← Адаб

Адаб · id 10710

رسائل المقريزي

المقريزي

Полный текст (348 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

.............. .... سليمان «١» بن عبد الملك بن مروان حج فأتى الطائف، فوجد ريح النّدع، فكتب إلى والى الطائف: «انظر لى عسلا من عسل الندغ والسّحاء، أخضر في السّقاء، أبيض في الإناء، من حدب بنى شبابة» ، ويقال: حداب بنى شبابة من فهم بن مالك بن الأزد، وليسوا من عدوان «٢» وحداب بنى شبابة أكثر أرض العرب عسلا وعنبا، وتينا وربّى «٣» . واليمن: كلّها أرض عسل. ويقال: إن عسل النّدغ إذا كان في السّقاء، فنظرت إليه رأيته كأنه اللبن المذرّح «٤» ، فإذا أخرجت منه شيئا فجعلته في إناء أبيض، وكذلك جميع العسل إذا كان كثيرا في وعاء رأيته أخضر، فإذا أخرجت منه شيئا تبّين لونه إن كان أحمر، أو أصفر، أو غيره. والمذرّح: الذى كثر عليه الماء. فإذا كثر عليه الماء أخضرّ وأصفى عسل العرب: عسل الشّيعة «٥» ، وهى شجيرة لها نور ذكىّ. وعسل الضّرم «٦» لونه كلون الماء، وهو أجود عسلهم. والضّرم أبيض اللون، ونباته شبيه بنبات النّدغ. ومن عسل العرب المذخ، ونحله تجرس رمّان البرّ الذى يقال له: «المظّ» ، فإن جلّناره كثير العسل. والعسل الصعترى، معروف وهو أشد العسل حروفة، وأرقّه. وكذلك العسل اللّوزى معروف، وليس من عسل أرض العرب، وهو من أشد

стр. 282

العسل اعتدالا، وفيه رائحة نور اللّوز، وأكثر ما كان يؤتى به من بلاد الجزيرة. وكل نبات كثر ببلاد فيها نحل، فإن الغالب على عسلها عسل ذلك الشجر، وإذا اختلف نباتها لم يغلب على عسلها نبت بعينه. وقد يصير العسل مرا إذا جرست نحله النور المرّ كعسل الأفسنتين «١» ، وليس من نبات بلاد العرب، وفي عسله مرارة. وعسل السّدر «٢» قليل الحلاوة، قليل المتانة. ومن كلّ الشّجر تجرس النّحل، إلّا أن تكون شجرة خبيثة الرائحة زهمة، أو ذات سمّ، فإنها لا تقرب من ذلك شيئا. وأجود العسل عند العلماء به: ما طاب ريحه، وعذب طعمه، وصدقت حلاوته، ومتن حتى إذا مددته امتدّ، وخلته لون الذهب، فإذا قطر على الأرض استدار واجتمع إلى نفسه؛ فإذا وعى العسل فى الجرار علا أرقّه، وسفل أمتنه وأجوده. وأمّا ما اسودّ من العسل فإنّه ردىء، ما لم يكن سواده من تقادم فإن العسل إذا تقادم مال إلى السّواد، ونقصت حلاوته. وإذا كان العسل متينا صلبا فهو ضرب، وكذلك الشهد، يقال: «استضرب العسل إذا صلب واشتد» . وقد يبلغ من شدة العسل في بعض البلاد أن يكسر الشّهد كسرا، والعسل المتقادم الشديد كله يستضرب. ويقال للعسل المتين: «حميت» ، ويقال للعسل الشديد: «جلس» ويقال لما رقّ من العسل: «وديس» . فصل: فى ماهية العسل ذكر القدماء من الحكماء أن العسل طلّ خفىّ يقع على الزّهر، وعلى غيره فيلقطه النّحل، وذكر أنّ هذا الطّل بخار بتصاعده، فيستحيل في تصاعده،

стр. 283

وينضج في الجوّ فيستحيل أيضا، ويغلظ في اللّيل فيقع عسلا، إلا أنّه يختلف في وقوعه إلى الأرض، فمنه ما يقع عسلا كما هو في بعض الجبال. ومنه ما يقع على الأشجار والحجارة. وهذا القسم يختلف بحسب ما يقع عليّه، فما ظهر منه لقطه الناس وما خفى منه تلتقطه النحل. وتتصرف النحل فيما تلقطه منه تأثير، فإنه يلقطه ليغتذى به، وليدخره. وذكر أرسطو أن غذاء النحل من الفضول الحلوة، والرّطوبات، يرشح بها الزّهر والورق، فتجمع ذلك كله، وتدخره، وهو العسل؛ وتجمع مع ذلك رطوبات دسمة تتخذ منها بيوت العسل، وهذه الدسومات هى الشمع، وهى تلقطها بخراطيمها، وتحملها على فخذيها، وتنقلها من فخذيها إلى صلبها. وقال الكواشى «١» فى «تفسيره» : إن العسل ينزل من السماء فيثبت في أماكن، فتأتى النحل فتشربه، ثم تأتى الخلية فتلقيه في الشمع المهيأ للعسل في الخلية، لا كما يتوهّم بعض النّاس أنّ العسل من فضلات الغذاء، وأنه قد استحال فى المعدة عسلا. ومن العسل جنس سمّى، من شمّه ذهب عقله، فكيف من أكله. [فوائد العسل] أجود العسل: الصادق الحلاوة، الطيب الرائحة، مع ميل إلى الحرافة «٢» والحمرة، والمتانة، وأن يكون لزجا لا يتقطع، وأن يجنى في الربيع. وأردؤه: ما قطف في الشتاء. وطبع عسل النحل: حار يابس في الثانية، فيه قوة جالبة، مفتّحة لأفواه العروق، لجلبه الرّطوبات من قعر البدن. وهو يمنع العفونة والفساد من اللّحم. وإذا لطّخ به البدن منع القمل، والصئبان، وقتلها.

стр. 284

وإذا أضيف إليه القسط «١» ، ولطّخ على الكلف «٢» أزاله. وإذا عمل في ملح ودهن على آثار الضّربة التى لونها كلون الباذنجان أزالها. وهو ينقّى القروح الوسخة؛ وإذا طبخ حتى يغلظ فإنه يبرئ الجراحات الطرّية. وإذا لطّخ مع الشّبت أبرأ القوابى «٣» . وإذا خلط بالملح الذرآنى «٤» ، وقطّر في الأذن نقّاها، وجفّف قروحها، وقوى به السّمع. الاكتحال به يجلو ظلمة البصر. والتحنك «٥» والغرغرة به يبرئ الخوانيق «٦» واللّوزتين. والعسل يقوّى المعدة، ويشهّى الطعام، ويليّن البطن إن وجد حركة وقلّة استعداد من الغذاء للنّفوذ، فإن تمكن من تنفيذ الغذاء عقل. وإن شرب مسخّنا بدهن ورد نفع من نهش الهوام، ومن شرب الأفيون. ولعقه يعالج به عضّة الكلب الكلب «٧» . ويحفظ الميت إذا وضع فيه دائما. ويحفظ اللّحم ثلاثة أشهر والفاكهة ستة

стр. 285

أشهر، إذا وضعا فيه. فصل في تكريم النحل من خلال تنويه الله تعالى بذكرها في القرآن (فصل) وكفى للنّحل شرفا تنويه الله تعالى بذكرها في محكم كتابه العزيز، حيث قال: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ. ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «١» . «أوحى» : معناه ألهم. أى خلق في أنفس النّحل ابتداء من غير سبب ظاهر قوة بها تدرك منافعها، وتجتنب مضارّها، وتحسن تدبير معاشها، لم يدر مخلوق ما تلك القوة، وإن شارك النّحل فيها كثير من الحيوان، فإنّ لها عليهم مزيّة اختصاص بأنه تعالى عبّر عن إلهامها بالوحى تشريفا لها بخلاف غيرها، فإنّه تعالى قال: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها. فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها «٢» . وقال ... رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى «٣» فدخلت النّحلة في هذا العموم، وامتازت بأن صارت مما أوحى الله إليها، وأثنى عليها، فعلمت مساقط الأنوار من وراء البيداء، فتقع هناك بروضة عبقة، وزهرة أنقة، ثم يصدر عنها ما تحفظه رضابا وتلفظه شرابا. وقال الزجّاج «٤» : «سمّيت نحلا؛ لأن الله تعالى نحل الناس العسل الذى يخرج منها، إذ النّحلة: العطية» «٥» . وذكر في كتاب «عجائب المخلوقات» «٦» : «إنّ يوم عيد الفطر يقال له: يوم الرحمة؛ إذ فيه أوحى ربك إلى النحل صنعه» .

стр. 286

بيوت النّحل وقد جعل الله تعالى بيوت النّحل ثلاثة أنواع: إمّا في الجبال وكواها، وإمّا في الخشب المنحوت من الشّجر أو المجوّف منها، وإمّا فيما يعرش الإنسان، أى يهيئ من الخلايا ونحوها لقوله تعالى: وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي الآية، فقرأ ابن عامر «١» : «يعرشون» بضم الراء، وقرأ الباقون- بكسرها- إلا عاصما، فإنه اختلف عنهم فروى الوجهان جميعا «٢» . وأصل العرش: السّرير المتخذ للملك، ثم استعير لغيره، فأطلق العرش على البيت، وجمعه: عروش. وعرش البيت: سقفه، والعرش: الخيمة، والجمع: أعراش وعروش. وعرش العرش يعرشه- بكسر الراء وضمها- عرشا: عمله، وعرش الرّجل: قوام أمره. وثلّ عرشه: هدم ما هو عليه من قوام أمره «٣» . والعرش: المنزل، وجمعه: عرش. والعرش والعريش: ما يستظل به، وجمعه: عروش. وعرش البئر والرّكية «٤» يعرشها عرشا: طواها من أسفلها بالحجارة، ثم طوى سائرها بالخشب، فالطىّ بالحجارة فقط. والعرش: ما عرشها به من الخشب، وجمعه: عروش. وعرش الكرم: ما دعّم به من الخشب. يقال: عرش الكرم يعرشه عرشا وعروشا: عمل له عرشا. فلا يوجد للنّحل في غير هذه الثلاثة. وأكثر بيوتها في الجبال، ثم في الأشجار، ثم فيما يعرش الناس، وهى أقل بيوتها، وأباح تعالى للنحل أكل ما شاءت من الأشجار بقوله عزّ من قائل: ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ... «٥» فقوله: مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ المراد:

стр. 287

«بعضها» كقوله تعالى ... وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ... «١» يريد به «البعض» ؛ والسّبل: الطرق، واحدها: سبيل، وأضافها سبحانه إليه؛ لأنه الذى خلقها وقد أذن النّحل في سلوكها، أى تدخل طرق ربّها لطلب الرّزق في الجبال، وخلال الشّجر. وذلّل لها الطرق: أى سهّلها، تقول: «سبيل مذلّل» : أى سهل سلوكه، وقد يكون (ذللا) : حالا من النّحل، أى تنقاد، وتذهب حيث شاء صاحبها، وذلك أنها تتبع أصحابها حيث ذهبوا، وتقف موقف يعسوبها، وتسير بمسيرة «٢» . و (ذللا) جمع ذلول وهو المنقاد: أى المطيع. ثم عدّد تعالى على خلقه ما أنعم به عليهم من العسل الذى يخرج من النّحل، فإن في خروجه منها عبرة، فقال سبحانه: ... يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ ... يعنى: العسل، فإنه من أفواه النّحل، لدلالة القرآن على أنها ترعى الزّهر، فيستحيل في أجوافها عسلا، ثم تلقيه من أفواهها فيجتمع منه القناطير المقنطرة. روى عن علىّ بن أبى طالب- رضى الله عنه- أنّه قال- وقد حقّر الدنيا: «أشرف لباسها لعاب دودة، وأشرف شرابها رجيع نحلة» ، وفي رواية: «إنما الدنيا ستة أشياء: مطعوم، ومشروب، وملبوس، ومركوب، ومنكوح، ومشموم؛ فأشرف المطعوم: العسل، وهو مذقة ذباب. وأشرف المشروب: الماء، ويستوى فيه البرّ والفاجر. وأشرف الملبوس: الحرير، وهو نسج دودة. وأشرف المركوب: الفرس، وعليها تقاتل الرجال. وأشرف المشمومات: المسك، وهو دم حيوان. وأشرف المنكوحات: فرج المرأة، وهو ميال» «٣» فقال قوم: «هذا يدل على خروج العسل من غير أفواه النحل» . وقال قوم: «لا ندرى أيخرج من أفواهها أو من أسافلها، غير أنّه لا يتم

стр. 288

صلاحه إلّا بحمى أنفاسها» «١» . وقد صنع بعض قدماء الفلاسفة بيتا من زجاج ليرى كيف تصنع النحلة العسل، وتضعه في بيوته من الشمع، بعد ما أدخلها في البيت؛ فلطّخت النحلة باطن الزّجاج بطين حتى لم يرها. وقال تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها ؛ لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن. ثم عدّد تعالى أنواع العسل الذى أنعم به على عباده، فقال: مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ يعنى من الأحمر، والأبيض، والجامد، والسائل؛ ليتذكروا قدرته سبحانه على الإيجاد والاختراع، فإن الأصل واحد، وما يكون عنه مختلف بسبب وقوع تنوّع غذائه، كما قد اختلف أيضا طعمه بحسب مراعى النّحل. ثم وصف تعالى هذا الخارج من النّحل بصفة شريفة، وهى (الشفاء) الذى أودعه فيه، فقال تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ، والجمهور على أن الضّمير عائد إلى العسل. واحتج من ذهب إلى ذلك، بأن مساق الكلام للعسل، وبقوله ﷺ : «صدق الله وكذب بطن أخيك» «٢» يريد ﵊ قوله تعالى: ... يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ... ، وهو العسل؛ وهذا تصريح منه- ﵊ بأن الضمير في قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ يعود إلى الشراب الذى هو العسل، وهو الصحيح «٣» . وبه قال عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس،

стр. 289

والحسن، وقتادة «١» . وروى عن مجاهد، والضحّاك، والفرّاء «٢» ، وابن كيسان «٣» أن الضمير عائد على (القرآن) أى: «في القرآن شفاء للناس» ، وهو ضعيف «٤» لمخالفته ظاهر القرآن، وصريح حديث المشتكى بطنه. وقال النحاس «٥» : «أى فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاء للناس» . وزعم بعض غلاة الشّيعة: أن هذه الآية يراد بها آل البيت ﵈، وأن الشّراب: القرآن والحكمة، والنّحل المذكور في الآية: هم آل البيت «٦» ، ورووا حديثا أن النّبىّ ﷺ قال لعلى- رضى الله عنه: «أنت يعسوب المؤمنين، والمال

стр. 290

يعسوب الكفار» «١» ، وفي رواية: «والمال يعسوب الظلمة» «٢» ، وفي رواية: «والمال يعسوب المنافقين» «٣» . ومعنى يعسوب المؤمنين: أى كبير المؤمنين الذين يلوذون بك، وإليك ينقادون «٤» والكفار والظّلمة والمنافقون إنما يلوذون بالمال كما تلوذ النحل بيعسوبها؛ ولذلك قالوا: «علىّ أمير النحل» وقد اختلف في قوله تعالى: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ هل هو على عمومه، أم لا؟ فذهب قوم إلى أنّه عام في كل حال، ولكل أحد؛ فعن عبد الله بن عمر- رضى الله عنهما- أنه كان لا يشكو قرحة ولا شيئا إلّا جعل عليه عسلا، حتى الدمّل إذا خرج به طلى عليه عسلا «٥» . وعن أبى وجرة عوف بن مالك «٦» بن أبى عوف الأشجعى أنّه كان يكتحل بالعسل، ويداوى به كلّ سقم. ومرض عوف بن مالك هذا، فقيل له: «ألا نعالجك؟» فقال: «ايتونى بماء» فإن الله تعالى يقول:

стр. 291

وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «١» ثم قال: «ايتونى بعسل» فإن الله تعالى يقول: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ ، وائتونى بزيت، فإن الله تعالى يقول: ... مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ... «٢» فجاءه بذلك فخلطه، ثم شربه فبرئ. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خيثمة عن الأسود، قال: قال عبد الله: «عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» «٣» . حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبى إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور» «٤» . وذهب آخرون إلى أنه ليس بعام في كل علّة «٥» ، وكلّ إنسان، وإنما هو خبر بأنه يشفى كما يشفى غيره من الأدوية بعض الأمراض، لا كلها. واحتجوا لذلك بأن «شفاء» نكرة في سياق الإثبات، ولا عموم فيها باتفاق أهل العربية. والتحقيق: أنّ من قوى يقينه، وصدق عزمه، لثبات قدمه ورسوخها في التصديق، فإنه يشفى بالعسل في كل جميع الأدواء، ويبرئ به الله على يديه سائر الأمراض، وأما من ضعف يقينه، وكان في شكّ، وتردد بين ما جاء به القرآن، وما ذكره الأطباء، فإنّه موكول إلى ما تعلّق به. وقد اعترض على من قال بعموم منافع العسل «٦» : أنه يضرّ بعض الناس كمن عنده صفراء محترقة، فإنه إذا شرب العسل عظمت مضرّته، أجيب: بأنه قد تقرر

стр. 292

بأن ما من شىء، وإن جلّت منفعته، كالماء «١» الذى منه حياة كل حيوان ونبات، إلا وفيه مضرّة ما، وما من شىء وإن عظمت مضرّته كالأفعى ونحوها إلّا وفيه منفعة، فالحكم للغالب، فما غلبت منفعته مضرته قيل فيه: نافع بإطلاق، وما غلبت مضرته منفعته قيل فيه: ضار بإطلاق. ولا ريب عند الأطباء وغيرهم في عموم منفعة العسل، والتّداوى به في أكثر الأمراض، ومدحه لا سيما ما ركّب منه: كالسّكنجبين «٢» والمعاجين، فإنّ أصلها العسل، ولا يغرنّك ما ألفته من استعمال ما ذكرنا بالسّكر دون العسل، فإنه أمر محدث لا تكاد تجده في كتب قدماء أطباء الإسلام، فضلا عن أطباء اليونان ومن قبلهم، وأنت تعرف صحة ذلك إن كنت ممن تمهّر في الطب. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ أمر من يشتكى بطنه بشرب العسل، فلما أخبره أخو المشتكى بأنه لم يزده إلا استطلاقا أمره ﷺ بمعاودة شربه، إلى أن قال ﷺ : «صدق الله، وكذب بطن أخيك» . فاعترض بعض من في قلبه شك بأن الأطباء قد أجمعوا على أن العسل يسهل، فكيف يوصف لمن به إسهال؟، وأجيب بالمنع، فقد نص علماء الطب كمحمد بن زكريا الرازى «٣» ، والرئيس أبى على بن سينا «٤» ، ومن قبلهما جالينوس «٥» فى آخرين، بأن العسل وإن كان يجذب الرّطوبات من قعر البدن، ويليّن الطبيعة، وإن كان الاستعداد من الغذاء في النفود قليلا أطلق. هذا هو التحقيق في ذلك. فتبين أن العسل ليس بمسهل على كل حال، وأن حكاية الإجماع غير صحيحه، فمن الأطباء من ذلك سوى من ذكرنا. وأجاب بعضهم: بأنّ الإسهال المذكور كان عن امتلاء وهيضة، فناسبه شراب العسل ليخرج ما هنالك منها حتى يذهب

стр. 293

الامتلاء «١» ، وقد أغنانا الله، وله الحمد، بما أنزله في كتابه، وما صحّ من حديث نبيه محمد ﷺ عن أقوال الأطباء التى لا تكاد أدلتها تصحّ، إذ غايتها أن تكون إقناعيّة. هذا لو كان قول الأطباء فيه ما يخالف ذلك، وأما ما كان موافقا فماذا بعد الحق إلّا الضلال. وأوع سمعك فائدة جليلة، وهى أن الطبّ النبوى جميعه قسمان: أحدهما: ما كان من عادة العرب العلاج والتّداوى به. الثانى: ما جاء بوحى إلهى. فالأول: قسم من أقسام الطب. والثانى: لا يصح تأثيره إلا مع قوة إيمانية، ويقين صادق، وإلا فلا منفعة له، فإنه إذا اقترن به ما شرطناه، لأنجع دواء، وأسرع شفاء، فطالما استشفى وشفى أهل الله «٢» ، وخاصته بآية من القرآن، وبلعقه من عسل، أدواء يعجز عنها حذاق الأطباء ... وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ*.

стр. 294

[فصل في نهي النبي عن قتل أربع من الدواب ومنها النحلة] (فصل) خرج أبو داود في «سننه» من حديث عبد الله بن عباس- رضى الله عنهما- أن النبى ﷺ نهى عن قتل أربع من الدّواب: الهدهد، والصّرد «١» ، والنملة، والنحلة» «٢» . وكره مجاهد قتل النحل. وقال في «الإبانة» «٣» : «يكره قتلها» وروى الحكيم أبو عبد الله محمد بن على الترمذى «٤» فى كتاب «نوادر الأصول» «٥» من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبى ﷺ أنه قال: «إنّ الزّنابير كلّها في النّار، يجعلها الله عذابا لأهل النار، إلا النّحل» » ، وقال أبو يعلى «٧» الموصلى: حدثنا شيبان «٨» بن فروخ، حدثنا سكين «٩» بن عبد العزيز، عن أبيه أنس بن مالك-

стр. 295

رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «عمر الذّباب أربعون ليلة، والذّباب كلّه في النّار إلا النّحل» «١» . وحدثنا الحسن بن عمر بن شقيق، حدثنا إسماعيل «٢» ، عن الأعمش «٣» ، عن مجاهد، عن ابن عمر- رضى الله عنهما- عن النبى ﷺ قال: «الذباب كلّه في النّار إلا النّحل» «٤» ، وكان مجاهد يكره قتل النّحل. وخرّجه أبو أحمد بن عدّى «٥» فى «كتاب الكامل» من حديث عمرو بن نفيل «٦» ، عن مجاهد، عن ابن عمر- رضى الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «الذّباب كلّه في النّار إلا النّحل» «٧» . وللبخارى من حديث عائشة- رضى الله عنها- قالت: كان النبى ﷺ يعجبه الحلواء والعسل «٨» . وله من حديث جابر

стр. 296

ابن عبد الله- رضى الله عنه- سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شىء من أدويتكم، أو يكون في شىء من أدويتكم خير، ففى شرطة محجم أو شربة عسل، أو لذّعة بنار توافق الدّاء، وما أحب أن أكتوى» «١» . وله عن ابن عباس- رضى الله عنهما- عن النبى ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثة: فى شرطة محجم، أو شربة عسل، أوكيّة بنار، وأنا أنهى أمّتى عن الكىّ» «٢» . وخرجه مسلم عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كان في شىء من أدويتكم خير، ففى شرطة محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار» قال رسول الله ﷺ : «وما أحبّ أن أكتوى» «٣» . وللبخارى ومسلم من حديث أبى سعيد الخدرى- رضى الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال: إنّ أخى قد استطلق بطنه، فقال رسول الله ﷺ : «اسقه عسلا» فقال: لقد سقيته، فلم يزده إلا استطلاقا، فقال رسول الله ﷺ : «صدق الله وكذب بطن أخيك» فسقاه فبرئ. وفي لفظ مسلم أنّ رجلا أتى النبى ﷺ فقال: «إنّ أخى عرب «٤» بطنه» ، فقال: «اسقه عسلا ... » الحديث «٥» . وفي لفظ البخارى أنّ رجلا أتى النبى ﷺ فقال: «أخى يشتكى بطنه» ، فقال: «اسقه عسلا» ثم أتاه الثانية فقال: «اسقه عسلا» ، ثم أتاه الثالثة، فقال: «اسقه عسلا» ثم أتاه، فقال: «فعلت» فقال: «صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا» . فسقاه فبرئ.

стр. 297

وخرج ابن ماجه، والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشّفاءين: القرآن والعسل» «١» . ولابن ماجه من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى ﷺ قال: «من لعق العسل ثلاث غدوات كلّ شهر، لم يصبه عظيم من البلاء» «٢» . [فصل في سماع النبي ص دوي النحل عند نزول الوحي] (فصل) روى الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- فى «مسنده» ، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذى في «جامعه» ، والحاكم أبو عبد الله في «مستدركه» من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحى يسمع عنده دوىّ كدوىّ النحل، فأنزل عليه يوما، فمكثنا ساعة، ثم سرّى عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، فقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارضنا وارض عنّا، ثم قال: «أنزل علىّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنّة» ، ثم قرأ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ... «٣» الآيات، وهو حديث صحيح «٤» الإسناد. ولابن ماجه، من حديث النّعمان بن بشير أن النبى ﷺ قال: «إنّ مما تذكرون من جلال الله: التّسبيح، والتّهليل، والتّحميد، ينعطفن حول العرش، لهنّ دوىّ كدوىّ النّحل تذكّر بصاحبها، أما يحب أحدكم أن يكون له، أو لا يزال

стр. 298

له من يذكّر به» «١» وهو صحيح على شرط مسلم. وفي المستدرك عن أبى سبرة «٢» الهذلىّ، قال عبد الله بن عمرو فحدثنى حديثا عن النبى ﷺ فهمته وكتبته بيدى: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما حدث عبد الله ابن عمرو، عن محمد رسول الله ﷺ : «إن الله لا يحبّ الفاحش والمتفحش، وسوء الجار، وقطيعة الرّحم» ، ثم قال: «إنّ مثل المؤمن كمثل النّحلة وقعت فأكلت طيّبا، ثمّ سقطت ولم تفسد، ولم تكسر، ومثل المؤمن كمثل القطعة الذّهب الأحمر إذا دخلت النّار، فنفخ عليها، فلم تتغيّر ووزنت فلم تنقص» «٣» ، قال: صحيح الإسناد. وخرّج الطبرانى في «الأوسط» من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل بلال مثل النّحلة، غدت تأكل من الحلو والمرّ، ثم هو حلوّ كلّه» «٤» . روى الإمام أحمد وأبو بكر بن أبى شيبة، والطبرانى: أن رسول الله ﷺ قال: «المؤمن كالنّحلة تأكل طيّبا، وتضع طيّبا، وقعت فلم تكسر، ولم تفسد» «٥» .

стр. 299

روى البيهقى في «شعب الإيمان» من حديث مجاهد قال: صاحبت عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا هذا الحديث: «إنّ مثل المؤمن كمثل النّحلة إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكلّ شأنه منافع، وكذلك النّحلة كلّ شأنها منافع» «١» . قال ابن الأثير: «وجه المشابهة بين المؤمن والنّحلة: حذق النحل وفطنته، قلّة أذاه وخفارته، ومنفعته، وسعيه، وتنزّهه عن الأقذار، وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله، وطاعته لأميره، وأن للنّحل آفاتا تقطعه عن عمله منها الظلمة، والغيم، والريح، والدخان، والماء، والنّار، وكذلك المؤمن له آفات تفتّره عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء السّعة، ونار الهوى» «٢» . وفي مسند الدارمى «٣» عن على بن أبى طالب- كرم الله وجهه- أنه قال: «كونوا في النّاس كالنّحلة في الطير، إنه ليس في الطير شىء إلا وهو يستضعفها، ولو تعلم الطير ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها. خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم وقلوبكم، فإن للمرء ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب» «٤» . وله عن ابن عباس- رضى الله عنه- أنه سأل كعب الأحبار: «كيف تجد نعت رسول الله ﷺ ؟ فقال: نجده: محمّد بن عبد الله، يولد بمكة، ويهاجر إلى طيبة، ويكون ملكه بالشام، ليس بفحّاش ولا بصخّاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسّيئة السّيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمّادون، يحمدون الله في كلّ سرّاء

стр. 300

وضراء، يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفّون في صلاتهم كما يصفّون في قتالهم، دويّهم في مساجدهم كدوىّ النّحل يسمع مناديهم في جوّ السّماء» «١» . وقال بعض الحكماء لتلامذته: «كونوا كالنّحل في الخلايا» قالوا: «وكيف النّحل في الخلايا؟» قال: «إنها لا تترك عندها بطّالا إلّا نفته، وأقصته عن الخلية؛ لأنه يضيق المكان، ويفنى العسل، ويعلّم النشيط الكسل» «٢» . وقال الشيخ أبو حامد الغزالى في كتاب «الإحياء» «٣» : انظر إلى النّحل كيف أوحى الله إليها حتى اتّخذت من الجبال بيوتا، وكيف استخرجت من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياء، والآخر شفاء؛ ثم لو تأمّلت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار، واحترازها من النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها، وهو أكبرها شخصيا، وهو أميرها؛ ثم ما سخّر الله تعالى لأميرها من العدل والإنصاف بينها حتى أنه ليقتل منها على باب المنفذ كلّ ما وقع منها على نجاسة، لقضيت من ذلك العجب إن كنت بصيرا في نفسك، وفارغا من همّ بطنك وفرجك وشهوات نفسك، فى معاداة أقرانك، وموالاة إخوانك. ثم دع عنك جميع ذلك، وانظر إلى بنيانها من الشمع، واختيارها من جميع الأشكال الشكل المسدّس، فلا تبنى منها مستديرا، ولا مربّعا، ولا مخمسا، إلّا مسدّسا، لخاصية في شكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن درك ذلك، وهو أنّ أوسع الأشكال وأحواها: المستدير وما يقرب منه. فإنّ المربّع تخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النّحل مستدير ومستطيل، فترك المربّع حتى لا تبقى الزّوايا فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة، فإنّ الأشكال المستديرة إذا اجتمعت لم تجتمع متراصّة، ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في

стр. 301

الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذا الشكل. فانظر كيف ألهم الله تعالى هذا النّحل- على صغر جرمه- اتّخاذ هذه الأشكال المتّساوية الأضلاع بحيث لا يزيد ضلع عن ضلع ولا ينقص؛ لطفا به، وعناية بوجود ما هو محتاج إليه ليتهنّى عيشه، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع فضله وامتنانه!. وقال بعض الحكماء: «وبيوت النحل من أعجب الأشياء؛ لأنها مبنية على الشّكل الذى لا ينحرف، كأنه استنبط بقياس هندسى، ثم هو من دائرة مسدسة لا يوجد فيها اختلاف، فبذلك اتّصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة؛ وذلك أن الأشكال من الثلاثة إلى العشرة إذا جمع كلّ واحد منها إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينها فروج إلا الشكل المسدس، فإنه إذا اجتمع إلى أمثاله اتّصل كأنّه قطعة واحدة، كلّ هذا بغير قياس ولا آلة، ولا بركاز، بل ذلك من أثر صنع اللطيف الخبير، وإلهامه أيّاها» . وقال آخر: «جمع الله تعالى في النّحلة السمّ والعسل، ليكون دليلا على كمال قدرته، وأخرج منها العسل، ممزوجا بالشّمع، وكذلك عمل المؤمن ممزوج بالخوف والرجاء» . وفي «تاريخ أصبهان» «١» فى ترجمة أحمد بن الحسن، عن عمر يرفعه: «أول نعمة تقع في الأرض العسل» «٢» . ويقال في المثل: «أنحل من نحلة، وأهدى من نحلة» ويقال: «كلام كالعسل، وفعل كالأسل» .

стр. 302

[فصل اختلف أهل العلم في أكل النّحل] (فصل) اختلف أهل العلم في أكل النّحل، فأباحه بعضهم كالجراد. والمذهب تحريم «١» أكلها. وإن كان العسل الخارج منها حلالا، كالآدمية، لبنها حلال، ولحمها حرام؛ ولأن النّبى ﷺ نهى عن قتلها، وقد اختلف أيضا في بيعها، فقال أصحابنا: بيع النحل وهو في الكوّارة صحيح «٢» إن رئى جميعه، وإلّا فهو بيع غائب، فإن باعها وهى طائرة، فقال في «التتمة» «٣» : يصح، وقال في «التهذيب» «٤» عكسه. وصورة المسألة: أن تكون الأمّ في الكوّارة، كما قاله ابن الرّفعة «٥» والأصحّ من الوجهين الصحّة. والفرق بينها وبين باقى الطير من وجهين:

стр. 303

أحدهما: أنها لا تقصد بالجوارح بخلاف غيرها. والثانى: أنها لا تأكل في العادة إلّا ما ترعاه، فلو توقّف صحّة البيع على رؤيتها لربّما أضرّ بها، أو تعذر بسببه بيعها، بخلاف غيرها من الطيور «١» . وذهب أبو حنيفة- ﵀ إلى أنّه لا يصح بيعها كالزنابير وسائر الحشرات «٢» . واحتجّ أصحابنا بأنه حيوان طائر ينتفع به، فجاز بيعه كالشاة، بخلاف الزّنبور والحشرات، فإنه لا منفعة فيها. واختلف أيضا في زكاة العسل، فروى أبو عيسى الترمذى من حديث صدقة بن عبد الله «٣» عن موسى بن يسار، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «فى العسل في كل عشرة أزق «٤» زق «٥» » «٦» . قال أبو عيسى: «فى إسناده مقال» . ولا يصح عن النبى ﷺ في هذا الباب كبير شىء، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق «٧» وقال بعض أهل العلم: «وليس في

стр. 304

العسل شىء، وصدقة بن عبد الله «١» ليس بالحافظ، وقد خولف في روايته هذا الحديث» . وقال أحمد بن حنبل: «صدقة ليس يساوى حديثه شيئا» «٢» . وقال ابن حبان: «يروى الموضوعات عن الثّقات» . وقال النسائى: «صدقة ليس بشىء، وهذا حديث منكر» . ولذلك لم ير مالك، والشافعى في العسل زكاة، وبه قال داود «٣» ، ومن قبله سفيان الثورى، والحسن «٤» بن حىّ. وروى عن علىّ وابن عمر «٥» ، رضى الله عنهما، وذهب الشافعى في القديم

стр. 305

إلى القول بزكاة العسل «١» . وقال أبو حنيفة: إن كان النحل في أرض العشر «٢» ففيه الزّكاة، وهى عشر ما أصاب منه قلّ أو كثر، وإن كان النحل في أرض خراج «٣» فلا زكاة فيه كثر أو قلّ، وإن كان في المفاوز والجبال، على الأشجار وفي الكهوف فلا شىء فيه، وهو بمنزلة الثمار تكون في الجبال والأودية لا خراج عليها ولا عشر «٤» . وقال أبو يوسف «٥» : «إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه رطل واحد، وهكذا ما زاد ففيه العشر، والرّطل هو الفلفلى» . وقال محمد بن الحسن «٦» : «إذا بلغ العسل خمسة أفراق، ففيه العشر وإلا فلا» . والفرق «٧» : ستة وثلاثون رطلا فلفلية، والخمسة الأفراق مائة وثمانون رطلا

стр. 306

فلفلية «١» . وقال أحمد بوجوب الزكاة في العسل، واحتج أصحاب أبى حنيفة لقولهم بما روى عن عطاء «٢» الخراسانى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لأهل اليمن في العسل: «إنّ عليكم في كل عشرة أفراق فرقا» » وردّ ذلك بأن عطاء لم يدرك عمر. وقد روى أن عاملا لعمر على الطائف، كتب إليه: «إن رجالا من فهم «٤» كلمونى فى خلاياهم، أسلموا «٥» عليها وسألونى أن أحميها لهم» «٦» . فكتب إليه عمر: «إنما هو ذباب غيث، فإن أدوا زكاته فاحمه لهم» . وقوله: «إنما هو ذباب غيث» : أى يكون مع الغيث، يريد أنها تعيش بالمطر؛ لأنها تأكل ما ينبت عنه، فإذا لم يكن غيث لم يكن لها ما تأكل، فشبهها بالراعى والسائمة من النّعم، إذا لم يكن على صاحبها منها مؤونة وجب فيها الزكاة. وقال ابن قتيبة في كتاب «الغريب» «٧» : وهذا الحديث خرّجه أبو داود، ومن

стр. 307

حديث عمرو بن شعيب «١» عن أبيه عن جده قال: «جاء هلال- أحد بنى متعان- إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له وسأله أن يحمى له واديا يقال له: سلبة «٢» ، فحمى له رسول الله ﷺ ذلك الوادى، فلما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك، فكتب عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله ﷺ من عشور نحله، فاحم «٣» له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث، يأكله من شاء «٤» . واحتجوا بحديث الحارث «٥» بن عبد الرحمن بن سعد ابن ذباب، عن منير بن عبد الله «٦» ، ويقال: منير بن عبيد الله، عن أبيه، عن سعد بن أبى ذباب. وكانت له صحبة، أنه أخذ عشر العسل من قومه، فأتى به عمر رضى الله عنه فجعله عمر في صدقات المسلمين، قال: وقدمت على رسول الله ﷺ فأسلمت وبايعته، فاستعملنى على قومى،

стр. 308

واستعملنى أبو بكر رضى الله عنه بعده، ثم استعملنى عمر رضى الله عنه من بعده فذكر الخبر، وفيه: قلت لعمر: يا أمير المؤمنين، ما ترى في العسل؟ قال: «خذ منه العشر» فقلت: أين أضعه؟ قال: «ضعه في بيت المال» ، وفي رواية: فقلت لقومى: «فى العسل زكاة، فإنه لا خير في مال لا يزكى» فقالوا: كم ترى؟ فقلت: «العشر» ، فأخذته، وأتيت به إلى عمر رضى الله عنه «١» . وردّ هذا أيضا بأن منير بن عبد الله مجهول، وأبوه مجهول «٢» ، وقد قال فيه بعض رواته عقين «٣» بن عبد الله، ولا يدرى من هو، واحتجوا بما روى عن نعيم «٤» بن حماد، عن بقية «٥» ، عن محمد بن الوليد الزبيدى «٦» ، عن عمرو بن شعيب، عن هلال «٧» بن مرّة، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: فى عشر العسل: «ما كان منه في السهل ففيه العشر، وما كان منه في الجبل ففيه نصف العشر» «٨» .

стр. 309

وردّ بأن؟؟ بقية ضعيف، وهلال بن مرة لا يدرى من هو. وصحّ عن مكحول، ومحمد بن شهاب الزهرى: «أن في كل عشرة أزقاق زقّا» «١» . وعن الأحوص بن حكيم، عن أبيه أنه قال: «فى كل عشرة أرطال رطل» . وعن سعيد «٢» بن عبد العزيز، عن سليمان «٣» بن موسى: «فى كل عشرة أزقاق من عسل زق» ، قال: «والزق يسع رطلين» «٤» . وروى عن عمر بن عبد العزيز زكاة العسل. ولا يصح عنه، وبه قال ربيعة، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن وهب. واحتج من رأى زكاة العسل بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: «جاء هلال إلى رسول الله ﷺ بعشور نحل له، وسأله أن يحمى له واديا يقال له: سلبة؟؟ فحماه له. وبحديث عمرو بن شعيب قال: كتب بعض أمراء الطائف إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «إن أصحاب النّحل لا يؤدّون إلينا ما كانوا يؤدون إلى النبى ﷺ ويسألون مع ذلك أن تحمى لهم أوديتهم، فاكتب إلىّ برأيك في ذلك» . فكتب إليه عمر: «إن أدّوا إليك ما كانوا يؤدون إلى النبى ﷺ فاحم لهم أوديتهم، وإن لم يؤدوا إليك ما كانوا يؤدونه إليه، فلا تحم لهم» . قال: «وكانوا يؤدون إلى النبى ﷺ عن كل عشرة قرب قربة» «٥» .

стр. 310

وعن عمرو بن شعيب أن عمر- رضى الله عنه- كتب: «فى العسل عن كل عشرة قرب قربة» . وردّ بأن حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ضعيف لا يصح «١» . واحتجوا بحديث عبد الله بن محرز «٢» ، عن الزهرى، عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن: «أن يؤخذ من العسل العشر» «٣» . واحتجوا بحديث سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى أن أبا سيارة المتعى «٤» قال للنبى ﷺ : «إن لى نحلا» فقال له: «فأدّ منه العشر» «٥» . ورد بأنه حديث منقطع؛ لأن سليمان بن موسى لا يعرف له لقاء أحد من الصحابة رضى الله عنهم. واحتجوا بحديث ابن جريج قال: كتبت إلى إبراهيم «٦» بن ميسرة أسأله عن زكاة العسل، فذكر جوابه، وفيه أنه قال: «ذكر لى من لا أتهم من أهلى أن عروة «٧» .

стр. 311

ابن محمد السعدى قال له: «إنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل، فردّ إليه عمر: قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف، فخذ منه العشور» «١» . ورد بأنه حديث منقطع، فإنه عمن لم «٢» يسمّ. وعورض قولهم بما رواه أبو بكر بن أبى شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن معاذ بن جبل لما أتى اليمن، أتى بالعسل، وأوقاص «٣» الغنم. فقال: «لم أومر فيها بشىء» «٤» . وبحديث وكيع عن سفيان الثورى، عن عبيد الله «٥» بن عمر، عن نافع قال: بعثنى عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأردت أن آخذ من العسل العشر، فقال المغيرة بن الحكم الصنعانى: «ليس فيه شىء» فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز فقال: «صدق، هو عدل رضى» «٦» . [فصل في تسمية البعض بأسماء النحل وتكنيتهم بها والسبب في ذلك] (فصل) كان سعيد «٧» بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف يقال له: «عكّة العسل» ، وكان غير طويل. وكان يقال لمصعب بن الزبير: «آنية النحل» ؛ من كرمه.

стр. 312

وحكى أن عبد المؤمن بن على القيسى الكومى «١» القائم بدولة الموحدين، أتباع أبى عبد الله محمد بن تومرت، ببلاد المغرب، نام ذات يوم بالنهار- وهو صبى- تجاه أبيه، وأبوه قائم يعمل آنية الفخار فسمع أبوه دويا من السماء فرفع رأسه، فرأى سحابة سوداء من النحل قد هوت على الدار، فنزلت كلها على عبد المؤمن وهو نائم فغطته، ولم يظهر من تحتها، ولا استيقظ! فرأته أمه على تلك الحال، فصاحت وخافت عليه، فسكتها أبوه، فقالت: «أخاف عليه» فقال: «لا بأس عليه، وإنى لمتعجب مما يدل عليه هذا» . ثم إنه غسل يده من الطين، ولبس ثيابه، ووقف ينظر ما يكون من أمر النحل، فطار عنه بأجمعه، واستيقظ الصبىّ وما به من ألم» ! فتفقدت أمّه جسده، فلم تر به أثرا، ولم يشك إليها ألما، وكان بالقرب منهم رجل معروف بالزجر فمضى إليه أبو عبد المؤمن، وأخبره بما رآه من النحل مع ولده، فقال: «يوشك أن يكون له شأن، ويجتمع على طاعته أهل المغرب» فكان من أمر عبد المؤمن ما هو معروف» «٢» . ويقال: أوّل من أوقد الشمع، واستصبح به: جذيمة «٣» الأبرش، وهو أيضا أول من نصب المجانيق في الحرب. وأول من اتخذ الشمع الغلاظ التى فيها الأمنان «٤» : الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان «٥» ، ثم صالح بن على بن عبد الله بن عباس «٦» بمصر. وإنما

стр. 313

كانت لبنى أمية، ومن قبلهم من الملوك بالشام، سوى الوليد شمع. فى الشمعة منها الرطلان، والثلاثة الأرطال، وكانت لها أتوار «١» صغار، فى التور منها شوكة «٢» تكون الشمعة فيها، ومسرجة «٣» عليها شوكة. وكتب أبو بكر محمد بن عمرو بن حزم «٤» إلى عمر بن عبد العزيز، وهو عامله على المدينة: «إنّ من قبلى من الأمراء كان يجرى عليهم رزق الشمع» . فكتب إليه: «إنك طالما مشيت في طرق المدينة بلا شمع يمشى به بين يديك، فأعرض عن هذا، ولا تعاودنى فيه» . وكانت ملوك بنى أمية تستصبح بالزيت في القناديل، ويمشى بين أيديها بالشمع الطوال، الذى طول الواحدة منها ثلاثة أشبار، وكان من دونهم يستعملون من الشمع الفتائل المثنى بعضها على بعض، فلما كان زمن يزيد «٥» بن عبد الملك اتّخذ له من الشمع الطوال ما فيه ستة أرطال، وأكثر من ذلك، ثم أسرف الوليد ابن يزيد بن عبد الملك «٦» فى استعماله الشمع في مجالسه، ولم يكن أبو جعفر المنصور «٧» يستصبح إلا بالزيت في القناديل، وربما خرج إلى المسجد ومعه من يحمل سراجا بين يديه، ثم إنه حمل بين يديه ما فيه الرطل والمنّ من الشمع، وكان إذا أراد قراءة الكتب أو كتابتها، أحضر معه شمعة في تور، ثم ترفع إذا فرغ.

стр. 314

لما زفت بوران «١» بنت الحسن بن سهل على الخليفة المأمون «٢» : عبد الله بن هارون الرشيد، أوقد على المأمون في تلك الليلة شمعة عنبر، وزنها أربعون منوا. وكان ثمن الشمع والخيش في أيام المتوكل جعفر بن محمد المعتصم في كل سنة ألف ألف ومائتى ألف درهم. وحكم الصابىّ «٣» عن بعض الرسل قال: «ذهبنا إلى باب مسعود- يعنى ابن محمود بن سبكتكين «٤» بغزنة. فشاهدنا بالباب أصناف العساكر، وملوك جرجان، وطبرستان، وخراسان، والهند، والسند، والترك، وقد أقيمت الفيلة عليها الأسرة والعماريات «٥» الملبسة بالذهب، مرصعة بأنواع الجواهر، وإذا بأربعة آلاف غلام مرد «٦» وقوف سماطين، وفي أوساطهم مناطق «٧» الذهب، وبأيديهم أعمدة الذهب، ومسعود جالس على سرير من الذهب لم يوضع على الأرض مثله، وعليه الفرش الفاخرة، وعلى رأسه تاج مرصع بالجواهر واليواقيت، وقد أحاط به الغلمان الخواص بأكمل زينة ثم قام مسعود إلى سماط «٨» من فضة، عليه خمسون خوانا من الذهب، على كل خوان «٩» خمسة أطباق من ذهب فيها أنواع الأشربة، فسقاهم الغلمان، ثم قام مسعود إلى مجلس عظيم الأقطار فيه ألف دست من الذهب، وأطباق كبار خسروانية، فيها الكيزان، وعلى كل طبق ذرافة ذهب، وأطباق ذهب عليها المسك والعنبر، والكافور، وأشجار الذهب مرصعة بالجواهر

стр. 315

واليواقيت، وشموع في رأس كل شمعة قطعة من الياقوت الأحمر، تلمع؟؟ لمعادن النار، وأشجار العود قائمة بين ذلك، وفي جوانب المجلس بحيرة في جوانبها من الجواهر، والعنبر، والفصوص، والؤلؤ شىء يقصر الوصف عنه، وذكر أشياء أخر. ولما زفت قطر الندى بنت الأمير أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون- على الخليفة المعتضد «١» بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبى أحمد طلحة بن المتوكل، وقد حملها إليه أبوها من مصر إلى بغداد بجهاز جليل القدر إلى الغاية، قال المعتضد: «أكرموها بشمع العنبر» ، فوجد في خزائنه أربع شمعات من عنبر فى أربعة أنوار من فضة، فلما كان وقت العشاء جاءت قطر الندى إليه وقدامها أربعمائة وصيفة، فى يد كل وصيفة منهنّ تور ذهب، أو فضة، وفيه شمعة عنبر، فقال المعتضد: «أطفئوا شمعنا واسترونا» . ولما ماتت عبدة، ورشيدة: ابنتا المعز لدين الله أبى تميم معدّ بن منصور أبى الطاهر إسماعيل الفاطمى، ختم على مقاصير كل واحدة منهما، وعلى صناديقهما، وما يجب أن يختم عليه من موجودهما بأربعين رطلا من الشمع، وكتب موجود عبدة في ثلاثين رزمة ورق. وكان راتب أبى طاهر محمد بن بقية «٢» : وزير عز الدولة بختيار بن معز الدولة أحمد بن بويه، من الشمع في كل شهر ألفى منّ، ومنّ، ومن الثلج في كل يوم ألف رطل. وفي سنة اثنتين وثمانين وستمائة قدم عبد الرحمن الشيرازى والأمير صمداعوا الططرى، والصاحب شمس الدين محمد بن الصاحب شرف الدين التيتى برسالة الملك أحمد أغا سلطان ابن هولاكو إلى البيرة «٣» ، وعلى رأس الشيخ عبد الرحمن الجتر- كما هى عادته في بلاد التتر- فخرج إلى لقائهم من أمراء حلب الأمير جمال الدين أقوش الفارسى، ومنع عبد الرحمن من حمل الجتر» على رأسه

стр. 316

ومن حمل السلاح أيضا، وعدل بهم عن الطريق في مسيرهم حتى قدموا دمشق فى ليلة الثلاثاء ثانى عشرين من ذى الحجة من غير أن يراهم أحد، لا في مسيرهم، ولا وقت قدومهم، فأنزلوا بقاعة رضوان من؟؟ القلعة، وأجرى لهم في كل يوم ألف درهم سوى الحلوى والفاكهة وغير ذلك من أنواع المأكل، وهى ألف درهم أخرى؛ فقدم الخبر بقتل أحمد أغا، وتملك أرغون بن أبغا بن هولاكو بعده، فسار السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى من قلعة الجبل بديار مصر إلى دمشق، فقدمها يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وستمائة، ونزل بقلعتها، وألبس في تلك الليلة ألفا وخمسمائة مملوك أقبية «١» من حرير أطلس أحمر بطرز، وعلى رؤوسهم كلفتات «٢» زركش، وبأوساطهم حوايص «٣» ذهب، وأشعل بين يديه ألفا وخمسمائة موكبية كبيرة بيد كل منهم شمعة، واستدعى عبد الرحمن ورفقته وأدوا رسالة أحمد أغا، وعادوا إلى موضعهم، ثم استدعاهم واستعاد كلا منهم ثانيا، وردهم إلى مكانهم، وأحضرهم مرة ثالثة، وسألهم عن أشياء، ثم أخبرهم بقتل من أرسلهم، وقيام أرغون من بعده وأعادهم إلى قاعة رضوان، ثم نقلها؟؟ منها، وأخذ ما معهم، ومن جملته: مسبحة لؤلؤ قيمتها مائة ألف درهم، وشىء كثير ما بين ذهب ولؤلؤ، واعتقلوا حتى مات عبد الرحمن في ثامن عشر شهر رمضان، ونقل ابن التيتى إلى قلعة الجبل. وفي سنة إحدى وتسعين وستمائة ركب السلطان صلاح الدين خليل بن قلاوون من قلعة؟؟ الجبل إلى دمشق، ثم خرج منها في ليلة الثلاثاء تاسع شوال بعد ما رسم لجميع أهل الأسواق أن يخرج كل واحد منهم وبيده شمعة موكبية قد أشعلت فامتثلوا ذلك، ووقفوا من باب النصر إلى مسجد القدم، فعندما ركب السلطان اشتعلت تلك الشموع دفعة واحدة، فسار بينها حتى نزل مخيمه؟؟. فكانت من الليالى المذكورة، والوقودات المشهورة. وفي ليلة الجمعة حادى عشر شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة كان زفاف ابنة

стр. 317

الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام على الأمير آنوك ابن السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون «١» بعد ما أقام- المهم- سبعة أيام بلياليها، وحضره نساء الأمراء بأجمعهن وجلس السلطان في ليلة السابع على باب القصر من قلعة الجبل، وتقدم الأمراء على مراتبهم واحدا بعد واحد، لعرض شموعهم التى يقدمونها، فكان الأمير منهم يقبل الأرض، ويتأخر فيقدم شموعه، حتى انتهوا فكانت زنة شمعهم المحضر في تلك الليلة ثلاثة آلاف قنطار وستين قنطارا، وفي تلك الشموع ما اعتنى به، ونقش نقشا بديعا تنوع صناعه في تحسينه، وبالغوا في التأنق فيه، ثم جلس السلطان ليلة العرس، وأشعلت بأسرها بين يديه، وقد جلس ابنه آنوك تجاهه، فأقبل الأمراء وكل أمير يحمل بنفسه شمعة، ومن خلفه مماليكه تحمل بقية شمعه، ويتقدم واحد بعد واحد- على قدر رتبته- وهو يقبل الأرض، فما تم مرور آخرهم حتى مضى معظم الليل، فنهض السلطان وعبر إلى حيث مجتمع النساء، فقامت نساء الأمراء بأسرهن وقبّلن الأرض واحدة بعد أخرى، وقدمن ما أتين به من التحف الفاخرة، والنقوط، حتى انتهين، ثم قمن يرقصن عن آخرهن واحدة بعد واحدة، والمغانى تزفهن، وأنواع المال من الذهب والفضة، وشقاق الحرير تلقى على المغنيات فحصل لهن من ذلك ما يجلّ وصفه. ثم جلس السلطان من الغد، وخلع على جميع الأمراء، وبعث إلى نسائهم، كل واحدة بتعبية قماش على مقدار زوجها، فكان هذا العرس من الأعراس العظيمة، ذبح فيه من الخيل، والبقر والغنم، والأوز والدجاج ما يزيد على عشرين ألف حيوان، وعمل فيه من السكر برسم الحلوى والمشروب ثمانية عشر ألف قنطار، وكانت شورة العروس التى حملها أبوها تنكز. وذكر القاضى شهاب الدين أحمد بن القاضى محيى الدين يحيى بن فضل الله العمرى «٢» فى كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» عند ذكر مدينة «ذلّة» من بلاد الهند، ما نصه: «وأما العسل فأكثر من الكثير، وأما الشمع فلا يوجد إلا في دور السلطان ولا يسمح فيه لأحد» والله أعلم.

стр. 318

[فصل أجود ما قيل في الشمعة] (فصل) ومن جيّد ما قيل في الشمعة قول الموفق أبي الحجاج يوسف بن محمد بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء بمصر «١» . وصحيحة بيضاء تطلع في الدّجى ... صبحا وتشفى الناظرين بدائها شابت ذوائبها أوان شبابها ... واسودّ مفرقها أوان فنائها كالعين في طبقاتها ودموعها ... وسوادها وبياضها وضيائها ولما نزل أبو على الحسن الأعصم بن أبى منصور أحمد بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابى القرمطى «٢» إلى الرملة، وقد قدم من الإحساء «٣» لحرب جوهر القائد لسنة ست وستين وثلاثمائة، أحضر إليه الفراشون في بعض الليالى الشموع على العادة، فقال لكاتبه أبى نصر بن كشاجم «٤» : «ما يحضرك في هذه الشموع» فقال: «إنما نحضر مجلس السيد لنسمع من كلامه، ونستفيد من أدبه، فقال الحسن بن أحمد بديها: ومجدولة مثل صدر القنا ... تعرّت، وباطنها مكتسى لها مقلة هى روح لها ... وتاج على هيئة البرنس «٥» إذا غازلتها الصبا حرّكت ... لسانا من الذهب الأملس وإن رنقت لنعاس عرا ... وقطت من الرأس لم تنعس وتنتج في وقت تلقيحها ... ضياء يجلّى دجى الحندس فنحن من النور في أسعد ... وتلك من النار في أنحس

стр. 319

فقام أبو نصر، وقبل الأرض واستأذن في إجارتها، فأذن له فقال: وليلتنا هذه ليلة ... تشاكل أشكال إقليدس فيا ربة العود حثّى الغنا ... ويا حامل الكأس لا تحبس فخلع عليه وعلى جميع من حضر مجلسه، وحمل إليه حلة سنية. ولله درّ الأديب مظفر بن محاسن الدلال، أحد شعراء دمشق في الأيام الناصرية يوسف بن غازى صاحب حلب، حيث يقول: كن محسنا مهما استطعت فهذه الد ... نيا وإن طالت قصير عمرها إن المآثر في الورى دراته ... يفنى مؤثّرها، ويبقى ذكرها فترى الكريم كشمعة من عنبر ... ضاءت، فإن طفيت تضوّع نشرها وما أحسن قول أبي الحسين عمر بن يعقوب الأنبارى «١» - أحد عدول بغداد- وقد رثى الوزير محمد بن محمد بن بقية، الملقب بنصر الدولة، وزير عز الدولة بختيار ابن معز الدولة أحمد بن بويه لما قتله عضد الدولة أبو شجاع فنّا خسره ابن ركن الدولة أبي الحسن بن بويه، وصلبه بقوله: علو في الحياة، وفي الممات ............... الأبيات التى لم يقل في مصلوب مثلها، فلم يزل عضد الدولة يطلبه مدة سنة حتى أتاه بأمان فقال له: «ما حملك على رثاء عدوى؟» . فقال: «حقوق وجبت، وأياد سلفت، فجاش الحزن في قلبى، فرثيت» . وكان بين يدى عضد الدولة شموع تزهر فقال: «هل يحضرك في هذه الشموع شىء» فأنشد ارتجالا: كأن الشموع وقد أطهرت ... من النار في كلّ رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين ... تضرّع تطلب منك الأمانا فخلع عليه، وأعطاه فرسا وبدرة.

стр. 320

وقال مجير الدين محمد بن على بن يعقوب بن تميم «١» ، وقد اجتاز ليلة بدار بعض أصحابه ومعه شمعة فطفيت، فأوقدها من داره: يا أيها المولى الشريف ومن له ... فضل يفوق به على أهل الأدب لما أزرتك شمعتى لتبرّها ... جاءت تحدث عن سراجك بالعجب وافته حاسرة فقبل رأسها ... وأعادها نحوى بتاج من ذهب وينسب لأمير المؤمنين المستنجد بالله أبي المظفر يوسف «٢» ، الثانى والثلاثين من خلفاء بنى العباس أنه قال في الشمعة: وصفراء مثلى في القياس ودمعها ... سجام على الخدين مثل دموعى تذوب كما قد ذبت وجدا ولوعة ... ويحوى حشاها ما حوته ضلوعى وللمستنجد أيضا: وباخل أشعل في بيته ... فى مرّة منه لنا شمعه فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دمعه «٣» وقال الأديب الكاتب الناسك: فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن علىّ بن محمد بن عبد الواحد بن أبي اليمن بن عز القضاة يصف شموعا: وزهر شموع إن مددن بنانها ... لمحو سطور الليل ناب عن البدر وفيهن كافورية خلت أنها ... عمود صباح فوقه كوكب الفجر وصفراء تحكى شاحبا شاب رأسه ... فأدمعه تجرى على ضيعة العمر وخضراء يبدو وقدها فوق قدها ... كنرجسة تزهو على الغصن النضر ولا غرو أن يحكى الأزاهر حسنها ... أليس جناها النحل قدما من الزهر
следующие страницы →