← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 106

بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد ت الدسوقي

القاضي عياض

Полный текст (306 стр.). Показаны 223–262 · переход к 228.

стр. 223

............... ... فإنَّكَ لَابِنٌ بِالضَّيفِ تَامِرْ وقال (١): كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةَ نَاصِبِ ... ................................ أي: ذِي نَصَبٍ، وذُو تَمْرٍ ولبنٍ، فيكونُ تقديرُه: فنقلَني منْ أهلِ جمالٍ وخيلٍ، أو ذَوي جمالٍ وخيلٍ. وقولُها: «وأَطِيطٌ»: قالُ أبو عُبيدٍ (٢): الأطِيطُ: أصواتُ الإبلِ. قال يعقوبُ (٣): الأطِيطُ: الإبِلُ، وهو زَفِيرُها من البَطَنَةِ. ومِن أمثالِهم: لَا أفْعَلُ ذَلك مَا أَطَّتِ الإبِلُ (٤). قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: وأصلُ الأطيطِ: صوتُ / أعوادِ المحاملِ والرِّحالِ، ويشبهُ أنْ تريدَ بالأطيطِ هذا، تُريدُ: أنَّهم أصحابُ مَحامِلَ ورفاهَةٍ؛ لأنَّ المحاملَ لا يركبُها إلَّا / أصحابُ / السَّعةِ والرَّفاهةِ، وكانتْ قديمًا من مَراكبِ العربِ، ثمَّ إنَّ الحجَّاجَ حسَّنَها وزادَ فيها؛ فلهذا نُسبَ إليه عملُها، وبهذا السَّببِ غَلَّطَ القُتبيُّ أبا عُبيدٍ - وهو الغَالِطُ- لِمَا ذكرناه.

стр. 224

وفي الحديثِ في ذكرِ سعةِ بابِ الجنَّةِ: «لَيَأَتِينَّ عليهِ زَمَانٌ ولهُ أَطِيطٌ - يعنِي صوتًا- بِالزِّحَامِ» (١). / وفي حديثٍ غيرِه: «ولهُ أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ» (٢).

стр. 225

قال الهروِيُّ (١): الأَطِيطُ: نقيضُ صوتِ المَحاملِ. وفي «الجمهرةِ» (٢): الأَطِيطُ: صوتُ الرَّحلِ الجديدِ، أو النِّسْعِ (٣) إذا سمِعتَ له صريرًا، وكلُّ صوتٍ يشبه ذلك فهو أَطِيطٌ. وقال ثعلبٌ (٤): الأطيطُ: نقيضُ جلودِ الإبلِ عند الكِظَّةِ (٥). و«الدَّائِسُ»: قال أبو عُبيدٍ (٦): تأوَّلَه بعضُهم مِنْ دِياسِ الطَّعامِ، وهو دِراستُهُ، / وأهلُ العراقِ يقولُونَ: الدِّياسُ، وأهلُ الشَّامِ: الدِّراسُ. قال: ولا أظنُّها واحدةً من هاتينِ الكلمتَين؛ فإنْ كان كما قِيلَ، فأرادتْ أنَّهم أصحابُ زَرْعٍ. قال الهروِيُّ (٧): دَرَسَ الطَّعامُ ودَاسَهَ واحِدٌ. وحكى عن بعِضهم: الدَّائسُ: الأَنْدَرُ.

стр. 226

قالَ يعقوبُ (١): الدَّائِسُ الَّذي يدوسُ الطَّعامَ. وقال بعضُهم: الدَّائسُ (٢) الطَّعامُ الَّذي أهلُهُ في دياسِهِ، وعندَهم مِنَ الطَّعامِ غيرُه، فخيرُهم مُتَّصِلٌ. وقولُهم (٣): «مُنَقٍّ»، فالمحدِّثون يقولُونَه بالكسرِ. قال أبُو عُبَيدٍ (٤): ولا أدرِي ما معناه. قال: وأحسبه: «مُنَقٍّ» بالفتحِ، فأرادتْ به من يُنقِّي الطَّعامَ. / وحكى الهروِيُّ (٥) عن بعضِهم: المنقي (٦): الغِربَالُ. وقال إسماعيلُ بنُ أبي أويسٍ (٧): المُنِقُّ بالكسرِ: نَقِيقُ (٨) أصواتِ المَواشِي والأنعامِ؛ تصفُ كثرةَ مالِهِ. وقال أبو سعيدٍ النَّيسابُورِيُّ (٩): هو مأخوذٌ منْ نَقْنَقَةِ الدَّجاجِ، يُقالُ: أَنَقَّ الرَّجلُ إذا كان له دجاجٌ تُنَقْنِقُ، أي أنَّهم أهلُ طيرٍ أيضًا.

стр. 227

وقال أبو مَرْوان ابنُ سِراجٍ (١): ويجوز أن يكونَ: «مُنْقٌ»، بالإسكانِ إنْ كانَ رُوي، أي: وأنعامٌ ذاتُ نِقْيٍ، أي: سِمانٌ. مَعْنَاهُ: وصفتْهُ: أنَّه نقلَها مِنْ شَظَفِ عيشِ أهلِهَا وتبلُّغِهِم بغُنَيْمَتِهِم (٢)، إلى أهلِ الثَّروةِ، والأموالِ / الواسعةِ، مِنَ الخيلِ والإبلِ والرِّحالِ والزَّرعِ والبقرِ، والدَّوابِّ الدَّائسةِ، والعبيدِ والخولِ، والآلاتِ المُنَقِّيةِ للأطعمةِ، المصلحةِ لها، والماشيةِ الكثيرةِ، والطَّيرِ المُتَنعَّمِ بأكلِها؛ وذلك أنَّ أصحابَ الغنمِ أهلُ شظفٍ أو كفافٍ وعدمِ / ثروةٍ. ومنْ دُعاءِ العَربِ: / إنْ كنتَ كاذِبًا؛ فحلبْتَ قاعِدًا (٣). أي: صارَ مالُك غنمًا يحلبُها القاعِدُ. وبِضدِّ هذا أهلُ الخيلِ والإبلِ. وقد قال ﷺ : «الفَخْرُ والخُيِلاءُ فِي أهلِ الخَيْلِ والإبِلِ الفَدَّادِينَ أهلِ الوَبَرِ، والسَّكِينةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ» (٤). فأخبرتْ هذِه بانتقالِها منْ تِلكَ الحالَةِ إلى هذه، ورغَدِ عيشِها بِألبانِ هذِه المواشِي ولحومِها، وغيرِ ذلك منَ الأطعمةِ، لاسيما بإشارتِها / بما يُداسُ وينقَّى إلى الخُبزِ، وكان / أرفعَ أغذيةِ العربِ وأعزَّ أطعمتِها؛ إذ لا يجدُهُ منهم

стр. 228

إلَّا الكثيرُ الثَّروةِ، ومن قاربَ الأريافَ والحواضِرَ، وإلَّا فأكثرُ أطعمتِهم إنَّما كانتْ اللحومَ والألبانَ والتَّمرَ، وعليه تَدُلُّ أشعارُهم. ومِنْ غرابةِ أكلِ الخُبزِ وعِزَّتِه عندَهم: ما سُمِّي عبدُ اللهِ بنُ حبيبٍ العنْبَرِيُّ «آكل الخبز»؛ لاقتصارِه عليه، ورغبتِه عن غيرِه (١). ولهذَا قال كِسْرَى أبْروِيز لهَوْذَةَ بنِ عليٍّ- وقد أعجبَهُ كلامَهُ- ما غِذَاؤكَ في بلادِك؟ قال: الخُبْزُ، فقالَ كِسرَى: هذَا عَقْلُ الخبزِ لَا عقْلَ اللبنِ والتَّمرِ (٢). ومن غرابَتِهِ: حديثِ أبي بَرْزَةَ (٣) قوله: «وكنتُ أسمعُ أنَّ منْ أكلَ الخُبْزَ سَمِنَ ... (الحديثُ) (٤)، فَجعَلْنِا نأكُلُ وننظُرُ هلْ سَمِنَّا؟ إذ وجَدُوا خُبْزَةً تُخبَزُ (٥)» ... الحديثُ (٦).

стр. 229

وَغَرِيبُ قَوْلِهَا: «فَعندَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ» ، أي: يُقبَّحُ قولِي عليَّ ويُرَدُّ. وقولُها: «أتَقَمَّحُ»، قال أبو عُبيدٍ (١): أي: أُروَى / حتَّى لا أحبَّ الشُّربَ، مأخُوذٌ مِنَ النَّاقةِ المُقامِحِ، وهي الَّتي تَرِدُ الحوضَ فلا تشربُ وترفعَ رأسَها رِيًّا. ومَنْ رواهُ: «فَأَتَقَنَّحُ» بالنَّون، فإنَّ أبا عُبيدٍ (٢) / قال: لَا أعرِفُهُ، ولا أرَى المحفوظَ إلَّا بالمِيمِ. قال الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: وحكي أبو عليٍّ القالِي في كتابِيه: «البارِعِ»، «والأمَالِي» (٣): يُقالُ: قَنَحَتْ الإبِلُ تَقْنَحُ، بِفتحِ النَّونِ في الماضِي والمستقبلِ، قَنْحًا بإسْكانِ النُّونِ. وقال شِمْرٌ: قَنْحًا، إذا تكارهَتْ الشُّربَ بعد الرِّيِّ، وأكثرُ كلامِهِم: / تَقَنَّحَتْ تَقَنُّحًا، قالَه أبو زيدٍ، وقال نحوَه ابنُ السِّكِّيتِ وأبو حنِيفةَ، فهما إذًا بمعنًى (٤). والمِيمُ تتوارَدُ مع النُّونِ كثيرًا، مثل: غَيْن وغَيْم، وامْتُقِعَ وانْتُقِعَ. وقال شِمْرٌ (٥) عن أبي زيدٍ: التَّقنُّحُ: الشُّربُ فوقَ الرِّيِّ.

стр. 230

قال ابنُ حبيبٍ (١): هو الرِّيُّ بعدَ الرِّيِّ، قالَهُ ابنُ أبي أُوَيْسٍ (٢). وقال أبو سَعِيدٍ (٣): هو الشُّربُ على رِسْلٍ لكثرةِ اللبنِ؛ لأنَّها ليستْ تُناهِبُ غيرَها الشُّربِ، إنَّما يُناهَبُ عند القِلَّةِ مخافةَ عَجْزِهِ. وقال يَعقُوبُ (٤): «أتَقَنَّحُ»: لا يقْطَعُ عليَّ شُرْبِي. ومنْ رَوَاهُ: / «أَتَفَتَّحُ» بالفاءِ والتَّاءِ- فإنْ لمْ يكُنْ وهمًا- فمعناهُ عندِي التَّكبُّرُ والزَّهوُ. قال ابنُ دُرَيْدٍ (٥): الفُتْحَةُ: التِّيهُ والتَّكَبُّرُ، يُقالُ: في فُلانٍ فُتْحَةٌ. ومثلُه في «العَينِ» (٦) للخَلِيلِ، ويكونُ هذا التِّيهُ والكِبرُ مِنَ الشَّرابِ لِنِشوَةِ سُكْرِهِ، [كَمَا] (٧) قال حسَّانُ (٨): وَنَشْرَبُهَا فَتَحْسَبُنَا (٩) مُلُوكًا ... وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللِّقَاءُ

стр. 231

وقال المُنَّخَلُ (١): وَإِذَا شَرِبْتُ (٢) فَإِنَّنِي ... رَبُّ الخَوَرْنَقِ والسَّدِيرُ أو راجعًا على الجملةِ؛ لِعزَّتِها عنده، وكثرةِ الخيرِ لديها، / فهي تزهُو لذلك. أو يكونُ: «أتَفَتَّحُ»، كنايةً عن سِمَنِ جِسمِها / واتِّساعِه، يُقالُ: بابٌ فُتُحٌ: إذا كانَ واسعًا (٣). وقولُها: «أتَصَبَّحُ» أي أنامُ الصُّبْحَةَ، وهي نومُ أوَّلِ النَّهارِ (٤). وقولُها: «وَآكُلُ فَأَتَمَنَّحُ»، أي أُطعِمُ / غيرِي، يقالُ: مَنَحَه يمْنَحُه ويمْنِحُه إذا أعطَاه، / وأصلُهُ مِنَ المِنْحَةِ والمَنِيحَةِ، وهو أنِ يجعلَ الرَّجلُ للرَّجُلِ لبنَ شاتِهِ أو ناقَتِهِ مُدَّةً ثمَّ يردُّها، ثمَّ جُعلتْ كلُّ عَطيَّةٍ مِنْحَةً (٥). وجاءتْ بلفظةِ: «أَتَفَعَّلُ» الَّتي تقتضِي تكرارَ الفعلِ ومُلازمَتِهَ للفاعلِ، ومطالبَةِ نفسِهِ أو غيرِهِ به، فكأنَّها تطلُبُ مِنْ نفسِها مَنْ تَمْنَحُهُ، أو تحرِّكُ لذلك غيرَها لِتُفْضِلَ عليه بما فضلَ مِنْ مأكُولِها لكثْرَتِهِ.

стр. 232

مَعْنَاهُ: وصفَتْ هذِه بِرَّ زوجِها بِهَا، وتدَلُّلَها عليه، وترفِيهَهُ لها، وكثرَةَ إحسانِه إليها، فوصفَتْ أنَّه لا يرُدُّ قولَها، ولا يُقبِّحُ عليها ما تأتِي به منْ كلامٍ، لإكرامِه إيَّاها، وميلِه إليها وعزَّتِها عنده، وهذا ممَّا يدل على العِزَّةِ، كما قال السَّمَوْأَلُ (١): ونُنْكِرُ إِن شِئْنَا علَى النَّاسِ قَوْلَهَمْ ... وَلَا يُنكرُونَ القَوْلَ حِينَ نَقُولُ وأنَّها تنامُ صُبحتَها، ولا تُنبَّهُ من نومِها حتَّى تَنتَبِهَ؛ ترفيهًا لها، ودلَّ مِنْ هذا الفصلِ أنَّ غيرَها يقومَ بمؤنةِ بيتِها، ومهنةِ أهلِها، وأنَّ لها منَ الخدمِ من يكفِيها ذلك؛ فلذلك تصبَّحتْ في نومِها، كما قال امرُؤ القَيْسِ (٢): ............................. ... نَؤُومُ الضُّحَى لَمْ تَنْتَطِقْ عن تَفَضُّل / وقال الحُطَيْئَةُ (٣): ............................. ... وَلَا تَقُومُ بِأَعْلَى الفَجْرِ تَنْتَطِقُ أي تشدُّ نطاقَها / للخدمةِ، وأنَّها تشربُ حتَّى لا تجدُ له مساغًا فتكرهُ الشُّربَ بعدُ لتمامِ رِيِّهَا، أو أنَّها لا يُقلَّلُ مشروبُها، ولا تُنَاهَبُ، ولا يُقطعُ عليها،

стр. 233

حتَّى تتِمَّ شهوتُها فيه، لكثرتِه وكرامتِها، كما قال النَّابِغةُ (١): وتُسْقَى إذَا مَا شِئتَ غَيْرَ مُصَرَّدٍ ... ................................. / أو أنَّها تعترِيها لذلك نشوةٌ وتِيهٌ، وأنَّها تأكلُ وتفضُلُ لها فضلاتٌ تمنحُها سواها. وجاءتْ فاءُ التَّعقيبِ المُقتضِيَةُ: أنَّ إعطاءَهَا ومنحتَها كانتْ بعدَ أكلِها / وتمامِ حاجَتِها، أو أنَّها قد سَمِنتْ عندَه وحَسُنَ جِسمُها. تَنْبِيهٌ: قالَ أبو عُبيدٍ (٢): ولَا أرَاهَا قالَتْ ذلك إلَّا مِنْ عِزَّةِ الماءِ عندهم، يعنِي قولَها: «أشربُ فأَتَقَمَّحُ». قالَ الفَقِيهُ القَاضِي أَيَّدَهُ اللهُ: عَنى أبو عُبيدٍ ﵀: أنَّها لا تفخرُ بالرِّيِّ منَ الماءَ إلَّا وهو عزيزٌ. والعجبُ منه! وما اضطرَّه إلى هذا التَّأويلِ؟ وكأنَّه لا شرابَ إلَّا الماءُ، فأينَ أنواعُ اللَّبنِ، والخمرِ، والنَّبيذِ، والسَّويقِ (٣)، وسائرِ أشربةِ العربِ الَّتي كانوا يستحلُّونَها ويستعملونَها من:

стр. 234

صَرِيفٍ (١)، وضَرِيبٍ (٢)، وصَرِيحٍ (٣)، ورَحِيقٍ (٤)، ونَبِيذٍ (٥)، ومِزْرٍ (٦)، وجِعَةٍ (٧)، وبِتْعٍ (٨)، وفَضِيخٍ (٩)، وطِلَاءٍ (١٠)، وبَاذِقٍ (١١)، وسَوِيقٍ؟

стр. 235

بل كانوا يَذُمُّون بشربِ الماءِ، ويهجُونَ به، / كما قال بعضُ الهُذَلِيِّين (١): وَمَنْ تَقْلِلْ حَلُوبَتُه ويَنْكُلْ ... عَنِ الأَعداءِ، يَغْبُقُهُ القَراحُ / أي: مَنْ قلَّ مالُه وجبُنَ عن الغاراتِ ولم يُصبْ الغنائمَ (٢)، رجعَ شرابُه الماءَ القراحَ، لإعوازِهِ اللبنَ، وقال الآخرُ (٣): / أُقَسِّمُ جِسْمي في جسومٍ كثيرةٍ ... وأَحْسُو قَرَاحَ المَاءِ والمَاءُ بَارِدُ أي: أُوثِرُ أضيافي وجِيرَتي بمطعومِي ومشروبِي، وأقنعُ بشظفِ العيشِ وشربِ الماءِ القَراحِ الباردِ. بل الَّذي أرادَتْ اللبنَ وشبهَهُ، واللهُ أعلمُ. وكانَ عُمْدَةُ أغذيةِ العربِ على اللبنِ، وهو القائمُ مقامَ طعامِها وشرابِها، وفي الحديثِ: «لَيْسَ شَيءٌ يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ والشَّرَابِ إلَّا اللَّبَنُ» (٤).

стр. 236

وفي حديثِ بدرٍ قال: «مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ، أَمَا لَكُمْ رَغْبَةٌ / فِي اللَّبَنِ؟ » (١).

стр. 237

أي في الغذاءِ، فيكونُ منْ ذلك بأيدِيكُمْ إبِلٌ ذات لبنٍ، أو مالٌ يُتوصَّلُ به إلى اللبنِ، ففيه كانَ غالبًا رغدُ عيشِهِم، وطيبُ مطعمِهِم، فهذا معنى قولِها- واللهُ أعلمُ- إذْ لم يُذكرْ في أكثرِ الأحاديث سِوَى المشروبِ. وقد يكونُ قولُها: «أَشَرَبُ» كنايةً عن الشُّربِ والأكلِ لِصُحبةِ أحدِهما الآخر، وقد استعملتْ العربُ أحدَهما مكانَ صاحبِه، قال الشَّاعرُ (١): * شَرَّابُ ألبَانٍ وتَمْرٍ وأقِطْ * ولا يَحتاجُ إلى هذا إنْ ثَبَتَتِ (٢) الزِّيادةُ المذكورةُ في الأكلِ منْ قولِها: «وَآكُلُ فَأَتَمَنَّحُ».

стр. 238

وَغَرِيبُ قَوْلِهَا فِي أُمِّ أَبِي زَرْعٍ: «عُكُومُهَا رَدَاحٌ»، قال أبُو عُبيدٍ (١) وغيرُ واحدٍ / منَ الأئمَّةِ: العُكومُ: الأحمَالُ والأعدَالُ / والهَيْئاتُ (٢) الَّتي تجمعُ الأطعمةَ والمتاعَ، وأحدُها عِكْمٌ. والرَّدَاحُ (٣): العِظَامُ (٤) الكثيرةُ الحشوِ. قال الهرويُّ (٥): الثَّقِيلةُ، ومنه قيلَ للكتِيبةِ الواسعةِ: رَدَاحٌ، إذا كانت ثقيلةَ السَّيرِ لِكثرةِ من فيها، ويقالُ للمرأةِ: رَدَاحٌ، إذا كانتْ عظيمةَ الأكفالِ، ثقيلةَ الأوْرَاكِ، وجَفْنةٌ رداحٌ: عظيمةٌ، / وجَملٌ رَداحٌ: عظيمٌ (٦). وقال ابنُ حبيبٍ -فيما قرأتُه مضبوطًا في كتابِه ولمْ أرْوِهِ سماعًا-: إنَّما هو «دِرَاحٌ»، أي: مِلَاءٌ، كذا سمعتُ ابنَ أبي أُويسٍ (٧) يقولُ: وليسَ كما قال شارحُ العِراقيين: الرَّداحُ غيرُ هذا. قَالَ الفَقِيهُ القَاضِي ﵁: ما قالَه أبُو عبيدٍ وغيرُه صحيحٌ معروفٌ، ومعناه ظاهرٌ، ولا أدري لِم أنكرَهُ ابنُ حبيبٍ، وهو بنفسِه معنى ما فسَّرهُ هو به مع مساعدةِ سائرِ الرُّواةِ لِما قالَهُ

стр. 239

أبُو عبيدٍ؛ فإنَّ روايتَهم كلهم: «رَدَاحٌ»، لا كما قالَهُ ابنُ حبيبٍ عن ابنِ أبي أُويسٍ: «دِرَاح»، لم يذكرْها غيرُه ولا شرحَها سواه، ولا سمِعناها مِنْ شيخٍ، / ولا وَجدتُ هذه اللفظةَ في جماهيرِ اللغةِ، وصحاحِ العربيَّةِ، إلَّا أنْ تكونَ مِنْ قولِهم: رجل دِرْحايةٌ، أي ضخمٌ، حكى ذلك ابنُ دُريدٍ (١) قال: وهو من الدَّرْح وهو فِعْلٌ مُمَاتٌ، وأنشد (٢): * عَكَوَّكٌ إذا مَشَى دِرْحَايَة * وفي كتاب «العين» (٣): الدِّرْحايَةُ: القصيرُ. وقال يعقوبُ (٤): الدِّرحَاية: القصيرُ الكثيرُ / اللَّحمِ. إلَّا أنْ يكونَ قد وُهِمَ عليه، وإنَّما أرادَ: / «رِدَاح» بكسر الرَّاء، وأنكرَ فتْحَها فقط، فلقولِه وجهٌ، ويكونُ: / «رِدَاحٌ» هاهنا بمعنى ما قال أبُو عُبيدٍ، لكنَّه جمعُ: رَادِحٍ، كقائم وقِيام. ومنه الحديث: «إنَّ مِنْ وَرَائِكُم فِتَنًا رَادِحَةٌ» (٥)، وكذَا وجدتُهُ مضبوطًا عند بعضِ رُواةِ هذا الحديثِ بكسرِ الرَّاءِ.

стр. 240

عَرَبِيَّتُهُ: قولُها: «عُكُومُهَا رَدَاحٌ»، اعْلَمْ أنَّ وجهَ إعرابِ «رَدَاحٌ»: أنْ يكونَ خبرًا لمبتدإٍ مُضمرٍ، ولا يصحُّ أنْ يكونَ خبرًا للعُكومِ؛ لأنَّ العُكومَ جمعٌ واحدُها: عِكْمٌ، والرَّداحُ واحِدٌ جمعُه: رُدُحٌ، ومنه حديثُ عليٍّ ﵁ في وصفِهِ الفتنَ: «مُتَمَاحِلَةٌ رُدُحٌ» (١)، أي طوِيلةٌ عظيمةٌ.

стр. 241

وقال الشَّاعرُ (١): إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى (٢) عَلَيهَا (٣) ... لُبَابُ الْبُرِّ يُلْبَكُ بِالشِّهَاد فلا يصحُّ أنْ يكونَ: «رَدَاحٌ» خبرًا للعُكُومِ؛ لأنَّه لا يُخبَرُ عن الجمعِ بالواحدِ إلَّا على حدٍّ منَ المَجازِ، وإلَّا أحرفًا مسموعةً، مثلَ قولِهم: دِرْعٌ دِلاصٌ (٤)، وَأَدْرُعٌ دِلاصٌ، وقد قيلَ: دُلُصٌ. وامرأةٌ هِجَانٌ (٥)، ونِسْوَةٌ هِجَانٌ، وقد قيلَ: هَجَائِنُ. وشِمالٌ للواحدِ والجمعِ، وفُلْكٌ للواحدِ والجمعِ في أحرفٍ قليلةٍ. وقيلَ: منه قولُهم: رَجُلٌ سَلَمٌ، وخَصْمٌ، وعَدُوٌّ، وقومٌ سَلَمٌ، وخَصْمٌ، وعَدُوٌّ، في أحرفٍ سُمِعتْ. وقد اختلفَ / أهلُ العربيَّةِ في قولِه تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. / فقالَ بعضُهم: هو واحدٌ، / وذهب المُبرّدُ (٦) إلى أنَّه جمعٌ، وقرأَ الحسنُ: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطواغيت﴾. قال سِيبَويْه (٧): هو اسمٌ واحدٌ / مؤنثٌ يقعُ للجمعِ كهيئتِهِ للواحدِ، وقال الفارِسِيُّ (٨): هو مصدرٌ كالرَّغبُوت والرَّهبُوت، كما قال:

стр. 242

............... ... فهُمْ رِضًا وهُمُ عَدْلُ (١) وأمَّا رأسُ هذا العلمِ ومُقتدَى القومِ الخليلُ بنُ أحمد (٢) ﵀ فلهُ في هذِه الكلماتِ مذهبٌ، فعندَه أنَّ هِجانًا واحدٌ معَ الواحدِ، جمعٌ معَ الجمعِ، وأنَّه عنده في الجميعِ بمنزِلةِ: ظِرَافٌ. قال الفَارِسِيُّ (٣) ﵀: كأنَّهم كسَّرُوا فِعالًا على فِعالٍ، كما كسَّروا فُعْلًا على فُعْلٍ، في قولِهم: فُلْكٌ للواحِدِ والجمعِ، قال: فالحركة الَّتي في: «هِجَان» للجمعِ ليستْ الَّتي في المفردِ. فإنْ ألحقْنَا هذا بما ذكرنَاهُ وأدخلنَاهُ في بابِهِ على اختلافِ مذاهِبِهم، توجَّهَ؛ لكونِه مسمُوعًا في هذا الحديثِ. أو تَجْعَلُ: «رَدَاحًا» مصدرًا، كالذِّهابِ والثَّباتِ والطَّلاقِ والكمالِ، فيكونُ خبرًا للعُكُومِ، كما قالُوا: قومٌ عَدْلٌ، ورِضًا، على قولِ بعضِهم: إنَّها مصادرُ. أو يكونُ على طريقِ النِّسبةِ والإضافةِ، أي: عُكومُها ذاتُ رَدَاحٍ، كما قال الخليلُ (٤) -رحمه الله تعالى- في قولِه تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذاتُ انْفِطارٍ.

стр. 243

أو تكونُ أرادتْ بعُكُومِها: الكَفَلُ، فقالَتْ: «رَدَاحٌ» وردَّتْه على الكَفَلِ الَّذي كنَّتْ عنه بالعُكومِ لِعظمِهِ، فكان «رَدَاحٌ» خبرًا له حملًا على المعنى إذا كان واحدًا، كما قال (١): ............................. ... ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِرُ فأتتْ (٢) حملًا على / المعنى إذْ كنَّ نساءً، وإلَّا فوجهُهُ: / أنْ يكونَ «رَدَاحٌ» خبرَ مبتدإٍ مُضمرٍ دلَّ عليه ما قبله، / وتقديرُ ذلك: عُكومُها كلُّها رَدَاحٌ، أو عُكُومُها كلُّ عُكمٍ منه رَدَاحٌ كما قال علقمةُ (٣): ........................... ... جُدُورُها (٤) مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمُومُ / على روايةِ من رواهُ بالجيمِ، أي: جُدُورُها كلُّ جدرٍ مِنها أوكلّها مطمومٌ، أي: مملوءٌ، والجدورُ جمعُ جدرٍ، وهي حَواجِزُ الشَّرَبَّاتِ الَّتي تحبسُ الماءَ في أصولِ النَّخلِ. وأنشدَ بعضُ النُّحاةِ عليه قولَ الأسودِ بنِ يَعفُرَ؛ يصفُ جَفنةً:

стр. 244

.......... ... تَرى جوانِبَها بالشّحْمِ مَفْتُوقا (١) أي: تَرى كلَّ جانبٍ منها مَفتوقًا، ولمْ تُقَبِّحْ هذِه المجازاتُ كلامَها (٢)؛ لأجلِ الازدواجِ والتَّسجيعِ، على حدِّ كلامِ العربِ ومذهَبِهِم في الإتباعِ لمناسبةِ الكلماتِ ومقابلةِ المقاطعِ. وقولُها: «فَيَاحٌ»، الفياحُ والفَساحُ بمعنى واحدٍ، أي: بيتُها واسعٌ، يقالُ: بيتٌ فَسيحٌ وفَساحٌ، ودارٌ فيحاءُ، أي متَّسِعةٌ، وبيتٌ أَفُيحُ، ومنه الحديثُ / في شدَّةِ الحَرِّ: «إنَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» (٣)، أي: مِنْ سِعَةِ حَرِّهَا وانْتِشارِهِ. ومَنْ رَواهُ: «فَيَّاحٌ» فعلى بابِ المبالغةِ. مَعْنَاهُ: وصفتْها بسعةِ المالِ وكثرةِ الخيرِ والآلاتِ، وسعةِ فناءِ البيتِ وكِبَرِهِ، وهذا لا يكونُ إلَّا مع الوجدِ، وقد يحتملُ أن يكونَ كنَّى بالعُكومِ ورَدَاحتِها عنْ كَفَلِها وعِظَمِهِ، / كما قالوا: جاريةٌ رداحٌ، أي عظِيمةُ الكَفَلِ، وجعل لِلكَفَلِ (٤) عُكُومًا وهو جمعٌ؛ لعظمِهِ، كأنَّ كلَّ ناحيةٍ منه عُكْمٌ. وكنَّى بسعةِ البيتِ وفَسحةِ الفِناءِ عنْ كثرةِ خيرِهِ، ورغدِ عيشِهِ، والبِرِّ بنازلِهِ، كما كنَّوا بالرَّحْبِ عنْ ذلِك في قولِهم: مرحبًا، وقالُوا: فُلانٌ رَحْبُ المنزلِ،

стр. 245

ولا يُريدون سَعَةَ قَطْرِهِ، بل كثرَةَ خيرِهِ، ووفُورَ بِرِّهِ، فيكونُ لكلِّ فقرةٍ من هذا الفصلِ معنيان. ووقع في بعضِ رواياتِ / شيوخِنا في هذا الفصلِ: «أمُّ زَرْعٍ وَمَا أُمُّ زَرْعٍ؟ » (١). فإنِ صحَّتْ هذِه الرِّوايةُ فإنَّها إنَّما وصفتْ نفسَها، وكذا حدَّثنا بها بعضُ ثقاتِ شيوخِنا عنْ أبي العبَّاسِ العُذْرِيِّ. وَغَرِيبُ قَوْلِهَا في ابْنِ أَبِي زَرْعٍ: «كَمَسَلِّ الشَّطْبَةِ» قال أبو عُبيدٍ، والحربيُّ (٢): وأصلُ الشَّطْبَةِ: ما شُطِبَ من جريدِ النَّخلِ، وهو سَعَفَهُ، وهو أن يُشقَّ منه قضبانُ رقاقٌ تُنسجُ منها الحُصْرُ. قال يعقوبُ: / الشَّطْبَةُ: الشَّقَّةُ (٣) مِنْ سَدَى الحُصْرِ. وقال ابنُ الأعرابيِّ وأبو سعيدٍ النَّيسابورِيُّ (٤): أرادَ بِمَسَلِّ الشَّطبةِ: سيفًا سُلَّ منْ غِمْدِهِ.

стр. 246

وقال ابنُ حبيبٍ (١): الشَّطبةُ: العُوَيْدُ المحددُ كالمَسَلَّةِ. و«الجَفْرَةُ»: الأُنثى مِنْ أولادِ / العنزِ، والذَّكرُ: جَفْرٌ وهو ابنُ أربعةِ أشهرٍ، كذا قال أبو عُبيدٍ وغيرُه (٢)، وجمعُه جِفَارٌ. وقال ابنُ الأنبارِيِّ (٣): هوَ مِنْ ولدِ الضَّأنِ. وكذا قال ابن دُرَيْدٍ (٤)، قال: / وهو الثني منها. وفي كتابِ «العَيْنِ» (٥): الجفرُ من أولادِ الشِّياهِ، ما اسْتَجْفَرَ أي: صارَ لهُ بطنٌ. قال الهروِيُّ (٦): الجَفْرُ: منْ أولادِ الغَنَمِ، فإذا أتى على ولدِ الغنمِ أربعةُ أشهرٍ وفُصلَ عنْ أمِّهِ وأخذَ في الرَّعْيِ، قيلَ له: جَفْرٌ. و«الفَيْقَةُ»: ما يجتمعُ في الضَّرعِ بين الحَلْبتَينِ، والفُواقُ: ما بين الحلبتينِ (٧). و«اليَعْرَةُ» العَناقُ، والذَّكرُ: اليَعْرُ (٨).

стр. 247

وقولُها: «ويَمِيسُ»: يَتَبَخْتَرُ (١). و «النَّثْرَةُ»: الدِّرْعُ، وهو ما لطفَ منها، كذا قال الهروِيُّ (٢)، وقال نحوه ابنُ الأنباريِّ، قال: هي القصِيرةُ. وعند الخليلِ (٣) ﵀: هي السَّلِسَلةُ المَلْبَسِ. وقال الثَّعالبِيُّ، وثابتٌ (٤): إنَّها الواسعةُ، ومثلُهُ: النَّثْلَةُ، والزَّغْفَة، والفَضْفَاضَةُ (٥). مَعْنَاهُ: وصفَتْهُ بأنَّه مُهَفْهَفُ الخَلْقِ، ضَرْبُ (٦) اللحمِ، ليس ببطينٍ / ولا جَظٍّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ (٧)، وكنَّتْ عنْ ذلك / بأنَّ مضجعَهُ الَّذي ينامُ فيه في الضِّيقِ كمَسَلِّ شطبةٍ واحدةٍ إذا سُلَّتْ من الحصيرِ فبقِي مكانُها فارغًا بين أخواتِها، وهو مما يتمادَحُ به رجالُ العربِ، أو أنَّه مثلُ غِمْدِ السَّيفِ، وهو قريبٌ من الأوَّلِ.

стр. 248

قال أبو سعيدٍ (١): شَبَّهَتْهُ بِسَيْفٍ مَسْلُولٍ ذِي شُطَبٍ يَمانٍ، وَسُيُوفُ الْيَمَنِ كُلُّهَا ذَاتُ شُطَبٍ. قالَ ابنُ حبيبٍ: عنَتْ أنَّه خفيفُ المُؤنةِ مُهَفْهفٌ، وقد شبَّهتْ العربُ الرِّجالَ بالسُّيوفِ، فوجهُ تشبيهِهَا بذلك: / إما لخشونَةِ جانِبِها ومَضائها، أو جمالِ رونقِها ولَأْلَائِها، أو كمالِ صورتِها في اعتدالِها واستوائِها، كما قال الشَّاعرُ (٢): يُشَبَّهُون سُيُوفاً في صَرائِمِهمْ ... وطولِ أَنْضِيَةِ الأعناقِ والأُمَمِ (٣) وقال آخر (٤): ............................... ... كَأَنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ وقال آخر (٥): في فِتيةٍ كسُيوفِ الْهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أَنْ هَالِكٌ كلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ

стр. 249

/ وقال الأعشى (١): وَيُصْبِحُ كَالسَّيفِ الصَّقِيلِ إِذَا غَدَا ... عَلَى ظَهْرِ أنْمَاطٍ لَهُ وَوَسَائِدَا وقالَتْ الأعرابيةُ: «أحِبُّهُ بَازِلَ عامِ، كالمُهنَّدِ الصّمْصَامِ» (٢). وكذلك أيضًا شَبَّهُوهُم بالرِّماحِ، كمَا قال (٣): هُمَا رُمْحَانِ خَطِّيَّانِ كَانَا ... مِنَ السُّمْرِ المُثَقَّفَةِ الصِّعَاد وقال الآخر (٤): .............................. ... مَصَالِيتُ أَمْثَالَ الرُّدَيْنِيَّةِ السُّمْر ثم وصفتْهُ بقلَّة الأكلِ والشُّربِ، وهو مِمَّا يتمادحُ به أيضًا كما تقدَّمُ، ثمَّ وصفتْهُ بأنَّه صاحبُ حربٍ وشكةٍ وخيلاءٍ في موضعِ القتالِ. وَغَرِيبُ قَوْلِهَا فِي ابْنَتِهِ: «صِفْرُ رِدَائِهَا»: الصِّفْرُ: الخَالِي الفارغُ (٥). وقولُها: «غَيْظُ جَارَتِهَا»: أي: ضَرَّتِها، ويحتملُ أيضًا أنْ تكونَ الجارةُ

стр. 250

بالسُّكنَى؛ فالضَّرَّةُ إنَّما سُمِّيتْ جارةً لِمجاورتِها / ضرَّتَها، وتُسمَّى الزَّوجةُ جارةً- أيضًا- لمجاورتِها الزَّوجَ، / قال الشَّاعرُ (١): أَيَا جَارَتَا بَيْنِي فَإِنَّكَ طَالِقَةْ ... .................................... و«عَقْرُ جَارَتِهَا» في روايةِ منْ رواه، وكذا أخرجهُ مسلمٌ في «صحيحِهِ» (٢) عنْ الحسنِ بنِ عليٍّ الحُلْوانِيِّ: أي: دَهَشُ جَارَتِهَا. قال صاحبُ / كتابِ «الجَمْهرةِ» (٣): عَقِرَ فَلَانٌ عَقَرًا: إذَا خَرِقَ مِنْ فَزَعٍ. قال صاحبُ كتابِ «العَيْنِ» (٤): عَقِرَ الرَّجلُ: إذَا دَهِشَ، وقد قال أهلُ المعاني في قولِ الشَّاعرِ (٥): ............. وَتَنَفَّسَتْ ... كَتَنَفُّسِ الظَّبْيِ العَقِير إنَّه الدَّهِشُ، وقد يكونُ أيضًا منَ العَقْرِ الَّذي هو القتلُ، منْ قولِهم: عَقِرَ

стр. 251

الرَّجلُ إبِلَه، أي نحرَها، ومنه: كلبٌ عقورٌ، وفرسٌ عقيرٌ، وصيدٌ عقيرٌ، وأصلُهُ منْ عَقْرِ النَّخْلِ، وهو قطعُ رأسِهَا فتهلِكُ، ويكونُ هذا بمعنى الرِّوايةِ الأخرى: «حَيْنُ جَارَتِهَا»، وهي روايةُ شيخِنا القاضي التَّمِيمِيِّ / في بعضِ طرقِ النَّسائيِّ، وكذلك قيَّدَهُ بخطِّهِ على (١) أبي عليٍّ الحافظِ، فالحَيْنُ: الهلاكُ. أو يكون من العَقْرِ الَّذي هو الجَرْحُ. قال الخليلُ (٢) -رحمه الله تعالى-: العَقْرُ كالجَرْحِ، ومنه قولُهم: سَرْجٌ مِعْقَرٌ، إذا كانَ يعقِرُ ظهرَ الدَّابَّةِ، أي يجرحُهُ، ومن معنى ما تقدَّمَ في قولِهم: كلبٌ عقورٌ، أي يجرحُ، وصيدٌ عَقِيرٌ، أي مجروحٌ. ومنْ رواهُ «عُبْرُ جَارَتِهَا» حكى ذلك الهروِيُّ (٣)، والأنبارِيُّ، وهي روايةُ الهيثمِ بنِ عدِيٍّ، فمِنَ العَبْرَةِ الَّتي هي البُكاءُ، أو العِبْرَةُ الَّتي هي الاعتبارُ. أي أنَّ / ضَرَّتَهَا تبكِي حسدًا لِما تراهُ منها مِنْ خَلْقٍ أو / خُلُقٍ، أو تعتبرُ من ذلك. قال [ابنُ] (٤) الأنبارِيَّ (٥): معناه أنَّ ضَرَّتَها ترى منها ما يُعْبِرُ عينَها، أي يُبكِيها، قال: وفيه معنى / آخر: أنَّها تَرى مِنْ عِفَّتِها ما تَعتبِرُ به. ومن رواهُ: «غَيْرُ جَارَتِهَا»، وكذا رُوِّينَاهُ في بعضِ الأحاديثِ المشهورةِ (٦) عنْ أبي بكرٍ مُحمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الفقيهِ منْ رِوايةِ أبِي سلمةَ المِنْقَرِيِّ، فهو منَ الغَيْرَةِ.

стр. 252

قال الخليلُ (١) ﵀: غارَ الرَّجلُ غارةً (٢) وغَيْرًا (٣) فهو غَيْرَانُ، فكأنَّ الهاءَ حُذفتْ وأُبدِلتْ مِنَ الألفِ ياءٌ. وقد حكى غيرُه: الغَيْرَةُ، والغَيْرُ، والغَارُ بمعنًى. والغَيرُ أيضًا مصدرُ غَارَ أهلَهُ، أي: مَارَهُمْ، قالَهُ (٤) ابنُ دُريدٍ (٥). ومن رَواه: «حَيْرُ» فمِنَ الحَيْرَةِ، وكذا وقعَ في كتابِ النَّسائِيِّ عند بعضِهم، وأرَاهُ هكذا عندَ ابنِ الأحمرِ القُرَشِيِّ. قال صاحبُ «العَيْنِ» (٦): حارَ بصَرُهُ يَحارُ حَيْرًا وحَيْرَةً، إذا نظرَ إلى الشَّيءِ فعَشِيَ (٧) وتَحَيَّرَ، واسْتَحَارَ إذا لمْ يهتَدِ لسبيلِهِ فهو حَيْرانُ. وهذه الألفاظُ كلُّها بمعنًى متقاربٍ مِنَ الرِّوايةِ المشهورةِ، أعني: «غَيْظُ جَارَتِهَا». ومَنْ رَواهُ: «حَبْرُ» بالباءِ- وكذا وجدْتُه في بعضِ الأصولِ ولم أروِهِ- فإنْ صحَّ فهو مِنْ معنى قولِها قَبْلُ: «طَوْعُ أبِيهَا وأُمِّهَا، وَحَبْرُ جَارَتِها»، أي: مَسَرَّةُ مُجاوِرَتِهَا، ولا تكونُ الجَارةُ هُنا الضَّرَّةُ، لكنْ المُجاورَةُ في المحلِّ والمنزلِ، فهي مسرورةٌ بما تراهُ مِنْ جمالِهَا وعِفَّتِها، أو بِمَا تُوَلِّيهَا منْ إحسانِهَا ونعمتِهَا.

стр. 253

والحَبْرَةُ (١): السُّرُورُ، ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]. / والحَبْرُ والحَبَارُ (٢): الأَثَرُ، قالُوا: ومنه سُمِّي السُّرُورُ؛ لأنَّ أثرَهُ يظهرُ في وجهِ صاحِبِهِ. مَعْنَاُه: وَصفَتْهَا بأنَّها مُمتلئةُ الجسمِ، كثيرةُ اللَّحمِ، وعبَّرتْ عنْ ذلك بامتلاءِ / كسائِها، لأنَّها لا تمتلِئ إلَّا لِعِظَمِ جسمِها، وكمالِ شخصِها، وكثرةِ / لحمِها، ونعمةِ جسمِها، وهذا مِمَّا يُمدحُ به النِّساءُ، ويُذْمَمْنَ بضدِّهِ؛ قال امرُؤ القَيْسِ (٣): / وَبَيْتِ عَذَارَى يَوْمَ دَجْنٍ وَلَجْتُهُ ... يَطُفْنَ بِجمَّاءِ المَرَافِقِ مِكْسال سِبَاطِ البَنَانِ وَالعَرَانِينِ وَالقَنَا ... لِطَافِ الخُصُورِ في تَمَامٍ وَإكمَال وقال غيرُهُ (٤): ومُخْمَلةٍ بِاللَّحْمِ مِنْ دُونِ ثَوْبهَا ... تَطُولُ الْقصَارَ وَالطِّوَالُ تَطُولُها

стр. 254

وقال الحِرْمَازِيُّ / في ضِدِّهِ (١): لا يُعجِبُ المرءَ منها حين يجعلُها ... من دون أثوابِها عَرضٌ ولا طولُ كأنَّها مِشجَبٌ سُكَّتْ مآشرُه ... أو طائرٌ من طُيورِ الماءِ مَهزولُ وقال الآخرُ (٢): في كُلِّ عُضْوٍ لَها قرْنٌ تَصُكُّ بهِ ... جَنْبَ الضَّجيعِ فيُضْحِي واهِيَ الْجَسد وفي المثلِ (٣): لو قيلَ للشَّحمِ: أينَ تذهبُ؟ لقالَ: أُصْلِحُ العِوَجَ. وعابُوا: ما خرجَ منه عنْ الحدِّ المُستحسَنِ. فعَابُوا: الفِرْضَاخَةَ (٤)، والمُفَاضَةَ (٥)، والعِفْضَاجَ (٦)، والعَضَنَّكَةَ (٧)،

стр. 255

والجَأَنَبَ (١). ومَدَحُوا: المُبَتَّلَةَ (٢)، والخَدَلَّجَةَ (٣)، والبَرَهْرَهَةَ (٤)، والعَبْهَرَةَ (٥)، والدَّرْمَاءَ (٦)، واللَّفَّاءَ (٧). وعابُوا: الدَّمِيمَةَ، / والقَصِيرَةَ.

стр. 256

ومَدَحُوا: الطَّوِيلَةَ، والعُطْبُولَ (١)، والفَارِعَةَ (٢)، والخَرْعَبَةَ (٣)، والمَمْشَوقَةَ (٤)، والمُهَفْهَفَةَ (٥)، قال الشَّاعرُ (٦): طَوِيلَةُ خَوْطِ المَتْنِ عِنْدَ قِيَامِهَا ... وَلِي بِطَوِيلَاتِ المُتُونِ وُلُوعُ وقال الآخرُ (٧): وأنتِ الَّتِي حبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرةٍ ... إليّ وَمَا تَدْرِي بِذَاكَ القَصَائرُ أَرَدْتُ قَصِيرَاتِ الحِجَالِ وَلَمْ أُرِدْ ... قِصارَ الخُطَى شَرُّ النِّساءِ البَحَاتِرُ وقال عروةُ بنُ الزُّبيرِ ﵁: ما عشِقْتُ مِنَ امرأةٍ قطُّ إلَّا شرفَها، قيلَ: طُولُها، وقيلَ: حسَبُها (٨).

стр. 257

ثمَّ وصفَتْها بِعِظَمِ الرَّوادِفِ، وقيامِ الصُّدورِ، وحسنِ بِنيةِ الكَتِفينِ، وضمورِ البطنِ، واندماجِ الخَصْرِ، بقولِها: / «صِفْرُ رِدَائِهَا»، أي: أنَّ رِداءَها كالفارِغِ الخالِي مِنها؛ إذ لا يمَسُّ منْ جسمِها شيئًا، فَرِدْفُهَا وكتِفَاهَا تَمنعُ مَسَّهُ مِنْ خلفِها شيئًا مِنْ جسمِها، ونَهْداهَا تمنَعُهُ (١) أنْ يَمَسَّ شيئًا مِنْ مُقدَّمِها، وقد قال الآخرُ (٢): أَبَتِ الرَّوَادِفُ والثَّدِيُّ لِقُمْصِهَا ... مَسَّ البُطُونِ وأَنْ تَمِسَّ ظُهُورَا وإذَا الرِّياحُ مَعَ العَشِيِ تَنَاوَحَتْ ... نَبَّهْنَ حَاسِدَةً وَهِجْنَ غَيُورَا وذهبَ الهروِيُّ (٣) إلى أنَّ معنى قولِها: «صِفْرُ رِدَائِها»، أي: أنَّها ضامِرَةُ (٤) البطنِ، والرِّدَاءُ ينتهِي إلى البطنِ. وقال أبو الحسنِ ابنُ أبي مَعْشَرٍ النَّحويُّ (٥): «صِفْرُ رِدَائِها»: تصِفُها بأنَّها خفيفةُ موضعِ الأرديةِ، / وهو أعلى بدنِهَا. و«مِلْءُ كِسائِها»: تقولُ: ممتلئةٌ موضعَ / الإزْرةِ وهو أسفلَ بدنِها. ونحوه لابنِ أبي أُويْسٍ (٦).

стр. 258

وهذا كما قال الآخرُ (١): تَساهَمَ ثوْباهَا فَفي الدِّرْعِ رَأْدَةٌ ... وفي المِرْط لفَّاوانِ رِدْفُهُما عَبْلُ وكما قال ابنُ الطَّثريَّةِ (٢): عُقَيْلِيَّةٌ أمَّا ملاثُ إزَارِها / ... فَدِعْصٌ وأمَّا خَصْرُها فبَتِيلُ ويؤيِّدُ هذا / المعنى: ما وقع في بعض الرِّوَاياتِ: «مِلءُ إزَارِهَا»، في موضعِ: «كِسَائِهَا» (٣)، فجاء مطابقًا للبيتينِ؛ فإنَّ الإزارَ هو ما ائتُزِرَ به، والمِرْطُ (٤): كساءٌ مِنْ صوفٍ مُربعٍ، كانَ النِّساءُ يَأْتَزِرْنَ به، وقد يكونُ مِنْ غيرِ الصُّوفِ. وقال ابنُ دُرَيْدٍ (٥): المرط: مِلْحَفَة يُؤتَزَرُ بهَا. فاستبانَ من هذا: أنَّ الإزارَ والكِساءَ [هَاهُنا] (٦) بمعنى: المِرْطِ في البيتِ. ثمَّ أكدَتْ الثَّناءَ عليها بأنَّها خيرُ نسائِها، أي: نساءِ وقتِها أو قومِها، وأنَّها لِتمامِ حُسنِها، وتشابُهِ خَلْقِها في الكمالِ وخُلُقِها: غَيْظُ جارتِها، أي: ضَرَّتِها، / أو مجاوِرَتِها، وأنَّ ما تراهُ مِنْ ذلك يَغِيظُها وتغارُ له، وتَحارُ مِنه، وتَعتَبِرُ حتَّى لا

стр. 259

تهتدِيَ لِأمرِها، ولا تستقيمَ لِسبيلِها، ويكادَ بصرُها يَعْشُو إذا نظرتْ إلى جمالِها وكمالِها؛ إذ ليستْ كذلك، ويَعقِرَها ويُبْكِيَها حسدًا لها، وعِبْرةً (١) بها. فيكونُ معنى يَعقِرُهَا: إمَّا (٢): يُهلِكُها حسدًا، (ويُسبِّبُ حَيْنَها) (٣)، أو يجرحُ لذلك قلبَها ويُبكِيه، على ما تقدَّم منْ تفسيرِ: «عَقْرِ»، ويكونُ معنى هذِه الألفاظِ كلِّها متشابهًا، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. / فِقْهُهُ: في هذا الحديثِ: جوازُ وصفِ النِّساءِ ومحاسِنِهِنَّ مع النِّساءِ والرِّجالِ إذا كُنَّ مجهُولاتٍ؛ فبِنْتُ أبي زَرعٍ- وإنْ كانتْ منسُوبةً- فهي في حكمِ المجهُولةِ؛ لِبُعدِ وقتِها، وفناءِ زمنِها، ومَجْهَلةِ عينِها وأبِيها، والَّذي يُمنعُ منْ ذلك: وصفُ النِّساءِ المُعيَّناتِ بحضرَةِ الرِّجالِ، وأنْ يُذكرَ منْ أوصافِهِنَّ على التَّفصيلِ مَا لَا يجوزُ للرِّجالِ إشفَافُ النَّظرِ إليه، أو تُوصَفَ عَوْرَاتُهُنَّ، وما لا يجوزُ إطلاعُ الرِّجالِ والنِّساءِ عليه؛ وقد قال ﷺ : «لَا تَصِفُ إحْدَاكُنَّ جَارَتَها إلى زَوْجِهَا، حتَّى كأنَّهُ يَرَاهَا» (٤). وزَجَرَ ﷺ «هِيتَ» المُخَنَّثَ، ويُقالُ: «مَاتِعٌ» المُخَنَّثُ- والقِصَّةُ [لِهِيتَ] (٥) أشهرُ- ومنعَهُ الدُّخولَ على نسائِهِ؛ إذ سَمِعَ منه مِنْ وصَفِهِ لبادِيَةَ بنتِ غَيْلَانَ

стр. 260

الثَّقفِيَّةِ ما سَمِعَ، فقالَ له ﷺ : «لقد غَلْغَلْتَ النَّظرَ يا عدُوَّ اللهِ» (١). وفي روايةٍ: «أَلَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَاهُنَا» (٢)، ثمَّ نفاهُ ﷺ عن المدينةِ لِذلك إلى الحِمَى. وكَرَاهَةُ النَّبيِّ ﷺ لِما سمِعَ منه، ونَهْيُهُ عنه لوُجوهٍ: أحدُهَا: ما ذكرنَاهُ منْ وصْفِ ما وصفَهُ مِنَ النِّساءِ مِنْ أجسامِهِنَّ وعَوْراتِهِنَّ بينَ النِّساءِ والرِّجالِ مِمَّا لا يجوزُ الاطلاعُ عليه. / والوجهُ الثَّاني: / أنَّه ﷺ أنكرَ عليه غَلْغَلَةَ النَّظرِ إلى أنْ / وصلَ معهُ (٣) إلى معرفَةِ ذلك مِمَّا لا يُباحُ للنِّساءِ، فكيفَ للرِّجالِ؟

стр. 261

و [الوجهُ] (١) الثَّالثُ: أنَّهم كانوا يَعدُّونَهُ من غيرِ أولي الإرْبَةِ منَ الرِّجالِ الَّذين يجوزُ لهمُ / الاطلاعُ على ظواهرِ محاسِنِ / النِّساءِ، فلمَّا رآهُ ﷺ يقصدُ منِ أوصافِ النِّساءِ إلى ما يستحسِنُهُ الرِّجالُ، دَلَّ على أنَّ عندَهُ إربةً في النِّساءِ، ومَيلًا إلى ما يرغبُهُ الرِّجالُ ويميلون إليه. وقولُها: «طَوْعُ أَبِيهَا، وَطَوْعُ أُمِّهَا»، أي: أنَّهَا بارَّةٌ بِهما، غيرُ خارجةٍ عنْ رأيِهِما؛ وهذا يدُلُّ على عِفَّتِها وعقلِها. ومنْ رواهُ: «زَيْنُ»، فمعناهُ: أنَّ مَنْ لهُ مثلُ هذِه البِنتِ في كمالِها وجمالِها، يَتزيَّنُ بِها ويَتجمَّلُ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]. وَغَرِيبُ قَوْلِهَا: «بُرُودُ الظِّلِّ» ، أي: أنَّها حسنةُ العِشرةِ، كريمةُ الجوارِ، يُقالُ: فلانٌ يأوِي إلى ظِلِّ فُلانٍ، إذا كانَ تحتَ إكرامِهَ وعزِّهِ وحمايتِهِ، كأنَّه استراحَ إليه استراحَةَ المُسْتَحِرِّ للظِّلِّ (٢)، والظِّلُّ يُعبَّرُ به عنْ العزِّ، حكاه ابنُ دُرَيْدٍ (٣)، وهذا يؤيِّدُ روايةَ مْن رَوَى: «حَبْرُ جَارَتِهَا». وقولُها: «وَفِيُّ الإلِّ»، أي: العهدِ، قالَهُ ابنُ الأنباريِّ، والهرويُّ (٤). و «الإلُّ» أيضًا: القرابَةُ؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ [التوبة: ١٠] أي: قرابةً ولا عهدًا عندَ بعضِهم (٥).

стр. 262

وقولها: «كَرِيمُ الخِلِّ»، أي: الخليلِ والصاحبِ، وقد تصفُها بشرفِ الزَّوجِ فهو خِلُّها، وقد تُريدُ بـ «الخِلِّ» هنا: المُخَالَلَةَ والصُّحبةَ، قال الحربيُّ (١): يقالُ: فلانٌ كريمُ الخُلَّةِ والخِلِّ والمُخَالَلَةِ، أي: الصُّحبةِ. عَرَبِيَّتُهُ: ذكرَتْ: «بُرُودًا وكَرِيمًا وَوَفِيًّا»، والموصُوفُ به مُؤنَّثٌ؛ لأنَّها ذهبتْ به مذهبَ التَّشبيهِ، أي: هي كرجلٍ بهذه / الصِّفةِ، قالَهُ [ابنُ] (٢) الأنباريِّ (٣) / وأنشدَ عليه لعُروةَ بنِ حِزَامٍ (٤): ........................... ... وَعَفْرَاءُ عنِّي المُعْرِضُ المُتَوَانِي وفيه وجه آخر: على تقديرِ الحملِ لهُ على مُذَكَّرٍ محذوفٍ، كأنَّها قالتْ: هي شخصٌ أو شيءٌ بُرودُ الظِّلِّ، أو كذا كذا، وقد حُمِلَ عليه مَعنى بيتِ عُروةَ المَذكورِ (٥).
следующие страницы →