Полный текст (2 115 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
ونوائب اللَّازِمَة الَّتِي لَا تفتر وَلَا تقلع لَا تبتدئ بِبرد إِلَّا لضعف القوهَ أَو لغور الْحَرَارَة الغريزية فتبرد الْأَطْرَاف وَذَلِكَ عَلامَة رَدِيئَة. وَقد يتركب فِي بعض الحميات برد وقشعريرة مَعًا لِأَن الْمَادَّة الَّتِي تعفن تكون مركبة من بَارِد وَمن لاذع وَقد تتركب بعض حميات العفونة تركيباً تصير فِي هَيْئَة اللَّازِمَة وَذَلِكَ مثلا إِذا كَانَ قد ابْتَدَأَ خلط يعفن فِي مَوضِع فَكَمَا أَتَت عيه العفونة ابْتَدَأَ خلط من جنسه أَو من غير جنسه يعفن فصادفت عفونة الثَّانِي زمَان إقلاع نوبَة الأول ثمَّ اتَّصل الْأَمر كَذَلِك وَقد. تتركب الحميات العفنية ضروباً أُخْرَى من التراكيب سنفصلها فيِ بَابهَا. وأدوار الحميات قد تطول وَقد تقصر فطولها لغلظ الْمَادَّة أَو لزوجتها أَو لكثرتها أَو سكونها أَو لضعف الْقُوَّة أَو لضعف الْحس أَو لتكاثف المسام فَلَا يتَحَلَّل الْخَلْط وقصرها لأضداد ذَلِك والنوائب تسرع وتبطئ وبطؤها أما بِسَبَب أَن الْمَادَّة قَليلَة أَو بطيئة الْحَرَكَة إِلَى مَعْدن العفونة لغلظها وَهَذِه كمادة الرّبع وسرعتها لِأَنَّهَا كَثِيرَة كالبلغم إِلَّا الزجاجي فنوائبه رُبمَا تباطأت أَو لَطِيفَة كالصفراء. وأردأ الحميات هِيَ: اللَّازِمَة الَّتِي تكون العفونة فِيهَا دَاخِلَة الْعُرُوق ثمَّ المقلعة الَّتِي تكون العفونة فِيهَا فِي جَمِيع الْبدن أَو فِي نواحي الْقلب وقلما يعرض. للمشايخ حمى صالب لبرد مزاجهم وَقلة التخم فيهم. وَأما النبض فَإِنَّهُ تخْتَلف أَحْوَاله فِي الحميات العفنية بِحَسب اختلافها فِي أجناسها أَو بِحَسب اخْتِلَاف النَّوْع الْوَاحِد مِنْهَا فِي الشدَّة والضعف وَفِي قُوَّة الْأَعْرَاض وضعفها وَقد يعرض لَهُ الصلابة فِيهَا إِمَّا لورم حَار شَدِيد التمديد أَو ورم حَار فِي عُضْو عصبي أَو ورم صلب أَو لشدّة اليبس أَو عِنْد اسْتِيلَاء الْبرد فِي الابتداءات وَقد تكون لينَة بِسَبَب الْمَادَّة الرّطبَة اللينة البلغمية والدموية وبسبب أَن الورم فِي عُضْو لين مثل: ذَات الكبد وَذَات الرئة وليثرغش أَو لسَبَب التندي المتوقّع عِنْدَمَا يُرِيد أَن يعرق والنبض يكون فِي ابْتِدَاء النوائب ضَعِيفا منضغطاً بِسَبَب إقبال الْقُوَّة على الْمَادَّة واستشغالها بالتنقية والترويح. فصل قَول كلّي فِي عَلَامَات حمّيات العفونة قد يدل على حميات العفونة توافي الْأَسْبَاب السَّابِقَة لَهَا وخصوصاً إِذا لم يكن لَهَا سَبَب بادٍ والنبض أَو النَّفس الَّذِي يسْرع انقباضه لِأَن الْحَاجة إِلَى التنقية شَدِيدَة جدا وَتَكون الْحَرَارَة لذاعة غير عذبة كحرارة حمى يَوْم. وَأكْثر حمّيات العفونة تتقدّمها المليلة والمليلة حَالَة تخالطها حرارة لَا تبلغ أَن تكون
стр. 1577
حمى ويصحبها إعياء وتوصيم وكسل وتمطّ وتثاؤب واضطراب نوم وسهر وضيق نفس وتمدّد عروق وشراسيف وصداع وضربان رَأس فَإِذا طَالَتْ أوقعت فِي الحميات العفنية وأحدثت ضعفا وصفرة لون وَرُبمَا صحب المليلة الْمُتَقَدّمَة على الحمّيات كَثْرَة فضل ومخاط وغثيان وَبَوْل كثير وبراز كثير عفن وَثقل رَأس وتهيج ويعرض تَوَاتر فِي النبض لَا عَن سَبَب من خَارج من تَعب أَو غضب أَو غَيره وَإِذا عرض الانضغاط فِيهِ فقد جَاءَت النّوبَة والانضغاط غور من النبض وَصغر مُخْتَلف يَقع فِيهِ نبضات كبار قَوِيَّة وَلَا تكون سرعته قَوِيَّة. وَأما الِاخْتِلَاف فِي الِابْتِدَاء والتزيد فَهُوَ من خَواص دَلَائِل حمّى العفونة وَإِن كَانَ لَا يظْهر فِي الغبّ ظهوراً كثيرا لخفة مادته وَمن عَلَامَات أَن الْحمى عفنية خلو الدّور الأول من الْعرق والنداوة فَإِن اليومية بِخِلَاف ذَلِك وَإِن كَانَ الِابْتِدَاء فِي الغبّ لخفة الْمَذْكُورَة يشبه يومية لم ينْتَقل إِلَى العفونة وَأَن يكون تزيدها مختلطاً غير متناسب متشابه وَطول التزيد أَيْضا يدل على أَنَّهَا عفنية وازدياد النبض عظما على الِاسْتِمْرَار يدل على التزيّد. ثمَّ إِنَّهَا تكون إِمَّا مقلعة تبتدئ بنافض أَو قشعريرة وتترك فِي أَكثر الْأَمر بعرق أَو نداوة أَو تَدور بنوائب أَو تكون لَازِمَة مَعَ تفتير أَو غير تفتير لَا يشبه اليومية فِي النبض وَالْبَوْل وَتَمام النَّقَاء وَسُكُون الْأَعْرَاض وَأكْثر العفنية مَعهَا أَعْرَاض كَثِيرَة من عَطش وصداع وَسَوَاد لِسَان وخصوصاً عِنْد الْمُنْتَهى وَيكثر القلق من كرب واضطراب شَدِيد يُوجِبهُ مُقَابلَة الْمَادَّة وَالْقُوَّة فَتَارَة تستعلي الْمَادَّة وَتارَة تستعلي الْقُوَّة والنبض لذَلِك يكون تَارَة آخِذا إِلَى الْعظم وَالْقُوَّة وَتارَة إِلَى الصغر والضعف. وَأما الصلابة فقد تكون وَلَا يجب دَائِما أَن تكون إِلَّا أَن يكون مَعَ الْحمى ورم صلب فِي أَي عُضْو كَانَ أَو ورم فِي عُضْو صلب وَإِن لم يكن الورم صلباً أَو يكون قد اتّفق شرب مَاء بَارِد أَو شَيْء آخر مِمَّا يصلب الْبدن مِمَّا قيل فِي كتاب النبض. وَأما الِاخْتِلَاف فِي الِابْتِدَاء والتزيد فَهُوَ من الْخَواص بالحمى العفنة وَمن دلائلها الْقُوَّة وَإِن كَانَ لَا يظْهر فِي الغب كثيرا لخفة مادته وَمَا لم يصر النبض قَوِيا وَلم يسْرع السرعة الْمَذْكُورَة فالحمّى بعد يومية لم تنْتَقل إِلَى العفونة وَيكون الْبَوْل فِي الِابْتِدَاء غير نضيج أَو قَلِيل النضج وَرُبمَا كَانَ حاداً جدا. وَاعْلَم أَن الحميات الحادة المزمنة الْمهْلكَة قَلما يتَخَلَّص عَنْهَا إِلَّا بزمانة عُضْو وَإِذا بقيت الْحمى بعد سُكُون الورم فِي ذَات الْجنب وَنَحْوه فَاعْلَم أَن بَقِيَّة الْمَادَّة بَاقِيَة وَأَن الْمَادَّة قد مَالَتْ إِلَى حَيْثُ يظْهر وجع.
стр. 1578
فصل فِي عَلَامَات اللَّازِمَة إِن الدائمة تكون اخْتِلَاف النبض الَّذِي بِحَسب الحمّى فِيهَا ظَاهرا جدا وَيكون فِي أَكْثَره غير ذِي نظم وَلَا وزن وتدوم الحمّى وَلَا تقلع بعد أَربع وَعشْرين سَاعَة وَلَا يصحبها مَا ذكرنَا من أَحْوَال المقلعة من تقدم النافض وَغَيره وَمِمَّا يدل عَلَيْهَا لُزُومهَا وَشدَّة اخْتِلَاف حَالهَا عِنْد التزيّد فتنقص مرّة وتشتد أُخْرَى. فصل فِي أُمُور تفترق بِبَعْضِهَا حمّيات العفونة وتشترك فِي بعض مَا كَانَ من الحمّى لعفونة الصَّفْرَاء فَتكون حركتها غبا سَوَاء كَانَت الْحَرَكَة ابْتِدَاء نوبَة أَو ابْتِدَاء اشتداد إِلَّا ضربا مِنْهَا يعرف بالمحرقة تخفي حركاتها جدا وَهِي: كاللازمة المطبقة والغبّ الصّرْف حادة للطافة الْمَادَّة وحرارتها عَظِيمَة لذّاعة لقُوَّة الْمرة لَكِنَّهَا سليمَة بِسَبَب أَن الصَّفْرَاء خَفِيفَة على الطبيعة وَلِأَنَّهَا تريح وَالْغِب الْغَيْر الْخَالِصَة أطول مُدَّة من الْخَالِصَة والخالصة قَلما تجَاوز تسع نَوَائِب إِلَّا عَن خطأ. والدائمة رُبمَا انْقَضتْ فِي أُسْبُوع وَمَا كَانَت من عفونة الدَّم فَإِنَّهَا دائمة لَازِمَة وحرارتها كَثِيرَة عَامَّة مَعَ لين لَيْسَ فِي لذع الصفراوية وَرُبمَا انْتَهَت فِي أَرْبَعَة أَيَّام وَأما البلغمية الْمُوَاظبَة كل يَوْم فَإِنَّهَا لينَة الْحَرَارَة بِالْقِيَاسِ إِلَى الصفراوية طَوِيلَة للزَّوْجَة الْمَادَّة وبردها وَكَثْرَتهَا عَظِيمَة الْخطر لِأَنَّهَا قَليلَة مُدَّة الإقلاع أَو التفتير وَلِأَنَّهَا تصْحَب فَسَادًا وضعفاً فِي فَم الْمعدة لَا بُد مِنْهُ وَذَلِكَ مِمَّا يجلب أعراضاً رَدِيئَة من الغشي والخفقان وَسُقُوط الشَّهْوَة. واللازمة مِنْهَا أشبه شَيْء بالدقّ لَوْلَا لين النبض على أَنه قد يصلب أَيْضا وَكلما كَانَت أقلّ خلوصاً كَانَت أقصر نوبَة إِلَّا أَن تميل بقلة خلاصها إِلَى السوداوية وَأما الرّبع فَإِنَّهَا غير حادة لبرد الْمَادَّة طَوِيلَة لذَلِك وَرُبمَا امتدت الْخَالِصَة مِنْهَا سنة وَغير الْخَالِصَة أقصر مُدَّة لَكِنَّهَا لَا خطر فِيهَا لِأَنَّهَا تريح مُدَّة طَوِيلَة وَلِأَنَّهَا لَيست من الحدة بِحَيْثُ تتبعها أَعْرَاض شَدِيدَة وَالرّبع والغبّ الدائمة والمفترة تَنْقَضِي بقيء أَو استطلاق أَو عرق أَو درور بَوْل. وَأما المحرقة فتنقضي بِمثل ذَلِك وبالرعاف وَاعْلَم أَن الِابْتِدَاء يطول فِي الغبّ والانتهاء فِي المطبقة والانحطاط فِي المحرقة والانتهاء والانحطاط فِي الْمُوَاظبَة على أَنه قَلما تُوجد ربع دائمة ومواظبة تَامَّة الإقلاع والحميات إِذا لم تعالج على مَا يَنْبَغِي وخصوصاً الورمية آلت إِلَى الذبول وخصوصاً فِي الحميات الحادة الَّتِي يجب أَن يغذى فِيهَا صَاحبهَا فَلَا يغذّى لغَرَض أَن تقبل الطبيعة على الْمَادَّة أَو يجب أَن يسقى المَاء الْبَارِد فَلَا يسقى لغَرَض أَن لَا يفحج وَلَا يتدارك بتطفية أُخْرَى فَإِنَّهُ إِذا كَانَ الْغَرَض الَّذِي سَنذكرُهُ فِي التغذية وَسقي المَاء الْبَارِد أقوى من الغرضين الْمَذْكُورين قدم عَلَيْهِمَا وأغفل مُرَاعَاة ذَيْنك الغرضين.
стр. 1579
فصل فِي دَلَائِل أَعْرَاض الحميات إعلم أَن مَأْخَذ دَلَائِل الحميات هُوَ من التَّدْبِير الْمُتَقَدّم وَأَنه كَيفَ كَانَ وَمن الْأَحْوَال والأعراض الْحَاضِرَة مِمَّا نذكرها وَمن الْبلدَانِ والفصول وَمن السن والمزاج وَمن النبض وَالْبَوْل والقيء وَالْبرَاز والرعاف وَمن حَال الْحمى فِي النافض والعرق وَكَيْفِيَّة الْحَرَارَة وَمن النوائب وَمن حَال الشَّهْوَة والعطش وَمن حَال التنفس وَمن المقارنات مثل: الصداع والسهر والهذيان والقلق وَغير ذَلِك فَإِن للحمّيات أعراضاً مِنْهَا تستدل على أحوالها فَمِنْهَا: أَعْرَاض تدل على عظمها وصغرها مثل: كَيْفيَّة الْحَرَارَة وكميتها فَمِنْهَا مَا يكون لذّاعاً شَدِيدا من أول مَا يَأْخُذ إِلَى آخِره وَمِنْهَا مَا يلذع أَولا ثمَّ يخور لتحلل الْمَادَّة وتلين وَمِنْهَا مَا لَا يلذع وَمِنْهَا مَا حرارته رطبَة وَمِنْهَا مَا حرارته يابسة. وأعراض تدل على جِنْسهَا كالأعراض الخاصية بالغب مثل: ابْتِدَاء النّوبَة بنخس وقشعريرة ولذع الْحَرَارَة فِيهِ. وأعراض تدلّ على خبثها مثل: القلق والهذيان والسهر وأعراض تدلّ على النضج وَغير النضج مثل مَا نذْكر من أَحْوَال الْبَوْل وأعراض تدلّ على البحران سنذكرها وأعراض تدلّ على السَّلامَة أَو ضدها وَسَنذكر جَمِيع ذَلِك. وللسخنة أَحْكَام كَثِيرَة مثل: مَا يتَغَيَّر لَونه إِلَى الرصاصية من بَيَاض وخضرة فَيدل على برودة الأخلاط وَقْفَة الْحَار الغريزي أَو إِلَى التهيج والانتفاخ كَمَا يعرض لمن سَبَب حمّياته تخمة وَمثل سرعَة ضمور الْوَجْه وانخراطه ودقة الْأنف فَيدل إِمَّا على شدَّة الْحَرَارَة وَإِمَّا على رقة الأخلاط وَسُرْعَة تحللها لسعة المسام وللحركات فِي نَفسهَا وخروجها عَن الْعَادة أَو سُقُوطهَا دَلَائِل وَلَا شَيْئا آخر مِمَّا سَنذكرُهُ. وَمن أَعْرَاض الحمّيات مَا وقته الْمُنْتَهى مثل: الهذيان واختلاط الذِّهْن لتلهّب الرَّأْس وَمِنْهَا مَا وقته الِابْتِدَاء مثل القشعريرة وَالْبرد وَمثل السبات الَّذِي يلْحق أَكثر أَوَائِل الحميات لضعف الدِّمَاغ وميل الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن وَلأَجل خبث الْمَادَّة وَكَثْرَة بخارات تتصعّد عَن الِاضْطِرَاب الْمُبْتَدِي فِي الْبدن إِلَى أَن يحلّلها الاشتعال ويعين ذَلِك برد الدِّمَاغ فِي نَفسه وَبرد الْخَلْط الَّذِي يُرِيد أَن يعفن ويسخن والأشياء الَّتِي يتعرّف مِنْهَا حَال الحمّى وَأَنَّهَا من أَي صنف هِيَ حَال الْحمى فِي حدّتها أَو لينها وَحَال الحمّى فِي وُقُوعهَا عَن الْأَسْبَاب الْبَادِيَة أَو السَّابِقَة على الشَّرْط الْمَذْكُور وَحَال الْحمى فِي لُزُومهَا وإقلاعها وفتراتها وَحَال الْحمى فِي أَخذهَا بنافض وَبرد وقشعريرة أَو خلَافهَا. وَمَتى كَانَ مَا كَانَ مِنْهُ وَحَال الحمّى فِي تَركهَا بعرق كثير وَقَلِيل أَو خِلَافه وَحَال سالف التَّدْبِير وَالسّن والسخنة وَالزَّمَان والصناعة وَحَال النبض وَالْبَوْل.
стр. 1580
فصل كَلَام فِي النافض وَالْبرد والقشعريرة والتكسر القشعريرة: هِيَ حَالَة يجد الْبدن فِيهَا اخْتِلَافا فِي برد ونخس فِي الْجلد والعضل ويتقدّمها التكسّر. وَكَأن التكسّر ضَعِيف مِنْهَا وَأما الْبرد فَهُوَ أَن يحسّ فِي أَعْضَائِهِ ومتون عضله بردا صرفا وَأما النافض فَهُوَ أَن لَا يملك أعضاءه عَن اهتزاز وارتعاد يَقع فِيهَا وحركات غير إرادية وَرُبمَا كَانَ برد قوي وَلم يكن نافض قوي مثل حميات البلغم وَالرّبع. وَمن أَسبَاب اشتداد النافض شدَّة الْقُوَّة الدافعة الَّتِي فِي العضل وَلذَلِك كلما كَانَ السَّبَب المنفض ألزج كَانَ النافض أَشد وَالدَّم يغور مَعَ النافض إِلَى دَاخل. وَاعْلَم أَن الْخَلْط الْبَارِد يكون سَاكِنا قد أَلفه الْعُضْو الَّذِي هُوَ فِيهِ وَاسْتقر انفعاله عَنهُ فَلَا يحس برده. فَإِذا تحرّك وتبدّد تبدداً كثيرا أَو قَلِيلا بِسَبَب من الْأَسْبَاب من حرارة مفرقة أَو غير ذَلِك انفعل عَنهُ الْعُضْو الَّذِي كَانَ غير ملاق لَهُ وأحس بِبرْدِهِ بِسَبَب المزاج الْمُخْتَلف. وَقد علمت فِي الْأُصُول الْكُلية من علم الطِّبّ. وَكَثِيرًا مَا يعرض عَن البلغم الزجاجي الْمُنْتَشِر فِي الْبدن نافض لَا يُؤَدِّي إِلَى حمى وَرُبمَا كَانَ لَهُ أدوار وَلَا تكون قوته قُوَّة النافض الْمُؤَدِّي إِلَى الحمّى والمادة الَّتِي تفعل الإعياء بقلتها تفعل النافض بكثرتها قبل أَن تعفن فَإِن لم تعفن لم تُؤَد إِلَى الْحمى وَقد يعرض الْبرد والنافض لغور الْحَرَارَة بِسَبَب الْغذَاء وَمَا يُشبههُ. والنافض وَالْبرد يتَقَدَّم الحميات لِأَن الْخَلْط الخام ينصب إِلَى العضل أَولا وَهُوَ مؤذ بِبرْدِهِ بِالْقِيَاسِ إِلَى العضل ثمَّ إِذا أَخذ يعفن أَخذ فِي السخن وَقد يتَقَدَّم النافض الحميات للذع الْخَلْط وَقُوَّة الْقُوَّة الدافعة الَّتِي فِي العضل كَمَا ينتفض الْإِنْسَان من صب المَاء الْحَار جدا على جلده وخصوصاً إِذا كَانَ مالحاً وَرُبمَا صَار أَذَى مَا يلذع سَببا لهرب الْحَار الغريزي إِلَى بَاطِن ويستولي الْبرد فَيكون مَعَ لذع الْحَار برد كَأَن الْبرد يشْتَمل. واللذع الْحَار عِنْد الغشاء وَالْبَاطِن. وَقد يَقع النافض لهرب الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن كَمَا يكون فِي الأورام الْبَاطِنَة وَرُبمَا دلّ النافض والقشعريرة على الْبُرْء فِي الحمّيات اللَّازِمَة لِأَنَّهُ يدل على أَن الْمَادَّة انتفضت من الْعُرُوق وَخرجت لكنه إِذا لم يكن مَعَ نضج وَفِي وَقت بحراني وَلم يتبعهُ خف دلّ على أَن انتفاض ذَلِك الْمِقْدَار لَيْسَ لِأَن الْقُوَّة غلبت بل لِأَن الْمَادَّة كَثِيرَة تفيض لكثرتها. وَمن النافض مَا يدلّ على الْمَوْت وَهُوَ الَّذِي يتبع ضعف الْقُوَّة وَسُقُوط الْحَار الغريزي وَالنَّفس. وَأما القشعريرة فَتكون من أَسبَاب أقل من أَسبَاب النافض وهيجان الدهش والدوار ينذر بدور والمشايخ تكون حمياتهم مدفونة وَرُبمَا كانالسبب فِي طول الْحمى غلظاً فِي الأحشاء فليستلق المحموم ولتمد رِجْلَاهُ ولتجس أحشاؤه وَإِذا اسود
стр. 1581
لِسَان المحموم مَعَ خفَّة فحماه مدفونة وَقد يصحب الحمّى فالج فيعالج الْحمى أَولا وَمِمَّا يصلح لَهُم السكنجبين ممروساً فِيهِ الخلنجبين وَمَاء الحمص بالزيت إِن احتملت الْحمى وَحلق الرَّأْس مِمَّا يكثف جلده فتنعطف فصل فِي الْإِشَارَة إِلَى معالجات كُلية لحمى العفونة إعلم أَن الْغَرَض فِي مداواة هَذِه الحميات تَارَة يتَّجه نَحْو الْحمى فتحتاج أَن تبرد وترطّب وَتارَة نَحْو الْمَادَّة حَتَّى تحْتَاج أَن تنضج أَو تحْتَاج أَن تستفرغ. والإنضاج فِي الغليظ تعديله بالترقيق وَفِي الرَّقِيق تعديله بالغليظ وَرُبمَا تنَاقض مَا تستدعيه الحمّى من الْبَرِيد ويستدعيه الْخَلْط من الإنضاج والاستفراخ والتحليل فَرُبمَا كَانَ المنضج والمستفرغ حاراً بل هُوَ فِي أَكثر الْأَمر كَذَلِك وَحِينَئِذٍ يجب أَن يُرَاعى الأهم من الْأَمريْنِ وَرُبمَا تنَاقض مُقْتَضى الْحمى من التبريد بِمثل مَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ وَسَائِر الْبُقُول. وَمُقْتَضى الْمَادَّة من التقليل فَيمْنَع ذَلِك سقيها إِلَّا حَيْثُ لَا مَادَّة وَبِالْجُمْلَةِ الحزم أَن يُؤَخر مَاء الْفَوَاكِه إِلَى أُسْبُوع ويقتصر على مَاء الشّعير وَجَمِيع الْفَوَاكِه تضر المحموم لغليانها وفسادها فِي الْمعدة. وَكَثِيرًا مَا يُوجد الشَّيْء الَّذِي ينضج ويلطف ويستفرغ مبرداً أَيْضا مثل: السكنجبين وَاعْلَم أَنه رُبمَا كَانَت الْحمى من الشدَّة والحمة بِحَيْثُ لَا يرخص فِي تَدْبِير السَّبَب بل يَقْتَضِي التبريد البليغ وخصوصاً إِذا لم تَجِد الْقُوَّة قَوِيَّة مقاومة صابرة فَإِن وَجدتهَا مقاومة صابرة قطعت السَّبَب ودبرت للخلط وَقطعت الْغذَاء وَلم تبرد تبريداً يمْنَع التَّحَلُّل وَإِن وجدت الْقُوَّة قَاصِرَة اشتغلت بتعديل المزاج المضاد لَهَا فبردته ونعشت الْقُوَّة بالغذاء. فَإِذا قويت الْقُوَّة بنعشها وقهر مضادها عدت إِلَى الْعلَّة وَإِذا بردت فِي هَذِه الحميات فَلَا تبرد بِمَا فِيهِ قبض وتكثيف مثل الأقراص المبردة إِلَّا بعد النضج والاستفراغ. وَاعْلَم أَن علاج حمى العفونة بِخِلَاف علاج الدقً فَإِن علاج الدق مَقْصُور على مضادة الْمَرَض وعلاج حمى العفونة لَيْسَ مَقْصُورا على مضادة الْمَرَض وَحده بل عَلَيْهِ وعَلى قطع سَببه وَإِن كَانَ بمشاكل الْمَرَض والتغذية صديقَة الْقُوَّة من جِهَة نَفسهَا وعدوة للقوة من جِهَة أَنَّهَا صديقَة عدوّها وَهُوَ الْمَادَّة فِي مُعينَة لكلاهما فَلذَلِك يحْتَاج فِي تدبيرها إِلَى قانون ولنفرد لَهُ بَابا وَاعْلَم أَنه لَا يمكنك أَن تعالج الْحمى إِلَّا بعد أَن تعرفها فَإِن جهلت فلطّف التَّدْبِير واجتهد أَن لَا تلقاك النّوبَة إِلَّا وَأَنت خَالِي الْبَطن وَلَا تحرّك فِي يَوْم النّوبَة شَيْئا مَا أمكنك وَلَا تعالج وَيجب أَن تراعي فِي جَمِيع ذَلِك حَال الْقُوَّة. فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة وَكَانَ الْغَالِب الدَّم أَو كَانَ مَعَ الْخَلْط الْغَالِب دم فالفصد أوجب شَيْء وخصوصاً إِذا كَانَ الْبَوْل أَحْمَر غليظاً لَيْسَ أصفر نارياً يخَاف عِنْد الفصد
стр. 1582
غَلَبَة المرَار وحدته ثمَّ أتبع فصده إسهالاً لطيفاً خُصُوصا إِن كَانَ هُنَاكَ يبس بِمثل مَاء الشّعير والشيرخثست الْقَلِيل وَمَاء الشّعير والسكنجبين فَإِن لم لَكِن الطبيعة زِدْت فِي مثل الشيرخشت مثل شراب البنفسج وَتَكون الْغَايَة التليين لَا الإسهال وَالْإِطْلَاق العنيف. والأحب إِلَى اسْتِعْمَال الحقن على الْمبلغ الَّذِي يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الْقُوَّة وَمن الحقن الْمُشْتَركَة النَّفْع الْخَفِيفَة حقنة تتَّخذ من دهن البنفسج وعصارة ورق السلق وصفرة الْبيض وَالسكر الْأَحْمَر والبورق فَهَذَا التليين رُبمَا احتجت إِلَيْهِ فِي الِانْتِهَاء أَضْعَف مِمَّا تحْتَاج إِلَيْهِ فِي الِابْتِدَاء وَذَلِكَ إِذا كَانَت الطبيعة محتبسة ثمَّ تتبعه بإدرار بِمثل: السكنجبين الْمَطْبُوخ بِأَصْل الكرفس وَنَحْوه ثمَّ تعرقه وتفتح مسامه بِمَا لَيْسَ لَهُ حر قوي مثل: التمريخ بدهن البابونج والدلك بِالشرابِ الْأَبْيَض وبالماء العذب الفاتر. فَإِن كَانَت الْحمى محتدة جدا لم يجز شَيْء من التمريخ والتنطيل فَإِن وجدت الْخَلْط فِي الأول يمِيل إِلَى الْمعدة فقيء بِمَا لَيْسَ فِيهِ مُخَالفَة للْعَادَة بل بِمثل السكنجبين بِالْمَاءِ الْحَار إِن كَانَ الْخَلْط تحركه الطبيعة إِلَى الْقَيْء وَلَا يُخَالِفهَا إِن كَانَ هُنَاكَ ميل إِلَى الأمعاء وأحسست بقراقر وانحدار ثقل أَو مَا يُشبههُ وامنعه النّوم فِي ابْتِدَاء الحميات خُصُوصا إِذا كَانَت قشبعريرة أَو برد أَو نافض فَيطول عَلَيْهِ الْبرد. والنافض فَإِنَّهُ يعين الْموَاد إِن كَانَت متجهة إِلَى بعض الأحشاء وَيمْنَع نضج الأخلاط وَأما عِنْد الانحطاط فَهُوَ نَافِع جدا وَرُبمَا لم يضرّ عِنْد الْمُنْتَهى وَلَا يمنعهُ المَاء الْبَارِد إِلَّا أَن يكون الْخَلْط فِيهِ فجاجة وغِلظ يمْنَع النضج. وَاعْلَم أَن الفصد إِذا نفع ثمَّ اسْتعْملت طَريقَة رَدِيئَة وَلم تكن تنقى نكس وَأما الْخَلْط الصفراوي فنضجه أَن يصير خاثراً عَن رِقته وَالْمَاء الْبَارِد يفعل ذَلِك إِلَّا أَن تكون الْمعدة أَو الكبد ضَعِيفَة أَو بَارِدَة أَو يكون فِي الأحشاء ورم أَو يكون فِي أَعْضَائِهِ وجع أَو يكون مزاجه قَلِيل الدَّم أَو حرارته الغريزية ضَعِيفَة فيضعف بعد شرب المَاء الْبَارِد أَو يكون غير مُعْتَاد لشرب الْبَارِد مثل: أهل بِلَاد الحز وَهَؤُلَاء يتشنجون بِسُرْعَة ويصيبهم فوَاق والمهزول من هَذِه الْجُمْلَة. وَأما حَيْثُ الْمَادَّة حارة أَو غَلِيظَة قد نَضِجَتْ وَالْبدن عبلاً والحرارة الغويزية موفورة وَتَكون الْقُوَّة قَوِيَّة والأحشاء سَالِمَة لَيست بَارِدَة المزاج الْأَصْلِيّ وَلم يكن غير مُعْتَاد للْمَاء الْبَارِد بل هُوَ مُعْتَاد للبارد جدا فالماء الْبَارِد أفضل شَيْء فَإِنَّهُ كثيرا مَا أعَان على نفض الْمَادَّة بِإِطْلَاق الطبيعة أَو بالقيء أَو بالبول أَو بالتعريق أَو بِجَمِيعِ ذَلِك فَيكون فِي الْوَقْت يعافى. وَرُبمَا سقى الطَّبِيب العليل من المَاء الْبَارِد قدرا كثيرا حَتَّى يخضر لَونه ويرتعد وَلَو إِلَى من وَنصف فَرُبمَا استحالت الْحمى إِلَى البلغمية وَرُبمَا قوي الطَّبْع وَدفع الْمَادَّة بعرق وَبَوْل وإسهال
стр. 1583
وَكَانَت عافيته وَإِذا كَانَ بعض الْمَوَاضِع وارماً ثمَّ خفت مضرَّة الْحَرَارَة والعطش وظننت أَنه يُؤَدِّي إِلَى الذبول لم يمْنَع المَاء الْبَارِد. فَإِن ازدياد الورم أَو فجاجته رُبمَا كَانَ خيرا من الذبول والسكنجبين رُبمَا سكن الْعَطش وَقطع وَأطلق وَلَيْسَت مضرته بالورم كَثِيرَة كمضرة المَاء وَلَيْسَ لَهُ جمع الْمَادَّة وتكثيفها. وَكَذَلِكَ الجلاّب الْكثير المزاج وَإِذا لم يجز أَن يشرب المَاء الْبَارِد فأقدم عَلَيْهِ خيف أَن يحدث تقبّضاً من المسام فَيصير سَببا لحمى أُخْرَى لحدوث سدّة أُخْرَى وَرُبمَا كَانَت أشدّ من الأولى. وَإِذا صَادف عضوا ضَعِيفا أفسد فعله فكثيراً مَا عَسُر الازدراد وعسر النَّفس وأحدث رعشة وتشنّجاً وَضعف مثانة أَو كُلية أَو قولون وَأكْثر من يجب أَن يمنعهُ مِنْهُم المَاء الْبَارِد من يتَضَرَّر بِهِ فِي صِحَّته بل إِذا رَأَيْت السخنة قَوِيَّة والعضل غَلِيظَة والمزاج حاراً يَابسا واستفرغت فَرخص أَحْيَانًا فِي الاستنقاع فِي المَاء الْبَارِد. وَعند الانحطاط وَظُهُور عَلَامَات النضج والاستفراغ للأخلاط فَلَا بَأْس أَن يسْتَعْمل الْحمام وَشرب الشَّرَاب الرَّقِيق الممزوج والتمريخ بالأدهان المحلّلة فَإِذا اسْتعْملت القوانين الْمَذْكُورَة فِي أول عرُوض الحمّى فَيجب بعد ذَلِك أَن تشتغل بالإنضاج والاستفراغ الَّذِي لَيْسَ على سَبِيل التقليل والتجفيف وَقد ذَكرْنَاهُ بل على سَبِيل قطع السَّبَب وَلَا تستفرغ الْمَادَّة غير نضيجة فِي حَار أَو بَارِد إِلَّا لضَرُورَة فَرُبمَا كثر الاستفراغ من غير الْخَلْط الْغَيْر المتهيىء للاستفراغ بالنضج. وَرُبمَا خلط الْخَبيث بالطيب لتحريك الْخَبيث من غير إنضاجه وَلَا تصغ إِلَى الرجل الَّذِي زعم أَن الْغَرَض فِي الإنضاج الترقيق والخلط الحاد رَقِيق لَا حَاجَة إِلَى ترقيقه فَلَيْسَ الْأَمر كَمَا يَقُوله بل الْغَرَض فِي الإنضاج تَعْدِيل قوام الْمَادَّة حَتَّى تصير متهيئة للدَّفْع السهل وَالرَّقِيق المتسرب والغليظ الناشب واللزج اللحج كل ذَلِك غير مستعد للدَّفْع السهل بل يحْتَاج أَن يثخن الرَّقِيق قَلِيلا ويرقّق الثخين قَلِيلا وَيقطع اللزج. وَلَو أَن هَذَا الرجل لم يسمع فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمين فِي النضج شَيْئا من قبيل مَا قُلْنَاهُ وَتَأمل حَال نضج الأخلاط المنفوثة أَن الرقيت! مِنْهَا يحْتَاج أَن يخثر والخاثر يحْتَاج أَن يرقّق لَكَانَ يجب أَن يَهْتَدِي مِنْهُ ولِمَ لَيْسَ يتَأَمَّل فِي نَفسه فَيَقُول مَا بَال الْقَوَارِير فِي الحمّيات الحادة لَا تكون فِي ابتدائها ذَات رسوب ثمَّ تصير ذَات رسوب وَهل الراسب الْمَحْمُود شَيْء غير الْخَلْط الْفَاعِل للمرض وَقد نضج فَلم لَيْسَ ينْدَفع فِي أَوَائِل الْأَمر أَن كَانَت الرقّة هِيَ الْغَايَة الْمَقْصُودَة فِي النضج فَمن الْوَاجِب أَن يكون فِي أَوَائِل حميات الدَّم والصفراء رسوب مَحْمُود. فَإِن كَانَت الطبيعة لَا يُمكنهَا دفع ذَلِك الْفضل إِلَّا بعد وَقت يصير فِيهِ مستعداً للدَّفْع فِي الْبَوْل فَكَذَلِك الصِّنَاعَة يجب أَن يعلم أَن استفراغها للخلط قبل مثل ذَلِك الْوَقْت الَّذِي يظْهر فِيهِ النضج فِي القارورة مُمْتَنع أَو متعسر مستصعب وَرُبمَا حرك وَلم يفعل بلاغاً وَرُبمَا خلط الْخَبيث بالطيب وَكَانَ الأولى بِهَذَا الْإِنْسَان أَن يحسن الظَّن بِمثل جالينوس
стр. 1584
وأبقراط فِي رسمه من هَذَا أَو يتَأَمَّل فضل تَأمل ثمَّ يرجع إِلَى المناقضة فَإِن مُنَاقض الْأَوَّلين وَهُوَ على الْحق مَعْذُور وَلَكِن الأولى وأظن أَن هَذَا الرجل اتّفقت لَهُ تجارب أنجحت فِي هَذَا الْبَاب فركن إِلَيْهَا وأمثال هَذِه التجارب الَّتِي لَيست على القوانين قد يتَّفق لَهَا أَن لَا تنجح وَلَا وَاحِد ويتفق لَهَا أَن لَا تتَحَقَّق وَلَا وَاحِد فَهَذَا هُوَ الْوَاجِب فَأَما إِن كَانَت الْمَادَّة كَثِيرَة متحركة منتقلة من عُضْو إِلَى عُضْو وظننت أَنه لَا مهلة إِلَى نضجها أَو ربفا حدثت مِنْهَا أورام سرسامية وَغير ذَلِك وَلَو تركت أوقعت فِي خطر قبل الزَّمَان الَّذِي يتَوَقَّع فِيهِ نضجها. وَذَلِكَ أطول من الزَّمَان الَّذِي يتَوَقَّع فِيهِ نضج المعتدل لَا محَالة فَلَا بُد من استفراغها فَإِن الْخطر فِي ذَلِك أقل من الْخطر فِيهَا. وَمَعَ ذَلِك فَإِن الطبيعة تكون متحركة إِلَى دَفعهَا لِكَثْرَة أذاها فَإِذا أعينت وافقها الْإِعَانَة فَلَا بُد مِنْهُ وَاعْلَم أَن الفصد لَيْسَ من قبيل مَا ينْتَظر فِيهِ النضج انْتِظَاره فِي المسهلات وَإِنَّمَا ينْتَظر النضج فِي الأخلاط الْأُخْرَى وَإِذا تَأَخّر الفصد عَن ابْتِدَاء الْعلَّة فَلَا تفصد فِي انتهائها إِذْ لَا معنى لَهُ وَرُبمَا أهلك بموافاته ضَعِيف الْقُوَّة وَكَذَلِكَ إِن خفت غَلَبَة من الْخَلْط وَأوجب الِاحْتِيَاط الاستفراغ وَإِن لم يكن نضج فَلَا تحرّك إِلَّا فِي الِابْتِدَاء. وَأما عِنْد الِانْتِهَاء فَلَا تحرّك شَيْئا حَتَّى يغلب الطبيعة وينضج فَإِن لم تتحرك هِيَ حركت أَنْت وفْق تحريكها وَإِن كَانَت هِيَ تتحرك أَو تحركت فدعها وفعلها وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمِّيه أبقراط هائجاً حِين قَالَ يَنْبَغِي أَن يسْتَعْمل الدَّوَاء المسهل بعد أَن ينضج الْمَرَض فَأَما فِي أول الْمَرَض فَلَا وَمثل هَذَا الاستفراغ الضَّرُورِيّ الَّذِي لَيْسَ فِي وقته مثل: التغذية الضرورية الَّتِي لَيْسَ فِي وَقتهَا وَنسبَة هَذَا الاستفراغ إِلَى الْكَفّ من عَادِية الْمَادَّة نِسْبَة تِلْكَ التغذية إِلَى منع الْقُوَّة عَن سُقُوطهَا وَإِذا اسْتعْملت استفراغاً فراعِ وَقت الإقلاع أَو وَقت الفترة أَو أبرد وَقت يكون وَلَا تستفرغ بالإسهال يَوْم الدّور وَلَا تفصد وَلَا تضَاد باستفراغ الصِّنَاعَة جِهَة ميل استفراغ الطبيعة وَلَا تثيرنّ الأخلاط بِمَا تَفْعَلهُ فِي الْحَال حَال حَرَكَة دور وَبِالْجُمْلَةِ تتوقى التَّدْبِير فِي وَقت الدّور حَتَّى لَا يسقى فِي مَاء الشّعير سكر وَلَا جُلاَب لِئَلَّا تثير الدّور بتضييق المجاري فَإِنَّهُ خطر بل أعن إِلَى أَن يفرط فَإِن الطَّبِيب معِين الطبيعة لَا مُنَازع لَهَا. وَاعْلَم أَن كثيرا مَا يحْتَاج إِلَى دَوَاء قوي ضَعِيف أما قوته فَمن حَيْثُ يسهّل الْخَلْط الغليظ اللزج وَأما ضعفه فَمن حَيْثُ يسهل مَجْلِسا أَو مجلسين وَلَا يستفرغ الْكثير مَعًا حَتَّى لَا تسْقط الْقُوَّة. والرأي فِي الفصد أَن يدافع بِهِ مَا أمكن فَإِن لم يكن فتكثير الْعدَد خير من تَكْثِير الْمِقْدَار وَيجب أْن لَا يستفرغ دم كثير دفْعَة فيستفرغ كثير مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَى استفراغه وَلَا يكون فِي الدَّم عدَّة لاستفراغات رُبمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا وتضعف الْقُوَّة عَن مقارعة بحرانات
стр. 1585
منتظرة وَاعْلَم أَنه إِذا اجْتمع الصرع والحمى فعلاج الْحمى أولى. وَاعْلَم أَن الصداع رُبمَا رد الْحمى المنحطة إِلَى التزيد فَيجب أَن يسكن وَالصَّبِيّ الراضع إِذا حمّ فَيجب أَن يصلح لبن أمه وَإِذا كَانَت القارورة اليرقانية فِي الحمّى تدل على ورم فَيكون العلاج سقِِي مَاء الشّعير والسكنجبين. فَإِذا هدأت الحمّى فصد للورم وَإِذا كَانَ مَعَ الْحمى قولنج فَمَا لم تنفتح الطَّرِيق لَا يسقى مَاء الشّعير بل مَاء الديك إِن وَجب ولين الحقنة وَيكثر دهنها ثمَّ يسقى مَاء الشّعير إِن وَجب وَأما المسهّلات فَمِنْهَا أشربة تتَّخذ من التَّمْر الْهِنْدِيّ والترنجبين والشيرخشت وَرُبمَا جعل فِيهَا مَاء اللبلاب وَرُبمَا جعل فِيهَا الخيارشنبر وَرُبمَا طرح عَلَيْهَا السقمونيا وَرُبمَا سقِِي السقمونيا وَحده فِي الْجلاب وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى اسْتِعْمَال مثل الصَّبْر إِذا كَانَت الْمَادَّة غَلِيظَة. والأجود أَن يغسل ويربى فِي مَاء الهندبا وَمَاء التعصيد ثمَّ يحبّب. وَأما الهليليج الْأَصْفَر فقد يَسْتَعْمِلهُ قوم وَمَا وجد عَنهُ مَذْهَب فعل فَإِنَّهُ يقبض المسام بعد الإسهال ويخشن الأحشاء فَإِن كَانَ وَلَا بُد فَبعد النضج التَّام وَمَاء الرمانين عَظِيم النَّفْع وخاصة المعتصرة بشحمهما فِي أَوْقَات وَمن المسهّلات مَا يتَّخذ من البنفسج والسقمونيا وَيكون من البنفسج قدر مِثْقَال وَمن السقمونيا إِلَى قِيرَاط وَرُبمَا جعل فِيهِ قَلِيل نعناع وَقد يتَّخذ من المبردات الملطفة دَوَاء يَجْعَل فِيهِ سقمونيا مثل حبّ بِهَذِهِ الصّفة. ونسخته: يُؤْخَذ من الكزبرة وَمن الطباشير وَمن الْورْد من كل وَاحِد نصف دِرْهَم وَمن الكافور طسوج وَمن السقمونيا إِلَى نصف دانق ودانق يسقى مِنْهُ أَو يُؤْخَذ من الشيرخشت خَمْسَة دَرَاهِم وَمن الترنجبين وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن عصارة التفاح الشَّامي وعصارة السفرجل بالسواء وعصارة الكزبرة الرّطبَة سدس جُزْء تجمع العصارات ويغمر بهَا الشيرخشت والترنجبين ويقوّم بهما حَتَّى يكَاد ينْعَقد ثمَّ يُؤْخَذ من الكافور وزني دانق وَنصف وَمن السقمونيا وزن دِرْهَم وَيرْفَع عَن النَّار ويذرّ عَلَيْهِ الكافور والسقمونيا ويحفظ لِئَلَّا يتَحَلَّل بالبخار ثمَّ يتْرك حَتَّى يتعقد من تِلْقَاء نَفسه بالرفق والشربة مِنْهُ من دِرْهَمَيْنِ إِلَى دِرْهَمَيْنِ وَنصف. وَقد يُمكن أَن يتَّخذ من الشيرخشت والترنجبين وَالسكر الطبرزد ناطف وَيجْعَل فِيهِ السقمونيا والكافور على قدر أَن يَقع فِي الشربة مِنْهُ من الكافور إِلَى طسوج وَمن السقمونيا إِلَى دانق وَيكون حبيباً إِلَى النَّفس غير كريه والمحموم فِي الصَّيف حمّى بَارِدَة لَا يدْخل فِي الخيشْ خَاصَّة إِذا عرق لِئَلَّا تنعكس الْمَادَّة عَن تحلّلها والأقراص لَا توَافق أَوَائِل
стр. 1586
هَذِه الْحمى إِلَّا بعد النضج والاستفراغ وأوفق مَا تكون الأقراص لمن حمّاه متشبثة بمعدته كَأَنَّهَا دقية وتارك عَادَته فِي تَدْبيره قد يحس أَحْيَانًا بحمى وَلَيْسَ ذَلِك بالضار لِأَن السَّبَب ترك الْعَادة فِي التَّدْبِير فَاعْلَم جَمِيع مَا فصل فِي تغذية هَؤُلَاءِ المحمومين إعلم أَن أوفق الأغذية للمحمومين هِيَ الأغذية الرّطبَة. وخصوصاً لمن مزاجه رطب من الصّبيان والمتدعين فيوافق من حَيْثُ هُوَ شَبيه المزاج وَمن حَيْثُ هُوَ ضد الْمَرَض وَإِذا أخذت الحمّى والطبيعة يابسة فَلَا تغذ أَلْبَتَّة مَا لم يخرج الثّقل بِتَمَامِهِ وَيجب أَن تلقماهم النوائب الدائرة أَو النوائب المشتدة وأجوافهم خَالِيَة لَا غذَاء فِيهَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُم إِن كَانُوا مغتذين فِي ذَلِك الْوَقْت اشتغلت الطبيعة بالهضم عَن النضج وَالدَّفْع واستحكم الْمَرَض وَطَالَ وَلذَلِك يجب أَن تُؤخر التغذية إِلَى الانحطاط فَمَا بعده وَإِن اتّفق أَنه وَافق وَقت الانحطاط وَقت الْعَادة فِي الْغذَاء فَهُوَ أَجود مَا يكون. وَاعْلَم أَن من التغذية وَالتَّدْبِير مَا هُوَ لطيف جدا وَمِنْه مَا هُوَ غليظ جدا وَمِنْه مَا بَين ذَلِك فبعضه يمِيل إِلَى اللطافة أَكثر وَبَعضه يمِيل إِلَى الكثافة أَكثر واللطيف الْبَالِغ فِي اللطافة هُوَ: منع الْغذَاء والغليظ جدا هُوَ اسْتِعْمَال أغذية الأصحاء واللواتي تلِي جَانب اللطافة مِمَّا هُوَ متوسط أَن يقْتَصر من الْغذَاء على عصارة الرُّمَّان والجلاب الرَّقِيق جدا وَبعده مَاء الشّعير الرَّقِيق وَبعده مَاء الشّعير الغليظ والبقول الْبَارِدَة الرّطبَة مثل السرمق والاسفاناخ واليمانية وَنَحْوهَا وَبعدهَا كشك الشّعير كَمَا هُوَ وَهُوَ الْوسط واللواتي تلِي جَانب الغلظ فالدجج والأطراف وألطف مِنْهَا القباج والفراريج وألطف مِنْهَا الطباهيج والسمك وألطف مِنْهَا أَجْنِحَة الفراريج والطباهيج والنيمبرشت الْقَلِيل الرَّقِيق والسمك الصغار جدا وألطف مِنْهَا كشك الشّعير كَمَا هُوَ وألطف مِنْهُ محلول الْخَبَر السميذ فِي المَاء الْبَارِد حلا رَقِيقا فَأَما الغليظ فَهُوَ غذَاء قوي وكشك الشّعير نعم الْغذَاء للمحمومين فَإِنَّهُ يجمع إِلَى ثخونته واتصاله ملاسة وزلقاً وحلاء وترطيباً وليناً ومضادة للحمى وتسكيناً للعطش وَسُرْعَة نُفُوذ وانغسال وَلَا قبض فِيهِ فَلذَلِك لَا يرسب وَلَا يتشبث فِي المنافذ. وَإِن ضَاقَتْ وَلَيْسَ فِيهِ لصوق بالمعدة وبالمريء وَرُبمَا جلا مثل: البلغم وَإِذا أجيد طبخه لم ينْفخ الْبَتَّةَ وَقد كَانَ القدماء يستعملون حَيْثُ يحْتَاج إِلَى تلطيف تَدْبِير ألطف من التَّدْبِير بالكشك ومائه مَاء الْعَسَل الْكثير المَاء فَإِن غذاءه قَلِيل وتنفيذه للْمَاء وترطيبه بِهِ وجلائه وتفتيحه وإدراره كثير وحرارته مَكْسُورَة وَإنَّهُ لَا محالةٍ قد يزِيد فِي الْقُوَّة زِيَادَة مَا وَإِن قلت ويتلوه السكنجبين العسلي فَهُوَ أغْلظ وأغذى وَأقوى تقطيعاً وجلاء وَلَيْسَ فِيهِ من التسخين ومضرّة الأحشاء الحارة مَا فِي الْعَسَل. وَأما الْآن فَإِن عسل الْقصب وَهُوَ السكر خصوصاٌ المنقّى أفضل من عسل النَّحْل وَإِن كَانَ
стр. 1587
جلاؤه أقل من جلاء الْعَسَل وَكَذَلِكَ السكنجبين السكّري وَلَكِن الِاقْتِصَار على السكنجبين رُبمَا أورث سحجاٌ وَهَذَا مخوف فِي الْأَمْرَاض الحادة وَنحن نجْعَل لسقي مَاء الشّعير والسكنجبين كلَاما مُفردا وتلطيف التَّدْبِير يَقْتَضِيهِ طبع مَادَّة الْمَرَض وتمكين الطبيعة من إنضاجها وتحليلها واستفراغها وَأولى الْأَوْقَات بالتلطيف الْمُنْتَهى فهنالك يشْتَد اشْتِغَال الطبيعة بِقِتَال الْمَادَّة فَلَا يَنْبَغِي أَن تشغل عَنْهَا بِشَيْء آخر وخصوصاً عِنْد البحران وَأما قبل ذَلِك فَإِن الْقِتَال لَا يكون استحكم وَمِمَّا يَقْتَضِي التلطيف أَن يكون إِلَى فصد أَو إِطْلَاق بطن وحقنة أَو تسكين وجع حَاجَة فَحِينَئِذٍ يجب أَن يفرغ من قَضَاء تِلْكَ الْحَاجة ثمَّ يغذَى إِن وَجب الْغذَاء وَلم يكن مَانع آخر وتغليظ التَّدْبِير تَقْتَضِيه الْقُوَّة وَأولى الْأَوْقَات بالتغليظ الْوَقْت الَّذِي لَا تكون الْقُوَّة مشتغلة فِيهِ جدا بالمادة وَهُوَ أَوَائِل الْعلَّة وَيجب أَن يتدارك ضَرَر التَّغْلِيظ بِالتَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ أَيْضا أخف على الْقُوَّة والصيف لتحليله يحوج إِلَى زِيَادَة تغذية وتفريق فَإِن الْقُوَّة لَا تفي بهضم الْكثير دفْعَة وَلِأَن التَّحْلِيل فِيهِ بالتفاريق فَيجب أَن يكون الْبَدَل بالتفاريق. وَفِي الشتَاء الْأَمر بِالْعَكْسِ فَإِنَّهُ لقلَّة تَحْلِيله لَا يحوج إِلَى بدل كثير ثمَّ إِن أعطي الْبَدَل دفْعَة كَانَت الْقُوَّة وافية بِهِ فَفَزِعت عَنهُ دفْعَة والخريف زمَان رَدِيء وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَن يتلطف فِيهِ بَين حفظ الْقُوَّة وَبَين قهر الْمَادَّة والتفريق قَلِيلا قَلِيلا أولى فِيهِ وَبِالْجُمْلَةِ التَّفْرِيق مَعَ ضعف الْقُوَّة أولى. وَاعْلَم أَنه لَوْلَا تقاضي الْقُوَّة لَكَانَ الأوجب أَن يلطف الْغذَاء أبلغ تلطيف لَكِن الْقُوَّة لَا تحْتَمل ذَلِك وتخور وَإِذا خارت لم ينفع علاج فَإِن المعالج كَمَا علمت هُوَ الْقُوَّة لَا الطَّبِيب أما الطَّبِيب فخادم يُوصل الْآلَات إِلَى الْقُوَّة وَإِذا تصورت هَذَا فَيجب أَن ينظر فَإِن كَانَت الْعلَّة حادة جدا وَذَلِكَ أَن يكون مُنْتَهَاهَا قَرِيبا وحدست أَن الْقُوَّة لَا تخور فِي مثل مُدَّة مَا بَين ابتدائها إِلَى مُنْتَهَاهَا خففت الشّغل على الْقُوَّة وسلطتها على الْمَادَّة وَلم تشغلها بالغذاء الكثيف بل لطفت التَّدْبِير وَلَو بترك الطَّعَام أصلا وخصوصاً فِي يَوْم البحران. وَإِن رَأَيْت الْمَرَض حاداً لَيْسَ جدا بل حاداً مُطلقًا فَيجب أَن يلطف لَا فِي الْغَايَة إِلَّا عِنْد الْمُنْتَهى وَفِي يَوْم البحران خَاصَّة إِلَّا بِسَبَب عَظِيم وَإِن رَأَيْت الْمَرَض مزمناً أَو قَرِيبا منَ المزمن لم تلطف التَّدْبِير فَإِن الْقُوَّة لَا تسلم إِلَى الْمُنْتَهى مَعَ تلطيف التَّدْبِير لكنه يلزمك مَعَ ذَلِك فِي جَمِيع الْأَصْنَاف أَن يكون أول تدبيرك أغْلظ وَآخر تدبيرك الموافي للمنتهى ألطف وتتدرّج فِيمَا بَين ذَلِك حَتَّى تكون الْقُوَّة مَحْفُوظَة إِلَى قرب الْمُنْتَهى فهناك ترسل على الْمَادَّة وَلَا تشغل بغَيْرهَا. وَإِذا علمت أَن الْقُوَّة قَوِيَّة فِي بِمَا أوجب الْحَال أَن يقْتَصر على الْجلاب وَنَحْوه وَلَو أسبوعاً وخصوصاً فِي حمّيات الأورام فَإِن خفت ضعفا اقتصرت على مَاء الشّعير وَإِذا أشكل عَلَيْك الْحَال فِي الْمَرَض فَلم تعرفه فَلِأَن تميل إِلَى التلطيف أولى من أَن تميل إِلَى الزِّيَادَة مَعَ مراعاتك للقوة وَالِاحْتِمَال. وَالَّذِي زعم أَن التغذية والتقوية فِي الْمَرَض
стр. 1588
الحاد أولى لِأَنَّهُ لَا معِين للنضج وَفِي يدك الاستفراغ مَتى شِئْت فعلته الطبيعة أَو لم تفعل فقد عرفناك خطأه بل إِذا خفت سُقُوط الْقُوَّة فالتغذية أولى وَمن الْأَبدَان أبدان مرارية تَقْتَضِي تدبيراً مُخَالفا لما قُلْنَا وخصوصاً إِذا كَانَت مُعْتَادَة للْأَكْل الْكثير فَإِنَّهُم إِذا لم يغذوا وَلَو فِي نفس ابْتِدَاء الْحمى بل فِي أصعب مِنْهُ وَهُوَ وَقت الْمُنْتَهى لم يخل حَالهم من أَمريْن لأَنهم إِن كَانُوا ضِعَاف القوى غشي عَلَيْهِم فماتوا قَرِيبا وَإِن كَانُوا أقوياء وَقَعُوا فِي الذبول وَظَهَرت عَلَيْهِم عَلَامَات الذبول من استدقاق الْأنف وغور الْعين ولطوء الصدع وَرُبمَا غشي عَلَيْهِم قبل ذَلِك لما ينصب إِلَى معدهم من المرار اللاذع. وَمن النَّاس من هُوَ موفور اللَّحْم لكنه إِذا انْقَطع عَنهُ الْغذَاء ضعف وهزل فَلَا يحْتَمل منع الْغذَاء وكل من حرارته الغريزية قَوِيَّة جدا كَثِيرَة أَو حرارته الغريزية ضَعِيفَة جدا قَليلَة فَلَا يصبر على ترك الْغذَاء. وَمِنْهُم من يُصِيبهُ وجع وألم فِي معدته وصداع بالمشاركة وَهَؤُلَاء من هُنَا الْقَبِيل وَهَؤُلَاء رُبمَا اقتنعوا بِمَاء الشّعير وَرُبمَا احتاجوا أَن يخلطوا بِهِ عصارة الرُّمَّان وَنَحْو ذَلِك ليقوي فَم الْمعدة وَرُبمَا احتجت أَن تقيئه بالرفق قبل الطَّعَام وَكثير من هَؤُلَاءِ إِذا ضعفوا وَكَاد يغشى عَلَيْهِم فالسبب لَيْسَ شدَّة الضعْف بل انصباب المرار إِلَى فَم الْمعدة. فَإِذا سقوا سكنجبيناً ممزوجاً بِمَاء حَار كثيرا وَشَرَابًا ممزوجاً بِمَاء كثير قذف فِي الْقَذْف أخلاطاً َ صفراوية واستوت قوته فَإِذا تطعم شَيْئا من الربوب القوابض سكن والمشايخ والضعفاء وَالصبيان من قبيل من لَا يصبر على الْجُوع. وَأما الكهول فهم شديدو الصَّبْر ويليهم الشبَّان وخصوصاً المتلززو الْأَعْضَاء الواسعو الْعُرُوق فِي الْهَوَاء الْبَارِد وَكَثِيرًا مَا يُخطئ الْأَطِبَّاء فِي أَمْثَال هَؤُلَاءِ المرضى من وَجه آخر وَذَلِكَ لأَنهم يمنعونهم الْغذَاء فِي أول الْأَمر فَإِذا شارفوا الْمُنْتَهى وَعَلمُوا أَن الْقُوَّة تسْقط غذوه فِي ذَلِك الْوَقْت ضَرُورَة فيكونون قد أخطأوا من جِهَتَيْنِ وَلَو أَنهم غذوه فِي الِابْتِدَاء وَكَانَ دلك خطأ وغلطاً كَانَ غَلطا دون هَذَا الْغَلَط ويعرض لأولئك المرضى أَن يصيبهم نزلات فجة ومرارية وسهر لإقلاق عدم النضج ويتقلقلون ويتململون ويهدون وتضغط الْموَاد قواهم وتكثر بخاراتهم فيسمعون مَا لَيْسَ ويتقلبون فِي الْفراش ويتخيل لَهُم مَا لَيْسَ وترتعش وتختلج شفاههم السفلانية لوجع فَم الْمعدة وتحزن نُفُوسهم لثقل الْمعدة. فصل فِي القانون فِي سقِِي السكنجبين وَمَاء الشّعير إِن مَاء الشّعير مِنْهُ مَا لَيْسَ فِيهِ من جرم الشّعير إِلَّا كالقوة وَالصُّورَة وَإِنَّمَا يكون لَهُ مدْخل فِي العلاج ومطمع فِي النَّفْع إِذا كَانَ قد استوفى الطَّبْخ وأجوده أَن يكون المَاء قدر عشْرين سكرجة. وَالشعِير سكرجة وَاحِدَة وَقد رَجَعَ إِلَى قريب من الْخمسين وَيُؤْخَذ الْأَحْمَر
стр. 1589
الرَّقِيق مِنْهُ فَهَذَا هُوَ الرَّقِيق الني غذاؤه أقل وترطيبه كثير وغسله وإخراجه الفضول وإنضاجه كثير معتدل وَمِنْه مَا فِيهِ شَيْء من جرم الشّعير ودقيقه والأحب إِلَى فِي مثل هَذَا أَن لَا يكون كثير الطَّبْخ جدا بل يكون طبخه بِقدر مَا يسلبه النفخ وَلَا يبلغ أَن يلزجه شَدِيدا وَمثل هَذَا أَكثر غذَاء وَأَقل غسلا وإنضاجاً ويعرض لَهُ كثيرا أَن يحمض فِي الْمعدة الْبَارِدَة فِي جوهرها. وَإِن كَانَ بهَا حر غَرِيب من بَاب سوء المزاج كثير وَمَاء الشّعير قد يكون مطبوخاً من الشّعير بقشره وَقد يكون مقشراً وأجود السكنجبين عِنْدِي الَّذِي يسوًى السكر فِيهِ فِي الْقدر ثمَّ يصب عَلَيْهِ من الْخلّ الثقيف خل الْخمر قدر مَا لَا يَعْلُو متون السكر بل يَتْرُكهَا مكشوفة ثمَّ يَجْعَل تَحت الْقدر جمر هادئ أَو رماد حَار حَتَّى يذوب السكر فِي الْخلّ بِغَيْر غليان ثمَّ تلقط الرغوة وَيتْرك سَاعَة وَلَا تكْثر الْحَرَارَة حَتَّى يمتزج السكر والخل ثمَّ يصت عَلَيْهِ المَاء قدر أصبعين ويغلى إِلَى القوام وَالْجمع بَين السكنجبين وَمَاء الشّعير مَعًا مكرب مُفسد فِي الْأَكْثَر لماء الشّعير وَلَا يجب أَن يسقى مَاء الشّعير على يبس الطبيعة بل يحقن قبلهَا فَإِن حمض فِي الْمعدة سقِِي الأرق مِنْهُ فَإِن حمض طبخ مَعَه أصل الكرفس وَنَحْوه فَإِن حمض أَيْضا فَلَا بُد من مزج شَيْء من الفلفل بِهِ خُصُوصا إِذا لم تكن الْمَادَّة شَدِيدَة الرقة والحرارة وَإِذا كثر نَفعهَا فقد يمزج بِهِ للمحرورين قَلِيل خل خمر وَلَكِن إِذا سقِِي السكنجبين بكرَة فَقطع الأخلاط وهيأ الفضول للدَّفْع اتبع بعد ساعتين مَاء الكشك الرَّقِيق الْمَذْكُور أَولا ليغسل مَا قطعه ويجلوه ويخرجه بعرق وإدرار وَلَا ضير إِن سقِِي السكتجبين عِنْد الْعشي وَقد فَارق الْغذَاء الْمعدة وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى تَقْدِيم الْجلاب على مَاء الشّعير ليزِيد فِي الترطيب. وَذَلِكَ إِذا رَأَيْت يبساً غَالِبا على الْبدن وَاللِّسَان وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يقدم قبلهمَا لتليين الطبيعة شَيْئا من مَاء التَّمْر الْهِنْدِيّ كل ذَلِك بساعتين. فصل فِي المعالجات وأولاً فِي معالجات الحميات الحادّة أما مَا قيل من تَدْبِير التليين والإدرار والتعريق والإنضاج ثمَّ الاستفراغ بالدواء من بعد ذَلِك وَمَا قيل فِي التغذية من ذَلِك فَذَلِك مِمَّا يجب أَن تتذكره هَهُنَا. وَأما وُجُوه تطفئة شدَّة الْحَرَارَة فَتكون بتبريد الْهَوَاء وتبريد الْغذَاء والأطلية والضمادات وبالأدوية بإمساك مثل لعاب بزرقطونا ولعاب حب السفرجل وعصارة بقلة الحمقاء وَرب السوس فِي الْفَم ليسكن الْعَطش فَإِن تّعاهد حلق صَاحب الْمَرَض الحاد ليبقى رطبا وَلَا يجِف من الْمُهِمَّات النافعة جدا وَرُبمَا انتفعوا بِاسْتِعْمَال الحقن المتخذة من عصارة الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ والقثاء والقرع والحمقاء بدهن الْورْد مَعَ شَيْء من الكافور انتفاعاً عَظِيما فَيجب أَن يكون الْهَوَاء مبرداً مَا أمكن وتبريده يمْنَع الزحمة وبتعليق المراوح الْكَثِيرَة وينضد الجمد الْكثير وَإِن كَانَ بَيْتا قريب الْعَهْد بالتطيين بالطين الْحر وخصوصاً الَّذِي يَجْعَل فِيهِ مَكَان التِّبْن قطن البردي فَهُوَ أَجود وَإِذا انصبّت فِيهِ الفوارات الرشاشات وسال فِيهِ مَاء عذب أَو كَانَ المضجع على بركَة مغطاة بشباك وَكَانَ الْفرش الَّذِي ينَام عَلَيْهِ من الطَّبَرِيّ وَنَحْوه وَكَانَ سَائِر الْفرش من أَطْرَاف الْخلاف والسفرجل وَالريحَان المرشوش عَلَيْهِ مَاء الْورْد والتفاح والنيلوفر والورد والبنفسج وَقد وضعت أطباق فِيهَا فضوخات من فلق الْفَوَاكِه الطّيبَة
стр. 1590
الرّيح الْبَارِدَة مثل التفاح والسفرجل وضروب من الكمثري الطّيب الرّيح مرشوشة بِمَاء الْورْد والنيلوفر وَالْخلاف مذروراً عَلَيْهَا الصندل والكافور وَقد قطر عَلَيْهَا شَيْء يسير من الشَّرَاب الْعطر فَهُوَ غَايَة مَا يكون فَهَذَا تَدْبِير الْهَوَاء. وَأما تَدْبِير الْغذَاء فَمَا قد علمت وَإِن أُرِيد مَعَ التبريد التليين فبماء القرع وَمَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ خَاصَّة وَمَاء القثاء والقثد والخس بالخلّ غَايَة وَمِمَّا يصلح لتسكين عطشهم فقاع يتَّخذ من خبز السميذ بِمَاء الْجُبْن الْمُتَّخذ من الدوغ بعد تصفية شَدِيدَة وَإِن أُرِيد مَعَ التبريد الْحَبْس فعصارة الرُّمَّان المز والحامض مَاء الحصرم وَمَاء التوت الشَّامي وَمَاء حماض الليمون الْغَيْر المملوح وَمَاء حماض الأترج وَمَا أشبه ذَلِك وَمَاء الزرشك أَي الأمبر باريس. وَأما الأطلية والضمادات فَمن العصارات الْمَعْلُومَة وخصوصاً مَاء الْورْد أَو عصارة الْورْد الطري بالصندل والكافور ولماء الكزبرة والهندبا مَعَ هَذَا تبريد كثير ولعاب بزر قطونا بالخلّ وَمَاء الْورْد من هَذَا الْقَبِيل وتنطيل الكبد بالمبردات أعظم شَيْء وأنفعه فَإِنَّهُ إِذا اعتدل كَانَ فِيهِ جلّ الصّلاح وَرُبمَا صلح المَاء وَإِذا كَانَت هُنَاكَ نزلة وسعال أَو فِي رَأسه ثقل أَو تمدد يدل على كَثْرَة البخارات فَيجب أَن لَا يصب على الرَّأْس مَاء أَو خل بل يشغل بالإكباب على بخار الْمِيَاه بِحَسب مَا يُوجِبهُ الْحَال فَإِن لم تكن نزلة وَلَا شَيْء مِمَّا ذَكرْنَاهُ فَاسْتعْمل من النطولات والطلاء مَا شِئْت وأضرّ نطول فِي مثل حَال امتلاء الرَّأْس حلب اللَّبن على الرَّأْس فَإِنَّهُ رُبمَا أحدث ورماً فِي الرَّأْس وَأهْلك وَأسلم أَوْقَات تنطيل الرَّأْس مَعَ امتلائه أَن يكون البخار مرارياً لَيْسَ برطب بل فِي مثل هَذَا الْوَقْت رُبمَا لم يضر بل نفع ويتعرف من حَال النّوم والسهر ورطوبة الخيشوم ويبسه. وَإِذا رَأَيْت حمرَة فِي الْأنف وَالْوَجْه شَدِيدَة فَلَا بَأْس بِأَن يسيل الدَّم من المنخرين وَبرد الكبد بالأضمدة وَإِذا برّدت فإياك أَن تصادف بالتبريد الشَّديد وَقت التعرق والتحلل بل يجب أَن تراعي ذَلِك فَرُبمَا صَار السَّبَب فِي طول الْعلَّة على أَنه رُبمَا كَانَ طول الْعلَّة أسلم من حِدته وَيجب أَن يحذر فِي الحميات الحادة وُقُوع السحج فَإِنَّهُ يزِيد فِي ضعف الْقُوَّة وتشمئز الطبيعة عَن قبُول الْفضل إِلَى الأمعاء وَدفعهَا عَنْهَا إِلَّا بِغَلَبَة من الفضول وَرُبمَا رجعت الفضول إِلَى الأعالي فآلمت الشراسيف ونفخت فِيهَا وآلمت الرَّأْس وَرُبمَا كَانَ لشراب الخشخاش موقع عَجِيب فِي تخثير الْمَادَّة الرقيقة فتنضج وَفِي التنويم. فصل فِي ذكر أَعْرَاض تصعب فِي الحميات الحادة نتكلم أَولا فِي الْأَعْرَاض الَّتِي تشتد فِي الحمّيات وَفِي علاجاتها ثمَّ نشرع فِي تَفْصِيل الحميات الحادة وَهَذِه الْأَعْرَاض مثل النافض وَالْبرد والقشعريرة وَمثل الْعرق الْكثير وَمثل الرعاف المفرط وَمثل الْقَيْء العنيف والإسهال المضعف وَمثل الْعَطش الَّذِي لَا يُطَاق وَمثل السبات
стр. 1591
الْكثير وَمثل الأرق اللَّازِم وَمثل خشونة اللِّسَان وقحل الْفَم وَمثل العطاس الْملح والصداع الصعب والسعال الْمُتَوَاتر وَمثل سُقُوط الشَّهْوَة والبوليموس وَمثل الشَّهْوَة الْكَلْبِيَّة والرديئة والفواق. فصل فِي تَدْبِير النافض والقشعريرة وَالْبرد إِذا أفرطت مَا كَانَ من ذَلِك تَابعا للعرق فَإِنَّهُ يصلح سَرِيعا وَلَا يحْتَاج إِلَى تَدْبِير والبحراني لَا يجب أَن يُعَارض بِالدفع وَلَا هُوَ مِمَّا يضعف وَغير ذَلِك وَرُبمَا سكنه ربط الْأَطْرَاف والدلك الرَّقِيق وسخين الدثار والتمريخ بدهن الشبث أَو البابونج إِن احْتِيجَ إِلَيْهِ وَأما الْقوي إِذا دَامَ كَانَ فِي الحميات أَو فِي غَيرهَا فَيجب أَن ترْبط الْأَطْرَاف فِي مَوَاضِع كَثِيرَة وتمرخ بحصن البابونج وأصل السوسن وَمن النَّاس من يُقَوي ذَلِك بِمثل القاقلة والجندبيدستر والسذاب والشيح والفوذنج والبورق والفلفل والعاقر قرحا وَرُبمَا جَاوز ذَلِك إِلَى اسْتِعْمَال لطوخات الْخَرْدَل والحلتيت وَرُبمَا طبخت هَذِه الْأَدْوِيَة فِي مَاء ثمَّ طبخ فِيهِ دهن وَمَاء الجرجير قوي فِي هَذَا الْبَاب نَفسه وَحده أَو مَعَ دهن يطْبخ فِيهِ وَكَذَلِكَ طبيخ الحبق وماؤه. صفة دهن جيد: يُؤْخَذ شبث يَابِس وَمر وسذاب وفوذنج وفلفل وعاقرقرحا وتطبخ فِي شراب طبخاً نعما ثمَّ يطْبخ المصفّى فِي نصفه دهن السمسم إِلَى أَن يفنى المَاء وَيبقى الدّهن وَيسْتَعْمل مروخاً وَمن الأدهان القوية فِي مثل نافض الرّبع دهن الْقسْط ودهن الشيح ودهن القيصوم ودهن السوسن ودهن المرّ وَيجْعَل فِي أُوقِيَّة دهن وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم فلفل ودانق عاقرقرحا مسحوقاً وَيسْتَعْمل الأفسنتين مطبوخاً فِي الدّهن أَو الزَّيْت الْمَطْبُوخ فِيهِ الكرفس وَالدُّخُول فِي الزَّيْت الْحَار نَافِع جدا وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى مشروبات وَكَثِيرًا مَا يسكّنه شرب المَاء الْحَار الْكثير الحارة والإكباب على بخاره وَإِذا لم يسكن بذلك وَكَانَت الْمَادَّة أغْلظ طبخ فِي المَاء أنيسون وفوتنج وبزر الكرفس والمصطكي والجرجير والشبث وَنَحْوه وبخر بمياه طبخ فِيهَا مثل الشيح والقيصوم والفوذنج والشبث والأذخر والسذاب والمرزنجوش
стр. 1592
والقسط والبزور الحارة وَجَمِيع الْأَدْوِيَة القوية الإدرار تسكن النافض. وَمن الْأَدْوِيَة المسكّنة للنافض الْعَظِيم فِي الرّبع وَنَحْوه أَن يشرب من الْقسْط مِثْقَال بِمَاء حَار وَمن الغاريقون مثله فِي مَاء حَار وللغاريقون مَنَافِع وَرُبمَا جعل مَعَه قَلِيل أفيون فنوّم وعرّق وَمنع شدَّة النافض وَغير ذَلِك. وَأَيْضًا من الايرسا مِقْدَار مِثْقَال فِي مَاء حَار وَأَيْضًا الابهل وزن مِثْقَال بِمَاء حَار أَو الفرطاساليون مِثْقَال بِمَاء حَار وَمن المركبات ترياق الْأَرْبَعَة وترياق عزْرَة والكموني والفوذنجي والفلافلي وشراب الْعَسَل مغلي فِيهِ مثل السذاب والحلتيت والعاقرقرحا والفلفل. وَهَذَا الْحبّ المجرب الَّذِي نَحن واصفوه يسقى قبل النافض بساعة والعليل مستوٍ على مرقده وهواؤه مسخن بالنَّار والدثر فيعدله أويمنعه. وَصفته: تُؤْخَذ ميعة وَمر وأفيون وجاوشير وفلفل من كل وَاحِد جُزْء يعجن بالسمن والشربة مِنْهُ مِقْدَار باقلات. وَأَيْضًا: يُؤْخَذ الجاوشير والجندبيدستر والدوقو والحلتيت والعاقرقرحا والأفيون أَجزَاء سَوَاء يعْمل بِهِ كَمَا عمل بِالْأولِ. نُسْخَة أُخْرَى جَيِّدَة: يُؤْخَذ من الجاوشير والسكبينج والأنجذان وكمون كرماني وبزر الكرفس والفلفل من كل وَاحِد ثقال وَنصف بزر البنج وزعفران وزراوند وجندبيدستر وفربيون ومرّ ونانخواه وزنجبيل من كل وَاحِد دانقين بزر الحرمل وعاقرقرحاً من كل وَاحِد مِثْقَال يعجن بِعَسَل والشربة مِنْهُ مثل بَعرَة أَو بندقة بِمَاء حَار جدا وَرُبمَا احْتِيجَ فِي إِلَى سقِِي الشَّرَاب المسخّن والأغذية المسخنة وَإِلَى الإسهال بِمثل الأيارج والسفرجلي والتمري بل إِذا كَانَ النافض متعباً وخصوصاً بِلَا حمى سقيت حبّ المنتن فَإِنَّهُ شفاؤه. البحراني لَا يجب أَن يحبس مَا أمكن فَإِذا وَقعت الضَّرُورَة وَجَاوَزَ الحدّ فَيجب أَن يروح ويبرد الْموضع فَإِن لم يغن فَيجب أَن يرجح فِي مَوضِع بَارِد وَلَا يجب أَن يشْتَغل بنشف مَا تندّى نشفاً بعد نشف فَذَلِك سَبَب لإدراره وتكثيره وَرُبمَا جلب الغشي. فَإِن مَسحه يزِيد فِيهِ وَتَركه يحْبسهُ وَيجب أَن يمرخ الْبدن بدهن الْورْد الْقوي وبدهن الآس بدهن الْخلاف وبدهن الجلنار أَو يتَّخذ دهن من مياه طبخ فِيهَا السفرجل العفص التفاح العفص والورد الجلنار وَنَحْوه ويصفى ويطبخ فِيهَا الدّهن على مَا تعلمه وَقد يذر حب الآس المدقوق
стр. 1593
والجلّنار والكهرباء وَنَحْوه مسحوقاً كالهباء فَيحْبس وَرُبمَا كبس الْخلّ الممزوج بِالْمَاءِ وعصارة الحصرم وطبيخ الجلنار وطبيخ العفص وطبيخ الآس وعصارة الْخلاف عَجِيبَة وَكَذَا مَاء حَيّ الْعَالم وَإِذا اشتدّ الْأَمر طلي بالألعبة الْبَارِدَة وبالصمغ وخصوصاً إِذا جعل فِي أَمْثَال هَذِه صندل وكافور وخصوصاً إِذا صندل بِهَذَيْنِ وروح وَإِذا اشْتَدَّ الْأَمر وَجب أَن يوضع الثَّلج على الْأَطْرَاف وَيدخل فِيهِ الْأَطْرَاف أَو يستحم بِمَاء بَارِد إِن صَبر عَلَيْهِ. فصل فِي تَدْبِير الرعاف المفرط يجب أَن لَا يُبَادر إِلَى منع البحراني مِنْهُ مَا أمكن وَإِذا وَجب منع الرعاف فِي الحميات الحادة رطبت الأطرافَ وَوضعت المحجمة على الْجَانِب الَّذِي يَلِي المنخر الراعف ثمَّ اتبع بتبريد ذَلِك الْموضع وَمَا أمكنك أَن تبرده فتحبس بِهِ فَلَا تضع المحاجم وقطر فِي الْأنف بعض القطورات الْمَذْكُورَة فِي بَاب الرعاف وَإِذا لم يكن مَانع فبرد الرَّأْس بالمبردات الْمَذْكُورَة فِيهِ وَقد يُصِيب أَصْحَاب الرّبع رُعَاف فتحتاج أَن تعين بالمرعفات الْمَعْلُومَة فَإِن فِيهِ شِفَاء الرّبع فَإِن خفنا الإفراط فعلنَا مثل مَا فَعَلْنَاهُ وَأَنت تعلم جَمِيع ذَلِك. فصل فِي تَدْبِير الْقَيْء الَّذِي يعرض لَهُم بالإفراط البحراني أَيْضا لَا يقطع إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة وَفِي بعض الْأَوْقَات يقطع قيئهم وغثيانهم بالقيء وبمعونة مَا يسْتَخْرج بِهِ الْخَلْط المؤذي مثل السكنجبين الساذج وَالْمَاء الْحَار وَرُبمَا احْتِيجَ أَن يقوَى فَيجْعَل بدل السكنجبين الساذج السكنجبين الْبزورِي. فَإِن كَانَ الْخَلْط متشرباً وغليظاً فيصلح أَن يسهلوا بِمثل الصَّبْر والأيارج وَإِذا لم يكن متشرّباً فَرُبمَا نفع الأيارج وَالصَّبْر. وَإِن كَانَ متشرّباً غير غليظ كَفاهُ السكنجبين بِالْمَاءِ الْحَار ثمَّ يعدله بعد ذَلِك مَاء الرمانين يشرب فَإِن قاءه شرب مرّة أُخْرَى حَتَّى يعتدل ويهدأ وَكَذَا شراب النعناع بحب الرُّمَّان وَرُبمَا سكنه تبريد الْمعدة وَلَا يجب أَن يقرب الْأَشْيَاء العفصة والمسكنة للقيء بعفوصتها وحموضتها القابضة المتشرب فَإِنَّهُ رَدِيء يزِيدهُ تشرباً وَأما غير المتشرب فَرُبمَا قذفه وَإِن كَانَ غليظاً إِلَى أَسْفَل وَرُبمَا قوى الْمعدة على قذفه من فَوق فَأَما إِذا دَامَ الْقَذْف من الصَّفْرَاء وَلم يكن من قبيل المتشرب فاستعمال القوابض وخصوصاً أضمدة نَافِع مثل: ضماد يتَّخذ من قشور الرُّمَّان والعفص وَنَحْوهمَا بشراب ممزوج أَو بخل ممزوج ولقذف السَّوْدَاء المفرط يغمس إسفنج فِي خلّ وَيُوضَع على الْمعدة فَإِن احْتِيجَ إِلَى أقوى اسْتعْملت الْأَدْوِيَة الْمَذْكُورَة فِي بَاب حبس الْقَيْء.
стр. 1594
فصل فِي تَدْبِير الإسهال الَّذِي يعرض لَهُم قد أفردنا فِي بَاب الإسهال كلَاما فِي هَذَا الْغَرَض فَلْتَرْجِعْ إِلَيْهِ وَمِمَّا ينفع من طَرِيق الأغذية الماش المقلو والعدس المقلو والكسفرة أَيهمَا كَانَ بعد السلق وصبّ المَاء عَنهُ وخصوصاً إِذا حمضا بحبّ الرُّمَّان. فصل فِي تَدْبِير عدشهم المفرط يجب أَن يدهن الرَّأْس بدهن بَارِد مبرد جدا يصب عَلَيْهِ وَيُوضَع على الرَّأْس إِن لم يكن مَانع وبالمياه المبردة وإمساك لعاب حب السفرجل مخلوطاً بدهن الْورْد الْبَالِغ أَو نَقِيع الإجاص ولبوب القثاء والقند والقرع وبزر الخشخاش الْأسود وأصل السوسن وَالْحب الْمَكْتُوب فِي القراباذين للعطش وَمن المضوغات والمصوصات التَّمْر الْهِنْدِيّ والعطش قد يكون من اليبس فيقطعه النّوم وَقد يكون من الْحر فيقطعه السهر. فصل فِي السباب الَّذِي يعرض لَهُم يجب أَن يُؤْخَذ عَن سباته بِالْحَدِيثِ وَنَحْوه من الْأَصْوَات وتربط أعضاؤه السافلة ربطاً مؤلماً يقدر عَلَيْهِ إِن لم يكن مَانع وَيحمل شيافة لَطِيفَة إِن كَانَت الطبيعة معتقلة وَفِي أَوْقَات الرَّاحَة أَو فَتْرَة اللُّزُوم يحجم مَا بَين الْكَتِفَيْنِ والقفا. فصل فِي تَدْبِير ثقل رؤوسهم يجب أَن يجْتَنب حلب اللَّبن على رؤوسهم أَو صب دهن عَلَيْهِ أَو نطول أَو سعوط بل اقْتصر على التبخيرات بالنطولات البابونجية وفيهَا بنفسخ ونخالة وَنَحْو ذَلِك. فصل فِي أرق أَصْحَاب الحمَيات وَغَيرهم أما دهن الخشخاش واستنشاقه مَعَ دهن بزر الخس ودهن النيلوفر والقرع وإلصاق شَيْء من المخدرات الْمَشْهُورَة بالصدغ والإكباب على الأبخرة المرطبة وإشمام النيلوفر واللفاح والشاهسقرم المرشوش من بعيد والنطولات المرطبة فَأمر تعلمه وَكَذَلِكَ إِن لم يكن مَانع يسقى شراب الخشخاش ولعوقه ثمَّ يكثر بَين يَدَيْهِ السرج وَرفع الأدوات بِالْحَدِيثِ ويعصب أَطْرَافه عصباً يؤلم قليلأ بإناشيط تنْحَل بِسُرْعَة وتكلف التناوم وتغميض الْعين فَإِذا كرى يسيراَ أطفئت السرج وكفت الْأَصْوَات وأنشطت الأناشيط فَإِنَّهُ ينَام وَإِذا وجد خفا وسكوناَ من النّوبَة أَو من الشدَّة أدام كسل الْوَجْه بِمَاء طبخ فِيهِ الخشخاش الْأسود مَعَ. شَيْء من اليبروح أَصله وَإِن كَانَ هُنَاكَ خلط بورقي نفع المَاء الْمَطْبُوخ فِيهِ النمام وأكليل الْملك والأقحوان والخشخاش غسولاً للْوَجْه وإكبابأ على بخاره.
стр. 1595
فصل فِي وجع الْجوف الَّذِي يعرض لَهُم يكون من إنصباب مراراَ إِلَى الْمعدة فَإِن عرض فِي ابْتِدَاء دور سقِِي قَلِيل شراب تفاح مَعَ سكنجبين. فصل فِي خشونة ألسنتهم أَو لزوجتها أما مَا يكون عَن اللزوجة فتحك بخيزران أَو بقضيب خلاف بدهن اللوز والطبرزد حَتَّى تنتقي أَو بإسفنج وَقَلِيل ملح. ودهن ورد فَإِن فِيهِ تَخْفِيفًا كثيراَ على العليل بعد ذَلِك. وَعند خشونته لَا عَن لزرجة بل عَن يبوسة فَيجب أَن يمسك فِي فَمه السبستان أَو نوى الإجاص أَو ملح يجلب من الْهِنْد هُوَ فِي لون الْملح وحلاوة الْعَسَل يُؤْخَذ مِنْهُ على مَا زعم أرخيجانس قدر باقلاة وَحب السفرجل مِمَّا يرطب اللِّسَان وَيمْنَع تقحله وَيجب أَن لَا يفغر كثيراَ وَلَا يستلقي نائماَ فَإِن هذَيْن يجففان اللِّسَان. فصل فِي العطاس الْملح الَّذِي يعرض لَهُم قد يعظم ضَرَر العطاس الْملح بهم فَإِنَّهُ يؤذيهم ريملأ رؤوسهم ويضعف قواهم وَرُبمَا أرعفهم وَيجب أَن يدلك مِنْهُم الْجَبْهَة وَالْعين وَالْأنف وتفتح أَفْوَاههم وتدلك أحناكهم بِشدَّة وتمدّد رؤوسهم ويقلبوا أَو تغمر أَطْرَافهم ويصمت فِي اَذانهم أدهان فاترة إِلَى حرارة يسيرَة ويرطب عضلهم وفكوكهم وَيُوضَع تَحت أقفائهم مرافق مسخنة وَلَا يوقظون عَن نومهم دفْعَة ويوقون الْغُبَار وَالدُّخَان وكل مَا فِي رَائِحَته حدّة ويشمّمون السويق وطين النجاح والأسفنج البحري. فصل فِي الصداع الَّذِي يعرض لَهُم ترْبط أَطْرَافهم وخصوصاً الْفَخْذ وتعصب وتدلك أَقْدَامهم ويحملون شيافة تجذب الْمَادَّة إِلَى أَسْفَل وتقوّى رؤوسهم بالمبرّدات الْمَعْلُومَة وَإِن لم يكن مَانع من نزلة أَو سعال نطلت رؤوسهم بطبيخ الْورْد والبنفسج وَالشعِير وورق الْخلاف وَنَحْو ذَلِك. وَكَذَلِكَ دهن الْورْد ودهن الْخلاف. وَإِذا لم يغن ذَلِك فأخلط بالنطولات المبرّدة مليّنات مثل البابونج ومخدّرات مثل الخشخاش. وَلَا يحلب اللَّبن إِلَّا عِنْد زَوَال الحمّى فَإِن كَانَت الْقُوَّة قَوِيَّة حلبت لبن ا - لماعز وَإِن كَانَت ضَعِيفَة حلبت لبن النِّسَاء. وَاحْذَرْ اللَّبن عِنْد الامتلاء الرطب البدني السباتي. وَكَذَلِكَ احذر جَمِيع المرطبات وَإِنَّمَا تسْتَعْمل المرطّبات حِين مَا يكون البخار دخانياً وَالرَّأْس يَابِس قَلِيل النّوم وَإِذا كثر الامتلاء فِي الرَّأْس من البخار الرطب فاجذبه إِلَى أَسْفَل بالشيافات والحقن وبشد الْأَعْضَاء السافلة حَتَّى الخصيتين. إِن السعال كثيرا مَا يعرض لَهُم من حرّ أَو يبس فَيجب أَن يمسكوا فِي أَفْوَاههم حب السعال واللعوقات كلعوق الخشخاش الْمُتَّخذ باللبوب الْبَارِدَة والنشاء وَنَحْوه.
стр. 1596
ويستعملوا القيروطيات المبردة المرطّبة المتخذة من دهن الْورْد الْخَالِص وَمن لعاب بزر قطونا وعصارة الحمقاء وَنَحْو ذَلِك. فصل فِي بطلَان شهوتهم رُبمَا كَانَ سَببه خلطاً فِي فَم الْمعدة يعرف مِمَّا قد قيل فِي بطلَان الشَّهْوَة ويستفرغ بقيء أَو إِطْلَاق وَكَثِيرًا مَا يَنْتَفِعُونَ بِإِدْخَال الاصبع فِي الْحلق وتهييج الْمعدة وخصوصاً أذا قذفت شَيْئا مرياً أَو حامضاً. وَرُبمَا كَانَ من شدَّة ضعف فيعالج المزاج الَّذِي أوجبه بِمَا - علم وَيجب أَن يقرب إِلَيْهِم الروائح المنبهة للشهوة مثل: رَائِحَة السويق المبلول بِالْمَاءِ الْبَارِد أَو بِالْمَاءِ والخل ويعطون الجوارشن الْمَنْسُوب إِلَى المحمومين وَقَلِيل شراب - وبسلافات الْفَوَاكِه العفصة الطّيبَة الرَّائِحَة وَأَن يلعقوا شَيْئا من خل القرّيص وقريص السّمك أَو الجدي أَو نَحْو ذَلِك. وَيجْعَل على الْمعدة بعد الْأَيَّام الأول أضمدة متخذة من الْفَوَاكِه وفيهَا أفسنتين وصبر على مَا علمت وتمرخها بالأدهان الطّيبَة نَافِع. فصل فِي بوليموسهم يجب أَن يعالجوا بالمشمومات وبالطين النجاحي أَو الأرمني مبلولاً بخلّ ويشمموا المصوصات وَالْخبْز النقي الْحَار واللحوم المشوية وتشد أَطْرَافهم وتمدّ آذانهم وشعورهم وتقوى أدمغتهم بالنطولات المبردة المرطبة - فَإِن أَكثر بوليموسهم لبُطْلَان حس فَم الْمعدة بِسَبَب مُشَاركَة الشّعب الَّتِي تَأتيه بالحس. وَيكون الْبدن يَقْتَضِي وَيطْلب لَكِن الحسق لَا يتقاضى بِهِ. فصل فِي سَواد لسانهم يجب أَن لَا يتْرك على لسانهم السوَاد بل يحكّ بِمَا تَدْرِي وَإِلَّا صعد إِلَى الرَّأْس بخارات خبيثة فأوقعت فِي السرسام. وَأما شهوتهم الْكَلْبِيَّة فيعالجون بالدسومات الْبَارِدَة والحلاوات. فصل فِي الغشي الَّذِي يعرض لَهُم قد يعرض لَهُم الغشي فِي ابْتِدَاء الحمّيات لانصباب المرار إِلَى أَفْوَاه معدهم فَيجب أَن يُعْطوا قبل النّوبَة أَو عِنْد النّوبَة قِطْعَة خبز سميذ بِمَاء الرُّمَّان وَمَاء الحصرم. وَاعْلَم أَنا إِذا اجْتمع الغشي والحمى فالغشي أولى بالعلاج وَإِن أحْوج إِلَى الطَّعَام. فقليل خبز ممزوج بِثَلَاثَة دَرَاهِم شراب عَتيق وَإِلَّا شراب التفاح الْعَتِيق الَّذِي يحلّل فضوله. والفصد كثيرا مَا يزِيد فِي الغشي. والحقنة اللينة أوفق وَالْقَذْف نَافِع لَهُم وَشد السَّاقَيْن وَوضع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ فِي مَاء حَار. وَكلما يفِيق فَمن الحزم أَن يطعمهُ سويق الشّعير مبرّد فيا حبّ الرُّمَّان فَإِنَّهُ نَافِع لَهُم.
стр. 1597
فصل: فِي ضيق نفسهم. ضيق النَّفس يعرض لَهُم إِمَّا لتشنُّج ويبس يعرض لعضل النَّفس أَو لمادة خانقة تنزل إِلَى حُلُوقهمْ. وَأما لضعف يستولي على العصب الجائي إِلَى أَعْضَاء التنفس وَالْأول يعالج بالمراهم المرطبة وَالثَّانِي بِمَا يمْنَع الخوانيق وَالثَّالِث بتعديل مزاج الدِّمَاغ وتمريخ الْعُنُق بِمَا يبرّد ويرّطب وَبِمَا يوضع على الْمعدة أَيْضا من مثل جَرَادَة القرع والحمقا والصندل بدهن الْورْد وَنَحْوه. فصل فِي شدَّة كربهم إِذا كثر الكرب بِسَبَب فَم الْمعدة وَحُصُول خلط لاذع فِيهِ فبرّد معدتهم بِمَا علمت من الأغذية وَيجب أَن يروّحوا ويضجعوا فِي مَوضِع بِقرب حركات المَاء مفروش بالأطراف والأغصان الْبَارِدَة والرياحين الْبَارِدَة من النيلوفر والورد والنضوجات الْبَارِدَة المتخذة من الْفَوَاكِه العطرة الْبَارِدَة والصندل وَكَثِيرًا مَا يَنْفَعهُمْ من كربهم الحقن الْبَارِدَة المتخفة من مَاء القرع وَالْخيَار وعصارة الحمقا وَحي الْعَالم بدهن الْورْد. فصل فِي عسر الازدراد يعرض لَهُم إِن كَانَ عسر الازدراد يعرض لَهُم وَكَانَت الْحمى مطبقة فليفصد وَيخرج الدَّم قَلِيلا وليغذ للمعاودة بالخل والخس. إِن كَانَت الشَّهْوَة فِيهَا بعض الفتق والا فليقتصر على مَاء - الشّعير وليحذر الْمُعَامَلَة وَإِن كَانَ بِهِ إعتقال فالحمول والحقن خير من المسقل من فَوق بِكَثِير. كثيرا مَا تغور حرارتهم وتبرد أَطْرَافهم وتبخر الْحَرَارَة الغائرة إِلَى الرَّأْس فلتوضع الْأَطْرَاف فِي المَاء الْحَار وَلَا يشربن المَاء الْبَارِد فَهَذَا الْقدر كَاف فِي معالجاتهم. فصل كَلَام كلي فِي الْحمى الصفراوية الحميات الصفراوية ثَلَاث: غب دَائِرَة وغب لَازِمَة ومحرقة. فالغب الدائرة إِمَّا خَالِصَة وَتَكون عَن صفراء خَالِصَة. وَإِمَّا غير خَالِصَة وَتَكون عَن عفونة صفراء غَلِيظَة الْجَوْهَر لاختلاط صفراء مَعَ بلغم اختلاطاً مازجاً موحداً وَبِذَلِك يُخَالف شطر الغبّ إِذْ كَانَ شطر الغب يُوجِبهُ مادتان متمايزتان وَهَذَا يُوجِبهُ مَادَّة وَاحِدَة هِيَ فِي نَفسهَا ممزوجة يمتزج بخارها بِشَيْء من الْبَارِد يثقل عفونته! وانحلاله ونضجه. فَلذَلِك يكون لشطر الغب نوبتان. وللغب الْغَيْر الْخَالِصَة نوبَة وَاحِدَة وَهَذِه الْغَيْر الْخَالِصَة رُبمَا طَالَتْ مُدَّة طَوِيلَة وقريباً من نصف سنة وَرُبمَا أدَّت إِلَى الترهل وَإِلَى عظم الطحال. وَأما المحرقة فمانها من جنس اللَّازِمَة إِلَّا أَن تفَاوت اشتدادها وفتورها غير محسوس وأعراضها شَدِيدَة وَالسَّبَب حمة الْمَادَّة وَكَثْرَتهَا إِذْ وُقُوعهَا بِقرب الْقلب.
стр. 1598
وَفِي عروق فَم الْمعدة أَو فِي نواحي الكبد خَاصَّة وَبِالْجُمْلَةِ الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة المقاربة للقلب. وَأما فِي الغب فَإِن الصَّفْرَاء تكون فِي اللَّحْم وَإِلَى الْجلد وَفِي الدائمة تكون مبثوثة فِي عروق الْبدن الَّتِي تبعد عَن الْقلب. وَشدَّة الْعَطش وَالْكرب والقلق والأرق والهذيان والغثيان ومرارة الْفَم وتبثر الشفاه وتشققها والصداع يكثر فِي الحميات الصفراوية وَتَكون الطبيعة فِي أَكْثَرهَا إِلَى اليبوسة لِأَن الْمَادَّة إِمَّا متحركة إِلَى الأعالي وَإِمَّا إِلَى ظَاهر الْبدن وَالْجَلد. فصل فِي الغبً مُطلقًا وَيُسمى طريطاوس نوبَة الغبً تَأْخُذ أَولا بقشعريرة ونخس كنخس إبر ثمَّ تبرد وَتَأْخُذ فِي نافض صَعب جدا أَشد من سَائِر النوافض غير بَارِد أَو قَلِيل الْبرد وَلَيْسَ برده إِلَّا لغور الْحَرَارَة إِلَى الْبَاطِن نَحْو الْمَادَّة ويجد كنخس الإبر. وَهَذَا النافض مَعَ شدته سريع السّكُون والسخونة وَقد علمت سَبَب مثل هَذَا النافض. وَيكون النافض فِيهِ فِي الْأَيَّام الأول أقوى وأشدّ وَفِي الرّبع بِخِلَافِهِ. وأيضآ فَإِن النافض يبتدىء بِقُوَّة ثمَّ يلين قَلِيلا قَلِيلا وينقضي بِسُرْعَة وَفِي الرّبع بخلافة. والعرق يكثر فِي الغبّ عِنْد التّرْك وَيكون الْبَوْل فِيهِ أَحْمَر إِلَى نارية لَا كثير غلظ فِيهِ أَو تكون غير خَالِصَة فَيكون بَوْله فجاً أَو غليظاً. وحرارة الغب أسلم من حرارة المحرقة. وَالْيَد كلما طَال لمسها للبدن لم يَزْدَدْ التهاباً بل رُبمَا نقص التهابها وَفِي المحرقة يزْدَاد التهابها والعوارض الَّتِي تعرض فِي الغب السهر بِلَا ثقل فِي الرَّأْس إِلَّا فِي بعض غير الْخَالِصَة والعطش والضجر وَالْغَضَب وبغض الْكَلَام. وَيكون النبض حاداً سَرِيعا بِالْقِيَاسِ إِلَى نبض سَائِر الحمّيات وَلَا يكون مستوي الانقباض وَالِاخْتِلَاف فِيهِ دون مَا فِي سَائِر الحميات الخلطية وَأَقل مِمَّا فِي غَيره مَعَ صلابته. وَيكون النبض أقوى فِيهِ بل لَا اخْتِلَاف فِيهِ فِي الْأَكْثَر إلاّ الِاخْتِلَاف الْخَاص بالحمّى من دون غَيره وَفِي الِابْتِدَاء لَا بُد من تضاغط النبض إِلَى وَقت انبساط الحمّى ثمَّ يقوّى ويسرع ويتواتر وَيكون اختلافه لَيْسَ بذلك المفرط وَقد يدل عَلَيْهِ السن وَالْعَادَة والبلد والحرفة والسحنة والفصل وَكَثْرَة وُقُوع الغب فِي ذَلِك الْوَقْت فَإِذا تركبت غبّان كَانَت النوائب عَائِدَة كل يَوْم فَمن رَاعى الغبّ بالنوبة غلط فِيهِ بل يجب أَن يُرَاعى الدَّلَائِل الأخري والنوائب تؤكدها وَأَصْحَاب الغب قد يعرض لَهُم سهر وَحب خلْوَة وَكَثِيرًا مَا يحسون بغليان عِنْد الكبد. الْفرق بَين الغب الْخَالِصَة وَغير الْخَالِصَة: الْخَالِصَة لَطِيفَة خَفِيفَة تَنْقَضِي نوبتها من أرج سَاعَات إِلَى إثنتي عشرهّ سَاعَة لَا تزيد عَلَيْهَا كثيرا فَإِن زَادَت كَثِيرَة فَهِيَ غير خَالِصَة
стр. 1599
وَهِي فِي الاكثر إِلَى سبع سَاعَات ويسخن فِيهَا الْبدن بِسُرْعَة وَترى الْحَرَارَة تنبعث من الْبدن والأطراف بعد بَارِدَة. وَكَذَلِكَ الْخَالِصَة لَا تزيد إِذا لم يَقع غلط على سَبْعَة أدوار وَرُبمَا أنقضت للطافة مادّتها فِي نوبَة وَاحِدَة يَقع فِيهَا قيء أَو إسهال منقّ وَيظْهر النضج فِي الْبَوْل أَو فِي أول يَوْم أَو فِي الثَّالِث أَو فِي الرَّابِع أَو فِي السَّابِع فَإِن زَادَت على سَبْعَة أدوار زِيَادَة كَثِيرَة فَهِيَ من جملَة الْغَيْر الْخَالِصَة وَكَذَلِكَ إِن طَالَتْ مُدَّة نافضها. وَتَكون تزيد نوائبها ويقدّم نفضها على نمط مَحْفُوظ النّسَب وَكَذَلِكَ إِذا تشابهت النوائب على حدّ وَاحِد وَسَائِر عَلَامَات طول الحمّى مِمَّا قد علم وَإِذا رَأَيْت الِابْتِدَاء بنافض على مَا حدّدناه والانتهاء بعرق غزير فَلَا تشكّ أَنَّهَا خَالِصَة. والخالصة إِذا شرب صَاحبهَا مَاء انْبَعَثَ من بدنه بخار رطب كَأَنَّهُ يُرِيد أَن يعرق وَرُبمَا عرق. وَغير الْخَالِصَة يُوجد مَعهَا ثقل كثير فِي الرَّأْس وامتداد وتطول النافض والنوبة حَتَّى تبلغ أربعاَ وَعشْرين سَاعَة أَو ثَلَاثِينَ سَاعَة إِلَى وَقتهَا وتفتر تَتِمَّة ثَمَانِيَة وَأَرْبَعين سَاعَة وبمقدار زِيَادَة النّوبَة على إثني عشر سَاعَة يكون بعْدهَا عَن الخلوص. وَفِي الغب الْغَيْر الْخَالِصَة يبطؤ ظُهُور النضج وَلَا يظْهر فِي السحنة قضف وَلَا هزال. وَرُبمَا لم تقلع بعرق وافرٍ وَرُبمَا لم تبتدىء بنافض قوي. وَلَا تكون الْحَرَارَة بِتِلْكَ الْقُوَّة وَلَا يكون تزيّدها مستوياً بل كَأَنَّهَا تتزيّد ثمَّ تتقدّم فتنقص والأعراض الصعبة تقل فِيهَا. الغب اللَّازِمَة: تعرف باشتداد النوائب غبا وبشدة أَعْرَاض الغست. وَعند جالينوس أنَّ الدَّم إِذا عفن صَار من هَذَا الْقَبِيل وَفِيه كَلَام يَأْتِي من بعد. علاج الغِبّ الْخَالِصَة: يجب أَن تتذكر مَا أعطيناك من الْأُصُول فِي علاج الحمّيات فِي الإسهال والغذاء وَفِي جَمِيع الْأَبْوَاب وتبنى عَلَيْهَا وَلَا تلْتَفت إِلَى قَول من يرخص فِي الِابْتِدَاء بالمسهلات القوية وبالهليلج وَنَحْوه إِلَّا بِمَا ذَكرْنَاهُ من الصّفة بل يجب أَن تبادر فِي أول الْأَمر فتلين تَلْيِينًا مَا بِمثل مَا ذكرنَا هُنَاكَ مثل التَّمْر الْهِنْدِيّ قدر أَرْبَعِينَ درهما ينقع فِي مَاء حَار ليله ويصفى ويلقى عَلَيْهِ شيرخشت أَو تَرَنْجُبين أَو بِمَاء الرمانين وبمثل طبيخ اللبلاب بالتَرَنْجُبين وَالزَّبِيب المنزوع الْعَجم أَو نَقِيع الإجاص بالترنجبين أَو الشيرخشت أَو شراب البنفسج أَو البنفسج المربّى وَرُبمَا فعل لعاب بزر قطونا مَعَ بعض الْأَشْرِبَة مثل شراب الإجاص إزلاقاً وتلييناً أَو بطبيخ العدس باللبلاب أَو الحقن اللينة مثل الحقنة بطبيخ الخطمي والعناب والسبستان وأصل السوسن ودهن البنفسج وبعصارة السلق وبدهن البنفسج والبورق على نَحْو مَا تعلم. وَذَلِكَ إِذا مست إِلَيْهِ الْحَاجة فَإِنَّهُ من الصَّوَاب أَن لَا يسقى مثل مَاء الشّعير وَلَا نَحوه وَلَا الأغذية إِلَّا وَقد لينت الطبيعة على أَن الإسهال فِي الِابْتِدَاء فِي حمّى الغبّ الْخَالِصَة أقل غائلة من مثله فِي غَيرهَا وَإِن كَانَت لَهُ غائلة أَيْضا عَظِيمَة وَإِذا أمكن أَن
стр. 1600
لَا يفصد إِلَى ثَلَاثَة أدوار فعل وَكَذَلِكَ إِذا خفت أَن يكون الْمَرَض مهتاجأ فَفعلت ذَلِك فَمَا يَقع من خطأ أَن وَقع أقل من غَيره. وَيجب أَن لَا يُحَرك يَوْم النّوبَة شَيْئا إِلَّا لضَرُورَة وَلَا يغفو إِلَّا عِنْد الشَّرَائِط الْمَذْكُورَة. وَأَن تمرّ الْبَوْل بحليب البزور وَيجب أَن ترد عَلَيْهِ النّوبَة وَهُوَ خاو لَيْسَ فِي معدته شَيْء بل يجب أَن يسقى السكنجبين كل بكرَة وَبعده بساعتين مَاء الشّعير فِي يَوْم لَا نوبَة فِيهِ والسكنجبين بعد النّوبَة صَالح وَكَذَلِكَ وضع الرجل فِي المَاء الفاتر ليجذب بقايا الْحَرَارَة وَاسْتحبَّ أَن يكون فِي السكنجبين خُصُوصا فِي الْأَوَاخِر حليب البزور الْبَارِدَة المدرة أَو قبل النّوبَة بِثَلَاث سَاعَات أَو أَربع ويسقى بعد النّوبَة أَيْضا مَاء الشّعير. وَإِذا وَجب تلطيف التَّدْبِير سقِِي مثل مَاء الرُّمَّان وَمَاء الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ وَنَحْوه ويمزج تَدْبيره على الْوَجْه الْمَذْكُور كلما قَارب الْمُنْتَهى لطف وَفِي الْأَيَّام الأول يغذى بكشك الشّعير وَالْخبْز المثرود فِي المَاء الْبَارِد إِمَّا كَمَا هُوَ وَإِمَّا حليبه فِيهِ وَبِمَا يتَّخذ من المج والعدس. وَإِذا كَانَ الطَّعَام يحمض فِي معدته لم يسق من مَاء الشّعير الَّذِي لَيْسَ برقيق جدا شَيْئا وَإِن احْتِيجَ إِلَى سقيه قويَ يَسِيرا بطبخ أصل الكرفس فِيهِ وَإِن كَانَت الْمعدة أبرد من ذَلِك والحمى غير عَظِيمَة غير خَالِصَة جعل فِيهِ قَلِيل فلفل على رَأْي بقراط فَإِن دلّت العلامات على أَن البُحران قريب فاستكف بِمَاء الشّعير وَمَاء الرُّمَّان الحلو والمر والسكنجبين والفواكه الَّتِي تسْتَحب لَهُم الرُّمَّان الحلو والمر والإجاص النضيج والنيء. وَأما الْبِطِّيخ الْهِنْدِيّ فشيء عَظِيم النَّفْع مَعَ لذته يُطلق ويدر وَيكسر شدَّة الْحر ويعرّق وَرُبمَا لم يضرّ الدستنبونات الصغار وَمن الْبُقُول القرع والقثاء والقثد والخسق وَاعْلَم أَن الْمَقْصُود فِيمَا يغذاه
стр. 1601
صَاحب الغب. أما غثيان بِهِ وصفرة الْبيض. وَأما التبريد والترطيب مَعًا مثل كشك الشّعير وَلَا يفرط فِي التبريد جدا خُصُوصا فِي الإبتداء إِلَّا أَن يجد التهاباً شَدِيدا وَيخَاف انقلابه إِلَى محرقة أَو لَازِمَة فَإِن أدْرك البحران وَرَأَيْت نضجاً فِي المَاء وَهُوَ الرسوب الْمَحْمُود الَّذِي تعرفه فَإِن أُغني وَإِلَّا عَالَجت حِينَئِذٍ بِمَا تعين الطبيعة بِهِ من إدرار وإسهال أَو قيء أَو عرق وَلَا تناقضها فِي ذَلِك. فَإِن لم تَجِد ميلًا ظَاهرا فاستفرغ بالإسهال فَمن ذَلِك السقمونيا قدر دانق فِي الْجلاب أَو طبيخ الهليلج بِالتَّمْرِ الْهِنْدِيّ والترنجبين وَالزَّبِيب وَالْأُصُول وَالْخيَار شنبر على مَا علمت وَلَك أَن تقويها بالشاهترج والسنا والسقمونيا وَمِمَّا يوافقهم أَيْضا أَقْرَاص الطباشير المسهلة. نسخته: يُؤْخَذ إهليلج أصفر منزوع النَّوَى وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم سكر طبرزد وزن عشْرين درهما سقمونيا وزن دانق تشرب بِمَاء بَارِد وَبعد ذَلِك يعالجون بالإدرار. وَإِن كَانَ هُنَاكَ حرارة مفرطة والتهاب عَظِيم وَقد استفرغته فَلَا بَأْس أَن تسقيهم شَيْئا من المطفئات القوية مِمَّا قيل فِي تَدْبِير الْأَمْرَاض الحادة وَرُبمَا اقتنعوا بالأضمدة مِنْهَا. وَأما الحمّام فَيجب أَن لَا يقربوه قبل النضج وَأما بعد النضج وَعند الانحطاط فَهُوَ أفضل علاج لَهُم وخصوصاً للمعتاد وعَلى أَن الْخَطَأ فِي إدخالهم الحمّام قبل النضج أسلم من مثله فِي غَيرهَا. وَيجب أَن يكون حمّامهم معتدلاً طيّب الْهَوَاء رطبه يتعرقون فِيهِ بالرفق بِحَيْثُ لَا يلهب قُلُوبهم ويتمرخون بدهن البنفسج والورد مَضْرُوبا بِالْمَاءِ وَلَا يطيلوا فِيهِ الْمقَام بل يخرجُون بِسُرْعَة والمعاودة أوفق لَهُم من إطالة الْمقَام وَعند الْخُرُوج إِن استنقعوا فِي مَاء فاتر يُقِيمُونَ فِيهِ قدر الاستلذاذ فَهُوَ صَالح لَهُم ثمَّ إِذا خَرجُوا فَلهم أَن يشْربُوا شرابًا أَبيض رَقِيقا ممزوجاً كثير المزاح ويتدثرون مكانهم فَإِنَّهُم يعرقون عرقاً شَدِيدا وينضج بَقِيَّة شَيْء إِن كَانَ بَقِي ويغذون بعد ذَلِك بالأغذية المبردة المرطبة والبقول الَّتِي بِتِلْكَ الصّفة. وَلَا تخف بعد الانحطاط من سقيهم الشَّرَاب الممزوج الْكثير المزاج. فَإِن الشَّرَاب المكسور الحميا بالمزاج ينفع الْقدر الْبَاقِي مِنْهُ فِي تَحْلِيل مَا يحْتَاج إِلَى تَحْلِيل ويتدارك المَاء النَّافِذ بقوته ومخالطته مَا فِيهِ من التسخين الْيَسِير فيبرد شَدِيدا ويرطّب فَإِن كَانَت هُنَاكَ أَعْرَاض من الْعَطش والصداع والسهر وَغير ذَلِك فقد مرّ لَك علاجها
стр. 1602
وَإِذا بَقِي بعد البحران شَيْء من الْحَرَارَة اللَّازِمَة فَعَلَيْك بالسكنجبين مَعَ العصارات المدرّة أَو مطبوخاً فِيهِ البزور وَالْأُصُول المدرّة. وَاعْلَم أَن علاج الغب اللَّازِمَة هُوَ علاج الغبّ لكنه أميل إِلَى مُرَاعَاة أَحْوَال النضج وَإِلَى التبريد بالسكنجبين الْمُتَّخذ ببزر الْخِيَار وبزر الهندبا خَاصَّة المرضوضين ويسقى بعد ساعتين مَاء الشّعير وَإِلَى تلطيف الْغذَاء وَإِلَى اسْتِعْمَال الحقن اللينة فِي الِابْتِدَاء وَإِلَى الأدرار وَيجب أَن يرفق فَلَا يسقى من المسهلات فِي الِابْتِدَاء وَمَا يقرب مِنْهُ إِلَّا مثل شراب البنفسج وَمَاء الْفَوَاكِه وَلَا علاج الغب الْغَيْر الْخَالِصَة: الْأُمُور الَّتِي بهَا يُخَالف علاج الغب الْغَيْر الْخَالِصَة الغب الْخَالِصَة هِيَ أُمُور تشارك بهَا الحيمات الْبَارِدَة من أَن الترخيص الَّذِي رُبمَا رخص بِهِ لأَصْحَاب الْخَالِصَة من أَن لَا ينتظروا النضج وَلَا ينتظروا أَكثر الانحطاط إِن انتظروا النضج هُوَ محرّم عَلَيْهِم. فَإِن الحمّام يخلط البلغم الْغَيْر النضج بِمَا ينصب إِلَى مَوضِع العفونة ويختلط الخلظ الرَّدِيء بالعفن فيتحلّل اللَّطِيف وَيبقى الكثيف. وَإِن التغذية كل يَوْم أَيْضا أَو الْقَرِيب من التغذية مِمَّا يضرهم بل يجب أَن يغذوا يَوْمًا وَيَوْما لَا وَيكون فِي أغذيتهم مَا يجلو ويسخن قَلِيلا وَأَن تكون التغذية فِي أَوَائِل الْعلَّة أكثف مِنْهَا فِي أَوَائِل الْخَالِصَة ثمَّ تدرج إِلَى تلطيف فَوق تلطيف الغب. وَأَن يكون التلطيف فِيهَا فِي الْأَوَائِل بالإجاعة أَكثر من التلطيف بالغذاء اللَّطِيف جدا وَأَن يكون التبريد أقل وَأَن يحقنوا فِي الِابْتِدَاء بحقن أحد وَأَن ينْتَظر النضج فِي إسهالهم الْقوي أَكثر وَأَن يكون فِي مَاء شعيرهم قوى منضجة محللة مثل مَا قُلْنَا لمن يحمض مَاء الشّعير فِي معدته بل أقوى من ذَلِك فَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أَن يطْبخ فِيهِ الزوفا والصعتر والفودنج والسنبل بِحَسب المزاج والسلق نَافِع لَهُم وخلط مَاء الخس بِمَاء الشّعير وَفِي آخِره مَاء الحمص نَافِع لَهُم وَيجب أَن ينظر فِي قرب غير الْخَالِصَة من الْخَالِصَة وَبعدهَا عَنْهَا وبحسب ذَلِك يُخَالف بَين علاجها وَبَين علاج الْخَالِصَة فَإِن كَانَ قَرِيبا جدا من الْخَالِصَة فَخَالف بَينهمَا مُخَالفَة يسيرَة وَإِذا رَأَيْت قواريرهم غَلِيظَة فافصد وَإِذا فصدت لم تحتج إِلَى حقنة وَاعْلَم أَنه لَا أَنْفَع لَهُم من الْقَيْء بعد الطَّعَام فَمن المسهلات فِي أوائلها الَّتِي هِيَ أقرب إِلَى الِاعْتِدَال مَاء الجلنجبين الْمَطْبُوخ والسكنجبين وَرُبمَا جعلنَا فِيهِ خِيَار شنبر وَأقوى من ذَلِك أَن يَجْعَل فِيهِ قُوَّة من التربد والحقن فِي الِابْتِدَاء أحبّ إِلَيّ من المسهلات الْأُخْرَى وَهِي الحقن الَّتِي فِيهَا قُوَّة الحسك والبابونج والسلق والقرطم والبنفسج والسبستان والتين ورائحة من التربد وفيهَا الْخِيَار شنبر ودهن الشيرج والبورق وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى أحد من هَذَا بِحَسب بعد الْحمى من الْخَالِصَة. وَأما المعينات على الإنضاج مثل السكنجبين مخلوطاً بِشَيْء من الجلنجبين أَو السكنجبين الأصولي. وَبعد السَّابِع مثل طبيخ الأفسنتين فَإِنَّهُ نَافِع ملطف للمادة مقوّ للمعدة وَكَذَلِكَ
стр. 1603
مَاء الرازيانج وَمَاء الكرفس مَعَ السكنجبين وَإِن جَاوز الرَّابِع عشر فَلَا بَأْس بسقي أَقْرَاص الْورْد الصَّغِير فَإِن طَالَتْ الْعلَّة لم نجد بدّا من مثل أَقْرَاص الغافت وطبيخه وتسخين نواحي الشراسيف من هَذَا الْقَبِيل ويضمّد مراقهم أَيْضا بِمَا ينضج ويرخى تمدداً إِن وَقع هُنَاكَ فَإِذا علمت أَن النضج قد حصل فاستفرغ وأدرّ وَلَا تبال. وَمن المستفرغات الجيدة لَهُم أَن يُؤْخَذ من الأيارج خَمْسَة دَرَاهِم وَمن عصارة الخسّ والغافت من كل وَاحِد ثَلَاثَة دَرَاهِم وَمن بزر الكرفس والهليلج الْأَصْفَر والكابلي من كل وَاحِد وزن خَمْسَة دَرَاهِم وَمن التربد سَبْعَة دَرَاهِم يحبب بِمَاء الكرفس والشربة مِنْهُ دِرْهَمَانِ وَمن ذَلِك مطبوخ جيد لنا. ونسخته: يُؤْخَذ من الغافت وَمن الأفسنتين وَمن الهليلج الكابلي من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم وَمن بزر الْبِطِّيخ وبزر القثاء وَالْخيَار وبزر الكرفس والشكاعى والباذاورد وبزر الْبِطِّيخ من كل وَاحِد عشرَة دَرَاهِم وَمن التربد وزن دِرْهَم وَمن الْخِيَار شنبر وزن سِتَّة دَرَاهِم وَمن الزَّبِيب المنزوع الْعَجم عشرُون عددا وَمن السبستان ثَلَاثُونَ عددا وَمن التِّين عشرَة عمدا وَمن الجلنجبين الْمُتَّخذ بالورد الْفَارِسِي وزن خَمْسَة عشر درهما يطْبخ الْجَمِيع على الرَّسْم فِي مثله مَاء يُؤْخَذ مثله قدح كَبِير قد جعل فِيهِ قِيرَاط سقمونيا وَرُبمَا احْتِيجَ إِلَى دَوَاء قوي من وَجه ضَعِيف من وَجه. أما قوته فبحسب استفراغه الْخَلْط اللزج وَأما ضعفه فبحسب أَنه لَا يستفرغ كثيرا دفْعَة وَاحِدَة بل يُمكن أَن يحرّج بِهِ فيستفرغ الْخَلْط الْمُحْتَاج إِلَى استفراغه مراراَ لِئَلَّا ينهك الْقُوَّة. وَهَذَا الدَّوَاء هُوَ الَّذِي يُمكن أَن يفرق وَيجمع ليطلق قَلِيله وَيُطلق كَثِيره. فَأَما الْقَلِيل فقليلاً من الرَّدِيء. وَأما الْكثير فكثيراً من الرَّدِيء. وَأما السلاقات فقليلها رُبمَا لم يفعل شَيْئا وَمثل هَذَا الدَّوَاء أَن يُؤْخَذ من التربد قَلِيل قدر نصف دِرْهَم أَو أقل أَو أَكثر بِحَسب الْحَاجة وَمن السقمونيا قريب من الطسوج أَو فَوْقه ويعجن بالجلنجبين الْمَذْكُور وَيشْرب أَو يُؤْخَذ من الغاريقون وَمن السقمونيا على هَذَا الْقيَاس ويعجن بالجلنجبين وَيشْرب أَو يَجْعَل فِي عصارة الْورْد الطري قدر أُوقِيَّة فصل فِي الْحمى المحرقة وَهِي الْمُسَمَّاة فاريقوس إِن المحرقة على وَجْهَيْن: محرقة صفراوية يكون السَّبَب فِيهَا كَثْرَة العفونة إِمَّا فِي دَاخل عروق الْبدن كُله أَو فِي الْعُرُوق الَّتِي تلِي نواحي الْقلب خَاصَّة أَو فِي عروق نواحي فَم الْمعدة أَو فِي الكبد وَإِمَّا بلغمية وَتَكون من بلغم مالح قد عفن فِي الْعُرُوق الَّتِي نواحي الْقلب كَمَا قَالَ بقراط فِي ابتذيميا وَإِنَّمَا يكون البلغم المالح كَمَا علمت من مائية البلغم مَعَ الصَّفْرَاء الحادة. فمّكون الصَّفْرَاء الَّتِي تتعفن نارية مائية أَي مُخَالطَة للمائية الْكَثِيرَة. وَلما كَانَت المحرقة أشدّ أعراضاً من الغبّ وَجب أَن تكون أقصر مُدَّة مِنْهَا والمشايخ
стр. 1604
قَلما تعرض لَهُم الحميات المحرقة فَإِن عرضت لَهُم هَلَكُوا لِأَنَّهَا لَا تكون إِلَّا لسَبَب قوي جدا ثمَّ قواهم ضَعِيفَة. وَأما الشبَّان وَالصبيان فتعرض لَهُم كثيرا وَتَكون فِي الصّبيان أخفّ لرطوبتهم وَرُبمَا كَانَت فيهم مَعَ السبات لتثوير الأبخرة إِلَى الرَّأْس وَقد ذكر بقراط أَن من عرض لَهُ فِي الْحمى المحرقة رعشة فَإِن اخْتِلَاط الذِّهْن يحلّ عَنهُ الرعشة وَيُشبه أَن يكون ذَلِك لِأَن الدِّمَاغ يسخن جدا فيسخن العصب وَيُشبه أَن تكون محرقة وَيكون اخْتِلَاط الذِّهْن ينْحل عَنهُ بالرعشة لانتقاض الْموَاد إِلَى العصب وَأكْثر مَا تُفْضِي تُفْضِي بقيء أَو باستطلاق أَو عرق أَو رُعَاف. العلامات: علاماتها اللُّزُوم وخفاء الفترات وشدّة الْأَعْرَاض من خشونة اللِّسَان وَمن اصفراره أَولا وَمن اسوداده ثَانِيًا وَمن احتباس الْعرق إِلَّا عِنْد البحران وَشدَّة الْعَطش. قَالَ بقراط إِلَّا أَن يعرض سعال يسير فيسكّن ذَلِك الْعَطش يشبه أَن تكون شدَّة عطشهم بِسَبَب الرئة فَإِذا تحركت يَسِيرا بالسعال ابتلت بِمَا يسيل إِلَيْهَا من اللَّحْم الرخو. والحرارة فِي المحرقة فِي أَكثر الْأَمر لَا تكون قَوِيَّة فِي الظَّاهِر قوتها فِي الْبَاطِن. وَيكون النكس فِيهَا أخفّ مِنْهُ فِي غَيرهَا والكائنة من الصَّفْرَاء تشتد فِيهَا الْأَعْرَاض الرَّديئَة من السهر والقلق والاحتراق واختلاط الذِّهْن والرعاف والصداع وضربان الصدغين وغؤور الْعين واستطلاق الْبَطن بالصفراء الْمَحْضَة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَإِذا عرضت للصبيان كَرهُوا الثدي وَلم يقبلوه وَفَسَد مَا يمصونه من اللَّبن وحمض. علاج المحرقة: علاجها هُوَ علاج الغب الْخَالِصَة. وَإِذا احتاجوا إِلَى استفراغ بِمثل مَا قيل فالتعجيل أولى. وَأما التَّام فَبعد النضج والفصد رُبمَا ألهبهم وَرُبمَا نفعهم إِن كَانَ هُنَاكَ كدورة مَاء وَحُمرَة لكنه يحْتَاج إِلَى تلطيف وتبريد أَشد وتبريد بِالْفِعْلِ لما يتناولونه. وَإِذا خفت سُقُوط الْقُوَّة فَلَا بدّ من تغذية وَإِن لم يشتهوها وخصوصاً فِيمَن يتحلّل مِنْهُ شَيْء كثير فَإِنَّهُم كثيرا مَا يصيبهم بوليموس أَي عمم الحسّ وَإِلَى تليين فِي الِابْتِدَاء أقوى وَإِلَى معالجات الْحمى الحادة الْمَذْكُورَة على جَمِيع الأنحاء الموصوفة وَقد يصلح أَن ينَام عِنْد فتور قَلِيل من الْحمى على مَاء التَّمْر الْهِنْدِيّ وَقد جعل فِيهِ قَلِيل كافور واستحمت لَهُم السكنجبين أَو حليب بزر البقلة الحمقاء أَو حليب بزر الْهِنْد. والبطيخ الرقي جيد لَهُم وَيعْتَبر فِي شربة المَاء الْبَارِد مَا ذَكرْنَاهُ فإنلم يكن مَانع سقِِي مِنْهُ وَلَو إِلَى الاخضرار وَرُبمَا أنساهم اخْتِلَاط الذِّهْن طلب المَاء فَيجب
стр. 1605
أَن يجرعوا مِنْهُ كل وَقت قَلِيلا قَلِيلا جرعات كَثِيرَة وخاصة من يرى لِسَانه يَابسا جافاً وتعالج أعراضه المفرطة بِمَا ذَكرْنَاهُ فِي أَبْوَابهَا وَيجب أَن يتوقى عَلَيْهِم إفراط الرعاف فَإِنَّهُ مِمَّا يعظم فِيهِ الْخطب عِنْدهم وَيجب أَن تراعى نفسهم وَلَا تدع نواحي الصَّدْر أَن تشنج وَيجب أَن تحفظ رؤوسهم بالخلّ ودهن الْورْد والصندل وَمَاء الْورْد والكافور وَنَحْو ذَلِك. والتنطيل بالسلاقات الْمَطْبُوخ فِيهَا مَا ذَكرْنَاهُ وَإِذا اشْتَدَّ بهم السهر فعالجهم وَلَا بَأْس بسقي شراب الخشخاش وَلَو من الْأسود فِي مثل هَذِه الْحَال وَفِي اَخره يسقى الأقراص الَّتِي تصلح لَهُ مثل: أَقْرَاص الكافور. وَفِي ذَلِك الْوَقْت يوافقهم السكنجبين بحليب بزر القثد وبزر الهندبا وبزر الحمقاء من كل وَاحِد دِرْهَمَيْنِ والسكنجنبين من خَمْسَة وَعشْرين إِلَى خَمْسَة وَثَلَاثِينَ على مَا ترى فَإِن كَانَ هُنَالك إسهال فأقراص الطباشير الممسكة. قرص جيد مجرب: يُؤْخَذ طباشير وَورد من كل وَاحِد دِرْهَمَانِ وَنصف زعفران وزن دانق بزر بقلة الحمقاء وبزر الهندبا من كل وَاحِد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم بزر القرع وبزر القثاء من كل وَاحِد وزن دِرْهَمَيْنِ صندل وزن دِرْهَم وَنصف رب السوس ونشا من كل وَاحِد وزن أَيْضا: ورد وزن أَرْبَعَة دَرَاهِم بزر الْخِيَار والبطيخ والقثاء والبقلة الحمقاء من كل وَاحِد وزن دِرْهَمَيْنِ زعفران دانقان كافور دانق وَنصف صمغ ونشا وكثيراء وَرب السوس من كل وَاحِد دِرْهَم الشربة مِنْهُ وزن دِرْهَمَيْنِ. وَإِذا انحط انحطاطاً بيِّناً فَلَا بَأْس بالحمام المائل مَاؤُهُ إِلَى الْبرد وَأحب مَا يكون الحمّام مِنْهُم لمن حماه من البلغم المالح. فصل فِي حمّى الدَّم قد ظن جالينوس أَنه لَا تكون حمى الدَّم عَن عفونة الدَّم. فَإِن الدَّم إِذا عفن صَار صفراء وَلم يكن دَمًا فَتكون الْحمى حِينَئِذٍ صفراوية لَا دموية وَتَكون المحرقة الْمَذْكُورَة أَو الغبّ وتعالجها بذلك العلاج. وَهَذَا القَوْل مِنْهُ خلاف قَول أبقراط وَخلاف الْوَاجِب وَأكْثر الْغَلَط فِيهِ من قَوْلهم: إِذا عفن صَار صفراء. فَإِن هَذَا القَوْل يُوهم مَعْنيين: أَحدهمَا أَنه إِذا عفن يُؤَدِّي إِلَى أَن يصير بعد العفونة صفراء كَمَا يُقَال أَن الْحَطب إِذا اشتعل صَار رَمَادا وَالثَّانِي أَنه إِذا عفن يكون حَال مَا هُوَ عفن صفراء كَمَا يُقَال أَن الْخشب فِي حَال مَا يسخن يصير رَمَادا. فلننظر فِي كل وَاحِد من المفهومين فَأَما الْمَفْهُوم الأول فَهُوَ فَاسد المأخذ من وُجُوه ثَلَاثَة: أَحدهَا: أَن الدَّم إِذا عفن اسْتَحَالَ رقيقَة إِلَى صفراء رَدِيئَة وكثيفه إِلَى سَوْدَاء فَلَيْسَ بكليته يكون صفراء وَالثَّانِي: أَن ذَلِك يكون بعد العفونة ونظرنا فِي حَال العفونة وَالثَّالِث: أَنه بعد ذَلِك يكون صفراء لَا يدْرِي هَل فِيهَا عفونة أَو لَيست فَإِن
стр. 1606
كثيرا من الْأَشْيَاء تعفن ويتميز مِنْهُ رَقِيق وكثيف وَلَا يكون الرَّقِيق وَلَا الكثيف عفناً توجب عفونته كَونه عَن عفن فقد يكون من العفن مَا لَيْسَ بعفن وَلَو كَانَ كَونه عَن العفن. يُوجب عفونته لَكَانَ يجب أَن يكون الكثيف المترمد أَيْضا عفناً فَتكون هُنَاكَ حمى سوداوية أَيْضا فَهَذَا مَا يُوجِبهُ تَلْخِيص الْمَفْهُوم الأول. وَأما الْمَفْهُوم الثَّانِي فَهُوَ كذب صرف فَإِن العفونة طَرِيق إِلَى الْفساد والعفونة لَهَا زمَان واستحالة الدَّم صفراء لَا تكون فِي زمَان بل العفونة فَسَاد يعرض للدم وَهُوَ دم كَمَا يعرض للبلغم وَهُوَ بلغم لم يصر سَوْدَاء وَلَا صفراء إِلَّا أَن يَسْتَحِيل من بعد ذَلِك بِتمَام العفونة بل الْحق الصَّحِيح قَول بقراط: أَن الدَّم قد يتَوَلَّد من عفونته حمى فَنَقُول الْآن أَن حمى الدَّم حميان: حمى عفونة وَحمى سخونة وغليان الَّتِي يسميها بقراط سونوخس أَي المطبقة دون غَيرهَا وَأكْثر غليانها عَن سدد تحقن الْحَرَارَة وَقد تكون عَن أَسبَاب أُخْرَى تشتد فَوق اشتداد أَسبَاب حمى يَوْم وَقد تسمى الشَّابَّة القوية وَهِي من جملَة الحميات الَّتِي بَين حميات العفونة وحميات الْيَوْم فتفارق حميات الْيَوْم بِسَبَب أَن التسخن الأول فِيهَا للخلظ وتفارق حميات العفونة بِأَنَّهُ لَا عفونة لَهَا وَهِي حَتَّى حادة لَيست حمى يَوْم وَلَا حمى دق وَلَا حمى عفونة وَكَثِيرًا مَا تنْتَقل إِلَى حمى عفونة أَو إِلَى حمى دق وَكَثِيرًا مَا أجراها جالينوس مجْرى حميات الْيَوْم. وَيرى جالينوس أَن حمى المم لَا تتركب مَعَ سَائِر الحميات لِأَن العفن إِذا كَانَ فِي الدَّم كَانَ عَاما لكل خلط وَفِي هَذَا تنَاقض لبَعض مذاهبه لَا نحتاج أَن نطول الْكَلَام فِيهِ فَلَا ينْتَفع بِهِ الطَّبِيب وَسبب هَذِه الْحمى الامتلاء والسدة وأكثرها من الرياضة وخصوصاً الْغَيْر الْمُعْتَادَة وَترك الاستفراغ ثمَّ اسْتِعْمَال رياضة عنيفة وَقد توجب العفونة فِيهِ كَثْرَة مائية الدَّم من أكل الْفَوَاكِه المائية فتستحيل إِلَى العفونة أَو كَثْرَة الْخَلْط الْفَج فِيهِ فتهيئه للعفونة مثله مَا يتَوَلَّد من القثاء والقثد والكمثري وَنَحْوهَا. وَهَذِه الْحمى لَازِمَة لَا تفتر لعُمُوم الْمَادَّة ولزومها إِلَى البحران أَو الْمَوْت وأصنافها ثَلَاثَة: أسلمها المتناقصة تبتدىء بصعوبة ثمَّ لَا تزَال تتناقص لِأَن التَّحَلُّل أَكثر من التعفن ثمَّ الواقفة على حَال وَاحِدَة. رُبمَا تشابهت سَبْعَة أَيَّام وشرها المتزايدة لِأَن التَّحَلُّل فِيهَا أقل من التعفن وبحرانها إِلَى السَّابِع فِي الْأَكْثَر وانقضاؤها باستفراغ محسوس أَو غير محسوس وَقد تنْتَقل إِلَى المحرقة وَإِلَى السرسام وَقد تتتقل بالتبريد الْكثير
стр. 1607
إِلَى ليثرغش وَقد تنْتَقل إِلَى الجدري والحصبة وَإِذا عرض فِيهَا سبات وانتفاخ بطن يَجِيء مِنْهُ كصوت الطبل فَلَا يحطه الإسهال مَعَ تململ وَكَانَ الإسهال لَا ينفع ثمَّ خرج حصف أَخْضَر عريض خَاصَّة فَهُوَ من عَلَامَات الْمَوْت. العلامات: عَلَامَات الْحمى الدموية: لُزُوم الْحمى وَحُمرَة الْوَجْه وَالْعين وانتفاخ الأوردة والصدغين وامتلاء تَامّ من غير نافض وَلَا عرق إِلَّا عِنْد البحران وَكَثِيرًا مَا أجراها جالينوس مجْرى حميات الْيَوْم وَيرى جالينوس أَن حمى الدَّم يصحبها حكاك فِي الْأنف وَفِي المحاجر وتضيق النَّفس وَكَثِيرًا مَا يَقع عَلَيْهِم سبات وعسر كَلَام وَهُوَ رَدِيء وَكَذَلِكَ أورام الْحلق واللوزتين واللهاة وسيلان الدُّمُوع وحرارتها كَثِيرَة رطبَة بخارية حمامية غير قشفة كَمَا فِي المحرقة ونبضها عَظِيم لين قوي ممتلىء سريع متواتر جدا مُخْتَلف غير كثير الِاخْتِلَاف وَأَقل اخْتِلَافا وَسُرْعَة مِمَّا فِي المحرقة وَالْغِب وَلَيْسَت حَرَارَتهَا فِي حد المحرقة وَالْغِب لعدم العفونة. وَمَا كَانَ مِنْهَا عَن عفن فحرارته وأعراضه أَشد وعلاجه أصعب فَهُوَ أشبه بالمحرقة. وَأما رقة الدَّم وغلظه فتعرف بِمَا يخرج مِنْهُ والسونوخس الغليانية أشبه شَيْء فِي إبتدائها بحمى الْيَوْم لَكِن حَرَارَتهَا قَليلَة اللذع والأذى وَكَانَ أَكثر تأثيرها بِقرب الْقلب وَيحدث مِنْهُ التلهث والربو. وَأما العفنة فمستوية أَو شَبيهَة بالمتسوى فِي الْأَكْثَر. وَأما عَلَامَات انتقالها فعلامات كل مَا ينْتَقل إِلَيْهِ من الخناق وَمن أورام الْحلق واللوزتين وَقد عرفتها وعلامات الجدري ستعلم. وعلامات السرسام والصداع واختلاط الذِّهْن وَغير ذَلِك قد علمت. وَأما عَلَامَات طولهَا فَمثل مَا عَلمته من تَأَخّر عَلامَة النضج وانخراط الْوَجْه وَاخْتِلَاف حَالهَا فِي مدَّتهَا من التزيّد وَالْوُقُوف وَالنُّقْصَان حَتَّى تكون كَأَنَّهَا مفترة فَإِن ذَلِك دَلِيل على أَن الدَّم مَمْلُوء خلطاً فجاً. وَأما مُدَّة بحرانها فَيدل عَلَيْهَا ظُهُور عَلَامَات النضج إِن تَأَخّر إِلَى بعد الثَّالِث وَالرَّابِع لم يجرن فِي السَّابِع وَكَثِيرًا مَا يكون بحرانها فِي الرَّابِع. علاج حمى الدَّم: الْغَرَض فِي علاج حمى الدَّم هُوَ: استفراغ الْكَثْرَة إِلَى الغشي وتغليظ جَوْهَر الدَّم إِن كَانَ رَقِيقا جدا مائياً أَو صفراوياً وتبريده وتنقيته
стр. 1608
وترقيقه إِن كَانَ غليظاً فِيمَن قد تنَاول مولدات الدَّم الغليظ ومولدات الْخَلْط الْفَج وإنضاج الْمَادَّة الفاعلة للحمى وتحليلها. فَأَما الإستفراغ فَلَا كالفصد من الْيَد فِي أَي وَقت عرضت وَلَا تنْتَظر بحراناً وَلَا نضجاً إِلَّا أَن تكون تخمة فاحذرها وأفرغها فَإِن دَامَت الْحمى فافصد وَلَا يزَال يفصد حَتَّى يُقَارب الغشي أَو يَقع إِن كَانَ الْبدن قَوِيا. فَإِن الغشي يبرد أَيْضا المزاج الْقوي وَاعْلَم أَن الفصد وَسقي المَاء الْبَارِد رُبمَا أغْنى عَن تَدْبِير غَيره والتفريق فِيهِ أولى إِن لم يكن مَا يُوجب الاستعجال فَإِنَّهُ رُبمَا كَانَ فِيمَا دون مقاربة الغشي بَلَاغ وَرُبمَا يتبع الفصد الْبَالِغ فِي الْوَقْت إسهال مرّة وعرق يجب أَن يمسح كل وَقت حَتَّى يتتابع وَرُبمَا عوفي بِهِ ويتدارك مَا عرض من ضعف وَغشيَ بغذاء لطيف وَسُكُون وَيجب أَن يدام تليين الطبيعة بِمَا يعرف من مثل مَاء الرمانين وَمَاء الرُّمَّان الحلو والمر إِلَى حد الشيرخشْك وَالتَّمْر الْهِنْدِيّ وإشيافات خَفِيفَة مِمَّا ذَكرْنَاهُ وَرُبمَا احْتِيجَ عِنْد النضج إِلَى إستفراغ بِمثل الهليلج والشاهترج وَالْخيَار شنبر وَنَحْو مِمَّا قد علمت فَإِن لم يحْتَمل الْحَال الفصد من الْيَد ففصد الْعرق الَّذِي فِي الجبين أَو الْحجامَة فَإِن لم يتهيّأ شَيْء من ذَلِك لعَارض مَانع فبالإسهال على نَحْو مَا فِي المحرقة. والتبريد بِمَا يفتّح وَيقطع ويسكن الغليان وَإِن عرض من الفصد غشي أطعمته خبْزًا بِمَاء الحصرم وَإِن عرض رُعَاف من تِلْقَاء نَفسه لم يقطع إِلَّا عِنْد مقاربة الغشي. وَأما تَغْلِيظ الدَّم فبمثل ربّ الْعنَّاب وَهُوَ أَن تطبخ مائَة عنابة بِخَمْسَة أَرْطَال مَاء حَتَّى يبْقى الثُّلُث وَيقوم بالسكر وَكلما قل السكر فَهُوَ أفضل والعدس أَيْضا خُصُوصا الْمُتَّخذ بالخل الحامض الثقيف من هَذَا الْقَبِيل. وَإِيَّاك أَن تسقى ربّ العنّاب أَو جرم العدس والمادة غَلِيظَة. وَأما تبريده فبمثل مَاء العدس الْمبرد وَمَاء الخسّ المبرّد وَسقي المَاء الْبَارِد إِن لم يكن فِي مَانع وَرُبمَا سقِِي حَتَّى يرتعد ويخصر فَرُبمَا عوفي وَرُبمَا انْتَقَلت الْحمى إِلَى بلغمية وعولجت بأقراص الْورْد وَنَحْوهَا. وَهَذَا العلاج لبَعض الْمُتَقَدِّمين وانتحله بعض الْمُتَأَخِّرين فَأَما سقِِي مَاء الشّعير فَهُوَ علاج نَافِع لَهُ وَليكن مَعَ لين الطبيعة وَأولى الْأَوْقَات بِهَذَا وَقت شدَّة الغليان وَالْكرب والاشتعال وتواتر الخفقان وَاعْلَم أَن الإقتصار على التبريد وَترك الفصد والإسهال يزِيد فِي السد والحقن فتزداد العفونة والحرارة فِي ثَانِي الْحَال. وَأما تنقيته فبمثل مسهلات الصَّفْرَاء بِحَسب اخْتِلَاف استيجاب الْقُوَّة والضعف وبمنضجات الْخَلْط الخام فَرُبمَا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي عفونة الدَّم وَفِي آخِره يسْقِيه مثل أَقْرَاص الكافور وأقراص الطباشير وَهَذِه الأقراص جَيِّدَة جدا: نسخته: يُؤْخَذ طباشير ثَلَاثَة بزر البقلة خَمْسَة بزر القثاء أَرْبَعَة بزر القرع سِتَّة
стр. 1609
صمغ وكثيراء ونشا من كل وَاحِد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم رب السوسن وزن سَبْعَة دَرَاهِم يتَّخذ مِنْهَا أَقْرَاص. نُسْخَة أُخْرَى: وخصوصاً عِنْد ضعف الكبد يُؤْخَذ ورد وزن ثَلَاثَة دَرَاهِم عصارة أَمِير باريس دِرْهَمَيْنِ بزر القثاء وَالْخيَار والبطيخ والحمقا والطباشير من كل وَاحِد وزن دِرْهَم صمغ وكثيراء ونشا من كل وَاحِد نصف دِرْهَم رواند صيني وزعفران وكافور من كل وَاحِد ربع دِرْهَم يقرص. فِي تغذيتهم: وَأما الأغذية فالعنابية والعدسية المحمضة والرمانية والسماقية وَإِن كَانَ شَيْء من هَذَا يخَاف عقله تدْرك بشير خُشُك وبالأجاص وبالقرعية والحماضية وَفَاكِهَة الكمثري الصيني وَالرُّمَّان والتفاح الشَّامي وبقولة القرع والقثاء والقثد والهندباء والبقلة الْمُبَارَكَة والحمّاض والكزبرة وَمَا يشبهها فَإِن عرض صداع أَو خفقان أَو سهر أَو سبات أَو رُعَاف مفرط ينهك الْقُوَّة وَغير ذَلِك من الْأَعْرَاض الصعبهَ فعالج بِمَا علمناك فِي مَوْضِعه وَلَا حَاجَة لنا أَن نكرر إِذْ لَا فَائِدَة فِي التّكْرَار. فصل فِي الحمّى البلغمية قد علمت أَن حمى عفونة البلغم قد تكون نائبة وَقد تكون لَازِمَة وَقد علمت السَّبَب فِي ذَلِك. وَلها أَوْقَات كَسَائِر الحمّيات وَأَقل أَوْقَات ابتدائها فِي الْأَكْثَر ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وإقلاعها فِي الْأَكْثَر مَا بَين أَرْبَعِينَ وَسِتِّينَ يَوْمًا وأسلمها النقية الفترات وَلَا سِيمَا الْكَثِيرَة الْعرق فتدل على رقّة الْمَادَّة وقلتها وتخلخل الْبدن وأطول أزمان هَذِه الْعلَّة الصعُود على أنَ انحطاطها أَيْضا أطول من انحطاط الغبّ بِكَثِير والبلغم العفن قد يكون زجاجياً وَقد يكون حامضاً وَقد يكون حلواً وَقد يكون مالحاً وَقد علمت كَيفَ تكون من المالح محرقة وَأكْثر مَا تعرض حمى البلغم للمرطوبين والمتّدعين والمشايخ وَالصبيان وَأَصْحَاب التخم والمرتاضين والمستحمين على الإمتلاء وَأَصْحَاب الجشاء الحامض وَأَصْحَاب امتلاءات صَارَت نَوَازِل إِلَى الْمعدة تعفن فِيهَا وقلّما تَخْلُو عَن ألم فِي الْمعدة وَاعْلَم أَن كل حمّى مَعهَا برد فَإِنَّهُ يضيق النبض ويصغره. عَلَامَات البلغمية الدائرة وَهِي الَّتِي تسمى أمغيميربنوس: أما مَا كَانَ السَّبَب فِيهِ بلغماً زجاجياً أَو حامضاً فَإِن الْبرد يكثر فِيهِ جدا والنافض فِي الزجاجي أَشد. لَكِن الْبرد لَا يبتدىء فِيهَا دفْعَة بل قَلِيلا قَلِيلا فِي الْأَطْرَاف ثمَّ يبلغ إِلَى أَن يصير كالثلج لَا يسخن إِلَّا بعسر وَلَا يسخن دفْعَة وَلَا على تدريج مُتَّصِل بل قَلِيلا قَلِيلا مَعَ عود من الْبرد وَرُبمَا خالط برده فِي الإبتداء قشعريرة فَيكون الْبرد لما لم يعفن وللقشعريرة لما قد عفن وَأعظم برده ونافضه فِي أدوار الْمُنْتَهى. وَهَذِه الْحمى لَيست من مَادَّة تفعل نخساً حَتَّى تكون سَببا للنافض من طَرِيق النفض فَإِن عفونتها عفونة شَيْء لين وَتَأْخُذ مَعَ ثقل وسبات وَكَثِيرًا مَا تبتدىء فِي النوائب الأولى بِلَا برد وَلَا نافض بل تتأخر إِلَى مُدَّة وَرُبمَا كَانَ برد وَلم يكن نافض وَكَثِيرًا مَا تبتدىء بغشي وَقد لَا يكون.
стр. 1610
وَهَذِه الْعلَّة يكثر فِيهَا الغشي لضعف فَم الْمعدة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَعدم الاستمراء الَّذِي هُوَ مفن لمادة الْغذَاء وَالْقُوَّة. وَأما مَا كَانَ من بلغم مالح فيتقدّمه إقشعرار وَلَا يشتدّ برده وَأما مَا كَانَ من بلغم حلواً فقلما يتقدمه فِي الْأَوَائِل إِلَى كثير من النوائب قشعريرة وَلَا برد وَلَا نافض وَأكْثر أدوار الحمّى البلغمية تَأْخُذ بالغشي وَقد يظْهر فِيهَا فِي الْأَوَائِل حر أَشد وَفِي الْأَوَاخِر يقل ذَلِك وَيُشبه أَن يكون السَّبَب فِي ذَلِك أَن العفونة تسبق أولًَ إِلَى الأحلى والأملح والأرق ثمَّ إِلَى الأغلظ والأبرد وَمَسّ الْحَرَارَة فِيهَا فِي الأول ضَعِيف بُخَارى ثمَّ إِذا أطلت وضع الْيَد على الْعُضْو أحسست بحدة وحرافة إِلَّا أَنَّهَا لَا تكون متشابهة مستوية فِي جَمِيع مَا تقع عَلَيْهِ الْيَد بل تكون مُتَفَاوِتَة تحد فِي مَوضِع حرافة وَفِي مَوضِع لينًا وَكَأن الْحَرَارَة تتصفى خلف شَيْء مغربل لِأَن البلغم لزج يخْتَلف انفعاله وترقّقه عَن الْحَرَارَة كَمَا يعرض لسَائِر اللزوجات عِنْد غليانها فَإِنَّهَا تتفقأ فِي مَوضِع وَلَا تتفقأ فِي مَوَاضِع وَكَيف كَانَ فحرارتها فِي أَكثر الْأَمر دون أَن تلتهب وتكرب ويعظم الشوق إِلَى الْهَوَاء الْبَارِد وَالْمَاء الْبَارِد وَلَا إِلَى التكشف والتململ وَالنَّفس الْعَظِيم والنافخ وَكَثِيرًا مَا يعرض لحرارتها أَن تقف زَمَانا قدر سَاعَة أَو ساعتين فيحسب أَنَّهَا قد انْتَهَت فَإِذا هِيَ بعد فِي التزيد لِأَنَّك ترَاهَا قد أخذت تزيد. وَكَذَلِكَ لَهَا فِي الإنحطاط وقوفات وحميات البلغم كَثِيرَة التندية لِكَثْرَة الرُّطُوبَة وبخارها قَلِيل التعريق للزَّوْجَة الْخَلْط. وَإِذا عرقت كَانَ شَيْئا غير سابغ وَمن أخص الدَّلَائِل بهَا قلَّة الْعرق أَو فَقده والعطش. يقل فِي حميات البلغم إِلَّا لسَبَب ملوحته أَو لسَبَب شدَّة عفونته وَمَعَ ذَلِك فَيكون أقل من الْعَطش فِي غَيرهَا وانتفاخ الجنبين يكثر فيهم وَقد يعرض لجلد الْجنب أَن يرق مَعَ تمدده. وَأما لون صَاحب حمى البلغم فَإلَى خضرَة وصفرة يجريان فِي بَيَاض حَتَّى يكون الْمُجْتَمع كلون الرصاص حَتَّى فِي الْمُنْتَهى أَيْضا فقلما يحمر فِيهِ احمراره فِي منتهيات سَائِر الحمّيات. وَأما نبضه فنبض ضَعِيف منخفض صَغِير متفاوت أَولا ثمَّ يتواتر أخيراً وتواتره وصغره أَشد من تَوَاتر الرّبع والغت وصغرهما وَشدَّة تواتره لشدَّة صغره لكنه لَيْسَ أسْرع من نبض الرّبع وَرُبمَا كَانَ أَبْطَأَ مِنْهُ أَو مثله فِي الأول وَهُوَ شَدِيد الِاخْتِلَاف مَعَ عدم النظام وَالصغَار والضعاف مِنْهُم فِي اختلافه أَكثر وَدَلَائِل النبض عَلَيْهَا من أصح الدَّلَائِل. وَأما بَوْله فَهُوَ فِي الأول أَبيض رَقِيق لِكَثْرَة السمد وَالْبرد ثمَّ يحمرّ للعفونة ويكدر لرداءة النضج وَقد يتَغَيَّر فِيهِ الْحَال وقتا فوقتاً فَإِذا بَقِي من المالحة الغليظ وتحلل المتعفن وَعَاد وَقت السدد أَبيض ثمَّ إِذا عفن شَيْء كثير بعد ذَلِك واندفع وَفتح السدد احمرّ إِلَى أَن يرد على السدد مَا يسدها مرّة أُخْرَى من ذَلِك الْخَلْط بِعَيْنِه وَأما برازه فلين رَقِيق بلغمي. وَمِمَّا يدل على أَن الْحمى بلغمية أَن تكون نوبتها ثَمَان عشرَة سَاعَة وَتركهَا سِتّ سَاعَات وَلَا يكون تَركهَا نفيا وَذَلِكَ لِأَن الْمَادَّة مَعَ الغلظ واللزوجة كَثِيرَة وَقد يدل عَلَيْهَا السن وَالْعَادَة
стр. 1611
والفصل والبلد والأغذية ويواقى أَسبَابهَا السَّابِقَة من التخم وَيدل عَلَيْهَا السخنة من لون السن وَالْعَادَة والفصل والبلد والأغذية ويوافى أَسبَابهَا السَّابِقَة من أتتخم وَيدل عَلَيْهَا السحنة من لون الْوَجْه الْمَذْكُور وتهيّجه ولين أتلمس وَضعف فَم الْمعدة وَسُقُوط الشَّهْوَة وَرُبمَا كبر مَعهَا الطحال ويسبقها حساء حامض فِي أَكثر الْأَوْقَات كثير. عَلَامَات الحمّى اللَّازِمَة وَهِي الَّتِي تسمى الثِّقَة: أَن تكون كَسَائِر عَلَامَات الْحمى البلغمية غير الإقلاع وَمَا يشبه الإقلاع وَغير الِابْتِدَاء بنافض وَبرد وقشعريرة وَتَكون أشبه شَيْء بالدق وَيكون هُنَاكَ تفتير فِي سِتّ سَاعَات وَنَحْوهَا فَوق الَّذِي يكون فِي الدائرة فَإِن الدائرة أَيْضا لَا تَخْلُو عَن تفتير إِلَّا أَنه يكون خفيًّا غير ظَاهر. حميات: هِيَ فِي أَكثر الْأَحْوَال من جنس البلغميات وَقد تكون من الصَّفْرَاء أَحْيَانًا وَلَيْسَت مِمَّا تكون من السَّوْدَاء. خصصت بأسماء وَأَحْكَام: وَهِي حمى إيغيالوس وليغوريا. وهما من جملَة الحميات الَّتِي تخْتَلف فِيهَا أَمَاكِن الْحر وَالْبرد من دَاخل وخارج بِسَبَب اخْتِلَاف مَوضِع مَا يعفن وَمَا لم يتعفن وَهِي ثَلَاثَة أَقسَام: الْحمى الْمَخْصُوصَة بالغشيية الخلطية والحمى النهارية والليلية. فصل فِي الحمّى الَّتِي يبطن فِيهَا الْبرد وَيظْهر فِيهَا الْحر وَهِي حمى إيغياليوس هَذِه تكون من بلغم زجاجي حَاصِل فِي الْبَاطِن والقعر يبرد حَيْثُ هُوَ لكنه قد عرض لَهُ العفونة فينتشر مِنْهُ بخار مَا يتعفن ويتفرق ويلهب فِي الظَّاهِر وَمَا لَيْسَ بعفن يبرد فِي الْبَاطِن وَإِنَّمَا كَانَ لَا يظْهر بردهَا فِي مثل ذَلِك الزَّمَان لِأَنَّهَا كَانَت سَاكِنة ألفها وانفعل عَنْهَا مَا يلاقيها فَلَمَّا أخذت العفونة فِيهَا تحرّك وتبدد تبدُداً مَا وَإِن لم يبلغ أَن يعم الْبدن كُله. العلامات: هِيَ علامتها الْمَذْكُورَة بِعَينهَا وَإِن بَوْله بَارِد فجّ أقلّ حرارة من بَوْل غَيره من جنسه ونبضه بطيء متفاوت وَهِي فِي الْأَكْثَر تشتدّ كل يَوْم لَكِنَّهَا لغلظ مادتها قد تستحيل ربعا وغبًّا لِأَن مثل هَذِه الْمَادَّة فِي الْبدن قَلِيل وَقَلِيل التعفّن نادره والقلة من أَسبَاب بعد الدّور وَهَذَا لَا يُخرجهَا عَن أَن تكون بلغمية لِأَنَّهَا بلغمية بِسَبَب أَن العفونة عفونة البلغم لَا بِسَبَب أَن النّوبَة تعود كل يَوْم أما مُدَّة نوبتها فَمن أَربع سَاعَات إِلَى أَربع وَعشْرين سَاعَة وَفِي الْأَكْثَر تَنْقَضِي قبل ذَلِك لِأَن هَذِه الْمَادَّة لَا تكون بِتِلْكَ الْكَثْرَة. فصل فِي الحمّى الَّتِي يبطن فِيهَا الحرّ وَيظْهر فِيهَا الْبرد وَهِي ليغوريا هَذِه الحمّى فِي الْأَكْثَر بلغمية وَقد تكون صفراوية من صفراء غَلِيظَة جدا فإمَّا أَنَّهَا كَيفَ تكون بلغمية فَهُوَ أَن البلغم الْبَاطِن إِذا اشتعل وعفن سخن ذَلِك الْموضع وَلِأَنَّهُ لَيْسَ يتحلّل فَلَا يسخن ظَاهر الْبدن بانتشار بخاره سخونة كَثِيرَة وَلِأَن الْقُوَّة تنصبّ إِلَى حيّز الْأَدْنَى فيخلو الظَّاهِر عَن الْحر فيبرد. وخصوصاً إِذا كَانَ فِي الظَّاهِر بلاغم فجّة زجاجية بَارِدَة وَأَيْضًا
стр. 1612
لِأَنَّهُ كثيرا مَا يتحلّل مِنْهُ بخار لم يعفن وَلكنه يصعد ويتصل للحرارة وتصحبه الْحَرَارَة مُدَّة قَليلَة ثمَّ تزايله مزايلتها بخار المَاء المسخن فَإِذا زايلته وَكَانَ فِي الأَصْل قبل العفونة شَدِيد الْبُرُودَة يعود ويبرّد الْبدن. وَأما أَنَّهَا كَيفَ تكون صفراوية فَهُوَ أَن الصَّفْرَاء إِذا كَانَت قَليلَة وباطنة وعفنت وسخنت الْموضع وَلم يتَحَلَّل مِنْهَا شَيْء عرض مَا قُلْنَا فِي نظيرها من البلغم وَقد تسمى هَذِه فَأَما ليغوريا فَهُوَ اسْم الْجِنْس وَهِي أطول مُدَّة من شطر الغب. وَلقَائِل أَن يَقُول: كَيفَ تكون الحمّى وَلَا تنبعث فِيهَا الْحَرَارَة من الْقلب إِلَى جَمِيع الْبدن وَالَّذِي تصفونه فَهُوَ من قبيل مَا لَا تنبعث فِيهَا الْحَرَارَة من الْقلب فِي جَمِيع الْبدن. فَالْجَوَاب: أَن حُدُود هَذِه الْأَشْيَاء يعْتَبر فِيهَا شَرط أَن لَا يكون مَانع مثل مَا تحد المَاء بِأَنَّهُ الْبَارِد الرطب أَي إِذا خلي وطباعه وَلم يكن مَانع وتحدّ الثقيل بِأَنَّهُ الهاوي إِلَى أَسْفَل إِذا خلي وطباعه وَفِي جَمِيع هَذِه فَإِن الْحَرَارَة تبلغ إِلَى الْقلب وتنبعث فِي الشرايين وتنتشر لَكِن يعرض مَا يمْنَع من ذَلِك فِي بعض الْمَوَاضِع كَمَا يعرض لَو وضع الجمد عَلَيْهِ وَأما أضرارها بِالْفِعْلِ فَلَا بُد مِنْهُ. فصل فِي الحمّى الَّتِي يكون فِيهَا كل وَاحِد من الْأَمريْنِ فِي كل وَاحِد من الْمَوْضِعَيْنِ مثل هَذِه الْحمى إِن كَانَ فَإِنَّمَا يكون حَيْثُ تكون مادتان باردتان تتحركان بِسَبَب التعفن إِحْدَاهمَا فِي الْبَاطِن وَالْأُخْرَى فِي الظَّاهِر وَلَيْسَ وَلَا وَاحِدَة مِنْهُمَا كَثِيرَة فَاشِية ثمَّ إِذا أخذتا تتعفنان أرْسلت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بخاراً حاراً يطِيف بنواحيها وَحَيْثُ هُوَ فبارد وَقد علمت السَّبَب فِي تحير الْخَلْط الْبَارِد فِي حَال الْحَرَكَة فَاعْلَم جَمِيع مَا قُلْنَاهُ. فصل فِي الحمّى الغشيية الخلطية هِيَ فِي الْأَكْثَر بِسَبَب بلغم فج تخمي متفرق كثير قد قهر الْقُوَّة وَفِي الْأَكْثَر يعين غائلتها ضعف فِي الْمعدة إِذا تحرّك وَأخذ فِي العفنة قهر الْقُوَّة أَكثر وَجعلهَا متحيرة إِن تركت والمادة لم تف بهَا وَإِن اشْتغل باستفراغها بِرِفْق عَصَتْ أَو تحركت حَرَكَة خانقة للقوة وَإِن اشْتغل باستفراغها بإسهال أَو فصد بالعنف لم تحْتَمل الْقُوَّة وَكَيف تدَمل وَهُنَاكَ مَعَ سكونها غشي وَمَعَ هَذَا كُله فَإِن حَاجتهم إِلَى الاستفراغ شَدِيدَة وَأَيْضًا فَإِن حَاجتهم إِلَى الْغذَاء شَدِيدَة لِأَن أخلاطهم لَيْسَ فِيهَا مَا يغفو الْبدن فينعشه وَالْبدن عادم للغذاء فَإِن تكلّف التغذية زَادَت الْمَادَّة الباهضة وَإِن لم يغذ سَقَطت الْقُوَّة ويعرض فِي ابتدائها أَن ينصبّ إِلَى الْقلب شَيْء بَارِد يحدث الغشي فيصغر النبض ويبطؤ ويتفاوت ثمَّ أَن الطبيعة تجتهد فِي تسخين الْمَادَّة تلطيفها. والعفونة الَّتِي حركت بعض أَجْزَائِهِ تعين عَلَيْهِ فيتخلص الْقلب من ضَرَر برده وَيَقَع فِي ضَرَر حره فَيصير النبض
стр. 1613
سَرِيعا وخصوصاً فِي انقباضه أَكثر من سرعَة غَيره على أَن الْغَالِب مَعَ ذَلِك صغر وبطء وتفاوت ودورها دور البلغمية لَا يحلّ قلادها وَيكثر مَعهَا تهيّج الْوَجْه وتربّل الْبدن وألوان أَصْحَابهَا لَا تَسْتَقِر على حَال بل قد تكون مائية ورصاصية وَرُبمَا صَارَت صفراء وَرُبمَا صَار سَوْدَاء وَرُبمَا صَارَت شفاههم كشفاه آكل التوت. وَأما عين صَاحبهَا فكمدة خضرًا يجحظ جدا عِنْد الهيجان من الْعلَّة وَيصير كالمخنوق وَمَا تَحت الشراسيف مِنْهُ شَدِيد الانتفاخ. وَكَذَلِكَ أحشاؤه وَرُبمَا تقيأ حامضاً وَإِذا كَانَ بِهِ ورم فِي بعض الأحشاء فَلَا يُرْجَى الْبَتَّةَ وَقد تعرض هَذِه الْحمى أَيْضا فِي الْأَوْقَات من الصَّفْرَاء الْغَالِبَة الغليظة وَتَكون مَعهَا حرقة فِي الأحشاء وتتقيأ مرَارًا وَيكون لَهَا أدوار البلغمية فِي الْأَكْثَر. فصل فِي الْحمى الغشيية الدقيقة الرقيقة هَذِه حمّى حادة تسْقط النبض وَالْقُوَّة فِي نوبَة وَاحِدَة أَو نوبتين مَعَ تربّل ذَوَباني يحدث فِي الحرّ بِسُرْعَة وَرُبمَا لم تقف مَعهَا الْقُوَّة إِلَى الرَّابِع وَيكون من كيموسات وأكثرها صفراوية شَدِيدَة الرقة والغوص رَدِيئَة الْجَوْهَر سميَّة قد عرض لَهَا التعفن فِي أبدان حارة المزاج يابسة جدا وَأكْثر نَوَائِب هَذِه الحميات غب. فصل فِي الْحمى النهارية والليلية من البلغمية النهارية هِيَ الَّتِي نوائبها تعرض نَهَارا وفتراتها لَيْلًا والليلية بِالْعَكْسِ وَكِلَاهُمَا رَدِيء والنهارية أطول وأردأ يُوقع كثيرا لطولها ولعروضها فِي حر النَّهَار فِي دق وَلَوْلَا أَنَّهَا خبيثة لم تكن لتعرض وَقت انفتاح المسام وتحلّل البخار وَلنْ تعرض إِلَّا لِكَثْرَة الْمَادَّة وقوّتها وَيحْتَاج مَعَ ذَلِك إِلَى أَن يغفو صَاحبهَا لَيْلًا وَلَا يتْرك أَن ينَام على امتلاء معدته ويكلف السهر وَهُوَ مِمَّا يسْقط الْقُوَّة ومقاساة الْحمى فِي حرّ النَّهَار والسهر فِي برد اللَّيْل مِمَّا بالحري أَن يُوقع فِي الدق وَبِالْجُمْلَةِ فَهِيَ من جملَة الحمّيات الْعسرَة. علاج البلغمية: إِن علاج هَذِه الْعلَّة قد تخْتَلف بِحَسب أَوْقَاتهَا أَعنِي الإبتداء والإنتهاء والإنحطاط وبحسب ظُهُور النضج فِيهَا وخفائه وتختلف بِحَسب موادها أَعنِي البلغمية الحامضة والبلغمية الزجاجية والبلغمية المالحة والحلوة وَجَمِيع أصنافها تشترك فِي وَقت الِابْتِدَاء فِي ثَلَاثَة أَشْيَاء: فِي وجوب التليين المعتدل والقيء وَفِي وجوب اسْتِعْمَال الملطّفات والمقطّعات والمدرّات. وَكلما يَأْتِي على الحمّى ثَلَاثَة أَيَّام ترق فِيهَا الْمَادَّة بِسَبَب الْحمى وَقبل ذَلِك تحرّك وتؤذي وَلَا تفعل شَيْئا وَفِي الِاسْتِظْهَار بتلطيف التَّدْبِير على الِاعْتِدَال وَرُبمَا اقتُصر على مَاء الشّعير فِي الثَّلَاثَة الْأَيَّام الأول رَجَاء أَن يكون مُنْتَهَاهَا أقرب إِمَّا لرقة الْمَادَّة أَو لقلّتها وَلَو علم يَقِينا أَن مُنْتَهَاهَا متباطىء لم يلطف التَّدْبِير.
стр. 1614
على أَن الْجُوع وَالنَّوْم على الْجُوع والرياضة عَلَيْهِ إِن لم يضعف غَايَة فِي الْمَنْفَعَة من هَذَا الْمَرَض بل يمال فِي الِابْتِدَاء إِلَى التَّغْلِيظ إِلَى السَّابِع ثمَّ يدرج لَكِن الِاسْتِظْهَار يُوجب أَن يلطف التَّدْبِير أَولا فَإِن ظهر أَن الْمُنْتَهى بعيد أمكن أَن يتلاقى ذَلِك بتغليظ التَّدْبِير ثمَّ يدرج إِلَى وَقت الْمُنْتَهى لِأَن الزَّمَان مُمكن من ذَلِك فِي هَذِه الْعلَّة غير مُمكن فِي الحادة وَإِذا جَاوز السَّابِع فَلَا يقيمن على التلطيف فَإِن ذَلِك يضعف وَيزِيد فِي ضعف فَم الْمعدة وَكلما أحسست بطول أَكثر لطّفت أقلّ على أَن تلطيفه فِيهَا أوجب مَا يجب فِي الرّبع وَكَذَلِكَ يجب أَن لَا يسْرع سقيه مثل مَاء الْفروج وَالْخبْز مَعَ المزورات إِلَّا أَن يخَاف الضعْف أَو يظْهر الانحطاط ثمَّ يخْتَلف مَا كَانَ سَببه المالح أَو الحلو وَمَا كَانَ سَببه الزجاجي أَو الحامض فَتكون مِنْهُ حمّى قروموديوس الزمهريرية الَّتِي لَا يسخن الْبدن فِيهَا على أَن الْأَوَّلين يحْتَاج فيهمَا إِلَى تليين بدواء لين وَإِلَى تبريد مَا. وَفِي الثانيتين بدواء أعنف والأوليان يحْتَاج فيهمَا إِلَى تقطِيع بالملطّفات المقطّعات الَّتِي فِيهَا تسخين غير كثير وَإِن كَانَ تجفيف كثير وَفِي الثانيتين يحْتَاج إِلَى مَا يلطّف بتسخين وتقطُع بحرافة وخصوصاً إِذا كَانَ البلغم مختلطاً بِالسَّوْدَاءِ فَلَا بُد فِي مثله من مثل الكمّوني ومعجون الكبريت وَاسْتِعْمَال المملّحات وأوفق الْأَدْوِيَة الَّتِي تسْتَعْمل فِي الِابْتِدَاء الجلنجبين إِلَى الْيَوْم السَّابِع وَلَا بَأْس بِأَن يسْتَعْمل أَيْضا مَاء الرازيانج وَمَاء الهندبا وَمَاء الكرفس مَعَ المجلنجبين بِحَسب الْحَاجة والسكنجبينُ شَدِيد الْمَنْفَعَة أَيْضا وَمَاء الْعَسَل بالزوفا وَقد يُمكن أَن يبلغ بِهِ مَا يُرَاد من تليين الطبيعة وخصوصاً المسهل الْمُتَّخذ من السكر والورد الْأَحْمَر الْمَعْرُوف بالفارسي فَإِنَّهُ مسهل ملين وَإِذا احْتِيجَ إِلَى أَن يُقَوي تليينه مُرِس فِي مَاء اللبلابَ وخُلِط بِهِ إِن أُرِيد الْخِيَار شنبر والفانيذ وَأَيْضًا الجلنجبين الْمُتَّخذ بِعَسَل الترنجبين مدوفاً فِي مَاء اللبلاب وَلَا تلح عَلَيْهِ بالمسهلات فِي الِابْتِدَاء وَبعده وخصوصاً إِذا كَانَت مَعَ الْمَادَّة صفراء فَإِن ذَلِك يُؤَدِّي إِلَى فَسَاد المزاج وَكثير من النَّاس يسقون فِي الِابْتِدَاء مثل دَوَاء التربد فِي كل لَيْلَة وَمثل حب المصطكى فِي كل أُسْبُوع مرَّتَيْنِ وَمثل نُسْخَة دَوَاء التربد: يُؤْخَذ زنجبيل ومصطكي من كل وَاحِد عشرَة تَرَبد عشرُون سكر طبرزد مثل الْجَمِيع يسقى كل لَيْلَة مِثْقَال وَذَلِكَ إِذا كَانَت الطبيعة غير لينَة وَإِن كَانَت تجيب كل يَوْم مرَّتَيْنِ لم تحتج إِلَى ذَلِك وَأما أَنا فَلَا أحب إِلَّا انْتِظَار النضج والتليين بِمَا ذَكرْنَاهُ أَولا لَا بل يجب أَن يستفرغ مِنْهُ شَيْء ويصبر بِالْبَاقِي إِلَى النضج وَيكون ذَلِك بِرِفْق وقليلاً قَلِيلا من غير إحجاف. ثمَّ أقبل على المدرات وَذَلِكَ أكره مَا يشبه مَاء الإجاص وَالتَّمْر الْهِنْدِيّ وَنَحْوهمَا مِمَّا يضعف الْمعدة ويسهل الرَّقِيق وَإِن كَانَت الْمَادَّة إِلَى زِيَادَة برد خُلِط بِهِ لت القرطم وَإِن كَانَت الْمَادَّة إِلَى الصفراوية خُلِط بِهِ شراب البنفسج أَو البنفسج المربى أَو
стр. 1615
الشيرخُشْت أَو البنفسج الْيَابِس مسحوقاً واستعن بالحقن اللينة المتخذة من الْعَسَل وَالْملح وَمَاء السلق ودهن الْخلّ والقيء بِمَاء الفجل والفجل المنقوع فِي السكنجبين الْبزورِي وَنَحْوه وَإِن احْتِيجَ إِلَى قيء أَكثر لِكَثْرَة مَا يَعْتَرِيه من الغثيان وَتغَير طعم الْفَم اسْتعْمل حب الفجل وَشرب مِنْهُ إِلَى مِثْقَال بِالْمَاءِ الْبَارِد والقيء مَعَ مَا فِيهِ من إضعاف الْمعدة شَدِيد الْمَنْفَعَة جدا وَهُوَ قالع لهَذِهِ الْعلَّة وَيجب أَن ينْتَظر بِهِ السَّابِع لِئَلَّا يَقع مِنْهُ فِي الأول عنف يورم الْمعدة وَإِن تعذر عَلَيْهِ الْقَيْء لم تجبره عَلَيْهِ بالعنف وَإِن اعتراه قذف وخصوصاً فِي ابْتِدَاء الدّور لم يحبس إِلَّا أَن يحجف ويضعف فَحِينَئِذٍ يحبس بِمثل الميبة وشراب النعناع وَمَا نذكرهُ من بعد وَإِن عرض صداع اسْتعْملت النطولات البابونجية مَعَ إرْسَال الْأَطْرَاف الْأَرْبَعَة فِي المَاء الْحَار وَشد السَّاقَيْن بِالْقُوَّةِ وَإِن احْتِيجَ إِلَى مَاء الشّعير اسْتعْمل مِنْهُ الْمَطْبُوخ بالأصول مِقْدَارًا معتدلاً أَو خلط بِهِ سكنجبين الْعَسَل إِن لم يحمض فِي الْمعدة أَو مَاء الْعَسَل إِن حمض وَأولى وَقت سقِِي فِيهِ ذَلِك أَن يكون فِي مَائه فِي أول الْأَمر انصباغ فَيجب أَن يسقى أَولا الجلنجبين ثمَّ يسقى بعد بساعتين مَاء الشّعير وَلَا يجب أَن يمرخ بالمروخات المحللة وَلَا ينطل بالنطولات الملطفة إِذا كَانَت الْعلَّة فِي الإبتداء وَكَانَ فِي الْبدن خلط جوّال فَإِنَّهَا ترخي الأحشاء بتسخينها الرطب وتجتنب المَاء الْبَارِد. وَكلما رَأَيْت الْبَوْل أغْلظ وأحمر فَلَا بَأْس بِأَن تفصموا الْوَاجِب أَن تفزع حِينَئِذٍ إِلَى السكنجبينات وَاعْلَم أَن الدَّلْك من المعالجات النافعة لَهُم وَكلما كَانَ البلغم ألزج وَأَغْلظ كَانَ الدَّلْك أَنْفَع وَقيل أَن الدَّلْك بنسج العنكبوت مَعَ الزَّيْت نَافِع جدا لَا سِيمَا إِذا ديف نسج العنكبوت فِي دهن الْورْد المفتَّر وتُمرخ الأنامل وأصابع الرجل بذلك فَإِنَّهُ نَافِع جدا وَهَذَا مَا جربناه مرَارًا إِذا أخذت الْعلَّة فِي التزايد. وَبعد ذْلك فَلْيَكُن أَكثر عنايتك بِفَم الْمعدة وَمَا يقويه والمضوغات المتخذة من النعناع والمصطكي والأنيسون وَاسْتِعْمَال الْقَيْء على مَا ذكرنَا بالفجل مَعَ تقليل الْغذَاء وَيكون الجلنجبين الَّذِي تسقيه حِينَئِذٍ وَبعد السَّابِع مخلوطاً بِهِ مَا يقوّي فَم الْمعدة وَيكون فِيهِ إدرار كثير مثل الأنيسون والمصطكى وَيكون بِالْمَاءِ الْحَار وخصوصاً فِي ابْتِدَاء الدّور فَإِنَّهُ يُقَاوم النافض وَالْبرد ويطفىء مَعَ ذَلِك الْعَطش إِن كَانَ يهيج وَكَثِيرًا مَا رخص فِي استفراغ البلغم والخام فِي هَذَا الْوَقْت وَالْأولَى أَن ينْتَظر بِهِ تَمام النضج. وَإِذا كَانَت الْعلَّة تَأْخُذ بالجد وتلح انْتفع بِهَذَا القرص. ونسخته: يُؤْخَذ إهليلج أصفر وصبر وعصارة غافت وعصارة الأفسنتين من كل وَاحِد خَمْسَة دَرَاهِم زعفران ومصطكي من كل وَاحِد سِتَّة دَرَاهِم يقرّض ويسقى مِنْهُ كل يَوْم وزن دِرْهَم وكل لَيْلَة وزن نصف دِرْهَم فَإِذا رَأَيْت النضج يظْهر أعنته بِمثل ورق الكرفس والرازيانج وأصول الأذخر وبرشاوشان. وَإِن علم أَن الْمَادَّة بَارِدَة جدا لم يكن بَأْس بِاسْتِعْمَال الفلفل الْيَسِير وباستعمال الشَّرَاب الرَّقِيق قَلِيلا غير كثير وَقد تعين المروخات المحللة على الإنضاج والتحليل بِقُوَّة قَوِيَّة.
следующие страницы →