Полный текст (3 209 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
ج: الفحص عَن أغذيتهم من أوفق شَيْء يسْتَدلّ بِهِ.
قَالَ: فَإِن الطَّبِيب إِذا تفقد هَذِه الْأَحْوَال من الْبَلَد الَّذِي يدْخلهُ لم يخف عَلَيْهِ مَا يحدث على أَهلهَا من الْأَمْرَاض إِذا كَانَت الْمَدِينَة بارزة للجنوب مستورة عَن الرِّيَاح الْبَارِدَة وَهِي الشمالية كَانَت أمياهها حارة مالحة ورؤوس سكانها رطبَة بلغمية وبطونهم كَثِيرَة الِاخْتِلَاف دائمة.
قَالَ ج: ذَلِك لِأَن الْجنُوب تملأ الرَّأْس ويسيل مِنْهُ إِلَى معدهم فينقص هضمهم وتختلف بطونهم وأبدانهم تضعف لِأَن دوَام الرِّيَاح الجنوبية يُرْخِي ويضعف ويغشى الْبَصَر ويثقل السّمع ويكسل ويرهل وَلَيْسَ شهوتهم للطعام وَلَا هضمهم لَهُ يجيد لِكَثْرَة مَا يسيل من البلغم إِلَى معدهم وَلَا للشراب وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَيْضا أَن يكثروا من الشَّرَاب لِأَن الْخمار شَدِيد الْأَذَى لَهُم لضعف رؤوسهم لِأَن الْخمار إِلَى الرؤوس الضعيفة أسْرع وَأوحى لِأَن من كَانَ رَأسه ضَعِيفا رطبا لَا يتَمَكَّن من كَثْرَة الشَّرَاب لِأَن ذَلِك يزِيد الدِّمَاغ ضعفا فَلَا يقدر على التملؤ مِنْهُ وأعمارهم)
قَصِيرَة وأخلاقهم سَيِّئَة والقروح الْعَارِضَة لَهُم عسرة بطيئة الْبُرْء رطبَة رهلة ويعرض للنِّسَاء النزف بهَا أَعنِي كَثْرَة الْحيض ويكن مسقامات أبدا وَلَا يحملن إِلَّا بعسر فَإِن حبلن اسقطن فِي الْأَكْثَر وَلَيْسَ ذَلِك من قبل طبيعتهم لَكِن من كَثْرَة أمراضهم واما الرِّجَال فَيعرض لَهُم اخْتِلَاف دم وبواسير ورمد رطب وَهُوَ البُخَارِيّ الدخاني الْقصير الْمدَّة ويعرض لمن جَاوز الْخمسين الفالج كثيرا.
قَالَ ج: أَكثر مَا ينحدر بطُون هَؤُلَاءِ النِّسَاء يمر من الْبَطن إِلَى جَمِيع الْبدن فِي الْعُرُوق فَإِن أَكثر مَا فِي الْعُرُوق يصير إِلَى الْأَرْحَام لِأَن الدَّم ينتقص مِنْهَا فِي كل شهر.
قَالَ: والربو يكثر فِي هَذِه الْمَدِينَة وَفِي صبيانهم خَاصَّة وَكَذَا الصرع والكزاز وَذَلِكَ كُله لِكَثْرَة البلغم فِي الرَّأْس لِأَنَّهُ إِن نزل إِلَى الرئة كَانَ مِنْهُ ربو وَإِن بَقِي كَانَ مِنْهُ صرع ويعرض لرجال هَذِه الْمَدِينَة لين الْبَطن وَاخْتِلَاف الدَّم والحمى الَّتِي فِيهَا برد وحر فِي حَال وَحمى طَوِيلَة شتوية وَحمى ليلية وبواسير وَاخْتِلَاف الدَّم إِذا كَانَ البلغم النَّازِل من الرَّأْس مالحاً.
سكان الْمَدِينَة الْمَوْضُوعَة قبالة الْجنُوب يعرض لَهُم لين الْبَطن وَاخْتِلَاف الدَّم والحمى الَّتِي يعرض فِيهَا حر وَبرد مَعًا وَحمى شتوية طَوِيلَة وَحمى لَيْلَة وبواسير.
قَالَ: الذرب يحدث لَهُم إِذا لم يكن البلغم النَّازِل من رؤوسهم لذاعاً وَيحدث لَهُم اخْتِلَاف دم إِذا كَانَ مالحاً وانتياليس إِنَّمَا يعرض لَهُم لِأَن البلغم الَّذِي قد عفن يحدث مَعَه سخونة وَالَّذِي لم يعفن يحدث مَعَه برودة فَيكون فِي حَال حر وَبرد.
قَالَ ب: وَلَا يعرض لهَؤُلَاء ذَات الْجنب وَلَا ذَات الرئة وَلَا حميات محرقة وَلَا شَيْء من الْأَمْرَاض الحارة للين بطونهم.
стр. 2032
قَالَ ج: لِأَن فضول أبدانهم تستفرغ كل يَوْم وَقد يعرض لَهُم رمد غير شَدِيد وَلَا طَوِيل أما الرمد فبسبب رُطُوبَة رؤوسهم وَأما غير شَدِيد وَلَا طَوِيل فبسبب تحلل عيونهم وَسَائِر أبدانهم وتحلل الفضول مِنْهَا سَرِيعا قَالَ: إِلَّا أَن يكون مَعَ هبوب الْجنُوب يتَغَيَّر الْهَوَاء مَعَه إِلَى الْبرد فيحتقن كثيرا من ذَلِك وَيطول ذَلِك الرمد.
قَالَ: وَإِذا أَتَى على هَؤُلَاءِ خَمْسُونَ سنة عرضت لَهُم نَوَازِل كَثِيرَة من الدِّمَاغ فيفشو فيهم الفالج وَمن عرض لَهُ ذَلِك مِنْهُم كَانَ الفالج فِي جَمِيع بدنه وَلَا سِيمَا إِذا أَصَابَت رؤوسهم حرارة بَغْتَة أَو برودة شَدِيدَة. وَالْمَدينَة الْمَوْضُوعَة قبالة الرّيح الْبَارِدَة أَعنِي الشمالية المستورة عَن غَيرهَا)
من الرِّيَاح الحارة تكون رياحها البلدية أبدا هَذِه حَالهَا وعرضها شمَالي كثير وَهَذِه ضد تِلْكَ الْمَدِينَة الأولى لِأَن تِلْكَ جنوبية.
لى: التَّغَيُّر الأول يعرض للبلد من الْعرض فَيكون لذَلِك شمالياً أَو جنوبياً والشمالية بَعْضهَا شمَالي بِالْإِضَافَة إِلَى بعض الْهَوَاء يكون شمالياً أَو جنوبياً أَولا بِالْعرضِ وَالثَّانِي بالاستتار عَن الْجنُوب أَو عَن الشمَال.
قَالَ: ٣ (سكان الْمَدِينَة الشمالية) أقوياء وسوقهم دقيقة اضطراراً.
قَالَ ج: أما سكان الْمَدِينَة الجنوبية فَإِن أبدانهم إِلَى الضعْف والتخلخل مَا هِيَ والسكان فِي الشمالية بالضد لأَنهم أصحاء أشداء وسوقهم دقيقة نحيفة وصدورهم عريضة لِأَن بطونهم حارة لتكاثف الْحَرَارَة لبرد ظَاهر أبدانهم فَلذَلِك تتوسع الصَّدْر وينحف مَا بعد عَن الْقلب لى: لِأَن الْحَرَارَة فِي هَؤُلَاءِ لَا تنبسط فِي الْأَطْرَاف لَكِن تتعقد فِي وسط الْبدن وبطونهم السُّفْلى يابسة جاسئة والعالية لينَة لِأَن أهل الْبَلَد الجنوبي أَصْحَاب بلغم فطبائعهم تلين وَهَؤُلَاء بطونهم الْعَالِيَة لينَة لِأَن فِي معدهم صفراء كَثِيرَة.
قَالَ: ورؤوسهم صَحِيحَة صلبة شَدِيدَة اليبس لقلَّة الفضول فِيهَا وَيكون الفتق فيهم كثيرا وَكَذَلِكَ انْشِقَاق الْعُرُوق لِأَن أبدانهم صلبة فَإِذا وَثبُوا وحملوا شَيْئا كثيرا ثقيلاً ينشق مِنْهُم الصفاق وَالْعُرُوق لِأَن صفاقاتها لَيست هوائية لينَة ويصيبهم ذَات الْجنب والأمراض الحادة كثيرا ليبس بطونهم.
قَالَ: ويعرض لَهُم النفخ فِي كل عِلّة وَسبب هَذَا صلابة أبدانهم وتمددها فلتمددها تَنْقَطِع مِنْهُم الْعُرُوق والعضلات ولكثافة سطوح أبدانهم لَا تتحلل وتنفش تِلْكَ الرطوبات فتتنفخ وخاصة إِن كَانَ ذَلِك فِي نواحي صُدُورهمْ وتنقطع عروقهم بِسَبَب برد مَائِهِمْ لِأَن المَاء الْبَارِد يمدد جدا ويكثرون الْأكل وَلَا يكثرون الشَّرَاب.
стр. 2033
لى: أَنه لم يُعْط الْعلَّة فكأنهم لم يَأْكُلُون كثيرا.
وَقَالَ: أَنهم يشربون قَلِيلا لِأَن أكلهم كثيرا وقلما يجْتَمع أَن يَأْكُل الْإِنْسَان وَيشْرب كثيرا وَالْعلَّة عِنْدِي فِي كَثْرَة الْأكل برد الْبَلَد وَفِي قلَّة الشّرْب تنشقهم الْهَوَاء الْبَارِد وَقلة الْعرق كالحال فِي)
قَالَ: وَلَا يعرض لَهُم الرمد سَرِيعا فَإِن عرض تصدعت أَعينهم لِأَن الرمد إِنَّمَا يقل فيهم لبرد بِلَادهمْ كَمَا أَنه يكثر فِي أُولَئِكَ لحر بِلَادهمْ وكما أَن أُولَئِكَ أَعنِي أَصْحَاب الْبِلَاد الجنوبية يسلمُونَ مِنْهُ لسخافة أَعينهم ولين بطونهم.
قَالَ: فَكَمَا أَنه لَا يعرض الرمد فِي الشتَاء إِلَّا للقليل من النَّاس فَإِن كَانَ شَدِيدا مؤلماً وَذَلِكَ يكون لضيق مسام صفاق الْعين وكثافتها من شدَّة الْبرد فَلَا تخرج مِنْهَا الفضول حَتَّى أَنَّهَا رُبمَا تصدعت لِكَثْرَة احتقان الرطوبات فِيهَا ولجسأ الطَّبَقَات لشدَّة الْبرد فَأَما الْأَبدَان اللينة فعلى خلاف ذَلِك لِأَن مسامها وَاسِعَة وطبقاتها مواتئة للامتداد.
لى: فَهِيَ بعيدَة من جِهَتَيْنِ أَن الامتلاء لَا يجْتَمع فِيهَا شَدِيدا لسعة المسام وَأَنه إِن اجْتمع فَإِن الطَّبَقَات مواتئة للامتداد. وبالضد فِي الْبلدَانِ والأزمان الْبَارِدَة.
قَالَ: ويعرض للشباب فِي الصَّيف رُعَاف شَدِيد كثير لِأَن الدِّمَاء فِي أبدانهم كَثِيرَة لبرد الْبَلَد فَإِذا جَاءَ الصَّيف تحللت وصعدت نَحْو الرَّأْس وفجرت الْعُرُوق.
قَالَ: وَلَا يعرض لَهُم الصرع فَإِن عرض كَانَ قَوِيا شَدِيدا لِأَن هَؤُلَاءِ أصحاء الرؤوس يابسها والفضول فِيهَا قَليلَة وَيكون الصرع فِيهَا دَلِيلا على عِلّة فِي غَايَة الْقُوَّة حَتَّى أمكنه إِن ظهر أَن يقهر مثل هَذِه الرؤوس.
قَالَ: وأعمارهم أطول. قَالَ ج: لقُوَّة أبدانهم وصحتها وَلَا سِيمَا الرَّأْس والبطن لِأَنَّهُ أَكثر مَا تعرض لَهُم الْأَمْرَاض الحادة والأمراض الحادة تعرض للأبدان القوية والقروح فِي أبدانهم سريعة الْبُرْء غير مؤلمة لِأَنَّهَا لَيست رطبَة وليبس أبدانهم لَا ينصب إِلَيْهَا شَيْء لصلابة أبدانهم وأخلاقهم خبيثة سبعية لأَنهم أَصْحَاب مرّة صفراء وأبدانهم قحلة وبلادهم بَارِدَة.
قَالَ: فَهَذِهِ الْأَمْرَاض تعرض فِي رِجَالهمْ وَهِي أمراضهم البلدية لِأَن أبدانهم لَا تنقى من الفضول وَالنِّسَاء أَيْضا لَا ينقين بالطمث وَالنِّسَاء عواق لِأَن برد هَذِه الْمَدِينَة وتنفسه يمْنَع الطمث من أَن يجْرِي مجْرَاه فَلَا ينقى النِّسَاء على مَا يَنْبَغِي وَلِأَن المَاء الْبَارِد فِي الْأَكْثَر بطيء النضج والبطيء النضج هُوَ الَّذِي لَا يسخن سَرِيعا وَلَا يبرد سَرِيعا فَيفْسد الطمث.
قَالَ: وَمن اشْتَمَلت من هَؤُلَاءِ عسر ولادها ليبس بدنهَا وصلابته وَلَا يعرض لَهُم إِسْقَاط إِلَّا قَلِيلا لِأَن أرحامهن جافة قَليلَة البلغم ولقوة أبدانهن وَرُبمَا أسقطن من شدَّة برد المَاء للذعه الْجَنِين ويقل لبنهن ويغلظ للبرد. وَقد يعرض لَهُنَّ كزاز وَأكْثر مَا يعرض لَهُنَّ
стр. 2034
السل بعقب الْولادَة)
لِأَنَّهُ من شدَّة الْأَمر عَلَيْهِنَّ فِيهِ وصلابة أبدانهن وعروقهن وَقلة مواتاتهن للامتداد تَنْقَطِع فِي صدورهن عروق وَرُبمَا انْقَطَعت عروق الْأَرْحَام وَرُبمَا انْقَطع شَيْء من العصب فَيعرض كزاز.
قَالَ: ويعرض لصبيان هَذِه الْمَدِينَة لذكورهم المَاء فِي الْخصي وَيذْهب عَنْهُم إِذا كبروا وَكَذَا يعرض للجواري المَاء فِي بطونهم وَيذْهب إِذا كبرن.
قَالَ: وَالِاسْتِسْقَاء يعرض فِي الْبلدَانِ الرّطبَة كثيرا وَأما هَذَا الْبَلَد فيابس لَكِن الصّبيان مزاجهم فِيهِ رطب ومياههم تجَاوز الِاعْتِدَال فَلذَلِك يصيبهم ذَلِك فَإِذا شبوا قويت حرارتهم وانفشت هَذِه الرطوبات.
لى: لما كَانَ ماؤهم شَدِيد الْبرد لم تنفش مِنْهُم رطوبات.
قَالَ: ويبطئ إِدْرَاك فتيانهم لبرد الْبَلَد وهبوب الرّيح الْبَارِدَة.
قَالَ: وَهَكَذَا حَال الْبلدَانِ الْمَوْضُوعَة على سمت الفرقدين والموضوعة على سمت القطب الجنوبي الَّتِي تهب فِيهَا الرِّيَاح الَّتِي فِي الْغَايَة من الْبرد واليبس وَهِي الشمالية وَالَّتِي فِي الْغَايَة من الْحر والرطوبة وَهِي الجنوبية.
لى: أوضاع المدن الَّتِي اخْتِلَاف مَا بَينهَا كثير جدا من المضاد أَربع: الْمَوْضُوعَة قبالة القطب الجنوبي على سمت القطب أَو مَا يَلِي إِلَى نَاحيَة الْمشرق الشتوي وَإِلَى أول حد الْمشرق الشتوي وَهُوَ حَيْثُ مطلع الجدي وَأما إِلَى نَاحيَة الْمغرب وَإِلَى حَيْثُ يغرب الجدي وَهَذَا الْحَد كُله هُوَ من سمت القطب الجنوبي وَإِلَى مدَار الجدي كُله فَهَذِهِ المدن المكشوفة لهَذِهِ الْجِهَة المستترة عَن سواهَا تهب عَلَيْهَا الرِّيَاح الجنوبية الْخَالِصَة وَغير الْخَالِصَة. فَأَما الْخَالِصَة فَمَا هَب مِنْهَا من سمت القطب نَفسه وَغير الْخَالِصَة فَمَا مَال عَن القطب نَحْو الْمشرق أَو الْمغرب الشتوي وَهَذِه هِيَ المدن الَّتِي ذَكرنَاهَا أَولا وبقدر ميلها عَن مُقَابلَة القطب الجنوبي يكون نقصانها عَن ذَلِك ودخولها فِي المدن الْأُخَر الَّتِي نذْكر.
وَالْمَدينَة الْمَوْضُوعَة سمت القطب الشمالي إِلَى أَوَاخِر المطلع وَالْمغْرب الصيفي وَهُوَ مدَار السرطان وَهَذِه الْمَدِينَة الثَّانِيَة وتطلع عَلَيْهَا ثَلَاث ريَاح: شمالية خَالِصَة وَهِي الَّتِي تطلع من سمت القطب نَفسه والأخريان المائلتان إِمَّا نَحْو الْمشرق وَإِمَّا نَحْو الْمغرب وتختلف هَذِه الْبلدَانِ من ميلها نَحْو الْمشرق وَالْمغْرب وَهُوَ الْبَلَد الثَّانِي. والبلدان الْمَوْضُوعَة قبالة مشرق الشَّمْس هِيَ)
من حد مغرب الْمِيزَان إِلَى حد مغرب الجدي والسرطان.
فَأَصْدقهَا طبعا وأعدلها هَوَاء الْمَوْضُوع على سمت مطلع الْحمل وَمَا مَال مِنْهَا إِلَى نَاحيَة السرطان أَو الجدي فَيدْخل بِقدر ذَلِك فِي طبائع تِلْكَ الْبلدَانِ فالموضوعة سمت مشرق الشَّمْس هُوَ الْمَوْضُوعَة هَذَا الْحَد إِلَّا أَنَّهَا مكشوفة للمشرق مستورة عَن الْمغرب وَهِي
стр. 2035
ضد المغربية والبلدان الْمَوْضُوعَة قبالة مغرب الشَّمْس وَهُوَ منحد مطلع الْحمل إِلَى حد مطلع الجدي والسرطان وَأصْدقهَا طبعا وأعدلها فِي هَذَا الْموضع على سمت الْمِيزَان وَإِنَّمَا نقُول هَذَا وَمَا مَال مِنْهَا إِلَى نَاحيَة السرطان والجدي فَيدْخل بِقدر ذَلِك فِي طبائع تِلْكَ الْبلدَانِ فالموضوعة سمت مغرب الشَّمْس هِيَ مَوْضُوعَة على هَذَا الْحَد إِلَّا أَنَّهَا مكشوفة للمغرب مستورة من الْمشرق وَهِي ضد المشرقية والشمالية ضد الجنوبية فَأَما المشرقية فتوافق الشمالية فِي أَشْيَاء والجنوبية فِي أَشْيَاء لِأَنَّهَا بَينهمَا وَكَذَا المغربية وتخصها فِي نَفسهَا أَشْيَاء أُخْرَى والمشرقية هِيَ الْمَدِينَة الثَّالِثَة فَهَذَا أصل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ.
فَأَما أبقراط فَيَضَع ذَلِك بِحَسب الْفلك الْخَارِج المركز للشمس فالمدينة الأولى المسامتة لخط الاسْتوَاء وَالثَّانيَِة المسامتة لما تسامت اخْتِلَافا فِي الطَّبْع وَذَلِكَ أَن الْبلدَانِ تخْتَلف طبائعها من أجل الْعرض اخْتِلَافا كثيرا جدا حَتَّى تتضاد وَلَا تخْتَلف من أجل الطول الْبَتَّةَ فالأجود أَن تفهم أَولا مَا قلت أَولا بِالْكُلِّيَّةِ ثمَّ مَا قَالَ.
قَالَ أبقراط: كل مَدِينَة مَوْضُوعَة بِإِزَاءِ مشرق الشَّمْس فَإِنَّهَا أصح لِأَن الْحَرَارَة والبرودة فِيهَا أقل.
لى: افهم هَهُنَا على قَوْله لِأَن الْبلدَانِ الَّتِي تَحت خطّ الاسْتوَاء شَدِيدَة الْحَرَارَة فَيجْعَل حد غَايَة الْحر فِيهَا من القطب الجنوبي. وَأما حد غَايَة الْبرد فَإلَى حَيْثُ يكثر عرضهَا فِي الشمَال مَا أمكن وَالَّذِي بَين هَذِه فِي الْوسط إِذا كَانُوا مكشوفين للمشرق وهم أهل الْبَلَد وَالَّذِي نريده الْآن وَلَيْسَ وَاعْلَم أَن الْحر وَالْبرد علته الأولى اخْتِلَاف الْعرض وَأما الْأُخْرَى فالارتفاع والانخفاض أقواها ثمَّ الاستتار والانكشاف وَالْجِبَال المحرقة يشْتَد حماها بالشمس أَو مَوَاضِع ثلوج كَثِيرَة تهب عَلَيْهَا دَائِما ريَاح تَجِيء إِلَى بلد فَإِنَّهَا تبرده أَو ريَاح أضداده هَذِه وَسَائِر ذَلِك مِمَّا سَنذكرُهُ.
قَالَ أبقراط: أمراضهم تكون أقل وأضعف ومياههم نميرة لَطِيفَة صَافِيَة وَذَلِكَ أَن انكشافهم لمشرق الشَّمْس مِمَّا لَا يدع الْهَوَاء أَن يغلظ وَذَلِكَ لسرعة مبادرة الطُّلُوع عَلَيْهِم فَإِن الْهَوَاء إِنَّمَا)
يغلظ فِي الأسحار لفقد الْحَرَارَة: فَإِذا أسْرع طُلُوع الشَّمْس على الْبلدَانِ فرق ذَلِك الْهَوَاء قبل أَن يتلبد ويمازج المَاء وَغَيره وبالضد.
قَالَ: وكل مَدِينَة على سمت الْمغرب تكون رُطُوبَة هوائها بَاقِيَة فِيهَا كثيرا.
قَالَ: وبشرة وُجُوه هَؤُلَاءِ حَسَنَة لينَة وألوانهم نيرة مضيئة إِن لم يعرض دونه عَارض وأصوات رِجَالهمْ صَافِيَة حَدِيدَة وَلَا يصلعون سَرِيعا وَلَا يحتدبون وَهِي أصح المدن مَاء وهواء والعشب والنبات فِي هَذِه أصح من غَيرهَا وَأَهْلهَا أفضل أبداناً وأنفساً.
قَالَ: وَهَذِه الْمَدِينَة فِي خاصتها تشبه فصل الرّبيع فِي اعتداله.
стр. 2036
قَالَ: وَكَذَا أَمر كل مَدِينَة مَوْضُوعَة فِي سمت الرِّيَاح الْيَسِيرَة الْحَرَارَة.
قَالَ: وَنسَاء هَذِه الْمَدِينَة يعلقن كثيرا مشقة لاعتدال حالهن.
الرَّابِعَة: كل مَدِينَة مَوْضُوعَة سمت الْمغرب الشتوي فَهِيَ مستترة من الرِّيَاح الشرقية وتهب عَلَيْهَا الرِّيَاح الحارة الْوَارِدَة من نَاحيَة الفرقدين من نَاحيَة الاسْتوَاء.
قَالَ: فَتكون هَذِه الْمَدِينَة كَثِيرَة الْأَمْرَاض لَا محَالة وَهِي شَرّ المدن لاخْتِلَاف هوائها وتشبه الخريف.
لى: تفقد أبدا كل مَدِينَة مستورة عَن أَي الرِّيَاح ومكشوفة بهَا.
قَالَ: مياه هَذِه الْمَدِينَة غير صَافِيَة لِأَن أشجارها تطول جدا فيخالط الْهَوَاء الغليظ المَاء فيكدره ويفسده وَلَا تشرق الشَّمْس فِي هَذِه الْمَدِينَة فِي أول طُلُوعهَا حَتَّى ترْتَفع وَتَعْلُو فيمكث هواؤها زَمَانا طَويلا كدراً وتهب فِيهَا فِي أَيَّام الصَّيف عِنْد الأسحار ريَاح بَارِدَة وتبرد صدر نهارهم فَإِذا كَانَ آخر نهارهم أسخنت الشَّمْس أَهلهَا اسخاناً شَدِيدا لِأَنَّهَا يطول زمَان طُلُوعهَا عَلَيْهِم حَتَّى تغرب وَيكون رِجَالهمْ صفراً ويمرضون ضروب الْأَمْرَاض وَلَا يسلمُونَ مِنْهَا وأصواتهم ثَقيلَة إِلَى البحوحة من أجل غلظ الْهَوَاء ورطوبته وكدرته لِأَن الرُّطُوبَة تبح الصَّوْت ونهارهم مُخْتَلف رَدِيء وخاصة فِي زمَان الخريف بِكَثْرَة اخْتِلَاف تغير الْهَوَاء مَا بَين السحر إِلَى نصف النَّهَار.
الثَّانِيَة من الأهوية والبلدان قَالَ: إِذا غلب على مزاج الْبدن الْحَرَارَة والرطوبة عرض عفن كثير وَلَا سِيمَا إِذا لم تهب ريح تحسن لَكِن يكون الْهَوَاء حِينَئِذٍ جنوبياً سَاكِنا وعلامته الغلظ والكدرة مَعَ الْحَرَارَة.)
إِذا كَانَت الْمِيَاه فِي الخريف يسيرَة وَفِي الشتَاء كَثِيرَة فَلَا يكون الصحو كثيرا وَلَا الْبرد فَوق الْمِقْدَار فِي الشتَاء وَكَانَت فِي الرّبيع الْمِيَاه معتدلة وَفِي الصَّيف أَيْضا كَانَت السّنة صَحِيحَة سليمَة جدا اضطراراً.
قَالَ: إِذا كَانَ الشتَاء يَابسا شمالياً وَالربيع كثير الأمطار جنوبياً عرض فِي الصَّيف الْحمى والرمد وَاخْتِلَاف الْأَعْرَاض اضطراراً لِأَنَّهُ إِذا دخل الْحر بَغْتَة وَالْأَرْض ندية من كَثْرَة أمطار الرّبيع والهواء جنوبي قد امْتَلَأت الرؤوس وَيكون الْبَطن لينًا ويهيج العفن والحميات بِمن كَانَ مرطوباً.
فَأَما النِّسَاء وَمن هُوَ فِي مزاجه رطب فَيعرض اخْتِلَاف الْأَعْرَاض.
قَالَ: الضّر فِي هَذَا الْحَال يَقع على أَصْحَاب الطبائع البلغمية لِأَن أَصْحَابهَا لَا يصبرون على هَذِه الْأَزْمَان الردية الرّطبَة الحارة فَأَما الَّذين مزاجهم يَابِس فَلَا يدْخل عَلَيْهِم من هَذِه الأمزجة ضَرَر لكِنهمْ يَنْتَفِعُونَ بهَا لأَنهم يرطبون ويرجعون إِلَى الْحَرَارَة والرطوبة الطبيعية وَأَصْحَاب الأمزجة الرّطبَة جدا يعرض لَهُم فِي الْأَزْمِنَة الحارة الرّطبَة اخْتِلَاف الْأَعْرَاض أَكثر مِمَّا يعرض لجَمِيع النَّاس.
стр. 2037
فَإِن جَاءَ فِي هَذِه السّنة فِي وَقت طُلُوع الْكَوَاكِب مطر وشمال كثير رُجي أَن تنْحَل الْأَمْرَاض وَيكون الخريف صَحِيحا وَإِلَّا فَشَا الْمَوْت فِي الصّبيان وَفِي النِّسَاء ضَرُورَة وَيكون فِي الْمَشَايِخ أقل لِأَن الصّبيان وَالنِّسَاء مزاجهم رطب وَيَنْبَغِي لمن خيف عَلَيْهِ الْمَرَض فِي ذَلِك الْوَقْت أَن يبرد بدنه وَيحسن تَدْبيره.
قَالَ: وَمن ينج من الْمَوْت من النِّسَاء وَالصبيان يَقع فِي حمى الرّبع وَمن الرّبع فِي جمع المَاء الْأَصْفَر لِأَن الحميات تحرق فيهم فَتَصِير سَوْدَاء والحمى الرّبع إِذا تطاولت آلت لي المَاء الْأَصْفَر.
فَإِذا كَانَ الشتَاء جنوبياً مطيراً دفيئاً وَالربيع شمالياً بَارِدًا فالحوامل يسقطن فِي الرّبيع واللواتي يلدن مِنْهُنَّ يلدن أطفالاً ضعافاً. فإمَّا أَن يموتوا وَإِمَّا أَن يعيشوا مسقامين لعلل قد فسرت فِي كتاب الْفُصُول.
قَالَ: وَأما سَائِر النَّاس فَيعرض لَهُم فِي هَذَا التَّغَيُّر اخْتِلَاف الْأَعْرَاض ورمد يَابِس ونوازل من الرَّأْس إِلَى الرئة فَأَما النِّسَاء وَأَصْحَاب الأمزجة الرّطبَة فَيعرض لَهُم اخْتِلَاف الْأَعْرَاض لِأَن البلغم الْمُجْتَمع فِي رؤوسهم قي الشتَاء ينزل إِلَى بطونهم. وَأما أَصْحَاب الصَّفْرَاء فَيعرض لَهُم رمد. وَأما الشُّيُوخ فتعرض لَهُم نَوَازِل فِي عصبهم فَرُبمَا مَاتُوا فَجْأَة وَرُبمَا جف مِنْهُم الْجَانِب الْأَيْمن لِأَن الشتَاء الجنوبي لايصلب الْأَبدَان فَيدْخل الرّبيع بِبرد فيحفظ مَا فِي الرؤوس وَلَا يحلله فَإِذا جَاءَ)
الصَّيف عظم التَّغَيُّر فَلذَلِك يعرض مَا ذكرنَا.
وَمَا كَانَ من الْبلدَانِ تجاه الْمشرق ورياحه سليمَة ومياهه عذبة فَإِن الْمَدِينَة قَلما يَضرهَا تغير الْهَوَاء لجودة هوائها واعتدال سكانها.
كل مَدِينَة لَيست تجاه الْمشرق وَيشْرب أَهلهَا مَاء مالحاً وبطائحها ورياحها غير سليمَة فَإِن تغير الْهَوَاء يعظم ضَرَره فِيهَا لِأَن أبدانهم تسرع إِلَى قبُول الْآفَات.
إِذا كَانَ الصَّيف يَابسا شَدِيد الْحر ذهبت الْأَمْرَاض سَرِيعا فَإِن كَانَ كثير الأمطار طَالَتْ الْأَمْرَاض آلت القروح فِيهِ إِلَى الآكلة كثيرا لِأَن أخلاط الْبدن تكون قد عفنت جدا ويعرض زلق الأمعاء ولين الْبَطن وَالْمَاء الْأَصْفَر وَذَلِكَ يكون لِأَن الْبَطن يكون سهلاً جدا وَلَا يجِف ويدوم فَإِذا كثر الِاخْتِلَاف برد الْبدن كُله واستسقاء وزلق الأمعاء ولين الْبَطن تعرض من دوَام سيلان الرطوبات من الرَّأْس.
إِذا كَانَ الصَّيف كثير الأمطار جنوبياً والخريف كَمثل مَا كَانَ الشتَاء ضَرُورَة سقيماً تعرض للمبلغمين والشيوخ وَأَبْنَاء أَرْبَعِينَ سنة حمى لهبة محرقة ويعرض لأَصْحَاب الصَّفْرَاء ذَات الْجنب ووجع الرئة.
قَالَ ج: هَذَا الْكَلَام مضاد للعيان وَلما يظْهر دَائِما وَلقَوْله فِي كتاب الْفُصُول وَذَلِكَ لِأَن فِي الْأَزْمِنَة الحارة الرّطبَة تعفن الأخلاط فَإِذا كَانَ الصَّيف والخريف حارين رطبين ثمَّ
стр. 2038
دخل الشتَاء فَيجب أَن يعرض للنَّاس وجع الرَّأْس وَمرض الدِّمَاغ الْمُسَمّى سقاقلوس وسعال ونوازل وسل وزكام وَهَذَا القَوْل كذب على أبقراط.
قَالَ: إِذا كَانَ الصَّيف يَابسا جنوبياً والخريف كثير الأمطار شمالياً عرض للنَّاس فِي الشتَاء وجع الرَّأْس وسقاقلوس فِي الدِّمَاغ وسعال ونوازل وبحوحة وزكام والسل أَيْضا لبَعْضهِم.
قَالَ: الصَّيف الْيَابِس الجنوبي يكون إِذا لم يكن مطر وَلم تهب مَعَ ذَلِك ريَاح والرؤوس فِي ذَلِك حارة غير رطبَة فَإِذا كَانَ الخريف بعد ذَلِك بَارِدًا رطبا بِقدر انْتفع بِهِ بعض النَّاس لِأَنَّهُ يرد مزاج الدِّمَاغ إِلَى الِاعْتِدَال وَإِن كَانَ مفرطاً فِي الْبرد والرطوبة أضرّ بِبَعْض النَّاس لِأَن الرؤوس تكون سخيفة من الصَّيف الجنوبي فَإِذا أقبل الشتَاء أَصَابَهُم فِيهِ علل بَارِدَة وَمَا ذكر كُله وَأما سقاقلوس فِي الدِّمَاغ فَإِنَّهُ لإفراط العفونات فِي الدِّمَاغ يخرج عَن الِاعْتِدَال خُرُوجًا كثيرا.
وَإِذا كَانَ الصَّيف شمالياً يَابسا صَحَّ أَصْحَاب البلغم وَالنِّسَاء وَعرض لأَصْحَاب الصَّفْرَاء رمد)
يَابِس وحميات حارة مزمنة وَمرَّة سَوْدَاء لِأَن صفراءهم تحترق وَكَذَا دِمَاؤُهُمْ.
الصَّيف أَكثر أمراضاً من الشتَاء والخريف من الرّبيع وَذَلِكَ أَنه يكون يكثر فِيهِ المرار وتضعف الْأَبدَان بِكَثْرَة مَا ينفش مِنْهَا وَيكثر النَّاس أكل الْفَوَاكِه وَشرب المَاء.
قَالَ: ودع الكلى والبط والإسهال والقيء فِي تغاير الْفُصُول القوية.
قَالَ: كل مَدِينَة فَإِنَّهَا تهب عَلَيْهَا الرِّيَاح الْمُقَابلَة لَهَا فَإِن المدن الجبلية تَتَغَيَّر من أجل الْجبَال وَلَو لم يكن بَينهَا إِلَّا غلوة وَاحِدَة لِأَن الْجَبَل رُبمَا يستر بعض النواحي عَن قَرْيَة وينكشف عَن مَدِينَة فتخالف الْقرْيَة الْمَدِينَة.
قَالَ: وَالِاخْتِلَاف الْعَظِيم يكون للعرض كالحال فِي بِلَاد التّرْك والنوبة.
الثَّالِثَة: المدن المعتدلة فِي الْحر وَالْبرد يكثر فِيهَا الْحَيَوَان والنسل ويزكو النَّبَات وَتَكون شَهْوَة الباه فيهم غالبة وتعظم جثث الْحَيَوَان وَتَكون حَسَنَة.
لى: إِذا كَانَت الْبِلَاد مستوية لَيست كَثِيرَة الانخفاض وَلَا الِارْتفَاع كَانَ تغاير الْفُصُول فِيهَا يَسِيرا وبالضد فَإِن الْمَوَاضِع الشامخة يشْتَد فِيهَا الْبرد فِي الشتَاء والغائرة تكون كنينة. فَأَما فِي الصَّيف فالغائرة تكون رمدة والمرتفعة طيبَة لِكَثْرَة هبوب الرِّيَاح.
والبلدان الرّطبَة الْبَارِدَة المزاج تصير أبدان أَهلهَا عَظِيمَة شحمية لَا يتَبَيَّن لَهُم عرق وَلَا مفصل.
الْبلدَانِ الواغلة فِي الشمَال لَا تكَاد تبلغ إِلَيْهَا الرِّيَاح الجنوبية إِلَّا وَقد ضعفت وبالضد. الْبلدَانِ الْبَارِدَة تجْعَل أَهلهَا أَشْجَع اضطراراً والبلدان المعتدلة تجعلهم أهل توان وكسل وَخَوف.
أهل الْبلدَانِ الشامخة الجبلية أحسن وَأقوى من أهل الْبلدَانِ الغائرة لأَنهم يشربون مياهاً طيبَة صَحِيحَة ويتنسمون هَوَاء صافياً نقياً وتهب عَلَيْهِم ريَاح كَثِيرَة وَالشَّجر النَّابِت فِيهَا أقوى وَأَصَح وَسكن الأغوار تهب عَلَيْهِم ريَاح حارة مَا لَا تهب الْبَارِدَة
стр. 2039
وَيَشْرَبُونَ مياهاً فاترة وأجسامهم صغَار ضِعَاف فَإِن كَانَت مِيَاههمْ مَعَ ذَلِك قَائِمَة كَانَ أشر وَإِن كَانَت لَهُم أَنهَار جَارِيَة فَهُوَ أَجود. فَأَما أَن يشْربُوا من النقائع والبطائح والسباخ فَإِنَّهُم يكونُونَ صفراً مطحولين عِظَام الْبُطُون. ٣ (تغير الْهَوَاء فِي الْبلدَانِ الشاهقة) عِنْد الْفُصُول تكون أظهر وَأقوى وَفِي الْبلدَانِ الغائرة أَضْعَف ومياه الْبلدَانِ الغائرة أردأ.
من سكن أَرضًا مَهْزُولَة نحيفة قَليلَة الْمِيَاه كَانَت طبائعهم وأمزاجهم يابسة وَحَيْثُ أَرض سَمِينَة لينَة كَثِيرَة الْمِيَاه مُرْتَفعَة يكون هواؤها فِي الصَّيف حاراً وَفِي الشتَاء بَارِدًا وَتَكون الْأَزْمِنَة فِيهَا مُوَافقَة صَالِحَة وَيكون أَهلهَا سماناً وضعافاً.
من الْمسَائِل: الرِّيَاح تَتَغَيَّر إِمَّا للجهة كالشمال فَإِنَّهَا بَارِدَة والجنوب حارة وَأما الشرقية والغربية فمعتدلتان وَإِمَّا للمواضع الَّتِي تمر بهَا وَالَّتِي تنشأ مِنْهَا فَإِنَّهَا بِحَسب طبائع تِلْكَ الْأَمْكِنَة تكتسب طبائعها.
المدن تخْتَلف إِمَّا لمقابلتها الْجِهَات كمقابلتها للمشرق أَو الْمغرب أَو الْجنُوب أَو الشمَال أَو بِسَبَب مقابلتها لريح من الرِّيَاح.
الأرضون يخْتَلف فعلهَا فِي الْأَبدَان لثلاث: لكمية الْأَشْجَار وللارتفاع والانخفاض ولكمية الْمِيَاه. فالأرض الْكَثِيرَة الْمِيَاه ترطب وبالضد والكثيرة الْأَشْجَار أسخن وأرطب لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الستْرَة والمكشوفة بالضد والعالية بَارِدَة والمنخفضة حارة.
لى: وتختلف الأَرْض أَولا من أجل الْعرُوض ثمَّ من أجل الرِّيَاح ثمَّ من أجل التربة أَن تكون صخرية أَو طينية أَو معدنية ثمَّ بِسَبَب وضع الْبحار وَالْجِبَال وَنَحْو ذَلِك.
стр. 2040
وَالْمَدينَة الْمَوْضُوعَة قبالة القطب الجنوبي المستورة عَن سَائِر الْجِهَات مزاجها حَار لِأَنَّهُ تهب فِيهَا ثَلَاث ريَاح جنوبية: الهابة من المحور الجنوبي وَهِي الْجنُوب الْخَالِصَة وَالْأُخْرَى تهب مائلاً عَن القطب إِلَى نَاحيَة الْمشرق قَلِيلا وَتسَمى النعامى وَالثَّالِثَة المائلة عَن القطب إِلَى الْمغرب قَلِيلا وَتسَمى الهيرة وَكلهَا حارة رطبَة وَلذَلِك صَار مزاج الْمَدِينَة حاراً رطبا.
لى: يَعْنِي أَن هَذِه هِيَ أحر وأرطب من سَائِر المدن المساوية لَهَا فِي الْعرض وَسَائِر الْحَالَات ثمَّ هبوب الرِّيَاح.
الْمَدِينَة الْمَوْضُوعَة تِلْقَاء القطب الشمالي المستترة من سَائِر النواحي مزاجها بَارِد يَابِس ويهب فِيهِ ثَلَاث ريَاح: شمالية الهابة من المحور الشمالي وَهِي الشمالية الْخَالِصَة والمائلة عَن القطب إِلَى نَاحيَة الْمشرق وَهِي القشع والمائلة إِلَى نَاحيَة المغربوهي الجريباء حُدُود الشمَال من الْمشرق الصيفي الْمغرب الصيفي.) ٣ (سكان الْمَدِينَة الشمالية) يغلب عَلَيْهِم اليبس وطبائعهم يابسة عسرة الانحلال. حُدُود الْمشرق فِي مَا بَين الْمشرق الصيفي إِلَى الْمشرق الشتوي.
الْمَدِينَة الْمَوْضُوعَة قبالة الْمشرق تهب فِيهَا ثَلَاث ريَاح: الهابة من الْمشرق الصيفي وَتسَمى السفع والهابة من الْمشرق الشتوي وَهِي الأزيب والهابة من الْموضع الْمُتَوَسّط من هَذِه وَهِي الصِّبَا معتدلة وأكثرها اعتدالاً الصِّبَا وَهَذِه الثَّلَاث الرِّيَاح معتدلة وأكثرها اعتدالاً الصِّبَا والهابة من الْمشرق الصيفي لِأَنَّهَا تميل إِلَى الشمَال فَهِيَ مائلة إِلَى الْبرد واليبس عَن الِاعْتِدَال بِقدر ميلها لِأَنَّهَا نَحْو الْمغرب وَهَذِه الْمَدِينَة معتدلة إِلَّا أَنَّهَا أميل إِلَى الْحَرَارَة مائلة قَلِيلا وماؤها جيد وهواؤها لطيف.
الرِّيَاح الَّتِي تهب فِي الْمَدِينَة الَّتِي قبالة الْمغرب ثَلَاث: الهابة من الْمغرب الصيفي وَتسَمى محوة والهابة من الْمغرب الشتوي وَتسَمى حيزبون والهابة الْوُسْطَى وَهِي الدبور وَهَذِه الرِّيَاح معتدلة وأعدلها الدبور وأيبسها محوة وأبردها الحيزبون لِأَنَّهَا مائلة إِلَى الشمَال.
الرِّيَاح المشرقية والمغربية وَإِن كَانَت معتدلة فالمشرقية أميل إِلَى الْحَرَارَة واليبس والمغربية إِلَى الْبرد والرطوبة.
لى: لِأَن هَذَا مشرق صَاف قَلِيل الرُّطُوبَة بِسُرْعَة إشراق الشَّمْس عَلَيْهِ وإذهابها لغلظ هَوَاء الأسحار وبالضد والرياح المشرقية والمغربية وَإِن كَانَت على طول وَاحِد فَإِنَّهَا يلْزمهَا مَا ذكرنَا لِأَن الرّيح المشرقية تَجِيء من هَوَاء قد لطفته الشَّمْس إِلَى هَوَاء لم تلطفه بعد والمغربية بالضد.
إِذا كَانَ الْبَلَد جبال ثلجية هبت ريَاح بَارِدَة فِي الشتَاء مَا دَامَ الثَّلج بَاقِيا فَإِذا ذهب الثَّلج لم تهب فِيهِ ريَاح وَصَارَ رمداً كبلاد طرسوس.
لى: هَذَا لم تكن لَهُ ريَاح أُخْرَى تهب.
الْبلدَانِ المشرفة جدا والغائرة جدا يكون تغاير الْأَزْمِنَة فِيهَا عَظِيمَة قَوِيَّة وَكَذَا فِي الْبلدَانِ الْمُخْتَلفَة الْحَالة الَّتِي بَعْضهَا عَال وَبَعضهَا منخفض وَلها جبال مُخْتَلفَة الْوَضع.
والبلدان الْيَابِسَة أَهلهَا أَكثر فهما وَأكْثر جلدا وبالضد.
اسْتَعِنْ بالمقالة الثَّامِنَة من هَذِه الْمسَائِل.
من الأولى من الأغذية قَالَ: اجْعَل الأغذية بِحَسب مزاج الْبِلَاد والأوقات وَاحْذَرْ فِي الخريف)
الْأَطْعِمَة الَّتِي تولد دَمًا سوداوياً وَالَّتِي تجفف وتستعمل فِي الشتَاء بِثِقَة واتكال وَكَذَا فَاسْتعْمل فِي الصَّيف الْأَطْعِمَة المبردة. وَأما الرّبيع فَاسْتعْمل فِيهِ الأغذية المعتدلة.
الأولى من المزاج قَالَ: شَرّ حالات الْهَوَاء الْحَار الرطب وَبِه يكون الوباء أَكثر كَمَا ذكر أبقراط: أَنه جَاءَ مطر جود ودام فِي الصَّيف كُله.
قَالَ: وَلَيْسَ شَيْء من أَوْقَات السّنة الطبيعية حاراً رطبا وَلَا الرّبيع لِأَن الرّبيع معتدل وَالْوَقْت الْحَار الرطب إِنَّمَا هُوَ الَّذِي تغلب عَلَيْهِ الْحَرَارَة مَعَ الرُّطُوبَة كالحال الَّتِي وصفهَا أبقراط.
стр. 2041
قَالَ: جَاءَ مطر جود فِي وَقت حر شَدِيد.
قَالَ: وَمَتى كَانَ تغير الزَّمَان فِي فصل وَاحِد كَانَت بلية الوباء أقل وَمَتى كَانَ فِي أزمنة كَثِيرَة كَانَت البلية فِي الْغَايَة إِلَّا أَن يكون تغيرها إِلَى الضِّدّ.
قَالَ: فَفِي حالات الْهَوَاء الْحَار الرطب تكون العفونات على أعظم مَا تكون وَفِي الْحَالَات الْبَارِدَة الْيَابِسَة لَا تكون عفونته فَلذَلِك الشمَال تبقى الْأَجْسَام سليمَة من العفن والجنوب تعفن سَرِيعا.
قَالَ: وَجَمِيع مَا يقْصد بِهِ النَّاس لِئَلَّا يعفن إِنَّمَا يبردونه ويحفظونه كَمَا يفعل باللحموم بالخل وَالْملح والوضع فِي الْهَوَاء الْبَارِد.
الثَّانِيَة من المزاج قَالَ: الْحَرَارَة الغريزية فِي الشتَاء كَثِيرَة والحرارة الغربية كَثِيرَة فِي الصَّيف وَمن الغربية تكون العفونات وَمن الغريزية الهضم.
الْيَهُودِيّ قَالَ: إِذا كثر الْمَطَر فِي القيظ هاج الجدري والحصبة وَإِذا ظهر نَاحيَة بَنَات نعش مثل الْبَرْق كَانَت السّنة وبئية.
قَالَ: وَقت الوباء دع الْأَطْعِمَة الرّطبَة وافصد وَاحْذَرْ الامتلاء وَالشرب وَكَثْرَة الْجِمَاع وَكَثْرَة النّوم وأسهل بالمطبوخ وكل الْأَطْعِمَة السريعة الهضم اللطيفة وَالْجُلُوس فِي الْحمام وتعاهد السكنجبين والجلاب والطين الأرمني بِالْمَاءِ والخل ومص الرُّمَّان والإجاص وَمر أَن يرش فِي الْبَيْت خل وحلتيت وَاجعَل طَعَامك عدساً وقرعاً وماشاً وَنَحْوه فَإِن هَذَا أَمَان من الطَّاعُون.
قَالَ ج: أَنه لما حدث الوباء لم يتَخَلَّص أحد إِلَّا أَصْحَاب الصَّيْد لإدمانهم الرياضة.
الطَّبَرِيّ: إِذا حدث فِي أيلول نيران فِي السَّمَاء فاجتنب حِينَئِذٍ الْأَطْعِمَة والأشربة الغليظة والرطبة قَالَ الْجِمَاع وإدمان التَّعَب واشرب مسهلاً وَأكْثر دُخُول الْحمام وأطل فِيهِ واشرب الشَّرَاب الريحاني وشم أَنْوَاع الطّيب فَإِن ذَلِك يدْفع الْفساد إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَالضَّرَر عَن الدِّمَاغ وَالْقلب.)
وَحكى عَن بعض كتب الْهِنْد انه يَنْبَغِي أَن يجْتَنب فِي الصَّيف المالح والخريف وَيتْرك الرياضة ويؤكل الشَّيْء الْخَفِيف الحلو الدسم وَيجْعَل مَسْكَنه بَارِدًا وَيكسر شرابه بِمَاء كثير ويغتسل بِمَاء بَارِد لِأَن الْبدن فِي هَذَا الْفَصْل ضَعِيف ونار الْمعدة قَليلَة.
لى: ينظر فِي الحلو والحامض وَالدَّسم.
وَقَالَ: الأَرْض القاع القليلة النَّبَات وَالْمَاء صَحِيحَة والكثيرة النَّبَات وَالْمَاء والأمطار أَرض موت ووباء وأمراض والمتوسطة بَين ذَلِك متوسطة فِي ذَلِك.
أَبُو هِلَال الْحِمصِي قَالَ: المرضى من الوباء يَنْبَغِي أَن يقلل طعامهم وشرابهم لِأَن ذَلِك الطَّعَام
стр. 2042
قَالَ ابْن ماسويه: مِمَّا يصلح الْهَوَاء الرَّدِيء وهواء الْبَيْت الَّذِي يصطلى فِيهِ وَيكسر عَادِية الوباء الدُّخان. وَيذْهب رداءته الْعود الْهِنْدِيّ وَحده والعنبر والمسك والصندل والقسط الحلو والميعة والكندر فَإِن هَذِه تصلح الْهَوَاء الغليظ. وَمِمَّا يذهب رداءة الْوقُود أَن يطْرَح على النَّار الْجَمْر قطع سفرجل طري وَيتْرك حَتَّى يَحْتَرِق.
لى: واطرح على الْجَمْر قشور رمان وآس ورش عَلَيْهِ الْخلّ وَنَحْو ذَلِك.
قَالَ: ولتكن المساكن الصيفية أَبْوَابهَا أبدا قبالة الشمَال والشتوية قبالة الْمشرق والبلدان الْبَارِدَة لتكن أَبْوَابهَا أبدا قبالة الْمشرق وَأما الْبلدَانِ الحارة فقبالة الشمَال.
شَمْعُون: قَالَ: إِذا كَانَ الوباء فاكنس الْبَيْت كل يَوْم وليرتش بخل وحلتيت ويؤكل كل يَوْم خبز بخل وحلتيت.
من اختيارات حنين قَالَ: شرب المَاء الْبَارِد ضَرْبَة الْكثير مِنْهُ يُطْفِئ الْحَرَارَة الْحَادِثَة من الوباء وَإِن شرب قَلِيلا قَلِيلا لم ينفع بل أهاج الْحَرَارَة.
قَالَ روفس: لم أر أحد شرب هَذَا الدَّوَاء إِلَّا وَسلم من الوباء وَهُوَ: أَن يُؤْخَذ من الصَّبْر جزءان وَمن المر جُزْء وَمن الزَّعْفَرَان جُزْء يسحق وَيُؤْخَذ مِنْهُ كل يَوْم قَلِيل بأوقيتين من شراب ريحاني.
السَّادِسَة من مسَائِل ابيذيميا قَالَ: يكون الْهَوَاء المكشوف أفضل إِذا كَانَ سَاكِنا ومداً لَا يَتَحَرَّك فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ الْمَوَاضِع الْعَالِيَة أفضل لِأَنَّهُ على حَال تقع فِيهَا حَرَكَة.
من كتاب ارخيجانس قَالَ اسقلبياذس: إِن أهل النّوبَة يهرمون فِي ثَلَاثِينَ سنة لِأَن أبدانهم تَجف من شدَّة حرارة الشَّمْس وحرارتهم تنفش وَأهل الْبلدَانِ الْبَارِدَة لَا يهرمون فِي مائَة سنة لِأَنَّهُ لَا)
تَجف أبدانهم وحرارتهم لَا تنفش لَكِن تبقى دَاخِلا قَوِيَّة كامنة فِي أبدانهم مكتنزة.
من كتاب روفس فِي التَّدْبِير قَالَ: الموتان يَنْبَغِي أَن يبرد الْبدن فِي المَاء الْبَارِد وتترك الْأَعْمَال والتعب وَكَثْرَة الْأكل وَالشرب.
قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي أَن يكن فِي الْمَدِينَة الضيقة الْأَسْوَاق والمغمة بل ينْتَقل عَنْهَا. من كِتَابه فِي المالنخوليا قَالَ: الرّبيع يثور فِيهِ الدَّم ويتعكر لِأَن مَا فِيهِ من الْأَنْفَال تهيج مَعَه كَمَا تثور مياه الْعُيُون فِي ذَلِك الْوَقْت وَلذَلِك يُبَادر فِيهِ بالفصد لِأَنَّهُ يخرج دَمًا ردياً يثور ويومن بِهِ من هيجان الْعِلَل ويهيج فِيهِ المالنخوليا وَإِن كَانَ الدَّم سوداوياً لِأَنَّهُ يصعد إِلَى الدِّمَاغ والبثور والدماميل والأورام والخراجات والصداع وَالْعُرُوق الَّتِي فِي الصَّدْر وَنَفث الدَّم ويهيج فِيهِ السعال وتسوء فِيهِ حَال أَصْحَاب السل ويموتون فِيهِ كثيرا ويعرض فِيهِ الفالج والسكتة كثيرا ووجع المفاصل والخوانيق تكون فِي هَذَا الْفَصْل قاتلة
стр. 2043
سَرِيعا تبادر القروح إِلَى العفن. وَأكْثر مَا تعرض هَذِه الْأَعْرَاض لمن يكْتَسب فِي شتوته دَمًا ردياً كثير الفضول فَيظْهر فعل تِلْكَ الفضول فِي الرّبيع حَتَّى يسخن الدَّم وينتشر.
لى: وَقد يعرض مثل هَذِه الْأَعْرَاض فِي الرّبيع لمن يشْتَد حزنه أَو يحتد مزاجه لعَارض من عوارض النَّفس لِأَن دَمه يهتاج ويزداد تثوراً ورداءة.
قَالَ: الخريف مُفسد للهضم.
قَالَ: وَالربيع فصل صَحِيح وَلَكِن هَذِه الْأَشْيَاء إِنَّمَا تعرض فِيهِ لسخونة الدَّم لمن دَمه رَدِيء.
من مسَائِل ابْن ماسويه قَالَ: السّنة الَّتِي تكون فِيهَا الضفادع أَكثر تكْثر فِيهِ الْأَمْرَاض لِأَنَّهَا تكون سنة رطبَة وَإِذا كَانَ الصَّيف والخريف كثيري الجنائب والأمطار كَانَ الشتَاء ممرضاً لَا يقتل والأبدان فِيهَا فضل كثير وَإِذا كَانَ الشتَاء جنوبياً وَالربيع شمالياً حدثت فِيهِ أمراض وَإِذا كَانَ الشتَاء شمالياً وَالربيع جنوبياً كَانَ فِي الصَّيف حميات ورمد. إِذا كَانَ الصَّيف يَابسا جدا والخريف مطيراً حدث فِي الشتَاء صداع وبحة وسعال.
من آخر الْمقَالة الأولى من طبيعة الْإِنْسَان جملَة مَا قَالَه فِي عِلّة تولد الأخلاط فِي الْأَزْمِنَة قَالَ: الشتَاء لطول اللَّيْل وَقصر النَّهَار وَضعف سُلْطَان الشَّمْس تضعف فِي الْمرة.
قَالَ: وَإِن كَانَ الهضم فِي الشتَاء جيدا فخارج الْأَبدَان يبرد وخاصة إِذا لم يكن متدثراً وَكَانَت نواحي الْبَطن مكشوفة. فَأَما الرّبيع فيكثر فِيهِ الدَّم لِأَن الرُّطُوبَة غريزة يسخن بِالزَّمَانِ وَالدَّم)
يكثر مَعَ كَثْرَة الْمَطَر وحر النَّهَار. وَأما الصَّيف فلطول النَّهَار يكثر الْحر ويشتد وَيكثر المرار وَأما الخريف فيوافق برده احتراق الصَّيف فَيصير مَا احترقت بَارِدَة وَقد كَانَت يابسة وَلذَلِك يقل الدَّم فِيهِ ويضعف.
٣ - (جَوَامِع الحميات الْمفصل)
قَالَ: يعسر فعل الوباء فِي الْأَبدَان الَّتِي لَا فضول فِيهَا وَفِي المستعملة الرياضة ويسرع فِي الْأَبدَان الرّطبَة والممتلئة والرديئة الأخلاط.
قَالَ: الْبدن الْحَار الرطب يؤاتي الوباء جدا فَيَنْبَغِي أَن تخففها جهدك وَالْبدن الْبَارِد الْيَابِس يمانع الوباء فاحفظه فِي تِلْكَ الْحَال على مزاجه وَأما الممتلئ فافصده والرديء الأخلاط أسهله وألزمه غذَاء يُولد ضد تِلْكَ الأخلاط ليتخلص من الوباء.
لى: حر الْبَلَد وبرده مَعْرُوف حسا ورطوبته ويبسه يعرف من قرب نبع المَاء وَبعده وَمن طبيعة الأَرْض أحجرية هِيَ أم طينية وَمن كَثْرَة الْأَنْهَار والبحيرات والنقائع الجنائب والأمطار وَالْبرد يعين الرُّطُوبَة وَالْحر يعين اليبس وَأما وَمد الْمَدِينَة وصحتها فتعرفان من ارتفاعها وانخفاضها وَمن انكشافها واستتارها وَمن كَثْرَة هبوب الرّيح وقلته وَأما جودة أبحرها وأرضها وردائتهما فَيعرف من طبائع الأَرْض أمعدنية هِيَ أم لَا وَمن النقائع الْكَثِيرَة أَيْضا هَذَا كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ إِذا أردْت أَن تعرف حَال الْمَدِينَة من الْجبَال فتحر فِي الْمَدِينَة أَعلَى
стр. 2044
مَكَان ثمَّ اصعده وتفقد مَا الجوانب الَّتِي تستتر عَنْهَا وَمِقْدَار مَا تظن أَنه يَمْتَد ظلّ تِلْكَ الْجبَال.
بولس وأريباسيوس قَالَا: الْأَمْرَاض الْمُشْتَركَة تكون إِمَّا لهواء رَدِيء مُشْتَرك أَو لأغذية ردية أَو لخصب كثير يتوسع فِيهِ الْأكل أَو لجرب أَو لسفر وتعب يعم جمعا من النَّاس أَو مَا يشربونه فَإِن التَّعَب المفرط إِذا أستريح مِنْهُ يمرض.
لى: رَأَيْت نَاسا سافروا سفرا متعباً فِي صيف فحين رجعُوا مرضوا كلهم أمراضاً حارة إِلَّا من كَانَ مِنْهُم مبلغماً مرطوباً.
قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ يَنْبَغِي أَن تضَاد الْحَال الْحَادِثَة فِي الْهَوَاء فَمَا كَانَ من الْأَبدَان مزاجه يضاد ذَلِك الْحَادِث فَإِنَّهَا لَا تحْتَاج إِلَى ذَلِك فَإِذا اشْتَدَّ حر الْهَوَاء فبرد الْأَبدَان وخاصة الحارة بالمسكن والغذاء وَترك التَّعَب وبالنوم وَإِذا يبس فرطبها بِالْمَاءِ وَالشرَاب وَكَذَا فِي الكيفيات الْأُخْرَى قَالَ: يعرض مَعَ الطَّاعُون الوبائي اخْتِلَاط الْعقل وَبرد الْأَطْرَاف وَاخْتِلَاف المرار ونزفه ووجع الْبَطن)
وتمدده وبراز مري وَنفخ وأبوال مائية رقيقَة ومرارية وسدد ورعاف وحرارة فِي الصَّدْر وكرب وَسَوَاد اللِّسَان وعطش وَسُقُوط الشَّهْوَة وَأَشْيَاء أُخْرَى رَدِيئَة فَيَنْبَغِي إِذا تغير مزاج الْوَقْت أَن يُقَاوم وتضاد فَالْزَمْ الْأَبدَان المفرطة الرُّطُوبَة فِي حَال الْهَوَاء الرطب الْقَيْء والفصد الرياضة وإدرار الْبَوْل والإسهال وَإِذا كَانَ بالبطن الْأَعْلَى كرب وحرارة شَدِيدَة فِي الصَّدْر فضمده بالمبردات وَشرب المَاء الْبَارِد مِقْدَارًا كثيرا ضَرْبَة لتسكن الْحَرَارَة وَلَا يشرب مِنْهُ قَلِيلا قَلِيلا لِأَنَّهُ يهيج الْحَرَارَة أَكثر وَإِن بردت الْأَعْضَاء فَاسْتعْمل الدثار والدلك عَلَيْهَا لينجر الدَّم إِلَيْهَا.
قَالَ: وَيُؤْخَذ من الصَّبْر جزءان وَمر جُزْء وزعفران جُزْء ويسحق وَيُعْطى كل يَوْم مَعَ شراب ريحاني.
فَزعم روفس: أَنه لم ير أحدا شرب هَذَا الدَّوَاء فَمَاتَ فِي الوباء وَأما جالينوس فَذكر أَن شرب الطين الأرمني وَشرب ترياق الأفاعي ينفع من العفونات الوبئية نفعا عَظِيما وَإِن لم ينْتَفع بِهِ هلك.
الثَّانِيَة من السَّادِسَة من ابيذيميا قَالَ: فِي حَال الْهَوَاء الوبائي احذر الْإِكْثَار من الطَّعَام وَلَا تحْتَمل الْعَطش وَلَا تتعب.
من فُصُول ابيذيميا بِحَسب مَا يكون عَلَيْهِ حَال الْهَوَاء الْمُحِيط بِنَا يكون تغير الأخلاط والأرواح الَّتِي فِينَا فَمَتَى كَانَ الْهَوَاء نيراً صافياً كَانَت صَافِيَة وَمَتى كَانَ كدراً ضبابياً كَانَت كَذَلِك.
لى: قد تفقدت ذَلِك فَوجدت الخريف الْيَابِس يُولد جدرياً وحميات حارة إِذا كَانَ مزاج الْهَوَاء الْمُحِيط بِنَا رطبا منع الْأَبدَان أَن تتحلل من مسَائِل الْفُصُول قَالَ: الْبَلَد الْقَرِيب من الْبَحْر يعتدل مزاجه أَكثر مِمَّا يبعد مِنْهُ لِأَن الْقَرِيبَة من البحران كَانَت شمالية
стр. 2045
بَارِدَة كَانَ مَا يَلِي الْبَحْر مِنْهَا أعدل لِأَنَّهُ يكون منخفضاً متطامناً فَيصير لذَلِك أسخن. فَإِن كَانَ من الْبلدَانِ الحارة مثل مصر والنوبة فَإِن الَّذِي يَلِي من الْبَحْر يكون أبرد لِأَنَّهُ فِي الصَّيف تبرده الرِّيَاح الشمالية الَّتِي تهب إِلَيْهِ من الْبَحْر فَيكون لذَلِك أبرد فَقرب الْبَحْر من الْبَلَد يَجعله أعدل من تِلْكَ مُسَاوِيا لَهُ فِي سَائِر الْأَحْوَال خلا الْقرب من الْبَحْر. وَمن مزاجه حَار رطب فَقل مَا تضره الْجنُوب.
لى: يتَبَيَّن من الْفَصْل الَّذِي أَوله الأجواف فِي الشتَاء وَالربيع أسخن مَا تكون إِن اسْتِدَامَة الصِّحَّة فِي فصل الخريف يكون بترطيب الْبدن مَا أمكن وَأَن أمراضه خريفية لَا امتلائية وَذَلِكَ أَن جالينوس قَالَ هُنَاكَ: أَن الدَّم فِي الخريف فِي الْبدن أقل مَا يكون. وَأما أمراض الرّبيع فبالضد)
أَكْثَرهَا امتلائية لِأَن الدَّم فِي الشتَاء أَكثر مَا يكون فِي الْبدن لكنه متداخل فَإِذا سخن فِي الرّبيع ثار وهاجت لذَلِك أمراض. ج: الطين اللاني جيد للوباء يسقى بشراب رَقِيق ممزوج إِذا لم تكن حمى فَلَا يشربه أحد إِلَّا تخلص.
بولس عَن روفس قَالَ: إِذا تَغَيَّرت أزمنة السّنة وحدست أَن يكون وباء فتفقد حَال الْأَبدَان فِي مزاجها وَفِي تدبيرها وانح نَحْو مضادة الْهَوَاء الَّذِي تغير فَإِن رطب الْهَوَاء فِي الْوَقْت الَّذِي يكون فِيهِ يَابسا يجفف الْأَبدَان بإسهال الْبَطن وإدرار الْبَوْل والفصد والقيء وَإِذا كَانَ فِي الوباء تَجِد للإعياء لهباً وكرباً وحرارة يسيرَة فِي الصَّدْر فَاجْعَلْ على الصَّدْر أَشْيَاء تبرده وَيشْرب دفْعَة مَاء بَارِد كثيرا ليطفئ بذلك الالتهاب وَلَا يتجرعه قَلِيلا قَلِيلا فَإِنَّهُ يهيج الْحَرَارَة وَإِن بردت الْأَطْرَاف وَظَاهر الْبدن فادلك الْبدن ودثره ليجذب الْحَرَارَة إِلَى خَارج. ج قَالَ: وَهَذَا الدَّوَاء ينفع من الوباء مَا شِئْت صَبر مر زعفران جُزْء جُزْء يسحق وَيُعْطِي كل لوم أُوقِيَّة مَعَ اوقية شراب ريحاني. قَالَ روفس: لم يمت أحد شربه. وَأما جالينوس فَذكر هَذَا الذّكر بِعَيْنِه فِي الطين الأرمني. وَشرب الترياق الْكَبِير عَظِيم النَّفْع من عفونات الوباء جدا.
لى: يَنْبَغِي أَن تعلم هَذِه الْأَدْوِيَة وَلَا يَنْبَغِي أَن تسْتَعْمل فِي كل حَال يحدث.
الأولى من جَوَامِع الحميات: الْأَبدَان صنفان مِنْهَا مَا يَسْتَحِيل عِنْد الوباء سَرِيعا وَهِي المملوءة أخلاطاً ردية والعادمة للتحلل الْكَثِيرَة الرَّاحَة والبطالة المسرفة فِي الْجِمَاع وَالْحمام وَمِنْهَا مَا يعسر تغيره واستحالته وَهِي النقية من الفضول المستعملة للرياضة الَّتِي تنْحَل فضولها ومجاريها مفتحة. فالهواء يمرض الْبدن: إِمَّا أَن يبرده أَو يسخنه أَو يرطبه أَو
стр. 2046
يجففه أَو يعفنه فأسرع الْأَبدَان إِجَابَة للهواء الحارة الرّطبَة وأعسرها إِجَابَة الْبَارِدَة الْيَابِسَة ولتحفظ حِينَئِذٍ هَذِه بِحَالِهَا فتجفف الأولى مَا أمكن وَأما الْأَبدَان الممتلئة فالتستفرغ بالفصد والرديئة الأخلاط بالإسهال والمسددة بتفتيح السدد.
مسَائِل السَّادِسَة من ابيذيميا قَالَ فِي حَال الموتان الَّتِي تسْقط فِيهَا الشَّهْوَة جدا جدا يبقون يَأْكُلُون وَمن تشجع وَحمل نَفسه مِنْهُم واجتهد فِي ذَلِك تخلص وَنَجَا وَمن فشل وَلم يجْتَهد نَفسه على أكل هلك.
مسَائِل السَّابِعَة من السَّادِسَة: إِذا قل الْمَطَر احتد الدَّم جدا حَتَّى أَنه يفتح الْعُرُوق ويجلو الرمد)
الْيَابِس.
لى: كَانَ عندنَا فِي سنة خريف وَكَانَ شَدِيد الْحر يابسه ودام على ذَلِك فَمَا يبْقى صبى إِلَّا جدر الرِّجَال. وَيَنْبَغِي أَن تعلم أَن الزِّيَادَة فِي طبيعة الْفَصْل الممرضة وباء وبالضد والممرضة الصَّيف والخريف وَمَتى زَاد برد الخريف وَكَانَ مطره أسْرع فَهُوَ أقل ضَرَرا لتسكينه حِدة المرار وبالضد وَمَتى امْتَدَّ طيب الرّبيع وبرده ورطوبته أَيَّامًا كَثِيرَة كَانَ أقل الْأَمْرَاض الصيفية أَعنِي الحميات والحدة وَمَتى امْتَدَّ الشتَاء كَانَ أَجود وَأما الصَّيف والخريف فَمَتَى امْتَدَّ اعني رادت طبيعتها هَاجَتْ الْأَمْرَاض.
الثَّالِثَة من الأخلاط قَالَ: يتَوَلَّد فِي الْبدن من رَوَائِح الحمئة حَال عفونة وَمن هَوَاء الآجام فَرُبمَا تولدت عفونة ويتولد مِنْهَا دَائِما ضَرُورَة غلظ الرّوح وَيتبع ذَلِك غلظ الأخلاط.
الحميات تحدث فِي حَال الْهَوَاء الْبَارِد أقل مِنْهَا فِي سَائِر الْأَحْوَال فَأكْثر مَا تحدث فِي حَال الْهَوَاء الْحَار الْيَابِس ثمَّ فِي الْحَار الرطب وَيكون مَا يحدث فِي حَال الْهَوَاء رطبَة لينَة هادئة كَثِيرَة الْعرق والعارض فِي حَال الْهَوَاء الْبَارِد: الفالج والسكتة والسعال وأوجاع المفاصل والمثانة وَلَا يعرض فِيهِ حمى إِلَّا أقل من ذَلِك.
بولس: إِذا سخن الْهَوَاء ويبس فَاتخذ مسَاكِن يجْرِي فِيهَا المَاء واترك الْحَرَكَة وأطل الرَّاحَة وَأَقل الطَّعَام وَأكْثر الشّرْب من المَاء الْبَارِد وَإِذا برد فَأوقد نيراناً قرب المساكن كَمَا فعل أهرن.
الْخَامِسَة من حِيلَة الْبُرْء قَالَ: أبدان من مرض من وباء تكون كَأَنَّهَا قد يَبِسَتْ.
لى: حُدُوث الوباء فِي الخريف على الْأَكْثَر يدل على أَنه إِنَّمَا يحدث من يبس وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِنَّمَا يحدث فِي الْأَكْثَر إِذا كَانَ الخريف حاراً أَو تَأَخّر الْمَطَر فَلهَذَا أرى ترطيب الْأَبدَان فِي الخريف لِأَنَّهُ بذلك تنكسر حِدة المرار.
شرك الْهِنْدِيّ قَالَ: الْبرد يُقَوي الْبدن ويشد ويصحح الذِّهْن ويطيب النَّفس.
الْبيُوت المصهرجة الطرية وريح الدهم وَنَحْوهَا مِمَّا يقتل.
стр. 2047
الْكِنْدِيّ فِي الأبخرة الْمصلحَة للهواء: كَمَا أَن ثبات الْأَبدَان بِحَالِهَا غير متعفنة يكون بالأدوية الفاعلة لذَلِك كالترياق والمثروديطوس وَنَحْوهَا من المقوية لآلات الْحَيَاة ويبادر النَّاس فِي الوباء إِلَى أَخذهَا فتصلح أبدانهم كَذَلِك يصلح الْهَوَاء بالأبخرة المضادة للعفن الَّذِي فِيهِ العطرية الدهنية لِأَن العفن للمائية والحرارة الضعيفة فالحرارة القوية والقابضة مَانِعَة من العفن مِنْهَا: عنبر لبان ميعة)
سندروس كندر مصطلى علك القرنفل البطم لاذن عسل راتينج عود صندل أصفر قسط سك زعفران آبنوس عرعر سَاج تنكار طرفاء غَار أشنة اذخر سعدى أبهل وزنجبيل راسن شابابك بنك. فبعض هَذِه مسخنة للجو وَبَعضهَا يُولد فِيهِ قبضا وَبَعضهَا برودة وَكلهَا تمنع العفن وَالَّذِي ينفع الْهَوَاء الْحَار الْيَابِس الأبخرة الدهينة كاللبان والميعة والسندروس والكندر والمر والمصطلى وَالصَّبْر وعلك القرنفل والراتينج فَهَذِهِ كلهَا يصلح هَوَاء القشف الْحَار والطيوب تصلح العفن المنتن والقابضة تصلح الشَّديد الرُّطُوبَة كالطرفاء والسعدى والحارة اللطيفة تصلح الغليظ كالزنجبيل وَيَنْبَغِي أَن تتحرى فِي طُلُوع الشَّمْس وانتصاف النَّهَار وغروبها وَنصف اللَّيْل لِأَن فِي هَذِه الْأَوْقَات يسيل الْهَوَاء وَقد يضاد الْهَوَاء المفرط الرُّطُوبَة بالنيران الْكَثِيرَة واليابس بالمياه وكل كَيْفيَّة بضدها. وَزَعَمت الْهِنْد أَن الكور يمْنَع من العفن فِي الْهَوَاء وَإِن شرب منع من العفن دخنة جَيِّدَة يبخر بهَا مرَّتَيْنِ بهَا مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم تصلح الْهَوَاء: كافور صَاف وحرف أَبيض وصمغ الخضراء وأصطرك وأظفار وأسارون ولبان وعود هندي وزعفران بِالسَّوِيَّةِ يتَّخذ بَنَادِق ويبخر بهَا. وَيُزَاد حرد بودار.
التَّذْكِرَة: إِذا قل الْعرق فِي إبانه فاستفرغه.
ارخيجانس: أهل النّوبَة يهرمون فِي ثَلَاثِينَ سنة وَأَرْبَعين سنة لِأَن أبدانهم يابسة من شدَّة حر الشَّمْس ببلدهم. وَأهل جرمانيا تَأتي عَلَيْهِم مائَة سنة لِأَن حرارتهم كامنة فِي أبدانهم لبرد بلدهم وكثافة أبدانهم.
اراساليون وبولس عَن ج: لبس الثَّوْب الَّذِي يحمى يكرب فِي الصَّيف وَالَّذِي لَا يدفأ فِي الشتَاء يضر الْبدن لِأَنَّهُ يعاون الْحر وَالْبرد.
جورجس إِذا هبت الصِّبَا فِي كانون أَيَّامًا كَثِيرَة وتكدر الْهَوَاء وَكلما ظَنَنْت أَنه يكون مطر يَتَنَاثَر من السَّمَاء كالغبار فقد فسد مزاج الْهَوَاء فِي الشتَاء وَإِن كَانَ الرّبيع قَلِيل الْمَطَر شَدِيد الْبرد وهبت جنوب أَيَّامًا ثمَّ صفا بعد ذَلِك الْهَوَاء نَحْو عشرَة أَيَّام وَكَانَ بِاللَّيْلِ برد شَدِيد وبالنهار حر وَفِي الْهَوَاء غمَّة وحرارة فقد بَدَت العفونات والجدري وَإِذا كثر فِي الصَّيف الْمَطَر وكدر الجو واغبرت الْأَشْجَار وَلَا يكون حاراً كَمَا يَنْبَغِي وَترى فِي نصف الخريف نيران فِي السَّمَاء من الْمغرب فَإِنَّهَا عَلَامَات وباء عَظِيم فَإِذا تغير الْهَوَاء فِي الْيَوْم مَرَّات إِلَى الْحر
стр. 2048
وَالْبرد وطلعت الشَّمْس صَافِيَة يَوْمًا بشمال وَبرد وكدرة وَيَوْما بجنوب وحر فَإِنَّهَا عَلَامَات الوباء فَيَنْبَغِي أَن)
يجْتَنب الامتلاء وَالشرَاب الْكثير والتعب الْكثير والباه وافصد وأسهل المرطوب ويتعرق فِي الْحمام ويشتم الشَّرَاب الريحاني وَيُعْطى من يحم جلاب وكشك الشّعير وَيشْرب الطين الأرمني. (الْجُزْء السَّادِس عشر)
(بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم)
стр. 2049
(فارغة)
стр. 2050
(فِي حميات الدق والذبول والنافض والحميات الَّتِي لَا تسخن غَيرهَا)
стр. 2051
(فارغة)
стр. 2052
(فِي حميات الدق والذبول) (والحميات الَّتِي تذيب الْبدن وَجَمِيع أَصْنَاف الذبول) (حميات الدق) لي أَن هَذِه الحميات لَا تبتدئ ابْتِدَاء لِأَنَّهُ لَا تسخن الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة ابْتِدَاء بل لَا بُد من أَن يتقدمها حميات إِمَّا يومية إِذا كَانَ الْبدن مستعداً لَان يسخن مِنْهَا سخونة تكتسب أعضاؤه الْأَصْلِيَّة مِنْهَا سوء مزاج وَهَذِه الْأَبدَان هِيَ المرارية أَو من حميات عفن أَو من حميات الورم فِي بعض الأحشاء فَإِن هَذِه يُمكن أَن تكتسب مِنْهَا الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة حمى دق أَو من تَدْبِير لطيف جدا كَمَا يعرض لمن نصب وتعب بالسهر فِي الْعُلُوم وَكَانَ بدنه مستعداً لذَلِك وَلِصَاحِب السهر وَقلة الْغذَاء وَأخذ الْأَدْوِيَة الحارة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ مُمكن أَن تكتسب الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة من هَذِه الْأَسْبَاب سوء مزاج فَإِن لم تكن حمى حَتَّى تكون إِذا ابتدأت بِهِ الْحمى كَانَت قريبَة من الدق وانتقلت إِلَيْهِ سَرِيعا.
٣ - (الْمقَالة الأولى من أَصْنَاف الحميات)
٣ - (حمى دق تكون من سخونة جرم الْقلب) لي اكْتُبْ جرم الْقلب سوء مزاج حَار وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي ينتشر مِنْهُ الْحَرَارَة فِي الْبدن.
قَالَ ج: الدق لَا تبتدئ ابْتِدَاء بل يتقدمها حميات غَيرهَا. النبض الصلب بحمى دق أَكثر مِنْهُ فِي غَيرهَا من الحميات.
قَالَ: وتتولد حمى دق على وَجْهَيْن: فِي الْأَكْثَر يكون بعقب حميات عفنة محرقة طَال لبثها حَتَّى أفنت على طول الْمدَّة رُطُوبَة جرم الْقلب أَو بعقب سهر أَو غم وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يجفف تجفيفاً قَوِيا. وَالْأولَى من هَاتين لَيست من حميات الدق فَقَط لَكِنَّهَا مَعَ ذَلِك من جنس الذبول. فَأَما الثَّانِيَة الَّتِي يبْقى مَعهَا من رُطُوبَة جرم الْقلب بَقِيَّة صَالِحَة قَالَ: وَهَذِه الَّتِي تبتدئ ابْتِدَاء من غير أَن تتقدمها حمى أُخْرَى وَيكون ابْتِدَاء حدوثها ابْتِدَاء حمى يَوْم أما بعقب غم أَو سهر أَو)
غضب أَو إعياء شَدِيد أَو حر شَدِيد ألف فَلَيْسَ مِمَّا يعسر علاجها مَا دَامَ لم تصر إِلَى حد الذبول وَمَا صَار إِلَى حد الذبول لقلَّة معرفَة الْأَطِبَّاء فَلَا يُمكن مداواته فضلا عَن أَن يسهل إِذا كَانَ قد صَار إِلَى حد الذبول على الْحَقِيقَة والكمال. وَلَيْسَ هُوَ بعد فِي أوائلها لِأَن الذبول ينَال الْقلب فِيهِ مَا ينَال فَتِيلَة السراج إِذا احترقت احتراقاً شَدِيدا فَإِنَّهَا تتفتت وَيذْهب اتصالها وَلَا يُمكن ردهَا إِلَى حَالهَا بالزيت إِذا صب عَلَيْهَا فَهَذَا حَال الذبول الْعَارِض عَن الحميات. فَأَما الْعَارِض بِسَبَب خمود الْحَرَارَة الغريزية كالعارض للشَّيْخ الفاني من غير حمى وَقد يحدث أَيْضا للصبيان وَغَيرهم فضلا عَن الكهول فَإِنَّهُ من يرد ويبس وَبِغير
стр. 2053
حمى. والذبول الْكَائِن عَن حميات لَيْسَ الْعَارِض فِيهِ يبس فَقَط بل يبس مَعَ حرارة وَهَذِه الْحَرَارَة أَيْضا تنطفئ بِفنَاء الرطوبات وَيرجع الْبدن إِلَى جفاف وَبرد.
قَالَ: وتعرف حمى الدق الَّتِي يعرض فِيهَا ذبول كامن من أسهل الْأَشْيَاء لثباتها وَذَلِكَ أَنَّك ترى الْعَينَيْنِ غائرتين جدا كَأَنَّهُمَا فِي حفرتين لِأَن رطوبتهما قد فنيت حَتَّى ترى الْعِظَام الَّتِي تتصل بهَا الجفنان ناتئة وَترى فِي الْعين رمصاً يَابسا وحالات من اليبس كَحال من سَار فِي غُبَار نَهَاره كُله فِي شمس حارة وَتذهب عَن الْوَجْه والعينين نضارة الْحَيَاة وَترى جلدَة الْوَجْه يابسة مفرط وخاصة جلدَة الْجَبْهَة حَتَّى تُوجد ليبسها صلبة ممتدة وَلَا يكَاد يقدر أَن يشيل جفْنه على مَا يَنْبَغِي لَكِن ترَاهُ كالناعس وعَلى الْأَكْبَر يرى مغمض الْعين كَأَنَّهُ نَائِم وَلَيْسَ مَا يعرض لَهُ من ذَلِك بنوم بل عجز وَضعف عَن الانتباه ويجف لحم صدغيه ويلطأ ويغور وَلَا يبْقى مِنْهُ إِلَّا الْجلد والعظم وَإِن عري توهمت أَنه لم يبْق من أمعائه وَلَا من احشائه شَيْء وَترى مَا دون الشراسيف منجذباً إِلَى نَاحيَة الصَّدْر انجذاباً شَدِيدا وَإِن لمسته وجدت الْجلد قحلاً جدا فَإِن مددت مِنْهُ موضعا وجدته كالجلد المدبوغ ونبضه متواتر دَقِيق ضَعِيف صلب وحرارته أول وضعك يدك عَلَيْهِ ضَعِيفَة ثمَّ تتبين بعد ذَلِك حدتها وخاصة أَن أطلت وضع يدك عَلَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهَا من الْبَيَان بِحَال لَا تخفى فَأَما الذبول الَّذِي هُوَ بعد فِي ابْتِدَائه فَهُوَ الَّذِي قد نفدت مَعَه الرُّطُوبَة ألف المبثوثة كالظل وَهِي الرُّطُوبَة فِي خلل الْأَجْزَاء وَقد أشرفت على النفاد والرطوبة الماسكة للأجزاء بَاقِيَة فَإِن الْحمى الَّتِي مَعَ هَذِه متوسطة بَين الَّتِي مَعَ الذبول الصَّحِيح وَبَين الَّتِي إِنَّمَا بدا فِيهَا الذبول ابْتِدَاء وَهِي ابْتِدَاء حميات الدق وَهِي أسهلها علاجاً لِأَنَّهُ إِذا لم تفن الرطوبات الَّتِي فِي خلل الْأَجْزَاء مبثوثة كالظل فَإِن الْحمى دق لم يحدث مَعهَا ذبول فَإِذا شارفت هَذِه)
الرطوبات الفناء فقد قاربت الْحَال الذبول الصَّحِيح فَإِذا فنيت وَأَقْبَلت الْحَرَارَة تفنى الرطوبات الماسكة للأجزاء فَهَذَا الذبول.
قَالَ: وَالْأَمر فِي حميات الدق كلهَا إِذا جَازَت ابتداءه صَعب.
قَالَ: وَلَا يجب أَن تتعرف ابتداءها الْأَيَّام بل بكيفية الْحَال وَهُوَ أَلا تكون الرُّطُوبَة قد نفدت وَلَا الْقُوَّة ضعفت وَفِي هَذَا الْوَقْت تكون هَذِه الْحمى سهلة العلاج وَتَكون سهولته بِحَسب قربهَا من الْحَال الطبيعية وعسره بِحَسب قربهَا من حَال الذبول الصَّحِيح وَهَذِه الْحمى سريعة الْبُرْء إِلَّا أَن يُخطئ الطَّبِيب. ٣ (مَرَاتِب حمى دق) لي قد بَان من كَلَام جالينوس أَن حمى دق لَهَا ثَلَاث مَرَاتِب أولاها مَا دَامَت مبتدئة وَهِي أَن تكون الرطوبات وَالْقُوَّة بَاقِيَة وَهِي سهلة العلاج. وَالثَّانيَِة أَن تكون الرطوبات وَالْقُوَّة قد فنى مِنْهَا شَيْء وَلم تنفذ كلهَا وَهَذِه بِحَسب قربهَا وَبعدهَا من الطَّرفَيْنِ تكون سلامتها ورداءتها. وَالثَّالِثَة أَن تكون الرُّطُوبَة كلهَا فنيت وَالْقُوَّة قد بطلت وَظَهَرت عَلَامَات الذبول.
стр. 2054
قَالَ: وَأَنا أصف دَلَائِل الدق المبتدئة السهلة الْبُرْء.
قَالَ: وَهَذِه الْحمى إِذا كَانَت وَحدهَا سهل تعرفها وَإِن كَانَت مَعَ حمى عفن عسر الْوُقُوف عَلَيْهَا. فضع أَنَّهَا بَدَت مُفْردَة مَعَ بعض الْأَسْبَاب الَّتِي ذَكرنَاهَا يَعْنِي سهراً أَو جوعا أَو تعباً أَو حمى يَوْم وَأَنه ظهر فِي أول يَوْم من الْحمى جَمِيع الدَّلَائِل الدَّالَّة على حمى يَوْم فَإِذا كَانَ ذَلِك وَرَأَيْت الْحمى. قد دَامَت إِلَى الْيَوْم الثَّانِي لَا تسكن وَلَا تقلع وَلَا تشتد وتقوى وَرَأَيْت الْبدن أَزِيد يبساً وجفوفاً وَقد أَقبلت إِلَى الدق فَإِن بقيت كَذَلِك إِلَى الْيَوْم الثَّالِث لم تزيد الْحمى وَلم تنقص تزيداً أَو تنقصاً ذَا قدر لَكِن رَأَيْت بقايا تِلْكَ الْحمى اليومية امتدت ودامت مَعَ يبس وجفوف وَوجدت الْحَرَارَة فِي أول اللَّمْس هادئة لينَة وَإِذا طَال لبث كفك على الْبدن احتدت ألف هـ ولذعت وَوجدت يبساً فالحمى دق وَأقوى العلامات وأبعدها من الشَّك هُوَ أَنه بعد أَن تنَاول العليل الْغذَاء العليل بساعة أَو ساعتين يتَوَهَّم عَلَيْهِ جَمِيع من مَسّه أَنه قد حدث فِي حماه تزيد حَتَّى يكون من أناله ذَلِك الْغذَاء غير بعيد من أَن يلام على أَنه غذاؤه فِي وَقت النّوبَة وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك لَكِن هَذَا غير مفارق لجَمِيع من بِهِ الدق أَن يكون إِذا تنَاول الْغذَاء تلتهب الْحَرَارَة وتقوى وتتزيد نبضه عظما وَسُرْعَة حَتَّى يظنّ بِهِ من رَآهُ أَنه قد حدث لَهُ نوبَة من غير)
تضاغط أعنى بِقَوْلِي تضاغط إِذا لم يكن مَعَ النّوبَة اقشعرار وَلَا برد فِي الْأَطْرَاف وَلَا حَال تشبه بالميل إِلَى النّوم وَلَا كسل وَلَا اخْتِلَاف أصلا فِي الْحَرَارَة والنبض وَلَا ضعف وَلَا شَيْء من أشباه هَذِه الْأَعْرَاض لَكِن يصير النبض سَرِيعا أسْرع وَأعظم مِمَّا كَانَ يصير فِي غير من هَذِه حَالَة إِذا إغتذى.
وَقد يكون فِي بعض الْحَالَات حمى غير دق وتزيد الْحَرَارَة من غير تضاغط وَالْفرق بَينهَا وَبني الدق أَن تِلْكَ تعرض فِي جَمِيع الْأَوْقَات وَهَذِه إِنَّمَا تعرض بعقب وَقت الْغذَاء وَلَيْسَ لحمى الدق فِي وَقت من الْأَوْقَات نوبَة لَكِنَّهَا دائمة مُتَّصِلَة كسونوخس إِلَّا أَنَّهَا وَإِن كَانَت دائمة مطبقة فَإِنَّهَا تنفصل من سونوخس
стр. 2055
بالحرارة وَذَلِكَ أَن الْحَرَارَة فِي سونوخس كلهيب النَّار والنبض أعظم مَا يكون وأسرعه وأشده تواتراً فَأَما الدق فَلَا تلقى الْيَد مِنْهَا حرارة كَثِيرَة وَيكون النبض اصغر وَأَشد تَفَاوتا من نبض سونوخس بِحَسب نُقْصَان حرهَا عَنْهَا ويعم جَمِيع أَصْنَاف حمى الدق أَن تكون ضَعِيفَة وَتبقى مستوية دَائِما مُنْذُ أَولهَا إِلَى آخرهَا بِحَال وَاحِدَة.
قَالَ: ويخص مَا يكون من حميات الدق الَّتِي مَعهَا ذبول أَن تكون يابسة فَإِنَّهُ قد تكون حميات من الدق لَا يبس مَعهَا وَلَا تنْتَقل إِلَى الذبول.
لي هَذَا القَوْل بِالْإِضَافَة إِلَى الَّتِي مَعهَا ذبول فَأَما جَمِيع أَصْنَاف الدق فمعها يبس وتنتقل إِلَى الذبول إِن دَامَت.
قَالَ: فحميات الدق تخَالف الحميات المطبقة لما وَصفنَا وَأُمِّيًّا الحميات الَّتِي يكون فِي ابتدائها تضاغط فَأن بهيج ذَلِك بأصحاب الدق بعقب الْغذَاء ولهؤلاء بِخِلَاف ذَلِك وَالْأَمر يزْدَاد عِنْد أَخذه الْغذَاء ثَانِيَة. عنْدك بَيَانا إِذا تفقدت كم يَدُوم التَّغْيِير الْحَادِث بعد الْغذَاء من الْحَرَارَة وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الْحَرَارَة إِنَّمَا تدوم بدوام ذَلِك الْغذَاء من الْحَرَارَة وَذَلِكَ أَن تِلْكَ الْحَرَارَة إِنَّمَا تدوم بدوام ذَلِك الْغذَاء واتصال بِالْقَلْبِ وترطيبه إِيَّاه من يبسه ثمَّ أَن الْحَال بعد ذَلِك تعود إِلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ أَولا قبل تنَاول الْغذَاء فَإِن غذوته فِي غير ألف هـ الْوَقْت الَّذِي غذوته فِي الْيَوْم الْمَاضِي رَأَيْت هَذَا الشَّيْء يكون بعقب الْغذَاء أَيْضا.
قَالَ: وَيُشبه أَن تكون الْعلَّة فِي هَذَا السَّبَب كالعلة فِي سخونة حِجَارَة النورة وَالْحِجَارَة المحماة فَإِنَّهَا تسخن عِنْد مَا يصب عَلَيْهَا المَاء وَذَلِكَ يكون فِي مَا يسْبق إِلَى الْوَهم لِأَن الْحَرَارَة الَّتِي فِيهَا حرارة مَعَ يبس فَإِن أَصَابَت جوهراً رطبا اغتذت مِنْهُ.)
قَالَ: وَهَذَا بحث طبيعي وَيدل على أَن حمى الدق الَّتِي مَعَ الذبول مَعهَا يبس شَدِيد أَنَّهَا لَا تكَاد تعرض لمن بدنه رطب لَكِن لمن بدنه يَابِس وخاصة إِن كَانَ مَعَ ذَلِك حر أَو تَعب أَو سهر أَو اهتم وقلل الْغذَاء فَإِن هَؤُلَاءِ يعرض لَهُم دق من أدنى غضب أَو هم وخاصة فِي الصَّيف.
قَالَ: فَأول ابْتِدَاء حمى دق الْوَقْت الَّذِي تنحط فِيهِ حمى يَوْم وتقلع ثمَّ لَا تنحط الْحمى انحطاطاً كَامِلا ويتزيد مَعَ ذَلِك اليبس تزيداً بَينا فَذَلِك أول وَقت تَزُول فِيهِ الْحمى عِنْد حد حمى يَوْم وَتدْخل حمى دق وتتبين وحد هَذِه الْحمى واستحكامها فِي الثَّالِث إِذا لم تحدث لَهُ فِي هَذِه الْمدَّة نوبَة أُخْرَى وَلَا أقلعت الْحمى واليبس بتزيد فمعلوم أَنَّهَا حمى دق وَأَنَّهَا ستؤول إِلَى ذبول سَرِيعا أَن لم تعالج. وحد انقلاب هَذِه الْحمى إِلَى الذبول هُوَ أول مَا يصير النبض صلبا ضَعِيفا وَقد كَانَ صَغِيرا متواتراً لِأَن الضعْف والصلابة فِي النبض من طبع هَذِه الْحمى لِأَن ضعفه من سوء المزاج الْحَادِث بِالْقَلْبِ وصلابته من اليبس وَمَتى كَانَ هَذَانِ العارضان قد عرضا للقلب وَجب أَن تكون الْحمى حمى ذبول وَيَقَع فِيهَا بعقب حميات محرقة وَأكْثر من يوقهم فِيهَا الْأَطِبَّاء لخطائهم فِي علاجهم وخاصة أَن احتاجوا إِلَى شرب مَاء بَارِد فمنعوا وَلم يتلطفوا فِي غَيره من الْأَشْيَاء المبردة الَّتِي تُوضَع على الصَّدْر وَمَا دون الشراسيف وَإِن كَانَ مَعَ أَنه لم يضمده بأضمدة بَارِدَة ضمده بآضمدة حارة محللة كالمتخذة من خبز وَعسل وَأَنه أَحْرَى بِأَن يصير إِلَى الذبول سَرِيعا مُفْردَة كَانَت حماه أَو من ورم حدث فِي الْمعدة أَو الكبد فَإِن الذبول أَكثر مَا يحدث إِنَّمَا يحدث عَن أورام هَذِه الْأَعْضَاء إِذا لم تعالج بصواب حَتَّى أَن قوما ظنُّوا أَنه لَا يُمكن أَن يكون الذبول إِلَّا من قبل الأورام وَلم يعلمُوا أَنه لن يحدث ذبول وَلَا دق عَن ورم عُضْو من الْأَعْضَاء أصلا دون أَن تنَال الْقلب آفَة وَهَذِه الآفة رُبمَا كَانَت من الْقلب نَفسه كالعارض من غضب وهم قوى دَائِم تطول مدَّته وَرُبمَا عرضت من الحميات المحرقة المفردة أَو الَّتِي مَعَ ورم الرئة والصدر وخاصة عِنْد تولد مُدَّة بَين الرئة والصدر وقرحة فِي الرئة وَبِالْجُمْلَةِ من كل ورم فِي عُضْو خطير يطول لبثه مَعَ يبس الْبدن وخاصة فِي الْقلب وَقد يحدث ذبول من ورم قولون وَمن ورم المريء وورم الكلى. وَرَأَيْت ذَلِك أَيْضا بِقوم كَانَ بهم اخْتِلَاف الدَّم من روم كَانَ بهم فِي أمعائهم وَمن زلق الأمعاء وَمن الذرب المزمن إِذا عرض لَهُم من أول الْأَمر وَمن بعد أَن تتمادى بهم الْعلَّة حمى رقيقَة ضَعِيفَة وَبِالْجُمْلَةِ فَمَتَى كَانَ جرم الْقلب ليسبق إِلَيْهِ يبس ثمَّ قبل حرارة الْحمى قبولاً
стр. 2056
يعسر مَعَه انحلالها وَلِهَذَا صَار من أعظم عَلَامَات الدق أَن تُوجد)
الشرايين اسخن من الْمَوَاضِع الَّتِي حولهَا من الْبدن وَلَيْسَ يعرض ذَلِك فِي سَائِر الحميات وَهَذَا الْعَارِض يتَبَيَّن جدا عِنْد دُخُول الْحمام وتخلخل بدنه وتسخيفه بِأَيّ تسخيف كَانَ حَتَّى يندى بدنه ويتحلل بعض حرارته فَأَنَّهُ بعد ذَلِك تُوجد الْحَرَارَة فِي مَوَاضِع الْبدن كلهَا معتدلة خلى الشرايين فَإِن الْحَرَارَة فِيهَا لَا تُوجد فِي تِلْكَ الْحَال نقصت شَيْئا عَمَّا كَانَت عَلَيْهِ قبل ذَلِك وَتَكون لذَلِك الْحَرَارَة أَجود عِنْد انبساط الْعُرُوق والانبساط أَيْضا لَا يتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قبل التَّحْلِيل لَكِن يبْقى بِحَالهِ. فحمى الدق مَتى كَانَت مُفْردَة ذبولية كَانَت أَو غَيرهَا فتعرفها سهل فَإِن تركبت مَعَ حمى أُخْرَى صَعب ذَلِك وَيجب أَن يعول فِي مَعْرفَتهَا على جودة الْمعرفَة بِصُورَة الدق المفردة وَصُورَة سَائِر الحميات فَإِنَّهَا لَا تخفى عَلَيْك من بعد ذَلِك.
ثمَّ تمثل بمثال الْمَرْأَة الَّتِي كَانَت بهَا حمى الدق وَحمى تنوب مرَّتَيْنِ فِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة وَقد ذَكرْنَاهُ فِي الحميات المركبة.
لَا تكون فِي الدق ابْتِدَاء نوبَة بعد الأولى وَلَا تزيد وَلَا نِهَايَة وَلَا انحطاط.
قَالَ: حمى دق تحدث بعقب حميات العفن أَو غَيرهَا إِذا طَالَتْ وَإِذا كَانَت سخنة جدا وتحدث بعقب الطَّوِيلَة وخاصة إِن كَانَت سخنة جدا الذبولية فَأَما مَا يحدث بعقب الحميات الَّتِي لم تطل مدَّتهَا أَو لم تكن شَدِيدَة الاحتراق فالدق الْمُبْتَدِئ فَإِن تزيد صَار بعد إِلَى الذبول.
من جَوَامِع أَصْنَاف الحميات: الدق تحدث بعقب حميات محرقة حدثت مَعَ أورام أَو بِغَيْر أورام أَو بعقب حمى يَوْم حدثت عَن سهر أَو نَحوه مِمَّا يجفف المزاج وَلها ثَلَاث مَرَاتِب: مبتدئة وَهِي دق مُرْسلَة وَحدهَا مَا لم يكن غور الرطوبات غورا بَينا. والذبولية ألف هـ وَحدهَا ظُهُور عَلَامَات الذبول لَيْسَ كلهَا وَلَا فِي الْغَايَة من الْقُوَّة. ومفتتة وَهِي ظُهُور عَلَامَات الذبول قَوِيَّة مجتمعة.
والذبول إِمَّا أَن يكون مَعَ حرارة فَتكون مَعَه الْحمى الْمَعْرُوفَة بالذبولية وَهِي الصِّنْف الثَّانِي من حميات الدق أَو مَعَ برودة فَيكون إِمَّا طبيعياً كَمَا يحدث للشيوخ على طول الزَّمَان أَو يحدث
٣ - (عَلَامَات حمى الدق)
أَن تكون من سَبَب باد وَأَن تبقى مُقِيمَة لَا تقلع وَلَا تزيد وَأَن يكون الْبدن جافاً والحرارة فِيهَا حِدة وتتزيد بعد الطَّعَام وَيكون الشرايين أحر من سَائِر الْبدن.
لي هَذَا الدق الْكَائِن من حمى يَوْم فَأَما الكائنة عَن المحرقات فَلَيْسَتْ بِسَبَب باد.
ويعم حمى الدق أَن الْحَرَارَة فِيهَا رقيقَة لَازِمَة مُتَسَاوِيَة أبدا. ويخص الذبول مَعَ ذَلِك جفوف الْبدن فِي الْغَايَة وصلابة النبض وَضَعفه.
стр. 2057
عَلَامَات وُقُوع حمى يَوْم إِلَى حمى دق أَن تكون بعد اثْنَتَيْ سَاعَة صعوبة وَشدَّة فِي الانحطاط وَلَا يستفرغ شَيْء من الْبدن وَلَا يندى فضاً عَن الْعرق وتدوم الْحمى وَلَا تتزيد وَلَا تنقص فَهَذَا ابْتِدَاء الدق فَإِذا بقيت كَذَلِك إِلَى الْيَوْم الثَّالِث وَظهر جفاف فِي الْبدن فَذَلِك تزيد الدق. فَإِذا ظَهرت صلابة النبض مَعَ ضعفه وجفاف فِي الْبدن فِي الْغَايَة فَهُوَ الذبول.
التَّاسِعَة فِي حِيلَة الْبُرْء قَالَ: أَصْحَاب الدق لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى شرب المَاء الْبَالِغ الْبرد وَلَا إِلَى مِقْدَار كثير مِنْهُ لِأَنَّهُ يضر بأعضائهم الْأَصْلِيَّة لنحافتهم وَقلة مُهِمّ ودمهم.
الْعَاشِرَة قَالَ: حمت امْرَأَة بِسَبَب سهر وغم وطالب بهَا الْحمى وانتقلت إِلَى الدق مركبة مَعَ حمى عفن فَلم تكن مداواتها إِلَّا أَن تسقى مَاء بَارِدًا بِمِقْدَار معتدل فِي الْوَقْت الَّذِي يَنْبَغِي لِأَنَّهَا كَانَت مُعْتَادَة لَهُ فِي الصِّحَّة.
قَالَ: وَآخر كَانَت هَذِه حَالَة كنت اسقيه مَاء الْعُيُون بَارِدًا فِي غَايَة الْبرد قوانوسين وَمرَّة قوانوساً لِأَن هَؤُلَاءِ لَا يحْتَملُونَ أَن يشْربُوا مَاء بَارِدًا فِي غَايَة الْبرد دفْعَة وَاحِدَة إِلَّا أَنه ينْتَفع بِهِ بِهَذَا الْقدر لِأَن الْبدن لم يبس غَايَة اليبس.
قَالَ: والجهال من الْأَطِبَّاء يَدْعُو سقِِي المَاء الْبَارِد فِي حِينه فَإِذا ذبل الْبدن أَو وَقع فِي الدق الْخَالِص سقوه حَيْثُ لَا ينْتَفع بِهِ. ٣ (التحفظ من الدق) ويستعان بِبَاب التحفظ فِي بَاب جمل الحميات.
ألف هـ الْأَبدَان المرارية النحيفة الْيَابِسَة مستعدة للوقوع فِي الحميات مَتى امسكت عَن الطَّعَام وَالْحمام وأسرفت من الرياضة والسهر وَنَحْو ذَلِك فَإِن هِيَ حمت وَأَمْسَكت عَن الطَّعَام لتأنى جهال الْأَطِبَّاء إِذا وَقعت فِي الدق وخاصة إِن كَانَت قبل أَن تحم قد جَفتْ ويبست يبساً شَدِيدا لأسباب تعرض لَهُم من ذَلِك أَو إمْسَاك عَن الْغذَاء وَأَشد من ذَلِك أَن ضمد جهال الْأَطِبَّاء بطونهم بالأضمدة المحللة المتخذة من الدَّقِيق وَالْمَاء وَالزَّيْت لورم يحسونه هُنَاكَ وَقد قُلْنَا فِي ذَلِك مَا يجب أَن يُقَال حَيْثُ ذكرنَا الاختراس من هَذِه الحميات فِي بَاب جمل الحميات فَمَتَى رَأَيْت بدنا مزاجه هَذَا طبعا أَو اكتساباً أغْنى أَن يسخن ويبيس جدا ويضعف ويذبل ويحم حمى حادة حارة قَوِيَّة وَرَأَيْت قوته ضَعِيفَة وَجَسَده ذابلاً فاسقة مَاء الشّعير ثمَّ أعْطه خبْزًا مبلولاً بشراب أَبيض مائي ممزوج بمزاج معتدل وَإِن كَانَ مَاء الشّعير يطفو فِي فَم الْمعدة ويحمض فاخلط فِيهِ مَاء حب الرُّمَّان أَو اجْعَلْهُ حساء إِن كره مَاء الشّعير وَإِن كَانَ قد بلغ الْأَمر بِهِ إِلَى الغشي فَإِنَّهُ كثير مَا يكون ذَلِك إِذا أَمْسكُوا عَن الطَّعَام مُدَّة طَوِيلَة فَلَا تهب وأوجره مَاء الشّعير ثمَّ شرابًا أَبيض بِمَاء ممزوج بِهِ مزاجاً معتدلاً وغذه كل يَوْم مرّة أَو مرَّتَيْنِ على مَا ترى من قوته وَلَا تنظر إِلَى النّوبَة بل إِن احتجت فاغذه وَلَو فِي انْتِهَاء النّوبَة فضلا عَن مبدأها
стр. 2058
وانحطاطها وَإِنَّمَا يضْطَر إِلَى ذَلِك إِن كَانَ العليل يغشى عَلَيْهِ إِن لم يغذ فَإِن لم يغش عَلَيْهِ وَلم يطرك شَيْء إِلَى تغذيته فتغذ إِذا انحطت حماه وَلَا تنْتَظر تَمام انحطاطها لِأَن الْأَبدَان المرارية لَا تنقى من الْحمى ليبسها واشتعالها وَإِن كَانَ الْمَرِيض فِي وَقت ابْتِدَاء النّوبَة يشْتَد عَلَيْهِ الْأَمر ويضعف ويذبل فغذه قبل ابْتِدَاء النّوبَة أَو حِين يَبْتَدِئ الدّور وَرُبمَا احتجت أَن تغذي العليل فِي الْيَوْم مرَّتَيْنِ قبل الدّور بساعتين وَبعده أَيْضا كَذَلِك فَلْيَكُن الْهَوَاء الْمُحِيط بِهِ بَارِدًا واسقه مَاء بَارِدًا قَلِيلا من غير اسراف فِي كيفته وَلَا فِي كميته وضع على بطونهم الأضمدة المبردة حَيْثُ ترى الْحَرَارَة أَكثر فَإنَّك إِذا فعلت ذَلِك احتملوا الْحمى بسهولة وقورا عَلَيْهِم ثمَّ لم تلبث ألف هـ حماهم فيحتملون فضل الْغذَاء والاستحمام وتدبير النَّاقة ويبرأون فَهَذِهِ جملَة تَدْبِير جالينوس لهَذِهِ الحميات وَهَذَا أوجه الاحتراس من الْوُقُوع فِي هَذِه الحميات الَّتِي ذَكرنَاهَا فِي الحميات المحرقة الْمُخْتَلفَة أَو الدق فلتضع الْآن أَن بَعضهم وَقع فِي حمى دق.)
الْهَوَاء الْبَارِد قَالَ ج: أول مَا يسْتَعْمل الْهَوَاء الْبَارِد لتبريد الْقلب وَيَنْبَغِي أَلا تدفئ الْبدن وَلَا تدثر وَإِن كَانَ شتاء وَيتْرك يتنفس من هَوَاء بَارِد فَإِنَّهُ ملاكه.
قَالَ: فالدق الَّذِي تكون الآفة فِيهِ إِنَّمَا نَالَتْ الْقلب تَنْشَق الْهَوَاء الْبَارِد وَهُوَ أَجود أدويته لِأَنَّهُ يصل إِلَيْهِ بِسُرْعَة ويبرده كَمَا أَن الدق الَّذِي ابتداؤه من الْمعدة إِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يقْصد فِيهِ لما يرطب ويبرد الْمعدة بالأطعمة والأشربة لِأَن الطَّعَام وَالشرَاب يلقى الْمعدة وقوته بَاقِيَة بِحَالِهَا وَالْقلب لَا يلقاه الطَّعَام وَهُوَ بَاقٍ بِحَالهِ بل يلقى الْهَوَاء وَهُوَ حَافظ لأكْثر أَحْوَاله.
قَالَ: وَأما الكبد فانتفاعها بِالطَّعَامِ وَالشرَاب انْتِفَاع لَيْسَ بالدون.
قَالَ: ويعم جَمِيع أَصْنَاف الدق من أَيْن كَانَ ابتداؤه مداواته بِمَا يبرد ويرطب مِمَّا يُؤْكَل وَيُوضَع خَارِجا.
قَالَ: وَأكْثر مَا تكون حميات الدق وحميات الذبول عِنْد الْحر واليبس فِي الْقلب أَو فِي الْمعدة أَو الكبد وَكَثِيرًا مَا تكون تَابعا لسوء مزاج يَابِس من الرئة غير أَن الرئة عُضْو لَيْسَ بمستعد لِأَن يكون مِنْهُ أَمْثَال هَذِه الحميات لِأَنَّهُ عُضْو رخو رطب. وَقد تكون هَذِه الحميات تَابِعَة لآفة تنزل فِي الصَّدْر لي إِلَّا أَنه ورم حَار أَو لسوء مزاج حَار يَابِس أَو لجداول الْعُرُوق المنتسجة بَين الكبد والمعي أَو بالمعي الصَّائِم أَو يَقُولُونَ أَو بالأرحام أَو بالكلى أما الآفة تنزل بالحجاب فَلَا أعلم أَنِّي رَأَيْت حمى ذبول تتبعها وَأما الدق فقد رَأَيْتهَا مرّة وَاحِدَة تبعه آفَة نَالَتْ الْحجاب وتمت واستحكمت. وَرَأَيْت مرَارًا شَتَّى الآفة النَّازِلَة بالحجاب قَلِيلا مَا يُمكن مَعهَا أَن يستحكم الدق لِأَن أَمْثَال هَذِه الْعِلَل يتبعهَا عسر تنفس واختلاط عقل فَيَمُوت الْمَرِيض فِي الْأَكْثَر بِسَبَب مَا يعرض لَهُ من ذَلِك.
قَالَ: قد وصفت أَمر الْهَوَاء الْحَار والبارد وَقد ذكرنَا ذَلِك فِي بَاب جمل الحميات عِنْد تَدْبِير الْأَبدَان المرارية وَقد وصفت هُنَاكَ كَيفَ يَنْبَغِي أَن يكون الْبَيْت الَّذِي تأويه فَخذه من هُنَاكَ.
стр. 2059
ألف هـ قَالَ: والهواء أَكثر مَا ينفع بِهِ فِي الدق وَمَتى كَانَت هَذِه الْحمى حَادِثَة عَن آفَة نزلت بِالْقَلْبِ نزلُوا أولياً وَقد ينْتَفع بِهِ مَنْفَعَة لَيست يسيرَة فِي سَائِر الحميات الدقيقة. لِأَن الْقلب فِي هَذِه الحميات أَيْضا يعرض لَهُ سوء مزاج شَبيه بِسوء مزاجه إِذا حلت بِهِ الآفة أَولا وَلَا يُمكن أَن يعرض لَهُ شَيْء من الحميات الْأُخَر فصلا عَن حمى الدق والذبول دون أَن يعرض للقلب سوء)
مزاج. فَأَما إِذا كَانَت الآفة عَن الرئة فَإِنَّهَا أحْوج إِلَى الْهَوَاء الْبَارِد من سَائِر الْأَعْضَاء. وَقد حصل أَن الْهَوَاء الْبَارِد نَافِع فِي جَمِيع الدق.
قَالَ: وَهَؤُلَاء يَحْتَاجُونَ إِلَى أدوية تُوضَع من خَارج الْبدن وَأَن تكون مبردة بِلَا قبض شَدِيد لِأَن القابضة لَا تعرض بتبريدها إِلَى عمق الْبدن لِأَنَّهَا تقبض ظَاهر الْجلد وَلَا تصل إِلَى عمقه والأجود أَن يكون مبرداً لطيفاً جدا وَلَكِن هَذَا الدَّوَاء عسر لِأَن جوهراً بَارِدًا جدا يكون فِي غَايَة اللطافة مُتَعَذر الْوُجُود.
لي كَأَن جاليوس هَهُنَا لم يعرف الكافور.
قَالَ: الْخلّ هُوَ من جَمِيع المبردات الَّتِي يعرفهَا النَّاس وَقد يخالطه شَيْء من حرارة وَلَيْسَ هُوَ بصادق الْبرد وَهُوَ يجفف مَعَ هَذَا وَأرى أَن جالينوس لم يذكر الكافور إِمَّا لِأَنَّهُ لم يكن يعرفهُ وَإِمَّا لِأَنَّهُ يجفف بِقُوَّة قَوِيَّة وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل وَحده حَيْثُ يحْتَاج إِلَى تبريد وترطيب بل يخلط مَعَه المَاء الْبَارِد حَتَّى يصير فِي حد مَا يُمكن شربه وَلَكِن إِذا كَانَ لَا يُمكن أَن يُوجد شَيْء مِمَّا يداوى بِهِ فِي الْغَايَة من اللطافة مَعَ الْبُرُودَة فقد يَنْبَغِي على حَال أَن يحتال لتركيب أدوية صَالِحَة لهَذَا الشَّأْن مثل القيروطي المتخذة بالشمع الْمُصَفّى وزيت الأنفاق الْمشْربَة بِالْمَاءِ.
لي هَذَا القيروطي أَن اتَّخذت بدهن بنفسج أَو دهن خلاف أَو دهن نيلوفر فقريب أَن يكون مِمَّا يطْلب وخاصة دهن النيلوفر فَإِنَّهُ بَارِد لطيف جدا فليستعمل.
قَالَ: وَلَا تتْرك هَذَا الضماد على الْبدن إِلَى أَن يسخن سخونة ظَاهِرَة لَكِن يبرد ويبدل تبديلاً متواتراً.
ضماد آخر: يُؤْخَذ
دَقِيق الشّعير فيخلط بعصارة الحماض ثمَّ تبل فِيهِ خرقَة بطاقتين وتوضع على الْبَطن وَهِي مبردة غَايَة التبريد وتبدل مَتى فترت. وَإِن شربت القيروطى خلا وَمَاء وَنَحْوه كَانَ أبرد.
لي احسب أَن هَذَا يبلغ حَيْثُ تُرِيدُ وَأَن شِئْت شربت لعاب برز قطوناً أَو مَاء ألف هـ عِنَب الثَّعْلَب وَنَحْوه وبرده على الثَّلج وَضعه وارفعه وَبدل خرقه دَائِما فَإِن شِئْت فضع عَلَيْهِ قَالَ: وضع هَذِه الْأَدْوِيَة على الْموضع الَّذِي هُوَ أول عُضْو نزلت بِهِ الآفة والموضع الَّذِي ترى الْحَرَارَة فِيهِ أَزِيد لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَن لَا يبرد الْعُضْو الَّذِي لَا يحْتَاج إِلَى تبريده مَعَ الْعُضْو الَّذِي يحْتَاج إِلَى ذَلِك لِأَنَّهُ إِذا لم تحرز ذَلِك لم تأمن أَن ترفع الضماد الْمبرد قبل أَن يعْمل عمله
стр. 2060
خوفًا من أَن تكون قد بردت مَعَ الْعُضْو الَّذِي تُرِيدُ عضوا آخر تخَاف مضرته وبالضد تبرد عضوا لَا تحْتَاج إِلَى تبريده وَأَنت لَا تَدْرِي. وَإِنِّي لأعرف من عولج بدواء مبرد وضع على مَا دون الشراسيف مِنْهُ فَأَصَابَهُ من سَاعَته ضيق النَّفس وَكَذَلِكَ قوم وضع على صُدُورهمْ هاج بهم السعال فَلَمَّا قلع الضماد عَادوا إِلَى الْحَال الطبيعية فاستقص على أَي مَوضِع تضع فَإِن أردْت أَن لَا تبرد كثيرا فَاجْعَلْ أدويتك أقل تبريداً. ٣ (الْحمام اللمسلولين) قَالَ: إِن الْأَشْيَاء المبردة بَعْضهَا يفعل ذَلِك بجوهرها وَبَعضهَا بِالْعرضِ كالحمام وَالْحمام أَحدهَا إِذا اسْتعْمل كَمَا يَنْبَغِي برد هَؤُلَاءِ بِالْعرضِ ورطبهم بالجوهر وَعظم نَفعه لَهُم.
قَالَ: فالنافع لهَؤُلَاء من الْحمام أَن يدخلُوا فِي مَاء بَارِد فَقَط وَلَكِن لِأَن أبدانهم نحيفة ضَعِيفَة لَا يَنْبَغِي أَن يدخلُوا المَاء الْبَارِد فَقَط إِلَّا بعد أَن تسخن أعضاؤهم سخونة معتدلة لِأَن لَا يُؤمن من دُخُولهمْ المَاء الْبَارِد أَن تنْقَلب طبائعهم دفْعَة إِلَى الْبرد وَلَكِن إِذا كَانَ لَا طَرِيق لَهُم سواهُ وَكَانَ مَا يخْشَى من هَذَا أقل مِمَّا يخْشَى من وقوعهم فِي الذبول الَّذِي لَا خلاص مِنْهُ لِأَن الذبول المستحكم كالهرم الَّذِي لَا يُمكن دَفعه.
وَمن بردت أعضاؤه الْأَصْلِيَّة من اسْتِعْمَال المَاء الْبَارِد أَو أحشاؤه فممكن أَن يتلافى بالعلاج وَقد قُلْنَا أَن الذبول المستحكم لَا حِيلَة فِي برئه وَإنَّهُ لَو أمكننا أَن نبرئه لأمكن أَن ندفع الْهَرم فَأَما من دَافع بأصحاب الدق وَلم يعالجهم بالحمام وَلَا بِسَائِر مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فقد أسلمهم إِلَى الْهَلَاك وَقطع رجاءهم.
٣ - (علاج الذبول)
مَا عولج بِهِ فَإِن عيشه يكون كعيش الشُّيُوخ لِأَن الذبول الْكَائِن مَعَ حمى رُبمَا انْتقل بالعلاج إِلَى ألف هـ الذبول الْمُسَمّى شيخوخة.
لي هَذَا الذبول الثَّانِي يكون عِنْد انطفاء الْحَرَارَة الْبَتَّةَ وَحُصُول سوء مزاج بَارِد يَابِس فَأَما الأول فَإِن مَعَه حرارة إِلَّا أَنه سريع الذّهاب والانتقال إِلَى النَّوْع الثَّانِي.
قَالَ: فَإِن دَبرته أمكن أَن يعِيش شهوراً كَثِيرَة قَالَ: وَقد دبرت مَتى كَانَت هَذِه حَاله بتدبير النافهين فحفظته سِنِين كَثِيرَة.
قَالَ: وَقد ذكرت تَدْبِير الَّذِي يحْتَاج هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ بِالْقُوَّةِ حَيْثُ ذكرت تَدْبِير سوء المزاج الْعَارِض فِي الْمعدة وَفِي كتاب تَدْبِير الأصحاء حَيْثُ ذكرت تَدْبِير الْمَشَايِخ فاعرفها هُنَاكَ.
٣ - (علاج حميات الدق)
قَالَ: قد علمتك أَشْيَاء كَثِيرَة من علاج الدق مِمَّا قد جربتها وَأَنا أعلمك هُنَا حَال الْحمام: إِن أَصْحَاب الدق لَيْسَ انتفاعهم من الْحمام بِالْمَاءِ الْحَار بل بالبارد وَبعد أَن يكون
стр. 2061
الْحمام قد هيأ أبدانهم وعدها لقبُول الِانْتِفَاع بِالْمَاءِ الْبَارِد حَتَّى تصير أبدانهم بِهَذِهِ السخونة فِي حد أبدان الأصحاء المخلصين للاستحمام بِالْمَاءِ الْبَارِد.
قَالَ: وَأما فلَان الطّيب فَإِنَّمَا يجزع من اسْتِعْمَال الْحمام فِي الدق لِأَنَّهُ يرى أَن الْحَرَارَة ضارة لَهُم وَأَنه يَنْبَغِي أَلا يغمس أحد منهوك الْبدن فِي مَاء بَارِد فَيسْقط الْحمام إِذن عِنْده وَلم يعلم أَن الْحمام يَجْعَل الْبدن المنهوك مُحْتملا للْمَاء الْبَارِد إِذا غمس فِيهِ بعد أَن يكون قد سخن سخونة تَجْعَلهُ فِي حد الْأَبدَان الخصبة الصَّحِيحَة المحتملة لذَلِك فَإِنَّهُ يقوى بهَا وَلَو احتملت المَاء الْبَارِد لنفعها.
وعساه أَيْضا رأى حمى بِوَاحِد واثنين مِمَّن بِهِ حمى دق وَحمى عفونة وَهُوَ لَا يعلم أَن حماه مركبة فَلَمَّا رأى الْحمام قد ضرهم ذمه.
قَالَ: وَأما أَنا فَأَقُول: إِن جَمِيع من تصيبه حمى دق وخاصة من وَقع مِنْهُم فِي ابْتِدَاء الذبول إِذا كَانَت حماهم بسطة غير مركبة مَعَ شَيْء من حميات العفن أَو حميات الورم فأدخلهم الْحمام بِثِقَة وَلَكِن يكون بِلَا تَعب ينالهم كَمَا وصفت فِي تَدْبِير من يغلب على معدته سوء مزاج يَابِس فَيحمل الْمَرِيض إِلَى الْحمام وَهُوَ مِنْهُ على فرَاشه فَإِذا صَار إِلَى الْبَيْت فليلق هُنَاكَ على مقرمة مهيأة مسخنة بعد نزع ثِيَابه وَيحمل بَين أَرْبَعَة فَإِن كَانَ هَذَا الْبَيْت الأول صَالح الْحَرَارَة فلتنزع ثِيَابه هُنَاكَ وَإِلَّا فَفِي ألف هـ الْأَوْسَط وَليكن الْأَوْسَط معتدلاً ويسكب على الْبدن فِي الْبَيْت الْأَوْسَط دهن وَهُوَ مفتر سَاعَة يدْخل وَهُوَ على مقرمة مَحْمُول ويسوى على بدنه بالدلك الْيَسِير فَإِذا فعل ذَلِك بِهِ مضى بِهِ إِلَى الْبَيْت الْحَار ليَكُون لبثه فِي كل بَيت وليلبث فِي الْبَيْت الأول بِقدر مَا يقلب على الْفراش إِلَى المقرمة وَأما فِي الثَّانِي فَيقدر مَا يخلع ثِيَابه ويمرخ بالدهن وَفِي الثَّالِث بِقدر مَا يمْكث فِي الأبزن وَهُوَ على المقرمة وَذَلِكَ بِأَن يرخى جوانبها فِي الآبزن مِقْدَارًا معتدلاً وَلَا يصب عَلَيْهِ المَاء وَلَا على رَأسه لَكِن يغمس رَأسه وبدنه فِيهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا وترخى المقرمة حَتَّى تنغمس فِيهِ وَيصب فِي بيُوت الْحمام كلهَا مَاء حَار متوسط صبا كثيرا لتَكون كلهَا مرطبة غير مجففة فَإِذا خرج من آبزن المَاء الْحَار غمس فِي المَاء الْبَارِد دفْعَة بِسُرْعَة لَا فِي وَقت طَوِيل ويلقى عَلَيْهِ سَاعَة خُرُوجه من المَاء الْبَارِد منديل ثمَّ يلقى عَلَيْهِ آخر ويسار بِهِ إِلَى فرَاش)
فَيلقى عَلَيْهِ وينشف عرقه بمناديل لينَة بِلَا شدّ الْيَد عَلَيْهِ ثمَّ يمسح بدنه بدهن ويلبس ثِيَابه وَيحمل على سَرِيره وفراشه إِلَى بَيته ويغذى وَيُدبر مَعَ هَذَا تَدْبِير علاج من أَصَابَهُ سوء مزاج بَارِد يَابِس لي غذاؤهم يَنْبَغِي أَن يكون بَارِدًا رطبا مثل كشك الشّعير يسقاه مبرد وخبز مبلول بِمَاء بَارِد وَلَا تكون هَذِه الْأَطْعِمَة صَادِقَة الْبُرُودَة بِالْفِعْلِ كبرودة مَاء الثَّلج وَمَا يشرب لِأَن الطَّعَام الْبَارِد يبْقى فِي الْمعدة زَمَانا طَويلا بَارِدًا. فَأَما مَا يشرب فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ بَارِدًا يصلح وَينفذ أَيْضا عَن الْمعدة سَرِيعا وَالطَّعَام الْبَارِد يُطِيل البث فِي الْمعدة فَإِن كَانَت الْحمى قد طَالَتْ وأزمنت فاسقه لبن الأتن وَاحْذَرْ أَن يتجبن فِي معدته.
قَالَ وَذَلِكَ رُبمَا خبرك بِهِ عَن نَفسه إِن كَانَ عَارِفًا بطبيعته وَرُبمَا احتجت أَن تتعرف
стр. 2062
ذَلِك أَنْت مِنْهُ وَذَلِكَ إِن تتوقى تجبنه بِأَن تستعمله قَلِيلا بعد قَلِيل. وممكن أَن تدفع هَذَا الْعَارِض بِأَن تجْعَل مَعَه عسلاً أَو مَاء الْعَسَل قَلِيلا لِأَن الْعَسَل وماءه يَسْتَحِيل إِلَى المرار سَرِيعا وَيجْعَل الْحمى ألف هـ أَشد يبساً وحدة فاحذره مَا أمكن. وَالْملح الْمَأْكُول يمْنَع أَيْضا تجبنه أَن طرح فِيهِ قَلِيلا.
قَالَ: وَيَنْبَغِي أَن تعطيه مَا يمْنَع التجبن مِمَّا لَا يسخن وتسقه ذَلِك قَلِيلا قَلِيلا فَإِنَّهُ أَحْمد الْأَشْيَاء.
قَالَ: وَأدْخل الأتان عَلَيْهِ واسقه سَاعَة يحلب وتفقد النبض بعد سَاعَة فَإِن فسد وجدت النبض كنبض من عرض لَهُ ضغط فِي معدته لي احسبه يُرِيد هَهُنَا تجبناً قَالَ: وَإِن انهضم نعما وجدت النبض أعظم وَأقوى فيمكنك عِنْد ذَلِك أَن تزيد فِي السقية الثَّانِيَة فِي الْمِقْدَار نصف قوانوس ثمَّ تزيد أَيْضا نصفا آخر حَتَّى يصير إِلَى الْمِقْدَار المعتدل على مَا أعلمتك فِي مداواة سوء المزاج الْيَابِس فِي الْمعدة فَعَلَيْك بِقِرَاءَة ذَلِك الْموضع فَإِن العلاج مُشْتَرك لَهما وَلَكِن بِحَسب حرارة الدق صرنا فِي علاجه نحتاج إِلَى أَشْيَاء أبرد إِلَى اسْتِقْصَائِهِ كَيْلا ينَال الْبدن مضرَّة من مداواته بأَشْيَاء قَوِيَّة.
فَمن وَقع من أَصْحَاب الدق فِي ذبول فَلْيَكُن استحمامه على مَا وصفت وَأما من بِهِ دق وَلم يلْحقهُ ذبول فعلاجه بِمَا أَقُول يُمكن: أَن يدْخل الْحمام من غير حمل على مقرمة بل على محفة ثمَّ يمشي إِلَى المَاء الْحَار ويطيل فِيهِ الْمكْث وَمن كَانَ مِنْهُم شَدِيد الضعْف فَلَا يدْخل حَوْض المَاء الْبَارِد بل يصب عَلَيْهِ مِنْهُ خَارِجا بعد صب مَاء فاتر وَليكن قدر برودته كبرودة مَاء المصانع)
أَعنِي فِيمَا بَين الْبُرُودَة الْمُؤَلّفَة والفتورة المرخية وَلَا يكون كأحدهما فَإِن فعلت هَذِه الْأَشْيَاء بِصَاحِب الدق نجته وَإِن وَقع فِي شَيْء مِنْهَا خطأ فسد ذَلِك كُله وَلَو كَانَ الْخَطَأ قَلِيلا وَمن برأَ من أَصْحَاب الذبول بِمَا ذكرنَا برأَ برءاً تَاما فَإِنَّمَا يبرأ من الذبول فِي لَحْمه فَقَط وَأما من يَبِسَتْ أعضاؤه الْأَصْلِيَّة فَغير مُمكن أَن يبرأ تَاما وَهَذَا لَا بُد أَن يَمُوت أَو يَقع فِي الذبول الْبَارِد لِأَن الْحمى تفنى أَولا الرُّطُوبَة الخاصية بالأعضاء المشاكلة لَهَا الَّتِي تغتذي مِنْهَا فتنتقل من هَذِه الرُّطُوبَة الَّتِي فِي اللَّحْم الْمُحِيط بِلِيفٍ الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة وَبِمَا فِيهَا من جنس الأغشية ثمَّ تَأْخُذ بعد ذَلِك فِي نفس الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة.
قَالَ: تحلل الْبدن بالذوب إِلَى بَاطِنه وبالتحلل الْخَفي فَمَتَى كَانَ الْبدن رطبا كَانَ مَا يذيبه مِنْهُ إِلَى بَاطِنه ظَاهرا للحس كثيرا وبالضد أَن كَانَ الْبدن عضلانياً يَابسا عديم الشَّحْم على مَا تَجدهُ يكون فِي اللَّحْم ألف هـ الَّذِي يلبث فَإِن الرُّخص يسيل مَه شَيْء كثير واليابس يتَحَلَّل مِنْهُ أَكثر مِمَّا يسيل.
قَالَ: وَمن أعظم الدَّلَائِل على أَخذ الحميات الدق الحادة فِي إذابة الْأَعْضَاء مَا يسيل فِي البرَاز من الدهنية وَالدَّسم وَهَؤُلَاء إِن لم يُبَادر بالعلاج وَقَعُوا فِي الذبول وَحِينَئِذٍ لَا يسيل مِنْهُم شَيْء لِأَن مَا كَانَ يذوب قد ذاب وَخرج وَلَيْسَ يذوب من جور العضل والليف شَيْء.
стр. 2063
وعلاج الْحمى الَّتِي تذيب الْبدن هَذَا التَّدْبِير: يسقى المَاء الْبَارِد والأغذية المبردة المرطبة وَمَاء الْعَسَل أرداً مَا يكون لَهُم.
الثَّالِثَة من الْأَمْرَاض الحادة قَالَ ج:
شرب مَاء الْعَسَل فِي غَايَة المضادة لأَصْحَاب الحميات الَّتِي يذوب فِيهَا الْبدن وَأما شرب المَاء الْبَارِد فعلى ضد ذَلِك وَذَلِكَ أَنه ينفع غَايَة النَّفْع لَهُم وَهَذِه الحميات يحدث عَنْهَا برَاز زبدي دهني دسم.
وَقَالَ: إِذا رَأَيْته قد اخْتلف برازاً زبدياً الْغَالِب عَلَيْهِ المرار فحماه ذوبانية فاحذر مَاء الْعَسَل واسقه مَاء الشّعير وارصد أَن ترى ظُهُور دَلِيل وَاحِد وَلَو خسيس يظْهر فِي الْبَوْل يدل على النضج فالماء الْبَارِد يَنْفَعهُ فِي ذَلِك الْوَقْت.
من كتاب الذبول قَالَ: حميات الدق البسيطة أَي الَّتِي بِلَا حمى عفن فالحمام نَافِع لَهُم جدا فِي جَمِيع الْأَوْقَات فَإِن كَانَ مَعهَا حمى عفن فَإِنَّهُ يضرّهُ قبل أَن تنضج العفونة فَإِذا نَضِجَتْ فَلَا.
قَالَ: وَكَذَلِكَ شرب المَاء الْبَارِد مَعَ العفن بلية عَظِيمَة.
قَالَ: وَالْحمام لَا خطر فِيهِ إِذا اسْتعْمل على مَا ذكرنَا فِي هَذِه الحميات إِلَّا أَن يتخوف فِي وَقت مَا من ضعف القوى بلية تحدث.
قَالَ: وَقد قلت فِي كتاب أَصْنَاف الحميات: إِن بَعْضهَا أَعنِي حمى يَوْم تشارك حَتَّى دق فِي الْجِنْس وَإنَّهُ لَا يُمكن الِاسْتِدْلَال عَلَيْهَا فِي أول حدوثها على الْحَقِيقَة لَكِن إِنَّمَا يسْتَدلّ عَلَيْهَا فِي الْيَوْم الثَّانِي أَو الثَّالِث لَا محَالة فساعة تعرف يَنْبَغِي أَن يسقى صَاحبهَا مَاء بَارِد وَذَلِكَ أَن شرب المَاء الْبَارِد فِي هَذَا الْوَقْت لَا خطر فِيهِ. لِأَن الْقُوَّة حِينَئِذٍ قَوِيَّة وَالدَّم غزير فِي الْبدن بل إِذا طَالَتْ ضعفت الْقُوَّة وَقل الدَّم فالماء الْبَارِد حِينَئِذٍ ضار لَهُم يقرع الْعُضْو الَّذِي مِنْهُ ابتدأت الْحمى فَإِن كَانَ ذَلِك الْعُضْو هُوَ الْقلب فَرده إِذا عرض سَرِيعا مَا يسْقط الْقُوَّة هَذَا إِذا كَانَت رطوبته بعد بَاقِيَة. وَإِن كَانَ اليبس قد غلب عَلَيْهِ جدا فقد تحولت الْعلَّة إِلَى الذبول الْبَارِد وَهُوَ الشيخوخة.
ألف هـ قَالَ: وَكَذَا
الأضمدة المبردة يجب أَن تُوضَع سَاعَة تتبين أَن الْحمى حمى دق على الْعُضْو الَّذِي يظنّ أَنه مِنْهُ الْحمى الدق الْقلب كَانَ أَو الكبد أَو غَيرهمَا ولتكن مبردة بالثلج وتبدل مَتى سخنت ليحس العليل بِبرْدِهِ وأصلاً إِلَى العمق ويسكن عَنهُ اللهيب والعطش. وَرُبمَا كَانَ الْحمام أَنْفَع من اسْتِعْمَال الْأَدْوِيَة المبردة لِأَنَّهُ ي رطب إِذا كَانَ يبس الْحمى غَالِبا أما على جَمِيع الْبدن أَو على الْعُضْو الَّذِي هُوَ أصل الْحمى.
стр. 2064
قَالَ: وَأولى الْأَعْضَاء بِأَن تحدث عَنهُ حمى الدق إِذا سخن مزاجه الْقلب وَالثَّانِي بعده الكبد وَلَيْسَ يكون الدق من الكبد نَفسهَا لَكِن لِأَن الْقلب يُشَارِكهُ ثمَّ الْمعدة ثمَّ جَمِيع الْأَعْضَاء الَّتِي يُمكن الْقلب أَن يسخن عَنْهَا.
قَالَ: وَأولى الْأَعْضَاء بَان يسخن الْقلب عَنهُ الرئة إِلَّا أَنا لَا نجد ذَلِك يعرض عَنهُ كَمَا يعرض عَن سَائِر الْأَعْضَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك رُطُوبَة الرئة وبرودتها بِالنَّفسِ فَلهَذَا لَا يسهل أَن يصير منزلَة المستوقد للحمى.
قَالَ: وَمن شَأْن الدق أَن يحدث على الْأَمر الْأَكْثَر بِسَبَب الأحشاء إِذا لحج فِيهَا مرَارًا اصفر وورم حَار فطالت لذَلِك الحميات فَإِنَّهَا لم تطل لم يكْتَسب الْقلب سوء مزاج حَار.
قَالَ: وَالْحمام نَافِع فِي الدق فِي جَمِيع الْأَوْقَات إِذا كَانَ مُفردا بسيطاً فَإِن كَانَ مَعَ الورم الْمُسَمّى حمرَة فَإِنَّهُ يحْتَاج أَن يبرد الْبدن أَولا بالأغذية والأشربة والضمادات.
قَالَ: فَإِذا لم يكن مَعَ الدق عِلّة أُخْرَى سوى اليبس فَإِن الْحمام ينفع مَعَ حرارة كَانَ أول مَعَ برودة. وَأما إِن كَانَت مركبة مَعهَا الْحمرَة أَو الفلغموني أَو كَانَت فِي الْبدن أخلاط عفنة لم تنضج فَصَارَ الْحمام ضاراً. وَالضَّرَر الْحَادِث عَنهُ إِنَّمَا هُوَ لهَذِهِ الْعِلَل لَا يسبب الدق لِأَن الْحمى من طَرِيق مَا هِيَ حمى تطفأ فِي جَمِيع الْأَوْقَات بِشرب المَاء الْبَارِد وَينْتَفع فِيهَا بِهِ فَاسْتعْمل الْحمام إِذا كَانَت الدق مُفْردَة فَإِن كَانَت مَعهَا أورام أَو حمى عفن فدع الْحمام وَاسْتعْمل المَاء الْبَارِد جدا فِي وَقت مُنْتَهى الْمَرَض وَاسْتَعْملهُ فِي وَقت وَاحِد بَغْتَة وَهُوَ بَارِد جدا فَأَما فِي ابْتِدَاء الْمَرَض فَلَا تسْتَعْمل ذَلِك إِلَّا إِن تضطرك إِلَيْهِ عَادَة الْمَرَض فِي وَقت صِحَّته وَكَانَ لَا يحْتَملهُ احْتِمَال الْعَطش وَقد تعود الْبَارِد. وضمده من خَارج بالأشياء المبردة بدل المَاء الْبَارِد فَإِن لم ينْتَفع بالضماد فاسقه حِينَئِذٍ المَاء الْبَارِد.)
لي لَيْسَ كَمَا يسقى عِنْد مَا يُرِيد التطفئة بل قَلِيلا قَلِيلا بِقدر مَا لَا بُد مِنْهُ فَأَما ذَلِك الْكثير بَغْتَة فَفِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ذكر فَقَط.
قَالَ: وأطعمه حساء طرياً مغسولاً بِمَاء بَارِد وضع عَلَيْهِ من خَارج ألف هـ عصارة الخس والهندباء وأجود مَا تَفْعَلهُ لذَلِك أَن تعصر الحصرم وتصب مَاؤُهُ على البقلة الحمقاء وتدقها وتعصرها ثمَّ تبرد المَاء بثلج ثمَّ تخلط بِهِ شَيْئا من مَاء الشّعير وتنقع فِيهِ خرقَة وتضمد بِهِ الْموضع وَإِذا فترت رفعت وبدلت هَكَذَا دَائِما حَتَّى يحس الْمَرِيض بالبرد فِي بَاطِن يَده ويسكن عطشه.
وَكَثِيرًا مَا يخلط بِهِ دهن ورد وَيفْعل ذَلِك خَاصَّة إِذا علمنَا أَن فِي مَا دون الشراسيف ورما حاراً.
قَالَ: وَإِذا كَانَ فِي بدنه مثل هَذِه الْحَرَارَة الشَّدِيدَة أَو ورم فَلَيْسَتْ حماه دقا خَالِصَة لِأَن الْخَالِصَة لَا يحدث فِيهَا ابْتِدَاء نوبَة وَلَا تزيد وَلَا مُنْتَهى وَلَا انحطاط فَإِن وجدت فِي الدق فِي بعض الْأَوْقَات تزيداً أَو ابْتِدَاء نوبَة فابحث فَإِن كَانَ فِي الْبدن أخلاط تعفن أَو مَوضِع فِيهِ ورم فَلَيْسَتْ بدق خَالِصَة فَلْيَكُن علاجه بِحَسبِهِ. وَأما الذبول المخشف فَلِأَن حُدُوثه عَن حميات محرقة فَإِن مَنعه أَن يحدث يكون بالعلاجات المبردة المستعملة من خَارج الْعُضْو العليل وبالتي تتَنَاوَل عَن دَاخل. فَأَما الشيخوخة الْحَادِثَة عَن الْمَرَض فَإِن كَانَ ذَلِك قد استحكم فَلَا برْء لَهُ وَإِن كَانَ فِي الْحُدُوث بعد فَاسْتعْمل فِيهِ تَدْبِير النَّاقة من تغذية الْبدن وَغير ذَلِك مِمَّا قد ذَكرْنَاهُ فِي حِيلَة الْبُرْء فَأَما هَهُنَا فَأَقُول: إِن علاج الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة إِذا جَفتْ
стр. 2065
بتغذية الْبدن فَإِن الْغذَاء ينفذ إِلَى الْأَعْضَاء الَّتِي هُوَ أحْوج أَكثر. والعضو الْيَابِس مَا دَامَت فِيهِ حرارة فَإِنَّهُ يجذب فَإِذا برد لم يجذب وَصَارَ كالميت.
قَالَ: فَلذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون الْغذَاء الَّذِي يتغذى بِهِ صَاحب الذبول سهل الانجذاب ليتم بِهِ تَقْصِير جذب الْأَعْضَاء والغذاء الَّذِي هُوَ كَذَلِك اللَّطِيف الْحَار وَهَذِه الأغذية أَكْثَرهَا قَليلَة الْغذَاء وَهَؤُلَاء يَحْتَاجُونَ إِلَى مَا يغذى غذَاء كثيرا إِلَّا أَن هَذِه لزجة غَلِيظَة بطيئة النّفُوذ وَلَا يُوجد غذَاء يَفِي بالغرضين. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَن تروم وجود مَا شَأْنه أَن يفعل هذَيْن بِمِقْدَار الطَّاقَة بِأَن تركب. وَأفضل الأغذية فِي هَذِه الْعلَّة اللَّبن وخاصة أَن امتص من ثدي امْرَأَة وَإِلَّا فلبن الأتن وَهُوَ حَار. وَلَيْسَ ينفع هَذَا نفس الذبول الْبَارِد فَقَط لَكِن ولانجمادى والمخشف وَفِي هذَيْن)
الصِّنْفَيْنِ اسْتعْمل من الأغذية الْبَارِدَة فِي الذبول ألف هـ الْبَارِد مَا كَانَت لَهُ حرارة وَأما الْعَسَل فَمن انفع الْأَشْيَاء فِي الذبول الْبَارِد وأضره فِي الْحَار وَمن يتخوف عَلَيْهِ أَن يَقع فِي الذبول الْبَارِد فَإِنَّهُ انفع الْأَشْيَاء لَهُ. وَأما من يتخوف عَلَيْهِ أَن يَقع فِي الذبول الْحَار الخشف فَمن أضرّ الْأَشْيَاء فَأَما أَصْحَاب الذبول الانجمادي فأعطهم الْعَسَل إِذا لم تمنع من ذَلِك حَال الْمعدة بعد أَن تغليه من سَائِر الأغذية أَو وَحده. وَأما الْحمام فنافع على مَا وَصفنَا وَاسْتَعْملهُ فِي أوقاته فِي إِنْفَاذ الْغذَاء وترطيب الْبدن وَلَا تستعمله سَاعَة يَأْكُل لِأَنَّهُ يمْلَأ الْبدن خلطانياً وَلَا بعد الهضم بِمدَّة طَوِيلَة لِأَن حِينَئِذٍ تسْقط الْقُوَّة وَاسْتَعْملهُ فيهم بعد الهضم.
فَأَما الشَّرَاب فينفع فِي الذبول الْبَارِد جدا وَأما فِي الْحَار فاهرب مِنْهُ. وَأما فِي الأنجمادي فمتوسط لِأَن هَذِه الْعلَّة متوسطة مركبة فَمرَّة يغلب فِيهَا على الْبدن الْبرد وَبطلَان النبض وَبِالْجُمْلَةِ خَواص الغشي وَمرَّة يغلب فِيهَا الْحَرَارَة والنبض الشبيه بنبض أَصْحَاب الذبول المخشف فَيَنْبَغِي أَن يكون تغيرك لعلاجها بِمَنْزِلَة تغيرها فَإِذا حدث الغشي سقيته الْخمر وأعطيته أغذية سريعة الهضم وكثفت بدنه وَجمعته وَإِذا زَالَ ذَلِك كُله وَرجعت عَلَامَات الذبول المخشف فعلت ضد ذَلِك فبردته ورطبته.
من كتاب سوء المزاج الْمُخْتَلف قَالَ: حمى دق لَا يحسها صَاحبهَا لِأَن المزاج الرَّدِيء فِيهِ قد استولى على الْبدن كُله واستوى فِيهِ والحس إِنَّمَا يكون بالتغاير.
الْخَامِسَة عشرَة من النبض قَالَ: مَا يخص الدق أَلا يتَبَيَّن للحمى ابْتِدَاء وَلَا صعُود وَلَا انحطاط لَكِن يكون أبدا بِحَال وَاحِدَة وَألا يحس أَصْحَابهَا بِأَنَّهُم محمومون ونبضهم وَإِن لم يبْق لَهُم فِيهِ عظم فَإِنَّهُ يكون فِيهِ سرعَة لِأَن سرعَة النبض خَاص لجَمِيع الحميات.
الأولى من السَّادِسَة: الحميات المحرقة الَّتِي يغلب فِيهَا على الثّقل مرّة صفراء أَو دسومة فَإِن لم تدركها بغاية الترطيب والتبريد أوقعت إِنْسَان فِي الدق.
الْيَهُودِيّ قَالَ: كل حمى تبقى أسبوعاً خُفْيَة فاترة لَازِمَة شَيْئا وَاحِدًا لَا تزيد وَلَا تنقص فَهِيَ دق فَإِن تمت أسبوعين فقد تشبثت وَإِن بقيت ثَلَاثَة أسابيع بِهَذِهِ الْحَال فقد رسخت وتمكنت.
стр. 2066
قَالَ: رطبهم بِكُل حَال وانطل على رؤوسهم واجتهد أَن يَنَامُوا بعد الْغذَاء واسعط بدهن بنفسخ وقرع.)
وَقَالَ: كل حمى تبقى عشْرين يَوْمًا لَا تفترا فَإِنَّهَا تبقى سنة.
قَالَ: جهال الْأَطِبَّاء ألف هـ إِذا رَأَوْا هَؤُلَاءِ تهيج بهم حرارة إِذا أكلُوا حسبوا أَن الْأكل يفعل ذَلِك فيمنعونهم الْأكل فيهلكونهم.
قَالَ: وَهَؤُلَاء يحْمُونَ من الطَّعَام وَلَا يحْمُونَ من المَاء.
الطَّبَرِيّ: عَلامَة الدق أَن تبقى الْحمى بِحَالِهَا ويهيج مَعهَا سعال فَإِذا غارت الْعين أَو تفتحت عِنْد النّوم واخضر اللَّوْن مَعَ غَيره ولطئ الصدغ جدا وامتدت جلدَة الْجَبْهَة وَثقل الجفن وخلت عروقه من الدقم فاهرب من علاجه.
وينفع حمى الدق إِذا لم يكن هُنَاكَ شَيْء آخر من عفن اللَّبن الرائب الْمُصَفّى من الزّبد لبن الْبَقر عشرَة دَرَاهِم وزد حَتَّى يبلغ ثَلَاثِينَ درهما مَعَ أَقْرَاص الطباشير وَإِن كَانَ مَعَ ذَلِك فِي الْبدن عفونة فاسقة مَاء الشّعير مَعَ السراطين ويغتذي بالبقول ويستنقع فِي آبزن مَاء عذب قد طبخ فِيهِ خس وقرع ويمرخ بدنه بقيروطي بعد ذَلِك وبدهن بنفسخ وَيُعْطى تيناً وَعِنَبًا أَبيض وَيلْزم الدعة.
اهرن: هَذِه الْحمى لَا تحْتَاج إِلَى نفض كَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ الحميات وَلَا إِلَى مَا يلطف وَيفتح السد كَمَا يحْتَاج فِي بعض حمى يَوْم لَكِن إِلَى مَا يبرد حرهَا ويرطب يبسها لِأَنَّهَا سوء مزاج حَار يَابِس بِلَا مَادَّة وَأما المرطبات كَمَاء الشّعير وَلبن الآتن والفواكه الْبَارِدَة الرّطبَة وَالْغسْل الدَّائِم بِالْمَاءِ العذب الفاتر والمرخ بالدهن والأغذية الرّطبَة السريعة الهضم فَإِنَّهَا إِن كَانَت مبتدئة بَرِئت سَرِيعا وَإِن كَانَت بَالِغَة احتجت أَن تديم ذَلِك وتصبر عَلَيْهِ حَتَّى تَبرأ وَلَا تمل وَلَا تضجر من طول العلاج وَأعظم علاجه أَن يكون الْهَوَاء الْمُحِيط بِهِ طيبا وَتجْعَل حوله المَاء والرياحين الْبَارِدَة.
الْإِسْكَنْدَر: من كَانَ بِهِ دق بِلَا ورم أَو ورم حَار فاسقه المَاء الْبَارِد فِي الْغَايَة وَمن كَانَت بِهِ عفونة حميات بلغمية أَو ورم بَارِد فَلَا تسقه مَاء بَارِدًا لَكِن دبره تدبيراً معتدلاً. وَإِذا كَانَت الْقُوَّة جَيِّدَة والهضم كَذَلِك وَالْبدن لحمى والدق ملتهبة جدا بِقدر مَا يُمكن فِيهَا وتولدت عَن حميات وَأَسْبَاب جَارة فَلَا تعطه مَاء بَارِدًا كثيرا لِأَنَّهُ يُطْفِئ الْحَرَارَة الغريزية وَيصير الْمَرِيض إِلَى الذبول فَإِن كَانَت حرارته غير ملتهبة فاسقه بِرِفْق قَلِيلا قَلِيلا.
قَالَ: وَمن لم تستطع أَن تسقيه مَاء بَارِدًا وحرارته شَدِيدَة فضمده بقيروطى دهن ورد مشوبة بِمَاء الشّعير أَو بِبَعْض مَا ألف هـ أشبهه أَو مَاء بَارِد وَلَا تَدعه يطول مكثه عَلَيْهِ حَتَّى يسخن كثيرا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يرخى الْمعدة ويضعف الْقُوَّة لَكِن بدله أَو برده وأعده فَإِنَّهُ عَجِيب فِي)
إطفاء الْحَرَارَة وَالْمَنْع من الذبول وَلَا تسرع إِلَى تضميد الصَّدْر حَتَّى ترى الْحَرَارَة غَالِيَة جدا فَحِينَئِذٍ ضمده وامسح عَنهُ إِذا اسْتَغْنَيْت قَلِيلا قَلِيلا وتفقد لِأَنَّهُ يضر بِالنَّفسِ إِذا برد الصَّدْر جدا.
стр. 2067
الاختصارات قَالَ: اسْقِهِ لبن الآتن مَا دَامَ لَا يَسْتَحِيل إِلَى عفن فَإِن اسْتَحَالَ فأسهله ثمَّ اسْقِهِ والضعفاء اِسْقِهِمْ مَا يمْنَع الاستطلاق فَإِن منع وَإِلَّا فَاسق مَعَ هَذَا قرص طباشير وَورد وبرز حماض مقشر وبلوط مشوى وَحب الآس يَجْعَل أقراصاً ويعطون مِنْهُ مَتى سهلت الطبيعة وَمَتى لم تسهل فأعطهم مَعَه أقراصاً مبردة فِيهَا لب خِيَار شنبر ولعاب بزر قطونا.
ابْن ماسوية: الدق قد يحدث عَن الْهم والسهر والحميات المزمنة إِذا أفنت الرطوبات تطاولها وَمن التَّعَب المفرط والأطعمة الحارة وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيع مَا يسخن الْبدن ويجففه والمعتدل الْبدن النحيف والحار المزاج الَّذِي بِهِ سعال يَابِس مزمن.
وعلاج الدق قَالَ: إِذا لم تكن مَعَ حمى أُخْرَى أَعنِي حمى عفن فَكَانَ الْبدن نقياً لَا حمى بِهِ حارة قَوِيَّة فَاسق لبن الآتن ولتكن فتية شهباء واعلفها العشب كورق الأسفيوس ولسان الْحمل والكزبرة والهندباء وَالشعِير الْأَبْيَض وتسقى المَاء المبارد العذب فَإِن ذَلِك ينفع جدا وأطعمه الْبُقُول الْبَارِدَة وَالشرَاب من الرُّمَّان المر وَأَجْلسهُ فِي آبزن قد طبخت فِيهِ بقول ورياحين بَارِدَة ويمرخ بدهن نيلوفر وَخلاف وبنفسج بعد الْخُرُوج من المَاء لتحفظ فِي الْبدن رُطُوبَة المَاء وَإِن كَانَت قوته قَوِيَّة فاحلب اللَّبن على بدنه فاخلط فِي هَذَا الآبزن اللَّبن مَتى كَانَت قوته لَيست بقوية قبل دُخُول الآبزن أَو لبن الْمعز وَلَا تطل لبثه فِيهِ فَإِنَّهُ يضعف بل يدْخل فِيهِ وَيخرج وَلَا تسْتَعْمل الدّهن قبل الآبزن وَمَا أمكن أَن تسقيه اللَّبن وتجلسه فِي الآبزن فافعل وَإِن كَانَت مَعَ حرارة وعفن فَاسق بدل اللَّبن مخيضاً قد استقصى نزع زبده جدا وَإِن كَانَت اشد فرائب الْبَقر ويسقى أَولا عشرَة دَرَاهِم إِلَى أَن يبلغ ثَلَاثِينَ درهما ويسقى مَعَه أَقْرَاص طباشير الْكثير البزور الْبَارِدَة مثل هَذَا: طباشير وَورد وبزر القرع وبزر الْخِيَار وبزر البقلة الحمقاء وبزر الخس يعجن بلعاب بزر قطونا فَإِن كَانَت هُنَاكَ حرارة ألف هـ فدع اللَّبن وَخذ فِي مَاء الشّعير وَإِن كَانَ مَعَ سعال ويبس فِي الرئة فاسقه سرطانات وَخذ سرطانات نهرية تقطع أيديها وأرجلها وتغسل بِمَاء بَارِد ورماد وملح قَلِيل خمس مَرَّات حَتَّى تذْهب عَنْهَا الزهومة ثمَّ تغسل بِمَاء بَارِد وَحده ثمَّ ترض وتطبخ مَعَ مَاء الشّعير وَإِن حدث سعال فَاتخذ أَقْرَاص طباشير وَورد وبزر قرع حُلْو وبزر)
القثاء وبزر البقلة الحمقاء ونشا وَرب السوس ولعاب حب السفرجل ويعجن بلعاب بزر قطونا.
ويبرد مَضْجَع العليل ويلبس ثوبا مصندلاً ويرش المَاء فِي الْبَيْت ويفرش بالأوراق الْبَارِدَة وَإِن حدث غشى فالطخه بِمَاء الْورْد والصندل والتفاح والكافور واسقه إِن اضطررت مَاء لحم مَعْمُول من لحم الجدي وَمَاء التفاح وشراب التفاح وشراب يسير فَإِن هَذَا يُقَوي المرضى جدا إِذا سَقَطت قوتهم من الْإِمْسَاك عَن الطَّعَام.
قَالَ: وَمن رَأَيْته من المسلولين قد ضعفت قوته الْبَتَّةَ وأعضاؤهم قد ذبلت وبليت حَتَّى أَن الْعُرُوق تظهر ظهوراً بَينا وَترى خَالِيَة من الدَّم وَعِظَام ساعديه قد رقت وبليت فاجتنب علاجه وَإِن لم يكن قد بلغ ذَلِك فعالجه واجتهد أَلا تنْحَل طَبِيعَته فَإِن انْحَلَّت فاسقه مَاء الشّعير وصمغاً وَهَذِه الأقراص: طين ارمني وشاه بلوط وطباشير وبزر حماض مقشر وَورد
стр. 2068
وأمير باريس يجمع بِمَاء السفرجل ويسقى بِمَاء الرُّمَّان الحامض ويبيت بالْعَشي على بزر قطونا مقلوا زنة دِرْهَم واسقه سوبق مَاء التفاح والسفرجل فِي شرابه وأطعمهم العدس المقشر بِمَاء السماق والسفرجل واسقهم سويق الغبراء وَحب الرُّمَّان وَإِن الجئت فاسقهم الْقرظ والطراثيث والسماق والسفرجل إِن لم يكن سعال فَإِن كَانَ سعال فالقابضات الأول بِلَا عفوصة وَلَا حموضة وأعطه رب السوس فَإِنَّهُ لَا يضر السعال.
٣ - (علاج الدق الَّذِي لَا حرارة مَعَه)
بَوْل هَؤُلَاءِ أَبيض وأمارات الْبرد ظَاهِرَة ويحتاجون أَن ترطب أبدانهم وتسخن لَكِن يَنْبَغِي أَن تبدأ بالمعتدلة مِنْهَا أَولا وَلَا تبادر أَولا بالقوية الْحَرَارَة فَيهْلك العليل بتغيير المزاج ضَرْبَة فاسقه أَولا عسل الأترج المربى وَعسل الشقاقل ثمَّ عسل الزنجبيل وإسفيذباجا بِلَحْم الضَّأْن وبشراب معتدل لِئَلَّا يصيبهم صداع ويقعدون فِي آبزن قد طبخ فِيهِ مرز نجوش وورق الأتراج وبخره بِالْعودِ النى فَإِذا قووا قَلِيلا فأعطهم الترياق والمثرود يطوس ودواء الْمسك وَلَا يقربون الْحمام فَإِذا قووا فأدخلهم الْحمام وأطعمهم اسفيذباجاً مطيباً بسنبل وزنجبيل واسقهم الرَّأْس والأكارع والبزور والحمص وَالْحِنْطَة وَسمن الْبَقر فِي كل أُسْبُوع يحقن بِهِ عِنْد النّوم وَإِذا حقن ذَلِك الْبدن بدهن سوسن مَعَ شمع أَو دهن نرجس أَو دهن خيرى وليبكر بِالْغَدَاةِ على بيض نيمبرشت وَقَلِيل من خبز وشراب وينتظر قَلِيلا وَيدخل الْحمام وينام ثمَّ يَأْكُل.
لي النّوم بعد الْحمام يهزل الْجِسْم وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن يَأْكُل بعقب الْحمام ثمَّ يَأْكُل اسفينباجا من لحم حمل وَيشْرب شرابًا بِمَاء مسخن فَهَذَا تَدْبيره إِلَى أَن يسمن وَيرجع إِلَى صِحَّته.
الْإِسْكَنْدَر من الكناش الصَّغِيرَة قَالَ: يَنْبَغِي أَن نجيد الْفرق بَين المبتدئة والذبول لِئَلَّا تمسك عَن قَالَ: وَمَا لَا يبرأ هُوَ أَن تتَعَلَّق الْحمى برطوبات الْعِظَام وتدق فَهَذِهِ لَا تَبرأ الْبَتَّةَ.
تياذوق: يحْتَاج المسلول إِلَى الجوارشات المعمولة من طباشير وَورد وسفرجل ومصطكي وكروياً وقرنفل وصندل وكافور ويطلى عِنْد النّوم بأطلية وَيقْعد فِي لبن الْغنم أَو يلقى زعفران عشرَة دَرَاهِم فِي المَاء ويصفى وَيجْلس فِيهِ.
لي رَأَيْت عددا رقت عظامهم فَلم يبرأ وَاحِد مِنْهُم.
إِذا صَار الْبدن كالخرقة ومشط الْكَفّ ظَهرت عِظَامه بقيت الْعُرُوق خَالِيَة من اللَّحْم حواليها حَتَّى كَأَن الْجلد قد جف عَلَيْهَا ولطأت الأصداغ وَغَارَتْ الْعين جدا فَلَا تعالجه فَإِن اضطرت فاحذر أَن تنْحَل طباعهم وقوهم بالمرق الْمُتَّخذ من لحم جدي أَحْمَر وَمَاء التفاح وشراب وخبز سميذ لِأَنَّهُ يُقَوي جدا وأطل الْبدن كُله بالطيب.
بولس وأريباسيوس: إِذا رَأَيْت فِي الْحمى يخرج من برازه كالمرة الصَّفْرَاء إِلَّا أَن لَهُ
стр. 2069
ثخناً ولزوجة دهنية وَمَعَهُ نَتن وَرُبمَا كَانَ أَشد حمرَة وَاللَّحم والشحم يذوبان مَا دَامَ ذَلِك فَهَذِهِ الْحمى ردية جدا وَتسَمى المذيبة وَعَلَيْك بسقى المَاء الْبَارِد غير المفرط الْبرد وَاعْتمد حِينَئِذٍ على المَاء)
الْبَارِد والأضمدة المبردة على الصَّدْر والبطن كُله والأغذية المبردة وَاسْتعْمل غَايَة التبريد والتقوية.
من مقَالَة جالينوس فِي الذبول قَالَ: الذبول فَسَاد الْحَيَوَان من قبل اليبس وَيكون مَعَ حرارة وَمَعَ برودة وَهُوَ حِينَئِذٍ مركب من يبس وحر أَو يبس وَبرد فَأَما الذبول الْيَابِس الْبَسِيط فَإِنَّهُ يكون من عدم الْغذَاء والمركب مَعَ برد فَكَمَا يعرض للشيوخ والحادث ألف هـ مَعَ حرارة فكالحادث مَعَ الحميات الحارة والذبول غير مفارق للشيخوخة والشيخوخة إِنَّمَا هِيَ غَلَبَة اليبس وَأما حفظ الْبدن من الشيخوخة فممتنع والبرهان أوردهُ فِي الْمقَالة وَلم استحسنه أَنا.
قَالَ: ومقاومة الْبدن كَيْلا ييبس سَرِيعا وتمتد بِهِ الرُّطُوبَة مُدَّة طَوِيلَة فممكن وَهَذَا الْجُزْء من الطِّبّ هُوَ الْمُسَمّى تَدْبِير الشيخوخة.
وَالْغَرَض فِيهِ مدواة جرم الْقلب لِئَلَّا يجِف سَرِيعا والشيوخ يَنْبَغِي لَهُم إِذا استحموا وأكلوا أَن يَنَامُوا على فرش لينَة فَإِن هَذَا التَّدْبِير أصوب من تَدْبِير الْمَشَايِخ لِأَن الاستحمام وَالنَّوْم على الْفرش اللينة من الْأَشْيَاء المرطبة وخاصة هِيَ بالغذاء أَكثر ترطيباً من ترطيب جَمِيع الْأَشْيَاء وَذَلِكَ أَن الْغذَاء من بَين جَمِيع التَّدْبِير المرطب يبين لَك ترطيبه للبدن من يَوْمه وترطيبه لَهُ بِأَن يرطب نفس جَوْهَر الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة وَيزِيد فِي الرُّطُوبَة الَّتِي بهَا التحام أَجْزَائِهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيل إِلَى جَوْهَر هَذِه الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة أَعنِي الْقلب والكبد وَنَحْوهمَا. فَأَما سَائِر التَّدْبِير المرطب كالحمام وَنَحْوه فَإِنَّمَا يودع الرُّطُوبَة إِلَى الْخلَل الَّذِي بَين الْأَجْزَاء ويرطب الْبدن بالرطوبة المنبئة فِي لي وَإِن قصر عَن هَذَا فَيَنْبَغِي أَن تَجف هَذِه الرُّطُوبَة أَو تبطل وممكن فِي وَقت من الْأَوْقَات أَن يكون تزيد الرُّطُوبَة المبثوقة فِي خلل الْأَعْضَاء تترطب مِنْهَا الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة كَمَا أَنه قد تَجف عَن ذهَاب هَذِه الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة.
قَالَ: والكبد وَالْقلب لَا يعدمان الرُّطُوبَة إِلَّا أَن ينقص الدَّم فِي الْبدن نُقْصَانا مفرطاً جدا وَهِي إبطاء الْأَعْضَاء جفافاً فَأَما الكبد فَلِأَنَّهَا مبدأ الدَّم وَأما الْقلب فلقوته الجاذبة لَا يُمكن أَن يعْدم الْغذَاء إِلَّا وَقد عَدمه جَمِيع الْبدن فَلذَلِك يَنْبَغِي أَن يظنّ أَن حَال الْقلب والكبد فِي الْأَبدَان الَّتِي قد نحلت وقصفت لَيست مُتَسَاوِيَة بِحَال الْأَعْضَاء بل تعلم أَنَّهَا اخصب أبدا وأرطب من سَائِر الْأَعْضَاء وَلَو أَنَّك قتلت حَيَوَانا جوعا وشرحته لوجدت قلبه وكبده قريبتين من الْحَال الطبيعية فِي الرُّطُوبَة وَسَائِر أَعْضَائِهِ جافة يابسة صلبة.)
قَالَ: والذبول الَّذِي يكون الْقلب فِيهِ بَارِدًا لَا حمى مَعَه وَيدل على ذَلِك صغر النبض وتفاوته وَكَذَلِكَ النَّفس فَإِنَّهُ صَغِير متفاوت وَلَا يخرج حاراً كالحال الطبيعية وَلَا فِي نواحي الصَّدْر والمجسة حرارة فبذلك ألف هـ يعلم أَنه لَا حمى بهم.
قَالَ: وَإِنَّمَا فيهم من دَلَائِل الحميات صلابة النبض وصلابة النبض فِي هَؤُلَاءِ عَن شدَّة
стр. 2070
اليبس وَلَيْسَ مَعَه تَوَاتر. فَأَما فِي الذبول المخشف الَّذِي يحدث عَن الحميات المحرقة فَإِن الْهَوَاء الْخَارِج بِالنَّفسِ يكون حاراً ويستند العليل خُرُوجه وَأكْثر مَا يُصِيبهُ ذَلِك الْأَبدَان الحارة الْيَابِسَة والنبض مِنْهُم صلب متواتر صَغِير. وَأما الذبول الْحَادِث عَن الْحمى الإغمائية فَإِنَّهُ يحدث إِذا عرض غشى فيخلص من الْخطر اللَّاحِق بِهِ فِي ذَلِك الْوَقْت ثمَّ بقيت مِنْهُ بَقِيَّة.
لي احسب أَنه يتَخَلَّص من الغشي بشراب قوي يسقى ثمَّ تبقى بِهِ من الْحَرَارَة بَقِيَّة أَو يكون يُرِيد أَنه يبْقى مِنْهُ الْحَال الغشية حَتَّى تصيبه الْحمى فِي الْأَحَايِين. وَأما الذبول الْبَارِد الَّذِي حَاله حَال الشيخوخة فَيعرض عَن الحميات الَّتِي يبرد فِيهَا الْبدن على غير مَا يَنْبَغِي بالأشربة والأضمدة الَّتِي تُوضَع على مَا دون الشراسيف لبرد الْقلب إِذا اسْتعْمل بِشدَّة الْبرد أَو فِي غير الْوَقْت الَّذِي يجب.
قَالَ: وَمن توهم أَنه يُبرئ الذبول الْبَارِد وَقد كَانَ فَإِنَّهُ جَاهِل بِنَوْع هَذِه الْعلَّة.
الْبدن إِنَّمَا يقصب ويهزل إِمَّا لقلَّة رطوبته الَّتِي هِيَ الأخلاط أَو لذوبان الْأَعْضَاء الْقَرِيبَة الْعَهْد بالجمود كالشحم وَاللَّحم الرخو أَو ليبس الرُّطُوبَة المبثوثة فِي خلل الْأَعْضَاء أَو لفقد الرُّطُوبَة الَّتِي بهَا التحام أَجزَاء الْأَعْضَاء الْأَصْلِيَّة فَلَا برْء لهَذَا. وَأما الصِّنْف الأول فعلاجه سهل وَلَا خطر فِيهِ. وَالثَّانِي علاجه اعسر والخطر فِيهِ اشد وَهِي وَيبرأ بِالسَّبَبِ المضاد وَهُوَ الترطيب. والذبول الَّذِي مَعَ برد يحْتَاج إِلَى إسخان والأغمائي إِلَى تبريد. وَإِنَّمَا يعالج الذبول قبل أَن يستحكم.
لي يحْتَاج أَن يعرف الْفرق بَين الذبول المستحكم الَّذِي لَا يبرأ وَغَيره فاطلب ذَلِك من الحميات والمعدة وَنَحْوهَا ورده إِلَى هُنَا بشرح ثمَّ نَنْظُر نَحن فِيهِ ونشرحه بِمَا عندنَا.
وَالْحمام ينفع الذبول مَعَ حركان أَو مَعَ برد إِذا كَانَ بسيطاً وَلم يكن مَعَ حميات عفن وَلَا ورم وَإِذا كَانَ مَعَهُمَا فقد قُلْنَا فِي بَاب الدق فَأَما اليبس الْعَارِض للبدن فالحمام انفع لِأَشْيَاء لَهُ.
الْخَامِسَة من الْفُصُول قَالَ: اللَّبن جيد للدق والسل اعني بالدق مَا يذوب بِلَا قرحَة الرئة.
قَالَ: فليسقوا إِن تكن حماهم شَدِيدَة أَو مَا دون شراسيفهم منتفخ أَو بهم عَطش شَدِيد أَو)
أبدانهم مرارية وَمَا يبرز مِنْهُم بالبراز وَالْبَوْل ألف هـ يشْهد بذلك.
من
٣ - (الْمقَالة فِي الذبول)
يسْتَدلّ على الذبول الدَّائِم الَّذِي يكون من الْقلب بصغر النبض وتفاوته وَكَذَلِكَ بصغر النَّفس وتفاوته وبخروجه من الْفَم غير حَار فَهَذِهِ عَلَامَات الذبول بِلَا حمى وَلَيْسَ ملمس صُدُورهمْ بحار ونبضهم صلب.
لي يَنْبَغِي أَن يحذر من تبريد الْقلب بأضمدة وَكَذَلِكَ بالأغذية الْبَارِدَة والهواء فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى
٣ - (جَوَامِع الحميات غير المفصلة)
لَا تطلب زِيَادَة السخونة فِي الدق فِي حَال الْغذَاء
следующие страницы →