Полный текст (386 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
والمصفاة: فأقوام متوسطون بِالْخَيرِ. قَالَ المُصَنّف: قَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني صرت مبردا، قلت: يطلع عَلَيْك جرب، فطلع. وَمثله قَالَ لي جليل الْقدر؛ قَالَ: كنت أبرد الْحَدِيد، قلت تلبي جوشنا فِي حَرْب وتنتصر. وَمثله قَالَ آخر؛ غير أَنه قَالَ كنت أبرد حوافر الْخَيل، قلت لَهُ: تصير بيطارا. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تصير ركاب دَار. وَمثله قَالَ آخر؛ غير أَنه قَالَ كنت أبرد خشب قرب السيوف والسكاكين، قلت: تعْمل / الْحُصُون وَالْعدَد للأكابر. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني صرت مفتاحا لباب، قلت: تصير بوابا، فَصَارَ كَذَلِك. وَمثله قَالَ جليل الْقدر، قلت: تتولى منصبا عَالِيا على قدر حسن الْبَاب. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت سنا فِي مِفْتَاح، قلت: فتحت شَيْئا، قَالَ: نعم، قلت: ستعبر نقبا وتقاوم أَصْحَاب الْمَكَان وهم من فَوْقك ثمَّ يَأْخُذ النقب من أَسْفَل وتصعد وينفتح لَك الْمَكَان. وَقَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت إِن مفتاحي بِلَا أَسْنَان، قلت: تتْلف أَصَابِع يَديك، فَجرى ذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تذْهب أسنانك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يعْدم شجر بستانك. والمنقار إِنْسَان مَغْصُوب على الدُّخُول فِي الْأَمَاكِن الصعبة، وإبر الَّذِي
стр. 282
يعْمل الْجُلُود كالخفاف والمدسات وَنَحْو ذَلِك دَال على الغلامين الَّذِي يمشي كل وَاحِد ضد مَا يمشي صَاحبه فِي طلب الْمصلحَة. والميل الذَّهَب أَجود من الْفضة، وَالْفِضَّة أَجود من النّحاس، ودونهم الْميل من الزّجاج. وَقَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن عِنْدِي بعض ميل ذهب وَأَنا أكحل بِهِ أعين الدَّوَابّ، قلت: عنْدك صبي تعلمه بيطارا فاسأل عَنهُ فَهُوَ ابْن ملك، فَسَأَلَ عَنهُ فَوَجَدَهُ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن معي ميلًا من ذهب وَأَنا أَلعَب بِهِ فِي التُّرَاب، قلت: عنْدك جليل الْقدر تستعمله فَاعِلا فِي عمل التُّرَاب. وَقَالَ آخر: رَأَيْت معي أميلا عديدة، قلت: يكثر الرمد ووجع الْعُيُون عنْدكُمْ، فَجرى ذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: عنْدك جمَاعَة عزمت على سفرهم. وَمثله قَالَ آخر، قلت: عزمت على أَخذ مطامير. وَقَالَت امْرَأَة: رَأَيْت أَن ميلي ضَاعَ، قلت: يَأْخُذ زَوجك غَيْرك، فيهجرك فِي الْفراش، فَجرى ذَلِك. وَالله أعلم.
[١٨٦] فصل: كل مَا كَانَ معدا للخبايا، أَو للْحِفْظ: فَهُوَ دَال على الْأُمَنَاء، والحراس، والأماكن الحصينة. كالخزائن، والصناديق، وأمثالهم. والقبان، وَالْمِيزَان: يدلان على الْقُضَاة، والولاة، وكل من يقبل قَوْله. فلسانه: هُوَ الْمُتَوَسّط، وَالشَّاهِد بِالْحَقِّ. والصنج: غلمانه، وأعوانه.
стр. 283
قَالَ المُصَنّف: وَقَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني أزن ذَهَبا فِي قبان مَا هُوَ معد لَهُ، قلت: تسلم أَقْوَامًا أكَابِر إِلَى من لَا يعرف قدرهم، وَلَا يلْتَفت عَلَيْهِم ليختبرهم، وَمَا يحصل لَك مَقْصُود. وَقَالَ لي إِنْسَان قيم مَسْجِد: رَأَيْت أنني أزن فِي ميزَان الدَّرَاهِم فُلُوسًا وَقد تلف، قلت: تبدل الْقَنَادِيل الْجِيَاد بِدُونِهَا، فَارْجِع إِلَى الله عَن ذَلِك. وَالله أعلم.
[١٨٧] فصل: النّظر فِي الْأَشْيَاء الصقلة، كالزجاج، وَالْمَاء، والمرآة، وأمثالهم: دَال على تَزْوِيج العزاب، وَمَوْت المرضى، والأسفار. وَرُبمَا رزق الرَّائِي ولدا، على شكله. وَأما إِن نظر ليصلح وَجهه، أَو حَاله، فَإِن أصلحه: تعافى الْمَرِيض، وخلص المسجون، وَقدم الْغَائِب، وقضيت حَاجَة الْمُحْتَاج. قَالَ المُصَنّف: دلّ النّظر فِي الْأَشْيَاء الصقلة على: تَزْوِيج العزاب لكَونه يبْقى وَجه مُقَابل وَجه يُحِبهُ، وعَلى موت المرضى لكَونه صَار وَجهه فِي مَكَان لَا تصل يَده إِلَيْهِ وَلَا يقدر عَلَيْهِ، وَمن ذَلِك دلّ على السّفر. فَإِذا كَانَ لَهُ عَادَة بِالنّظرِ فِي شَيْء مليح كمرآة مليحة فَرَأى أدون من ذَلِك؛ فَإِن جعلته تزويجا أَو تسريا فَهِيَ امْرَأَة دونه، وَإِن جعلته موتا فحذره من الْآخِرَة الردية، وَإِن جعلته سفرا فَمَنعه من ذَلِك؛ فَهُوَ غير مرضِي. وَقَوْلنَا يرْزق النَّاظر مثله إِن
стр. 284
كَانَت امْرَأَة وَهِي حَامِل فالحمل أُنْثَى، وَإِن كَانَ النَّاظر رجلا وَعِنْده حمل فَالْوَلَد ذكر، وَإِن لم يكن عِنْده حمل فالمرأة تحمل بذلك.
[١٨٨] فصل: كل مَا يغْتَسل بِهِ، من الْأَوَانِي، كالإبريق، والطاسة، والشربة، وأمثالهم: دَال على الْأَصْحَاب، المطلعين على الْأَسْرَار، الكاتمين لَهَا، الدافعين الْأَذَى. والغلاية: امْرَأَة، أَو بنت، أَو جَارِيَة، فِيهَا نفع. وَرُبمَا تكون تعرف صنعتين /. وَرُبمَا تكون كَثِيرَة الْأَمْرَاض، لجمعها المَاء وَالنَّار فِي بَطنهَا. قَالَ المُصَنّف: قد سبق الْكَلَام فِي الْأَوَانِي، والإبريق دَال على الْكثير السُّجُود والخدمة. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني آكل إبريقا، قلت لَهُ: بِعْت ديكا وأكلت ثمنه، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني صرت إبريقا، قلت: تصير صَاحب صَوت كالمؤذن والحارس وَالْمُغني وَنَحْو ذَلِك، فَصَارَ مُؤذنًا، وَكَانَ دَلِيله أَن المَاء إِذا قلب فِيهِ يبْقى لَهُ صَوت. دلّت أواني الإغتسال على المطلعين على الْأَسْرَار لقربهم من العورات، الدافعين الْأَذَى لزوَال الْوَسخ بهم، الكاتمين الْأَسْرَار لكَوْنهم لَا ينطقون بِمَا يجاوروه. وَاعْتبر الْجمع فِي الْأَوَانِي. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت إنْسَانا أهْدى لي شربات، قلت: كَانُوا ملاحا، قَالَ: لَا، قلت: احْتَرز مِنْهُ فَإِنَّهُ بَيت لَك على شَرّ. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني ملكت غلاية، قلت: تملك حَماما،
стр. 285
فملكه. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أَن وَلَدي يشرب من غلاية، قلت: تمرض أمه بالحمى ويرضع ذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: ابْنك مَرِيض بالحمى الْبَارِدَة، قَالَ: نعم، قلت: فَشرب من الغلاية مَاء حارا، قَالَ، نعم: قلت: يتعافى، فَعُوفِيَ. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن عِنْدِي نعَامَة آكلها، قلت: عنْدك غلاية، والساعة تبيعها وتأكل ثمنهَا، فَجرى ذَلِك. وأشبهت النعامة لِأَن النعامة تَأْكُل النَّار، وتشرب المَاء فِي بَطنهَا، فَأَشْبَهت الغلاية الَّتِي جمعت فِي بَطنهَا بَين المَاء وَالنَّار. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني صرت غلاية، قلت: تمرض بوجع الْفُؤَاد، وَتصير أَيْضا ضَامِن حمام، فَجرى لَهُ ذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: تَأْكُل أَمْوَال الْيَتَامَى، فَكَانَ كَذَلِك، لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيرا﴾ . وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت خابية ملآنة مَاء، قلت: نخشى عَلَيْك الاسْتِسْقَاء، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت زبرا كَبِيرا والسقاؤون يقلبون فِي المَاء وَهُوَ كدر، قلت: نخشى عَلَيْك أَن تعذب بسقاية الْحل والجير وَنَحْو ذَلِك، فَجرى لَهُ ذَلِك. وَقد سبق الْكَلَام على الحكم فِي الزرابيل والقباقيب وَنَحْو ذَلِك فافهمه.
[١٨٩] فصل: الجرار، والخوابي، وآنية المَاء: دالون على أهل النَّفْع، وَالْخَيْر. والقبقاب: ولد، أَو عبد، أَو دَابَّة، أَو مَال طَوِيل الْإِقَامَة. وَهُوَ لمن لَا يعتاده: نكد، وتعويق من أُمُور. وَيدل على إِظْهَار الْأُمُور
стр. 286
الْخفية. وَهُوَ لمن يمشي بِهِ فِي الطين: خلاص من نكد، أَو سفر فِيهِ رَاحَة. فَجمع مَا ذكرنَا فهم أَيْضا: دالون على الدَّوَابّ، والدور، وَالْعَبِيد، والملابس، والمعايش، والأقارب. وهم للعزاب زَوْجَات. وَكَذَلِكَ كل مَا أشبههم. فَمَا حدث فيهم من صَلَاح، أَو فَسَاد: عَاد إِلَى ذكرنَا.
[١٩٠] فصل: وَأما المالهي، كالطبل، وَالزمر، والدف، وشبههم: فَلَهو وأخبار بَاطِلَة. وَأما الْعود، والجنك، وأمثالهم: فأناس مسموعون القَوْل، لَا دين لَهُم. وَأما النقارات: فأخبار، وتجهيز جنود. وَكَذَلِكَ البنود. وَأما من غنى فِي الْمَنَام: فَكل من سمع صَوته، اطلع على أسراره. وَأما الرقص، لمن لَا عَادَة لَهُ بِهِ: هموم، وأنكاد، وأسفار مشقة. قَالَ المُصَنّف: دلّت أصوات الطَّرب على الْبَاطِل من القَوْل لِأَنَّهُ لَا حَقِيقَة لذَلِك، فالطبل يدل على الرجل الجسيم المنظر العديم الْمخبر؛ بَاطِنه
стр. 287
ولاش. وَالزمر: ناقل للْكَلَام، لكَونه مُخْتَصًّا بالفم، وَيكون كلَاما غير مُفِيد، وَرُبمَا كَانَ الزمر ترجمانا. والدف: رجل مَرْفُوع على الرؤوس. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني أَسجد لدف، قلت: تحب غُلَاما فِي آذانه حلق وَهُوَ كثير الضحك مدور الْوَجْه وَكثير الْبكاء أَيْضا لِكَثْرَة مَا يضْرب، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أَسجد / لجنك، قلت: أَنْت تحب إنْسَانا تركمانيا أَو بدويا على رَأسه طرطور، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ لي ملك: رَأَيْت أنني نصبت جنوكا على الْبَلَد، قلت: تحاصر بَلَدا وتنصب المناجنيق عَلَيْهِ، لِأَن الأوتار فِيهِ شبه حبال المنجنيق. وَقَالَت امْرَأَة: رَأَيْت فِي حجري عودا أضْرب بِهِ، قلت: ترزقين ولدا وتناغيه وَهُوَ فِي حجرك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صرت عودا، قلت: تلوي عَلَيْك المعاصير وتزعق من ذَلِك. وَالْمُغني فِي الْمَنَام هُوَ شاكي مظهر لما فِي قلبه من ألأسرار، فَإِن كَانَ يُغني لغيره بِصَوْت مليح فَهُوَ رجل حُلْو اللِّسَان، خَبِير بِإِخْرَاج مَا فِي الْقُلُوب والبواطن من الْأَسْرَار، وَيدل ايضا على أَنه يَقع بفؤاده ألم أَو بحلقه أَو بِرَأْسِهِ؛ لتألم أُولَئِكَ من كَثْرَة الْغنى. كَمَا دلّ الرقص على كَثْرَة التَّعَب من كَثْرَة الترداد، وعَلى وجع الرَّأْس لغَلَبَة الدوخة فِي الرَّأْس عِنْد كَثْرَة الحركات، والأسفار. فَافْهَم ذَلِك موفقا.
[١٩١] فصل: اللّعب بالنرد، وَالشطْرَنْج، وَمثله: يدل على الْمُقَاتلَة مَعَ غَيره، وعَلى الشّبَه فِي المكاسب. وعَلى تعطل الْعِبَادَة، والانتقال من مَكَان إِلَى آخر فِي طلب غَرِيم. وَإِن كَانَ مَرِيضا، وَتمّ اللّعب: مَاتَ، لِأَن آخِره شاه مَاتَ. وَإِن كَانَ سليما: بلغ مُرَاده. ورؤية الملاهي، والنوائح، أَو
стр. 288
الصوائح، أَو اللَّطْم، أَو السوَاد، فِي الْمَكَان الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَادَة بذلك: فَهُوَ دَال على الهموم، وَالْأَحْزَان، وخراب الْمَكَان، وفراق الْأَحِبَّة. قَالَ المُصَنّف: دلّ اللّعب بالشطرنج والنرد وَشبهه على الْمُقَاتلَة لكَون كل خصم مُجْتَهدا فِي غلب غَرِيمه، وعَلى الشُّبْهَة فِي المكاسب لكَون أَخذ الرَّهْن عَلَيْهِ بِغَيْر حق، وعَلى ترك الْعِبَادَة لكَونه لعبا واللعب ضد الْعِبَادَة، وعَلى كَثْرَة الْأَسْفَار فِي طلب الْغُرَمَاء لِأَن اللاعب ينْقل مَا بَين يَدَيْهِ شبه الْغُرَمَاء الطالبين بَعضهم بَعْضًا، فافهمه. ودلت الملاهي على الأنكاد لما يغرم عَلَيْهَا، وَلما يحصل من تغير الْعقل والحركات عِنْد سماعهَا، وَلما يلهي الْإِنْسَان عَن أشغاله، وَلِأَن الْعُقَلَاء يرَوْنَ تَركهَا إِلَّا من
стр. 289
ضَرُورَة، وتذهل سمع السَّامع، وترجف من لَا عَادَة لَهُ بهَا، وَإِذا كَانَت هَذِه مَعَ اسْتِعْمَال النَّاس لَهَا تُعْطِي الأنكاد فَمن طَرِيق الأولى عَلَامَات الْحزن الَّتِي ذَكرنَاهَا على الأفراح. كَمَا قَالَت لي امْرَأَة حَامِل: رَأَيْت عِنْدِي زمرا وطبلا، قلت: ترزقين ولدا ذكرا، وتفرحين بِهِ. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت عِنْدِي نقارات وبنودا، قلت: أَنْت جندي تتقدم وترزق الإمرة، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن عِنْدِي جنكا وعودا يضربان خفيه، قلت: أَنْت تشرب خُفْيَة، قَالَ: نعم.
[١٩٢] فصل: وَأما السكر من أكل شَيْء، أَو شرب شَيْء، لمن يحرمه: هموم، وأحزان، وَزَوَال عز، ومطالبات بديون، وَغَيرهَا. لكَونه
стр. 290
فَاعل ذَلِك يطْلب بالتعزير، أَو بِالْحَدِّ. وَأما السكر، من غير شَيْء: يدل على قَضَاء الدُّيُون، والخلاص من الشدائد. بِكَوْنِهِ لَا يُكَلف من حَال سكره بِشَيْء. هَذَا إِذا لم يتخبط. وَأما إِن تخبط كَانَ رديا. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر السكر من الجامدات والسائلات، وَتكلم عَلَيْهِ. وَمن الْأَصْوَات أَيْضا. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن هدهدا يترنم بِصَوْت مليح وَأَنا أطرب، قلت: تمايلت، قَالَ: نعم، قلت: قُدَّام النَّاس، قَالَ: نعم، قلت: خلاف عادتك، قَالَ: نعم، قلت: يحصل لَك نكد من جليل الْقدر، وَرُبمَا تكون رَسُولا بِكَلَام يهددك بِهِ، قَالَ: جرى ذَلِك، قلت: وَكَانَ عَلَيْهِ ثوب ملون، قَالَ نعم. وَمثله قَالَ آخر - غير أَنه قَالَ مَا كَانَ بَين النَّاس - قلت: قدم عَلَيْك بِشَارَة على يَد إِنْسَان على رَأسه طرطور، وَمَعَهُ كتاب، قَالَ: نعم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت / أنني أكلت من رطب نَخْلَة فسكرت مِنْهُ، قلت: يحصل لَك نكد من امْرَأَة، وَرُبمَا تكون اسْمهَا مَرْيَم، أَو لَهَا بنت اسْمهَا كَذَلِك، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أكلت زيتا
стр. 291
فسكرت مِنْهُ، قلت لَهُ: تتنكد بِمَرَض فِي رَأسك أَصله صفراء. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن نَخْلَة ضربتني فسكرت من ضربتها، قلت لَهُ: يَقع فِي رَأسك سهم نشاب أَو حجر فتتنكد مِنْهُ، فَجرى ذَلِك. وعَلى هَذَا فقس.
[١٩٣] وَأما السكر من خوف الله تَعَالَى، أَو قِرَاءَة قُرْآن، أَو سَماع موعظة: فدال على الْعِبَادَة، والرفعة. قَالَ المُصَنّف: دلّ السكر من خوف الله تَعَالَى وَقِرَاءَة كَلَامه الْعَزِيز واستماعه الموعظة على الْعِبَادَة والرفعة لاشتغال الْبَاطِن وحجب الظَّاهِر عَن أُمُور الدُّنْيَا، وَيدل على الرَّاحَة، وَقَضَاء الدُّيُون، وتوبة الْفَاسِق، والإنتقال من دين إِلَى دين أحسن مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فِي حق الْكَافِر، وَيدل فِي ذَلِك أَيْضا على أَنه قَالَ لي بعض المتعبدين: رَأَيْت أنني سَكرَان من خوف الله تَعَالَى وَأَنا أتواجد، قلت: تزداد عبَادَة وَبرا ويتجدد لَك فِي اعتقادك أحسن مِمَّا كنت عَلَيْهِ، قَالَ: صَحِيح، قلت: وتوت شَهِيدا، فَمَاتَ قتل الْكفَّار فِي سَبِيل الله تَعَالَى. وَمثله رأى آخر، قلت: يَأْتِي إِلَيْك أحد نواب الْمُلُوك ويعطيك رَاحَة من الدُّنْيَا تبقى فرحان بهَا، فَجرى لَهُ ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني اقْرَأ ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا﴾ وَأَنا سَكرَان من قرائتها، قلت لَهُ: أَنْت رجل مُتَوَلِّي، وَلم أَمْلَاك ودور، وَقد تحدثت أَنْت وشخص مِمَّن يَتْلُو الْكتاب الْعَزِيز فِي أَن تتْرك الْولَايَة، وَتوقف أحسن أملاكك، قَالَ: نعم، قلت: وَصفَة الْفَقِيه مصفر اللَّوْن طَوِيل الْقَامَة، واسْمه سُلَيْمَان، قَالَ: نعم، وَهُوَ يصنع المراوح، قَالَ: نعم، وَكَانَ دَلِيله أَن الْمُتَّقِينَ غَالِبا عِنْدهم خوف، وَفِي وَجه الْخَائِف أبدا إصفرار، وَكَونه طَوِيل الْقَامَة لِأَن
стр. 292
الْقُرْآن كثير الْإِقَامَة بَين أظهر النَّاس إِلَى يَوْم الدّين، وَالْبَاقِي فِي سُورَة النَّمْل وفيهَا سُلَيْمَان وَعَمله. فَافْهَم ذَلِك.
[١٩٤] وَأما الْجُنُون: فدال على النكد، من أَقوام كفار، أَو فساق. قَالَ المُصَنّف: دلّ الْجُنُون على النكد من قوم كفار لكَوْنهم مستورين؛ وَالْكفْر فِي اللُّغَة هُوَ السّتْر، أَو من لِأَن الْغَالِب على الْجِنّ الَّذين يُؤْذونَ الْفسق.
стр. 293
[١٩٥] فصل: الْإِغْمَاء، وَالنَّوْم: كل مِنْهُم دَال على رَاحَة التعبان، وخلاص من هُوَ فِي شدَّة. وتعطيل الْمُسَافِر عَن سَفَره، وللعابد عَن عِبَادَته. وعَلى النكد يَقع بالحراس. وعَلى أَمن الْخَائِف. فَإِن نَام فِي مَوضِع لَا يَلِيق بِهِ: دلّ على النكد. وَرُبمَا: دلّ ذَلِك على السّفر. قَالَ المُصَنّف: دلّ النّوم وَالْإِغْمَاء على مَا ذَكرْنَاهُ لما علمنَا أَنه يرِيح الْأَبدَان، ونكد بالحراس لِأَن من شَأْنهمْ السهر فَإِذا نَامُوا عوقبوا، وَدلّ على السّفر لكَون روح النَّائِم تسرح فِي أَمَاكِن غير مَكَانَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ.
стр. 294
[١٩٦] فصل فِي الطَّاعَات: الصَّلَوَات الْمَشْرُوعَة: دَالَّة على التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى، وعَلى الْعِزّ، والجاه، والرفعة، والغنى، وَقَضَاء الْحَوَائِج، والديون. فَإِن تمت لَهُ: تمّ لَهُ مَا ذكرنَا. وَأما النَّوَافِل، والتطوعات: يدلوا على زِيَادَة الْخيرَات، وَدفع البلايا من حَيْثُ لَا يحْتَسب. ويدلوا على مَا دلّت عَلَيْهِ الْفُرُوض. وَأما الْوضُوء: فدال على شرح الصَّدْر، وَقَضَاء الدّين والحوائج، وخدمة الأكابر. وعَلى التَّوْبَة. فَإِن صلى: حصل لَهُ مَا ذكرنَا، وَإِلَّا: تَأْخُذ
стр. 295
أكبر مَطْلُوبه. قَالَ المُصَنّف: دلّت الطَّاعَات على التَّقَرُّب إِلَى الله تَعَالَى، دليلها ظَاهر. ودلت على الْعِزّ والرفعة لكَون مخدومه رَاض عَلَيْهِ، وَمن واضب ذَلِك أحبه الله وأحبه النَّاس، وَأعْطى الْعِزّ والرفعة. وَدلّ على الْغنى لِأَن الطَّاعَات مدخرة للْإنْسَان إِلَى يَوْم الْحَاجة، فَهُوَ كالغني الَّذِي لَهُ ذخائر يجدهَا. وَدلّ على قَضَاء الْحَوَائِج لتقربه من ربه / ، أَو لمن دلّ الْبَارِي عَلَيْهِ، وَمن تقرب قبل فِي غَالب الْأَحْوَال. وعَلى قَضَاء الدُّيُون لِأَنَّهَا وَاجِبَة فِي ذمَّته، وَقد برأت ذمَّته بأدائها. وَإِذا رأى كَأَنَّهُ يقْضِي مَا فَاتَهُ من الْفُرُوض دلّ على اسْتِدْرَاك مَا فَاتَهُ من
стр. 296
الْفَوَائِد؛ كالخاسر فِي مكاسبه دلّ على الْخلف عَلَيْهِ مِمَّا فَاتَ، وكالغافل عَن زَكَاته وَحفظ مَاله دلّ على بَرَاءَة ذمَّته بعد شغلها وحرز مَاله بعد ضيَاعه، وإيصاله بالخدم والأكابر بعد انْقِطَاعه عَنْهُم وادراك من سبقه فِي الْعَمَل. حَتَّى قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت كأنيي أَقْْضِي فوائت كَثِيرَة، قلت: تهاونت فِي عمَارَة مَكَان حَتَّى سَبَقَك خصمك وَعمر، قَالَ: نعم، قلت: عزمت على الْعِمَارَة، قَالَ: صَحِيح. وَمثله قَالَ آخر، قلت: طلبت سفرا وكسلت فسبقك الْقَوْم ثمَّ تجهزت للسَّفر، قَالَ: نعم، قلت: يحصل لَك. وَمثله قَالَت جَارِيَة، قلت لَهَا: كنتي بعيدَة من مولاكي مهجورة غافلة عَن خدمته، قَالَت: صَحِيح، قلت: تقربي بعد بعد، وَتصلي بعد هجر. والنوافل دَالَّة على زِيَادَة الْخيرَات لِأَن الْفُرُوض رُؤُوس الْأَمْوَال والنوافل زِيَادَة على ذَلِك فَهُوَ ربح، وَدفع البلايا، فَإِن كَانَ لَهُ أَوْلَاد رزق عَلَيْهِم وَلدين ذكرين، وَرُبمَا يكونَانِ توأما؛ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة﴾ ، وَدلّ على بَاقِي الْخيرَات لِكَثْرَة مَا ورد عَن الله تَعَالَى فِي ثَوَاب ذَلِك.
стр. 297
وَدلّ الْوضُوء على شرح الصَّدْر لزوَال الْوَسخ، وَحسن الْبدن بعد رداءة منظره. وَكَذَلِكَ الْغسْل من الْجَنَابَة وَالْحيض. وَدلّ على بَاقِي أَحْكَامه من قَضَاء الدُّيُون والحوائج وَنَحْو ذَلِك كَمَا دلّت الْفُرُوض. فَإِن صلى لما تَوَضَّأ لَهُ بلغ مُرَاده وَإِلَّا فَلَا. وَتكلم على مَا تَوَضَّأ. كَمَا قَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني أتوضأ لأصلي صَلَاة الْكُسُوف، قلت: عزمت على السَّعْي فِي خلاص مسجون، قلت: نعم. وَمثله قَالَ آخر، قلت: صليت، قَالَ: نعم، قلت: خلصت غريقا. وَمثله قَالَ آخر، قلت: سعيت فِي رد مَعْزُول إِلَى منصبه، قَالَ: نعم، وَمثله قَالَ آخر، قلت: شفعت فِي عود إِنْسَان إِلَى بَلَده أَو منزله، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني تَوَضَّأت لأصلي على جَنَازَة، قلت: شفعت فِي مُسَافر إِلَى عِنْد مخدومه، قَالَ: نعم. وَقَالَ آخر: تَوَضَّأت لأصلي صَلَاة الاسْتِسْقَاء، قلت: أنقذت إنْسَانا من ألم الْعَطش، قَالَ: نعم. وَقلت لآخر: شفعت فِي خلاص حق لإِنْسَان من الْمِيَاه، قَالَ: نعم. وَإِذا فسد وضوءه أَو صلَاته بِمَا سَيَأْتِي لم يتم لَهُ شَيْء مِمَّا قَصده.
[١٩٧] فصل: فَإِن تَوَضَّأ بِمَا لَا يَصح الْوضُوء بِهِ، أَو صلى إِلَى غير الْقبْلَة، أَو على غير طَهَارَة، أَو قَرَأَ بالأعجمية لمن يقدر على الْعَرَبيَّة، أَو
стр. 298
بالأشعار: لم يتم لَهُ شَيْء من ذَلِك. وَيكون على بِدعَة، أَو ضَلَالَة، وَهُوَ يعْتَقد أَنه على الصَّوَاب. وَأما التَّيَمُّم: دَال على مَا دلّ عَلَيْهِ الْوضُوء، إِلَّا أَنه أنقص مِنْهُ. وَيدل على السّفر، وعَلى مرض السَّلِيم، وعافية السقيم. وَأما الْيَتِيم، مَعَ وجود المَاء: يدل على الْأَعْمَال الْبَاطِلَة.
стр. 299
قَالَ المُصَنّف: قَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني أَقرَأ فِي الصَّلَاة بالأشعار،
стр. 300
قلت: تتقرب إِلَى الأكابر بالشعر، وَلَا يقبلوك. وَآخر قَالَ: كنت أَقرَأ بالأعجمية، قلت: تصير ترجمانا، وتقف قُدَّام جليل الْقدر، وتتكلم بِخِلَاف الْمَقْصُود مِنْك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أُصَلِّي إِلَى غير قِبْلَتِي، قلت: يَأْمُرك كبيرك بِأَمْر تفعل خِلَافه، وتعتقد أَنَّك ممتثل. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: ينْتَقل دينك إِلَى الْجِهَة الَّتِي صليت إِلَيْهَا. وَدلّ التَّيَمُّم على مَا دلّ الْوضُوء عَلَيْهِ لكَونه تُؤَدّى بِهِ الْفُرُوض والنوافل، وَدلّ على السّفر لِأَن الْغَالِب اسْتِعْمَاله فِي الْأَسْفَار، وَلمن هُوَ فِي عَافِيَة دَال
стр. 301
على مَرضه إِذا لم يكن مُسَافِرًا؛ لِأَن الْمَرِيض يُبَاح لَهُ اسْتِعْمَال ذَلِك إِذا عجز عَن الْوضُوء كَمَا قلت لمن صلى جَالِسا إنذار بِمَرَض، وَدلّ التَّيَمُّم على عَافِيَة الْمَرِيض لِأَن التَّعَب فِي حركات الْوضُوء كثير وَالتَّيَمُّم أنزل مِنْهُ، وَإِذا بَطل عَنهُ التَّعَب زَالَ عَنهُ تَعب / الْمَرَض فَافْهَم ذَلِك.
[١٩٨] فصل: من قَرَأَ الْقُرْآن، أَو شَيْئا من الْكتب الَّتِي يعْتَقد فِيهَا: فَانْظُر فَإِن كَانَت آيَات رَحْمَة فبشره، وَإِن كَانَت تخويفا فحذره، وَإِن لم يعرف مَا كَانَت فَذَلِك خير وَفَائِدَة. خُصُوصا إِن كَانَ بِصَوْت مليح، وَالنَّاس يَسْتَمِعُون، ويتلذذون بِهِ: فَإِنَّهُ يدل على الْمنزلَة، والذيت الْحسن. وَأما الْأَذَان، أَو رفع الصَّوْت بِذكر الله تَعَالَى، وَهُوَ مَكْشُوف الْعَوْرَة: دَال على اشتهار، ونكد ردي.
стр. 302
قَالَ المُصَنّف: إِنَّمَا دلّ الْأَذَان وَالذكر على مَا ذكرنَا لِكَثْرَة ميل النُّفُوس الشَّرِيفَة إِلَى استماعه وَالْعَمَل بِهِ، فَإِن فعل ذَلِك من لَا يَلِيق بِهِ دلّ على النكد. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: أرى كثيرا أنني أءذن فِي غير الْوَقْت، قلت: لَهُ أَنْت كثير الْكَذِب فِي أقويلك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أَذِنت على دَار عالية فِي بلد كفر بِصَوْت ردي، قلت لَهُ: يَقع لَك نكد بطرِيق امْرَأَة فِي ذَلِك الْمَكَان. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أءذن فجَاء إِنْسَان فَقطع عَليّ الْأَذَان وضربني وأسال دمي، قلت لَهُ: تقع فِي حَرْب وَتذهب أذناك، فَجرى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن امْرَأَتي تؤذن، فَقلت: هِيَ عَجُوز، قَالَ: نعم، وَهِي ذَات دين وَصَلَاح، قلت: هِيَ تستأذن النَّاس فِي فَرح، قَالَ: نعم. فافهمه.
[١٩٩] فصل: الْحَج، أَو زِيَارَة الْأَمَاكِن الشَّرِيفَة، كالقدس، وقبور الْأَنْبِيَاء وَالصديقين: فَهُوَ دَال على مَا دلّت عَلَيْهِ الصَّلَوَات. وعَلى رفع
стр. 303
فارغة
стр. 304
الْمنزلَة، والأمن من الْخَوْف، وعَلى خدمَة الأكابر، والتقرب مِنْهُم. وعَلى
стр. 305
التَّزْوِيج، وَكَثْرَة الْفَوَائِد. وَقَضَاء الدُّيُون، والحوائج. فَإِن ثمَّ ذَلِك: ثمَّ لَهُ مُرَاده، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر بِمَا يَلِيق أَن تفعل كل أمة فِي حَجهَا، وأعطه من أَحْكَامه على مَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَ مُسلم: رَأَيْت أنني سجدت لقبر مُوسَى بن عمرَان، قلت لَهُ: تذل فِي خدمَة ليهودي أَو سامري. وَقَالَ لي يَهُودِيّ: رَأَيْت أنني أكنس حول قبر مُحَمَّد ﷺ ، فَقلت لَهُ: تسلم وتجاور عِنْد رَسُول الله ﷺ ، فَكَانَ كَمَا ذكرت. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أبني قبر أَيُّوب ﵇، قلت لَهُ: أصلحته جيدا، قَالَ: نعم، قلت لَهُ: أَنْت تداوي مَرِيضا، وَهُوَ يتعافى، فَكَانَ كَذَلِك.
[٢٠٠] فصل: وَأما السُّجُود إِلَى غير جِهَة الْعِبَادَة، أَو مِمَّن هُوَ جَالس،
стр. 306
أَو نَائِم، وَهُوَ قَادر على الْقيام: فدليل على فَسَاد دينه، وبدعته. وَرُبمَا دلّ السُّجُود للأصنام، أَو الشّجر، أَو الْقُبُور: على الْخدمَة لمن لَا يَنْفَعهُ. قَالَ المُصَنّف: إِذا سجد لغير جِهَة الْعِبَادَة من غير عذر: دلّ على التَّقْصِير فِي دين الساجد، وَرُبمَا دلّ ذَلِك على السّفر أَو الْمَرَض الَّذِي يُوجب ذَلِك. كمن رأى أَنه سجد بَين قِبْلَتِي الْمُسلمين وَالنَّصَارَى، قلت لَهُ: تخْدم مَكَانا فِيهِ مُسلم وذمي، قَالَ: نعم. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أَسجد لصنم وَأَنا أبْكِي، قلت لَهُ: تخْدم مَيتا، وتبكي عَلَيْهِ. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تخْدم رجلا جَاهِلا لَا ينفع مَعَه الْخَيْر. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: كَانَ الصَّنَم لَك، قَالَ: نعم، قلت: عنْدك ولد أَو قرَابَة أخرس أَو زمن، وَأَنت تعبان فِي خدمته، ضيق الصَّدْر لأَجله، قَالَ: صَحِيح.
[٢٠١] وَأما صَلَاة الْخَوْف: فتدل على الحروب، والمخاوف. وَأما صَلَاة الْكُسُوف: فتدل على أَن الْمُصَلِّي يسْعَى فِي خلاص من دلّ الشَّمْس، أَو الْقَمَر، عَلَيْهِ.
стр. 307
قَالَ المُصَنّف: اعْتبر الْخَوْف هَل هُوَ من بني آدم؛ أَو من غَيرهم، أَو خَافَ أَن يُدْرِكهُ غَرِيمه؛ أَو يفوتهُ بهربه، فاحكم عَلَيْهِ بِمَا يَلِيق بِهِ. كَمَا رأى إِنْسَان أَن غزالة تطلبه وَهُوَ هارب مِنْهَا وَصلى صَلَاة الْخَوْف، قلت: تُسَافِر من خوف امْرَأَة. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صليت كَذَلِك من خوف أَشجَار تطلبني، قلت: تهرب من ضَمَان بُسْتَان أَو ثمن خشب أَو فواكه، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت كأنني صليت صَلَاة الْخَوْف فِي طلب نُجُوم تهرب مني حَتَّى أمسك وَاحِدًا مِنْهُنَّ، فَقلت لَهُ: لَك على أحد من أَرْبَاب / نجامة حق وَقد هرب مِنْك، قَالَ: نعم، قلت إِن كنت مسكت مِنْهُنَّ شَيْئا حصل لَك قصدك وَإِلَّا فَلَا. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: لَك حق على منجم بأشهر وَقد اسْتحق وَهُوَ يهرب مِنْك، فَكَانَ كَذَلِك. وَأما الصَّلَاة من خوف الله تَعَالَى تدل على الْأَمْن وَالظفر بِالْحَاجةِ فَافْهَم ذَلِك. وَاعْتبر صَلَاة الْكُسُوف. كمن رأى أَن الثريا انكسفت، قلت لَهُ: تسْعَى فِي خلاص امْرَأَة من شدَّة. وَقَالَ آخر: رَأَيْت الهقعة كسفت وَصليت لذَلِك، قلت: يذهب لَك ميزَان، ثمَّ تَلقاهُ. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يعْدم لَك صَغِير ثمَّ مليقيه، فَكَانَ كَذَلِك، لِأَنَّهَا كالميزان عِنْد الْعَامَّة وشكلها كَابْن آدم. فَافْهَم ذَلِك.
[٢٠٢] فصل: الصّيام: يدل على مَا دلّت الْعِبَادَات عَلَيْهِ. وَهُوَ لمن يطْلب سفرا: بطالة من سَفَره، أَو شدَّة يلقاها فِي سَفَره. وَيدل على عَافِيَة
стр. 308
الْمَرِيض، الَّذِي لَا يصلح لَهُ الْأكل. وَلمن يصلح لَهُ الْأكل: موت. وَرُبمَا دلّ الصّيام: على قطع علائق الدُّنْيَا، أَو بطلَان المعايش. قَالَ المُصَنّف: وَاعْتبر حَال الصَّائِم. كمن رأى أَنه كثير الصَّوْم وَهُوَ لَا يَلِيق بِهِ ذَلِك، قلت لَهُ: يَقع فِي فمك عيب يمنعك الْأكل. وَقَالَ آخر: رَأَيْت كل من عِنْدِي صِيَام، قلت لَهُ: دوابك وكل من عنْدك لم يحصل لَهُم شَيْء من الْأكل، فَقَالَ: نعم، لِأَن الشَّاعِر يَقُول:
(خيل صَائِم وخيل غير صَائِمَة ... )
وكآخر قَالَ: رَأَيْت أنني صمت يَوْم الْعِيد، قلت: تفعل مَكْرُوها عكس ذَلِك. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني استفرغت جَمِيع أواني الْبَيْت وبطون الْأَوْلَاد والأهل، قلت: ألزمتهم جَمِيعًا بِالصَّوْمِ، قَالَ: صَحِيح. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: غضِبت على من عنْدك فمنعتهم الْأكل، قَالَ: نعم. وعَلى هَذَا فقس.
[٢٠٣] فصل: وَأما الِاعْتِكَاف والرباط: فيدلان على مَا دلّت عَلَيْهِ الْعِبَادَات. وعَلى خدمَة الأكابر، مِمَّن فيهم الرَّاحَة. وعَلى تَعْطِيل المعايش. وَرُبمَا دلّ الرِّبَاط على حُدُوث حروب.
стр. 309
قَالَ المُصَنّف: اعْتبر الِاعْتِكَاف والرباط. كَمَا قَالَ ذمِّي: رَأَيْت أنني اعتكفت فِي مَسْجِد، قلت: يحسبك مُسلم على حق، فَكَانَ كَذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: فَكنت تخْدم الْمَسْجِد وَأَنت فرحان فِي النّوم، قَالَ: نعم، قلت: تحب مُسلما؛ إِمَّا مقرئ أَو مُؤذن، فَقَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت كأنني مرابط فِي مركب فِي بَحر، فأعجبك الْمركب، قَالَ: نعم، قلت: تحب إِمَّا رَئِيس مركب أَو نوتيا، فَقَالَ: أَنا أحب صَبيا نوتيا. فَافْهَم.
[٢٠٤] وَأما الْجِهَاد للْكفَّار، أَو لعدو ظَاهره ردي: فدليل على تَعب، ونكد، وَمن ذَوي الْبدع. لَكِن الْعَاقِبَة سليمَة، لمن كَانَ لَهُ الغلب. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر الْمُجَاهِد وَلمن يُجَاهد. كمن قَالَ: رَأَيْت أنني أجتهد مُسلمين وأعتقد أَنهم قد صَارُوا مجوسا، قلت: يحصل لَك خصام مَعَ أَقوام يَعْتَقِدُونَ حل نِكَاح الْمَحَارِم؛ كالأم وَالْأُخْت وَنَحْو ذَلِك، قَالَ: جرى ذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: يَقع لَك نكد مَعَ منجمين وَمِمَّنْ يتعانى الشَّمْس وَالنَّار، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أقَاتل الْمَلَائِكَة، قلت لَهُ: أَنْت تتعانى صيد الطُّيُور، قَالَ: صَحِيح. وَمثله رأى آخر جليل الْقدر، قلت لَهُ: يَقع لَك خصام مَعَ حَاشِيَة الْملك، قَالَ صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أجاهد الحواريين، قلت لَهُ: تخاصم أَقْوَامًا قصارين، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ لي نَصْرَانِيّ: رَأَيْت أنني أقَاتل النَّصَارَى وكأنني مُسلم، قلت لَهُ: أَنْت
стр. 310
تتعانى الْعُلُوم، قَالَ: نعم، قلت لَهُ: تخاصم أَرْبَاب دينك على التَّوْحِيد، قَالَ: صَحِيح.
[٢٠٥] فصل: وَأما الزَّكَاة، وَالصَّدَََقَة، والهدية، يدلوا لمن فعلهم: على كَثْرَة الْفَوَائِد، والراحات، وَرفع الْمنزلَة. وعَلى دفع البلايا، لِأَنَّهُ يُقَال فِي الْمثل السائر: الْهَدِيَّة تدفع بلَاء الدُّنْيَا، وَالصَّدَََقَة تدفع بلَاء الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. قَالَ المُصَنّف: وَاعْتبر الْمخْرج لِلزَّكَاةِ، وَعَمن زكى، وَمن أَيْن أخرج. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني أخرج بَعِيرًا من ثَلَاثَة أَبْعِرَة زَكَاة، قلت لَهُ: أَنْت مُتَوَلِّي، / قَالَ: نعم، قلت: سلمت غزلا إِلَى غير مُسْتَحقّه، أَو عبدا إِلَى غير مَالِكه، لِأَن الثَّلَاثَة لَا زَكَاة فِيهَا. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أسرق وَأخرج مِنْهُ الزَّكَاة، قلت: أَنْت تتقرب إِلَى الله بالحرام. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أخرج من الْفضة وَالذَّهَب حَيَوَانا، قلت لَهُ: عنْدك عبيد أَو مَاشِيَة للتِّجَارَة وَأَنت تكاسر عَن الزَّكَاة فأخرجها، فَفعل ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أخرج الزَّكَاة تَمرا وأرجع آكله، قلت: تعْمل حِيلَة على الْفُقَرَاء فِيمَا تعطيهم وتصالحهم عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا بقيت أَعُود إِلَيْهِ. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أخرج الزَّكَاة وازرعها، قلت: أَنْت حَاكم تتصرف فِي أَمْوَال الْأَيْتَام وَالْمَسَاكِين بِمَا لَا يحل لكز فافهمه.
стр. 311
[٢٠٦] وَأما من أَخذ الصَّدَقَة، مِمَّن لَا تحل لَهُ: دلّ على عزل الْمُتَوَلِي، وفقر الْغَنِيّ. وعَلى الْأَمْوَال الْحَرَام. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر من أَخذ الصَّدَقَة. كمن قَالَ: رَأَيْت أنني أخذت غنمة من الصَّدَقَة، قلت: يحصل لَك نكد لأجل امْرَأَة. وَأما دلَالَته على عزل الْمُتَوَلِي وَمَا ذَكرْنَاهُ؛ فلكونه فعل مَا لَا يَلِيق بِهِ. وَرَأى بعض الأكابر أَنه عبر إِلَى غنم للحسين ﵁ فَأخذ مِنْهَا رَأْسا قهرا وَقَالَ: هَذِه زَكَاة، قلت لَهُ: تظلم بعض الْأَشْرَاف وَتَأْخُذ مَا لَيْسَ لَك، فَكَانَ كَذَلِك. وَرَأى شرِيف: أَنه أَخذ نَاقَة من الزَّكَاة وأعجبته وَركب عَلَيْهَا مقلوبا، قلت: أَنْت تحب امْرَأَة أَصْلهَا من الْبَوَادِي وتركب مِنْهَا مَا لَا يَلِيق ذكره، فَقَالَ: صَحِيح، وَرجع عَن ذَلِك. فافهمه.
[٢٠٧] فصل: وَأما من تصدق، أَو أهْدى، مَا لَا نفع فِيهِ - كالجيف، واللحوم الْمُحرمَة -: فَإِن كَانَ مُتَوَلِّيًا كَانَ ظَالِما، يحصل للنَّاس مِنْهُ أنكاد، وعَلى بِدعَة الْمهْدي إِلَيْهِ: نكد من الْمهْدي. وَأما الْوَدِيعَة: فَهِيَ سر الْمُودع، يطلع عَلَيْهِ الْمُسْتَوْدع. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر مَا أودع، وَلمن أودع. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن إنْسَانا أودعني قَضِيبًا وَهُوَ يُغني، قلت: أجرك صَغِيرا غير أَنه يضْرب بِالْعودِ، قَالَ: صَحِيح، وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن إنْسَانا أودع عِنْدِي شَيْئا فِيهِ
стр. 312
جمَاعَة من الْحَيَوَان وَبني آدم؛ وَقَالَ: هَذَا علمي، قلت: اطَّلَعت على أَنه يصور، قَالَ: نعم. وَقَالَ آخر: أودع عِنْدِي إِنْسَان أقفاصا فِيهَا طيور ذَوَات صَوت، قلت: اطَّلَعت على أَن عِنْده أَرْبَاب طرب وغنى، قَالَ: نعم. وَمثله قَالَ آخر، قلت: اطَّلَعت على أَنه يحكم على سجون ومعتقلين، قَالَ: صَحِيح. فافهمه.
[٢٠٨] فصل: الدُّعَاء، وَالِاسْتِغْفَار، وَالتَّسْبِيح: دَال على النَّصْر، وَدفع البلايا، وَرفع الْمنزلَة، وغنى المحتاجين، وَقَضَاء الْحَوَائِج. لقَوْله تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ . وَرُبمَا دلّ الدُّعَاء: على نزُول حَادِثَة، لقَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا إِذْ جَاءَهُم بأسنا تضرعوا﴾ . وَالله أعلم. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر بِمَا دعى، وَلمن دعى، وأعطه مَا يَلِيق بِهِ، كَمَا ذكرنَا. وَإِن دعى بِغَيْر الله تَعَالَى كَانَ الْأَمر مِمَّا ذكرنَا. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت كأنني أدعوا الشَّمْس وأطلب مِنْهَا، قلت: تذْهب إِلَى اعْتِقَاد عباد الشَّمْس. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تطلب من امْرَأَة حَاجَة، وَيبعد أَن تقضى. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أدعوا إِلَى الْفلك، قلت لَهُ: تحْتَاج إِلَى أَرْبَاب طواحين أَو دواليب تَدور، فَكَانَ كَذَلِك.
стр. 313
وَأما إِن اسْتغْفر أَو طلب الْمَغْفِرَة من غير الله تَعَالَى فَاعْتبر ذَلِك على مَا يَلِيق، كمن رأى أَنه يسْتَغْفر من صنم وَيَقُول اغْفِر لي؛ فَإِنَّهُ يتَعَذَّر إِلَى من لَا يفعل مَعَه ذَلِك. وَقَالَ إِنْسَان: رَأَيْت أنني أَقُول لشَجَرَة اغفري لي، قلت لَهُ: أَنْت أفسدت بمَكَان فِيهِ شجر، فَاسْتَغْفر الله تَعَالَى، قَالَ: صَحِيح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أَقُول لحيوان اغْفِر لفُلَان، قلت لَهُ: يشفع عنْدك جَاهِل فِي ستر عيب لمن طلبت الْمَغْفِرَة لَهُ فَكَانَ كَذَلِك.
( [بَاب: ١٢] الْبَاب الثَّانِي عشر فِي رُؤْيَة بني آدم)
[٢٠٩] وَهِي على خَمْسَة أَقسَام: فالصغير الَّذِي لَا ينفع - كأربع سِنِين فَمَا دونهَا - من حمله أَو صَار لَهُ أَو تحول فِي صفته: دلّ على النكد، لِأَنَّهُ صغَار، وَيحْتَاج إِلَى كلفة، وَلَا ينفع فِي شَيْء، وَلِأَن عِنْده من الْجَهْل مَا لَا يعرف الْجيد من الردي. قَالَ المُصَنّف: كَلَام / فِي رُؤْيَة بني آدم يحْتَاج إِلَى فكرة كَثِيرَة لِكَثْرَة
стр. 314
مَا يجب فِيهِ من الْجِنَايَات والديات وَنَحْو ذَلِك. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أنني ملكت جمَاعَة من بني آدم، قلت: تحسن أَن النَّاس. وَمثله قَالَ آخر غير أَنه قَالَ صَارُوا تماسيح، قلت: يكافؤك من تحسن إِلَيْهِ مُكَافَأَة التمساح. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني ملكت جمَاعَة صغَارًا عرايا، قلت: عَلَيْك نذر كسْوَة الصغار أَو المحتاجين، قَالَ: صَحِيح. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تفتح مكتبا أَو دكانا تعلم فِيهِ صغَارًا، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت إنْسَانا قد ملكوه جمَاعَة من الصغار، قلت: يَقع بِهِ جُنُون ويعبث بِهِ الصغار. وَمثله قَالَ آخر، قلت لَهُ: تبتلى بحب الصّبيان وَيحصل لَك نكد، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني صَغِير، قلت: يخْشَى عَلَيْك زَوَال عقل أَو سجن، فَكَانَ كَذَلِك.
[٢١٠] الْقسم الثَّانِي: من لَهُ خمس سِنِين فَصَاعِدا: فَهُوَ دَال على الْفَوَائِد والراحة، لكَونه ينفع فِي قَضَاء الْحَوَائِج. قَالَ المُصَنّف: إِذا ملك ابْن الْخمس فَصَاعِدا إِن كَانَت لَهُ حوائج قضيت وتيسرت أُمُوره. فَإِن خَرجُوا فِي الْكَثْرَة عَن عَادَة لَا تلِيق بِمثلِهِ دلّ على النكد والغرامة، لكَونه يجب عَلَيْهِ نَفَقَتهم. وَأما إِن ملك جمَاعَة من الشَّبَاب تمكن من أَعدَاء وأطاعوه.
[٢١١] الْقسم الثَّالِث: إِذا بلغ: صَار عدوا، لكَونه لَا يلْتَفت على
стр. 315
قَول من تَأمر عَلَيْهِ وينهاه.
الْقسم الرَّابِع: الكهل: إِن كَانَ السوَاد فِي لحيته أَكثر: فالجهل فِيهِ أَكثر وَإِن كَانَ الشيب أَكثر: فالخير وَالْعقل أَكثر. قَالَ المُصَنّف: إِذا حكم على كهول إِن كَانَ يطْلب حَاجَة تيَسّر بَعْضهَا، وَإِن كَانَ يحكم على جَيش أَو جمَاعَة حصل لَهُ نكد من بَعضهم، وَإِن كَانَ يطْلب علما أَو صَنْعَة حصل لَهُ أَكْثَرهَا.
[٢١٢] الْقسم الْخَامِس: الشَّيْخ - من صَاحبه أَو كَلمه أَو حكم عَلَيْهِ وَكَانَ فِي صفة حَسَنَة -: دلّ على الْعِزّ والجاه، لكَونه فِي منزله الْعَارِف بالأمور، المجرب الَّذِي لَا يَأْمر إِلَّا بِمَا فِيهِ نفع. هَذَا كُله فِي الْآدَمِيّ الْمَجْهُول. قَالَ المُصَنّف: المشائخ يدلون على كَمَال مَا يطْلب، واتفاق أَصْحَابه وجنده، هَذَا إِذا كَانَ المشائخ فِي صفة حَسَنَة. وَأما إِن كَانُوا فِي الضعْف أَو
стр. 316
الْمَرَض إِلَى حَال ردي؛ انعكس ذَلِك كُله. وَأما إِن رأى الشَّيْخ أَنه اسودت لحيته سوادا مليحا كَانَ جيدا. كَمَا قَالَ لي شيخ: رَأَيْت أَن لحيتي اسودت، قلت لَهُ: لَك بساتين أَو زراعات أشرفت على التّلف من عَطش أَو غَيره وَقد رجعت انصلحت، قَالَ: صَحِيح. وَمثله قَالَ آخر، قلت: بَيْنك وَبَين امْرَأَة منافرة ثمَّ زَالَ ذَلِك، قَالَ: صدقت. وَمثله قَالَ آخر، قلت: غلب عَلَيْك أَرْبَاب الْجَهْل، قَالَ: صَحِيح. وَمثله قَالَ آخر وَكَانَ مَرِيضا، قلت: تعافى من مرضك، فَكَانَ كَذَلِك، لِأَنَّهُ عَاد من بعد الضعْف قُوَّة. فَافْهَم ذَلِك.
[٢١٣] فصل: من رأى من الصّبيان أَو النِّسَاء لَهُ لحية مليحة - وَلم يستحيي بهَا وَلَا أبصرهَا من يُنكر عَلَيْهِ ذَلِك -: فَإِن كَانَ أعزب تزوج، وَهِي للحائل حمل، وللحامل ولد، وَلمن لَهُ غَائِب يقدم عَلَيْهِ، وللفقير كسْوَة أَو زراعات، أَو أقَارِب أَو معارف يعتز بهم. لِأَن اللِّحْيَة جمال وهيبة. وَأما إِن رَآهَا ردية، أَو فِي مجامع النَّاس، أَو بَين من يُنكر عَلَيْهِ ظُهُورهَا: فَهِيَ وَالْعِيَاذ بِاللَّه هموم، وأنكاد، وَأمر يستحيي فِيهِ.
стр. 317
قَالَ المُصَنّف: وَأما أَن يتعانى حلق اللِّحْيَة فطلوعها لَهُم دَال على الردي. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان يتعانى حلقها: رَأَيْت أَن لحيتي طَالَتْ، قلت لَهُ: يَقع بزرعك أَو بستانك خراب وَيكثر فِيهِ الشوك والحشيش. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يطلع بِوَجْهِك أَو برأسك طُلُوع ردي، فَكَانَ كَذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يضيع الموسى أَو المقص الَّذِي تحلق بِهِ، قَالَ: ضَاعَ. وَمثله قَالَ آخر، قلت: تُسَافِر إِلَى بلد لَا تتمكن من حلق ذَلِك، أَو تعاشر قوما يمنعوك عَن حلقها، فَكَانَ كَمَا قلت. فَافْهَم ذَلِك. وَاعْتبر الرداءة فِي اللِّحْيَة واحكم بذلك. / كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رايت أَن أَوْلَادِي شُيُوخ بذقون طوال، قلت: تمرضون مَرضا طَويلا ثمَّ تعافون. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني عبرت على نسْوَة ولهن ذقون ردية، قلت لَهُ: تدخل على نسَاء مفسدات، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت لحيتي قد طَالَتْ زَائِد عَن الْحَد وَبهَا قمل وصيبان، قلت: ينزل
стр. 318
بزرعك أَو بستانك أَو دورك مفسدون وتتألم لذَلِك، فَكَانَ كَذَلِك. فافهمه.
[٢١٤] فصلك من رأى من الشَّبَاب من يصلح لَهُ الشيب - كالعلماء والفقراء وأرباب الدّين - أَن لحيته قد شابت: حصل لَهُ خير وجاه ورفعة، لِأَن الْخَلِيل ﵇ لما رأى ابْتِدَاء الشيب فِي لحيته قَالَ: يَا رب مَا هَذَا؟ فَأوحى الله إِلَيْهِ أَن أشقك وقارا يَا إِبْرَاهِيم، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا وقاري فزدني وقارا، فَأَصْبَحت لحيته بَيْضَاء كالقطنة. وَأما من لَا يُؤثر الشيب - كالجند وَالنِّسَاء وأمثالهم - فَذَلِك لَهُ: هموم ونمد، وتبطيل معايش، وخصام بَين الزَّوْجَيْنِ، لكراهية النِّسَاء فِي الشيب. قَالَ المُصَنّف: اعْتبر من شَاب فِي الْمَنَام على مَا ذكرنَا. وَكَمن رأى أَنه شَاب - وَكَانَ مِمَّن يَلِيق بِهِ ذَلِك - قلت: يحصل لَك ثوب أَبيض، فَكَانَ كَذَلِك. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يحصل لَك من جليل الْقدر ملبوس. وَمثله قَالَ آخر - وَكَانَ لَا يُؤثر ذَلِك - قلت: يَمُوت من تلبس عَلَيْهِ أَبيض للحداد. وَمثله قَالَ آخر، قلت: يشتعل لَك مَكَان بالنيران. وَمثله قَالَ صبي، قلت: يتْلف لكم زرع. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني آكل شيبتي، قلت: تبيع شجرك وَقت نواره؛ أَو زرعك قبل استوائه، وتأكل ثمنه، فَكَانَ كَذَلِك.
[٢١٥] فصل: من جَاءَهُ بنت أَو ملكهَا أَو افتضها - وَلم ينزل فِي
стр. 319
الْيَقَظَة -: دلّ على دنيا طائلة، على قدر حسنها، وَتَكون هنيَّة، لذاذة افتضاض الْأَبْكَار، وَرُبمَا كَانَ فِيهَا صعوبة، لِكَثْرَة ممانعتهن. وَكَذَلِكَ حكم الْمَرْأَة، إِلَّا أَنَّهَا أَهْون. وَأما الْعَجُوز: فدنيا ذَاهِبَة أَو فَائِدَة قَليلَة.
стр. 320
قَالَ المُصَنّف: انْظُر من أَيْن جَاءَتْهُ الْبِنْت، وَفسّر لَهُ على قدر ذَلِك. كمن قَالَ: رَأَيْت أنني وضعت بِنْتا مليحة، قلت: تفِيد زرع ونبات، قَالَ: عزمت على ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني جَاءَتْنِي بنت من فيلة وَالْبِنْت حَامِل، قلت: يقدم مركب موسق من بِلَاد فِيهَا سودان. وَقَالَ لي بعض الْمُلُوك: رَأَيْت أَن خنازير حِبَالًا وَقد وضعُوا لي بناتا ملاحا، قلت لَهُ: تفتح عدَّة أَمَاكِن للْكفَّار وتغنم مَا فِيهَا من مَال، فَكَانَ كَذَلِك. وَقَالَ لي مرّة أُخْرَى: رَأَيْت أنني أخرج من بطُون الْخَنَازِير غزلانا، قلت: تَأْخُذ جمَاعَة من الأسرى. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن بِنْتا خرجت لي من إِنَاء المَاء وَهِي وَحْشَة وَقد كسوتها بقماش مليح، قلت: إِلَى جَانب دَارك بَحر أَو بِئْر، قَالَ: نعم، قلت: يطلع إِلَيْك من ذَلِك لص يَأْخُذ أثاث الْبَيْت، فَجرى لَهُ ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن قد جَاءَتْنِي بنت وحشه من قَوس الْقطن، قلت: يحصل لَك نكد من جنكي أَو جنكية؛ قلت: وَهِي كَبِيرَة وصوتها متغير، قَالَ: صَحِيح. وَأعْطِ لمن ملك الْعَجَائِز على مَا يَلِيق بِهِ. كَمَا قَالَ لي إِنْسَان: رَأَيْت أَن لي عَجَائِز كَثِيرَة، قلت: ييبس شجرك أَو زرعك أَو يبطل حمله. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن لي بَنَات وَقد وطأهن إِنْسَان، قلت: أَنْت تبيع الأوان، قَالَ: نعم، ققلت: ينكسر لَك أواني على قدرعددهن. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أنني أَطَأ الْعَجَائِز كثيرا، قلت: أَنْت مغرم بوطئ الأعاجز، قَالَ: مَا بقيت أَعُود إِلَى ذَلِك. وَقَالَ آخر: رَأَيْت أَن عَجَائِز يقطعوني، قلت: نخشى عَلَيْك فِي أَيَّام الأعجاز إِمَّا موت بِبرد أَو مرض بَارِد يمنعك من الحركات، فَكَانَ كَذَلِك.
следующие страницы →