرواح أن نجد أي فارق في النتيجة والأثر. إذا عرفنا هذا وعرفنا أن هذا الذي يحدث في تحضير الأرواح المزعومة هو نفسه أعراض الجن وأعمالها، وأضاليلها ثم عرفنا مع ذلك أن أرواح الموتى لا تسخر لأحد، ولا تحيا حياتنا، ولا يمكن أن تكذب، أو تخدع، أو تدعي غيباً مستقبلاً كما أنها مشغولة بما هي فيه من نعيم أو عذاب ... الخ ما سبق ذكره. إذا ثبت هذا كله في ذهن القارئ أدرك أن تحضير الأرواح هو بيقين تحضيراً للجن لا لأرواح الموتى.

стр. 204

والجني بحكم طبيعته يستطيع أن يخبرك عن الماضي البعيد، وأن يتشكل في صور أهله وأن يعرف من قرين الميت ما كان عليه الميت، وما كان عنده من أسرار كما يستطيع الجني بسهولة أن يعرف أماكن بعض الأشياء، كما يدل على المسروقات أحياناً، ويخبر ببعض الأحداث التي تغيب عن كثير من الناس، أما علمهم بالمستقبل فأمر غير ممكن، لكن يمكن التخمين كتخمين البشر فيصدق أحياناً ويتحقق تخمينه، فيظن الناس أنه يعلم المستقبل وهو أبعد ما يكون عن علمه، فثبت بهذا أن تحضير الأرواح هو تحضير للجن لا لأرواح الموتى - وأي موتى هؤلاء الذين يرضون بعد لقاء ربهم أن يعودوا إلينا ويروا حياتنا التي ملأها الفسقة فجوراً وفسوقاً وكفراً وانحلالاً وسخرية من القيم الإنسانية والمبادئ الدينية؟!!! إن بعد الناس عن معرفة حقائق الدين وأحواله كبدهم تخبطات كثيرة والبقية تأتي؟!!!

стр. 205

السمعيات: معناها - مصدرها الأجل ... يجب الإيمان بأن الإنسان وسائر الحيوانات، والجن والملائكة لا يموت أحد منهم حتى يتم أجله الذي قدره الله له سواء مات حتف أنفه، أم مات مقتولاً بأي سبب من الأسباب. قال تعالى: ﴿لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [يونس: ٤٩]. والأمة تشمل الأمة الإنسانية وغيرها. قال تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام: ٣٨]. وملك الموت هو الذي يقبض الأرواح بأمر الله تعالى، وله أعوان من الملائكة الكرام كما سبق ذكره، وعند الاحتضار (خروج الروح) يرى المحتضر الملائكة الذين يقبضون روحه ويعرف مصيره إن كان إلى الجنة أو إلى النار. قال تعالى: ﴿الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾ [النحل: ٣٢].

стр. 206

وقال تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ [الأنعام: ٩٣]. وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال ذلك حتى تخرج ثم يزج بها إلى السماء - فيستفتح - لها فيقال: من هذا؟ فيقال فلان. فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب. ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله . وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يُعرج بها إلى السماء فيستفتح لها. فيقال من هذا؟ فيقال فلان. فيقال لا مرحباً بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء. فترسل من السماء ثم تصير إلى القبر ... إلى آخر الحديث. رواه ابن ماجه. قال في التنقيح: ورجاله رجال الصحيح. قال ولحديث أبي هريرة هذا ألفاظ عند أحمد ومسلم وابن ماجه وابن حبان.

стр. 207

السمعيات: معناها - مصدرها سؤال القبر، ونعيمه وعذابه ... يجب الإيمان بأن أول ما ينزل بالميت بعد موته سؤال الملكين في القبر بأن يرد الله عليه روحه وسمعه وبصره ثم يسأله الملكان عن ربه ودينه ونبيه فإما أن ينعم أو يعذب حسب إجابته أن سوئها. وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة صحيحة بلغت حد الشهرة والتواتر المعنوي، منها: حديث عثمان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: "استغروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" اخرجه أبو داود والبزار والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه. ومنها حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر"، أخرجه أحمد ومسلم والنسائي. وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل، لمحمد ﷺ ؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً من الجنة فيراهما جميعاً ويفسح له من قبره سبعون ذرعاً ويملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون. وأما الكافر أو المنافق فيقال له، ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري إني كنت أقول ما يقول الناس. فيقال له: لا دريت ولا تليت. ويضرب بمطارق من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه" أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي واللفظ للبخاري. هذا: والمنعم والمعذب عند أهل السنة الجسد والروح جميعاً.

стр. 208

ومما تقدم يستفاد أن لأهل القبور حياة يدركون بها أثر النعيم والعذاب، ولو تفتتت أجسادهم. وأما كيفية تنعيمهم أو تعذيبهم فأمرها غيبي لا نعرف حقيقته. وحال الميت في ذلك كحال النائم يرى الملاذ والمؤلمات ولا يرى من بجواره شيئاً. ويسأل من غرق أو أحرق أو أكله سبع بكيفية يعلمها الله تعالى. هذا، ولا يسأل الأنبياء، والصبيان، والشهداء للأدلة الواردة في ذلك.

стр. 209

السمعيات: معناها - مصدرها اليوم الآخر هو يوم القيامة: وأوله من الموت لحديث هانئ مولى عثمان بن عفان قال: كان عثمان ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته فقيل له: أتذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتذكر القبر وتبكي؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "القبر أول منزل من منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعده أيسر منه وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه" أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب. وقيل: أول اليوم الآخر من النشر (وهو الخروج من القبور). وآخره على القولين دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. ولا يعلم وقت مجيئه إلا الله تعالى. قال تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة، قل إنما علمها عند الله، وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً﴾ [الأحزاب: ٦٣]. وعن بريدة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "خمس لا يعلمهن إلا الله ". ﴿إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت﴾ [لقمان: ٣٤]. أخرجه أحمد بسند صحيح. والكلام عن اليوم الآخر ينحصر في علامات الساعة مشتملات يوم القيامة وعلامات الساعة نوعان: ١ - علامات صغرى، ٢ - علامات كبرى.

стр. 210

١ - علامات الساعة الصغرى: ... العلامات الصغرى لقرب يوم القيامة كثيرة وردت بها الأحاديث الشريفة، وخلاصتها انتقاض عرى الدين الإسلامي وانتكاس الفطرة الإنسانية. وإليك بعض الأمثلة لها كما جاءت بها الأحاديث النبوية الصحيحة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن النبي ﷺ قال: "إن من أشراط (١) الساعة أن يرفع العلم (أي العلم بالله وبدينه) ويظهر الجهل، ويفشو الزنا، ويُشرب الخمر، ويكثر النساء، ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة قيم واحد" أخرجه السبعة إلا أبا داود وقال الترمذي: حسن صحيح. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، (أي تذهب بركة الأيام فتمر بدون الاستفادة المطلوبة منها) وتظهر الفتن، ويكثر الهرج (القتل) حتى يكون فيكم المال فيفيض". أخرجه الشيخان وابن ماجه. وعنه ﵁ أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : متى الساعة؟ فقال: "إذا ضُيعت الأمانة فانتظر الساعة. قال. وكيف إضاعتها؟ قال: إذا أسند الأمر لغير أهله فانتظر الساعة". أخرجه البخاري. وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود". أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم. والغرقد بفتح الغين فسكون الراء: نوع من الشجر له شوك عظيم معروف ببلاد بيت المقدس. وكلام الحجر والشجر يحتمل أن يكون حقيقياً ويحتمل أن يكون كناية عن تمكن المسلمين من اليهود حتى لا يستطيعوا فراراً ولا هرباً.

стр. 211

٢ - العلامات الكبرى وأهمها الآيات الآتية: ١ - طلوع الشمس من المغرب: وهي أول الآيات الكبرى المؤذنة بتغيير أحوال العالم العلوي حتى ينتهي بقيام الساعة. روى عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: "إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى. وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على أثرها قريباً" أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود ومسلم واللفظ له. وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً". أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه. والمعنى أنه إذا طلعت الشمس من المغرب فإن الإيمان حينئذٍ لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبل ذلك. كما لا تنفع التوبة نفساً كانت عاصية قبلها. وهذا بالنسبة لمن طلعت عليه الشمس وهو بالغ مكلف والله أعلم. وطلوع الشمس من المغرب يكون في يوم ثم تطلع من الشرق كعادتها وإذا طلعت من المغرب غربت في المشرق. وحينئذ يغلق باب التوبة إلى يوم القيامة على القول الراجح بالنسبة لمن طلعت عليهم وهم بالغون لقوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا يفنع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]. والمراد ببعض آيات الرب طلوع الشمس من المغرب كما في الحديث السابق .

стр. 212

٢ - خروج الدابة: والظاهر أن خروجها يكون في زمن طلوع الشمس من مغربها كما في فتح الباري لابن حجر أخذاً مما سبق. قال تعالى: ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون﴾ [النمل: ٨٢]. قال ابن كثير: هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق. وهذه الدابة قيل تخرج من مكة وقيل من غيرها. وحين تخرج تكلم الناس وتخبرهم بما هم عليه من إيمان أو كفر، ومن صلاح أو فسق وبخروجها ينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعدم فائدة ذلك. فإن التوبة لا تقبل بالنسبة لمن رآها أو علم بها وهو مكلف. وقد سبق الدليل على إثباتها. ٣ - خروج المسيح: وسمي المسيح بالحاء على الصحيح، لأنه يمسح الأرض ويقطعها في أربعين يوماً، ولأنه ممسوح نور العين اليمنى، وهو الآية الكبرى المؤذنة بتغيير الأحوال العامة في معظم الأرض. وهو أول هذه الآيات. وقد وصفه النبي ﷺ وصفاً كافياً لنكون منه على حذر، ولننجو من فتنته. فعن أبي سعيد الخدري قال: "حدثنا النبي حديثاً طويلاً عن الدجال فكان فيما حدثنا قال: يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة (١) فينتهي إلى بعض السباخ (٢) التي تلي المدينة. فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر، فيقولون: لا. فيقتله

стр. 213

ثم يحييه. فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة مني الآن فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلّط عليه" أخرجه أحمد والشيخان واللفظ لمسلم. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "ما بعث الله من نبي إلا أنذر أمته من الدجال. وإنه يخرج فيكم فما خفي عليكم من شأنه، فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية (١) ". وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم عن الدجال حديثاً ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار فالتي تقول: إنها الجنة هي النار، وإني أنذركم به كما أنذر به نوح قومه". أخرجه مسلم. وعن حذيفة أن النبي ﷺ قال: "إن مع الدجال إذا خرج ماء ونار، فأما الذي يرى الناس أنه نار فماء عذب، وأما الذي يرى الناس إنه ماء فنار تحرق. فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار فإنه ماء بارد عذب". أخرجه الشيخان وأبو داود. ومن حديث النواس بن سمعان قال: قلنا يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال أربعون يوماً. يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة. وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله. فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال. لا. اقدُروا له قدره ... الخ. الحديث أحمد ومسلم وابن ماجه، والترمذي. وقال: غريب حسن صحيح. ٤ - نزول المسيح عيسى ﵇ وقتله الدجال: دلت السنة على أن سيدنا عيسى ﵊ ينزل قرب الساعة، ويقتل الدجال ويحكم بشريعة نبينا محمد ﷺ ، ويمكث في الأرض ما شاء الله أن يمكث. ثم يموت ويصلي عليه المسلمون.

стр. 214

فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل ابن مريم حكماً مقسطاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها". ثم قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً﴾ [النساء: ١٥٩]. أخرجه أحمد والخمسة إلا النسائي. وعن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ : "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين: لا أدري أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً. فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه. ثم يحكم الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة. ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه، فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً. ولا ينكرون منكراً فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان وهم في ذلك دارٌّ رزقهم (١) حسن عيشهم. ثم يفنخ في الصور فيصعق الناس، ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل (٢) فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. ثم يقال: يأيها الناس هلم إلى ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون، ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال: من كم؟ فقال: من كل ألف تسعمائه وتسعة وتسعين، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق" أخرجه أحمد ومسلم. والأحاديث في هذا كثيرة شهيرة صحيحة. قال القاضي عياض: نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال حق وصحيح عند أهل السنة للأحاديث الصحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته.

стр. 215

٥ - يأجوج ومأجوج: قال تعالى: ﴿حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب (١) ينسلون﴾ [الأنبياء: ٩٦]. قال ابن كثير في تفسيره (٢): إنهم من سلالة آدم ﵇، بل هم من نسل نوح أيضاً من أولاد يافث، أي أبي الترك، والترك شرذمة منهم تركوا وراء السد الذي بناه ذو القرنين ... وقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية، وأن خروجهم يكون مع وجود عيسى ونزوله، وإليك الدليل: فعن عبد الرحمن بن جبير بن نقير الحضرمي عن أبيه أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة فخفض فيه ورفع (٣) حتى ظنناه في ناحية النخل فقال: غير الدجال أخوفني عليكم فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، وإنه شاب جعد قطط (٤)، عينه طافية، وإنه يخرج خلة بين الشام والعراق، فعاث يميناً وشمالاً - يا عباد الله اثبتوا - قلنا يا رسول الله: ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً. يوم كسنة ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم. قلنا يا رسول الله. فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟؟ قال: لا. اقدروا له قدره، قلنا يا رسول الله: فما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون
следующие страницы →