← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 153–192 · переход к 158.

стр. 153

الأصبهانيُّ (١) في «شرحِ الأمثالِ» (٢): وذلِك أنَّ الفُهودَ الهَرِمةَ التي تَعجزُ عن الصَّيدِ تجتمِعُ على فهدٍ فتًى، فَيَصِيدُ عليها كلَّ يومٍ / شبعَهَا. قُلْتُ: فلا يمتنعُ أنْ يكونَ قولُها: «إذَا دَخَلَ فَهِدَ»، أي إذا جاءِ المنزلَ جاءَهُ بالكسبِ والخيرِ والفوائدِ، كما يفعلُ الفهدُ في كسبِهِ، ولا فَرقَ بين هذا في التَّأويلِ وبين الأوَّلِ؛ إذ كلُّ واحدٍ إنَّما اشتُقَّ من خُلقِ الفهدِ، وكانتْ العربُ تتمادَحُ بالكسبِ والاستفادَةِ، وفي حديثِ أبي بكرٍ: «إنَّك تَكْسِبُ المعدُومَ» (٣)، ومثلهُ في وصفِ ورقةَ للنَّبيِّ ﷺ (٤)، وهذا أحدُ التَّأويلينِ في هَذين (٥) الحديثَينِ. وقال المُساوِرُ بنُ هِنْدٍ من أناشيد أبي تمَّامِ (٦): ............................. ... تَجَرَّدَ فِيهَا مُتْلِفُ المَالِ كَاسِبُهْ

стр. 154

فلا يَبعُدُ هذا التَّأويلُ عِندِي، وإنْ كانَ الأوَّلُ أظهرَ وأليَقَ بالكلامِ؛ لِمطابقةِ لفظِهِ ومعناهُ قولَها: «وإذَا خَرَجَ أَسِدَ»، كمَا سنُبَيِّنُهُ عند الكلامِ على ما فيهِ مِن البلاغةِ وأبوابِ الفصاحةِ، إن شاء اللهُ تعالى. كما أنَّ -أيضًا- قولَها: «ولَا يَسْألُ عمَّا عَهِدَ»، مِنْ معنى: «إذا دَخَلَ فَهِدَ» على التَّأويلِ الأوَّلِ، وفيه مُطابقَةٌ ومُمَاثَلةٌ للتَّأويلِ الثَّاني، فحَمْلُ كُلِّ فِقرةٍ / على معنًى مفردٍ، أولى بالكلامِ الفَصِيحِ وأسعَدُ. عَرَبِيَّتُهُ: قولُها: «فَهِدَ»: فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الفهدِ لِاتِّصافِهِ (١) بوصفِهِ كما ذكرنا، مثلَ قولِها: «أَسِدَ»، فعلٌ مشتقٌّ مِنَ الأسَدِ أيضًا كذلِك (٢)، وكثيرًا مَا أَتَتْ أفعالُ التَّخَلُّقِ والتَّغيُّرِ المُشتقَّةُ مِنْ ذلك على فَعِلَ وفَعَلَ. وقد يُحتملُ أنْ يُقال: إنَّ فَهِدَ هَاهُنَا اسمٌ، ويكونُ خبرًا لمبتدإٍ مُضمرٍ، أي: / فهُوَ فَهْدٌ، كمَا قال ﷺ : «الحَمْوُ المَوْتُ» (٣). وكما تقولُ: زيدٌ الأسَدُ، / أي: مثلُ الأسَدِ، ويكونُ / كسرُ الهاءِ هَاهُنا كما قالوا: فَخْذٌ وفَخِذٌ. أو لِمُناسبَةِ قولِها: أسِدَ (٤) في السَّجعِ الآخرِ، وهو بابٌ مِنَ الإتْباعِ (٥) يتقدَّمُ لِتحسينِ الكلامِ

стр. 155

ومناسبةِ الألفاظِ، ومنه قولُهُ ﷺ : «ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ» (١) [وحَقّهُ:

стр. 156

مَوْزُورَاتٍ، ولكنَّهُ حَمَلَهُ على لفظِ مَأْجُورَاتٍ] (١) لِتحسينِ الكلامِ، وللعربِ في هذا البابِ مذهبٌ معلومٌ. ويُعضِّدُ هذا التَّأويلُ: أنَّه قد رُوِي: «فَفَهِد» (٢)، و «فَأَسِد»، وقد يُحتملُ أنْ تكونَ هاتَانِ اللَّفظتانِ اسمًا للفاعلِ من: فَهِدَ، وأَسِدَ؛ فكثيرًا ما / جاء اسمُ (٣) الفاعلِ من فَعِلَ على هذا الباب كحَرِج وخَجِل ووَجِل وعَمِر (٤) وشَرِق وبَرِق وفَرِق، في أمثلةٍ كثيرةٍ، لكنْ حملُ ذلك على فِعلين، وحذفُ الفاءينِ أفصحُ، وتقابُلُهما أسهلُ للكلامِ وأَسْمَحُ. مَعْنَاهُ: وصفتْهُ بأنَّه كريمُ الطَّبعِ، نَزِهُ الهمَّةِ، حسنُ العشرةِ، ليِّنُ الجانبِ في بيتِهِ، ليس يتفقَّدُ ما ذهبَ مِنْ مالِهِ، ولا يَلتفِتُ إلى جانبِ البيتِ، ولا يطلُبُ ما فَقَدَ منه وعَهِدَ فيه من طعامٍ أو / مأكولٍ وشبهِهِ، ولا يسألُ عنه لِسخاوَةِ نفسِهِ، وسعَةِ قلبِهِ، فكأنَّه ساهٍ أو نائمٌ أو غافلٌ عن ذلك؛ فشبَّهتْهُ بالفهدِ لذلك، وهذه الخصلةُ من مكارمِ الأخلاقِ، وقد قيلَ: العَاقِلُ: الفَطِنُ المُتَغَافِلُ (٥)، وبَيَّنَتْ ذلك بقولِهَا:

стр. 157

«يأكُلُ مَا وَجَدَ» (١)، فعرفتْ أنَّه نزِهُ (٢) الهمَّةِ، قنوعُ النَّفسِ، ليس بِبَرِمٍ (٣) ولا لُعْمُوظٌ (٤)، ثم أكدَتْ ذلك كلَّه من أوصافِهِ بقولِها: «ولا / يَرْفَعُ اليَوْمَ لِغَدٍ»، أي أنَّه مِمَّنْ لا يُعِدُّ الزَّادَ ويَدَّخِرَهُ، بل يُفنِيهِ من يومِهِ، ويجودُ به لحِينِهِ، ويوسِّعُ عيشَةَ مَنْ معَهَ في جميعِهِ، وقد كانتْ هذه خُلُقَ نبيِّنَا ﷺ وأشرافِ العربِ، وقد نَهَى ﷺ عن خلافِها، / فرُوِيَ عن أنسٍ: أنَّه كان ﷺ لَا يَدَّخِرُ شيئًا لِغَدٍ (٥)، حدَّثنَاهُ

стр. 158

قاضِي القُضَاةِ (١) أبو عليٍّ الحُسينُ بنُ محمَّدٍ (٢)، قال: ثنا الإمامُ

стр. 159

أبو القاسمِ البَلْخِيُّ- يُعرَفُ بابنِ شَافُور (١) - قال: ثنا القَاضِي أبُو عليٍّ الوخْشِيُّ (٢) وغيرُه، قالَوا: ثنا أبُو القَاسمِ الخُزاعيُّ (٣)، حدَّثنا الهيثمُ بنُ كُلَيبٍ (٤) الشَّاشيُّ، حدَّثنا أبُو عيسى التِّرمذيُّ، ثنا قُتَيْبةُ بن سعيدٍ، ثنا جَعفرُ بنُ سُليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ (٥).

стр. 160

ورُوِيَ عنه: أنَّ خادمًا له خَبَّأَ له شَيئًا مِنْ طعامِهِ فأتَاهُ بهِ مِنَ الغَدِ، فقالَ له: «أَلَمْ أَنْهَكَ عن هَذَا؟ إنَّ اللهَ يَأتِي بِرِزْقِ غَدٍ» (١)، وقد تقدَّمَ حدِيثُه في ذكرِ

стр. 161

عليٍّ ﵁، وقدْ قال النَّابغةُ (١) في هذا المعنى: وَلَسْتُ بِخَابِئٍ (٢) أَبَدًا طَعَامِي (٣) ... حِذَارَ غَدٍ، لِكُلِّ غَدٍ طَعَامُ تَنْبِيهٌ: إنْ قيلَ: كيفَ يَصحُّ ما تأوَّلتَهُ مِنْ هذِهِ الأحاديثِ أنَّ خُلُقَ نبِيِّنَا ﷺ مُوافِقَةٌ لقولِها: «وَلَا يَسْألُ عَمَّا عَهِدَ» / على التَّفسيرِ / الَّذي ذكرتَه؛ وفي الصَّحيحِ (٤) عنه ﷺ وقد أُتِيَ بِأُدُمٍ مِنْ أُدُمِ البَيتِ- فقال: «أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيها لَحْمٌ؟ » فَقيلَ: لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ على بَرِيرَةَ، فقال: «هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ»؟ / فالجوابُ: أنَّ ما تأوَّلتُه ظاهرٌ بَيِّنٌ من الأحاديثِ المذكورةِ، ونُصَّ بلفظِهِ في حديثِ عليٍّ كما قدَّمناه. أمَّا قصةُ برِيرَةَ: فليسَ مِنْ هذا؛ فإنَّ السؤالَ / عمَّا عَهِدَ قَبْلُ والاستقصاءَ عنه، والمناقشةَ في حيثُ ذَهَبَ هو المَذمُومُ. وأمَّا استدعاءُ الشَّيءِ الحاضِرِ العتيدِ كلَحمِ بَرِيرَةَ، فليس مِنْ هذا، فكيفَ وقد يُمكنُ أنْ يكونَ سؤالُهُ عن لحمِ بَرِيرَةَ واستدعاؤه لِيُبَيِّنَ لهم هذِه السُّنَّةِ التي هي أحَدُ سُنَنِ الحديثِ؟ وفَهِمَ / عنهُمْ ﷺ إذ قدَّمُوا له أُدُمَ البيتِ وتَرَكوا سيِّدَ

стр. 162

الأُدُمِ -اللَّحَمَ- وهو حاضِرٌ، أنَّهم حملُوا إخبارَهُ بتحريمِ الصَّدقةِ عليهم عامًّا في مِثلِ هذا، ودَلَّ أنَّ هذا قصدَهُم: احتجاجُهم عليه بأنَّه صدقةٌ، فبيَّنَ لهم ﷺ سنَّتَه لذلك. وقد يُحتملُ أن يكونَ قولُها: «وَلَا يَرْفَعُ اليومَ لِغَدٍ»: كِنايةً عن الحِزامَةِ والأخذِ بالجَدِّ في أمره، وتركِ التَّوانِي فيما يَهِمُّ به، ووصفَتْهُ على التَّأويلِ الآخَرِ بالاكتسابِ والاستفادَةِ والوفرِ والتَّوسعةِ على أهلِ منزِلِهِ، ثمَّ وصَفَتْهُ أيضًا بالشَّجاعةِ إذا خرجَ للنَّاسِ وباشَرَ الحربَ، فكأنَّه الأسدُ الذي يخافُهُ كلُّ سَبُعٍ، وبقولِها: «إذَا خَرَجَ أَسِدَ»، ثمَّ مدحِها لهُ بقولِها: / «إذَا دَخَلَ فَهِدَ» على التَّأويلِ المشهورِ؛ إذ قد كانَ يُظنُّ أنَّ ذلك مِن تَغافُلِهِ وإغضائِه وتَنَاوُمِهِ غَرِيزَةُ ضعفٍ وطبيعةُ مَهانَةٍ وفُسُولَةٍ (١)، ولكنْ لمَّا أبانَتْ أنَّه / خارِجًا (٢) بخلافِ هذه الصِّفةِ، بانَ أنَّ ذلك منه سَجِيَّةُ كرمٍ، وشمائلُ نزَاهَةِ هِمَّةٍ، وحُسنُ عِشْرَةٍ. وأمَّا روايةُ مَن رواهُ: «إذَا خَرَجَ فَهِدَ، وإذَا دَخَلَ أَسِدَ» (٣)، فهوَ وَهْمٌ بخلافِ سائرِ الرِّواياتِ المشهورةِ الصَّحيحةِ لذلك، وانقلابِ المعنى الَّذي فسَّرَهُ به مَن

стр. 163

تقدَّمَ، إلَّا أنَّه قد يظهرُ لي فيه وجهٌ، وهو أنْ يكونَ معنى: «إذَا خَرَجَ فَهِدَ»، تصفُهُ في (النَّادِي) (١) بالرَّزانَةِ والسَّمْتِ والحياءِ والحِلْمِ والإغْضاءِ تشبيهًا بالفهدِ؛ وذلك أنَّه حيوانٌ ثقيلٌ كثيرُ النَّومِ، على أنَّه سريعُ الوثبِ، موصوفٌ بالحياءِ، وقِلَّةِ الشَّرهِ، أو أنَّها وصفتْهُ إذا خرجَ بالكسبِ والنَّجعةِ كما قدَّمناه في صفاتِ الفهدِ، ويكونُ تأويلُ: «وإذَا دَخَلَ أَسِدَ»: أنْ تكونَ وصفَتْهُ / بالكرمِ في بيتِهِ وبين أقارِبِهِ (٢)، والتَّفضُّلِ والمُواساةِ، والأسدُ يوصفُ بذلك. وقالوا في المثلِ: «أَكرَمَ مِنْ أَسَدٍ» (٣)، وذكرَ أصحابُ الحيوانِ (٤) أنَّ الأسدَ إذا افترسَ، أكلَ بعضَ فرِيسَتِهِ وتركَ لِمنْ يجتمعُ حولَه من الوُحُوشِ، ولم يُهَاوِشْهُم عليها، ولا دَافَعَهُم عنها، / وأنَّه قلَّما يعرضُ لِصَبِيٍّ ولا امرأةٍ ولا نائمٍ، كَرَمَ طِباعٍ، ونَزَاهَةَ نَفْسٍ، فتقولُ على هذِه الرِّوايةِ: إنَّه داخلًا كالأسدِ كَرَمَ

стр. 164

أخلاقٍ ونَزَاهَةَ نَفْسٍ، وإنَّه خارجًا كالفهدِ تغافُلًا / وإغضاءً / وسمتًا وحياءً، أو جمعًا للمالِ وكسبًا، وهذه مادِحَةٌ زوجَها على رأيِ الجماعةِ، وهو ظاهِرُ مذهبِ عُروةَ بنِ الزُّبيرِ في سردِ الذَّامَّاتِ بجهَتِهِ، وقد / حملَ ابنُ الأنبارِيِّ بعضَ تفسيرِ ابنِ أبي أُوَيْسٍ على الذَّمِّ وبعضَهُ على المَدحِ، وهو مُحتملٌ أنْ يكونَ مدحًا كلَّه أو ذمًّا كلَّه أو منقسمًا بينهما؛ فإنَّ تفسيرَهُ: «فَهِدَ» بوثوبِهِ وثُوبَ الفهدِ عليها مُحتَمَلٌ كما ذكرناه. وتفسيرَهَ: «أَسِدَ» بالجرأةِ على النَّاسِ والإقدامِ، مُحتمِلٌ للمدحِ والثَّناءِ إنْ أرادَتْ به الدِّفاعَ وحَضْرَةَ الهَيْجاءِ، ومقتضي الذَّمِّ (١)، إن كان أرادَتْ بهِ الظُّلمَ، وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ مَنْ يَمْدحُ أيضًا بهذا الوصفِ؛ إذْ هو دليلُ عِزَّةِ الجانِبِ وعدمِ الخوفِ. * * * غَرِيبُ قَوْلِ السَّادِسَةِ قولُها: «إذَا أَكَلَ لَفَّ»، اللَّفُّ في الأكلِ: الإكثارُ منه، والتَّخلِيطُ من صُنوفِهِ، واستقصاؤه حتى لا يُبقِي منه شيئًا (٢). ومَن رَوى: «رَفَّ»، فمعناه: الإكثارُ من الأكلِ، حكاه الهَرَوِيُّ (٣)، يقالُ: مِنهُ: رَفَّ يَرُّفُّ (٤)، ومن رَوَى: «اقْتَفَّ»، فمعناهُ قَرِيبٌ من هذا، قال صَاحِبُ

стр. 165

«العَيْنِ» (١): القَفَّانُ: الجماعةُ، وقَفَّانُ كُلِّ شيءٍ: جِمَاعُهَ واستِقْصاؤه. قالَ الفَقَيهُ القَاضِي أَدَامَ اللهُ عِزَّهُ: ومِنْ هذَا سُمِّيَتْ: / القُفَّةُ؛ لِجمعِها ما جُعِلَ فيها وضَمِّهِ، قال صاحبُ «الجمهرة» (٢): القُفَّةُ: وِعَاءٌ تَجعلُ فيهِ المَرْأةُ غزلَها وشَبَهَهُ. ومنه -والله أعلم- سُمِّي القَفَّافُ الذي يسرِقُ بِكَفِّهِ؛ لأنَّه يجمعُ ويضُمُّ (٣)، قال الشَّاعر (٤): / فَقَفَّ بِكَفِّهِ سَبْعِينَ مِنْهَا ... ................................. «والاشْتِفَافُ» في الشُّربِ: استقصاءُ ما في الإناءِ، مأخُوذٌ مِنَ الشَّفافةِ، وهي البَقِيَّةُ تبقى في / الإناءِ، فإذا شرِبَها صاحبُها، قيلَ: اشتَفَّهَا، ومَن رَوى: «اسْتَفَّ» (٥) بالسِّينِ المُهملةِ، فمعناه قريبٌ منَ الأوَّلِ في الاستقصاءِ والإكثارِ.

стр. 166

وقولها: «وإذَا اضْطجَعَ الْتَفَّ»، تَعنِي: رَقَدَ ناحِيَةً ولم يباشرْها، ويُروى: «رَقَدَ» (١)، و «هَجَعَ» (٢)، وهُما بِمعنى واحدٍ. وقولُها: «يُولِجُ الكَفَّ»: أي يُدخِلُ يَدَهُ. «لِيَعْلَمَ البَثَّ»، أصلُ البَثِّ (٣): الحزنُ، أي فيعلمُ ما أهتمُّ به ويحزِنُنِي أمرُهُ، وسنُبيِّنُ معناه بعدُ، قال ثابتٌ (٤): والبثُّ أيضًا: الأمرُ الذي لا يُصبرُ عليه، والبثُّ: الشكوى، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]. وفيه لُغتان: بثثتُ وأبثثتُ، ومنه قولُ بعضِ العربيَّاتِ (٥): لقد أَبْثَثْتُكَ مَكْتُومِي، وأطْعَمْتُكَ مَأْدُومِي (٦)، أي أخبرتُك بسِرِّي. ومن رواه: «اللَّبْثَ» (٧)، فمعناه- إنْ لمْ يكنْ وهْمًا- الإقامةُ والصَّبرُ عليه. وقولُها «وإذا ذَبَحَ اغْتَثَّ» (٨): فمعناه عندي: إذا / ذَبَحَ للضِّيفانِ اختارَ الهزيلَ من نِعَمِهِ، وقد فسَّرْنا أنَّ الغَثَّ: الهزيلُ.

стр. 167

مَعْنَاهُ: هذِه امرأةٌ ذمَّتْ زوجَها، فوصفتْه أوَّلًا باللُّؤمِ والبخلِ والبَرَمِ (١) / والنَّهامةِ والجَرَازَةِ (٢)، وسوءِ المُعاشرةِ والمُرافقةِ، وأنَّه لا يُبقِي فيما يأكلُ ويشربُ ولا يَذَرُ، ويجمعُ كلَّ ما يجدُهُ من ذلك ويحطِمُهَ، وليس هذا من مكارمِ الأخلاقِ. والعربُ تَذِمُّ بالبَرَمِ وكثرةِ الأكلِ والشُّربِ، وتمدحُ بقلَّتِهِما؛ قال / الشَّاعر (٣): / تَكْفِيه حُزَّةُ فِلْذ إنْ أَلَمَّ بِها ... مِنَ الشَّواءِ ويُروي شُرْبَه الغُمْرُ وقال: لا يَتأرَّى (٤) لِما فِي القِدْرِ يَرقُبُهُ ... ولَا تَرَاهُ أَمَامَ القَومِ يَقْتَفِرُ وقال آخرٌ يهجُو بضِدِّهِ (٥): ألَسْتُم أقَلَّ النَّاسِ عندَ لِوائِهِم ... وأكْثَرَهُم عندَ الذَّبِيحَةِ والقِدْر

стр. 168

وفي صِفةِ نبيِّنا ﷺ : أنَّه كان يَجتَزِئ بالعُلْقَةِ (١)، قال الشَّاعر (٢): وأجْتَزِي مِنْ كَفِافِ القُوتِ بالعُلَقِ العُلْقَةُ: البُلْغَةُ، وقد قِيلَ: لِكُلِّ كِرِيمٍ فَضْلَةٌ. وقيل (٣): .................... ... ولِلأرضِ مِنْ كأسِ الكِرامِ نَصِيبُ ويُروى عن جريرِ بنِ عبد اللهِ: أنَّه قال لِبنِيه: يا بني إذا شَربْتُم فأسئِرُوا (٤). أي:

стр. 169

اتركوا في الإناء سؤرًا، وهو بَقِيَّةُ الشَّرابِ. وفي حديثٍ آخر: فإنَّه أجملُ (١). ورُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : «لا خَيرَ فِي طعامٍ ولَا شَرابٍ ليسَ لهُ سُؤْرٌ» (٢). وفي المثلِ: لَيْسَ الرِّيُّ عَنِ التَّشَافِّ (٣). ثمَّ أكدَتْ وصفَهُ باللُّؤمِ بأنَّه إذا نَزلَ الأضيافُ به، واضطرَّ إلى الذَّبحِ لهم، عَدَلَ عن خيارِ مالِهِ وسمِينِه، إلى هزِيلِه وردِيئِه وما لَا خَيرَ فيه. وهو قولُها: «إذَا ذَبَحَ اغْتَثَّ»، وهذا نِهايةٌ في اللُّؤمِ، وكانتْ عادةُ أجوادِ العربِ ضدَّ هذا من اختيارِ جيِّدِ المالِ للأضيافِ، كما قال بعضُهم (٤): فأعضَضْتُهُ الطُّولَى سنامًا وخَيْرَها ... بلاءً وخَيْرُ الخَيْرِ ما يُتَخَيّرُ / وقال آخر أيضًا (٥): /

стр. 170

تَشْقَى بِه كلُّ مرْباعٍ مُوَدَّعةٍ ... عرْفاءَ يَشْتُو عَليْها تامِكٌ سَنِمُ وقال آخر (١): إذا الْقوْمُ أمُّوا بَيْتَهُ فهْوَ عامِدٌ ... لأَحْسَنِ مَا ظَنُّوا بهِ فَهْوَ فاعِلهْ وقال آخرُ يصف ناقةً عقرَها (٢) للضِّيفانِ (٣): /

стр. 171

فَصَادَفَ السَّيفُ مِنْها سَاقَ مُتْلِيَةٍ (١) ... جَلْسٍ فَصَادَفَ مِنه ساقُها عَطَبَا زَيَّافَةٌ بِنْتُ زَيَّافٍ مُذَكَّرَةٌ ... لَمَّا نَعَوْهَا لِرَاعِي سَرْحِنَا انْتَحَبَا (٢) ثمَّ وصفَتْه بعدُ بِقلَّةِ الاشتغالِ بها، والتَّعطيلِ لها، وأنَّه إذا نامَ التَفَّ في ثيابِهِ ولم يُضاجِعْها، ولا أدْنَاهَا مِنْ نفْسِهِ، وأنَّه لا هِمَّةَ له في المُباضَعَةِ، التي هي من ممادِحِ الرِّجالِ؛ فإنَّ العربَ كانتْ / تتمادَحُ بالقُوَّةِ على الجماعِ؛ لأنَّها دليلٌ صِحَّةِ الذُّكورِيَّةِ، وتَذِمُّ بضدِّه كما قالَتْ الأُخرى: «عَيَايَاء». واختلفَ المُتأوِّلُون في معنى قولِها: «ولَا يُولِجُ الكَفَّ لِيَعْلَمَ البَثَّ»، فذهبَ أبُو عُبيدٍ (٣) إلى أنَّه كانَ بجسدِها (عَيْبٌ أو دَاءٌ) (٤) يُكْرِثُهَا ويُحْزِنُها؛ فكانَ لَا يُدخلُ يدَهُ في ثَوبِها لِيلمسَ ذلك العَيبَ، / فيَشُقَّ عليها، فإنَّ هذه خصلةٌ مدحتْهُ بِها، وَرَدَّ القُتبِيُّ، والخطَّابِيُّ، وابنُ حبيبٍ، وابنُ الأعرابِيِّ (٥) وغيرُهم عليه هذا القولَ، وقالُوا (٦) إنَّما شكتْ هذِه الخصلةَ من زوجِها، وذمَّتْه بذلك، واستقصرَتْ حظَّها منه، وأنَّه لا يُضاجِعُها، ولا يدنُو منها، وينامُ ناحِيةً عنها،

стр. 172

كما قالَتْ: «وإذا رَقَدَ الْتَفَّ»، ولا يُدنِيها / / مِن نفْسِهِ ويُدخِلُ يدَهُ إليها ويُباشِرُها ويَلْمَسُهَا؛ فيكونُ منه إليها ما يكونُ منَ الرِّجالِ لِأزواجِهِم، فيعلمُ بثَّها بذلك، ومحبَّتَها له، وحُزنَها لِعدمِ ذلك منه لها، وقِلَّةَ تفقُّدِهِ لحاجَتِهِ منها. قالَوا: وليسَ وجهُ الحديثِ ما ذهبَ إليه أبو عُبيدٍ منْ أنَّها مدحتْهُ بالغفلةِ عن داءٍ كان بجسدِها؛ لأنَّها قد ذمَّته في صدرِ كلامها. قال [ابنُ] (١) الأنباريِّ (٢): ولا حجَّةَ على أبي عُبيدٍ في هذا؛ لأنَّ النِّسوةَ كُنَّ تعاقدنَ على ألَّا يكتُمْنَ شيئًا منْ أخبارِ أزواجِهنَّ، فمنهنَّ منْ وصفتْ زوجَها بالخيرِ / في جميعِ أمورِهِ، ومنهنَّ بضِدِّ ذلك، ومنهنَّ منْ وصفتْ ما فيه منَ الخيرِ وما فيه منَ الشَّرِّ (٣). قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي وَفَّقَهُ اللهُ: ويُؤيِّدُ ما ذهبَ إليه القُتبِيُّ وأصحابُه من معنى الذَّمِّ: ما أشارَ إليه عُروةُ بن الزُّبيرِ في بعضِ طُرقِ هذا الحديثِ، فإنَّه قال في خمسٍ شرحَهُنَّ (٤) على التَّوالي

стр. 173

في حدِيثِه هذه مِنهُنَّ، فقال: هؤلاءِ خمسةٌ يشكونَ، حدَّثناهُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الفَقيهُ (١) منْ لفظِهِ، قال: ثنا أبو الحسنِ بنُ أيَّوبَ (٢)، ثنا أبو عليٍّ بنُ شَاذَان (٣)، ثنا أبو عَمرو بنُ السَّمَّاك (٤)، ثنا حَنْبُل بنُ إسحاقَ، ثنا مُوسى بنُ إسماعيلَ أبو سلمةَ المِنْقَرِيُّ، ثنا سعيدُ بن سلمةَ، عن هشامِ بن (٥) عُروةَ، عن أخِيه، عن أبِيه عُروةَ (٦). وأيضًا: فإنَّ ما ذهبُوا إليه هو الأظهرُ والمُستعمَلُ في الكلامِ والمُستحسَنُ في الكنايةِ، ومثلُه في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: أنَّ أباه زوَّجَه امرأةً قُرشيَّةً، فشُغلَ عنها بالعبادةِ، فدخلَ عليها عمرُو بنُ / العَاصِي فسألَها (٧): كيف وجدتِهِ؟

стр. 174

: كخيرِ الرِّجالِ / منْ رجلٍ، لمْ يُفتِّشْ لنَا كنفًا (١). فهذه الكناية بمعنى تلك. ومثلُه في حديثِ عائشةَ ووصفَتْ رجلًا بالعِفَّةِ فقالَتْ: ما كشَفَ عن كَنَفِ أُنثى قَطُّ (٢). أي أنَّه لمْ يكنْ مِمِّن يَشتغِلُ بالنِّساءِ، ولَا لهُ فيهِنَّ مذهبٌ، فعبَّرتْ عن ذلك بكشفِ الكَنَفِ، وهو الثَّوبُ الَّذي يَكنِفُها أي: يستُرُهَا، ومنه قولهم: في كنفِ اللهِ وحفظهِ، أي: سِترِه. حدَّثَنا بحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: أبو الحُسينِ سِراجُ بنُ عبدِ الملكِ الحافظُ (٣) -/ بِقراءتِي عليه- قال: حدَّثنِي أبي (٤)، ومحمَّدُ بنُ مُحسِنٍ الفقيهُ (٥)، قالا: ثنا القاضِي / يُونُسُ بنُ عبدِ اللهِ (٦).

стр. 175

قال: ثنا أبُو الفضلِ الصَّقَلِّيُّ (١)، أخبرنِي ثابتُ بنُ قاسِمٍ (٢)، عن أبِيه قاسمِ بنِ ثابِتٍ (٣)، وجدِّه ثابِتٍ (٤)، / قالا: ثنا مُوسى بنُ هارونَ، ثنا مُوسى بنُ الصَّبَّاحِ، أخبرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، ومُغِيرةَ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو بالقصَّةِ.

стр. 176

ومثلُ قولِ هذِه المرأةِ: قولُ أخرى لزوجِهِا تُعيِّرُه: إنَّ شُربَكَ لاشْتِفافٌ (١)، وإنَّ ضَجْعَتَك لانْجِعَافٌ (٢)، وإنَّ شَمْلَتَك لَالْتِفَافٌ (٣). وأنشدَ القُتبيُّ (٤) لِأوسِ بنِ حجر (٥) في هذا: وَهَبَّتْ الشَّمْأَلُ البَلِيلُ وإذْ ... بَاتَ كَمِيعُ الفَتَاةِ مُلْتَفِعَا أي: مُلتَفًّا ناحِيةً. قَالَ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ: وقد يَحتملُ عندِي قولُ هذه المرأةِ: «إنَّ شَمْلَتَكَ لَالْتِفَافٌ (٦)»، وقولُ صاحبةِ أمِّ زرعٍ: «وإذَا رَقَدَ الْتَفَّ» معنى غيرَ هذا، وهو أنْ يُريدَا ضَعفَ أزواجِهِما، وعجزَهُما، وقِلَّةَ نفعِهِما وحمايَتِهِما؛ لأنَّه لا ينامُ هذه النَّومةَ إلَّا العاجزُ القليلُ الغَناءِ، ولهذا ذَمُّوا / النَّؤومَ، ومَدحوا ضِدَّه كما تقدَّمَ؛ ولهذا سَمُّوا الرَّجلَ الضَّعيفَ العاجزَ القليلَ الغناءِ: زُمِّيلًا وزُمَّالًا (٧)، / وقال بعضُهم: أصلُه مِنَ التَّزَمُّلِ، أي: أنَّه إذا نامَ تَزَمَّلَ في ثوبِهِ، وتلفَّعَ في دِثارِهِ، ولم يهتم

стр. 177

بِحراسةِ شأنِهِ، ولا حمايةِ ذمارِهِ؛ ولهذا قالَتْ له هذِه المرأةُ في آخرِ كلامِها وذَمِّها: «وإنَّك لَتنامُ ليلَةً تخافُ»، وقالَتْ التَّاسعةُ من صواحِبِ أمِّ زرعٍ تمدحُ بضِدِّهِ: «لَا يَنامُ ليلةً يخَافُ»، وقال الشَّاعر (١): فَلَا تُصَلِّي بِكُلِّ فَتًى نَؤُومٍ ... إذَا أَمْسَى يَعُدُّ مِنَ العِيال وقيلَ: إنَّ معنى قولِها: «لا يُولِجُ الكفَّ»، أي أنَّه لا يتفقَّدُ أموري، وما يهمُّني من مصالِحِي، وهو كقولِهم: مَا أدخلَ يدَه في الأمرِ، أي لم يشتَغِلْ به ولم يتفقَّدْ (٢)، فضربتْ المثلَ بذلك، قالَهُ أحمدُ بنُ عُبيدِ بنِ ناصِحٍ، ونحوه عن ابنِ أبي أُوَيسٍ (٣). * * * تَفْسِيرُ (٤) قَوْلِ السَّابِعَةِ / قولُها: «عَيَايَاءُ»، وفي الرِّوايةِ الأخرى: «أو غَيَايَاءُ»، هو شكٌّ منَ الرَّاوِي. قال أبو عُبَيدٍ (٥): هكذا يُروَى بالشَّكِّ. /

стр. 178

تَنْبِيهٌ: قَالَ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ: الأكثرُ روايتُهُ بغير شكٍّ، وإنَّما رواه بالشَّكِّ أصحابُ عيسى بنِ يُونسَ عنه، وعُقبةُ بن خالد السَّكُونِيُّ (١). وبيَّنَ هشامُ بنُ عمَّارٍ في حديثِهِ هذا عن عيسى أنَّ الشَّاكَّ فيه عيسى، وسائرُ الرُّواةِ يقولونَهُ بالعَيْنِ مُهملةً دونَ شكٍّ. غَرِيبُهُ: قال / أبو عُبَيدٍ (٢): الصَّحيحُ: «عَيَايَاءُ» بالعَينِ المُهملة، فأمَّا بالمُعجمة فليس بشيءٍ، والعَياياءُ من الإبلِ: التِي / لا تضرِبُ النَّوقَ، وكذلك في الرجال، كأنَّه عَيِيٌّ / عن ذلك. قال الهَرَوِيُّ (٣): العياياءُ: العَيِيُّ الذي تَعيبُه مباضعةُ النِّساءِ، وأراهُ مُبالغَةً مِنَ العَيِّ في ذلك، قال الشَّاعر: * مُغْتَلم الوَجْهِ عَيِايِاءَ سَائِرهُ * وقال ابنُ أبِي أُوَيسٍ (٤): «عَيَايَاءُ، طَبَاقَاءُ»: عييٌّ مُطبَقٌ عِيًّا، لا يتصرَّفُ ولا يتوجَّه لوجهٍ، قال ابنُ السِّكِّيتِ (٥): العَيَايَاءُ: العَيِيُّ الَّذي لا يُهتدِي لِوجْهٍ. تَنْبِيهٌ: قالَ القَاضِي ﵁: وقولُ أبي عُبيدٍ: إنَّ الغَيَايَاءَ بالغَينِ المُعجمة ليس بشيءٍ. ولم يفسِّرْه،

стр. 179

وتابعهُ على ذلك سائرُ الشَّارحين، فقد ظهرَ لِي فيه معنى صحيحٌ- إنْ شاءَ اللهُ- في اللغةِ، بَيِّنٌ في التَّأويلِ، وهو أنْ يكونَ مأخوذًا مِنَ الغَيَايَةِ، وهي كلُّ ما أظلَّ الإنسانَ فوقَ رأسِهِ من سحابٍ وغيرِهِ ونحو ذلك، ومنه سُمِّيتْ الرَّايةُ: غَايةً؛ فكأنَّه غُطِّي عليه منْ جَهلِهِ، وسُتِرتْ عنه مصالِحُهُ (١)، وهو كقولِهم: طَبَاقَاء. قال ابن الأعرابَيُّ (٢): الطَّباقاءُ: هو المُطبقُ عليه حُمقًا. قال ابنُ دُرَيْدٍ (٣): هو الَّذي تَنطبِقُ عليه أمورُه، فَلا يَهتدِي لِوجْهِها. قال الأصمعِيُّ (٤): هو الَّذي أمورُه مُطْبَقَةٌ عليه، ونحوه عن يعقُوبَ. / وقال أبو عُبَيدٍ (٥): هو العَيِيُّ الأحمقُ الفَدْمُ. وكلُّ هذا قريبٌ بعضُهُ منْ بعضٍ؛ فلا فرقَ إذًا بينَ قولِها «غَيَايَاءُ» بالغَينِ، / و «طَبَاقَاء»، فلا يصحُّ إذًا قولُ من قال: إنَّ الغَينَ ليس بشيءٍ. وقد يُمكنُ أنْ يكونَ أيضًا مأخوذًا منَ الغَيِّ، وهو الانْهِماكُ في الشَّرِّ، أو مِنَ الغَيِّ، وهي الخَيْبةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، قيلَ: خَيْبةٌ، وقيلُ: غيرُ هذا (٦)، كأنَّه خائبٌ مِنْ كُلِّ فضيلةٍ. /

стр. 180

وقال ابنُ وَلَّادٍ (١): فُلانٌ طَبَاقَاءُ إذا لم يِكُنْ صاحبَ غزوٍ ولا سفَرٍ. وقال الخليلُ (٢): الطَّبَاقَاءُ: الأحمقُ، والطَّباقَاُء: البَعيرُ الَّذي لا يَضرِبُ. وقال أبو عُبيدٍ (٣) عن الأصمعيِّ: العيَاياءُ الطَّباقاءُ من الرِّجالِ والإبلِ: الَّذي لا يَضربُ. وحكى أبو عليٍّ (٤) عن بعضِهم: الطَّباقاءُ من الرِّجالِ: الثَّقيلُ الصَّدرِ الَّذي يُطبِقُ صدرَه على صدرِ المرأةِ عند المُباضعة، وهوَ منْ مذامِّ الرِّجالِ عندَ النِّساءِ. ويُروَى أنَّ أمَّ جُندبٍ قالَتْ لامْرِئ القيسِ- وكان مُفَرَّكًا للنِّساءِ-: إنَّك ثقيلُ الصَّدرِ، خفيفُ العُجْزةِ، سريعُ الإراقةِ، بَطِيءُ الإفاقَةِ (٥). تَنْبِيهٌ: إنْ قِيلَ: يَرُدُّ هذا التَّفسيرَ الَّذي ذكرتَه: ما تقدَّمَ منْ تفسيرِ عَيَاياءِ أنَّه العَييُّ عن المُباضعةِ، فكيف يُوصف مرَّةً بالعَيِّ عنها، ومرَّةً بثقلِ الصَّدرِ فيها؟

стр. 181

قيلَ: هذا لا يلزمُ؛ إذ قد يكونُ عَيِيًّا (١) في حينٍ، طَبَاقَاءَ في حينٍ، وقد يمكنُ أنْ يكونَ إطباقُهُ صدرَهُ / منْ سببِ العَيِّ والعجزِ لِمعالجتِهِ (٢) ما لا يقدرُ عليه، ومعاناةِ ما قد أعياهُ. وقولُها: «كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءُ»، أي كلُّ ما تفرَّقَ في النَّاسِ من الأدواءِ والمعايِبِ اجتمعَ فيه. وقولُها: «شَجَّكِ، أَوْ فَلَّكِ، أَوْ بِجَّكِ»، أي: جَرَحَكِ، قال الهَرَوِيُّ (٣): الشَّجُّ في الرأسِ خاصَّةً، / والفَلُّ في سائرِ الجسدِ. / قال ابنُ دُرَيدٍ (٤): بَجَّ القُرحَةَ إذا شقَّهَا، وكُلُّ شَقٍّ بَجٌّ، قال الرَّاجِزُ: * بَجَّ المَزَادِ مُوكَرًا مَوْفُورا (٥) * وقال الزُّبيرِيُّ (٦): البَجُّ الطَّعنُ. قال ابنُ الأنبارِيِّ (٧): يُقالُ: فَلَّكِ: كَسَرَكِ، / ويُقالُ: ذَهبَ بِمالِكِ.

стр. 182

ونحوه عن ابنِ أبِي أُويسٍ (١). ويُقالُ: كَسَركِ بخصومتِهِ وعزلِهِ. عَرَبِيَّتُهُ: قولُها: «حَمَاقَاء، طَبَاقَاء»، / مِنْ أَبْنِيَةِ المُبالغةِ، وكذلك قولَها: «عَيَايَاء، وغَيَايَاء»، وهي مِنَ الكلماتِ الَّتي على وزنِ: «فَعَالَاءِ»، مِنَ الأبنِيَةِ الَّتي أُلحِقتْ فيها الألفُ، ومِثالُها في الأسماءِ: ثُلَاثَاءُ، وعَجَاسَاءُ، وبَرَاكَاءُ (٢). مَعْنَاهُ: وصفتْهُ بالحُمقِ، والتَّناهِي في جميعِ النَّقائِصِ والعُيُوبِ، وسُوءِ العِشرةِ معَ الأَهلِ، وعَجْزِهِ عن حاجَتِها، معَ ضربِها وأذَاهُ إيَّاها، وأنَّه إذا حدَّثتْه سبَّها، وإذا مازحَتْه شجَّهَا، وإذا غَضِبَ إمَّا شجَّها في رأسِها أو كسرَ عضوًا مِنْ أعضائِها، وهو معنى «فَلَّكِ»، ومنه قيل للمُنهزِمِين: «فَلٌّ» (٣). أو شقَّ جلدَها أو طعنَها، وهو معنى «بَجَّكِ» (٤). أو جمعَ ذلك كلَّه لها، من الضَّربِ والجرحِ وكسرِ الأعضاءِ، أو الكسرِ بالخصومةِ، وموجعِ الكلامِ، وأخذِ مالِها. * * *

стр. 183

غَرِيبُ قَوْلِ الثَّامِنَةِ قولُها: «زَوجِي المَسُّ مَسُّ أَرْنِبٍ، والرِّيحُ رِيحُ زَرْنِبٍ». الزَّرْنَبُ (١): ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ مَعروفٌ عندَ العرَبِ، قال الشَّاعر: يَا بِأبِي أَنْتَ وفُوكَ الأَشْنَبُ كَأَنَّمَا ذَرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ / أَوْ زَنْجَبِيلٌ فَهُوَ عُمْرِي أَطْيَبُ (٢) واختلفَ أصحابُ النَّباتِ / مِنَ القدماءِ والمُتأخِّرين في صفتِهِ، فقال بعضهم: هي شجرةٌ عظيمةٌ بجبلِ لبنانَ بالشَّامِ لا تُثمر، لها ورقٌ طويلٌ بينَ الخُضرةِ والصُّفرةِ، يشبه ورقَ الخِلافِ، ورائحتُه كرائحةِ الأُتْرُجِّ، ويُستعملُ (٣) ورقُهُ وقضبانُهُ، وقال أكثرُهم: إنَّها حشيشةٌ دقيقةٌ طَيِّبةُ الرَّائحةِ، / قال بعضُهم: يشبِهُ (٤) ورقَ الطَّرفَاءِ (٥) صفراءُ كرائِحةِ الأُتْرُجِّ، مِنَ الأَفَاوِهِ (٦) الطَّيِّبةِ؛ ولهذا

стр. 184

استعملَها العطَّارُون، وتُخلطُ بالطِّيبِ لِعطرِيَّتِها، وتُسمَّى: أَرْجُلَ الجَرادِ لِشبهِهَا بها، وليستْ منْ نباتِ أرضِ العربِ وإنْ كانوا ذَكرُوها. مَعْنَاهُ: هذِه تصِفُ زوجَها بِلِينِ الجانِبِ للأَهلِ، وحسنِ الخلقِ والعشرةِ معهن، كمسِّ الأرنبِ لليانَةِ مجسِّها، ولُدُونَةِ وَبَرِها. أمَّا تشبِيهُهَا إيَّاه بريحِ الزَّرْنبِ، ففيه تأوِيلاتٌ: أحدُها: أنَّها أرادتْ بذلك طِيبَ ثنائِهِ في النَّاسِ وانتشارِهِ. والثاني: أنَّها أرادتْ طِيبَ جسدِهِ، وعطرَ أردانِهِ. والثَّالثُ: أنَّها أرادتْ لينَ عَرِيكَتِهِ، وحسنَ خُلُقِه، فيكونُ بمعنى الفصلِ الأوَّلِ. ثم وصفتْه بالشَّجاعةِ والحَزَامةِ، وأكدتْ ما تقدَّمَ من وصفِهِ بِلِينِ الجانِبِ مع الأهلِ بقولِها: «وأَغْلِبُهُ، والنَّاسَ يَغْلِبُ»، وهذا مثل ما وَقعَ في الحديثِ أنَّ الأعشى الحِرْمَازِيَّ المَازِنِيَّ أنشدَ النبيَّ ﷺ أرجوزةً يشكُو فيها امرأَتَه، قال / في آخرها: وَهُنَّ / شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبَ فَجعلَ النبيُّ ﷺ يتمثَّلُ بذلِك، ويقولُ: / «وَهُنَّ شَرُّ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبَ» (١).

стр. 185

ومِنه قولُ مُعاوِيةَ: يَغلِبْنَ الكِرامَ ويغلِبُهُنَّ اللِّئامُ (١).

стр. 186

غَرِيبُ قَولِ التَّاسِعَةِ «رَفيعُ العِمَادِ»، أصلُه: عِمادُ البيتِ، / وهي العيدانُ الَّتي تُعمَدُ بها البيوتُ، وجمعُهُ: عُمُدٌ، وَعَمُدٌ، وأَعْمِدَةٌ (١). وقولُها: «طَوِيلُ النِّجَادِ»، النِّجَادُ: حَمَائِلُ السَّيفِ (٢). والنَّادِي: مُجتمَعُ رجالِ الحَيِّ، ومجلسُ مشورتِهم وحديثِهم، ويقالُ: نَدِيٌّ ومُنْتَدَى، قال اللهُ تعالى: ﴿فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] (٣). مَعْنَاهُ: قولُها: «رَفِيعُ العِمَادِ»، وصفَتْه بالشَّرفِ في نسبِهِ، والسُّؤدَدِ في قَومِه، واستعارتْ لرفعةِ / بيتِ حسبِهِ المعنوِيَّةِ: رفعةَ العِمادِ مِنْ بيتِ المسكنِ المرئِيَّةِ، كما قال (٤): فَأمَّا بَيْتُكُمْ إِنْ عُدَّ بَيْتٌ ... فَطَالَ السَّمْكُ واتَّسَعَ الفِنَاءُ وَأَمَّا أُسُّه فّعَلى قَدِيمٍ ... مِنَ العَادِي إِنْ ذُكِرَ البِنَاءُ

стр. 187

وقد قِيلَ في قولِ السَّمَوْألِ بنِ عَادِياء (١): لَنَا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مِنْ نُجِيرُهُ ... مُنِيفٌ (٢) يَرَدُّ الطَّرْفَ وَهُوُ كَلِيلُ رسا أصلهُ تحتَ الثَّرى وسَما بهِ ... إلى النَّجمِ فَرعٌ لا يُنالُ طَوِيلُ إنَّما عنى به شرفَهم وحسَبَهم، وقيلَ: أراد حِصنَهُ الأبْلَقَ الفَرْدَ (٣). وقد قيلَ: إنَّ معنى قولِها: «رَفِيعُ العِمَادِ» على ظاهِرِه، وإنَّما أرادَتْ عمادَ البيتِ نفسَه؛ إذ هي عادةُ بُيوتِ الأشرافِ وأهلِ السُّؤدَدِ. وقال ابنُ أبي أُوَيسٍ (٤): أرادَاتْ أنَّه رفيعُ البيتِ، طويلٌ منَ الرِّجالِ. / وقد رُوي: «طَويلُ العِمادِ» (٥)، فيكونُ طولُهُ إمَّا لِطولِ ساكِنِهِ وامتدادِ قامَتِه- كما أشارَ إليه ابنُ أبِي أُويسٍ- أو لِكرمِه وإظهارِ بيتِه لِيرَاهُ الوَارِدُ، ويهتدي برفعِةِ سَمْكِه له القاصِدُ، أو لِجلالةِ مكانِه، وسعَةِ ثَرائِهِ، وحاجتِهِ إلى إعلاءِ سَمائِهِ، وتوسِعَةِ أرجائِهِ؛ لِيحملَ كثيرَ (٦) خيرِهِ، وجِماعَ غاشِيَتِهِ، ومُنْتَابِي بِرِّهِ؛ ألا ترى قولَ أمِّ زرعٍ: «بَيتُها / فسَاحٌ»، وعلى هذا حملَ منْ قال هذا قولَ

стр. 188

الخنساءِ (١): طَوِيلَ النِّجَادِ رَفِيعَ العِمَادِ ... سَادِ عَشِيرَتَهُ أَمْرَدَا وعليه حمَلَ ثَعْلَبٌ قولَ الأعْشى (٢): طَوِيلِ النِّجَادِ رَفِيعِ العِمَا ... دِ يَحْمِي المُضَافَ ويُعْطِي الفَقِيرَا وقد وصفَ أبو الطَّيِّبِ خَيْمَةَ سَيفِ الدَّوْلَةِ فقالَ (٣): ......................... ... وَتَرْكَزُ فِيهَا القَنَا الذُّبَّلُ وذَمُّوا بضدِّ هذا، فقالَ بعضُهم (٤): / إذَا دَخَلُوا بُيُوتَهُمُ أَكَبُّوا ... عَلَى الرُّكَبَاتِ مِنْ قِصَرِ العِمَاد وقال آخر (٥): قِصَارُ البُيُوتِ لَا تُرى صَهَوَاتُها ... مِنَ اللُّؤمِ جَثَّامُونَ عندَ الثَّرَائِد وقد يكونُ تريدُ بالعمادِ: البيت، ومعنى رفعتِهِ: إشرافُه لموضِعٍ مُرتفِعٍ؛

стр. 189

/ ليقصدَهُ الأضيافُ، ثمَّ وصفتْهُ بالكمالِ في صورَتِهِ، وامتدَادِ / القامَةِ في بُنْيَتِهِ، وعرَّضَتْ لذلك بقولِها: «طَوِيلُ النِّجَادِ»؛ فإنَّ الطَّوِيلَ القامةِ يحتاجُ إلى تطويلِ نجادِهِ، وهذا مِمَّا تمادحُ به الشُّعراءُ، وتذُمُّ بضدِّهِ؛ قال عَقِيلُ بنُ عُلَّفَةَ / [المَدَنِيُّ] (١): طَوِيلُ نِجَادِ السَّيفِ وَهْمٌ كَأَنَّمَا ... تَصُولُ إِذَا اسْتَنْجَدْتَهُ بِقَبِيلِ (٢) وقال أبُو خِرَاشٍ (٣): طَوِيلُ نِجادِ السَّيفِ ليسَ بِحَيْدَرٍ (٤) ... إذا اهْتَزَّ واسْتَرْخَتْ عليه الحَمَائِلُ وقال مَرْوانُ بنُ أبِي حَفْصَةَ (٥):

стр. 190

قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيهِ فَقَلَّصَتْ ... وَلَقَدْ تَأَنَّقَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا وقيلَ: معنى قولِه: «رَفِيعُ العِمَادِ»، أي طوِيلٌ، قال المُبَرّدُ (١): يقالُ: رجلٌ طويلُ العِمادِ، إذا كانَ مُعْمَدًا طويلًا. ومنه حديثُ يزيدَ بنِ أبِي سُفيانَ (٢) عند موتِه: قدْ علِمتْ -يعني: قريشًا- أَنَّا أصبَحُهُم وجُوهًا، وأطولُهم عَمُودًا، وأسعدُهم جُدودًا. فعلى هذا يكونُ: «طَوِيلُ النِّجادِ» تأكيدًا لما تقدَّمَ، وفي ضِمْنِهِ: أنَّه صاحبُ سلاحٍ وشكةٍ؛ فلهذا اقتصرتْ منْ دلائلِ طولِهِ على طولِ نِجادِهِ، دونَ غيرِ ذلك من ملابِسِهِ. ثُمَّ وصفتْهُ بالكرمِ في سجيَّتِه، والجودِ بذاتِ يَدِهِ، ولَحَنَتْ (٣) عن ذلك بقولِها: «عَظِيمُ الرَّمادِ»؛ وذلك أنَّ مَنْ كثُرَ ضيفانُه، ونحرُهُ لهم واشْتواؤُهُ وطبخُهُ أطْعِمَتَهم، كَثُرتْ نارُهُ، وكثُرُ رمادُهُ، فهذا تأويلٌ / حسنٌ، وقد أكثر / في هذا الشُّعراءُ فقالَ بعضُ العربِ، وهو زِيادُ بنُ حَمَلَ مِن أناشيدَ أبي تمَّامٍ (٤): كَمْ فِيهِمُ مِنْ فَتًى حُلْوٍ شَمائِلُه ... جَمِّ الرَّمادِ إِذا ما أَخْمَدَ البَرَمُ

стр. 191

وفيه تَأويلٌ آخرٌ ذهبَ إليه الخطَّابِيُّ (١): أن تكونَ نارُهُ لا تُطفأُ ليلًا ولا نَهارًا، لِيهتدِي له الضِّيفانُ، كما قال الشَّاعر (٢): متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْء نارِهِ ... تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِد / وكانتْ عادةُ أجوادِ العربِ وقودَ النِّيرانِ في ظلمِ الليلِ، على مشارفِ الأرضِ؛ / لِينتابَها الضِّيفانُ، وربَّما رفعَتْ على الأيدِي منها الأقباسَ؛ قال الشَّاعرُ (٣): ومُستَنْبَحٍ بَاتَ الصَّدَى يَسْتَتِيهُهُ ... فَتَاهَ وَجَوْزُ الليلِ مُضْطَرِبَ الكَسْر رُفِعَتْ لَهُ نَارًا ثَقُوبًا ضِرَامُها ... تُلِيحُ إلى السَّارِي هَلُمَّ إلى القِدْر وقال آخرُ (٤): ومُسْتَنْبَحٍ قال الصَّدَى مِثلَ قولِهِ ... حَضَأْتُ لهُ نارًا لَهَا حَطَبٌ جَزْلُ وَقُمْتُ إلَيهِ مُسْرِعًا فَغَنِمْتُهُ ... مَخَافَةَ قَومِي أَنْ يَفُوزُوا بِهِ قَبْلِي حَضَأْتَ، وحَضَوْتَ النَّارَ إذا حرَّكتَ جمرَها (٥).

стр. 192

وقال آخرُ (١): / وإنِّي لَأَدْعُو الضَّيفَ بالضَّوءِ بَعْدَمَا ... كَسَى الأَرْضَ نَضَّاحُ الجَلِيدِ وجَامِدُهُ ثم أكدتْ ذلك بقولِها: «قرَيِبُ البيتِ مِنَ النَّادِي»، تريد بذلك: أنَّه ينزل بين ظهرانِيِّ النَّاسِ، ومجتمعِ الحيِّ، ومقصدِ الواردِ، وطالبِ الضِّيافةِ؛ / لتكثرَ أضيافُهُ، ولا يتوارَى بأطرافِ الحللِ وأغوارِ المنازلِ، ويبعدُ عن سمتِ الواردِ، فرارًا منَ القاصدِ، وملاذًا منَ الطَّارقِ؛ لِئلا يهتدوا إلى مكانه ويَستبعِدُوا موضِعَه، فيصدفُونَ عنه، ويَمِيلون إلى غيرِهِ، قال زُهيرٌ (٢): يَسِطُ البُيُوتَ لِأَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً ... مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المُسْتَرْفِد / أي: يتوسَّطُ البيوتَ؛ ليكونَ مَعْلَمًا لِضيافَةِ طالِبِ / الرِّفْدِ. وقال ابنُ هرمَةَ (٣): أَغْشَى الطَّرِيقَ بِقُبَّتِي وَرِواقِهَا ... وأَحُلُّ فِي نَشْزِ الرُّبَا فَأُقِيمُ وقال طرَفةُ (٤): وَلَسْتُ بِمِحْلَالِ التِّلَاعِ لِبَيْتِهِ (٥) ... ولَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أَرْفِد وقال آخرُ (٦):
следующие страницы →