← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 188–227 · переход к 193.

стр. 188

الخنساءِ (١): طَوِيلَ النِّجَادِ رَفِيعَ العِمَادِ ... سَادِ عَشِيرَتَهُ أَمْرَدَا وعليه حمَلَ ثَعْلَبٌ قولَ الأعْشى (٢): طَوِيلِ النِّجَادِ رَفِيعِ العِمَا ... دِ يَحْمِي المُضَافَ ويُعْطِي الفَقِيرَا وقد وصفَ أبو الطَّيِّبِ خَيْمَةَ سَيفِ الدَّوْلَةِ فقالَ (٣): ......................... ... وَتَرْكَزُ فِيهَا القَنَا الذُّبَّلُ وذَمُّوا بضدِّ هذا، فقالَ بعضُهم (٤): / إذَا دَخَلُوا بُيُوتَهُمُ أَكَبُّوا ... عَلَى الرُّكَبَاتِ مِنْ قِصَرِ العِمَاد وقال آخر (٥): قِصَارُ البُيُوتِ لَا تُرى صَهَوَاتُها ... مِنَ اللُّؤمِ جَثَّامُونَ عندَ الثَّرَائِد وقد يكونُ تريدُ بالعمادِ: البيت، ومعنى رفعتِهِ: إشرافُه لموضِعٍ مُرتفِعٍ؛

стр. 189

/ ليقصدَهُ الأضيافُ، ثمَّ وصفتْهُ بالكمالِ في صورَتِهِ، وامتدَادِ / القامَةِ في بُنْيَتِهِ، وعرَّضَتْ لذلك بقولِها: «طَوِيلُ النِّجَادِ»؛ فإنَّ الطَّوِيلَ القامةِ يحتاجُ إلى تطويلِ نجادِهِ، وهذا مِمَّا تمادحُ به الشُّعراءُ، وتذُمُّ بضدِّهِ؛ قال عَقِيلُ بنُ عُلَّفَةَ / [المَدَنِيُّ] (١): طَوِيلُ نِجَادِ السَّيفِ وَهْمٌ كَأَنَّمَا ... تَصُولُ إِذَا اسْتَنْجَدْتَهُ بِقَبِيلِ (٢) وقال أبُو خِرَاشٍ (٣): طَوِيلُ نِجادِ السَّيفِ ليسَ بِحَيْدَرٍ (٤) ... إذا اهْتَزَّ واسْتَرْخَتْ عليه الحَمَائِلُ وقال مَرْوانُ بنُ أبِي حَفْصَةَ (٥):

стр. 190

قَصُرَتْ حَمَائِلُهُ عَلَيهِ فَقَلَّصَتْ ... وَلَقَدْ تَأَنَّقَ قَيْنُهَا فَأَطَالَهَا وقيلَ: معنى قولِه: «رَفِيعُ العِمَادِ»، أي طوِيلٌ، قال المُبَرّدُ (١): يقالُ: رجلٌ طويلُ العِمادِ، إذا كانَ مُعْمَدًا طويلًا. ومنه حديثُ يزيدَ بنِ أبِي سُفيانَ (٢) عند موتِه: قدْ علِمتْ -يعني: قريشًا- أَنَّا أصبَحُهُم وجُوهًا، وأطولُهم عَمُودًا، وأسعدُهم جُدودًا. فعلى هذا يكونُ: «طَوِيلُ النِّجادِ» تأكيدًا لما تقدَّمَ، وفي ضِمْنِهِ: أنَّه صاحبُ سلاحٍ وشكةٍ؛ فلهذا اقتصرتْ منْ دلائلِ طولِهِ على طولِ نِجادِهِ، دونَ غيرِ ذلك من ملابِسِهِ. ثُمَّ وصفتْهُ بالكرمِ في سجيَّتِه، والجودِ بذاتِ يَدِهِ، ولَحَنَتْ (٣) عن ذلك بقولِها: «عَظِيمُ الرَّمادِ»؛ وذلك أنَّ مَنْ كثُرَ ضيفانُه، ونحرُهُ لهم واشْتواؤُهُ وطبخُهُ أطْعِمَتَهم، كَثُرتْ نارُهُ، وكثُرُ رمادُهُ، فهذا تأويلٌ / حسنٌ، وقد أكثر / في هذا الشُّعراءُ فقالَ بعضُ العربِ، وهو زِيادُ بنُ حَمَلَ مِن أناشيدَ أبي تمَّامٍ (٤): كَمْ فِيهِمُ مِنْ فَتًى حُلْوٍ شَمائِلُه ... جَمِّ الرَّمادِ إِذا ما أَخْمَدَ البَرَمُ

стр. 191

وفيه تَأويلٌ آخرٌ ذهبَ إليه الخطَّابِيُّ (١): أن تكونَ نارُهُ لا تُطفأُ ليلًا ولا نَهارًا، لِيهتدِي له الضِّيفانُ، كما قال الشَّاعر (٢): متى تأتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْء نارِهِ ... تجِدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقِد / وكانتْ عادةُ أجوادِ العربِ وقودَ النِّيرانِ في ظلمِ الليلِ، على مشارفِ الأرضِ؛ / لِينتابَها الضِّيفانُ، وربَّما رفعَتْ على الأيدِي منها الأقباسَ؛ قال الشَّاعرُ (٣): ومُستَنْبَحٍ بَاتَ الصَّدَى يَسْتَتِيهُهُ ... فَتَاهَ وَجَوْزُ الليلِ مُضْطَرِبَ الكَسْر رُفِعَتْ لَهُ نَارًا ثَقُوبًا ضِرَامُها ... تُلِيحُ إلى السَّارِي هَلُمَّ إلى القِدْر وقال آخرُ (٤): ومُسْتَنْبَحٍ قال الصَّدَى مِثلَ قولِهِ ... حَضَأْتُ لهُ نارًا لَهَا حَطَبٌ جَزْلُ وَقُمْتُ إلَيهِ مُسْرِعًا فَغَنِمْتُهُ ... مَخَافَةَ قَومِي أَنْ يَفُوزُوا بِهِ قَبْلِي حَضَأْتَ، وحَضَوْتَ النَّارَ إذا حرَّكتَ جمرَها (٥).

стр. 192

وقال آخرُ (١): / وإنِّي لَأَدْعُو الضَّيفَ بالضَّوءِ بَعْدَمَا ... كَسَى الأَرْضَ نَضَّاحُ الجَلِيدِ وجَامِدُهُ ثم أكدتْ ذلك بقولِها: «قرَيِبُ البيتِ مِنَ النَّادِي»، تريد بذلك: أنَّه ينزل بين ظهرانِيِّ النَّاسِ، ومجتمعِ الحيِّ، ومقصدِ الواردِ، وطالبِ الضِّيافةِ؛ / لتكثرَ أضيافُهُ، ولا يتوارَى بأطرافِ الحللِ وأغوارِ المنازلِ، ويبعدُ عن سمتِ الواردِ، فرارًا منَ القاصدِ، وملاذًا منَ الطَّارقِ؛ لِئلا يهتدوا إلى مكانه ويَستبعِدُوا موضِعَه، فيصدفُونَ عنه، ويَمِيلون إلى غيرِهِ، قال زُهيرٌ (٢): يَسِطُ البُيُوتَ لِأَنْ يَكُونَ مَظِنَّةً ... مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المُسْتَرْفِد / أي: يتوسَّطُ البيوتَ؛ ليكونَ مَعْلَمًا لِضيافَةِ طالِبِ / الرِّفْدِ. وقال ابنُ هرمَةَ (٣): أَغْشَى الطَّرِيقَ بِقُبَّتِي وَرِواقِهَا ... وأَحُلُّ فِي نَشْزِ الرُّبَا فَأُقِيمُ وقال طرَفةُ (٤): وَلَسْتُ بِمِحْلَالِ التِّلَاعِ لِبَيْتِهِ (٥) ... ولَكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدُ القَوْمُ أَرْفِد وقال آخرُ (٦):

стр. 193

لَهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَاعٍ ... إذَا النِّيرَانُ أُلْبِسَتِ القِنَاعَا أي سُترتْ بوقودِها في الغيطانِ وتلاعِ الأوديةِ، وقَنَعتْ بذلك عن أنْ تظهرَ. وفي قولِها أيضًا: «قَرِيبُ البَيْتِ مِنَ النَّادِي» معنًى آخر دلَّتْ به على شرفِهِ وزعامتِهِ؛ وذلك أنَّ الأنديةَ إنَّما يُجتمَعُ فيها بِقُربِ (١) أبياتِ السَّادةِ ومنازلِ الزُّعماءِ، الَّذين يُعْنَى (٢) إليهم ويُجتمعُ لهم (٣). وقولُها: «لَا يَشْبَعُ لَيْلَةً يُضَافُ، وَلَا يَنَامُ لَيْلَةً يَخَافُ»، وصفتْهُ بكرمِ النَّفسِ وشبعِهَا، ونزاهتِها وإيثارِها، وقلَّة همِّه بالأكل / وشرهِهِ له، وأنَّه إذا ضِيفَ (٤) واحتُفِلَ (٥) في إكرامِهِ، وأُكثِرَ من إطعامِهِ، لم يكُنْ همُّهُ شبعَ بطنِهِ، واكتفى بأيسرِهِ، واقتصرَ على ما يُقيمُ صُلبَهُ، ويَردُّ قوَّتَه منه، ولم يُظهرْ الحرصَ على مالِ غيرِه وطعامِهِ، والجشعَ للإكثارِ مِنْ أكلِهِ واغتنامِهِ، بلْ أخذَ منه ما يسدُّ جوعتَهُ، وتجافى عن الإكثارِ منه، وخَافَ مَعَرَّتَه، كما قال حاتمٌ (٦): لَقَدْ كُنْتُ أَخْتَارُ القِرَى طَاِوي الحَشَا ... مَحَافَظَةً مِنْ أَنْ يُقَالَ لَئِيمُ

стр. 194

وكمَا قال / دُرَيْدٌ (١): / تَرَاهُ خَمِيصَ البَطْنِ والزَّادُ حَاضِرٌ ... كَثِيرٌ ويَغْدُو فِي القَمِيصِ المُقَدَّد وكما قال الآخرُ (٢): أُقَسِّمُ بَطْنِي فِي بُطُونٍ كَثِيرَةٍ ... وَأَحْسُو قِرَاحَ المَاءِ والمَاءُ بَارِدُ وقال (الآخر - وهو) (٣) حاتم- (٤): / أَكُفُّ يَدِي عن أَنْ يَنَالَ التِمَاسُهَا ... أَكُفَّ صِحَابِي حِينَ حَاجَاتُنَا مَعَا / أَبِيتُ هَضِيمَ (٥) الكَشْحِ مُضْطَمِرَ الحَشَا ... مِنَ الجُوعِ أَخْشَى الذَّمَّ أَنْ أَتَضَلَّعَا وإنِّي لَأَسْتَحْيِي رَفِيقِيَ أنْ يَرى ... مكانَ يَدِي مِنْ جانِبِ الزّادِ أقرَعا (٦) وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ ... وفَرْجَكَ نالَا مُنتَهَى الذَّمِّ أجْمَعَا وقال طَرَفَةُ يمدحُ نفسَه، ويهجو غيرَه بضدِّه (٧):

стр. 195

ويَشْرَبُ حتَّى يَغْمُرَ المَحْضُ قَلْبَه ... وإنْ أُعْطَهُ أترك لقلبِيَ مَجْثَما وقال عروةُ بنُ الوَرْدِ (١) يذُمُّ: / يعُدُّ الغِنَى مِنْ دهرِهِ كُلَّ ليلَةٍ ... أصابَ قِراهَا مِنْ صدِيقٍ مُيسَّر وهذِه كانتْ وصايا العُقلاءِ، وخُلقَ الحُكماءِ والأنبياءِ، وأشرافِ العربِ. فقدْ حدَّثنا أبُو الحسنِ عليُّ بنُ مُشرَّفٍ الأنْماطِيُّ (٢) مِنْ كتابِهِ، قال: ثنا أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ سعيدٍ (٣)، ثنا أبو محمَّدٍ ابنُ النَّحَّاسِ (٤)، ثنا حمزةُ بنُ محمَّدٍ الحافظُ (٥)، ثنا

стр. 196

أحمدُ بنُ شُعيبٍ (١)، ثنا محمَّدُ بنُ سَلَمَةَ، ثنا ابنُ وَهْبٍ، أخبرنِي مُعاوِيةُ بنُ صالحٍ، قال: سمعتُ يحيى بنَ جَابِرٍ، يحدِّثُ عن المِقدَامِ بنِ مَعْدِي كَرِبَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا وِعَاءٌ شَرَّ مِنْ بَطْنٍ»، وفي غيرِ هذه الرِّوايةِ: «مَا مَلَأَ ابنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ المُسْلِمِ أَكَلَاتٌ - وفي غيرِ هذِه الرِّوايةِ: / لُقَيْماتٌ- يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فِإنْ كَانَ لَا مَحَالةَ؛ فثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وثُلُثٌ لِشرابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» (٢). ويُروَى عن بعضِ الحكماءِ مثلُه، وقال: ودَعْ الثُّلُثَ للتَفَكُّرِ (٣). إشارةً لقولِهم: البِطْنَةُ تُذْهِبُ الفِطْنَةِ (٤). ويُروَى عن لُقمانَ: أنَّه قال لابنِهِ: لَا تأكلْ شبَعًا فوقَ شبَعٍ؛ فإنَّك أنْ تقذِفَهُ للكلبِ خيرٌ لكَ مِنْ أنْ تأكُلَهُ (٥).

стр. 197

ونحوَهُ قولُ الطِّرمَاحِ (١) - أنشدَهُ القُتْبِيُّ-: / يُمْسِي وَيُصْبِحُ جَوْفُهُ مِنْ قُوتِهِ ... وبِهِ لِمُخْتَلِفِ الأُمُورِ مُجَار ويَبِيتُ جُلُّهُمُ يَكِتُّ كَأَنَّهُ ... وَطْبٌ يَكونُ إِنَاهُ بِالأسْحَار وقال حميدٌ الأَرْقَطُ (٢): أتَانَا فَلَمْ يَعْدِلْهُ سَحْبَانُ وَائِلٍ ... بَيَانًا وعِلْمًا بِاَّلذِي هُوَ قَائِلُ / فَمَا زَالَ عنهُ اللَّقْمُ حَتَّى كَأَنَّهُ ... مِنَ العِيِّ لَمَّا أَنْ تَكَلَّمَ بَاقِلُ وقدْ يحتملُ أنْ يكونَ معنى: «يُضَافُ»: أي ينزِلُ بهِ الضِّيفانُ؛ يقالُ: ضِفْتُ الرَّجُلَ، إذَا نَزَلتَ بِهِ، وأضَفْتُه: أَمَلْتُه (٣) إلى ضِيَافَتِي (٤). تقولُ: فهو لا يشبَعُ لإيثارِهِم بما عنده، وتقديمِهم على نفسِه، قال الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. / وكما قالَ (٥): طَويلُ نِجَادِ السَّيْفِ يُصْبِحُ بَطْنُهُ ... خَميصاً وَجَادِيهِ عَلى الزَّادِ حَامِدُ وقد جمعَ هذه المعانِي بعضُ شعراءِ العربِ فقال: /

стр. 198

وزَادٍ وضعْتُ الكَفَّ فيهِ تأنُّسًا ... ومَا بِي لوْلا أُنْسةُ الضَّيْفِ منْ أكل وزَادٍ رَفعْتُ الكَفَّ عنهُ تَكرُّمًا ... إذا ابتَدَرَ القَوْمُ القَليلَ منَ البَقْلِ / وزادٍ أكلْناهُ ولَمْ نَنْتَظرْ بِه ... غدًا إنَّ بُخْلَ المَرْءِ مِنْ أسْوَإ الفِعْل (كذا أنشدَه وفسَّرَه صاحبُ «الحماسةِ»، وقد يصِحُّ أنْ يكونَ: الثُّفْلُ (١)؛ قال الحربِيُّ: الثُّفْلُ: (٢) طعامُ القِرَى، وأنشدَ (٣): * ما ذَاقَ ثُفْلًا (٤) بَعْدَ عَامٍ أَوَّلِ) (٥) * ثم وصفَتْهُ بالحذرِ والحزْمِ، وحمايةِ الذِّمارِ أحيانَ الخوفِ وأوقاتِ الذُّعرِ، وأنَّه مِمَّنْ لا يَكِلْ الأمرَ إلى غيرِه وينامُ، بل يباشرُهُ بنفسِه، ويلقاهُ بحشاشَتِهِ، كما قال (٦): ................................ ... غَيْرَ زُمَّيْلٍ وَلَا نِكْسٍ وَكَلْ

стр. 199

غَرِيبُ قَوْلِ العَاِشرَةِ «المِزْهَرُ» (١): العودُ الَّذي يُضربُ بِهِ ويُغنَّى فيه. و «المَسَارِحُ» (٢): المَرَاعِي البعيدةِ، / يُقالُ: سَرَّحْتُ الإِبلَ. فَسَرَحَتْ اللَّازمُ والمُتعدِّي واحدٌ، قال الله تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]. و «المَبَارِحُ»: نحوٌ مِنه، وهي حيث تبرح. و «المَهَالِكُ»: جمعُ مَهْلَكَةٍ. عَرَبِيَّتُهُ: / قولُها: «مَالِكٌ! ومَا مَالِكٌ؟ »، ما هاهنا استفهامٌ فيه معنى التَّعظيمِ والتَّهويلِ والتَّعجُّبِ، وهذا كله من معاني «ما»، كما قيلِ: لِأَمرٍ مَا تُدُرِّعَتْ الدُّرُوعُ. وحقيقةُ الكلامِ: ما مالك؟ وما هو؟ أي: أي شيء هو؟ ما أعظمَه وأجلَّه وأكرمَه! ومثلُه قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، و ﴿الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢]، أي: الحاقة، أو القارعة، أي شيء هي؟ ما أعظمَها وأهولَها! وكذلك قوله: ﴿مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧]، / و ﴿مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤١] وشبهه. أي: مَا أعجبَ أمرَهَم وأهولَه وأعظمَه في النَّعيمِ أو العذابِ! ولكنْ تَكريرُ الاسمِ أدخلُ مِنَ الكنايةِ في بابِ التَّعظيمِ والتَّهويلِ، كما أنَّ اللَّفظَ المبهمَ واستعمالَه هنا أعمُّ وأفخمُ منَ التَّصريحِ والتَّفصيلِ، ومنه قولُ الشَّاعرِ (٣):

стр. 200

يَا سَيِّدًا مَا أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ ... مَوَطَّإِ الأَكْنَافِ رحبِ الذِّرَاعْ وإعرابُ قولِها: إنَّ «مالكًا» مبتدأٌ أوَّل، و «ما» في موضعِ رفعٍ بالابتداءِ أيضًا، و «مالكٌ» الثَّانِي خبرُه، والثَّالثُ مبتدأٌ ثالثٌ، وما بعدَه خبرُهُ، وعليه تُعربُ الآيات المتقدِّمةُ، إلَّا أنَّ الجملةَ الثَّانيةَ فيها في موضعِ خبرِ المبتدإِ الأولِ، وجاز ذلك وليس في الجملةِ ما يعودُ على المبتدإِ / الأولِ؛ لأنَّ المعنى: ما هم؟ أو أي شيء هم؟ فـ «هم» يعود على المبتدإِ، فهو كلامٌ محمولٌ (١) على معنى: «ما»، لا على لفظِه. وقولُها: «مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِك» زيادةٌ في الإعظامِ، وتفسيرٌ لبعضِ الإبْهَامِ (٢)، وأنَّه خيرٌ مِمَّا أُشير إليه / منْ ثناءٍ وطيبِ ذكرٍ، أو فوقَ ما / أعتقِدُه (٣) فيه مِنْ سُؤدَدٍ وفَخْرٍ، وأنَّ قدرَهُ يُربِي على كلِّ قدرٍ، وكَنَّتْ بذلك؛ إذ كانَ كالحاضرِ منْ قولِها أو عقدِها. ويحتملُ أنْ تعنِي بـ «خَيرٌ مِنْ ذَلِكَ»، أي المُثْنَى عليه قبلُ، وأنَّه أجمعُ منه لخصالِ السِّيادةِ والفضلِ. مَعْنَاهُ: هذِه وصفَتْ زوجَهَا / بالكرَمِ، وكثرةِ الضِّيافةِ، والاستعدادِ للضِّيفانِ، والمبالغةِ في برِّهم وإكرامِهم. ومعنى قولِها: «قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ، كَثِيرَاتُ المَبَارِكِ»، أي: أنَّه لاستعدادِه للضِّيفانِ؛ / بلحومها وألبانِها وكرمِ خُلقِهِ، لا يُوجِّههنَّ نهارًا إلَّا قليلًا، ولكنَّهنَّ

стр. 201

يَبْرُكْنَ بفنائِه، فإنْ فاجَأَهُ ضيفٌ، وجدهَا حاضِرةً، فيُقرِيه (١) منْ لحمِها ولبنِها، ولمْ يجدْها غائبةً عنه فيتباطَأْ فيما يكرمُه به مدةَ طلبِها، كما قال بعضُ بنِي ضَبَّةَ (٢): ومُخْتبِطٍ قَدْ جاءَ أوْ ذِي قَرابَةٍ ... فَما اعْتذرَتْ إبْلِي عَلَيهِ ولا نَفْسِي حَبَسنَا ولَمْ نُسْرِحْ لِكَيْ لا يَلُومَنا ... على حُكْمِهِ صَبْرًا مَعَوَّدَةَ الْحَبْس فَطافَ كما طَافَ المُصَدِّقُ وَسْطَها ... يُخَيَّرُ منْها في البَوَازِلِ والسُّدْس وقال آخر (٣): وَنُؤلِفُها في السِّنِينَ الفِنَاءَ (٤) ... إذَا لَمْ يَجِدْ مَكْسباً كَاسِبُ / وقال آخر (٥): وأَمْوَالُنَا وَقْفٌ عَلَى مُبْتَغِي القِرَى ... رَوَاهِنُ لِلمُسْتَنْبِحِين ولِلْجَمَمْ (٦) أي ثابتةٌ مقيمةٌ للمُعْتَفينَ، ومثلُه قولِ أمِّ زرعٍ في وصفِ مالِه: «عَلَى الجَمَمِ مَحْبُوسٌ»، وسيأتِي تفسيرُه، وهذا قولُ أبِي عُبيدٍ (٧) والأكثرِ. وقال بعضُهم: إنْ كان (٨) لا تسرحُ إلَّا قليلًا مِنَ النَّهارِ فهي هالكةٌ هُزالًا،

стр. 202

وإن كانَ يُسرِّحْهُنَّ بالليلِ، فقد ضاعَ أضيافُ الليلِ، والمعنى: أنَّها قليلةُ المسارحِ لِقلَّةِ الإبلِ، وكثيرةُ المبارِكِ لكثرةِ ما تُثارُ فتُحلبُ ثمَّ تَبْرُكُ، فلكثرةِ ما يفعلُ هذا بها؛ تكثرُ مبارِكُها، وقال يعقوبُ بنُ السِّكيتِ: أي مباركُها على الحُقوقِ والعَطَايَا والحِمَالاتِ، والأضيافُ كثيرةٌ، ومراعيها قليلةٌ، أي أنَّها تكثرُ إذا بَرَكتْ بمَنْ (١) شاءَ بِها (٢) من الضِّيفان / / وطلبِ (٣) الرِّفْدِ. وأنشدَ يعقوبُ من قولِ عروةَ بنِ الوردِ (٤): يُريحُ علَيَّ الَّليلُ قربانَ (٥) مَاجِدِ ... كريِمٍ ومَالي سارحًا مَالُ مُقْتِر قال: يقولُ: إذا راحَتْ بالعَشِيِّ راحَ فيها الأضيافُ، وإذا سرَحتْ بالنَّهارِ رُئيتْ قليلةً؛ لأنَّه لا أحدَ فيها منهم، ونحوه لابنِ الأنبارِيِّ (٦). وقال إسماعيلُ بنُ أبي أُويسٍ (٧)، عن أبِيه: معناهُ: أنَّ إبلَهُ كثيرةٌ في حالِ بُروكِها، قليلةٌ إذا سرحتْ لكثرةِ ما ينحرُ منها للأضيافِ في مبارِكِها (٨). وهذا نحو قولِ بعضِ العربِ (٩): /

стр. 203

إلى جِذْمِ مَالٍ قد نَهِكْنِا سَوَامَهُ ... وَأَعْرَاضُنُا فيهِ / بَوَاقٍ صَحَائِحُ / لَنَا حَمْدُ أَرْبَابِ المِئينَ ولا يُرَى ... إلى بَيْتِنَا مَالٌ مَعَ اللَّيلِ رَائحُ ويكونُ على روايةِ منْ رَوَى: «عَظِيمَاتُ» (١) منْ هذا المعنى، عبَّرَ عن الكثرةِ بالعِظَمِ، وقد يكونُ معنى: «عَظِيمَاتُ المَبَارِكِ» كنايةً عن سِمَنهِنَّ وعِظمِ جُثَثهِنَّ، فعبَّرِ بعظمِ مبارِكهِنَّ عن ذلك. وقد يكونُ معنى «قَلِيلَاتُ المَسَارِحِ» عِبارَةٌ عن قِلَّةِ الأمكِنةِ الَّتي تَرعى فيها منَ الأرضِ، وأنَّها لا تبعدُ في المرعى فتكثرُ مسارحُها، ولكنْ رعيُها أبدًا بقُربِ المنزلِ وحولَ الفناءِ، وبحيث لا يبعدُ طلبُها متى احتيجَ إلى نحرِها، ويزولُ اعتراضُ المُعترِضِ بهُزالِها لِقلَّةِ رعيِها؛ فقد يكونُ في قربِ منازِلَ أربابِها ما يغنيها لخصبِه وكثرةِ كلئِهِ. ومعنى قولِها: «إذَا سَمِعْنَ صَوْتَ المِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَهُنَّ هَوَالِكُ»، أي أنَّه مِمَّا كثُرتْ عادتُه / بإنزالِ الضِّيفان وإطعامِهم وسقيِهِم وضربِ المعازفِ عليهم ونحرِه للإبلِ؛ لذلك صارتْ الإبلُ إذا سَمِعتْ المعازِفَ عرَفَتْ- بجرْيِ عادتِها- أنَّها تنحرُ، هذا معنى قولِ أبي عُبيدٍ (٢) وغيرِه. ويُؤيِّدُ هذا التَّأويلَ: قولُها في الطَّريقِ الآخرِ: «إذَا سَمِعْنَ / صَوْتَ الضَّيفِ» (٣).

стр. 204

وقيلَ: المُرادُ أنَّها إذا سمِعتْ المَزاهِرَ أيقنَتْ بالهلاكِ؛ لِما اعتادَه مِنْ نحرِها إذا سَمِع الغِناءَ وانتَشى وهبَّتْ فيه الأرِيحِيَّةُ، وهذا لا تعتادُهُ الإبلُ وتفهمُهُ إلَّا مع التَّكرارِ والاستمرارِ. وقد يحتملُ أنِ يكونَ هذا استعارةٌ لكثرةِ النَّحرِ، وترادُفِ الحفَاوَةِ والبِرِّ، / وإنْ كانتْ لمْ تُرِدْ فهمَ الإبلِ لهلاكِها، ولكنْ لمَّا كانَ ذلك منه يوافقُ إهلاكَها، ويوقنُ من يعقِلُ به، أُضيفَ ذلك إليها؛ إذ هو واقعٌ بِها على ضَرْبٍ من الاستعارَةِ. وهذا النَّحوُ كلُّه من فصيحِ الكلامِ وبدِيع البيانِ، وهو نوعٌ يُسمِّيه أهلُ النَّقدِ والبلاغةِ: الإردافَ والتَّتبيعَ (١)، وهو أبلغُ في الوصفِ، كما سنذكرُه بعدُ، ومنه في معنى ما نحنُ فيه، ومثالُه: قولُ الشَّاعرِ (٢): وَمسْتنْبحٍ تَهْوِي مَساقِطُ رَأْسِهِ ... إلى كُلِّ شَخْصٍ وهْوَ لِلسَّمْعِ أصْوَرُ حبِيبٌ إلى كَلْبِ الكَرِيمِ مُناخُهُ ... بَغِيضٌ إلَى الكَوْمَاءِ (٣) والكلْبُ أبْصَرُ وذلك أنَّ الكلبَ ينعمُ فيما يَلغُ فيه مِمَّا ينحرُ له، ويأكلُ منْ سقاطَتِها وعظامِها، فمتى رأى ضيفًا، أحبَّ نزولَه لذلك، والكومُ تبغضُه؛ لأنَّها تشقى

стр. 205

بنزوله بالنَّحرِ والعقرِ، فعبَّر عن النعمةِ والشَّقاءِ / / بالحبِّ والبُغضِ، وعبَّرَ عن جودِ الموصوفِ ونحرِه للأضيافِ / بما هو من توابِعِه وأردَافِه؛ فإنَّ بغضَ الكوماءِ له تَبَعٌ لنحرِها بسببه، ومحبَّةَ الكلبِ له ردفٌ لتنعمِهِ معه، وكلُّ ذلك تبعٌ لإكرامِ ربِّها للضِّيفانِ، وكنايةٌ عن جودِه، فكان هذا التَّشبيبُ أبلغَ من قولِها: إذا ضُربَ المِزهرُ نُحرْنَ (١). أو: إذا نزلَ به ضيفٌ نُحِرْنَ. ومثلُ هذا ما أنشدَه الحَرْبِيُّ لإياسَ بنِ سَلَمةَ (٢)؛ يمدحُ النبيَّ ﷺ (٣): وأَبِيكَ خَيْرًا (٤) إنَّ إبَلَ مُحَمَّدٍ ... عُزْلٌ تَناوَحُ (٥) أنْ تَهُبَّ شَمَالُ / / وإذَا رَأَيْنَ لَدَى الفِنَاءِ غَريبةً ... (فَاضَتْ لَهُن) (٦) عَلى الخُدُودِ سِجَالُ فتَرَى لَهَا زَمَنَ القِتَالِ علَى الثَّرَى ... رَخَمًا وما تَحْيَا لَهُنَّ فِصَالُ قولُه: «عُزْلٌ» أي غيرُ مُمتنِعةٍ، كالأعزلِ الَّذي لا سلاحَ معَهُ فيمنعُه. ويقولُ: إذا هبَّتْ الشّمالُ وجاء الشِّتاءُ والقحطُ، تناوحُ بعضُها إلى بعضٍ لعادتِها بالذَّبحِ. وإذا رأتْ غريبًا طرَقَ، بكتْ لعلمِها أنَّها تذبحُ له.

стр. 206

وليس يحيى لها فِصالٌ؛ لكثرةِ ذبحِ أمهاتِها. وإذا كان زمنُ الخصبِ، وطلبَ النَّاسُ الدُّخولَ إذ لا يطلبونَها ولا يقدرون على ذلك زمنَ القحطِ والشَّدائدِ؛ لشغلِهم بأنفسهم، لذلك كانتْ لهذِه الإبلِ ألبانٌ كثيرةٌ تسيلُ على الأرضِ حتَّى كأنَّها رَخَمٌ لِبياضِها. تَنْبِيهٌ: وقال أبو سعيدٍ النَّيسابورِيُّ (١): لم تكنْ تعرفُ العربُ العُودَ إلَّا منْ خالطَ الحضرَ منهم، والَّذي نذهبُ إليه: أنَّه المُزْهِرُ، وهو الَّذي / يُزهِرُ النَّارَ للأضيافِ الطُّرَّاقِ، فإذا سمعتْ صوتَ ذلك ومَعْمَعَانَ النَّارِ، أيقنَتْ بالعقْرِ. قَالَ القَاضِي ﵁: لا نعرفُ أحدًا رواهُ: «المُزْهِرُ» كما قال النَّيسابورِيُّ، وإنْ كانَ يَصِحُّ؛ لأنَّ زُهورَ السِّراجِ والنَّارِ تَلَأْلُؤ لِسَانَيْهِمَا (٢)، والَّذي رواه النَّاسُ كلُّهم: «المِزْهَرُ»، وهو الصَّوابُ، لا ما قالَهُ إنْ شاءَ اللهُ. وقولُه: «إنَّ العربَ كانتْ لا تعرفُ العودَ إلَّا منْ خالطَ الحضرَ مِنهم»! فمن أخبرَه أنَّ مالكًا المذكورَ لمْ يخالطْ الحضرَ؟ وقد ذكرْنَا في بعض طَرَقِ هذا الحديثِ: أنَّ / قريةً من قُرى اليمنِ وذكرَ أنَّه اجتمعَ بها إحدى عشرةَ امرأةً، والقُرَى هي الحواضِرُ والمُدن؛ قال الله تعالى: ﴿رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١].

стр. 207

وفي الطَّريقِ الآخرِ: أنَّهنَّ من قُريشٍ، وأنَّهنَّ من أهلِ مكَّةَ كما قدَّمناه، مع أنَّ أشعارَ العربِ جاهليَّها وإسلامِيَّها، بدوِيَّها، وحضرِيَّها، قد ذُكرتْ فيها المَزاهِرُ وأشباهُها، قال الأعشى (١): / جَالس (٢) حَوْلَه النَّدامَى فَمَا يَنْـ ... ـفَكُّ يُؤتَى بمِزْهَرٍ مَنْدُوف / كذا أنشدَه أبُو عبيدٍ وغيرُه، وهي إحالةٌ مِنَ الرِّوايةِ وغلطٌ، والشِّعرُ: «يُؤتَى بِمُوكَرٍ مَجْدُوفِ (٣)»، يعني: الزِّقَّ وبعده: وَصَدُوحٍ / إذا يُهَيِّجُهَا الشُّرْ ... بُ تَرَقَّتْ (٤) في مِزْهَرٍ مَنْدُوف وقال أيضًا (٥): / إذَا قُلتُ غَنِّي (٦) الشَّربَ قَامَتْ بِمِزْهَرٍ ... يَكَادُ إذَا دَارَتْ بِهِ الكَفُّ ينطق وقال (٧): ومُسْمِعَتَانِ وَصَنَّاجَة ... تُقَلِّبُ بِالكَفِّ أَوْتَارَهَا وَبَرْبَطُنَا مُعْمَلٌ دَائِمٌ ... فَقَدْ كَانَ (٨) يَغْلِبُ إِسْكَارَهَا

стр. 208

وقال (١): وَشَاهِدُنَا الوَرْدُ واليَاسَمِيـ ... ـنُ والمُسْمِعَاتُ بِقُصَّابِهَا وَمُزْهِرُنَا مُعْمَلٌ دَائِبٌ ... فَأَيُّ الثَّلاثَةِ أُزْرَى (٢) بِهَا تَرَى الصَّنْجَ يَبْكِي لَهُ شَجْوَهُ ... مَخَافَةَ أَنْ سَوْفَ يُدْعَى بِهَا / وقال (٣): وَمُسْتَجِيبٍ لِصَوْتِ الصَّنْجِ (٤) يَسْمَعُهُ ... إذَا تُرَجِّعُ فِيه القَيْنَةُ الفُضُلُ ولكثرةِ ذكرِهِ لهذا سُمِّي الأعشى صَنَّاجَةَ العربِ. وقال الأُقَيْشِرُ (٥): ............................. ... يُجَاوِبُهُ صَنْجٌ إذَا مَا تَرَنّمَا وقال امرُؤ القيسِ (٦): وَإِن أُمْسِ مَكْرُوبًا فيَا رُبَّ قَيْنَةٍ ... مُنعَّمَةٍ أَعْمَلْتُهَا بِكِرَان لهَا مِزْهرٌ يَعْلُو الخميسَ بصوتِهِ ... أجشّ إذَا مَا حرَّكتْه يَدَانِ (٧)

стр. 209

والكِرَانُ، والمِزهَرُ هما عُودا الغناءِ، وكذلك البَرْبَطُ، والصَّنْجُ آلةٌ لهُ رُومِيَّة، وقال عَلْقَمَةُ بنُ عُلاثَةَ (١): قد أَشْهَدُ الشَّرْبَ فيهمْ مِزْهَرٌ رَنِمٌ ... / .............................. وقال بُرْجُ بنُ مُسْهِرٍ الطَّائِيُّ (٢): وفِينَا (٣) مُسْمِعاتٌ عندَ شَرْبٍ ... ................................... وقال ابنُ الطَّثَرِيَّةِ (٤): / ويَوْمٍ كظِلِّ الرُّمحِ قَصَّر طُولَهُ ... دَمُ الزِّقِّ عنّا واصْطِفَاقُ المَزَاهِر وقد يكونُ فيه وجهٌ ثالثٌ يقطعُ اعتراضَ أبي سعيدٍ وغيرهِ، ويكونُ أشبَهَ بالحالِ، وهو أنْ يرادَ بالمِزْهَرِ الدُّفُّ المُرَبَّعُ بوجهين، وهكذا وقعَ تفسيرُ المِزْهَرِ لجماعةٍ منْ قدماءِ الفقهاءِ والعلماءِ، وقالَهُ أصبغُ بنُ الفرجِ، وابنُ حبيبٍ في «واضحتِهِ» (٥)، فإنْ صحَّ أنَّ هذا الاسمَ عربِيٌّ / غيرُ مولدٍ، فعلى هذا لا يُنكرُ ضربُ الأعرابِ لها، وعادتُهم إطرابُ الضِّيفانِ بها.

стр. 210

وقد رُوي بيتُ الأعشى المُتقدِّمُ: .............................. ... بِمِزْهَرٍ مَجْدُوف أي مقطوعٍ، قد قُطعتْ أكارِعُ جلدِهِ، هكذا فسَّرُوه، وهذا ينبئ أنَّه الدُّفُّ الَّذي وصفناه، وصحيحُ الرِّوايةِ ما قدَّمناه، ورأيتُ صاحِبَ «لحن العامة» (١) قال: ويقولونُ لبعضِ الدِّفَفَةِ: مِزْهَرٌ. وإنَّما المِزهرُ: العودُ الَّذي يُضربُ به. فدلَّ قولُه أنَّه ليسَ بعربِيٍّ. ومعنى قولِها في الرِّوايةِ الأخرى: «كَثِيرَةُ المَسَالِكِ، قَلِيلَةُ المَبَارِكِ» (٢) - فإن لم يكنُ وهمًا من الرِّوايةِ- فمعناه: أنَّها كثيرةٌ في حالِ سرحِها ورعيِها، قليلةٌ في مبارِكِها / لكثرةِ / ما نُحر منها، أو أنَّها كثيرةُ مسالِكِ سُبلِ الخيرِ والمعروفِ، أي: يوجهُهَا ويسلكُ بها غيرَ مسلكٍ منَ المعروفِ، مِنْ رفدٍ ومعونةٍ وحملٍ وضيافةٍ وحِمالةِ دينٍ ودِيَةٍ وصلحٍ، ونحو ذلك، / كما قال بعضُ بني العنبرِ (٣): فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الإِبِلِ مَالًا لِمُقْتَنٍ (٤) ... وَلَا مِثْلَ أَيَّامِ الحُقُوقِ لَهَا سُبْلَا ومنه حديث عليٍّ ﵁ وقد سألَ أبا الفَرَزْدَقِ غَالبَ بنَ صَعْصَعَةَ عن إبلِهِ فقال: يا أميرَ المؤمنين ذَعْذَعَتْها النَّوائِبُ، وفَرَّقَتْها الحُقوقُ، فقالَ عليٌّ ﵁: ذلك أفضَلُ سُبُلِهَا. وكان / غالبٌ قبلُ ذَا إبِلٍ كثِيرةٍ (٥).

стр. 211

ويكونُ قولُها في هذه الرِّوايةِ: «كَثيرةُ المَسَالِكِ، قَلِيلَةُ المَبَارِكِ»، كنايةً عن قِلَّةِ بقائها في ملكِهِ، وبروكِها بفنائه، لكثرة خروجِها (١) / عن يده، والله أعلم. ويكونُ معنى قولِها على الرِّوايةِ الأخرى: «كثيرةُ المَسَارِحِ، قَلِيلَةُ المَبَارِحِ» - إنْ لمْ يكنْ وهمًا- أي أنَّها في ذاتِها كثيرةٌ؛ فهي كثيرةُ المسارحِ لذلك، وهي مع ذلك قلِيلةُ المبارِحِ، أي: لا تبرحُ وتبعد عن قرب منزله لما قدمناه، والموفِّقُ اللهُ. وقولُها في روايةِ ابنِ الأنباريِّ: «وهو إمَامُ القومِ في المَهَالِكِ». فيه تأويلات: قيل: أرادَتْ بالمهالِكِ: الحروبَ؛ تصفهُ بالشَّجاعَةِ، وأنَّه لثِقتِهِ بشجاعتِهِ يتقدَّمُ ولا يتخلَّفُ، كما قال الشَّاعرُ (٢): / وَكَتِيبةٍ سُفْعِ الْوُجُوهِ بَوَاسِلٍ ... كالأُسْدِ حِينَ تَذُبُّ عن أَشْبَالِهَا قَدْ قُدْتُ أوَّلَ عنفُوَانِ رَعِيلِها ... فَلَفَفْتُها بِكَتِيبَةٍ أَمْثَالِهَا وقال الآخرُ (٣): يَغْدُو أمَامَهُمُ فِي كُلِّ مَرْبَأَةٍ ... طَلَّاعُ أَنْجِدَةٍ فِي كَشْحِهِ هَضَمُ وقيلَ: بلْ أرادتْ أنَّه هادٍ في السُّبلِ الخفيَّةِ، عليمٌ (٤) بالطُّرقِ في البيداءِ الدَّويَّةِ.

стр. 212

و «المَهَالِكُ»: المَهَامِي والمَفَاوِزُ، سُمِّيتْ مهالِكٌ؛ لإهلاكِهَا لسُلَّاكِها، وفي تسمِيَتِها مفازةً ثلاثةُ وجوهٍ: قيلَ: هو بمعنى الهلاكِ أي: مَهلكَة، يُقالُ: فوَّزَ الرَّجلُ إذا هَلَكَ كما قالَ (١): .............................. ... إذا ما ثَوَى كَعْبٌ وفَوَّزَ جَرْوَلُ وقيلَ: سُمِّيتْ: مَفَازَةٌ على طريقِ التَّفاؤلِ؛ ليفوزَ سالِكُها، كما قالوا للَّدِيغِ: سَلِيمٌ (٢). وقِيلَ: بلْ سُمِّيتْ مَفَازَةٌ؛ لأنَّ من قطعَهَا وجاوَزَها فازَ مِنَ الهلاكِ، / فوَصَفَتْ هذِه زوجَها على هذا التَّأويلِ بمعرفتِهِ بالهداية في المفاوزِ والقِفارِ، فهو يتقدَّمُ القومَ لذلك، / قال عَلقمةُ (٣): وقدْ أَقُودُ أَمَامَ الخَيْلِ سَلْهَبَةً ... يَهدِي بِهَا نَسَبٌ فِي الحَيِّ مَعلومُ

стр. 213

وقال آخر (١): وَلقَدْ هَدَيْتُ الرَّكْبَ في دَيْمُومَةٍ ... فيها الدَّليلُ يَعَضُّ بالْخَمْس * * * / تَفْسِيرُ قَوْلِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ عَرَبِيَّتُهُ: قولُه: «قَالَتْ الحَاِديَةَ عَشْرَةَ» على صحيحِ / الرِّوايةِ / في هذا الحديثِ ومعروفِها هو المشهورُ الجائزُ (٢) على منهاجِ كلامِ العربِ، بإثباتِ العلامتين في: «الحادِية»، وفي: «عشرة»، ولَكَ إسكانُ شِينِ عَشْرِةٍ وكسرِها على اللُّغتَين، ولا تكونُ الحاديةَ عشرةَ إلى تاسعةَ عشرةَ إلا مفتوحةُ الأوَّلِ والآخرِ؛ لأنَّ الحاديةَ معَ عشرةَ كالكلمةِ الواحدةِ، كحَضْرَمَوْتَ وبَعْلَبَك، كما فعلوا بإحدى عشرةَ سواءً، وكذلك لو لمْ يدخلْ على الحاديةِ الألفُ واللامُ، لم تكن إلَّا مفتوحةٌ عند سِيبَويْه (٣). وأما يعقوبُ (٤) فحكى هنا جوازَ الرَّفعِ والخفضِ إلى تسعةِ عشرةَ، على تقدير: حادِية إحدى عشرةَ، ولم يُجزْه مع الألفِ واللامِ، وكذلك لو كانتْ لمُذكَّرٍ عندَ سِيبوَيْه، لم يكن فيها إلا الفتحُ.

стр. 214

وحكى الفارسِيُّ (١) أنَّه يجوزُ إسكانُ الياءِ في حادي عشرَ وثانِي عشرَ، وإنْ كانَ موضعُهُ نصبًا في الإعرابِ، كما قالوا: قالِي قَلَى، / وهذا كله على مذهبِ قولِهم: هذا خامسٌ، وهذه خامسةٌ، وأمَّا من يقولُ: خامسةُ خمسٍ فيقولُ: قالَتْ الحاديةُ إحدى عشرة، والحاديةُ هاهنا معربةٌ غيرُ مبنيَّةٍ، وقال بعضُهم على هذا: حادية عشرة، إحدى عشرة. قال سِيبويْه (٢): وهو القياسُ، ولكنه حُذفَ استخفافًا؛ لأن فيه لفظَ أحد عشر فدلَّ على ما حُذِفَ منه. ووقع لبعضِ شيوخِنا في روايةِ هذا الحديثِ: «قالَتْ الحادي عشرة»، ولبعضِهم: / «الحادية عشر» وهذا كلُّه خطأٌ؛ لا مخرجَ له إلَّا على بعدٍ وتكلُّفِ وجهٍ. غَرِيبُهُ: قولُها: «أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ»، أي: حرَّكَ أذُنَيَّ بالحُلِيِّ مِنَ القِرَطَةِ / والشُّنُوفِ (٣). و «النَّوسُ»: حركةُ كلِّ شيءٍ مُتَدَلٍ وسائلٍ (٤). قال يعقوبُ: «أَنَاسَ»: أثقلَ حتَّى ناسَا، أي تدلَّيا واضطرَبَا. وهذا نحو الأول.

стр. 215

قال ابنُ الكَلْبِيِّ (١): سُمِّي ذَا نُواسٍ أحدَ ملوكِ اليمنِ؛ لضفِيرتَين كانتا له تَنُوسان على عاتِقِهِ. ومنه حديثُ ابنِ عُمر: أنَّه دخلَ على حفصةَ ونَوْسَاتُها تَنطِفُ (٢). ومنه الحديثُ: أنَّه كانَ للعباسِ ضفيرتانِ تَنُوسانِ على تَرَائِبِه (٣). و«الحُلِيُّ»: جمعٌ، ويقالُ: بكسرِ الحاءِ، وقُرِئ في الكتابِ العزيزِ بهما جميعًا (٤). والحَلْيُ واحدٌ، وهو كلُّ ما يُحلَّى به من ذهبٍ وفضَّةٍ وجوهرٍ وشبهِهِ. وقولُها: «بَجَّحَنِي فَبَجَحَتْ»، أي: فرَّحنِي فَفَرِحْتُ، قال الرَّاعِي (٥): وَمَا الفَقْرُ مِنْ أَرْضِ العَشِيرَةِ سَاقَنَا ... إليْكَ، ولَكِنَّا بِقُربَاك (٦) نَبْجَحُ /

стр. 216

أي: نفرحُ، هذا قول أبي عبيد (١). وقال ابنُ الأنبارِيِّ (٢) معناه عظَّمنِي، ويؤيِّدُه قولُه: «فَبَجَحَتْ إليَّ نَفْسِي»، أي: عظُمتْ عندي. وتأويلُ البيتِ المتقدِّمِ: / أي: بِقرابَتِنا منك نَفْخَرُ ونتَعظَّمُ. وقال يعقوبُ (٣): بَجَحْتَ: فَخَرْتَ، وقال ابنُ أبي أُويسٍ (٤): معناهُ: / وسَّعَ عليَّ وتَرَفَنِي. وقولُها: «وفَرْعَيَّ» (٥) - في روايةِ منْ زادَهُ-: فيحتملُ أنْ تريدَ بالفرعينِ: اليدين؛ لأنَّهما كالفرعين من الجسد، تَعني: أنَّها حلَّى أذنَيها ومعصمَيها. وقد يحتملُ أنَّها أرادتْ بالفرعَين: العنقَ مع اليدين، وأقامتْ اليدين مقامَ فرعٍ واحدٍ لكونِهما جنسًا، وأصلُ الفرعِ: كلُّ ما ارتفعَ، / فالرَّأسُ واليدَانِ من فروعِ الجسدِ، فإذا حُلِّيا فقد حُلِّيَ فرعاهُ. / ويحتملُ أنْ تريدَ «بفرعَيَّ»: غديرَتَيْها وقرنَي رأسِها، والعربُ تسمِّيها فروعًا، قال امرُؤ القَيسِ (٦):

стр. 217

وفَرْعٍ يُغَشِّي (١) المَتْنَ أَسْوَدَ فاحمٍ ... .................................. وأضافتْ النَّوْسَ إليه كما أضافتْه إلى الأُذُنين؛ لكونِه فيهما، ولقربِه من قرونِ رأسِها؛ ولأنَّ ما تُرخِي معَ القرونِ منْ نواصِي الحُلِيِّ تنوسُ أيضًا، وقد جرتْ عادة المُتْرفاتِ بتنظيمِ غدائرِ شعورِهِنَّ، وتحليَةِ نواصِيهِنَّ وقرونِهِنَ، فلعل هذه فعلت مثل ذلك من فعلهن. ومن رواهُ: «فَرْعَيَّ» فيحتملُ فرعَ الشَّعرِ أو الرَّأسِ، قال ابنُ أبي أُويسٍ (٢): حَلَّى رأسِي فَذَلِك (٣) يَتَدَلَّى منْ كثرَتِهِ وثِقَلِهِ. عَرَبِيَّتُهُ: وقع في بعضِ الرِواياتِ: «أُذُنَيَّهْ، وعَضُدَيَّهْ، / وفَرْعَيَّهْ، وإِلَيَّهْ» بزيادةِ الهاءِ، وهذه هاءُ السَّكتِ المُلحقَةِ في الوقفِ وانقطاعِ الصَّوتِ، وبعضُهم يسمِّيها: هاءُ الاستراحةِ، وهي تلحقُ الأسماءَ والأفعالَ والحروفَ لِثلاثِ (٤) عِلَلٍ: لِصحَّةِ الحركةِ الَّتي في آخرِ الكلمةِ قبلَها وتبيينِها، كقولك: غُلامِيَهْ، ومَالِيَهْ، ولَمْ يَغْزُهْ، ولمْ يَتَسَنَّهْ عند بعضِهم. وأنَّه بمعنى: نَعَمْ، وأيْنَهْ (٥)، ولَعَلَّهْ، وأشباهِ هذا.

стр. 218

أو لِتمامِ الكلامِ المنقوصِ واستقلالِهِ بِها، كقولك: عَمَّهْ (١)؟ ولِمَهْ؟ وقِه، ولا تَشِهْ. والوجهُ الثَّالثُ: للحاجةِ عندَ مدِّ الصَّوتِ قبلَها في آخرِ الكلمةِ، / وذلك في النِّداءِ والنَّدبةِ، وقد ألحقوها في الأسماءِ غيرِ المُتمكِّنةِ إذا كان قبلها ألفٌ لضعفِ الألفِ، نحو: هاهُناهْ، وهاؤلاهْ، ولم يفعلوا ذلك في المُتمكِّنةِ وبَعْدَ الكناياتِ، فقالوا: ضَرَبْتُكَهْ، وضَرْبِيَهْ، وأَبِيَهْ، وغُلَامِيَهَ، (وغُلَامَايَهْ) (٢)، (وغُلَامَيّه) (٣)، ففَرعَيَّ وأُذنَيَّ من هذا الباب؛ وذلك لخفاءِ الياءِ، وأنَّ ما قبلَها ساكنٌ، فكانتْ عندهم أولى ببيانِ / حركتِها من غيرِها فبُيِّنتْ بالهاءِ. مَعْنَاهُ: وصفتْهُ بأنَّه أحسنَ إليها، وحلَّاها، ورَفَّهَ عيشَها، وسمَّنَها، وأراهَا المسرَّةَ في أحوالِها. ومعنى قولِها: «مَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ». قال أبو عُبيدٍ (٤): لم تُردِ العضُدَ وحدَه، وإنَّما أرادتْ الجسدَ كلَّه؛ لأنَّ العضدَ إذا سَمِنَتْ سمِنَ سائرُ الجسدِ. ووجهُ اختصاصِها للعضُدِ بذلك -/ واللهُ أعلمُ- لأنَّه أقربُ مِمَّا (٥) يلي بصرَ الإنسانِ منْ جسدِهِ، وأوَّلُ ما / يظهرُ له / فيه سِمَنَهُ.

стр. 219

وفي حديثِ أبي هُريرةَ: فجعلتُ أنظرُ في عِطفَيَّ، هَلْ سَمِنْتُ (١)؟

стр. 220

وَغَرِيبُ قَوْلِهَا: «وَجَدَنِي في أَهْلِ غُنَيْمَةٍ» هي تصغيرُ غَنَمٍ. وقولُها «بِشَقٍّ» والمحدثون يقولون: «بِشِقٍّ»، قال أبو عُبيدٍ (١): بالفتحِ، هو مَوضِعٌ. قال الهروِيُّ (٢): وهوَ الصَّوابُ، قال ابنُ الأنباريِّ: هما بالفتحِ والكسرِ موضعٌ. قال ابنُ أبي أُويسٍ (٣)، وابنُ حبيبٍ: تعنِي بِشقِّ جبلٍ لقلَّتِهِم. / قال ابنُ أبي أُويسٍ: وقلَّةِ غنمِهِم (٤).

стр. 221

قال الفَقِيهُ القَاضِي أبُو الفَضْلِ ﵁: كأنَّه يريدُ: أنَّهم لقِلَّتِهم وقِلَّةِ غنمِهِم (١) حَمَلَهُم سُكنَى شِقِّ الجبلِ، أي: نَاحيتَه أو بعضَه؛ لأنَّ الشِّقَّ يقعُ على النَّاحيةِ منَ الشَّيء، ويقعُ على بعضِهِ. والشِّقُّ أيضًا: النِّصفُ، فيكونُ على هذا وعلى ما جاءتْ به الرِّوايةُ صحيحًا. وقد يكونُ هذا التَّفسيرُ على روايةِ: «شَقٍّ» بالفتحِ، وهو أليقُ بقولِها لقلَّتِهم، أي: شَقٌّ في الجبلِ كالغارِ ونحوِه. وله وجهٌ آخر ذهبَ إليه نِفْطَوَيْه، ورأيتُه للقُتبيِّ (٢)، هو بالحديثِ أولى وأصحُّ لغةً ومعنى: أنَّ الشِّقَّ بالكسرِ: الشَّظفُ منَ العيشِ والجهدِ منه. قال ابنُ دُرَيْدٍ (٣): يُقالُ: هو بِشِقٍّ وشَظَفٍ مِنَ العيشِ، أي: بِجُهدٍ منه، وعليه تَأوَّلَ قولَ اللهِ تعالى: / ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ﴾ [النحل: ٧] (٤). وقولُها: «في أهْلِ صَهِيلٍ وأَطِيطٍ ودَائِسٍ ومُنَقٍّ»، فالصَّهِيلُ: أصواتُ الخَيلِ. وعلى روايةِ: «جَامِلٍ وَصَاهِلٍ» / أي: جَمَالٍ وخَيلٍ، أو أصحابُ جمالٍ وخيلٍ.

стр. 222

غَرِيبُهُ: قولُها (١): «وجَامِلٍ» ، فالجاملُ: جمعُ جَمَلٍ، وهو اسمٌ للجميعِ غيرُ مُكَسَّرٍ عليه الواحِدُ، قال النَّابغةُ (٢): ........................... ... أُجَادِلُ يَوْمًا فِي شَوِيٍّ وَجَامِل يُريدُ: في شَاءٍ وجِمَالٍ، ومثالُه مِنْ فَاعِلٍ الَّذي يرادُ به الجمعُ: قولُهم: بِاقِرٌ، وطَائِرٌ، وسَامِرٌ، ودَابِرٌ، وكَابِرٌ، ولذلك قالوا: كابِرًا عن كَابِرٍ. وقال (٣): * على رُؤوسٍ كرُؤوسِ الطَّائرِ * وقال اللهُ تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]. / وقد يكونُ: «جُامِلٌ وصَاهِلٌ» أسماءَ فاعِلين للرِّجالِ المَالِكينَ للجِمالِ والخيلِ الصَّاهلةِ والطَّعامِ المُداسِ، كما قالَ (٤):

стр. 223

............... ... فإنَّكَ لَابِنٌ بِالضَّيفِ تَامِرْ وقال (١): كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... ................................ أي: ذِي نَصَبٍ، وذُو تَمْرٍ ولبنٍ، فيكونُ تقديرُه: فنقلَني منْ أهلِ جمالٍ وخيلٍ، أو ذَوي جمالٍ وخيلٍ. وقولُها: «وأَطِيطٌ»: قالُ أبو عُبيدٍ (٢): الأطِيطُ: أصواتُ الإبلِ. قال يعقوبُ (٣): الأطِيطُ: الإبِلُ، وهو زَفِيرُها من البَطَنَةِ. ومِن أمثالِهم: لَا أفْعَلُ ذَلك مَا أَطَّتِ الإبِلُ (٤). قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: وأصلُ الأطيطِ: صوتُ / أعوادِ المحاملِ والرِّحالِ، ويشبهُ أنْ تريدَ بالأطيطِ هذا، تُريدُ: أنَّهم أصحابُ مَحامِلَ ورفاهَةٍ؛ لأنَّ المحاملَ لا يركبُها إلَّا / أصحابُ / السَّعةِ والرَّفاهةِ، وكانتْ قديمًا من مَراكبِ العربِ، ثمَّ إنَّ الحجَّاجَ حسَّنَها وزادَ فيها؛ فلهذا نُسبَ إليه عملُها، وبهذا السَّببِ غَلَّطَ القُتبيُّ أبا عُبيدٍ - وهو الغَالِطُ- لِمَا ذكرناه.

стр. 224

وفي الحديثِ في ذكرِ سعةِ بابِ الجنَّةِ: «لَيَأَتِينَّ عليهِ زَمَانٌ ولهُ أَطِيطٌ - يعنِي صوتًا- بِالزِّحَامِ» (١). / وفي حديثٍ غيرِه: «ولهُ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ» (٢).

стр. 225

قال الهروِيُّ (١): الأَطِيطُ: نقيضُ صوتِ المَحاملِ. وفي «الجمهرةِ» (٢): الأَطِيطُ: صوتُ الرَّحلِ الجديدِ، أو النِّسْعِ (٣) إذا سمِعتَ له صريرًا، وكلُّ صوتٍ يشبه ذلك فهو أَطِيطٌ. وقال ثعلبٌ (٤): الأطيطُ: نقيضُ جلودِ الإبلِ عند الكِظَّةِ (٥). و«الدَّائِسُ»: قال أبو عُبيدٍ (٦): تأوَّلَه بعضُهم مِنْ دِياسِ الطَّعامِ، وهو دِراستُهُ، / وأهلُ العراقِ يقولُونَ: الدِّياسُ، وأهلُ الشَّامِ: الدِّراسُ. قال: ولا أظنُّها واحدةً من هاتينِ الكلمتَين؛ فإنْ كان كما قِيلَ، فأرادتْ أنَّهم أصحابُ زَرْعٍ. قال الهروِيُّ (٧): دَرَسَ الطَّعامُ ودَاسَهَ واحِدٌ. وحكى عن بعِضهم: الدَّائسُ: الأَنْدَرُ.

стр. 226

قالَ يعقوبُ (١): الدَّائِسُ الَّذي يدوسُ الطَّعامَ. وقال بعضُهم: الدَّائسُ (٢) الطَّعامُ الَّذي أهلُهُ في دياسِهِ، وعندَهم مِنَ الطَّعامِ غيرُه، فخيرُهم مُتَّصِلٌ. وقولُهم (٣): «مُنَقٍّ»، فالمحدِّثون يقولُونَه بالكسرِ. قال أبُو عُبَيدٍ (٤): ولا أدرِي ما معناه. قال: وأحسبه: «مُنَقٍّ» بالفتحِ، فأرادتْ به من يُنقِّي الطَّعامَ. / وحكى الهروِيُّ (٥) عن بعضِهم: المنقي (٦): الغِربَالُ. وقال إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ (٧): المُنِقُّ بالكسرِ: نَقِيقُ (٨) أصواتِ المَواشِي والأنعامِ؛ تصفُ كثرةَ مالِهِ. وقال أبو سعيدٍ النَّيسابُورِيُّ (٩): هو مأخوذٌ منْ نَقْنَقَةِ الدَّجاجِ، يُقالُ: أَنَقَّ الرَّجلُ إذا كان له دجاجٌ تُنَقْنِقُ، أي أنَّهم أهلُ طيرٍ أيضًا.

стр. 227

وقال أبو مَرْوان ابنُ سِراجٍ (١): ويجوز أن يكونَ: «مُنْقٌ»، بالإسكانِ إنْ كانَ رُوي، أي: وأنعامٌ ذاتُ نِقْيٍ، أي: سِمانٌ. مَعْنَاهُ: وصفتْهُ: أنَّه نقلَها مِنْ شَظَفِ عيشِ أهلِهَا وتبلُّغِهِم بغُنَيْمَتِهِم (٢)، إلى أهلِ الثَّروةِ، والأموالِ / الواسعةِ، مِنَ الخيلِ والإبلِ والرِّحالِ والزَّرعِ والبقرِ، والدَّوابِّ الدَّائسةِ، والعبيدِ والخولِ، والآلاتِ المُنَقِّيةِ للأطعمةِ، المصلحةِ لها، والماشيةِ الكثيرةِ، والطَّيرِ المُتَنعَّمِ بأكلِها؛ وذلك أنَّ أصحابَ الغنمِ أهلُ شظفٍ أو كفافٍ وعدمِ / ثروةٍ. ومنْ دُعاءِ العَربِ: / إنْ كنتَ كاذِبًا؛ فحلبْتَ قاعِدًا (٣). أي: صارَ مالُك غنمًا يحلبُها القاعِدُ. وبِضدِّ هذا أهلُ الخيلِ والإبلِ. وقد قال ﷺ : «الفَخْرُ والخُيِلاءُ فِي أهلِ الخَيْلِ والإبِلِ الفَدَّادِينَ أهلِ الوَبَرِ، والسَّكِينةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (٤). فأخبرتْ هذِه بانتقالِها منْ تِلكَ الحالَةِ إلى هذه، ورغَدِ عيشِها بِألبانِ هذِه المواشِي ولحومِها، وغيرِ ذلك منَ الأطعمةِ، لاسيما بإشارتِها / بما يُداسُ وينقَّى إلى الخُبزِ، وكان / أرفعَ أغذيةِ العربِ وأعزَّ أطعمتِها؛ إذ لا يجدُهُ منهم
следующие страницы →