Полный текст (259 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا اجْتمعت هَاتَانِ الخصلتان كملا فِي كتاب كَانَ مي الطَّبَقَة الأولى ثمَّ وَثمّ وَإِن فقدتا رَأْسا لم يكن لَهُ اعْتِبَار وَمَا كَانَ أَعلَى حد فِي الطَّبَقَة الأولى فَإِنَّهُ يصل إِلَى الاستفاضة ثمَّ إِلَى الصِّحَّة القطعية أَعنِي الْقطع الْمَأْخُوذ فِي علم الحَدِيث الْمُفِيد للْعَمَل والطبقة الثَّانِيَة إِلَى الاستفاضة أَو الصِّحَّة القطعية أَو الظنية وَهَكَذَا يزَال الْأَمر
فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء فِي ثَلَاثَة كتب الْمُوَطَّأ وصحيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أصح الْكتب بعد كتاب الله موطأ مَالك وَقد اتّفق أهل الحَدِيث على أَن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح على رَأْي مَالك وَمن وَافقه وَأما على رَأْي غَيره فَلَيْسَ فِيهِ مُرْسل وَلَا مُنْقَطع إِلَّا قد اتَّصل السَّنَد بِهِ من طرق أُخْرَى فَلَا جرم أَنَّهَا صَحِيحَة من هَذَا الْوَجْه وَقد صنف فِي زمَان مَالك موطآت كَثِيرَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيثه وَوصل مُنْقَطِعَة مثل كتاب ابْن أبي ذُؤَيْب وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري وَمعمر وَغَيرهم مِمَّن شَارك فِي الشُّيُوخ وَقد رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِط أَكثر من ألف رجل وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ذكره فِي حَدِيثه فَمنهمْ المبرزون من الْفُقَهَاء كالشافعي رَحمَه الله تَعَالَى وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَمِنْهُم نحارير الْمُحدثين كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق وَمِنْهُم الْمُلُوك الْأُمَرَاء كالرشيد وابنيه وَقد اشْتهر فِي عصره حَتَّى بلغ إِلَى جَمِيع ديار الْإِسْلَام ثمَّ لم يَأْتِ زمَان إِلَّا وَهُوَ أَكثر لَهُ شهرة وَأقوى بِهِ عناية وَعَلِيهِ بنى فُقَهَاء الْأَمْصَار مذاهبهم حَتَّى أهل الْعرَاق فِي بعض أَمرهم وَلم يزل الْعلمَاء يخرجُون أَحَادِيثه ويذكرون متابعاته وشواهده ويشرحون غَرِيبه ويضبطون مشكله ويبحثون عَن فقهه ويفتشون عَن رِجَاله إِلَى غَايَة لَيْسَ بعْدهَا غَايَة وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقس كتاب الْمُوَطَّأ بِكِتَاب الْآثَار لمُحَمد والأمالي لأبي يُوسُف تَجِد بَينه وَبَينهمَا بعد المشرقين فَهَل سَمِعت أحدا من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء تعرض لَهما واعتنى بهما
стр. 107
أما الصحيحان فقد اتّفق المحدثون على أَن جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما وَإنَّهُ كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقسهما بِكِتَاب ابْن أبي شيبَة وَكتاب الطَّحَاوِيّ ومسند الْخَوَارِزْمِيّ وَغَيرهَا تَجِد بَينهَا وَبَينهمَا بعد المشرقين وَقد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها وَقد تتبعت مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يصب من وَجه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وجد أَحَادِيث مروية عَن رجال الشَّيْخَيْنِ بشرطهما فِي الصِّحَّة والاتصال فاتجه استدراكه عَلَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَلَكِن الشَّيْخَيْنِ لَا يذكران إِلَّا حَدِيثا قد تناظر فِيهِ مشايخهما وَأَجْمعُوا على القَوْل بِهِ والتصحيح لَهُ كَمَا أَشَارَ مُسلم حَيْثُ قَالَ لم أذكر هَاهُنَا إِلَّا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَجل مَا تفرد بِهِ الْمُسْتَدْرك كالموكى عَلَيْهِ المخفي مَكَانَهُ فِي زمن مشايخهما وَإِن اشْتهر أمره من بعد أَو مَا اخْتلف المحدثون فِي رِجَاله فالشيخان كأساتذتهما كَانَا يعتنيان بالبحث عَن خُصُوص الْأَحَادِيث فِي الْوَصْل والانقطاع وَغير ذَلِك حَتَّى يَتَّضِح الْحَال وَالْحَاكِم يعْتَمد فِي الْأَكْثَر مخرجة من صنائعهم كَقَوْلِه زِيَادَة الثِّقَات مَقْبُولَة وَإِذا اخْتلف النَّاس فِي الْوَصْل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَغير ذَلِك فَالَّذِي حفظ الزِّيَادَة حجَّة على من لم يحفظ وَالْحق أَنه كثيرا مَا يدْخل الْخلَل فِي الْحفاظ من قبل رفع الْمَوْقُوف وَوصل المنطقع لَا سِيمَا عِنْد رغبتهم فِي الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع وتنويههم بِهِ فالشيخان لَا يَقُولَانِ بِكَثِير مِمَّا يَقُوله الْحَاكِم وَالله أعلم وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي اعتني
стр. 108
القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق بضبط مشكلها ورد تصحيفها
الطَّبَقَة الثَّانِيَة كتب لم تبلغ مبلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين وَلكنهَا تتلوها كَانَ مصنفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيمَا اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهمْ بِالْقبُولِ واعتنى بهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء طبقَة بعد طبقَة واشتهرت فِيمَا بَين النَّاس وَتعلق بهَا الْقَوْم شرحا لغريبها وفحصا عَن رجالها واستنباطا لفقهها وعَلى تِلْكَ الْأَحَادِيث بِنَاء عَامَّة الْعُلُوم كسنن أبي داؤد وجامع التِّرْمِذِيّ ومجتبى النَّسَائِيّ وَهَذِه الْكتب مَعَ الطَّبَقَة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وَكَاد مُسْند أَحْمد يكون من جملَة هَذِه الطَّبَقَة فَإِن الإِمَام أَحْمد جعله أصلا يعرف بِهِ الصَّحِيح والسقيم قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَا تقبلوه هَكَذَا فِي حجَّة الله الْبَالِغَة وَقَالَ نجله الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي مُسْند أَحْمد كثير من ضعفاء الْأَحَادِيث لم يبين الإِمَام حَاله لَكِن الضَّعِيف الَّذِي فِيهِ يحسن من كثير حَدِيث مِمَّا يُصَحِّحهُ الْمُتَأَخّرُونَ وَقد جعل عُلَمَاء الحَدِيث وَالْفِقْه الْمسند الْمَذْكُور أسوتهم فِي هَذَا الشَّأْن وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ ركن عَظِيم فِي هَذَا الْفَنّ وَكَذَا يَنْبَغِي عد ابْن مَاجَه فِي هَذِه الطَّبَقَة وَإِن كَانَ بعض أحاديثها فِي غَايَة الضعْف انْتهى وَلم يعد ابْن الْأَثِير ابْن مَاجَه فِي الصِّحَاح وَجعل سادسها الْمُوَطَّأ وَالْحق مَعَه قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة
الطَّبَقَة الثَّالِثَة مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البُخَارِيّ وَمُسلم فِي زمانهما وبعدهما جمعت بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف
стр. 109
وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنْهَا اسْم النكارة الْمُطلقَة وَلم يتداول مَا تفردت بِهِ الْفُقَهَاء كثير تداول وَلم يتفحص عَن صِحَّتهَا وسقمها المحدثون كثير فحص وَمِنْه مَا لم يَخْدمه لغَوِيّ بشرح وَلَا فَقِيه بتطبيقه بمذاهب السّلف وَلَا مُحدث بِبَيَان مشكلة وَلَا مؤرخ بِذكر أَسمَاء رِجَاله وَلَا أُرِيد الْمُتَأَخِّرين المتعمقين وَإِنَّمَا كَلَامي فِي الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين من أهل الحَدِيث فَهِيَ بَاقِيَة على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرَّزَّاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ومسند عبد بن حميد وَالطَّيَالِسِي وَكتب الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي وَالطَّبَرَانِيّ وَكَانَ قصدهم جمع مَا وجدوه لَا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من الْعَمَل انْتهى قلت وَرِجَال هَذِه الْكتب بَعضهم موصوفون بِالْعَدَالَةِ وَبَعْضهمْ مستورون وَبَعْضهمْ مَجْهُول الْحَال وَلِهَذَا لم يكن أَكثر أَحَادِيث هَذِه الْكتب مَعْمُولا بهَا عِنْد الْفُقَهَاء بل انْعَقَد الْإِجْمَاع على خلَافهَا وَبَين هَذِه الْكتب أَيْضا تفَاوت وتفاضل بَعْضهَا أقوى من بعض وَمِنْهَا مُسْند الشَّافِعِي وَسنَن ابْن مَاجَه ومسند الدَّارمِيّ وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ وصحيح ابْن حبَان ومستدرك الْحَاكِم هَكَذَا قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَهَذَا تَأْوِيل مَا قَالَه الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي رَحمَه الله تَعَالَى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم تَنْحَصِر فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يستوعبا الصِّحَاح كلهَا بل هما منحصران فِي الصِّحَاح والصحاح الَّتِي عِنْدهمَا وعَلى شَرطهمَا أَيْضا لم يورداهما فِي كِتَابَيْهِمَا فضلا عَمَّا عِنْد غَيرهمَا
قَالَ البُخَارِيّ مَا أوردت فِي كتابي هَذَا إِلَّا مَا صَحَّ وَلَقَد تركت كثيرا من الصِّحَاح وَقَالَ مُسلم الَّذِي أوردت فِي هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث صَحِيح وَلَا أَقُول أَن مَا تركت ضَعِيف لَا بُد أَن يكون فِي هَذَا التّرْك والإتيان وَجه تَخْصِيص الْإِيرَاد وَالتّرْك إِمَّا من جِهَة الصِّحَّة أَو من جِهَة مَقَاصِد أخر وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي صنف
стр. 110
كتابا سَمَّاهُ الْمُسْتَدْرك يَعْنِي أَن مَا تَركه البُخَارِيّ وَمُسلم من الصِّحَاح أوردهُ فِي هَذَا الْكتاب وتلافى واستدرك بَعْضهَا على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَبَعضهَا على شَرط أَحدهمَا وَبَعضهَا على غير شَرطهمَا وَقَالَ إِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يحكما بِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَادِيث صَحِيحَة غير مَا خرجاه فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ وَقَالَ قد حدث فِي عصرنا هَذَا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أَئِمَّة الدّين بِأَن مَجْمُوع مَا صَحَّ عنْدكُمْ من الْأَحَادِيث لم يبلغ زهاء عشرَة آلَاف وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ حفظت من الصِّحَاح مائَة ألف حَدِيث وَمن غير الصِّحَاح مِائَتي ألف وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَنه يُرِيد الصَّحِيح على شَرطه ومبلغ مَا أورد فِي هَذَا الْكتاب مَعَ تكْرَار سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخمْس وَسَبْعُونَ حَدِيثا وَبعد حذف التّكْرَار أَرْبَعَة آلَاف وَلَقَد صنف الْآخرُونَ من الْأَئِمَّة صحاحا مثل صَحِيح ابْن خُزَيْمَة الَّذِي يُقَال لَهُ إِمَام الْأَئِمَّة وَهُوَ شيخ ابْن حبَان وَقَالَ ابْن حبَان فِي مدحه مَا رَأَيْت على وَجه الأَرْض أحدا أحسن فِي صناعَة السّنَن وأحفظ للألفاظ الصَّحِيحَة مِنْهُ كَانَ السّنَن وَالْأَحَادِيث كلهَا نصب عَيْنَيْهِ وَمثل صَحِيح ابْن حبَان تلميذ ابْن خُزَيْمَة ثِقَة ثَبت فَاضل إِمَام فهام وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ ابْن حبَان من أوعية الْعلم واللغة والْحَدِيث والوعظ وَكَانَ من عقلاء الرِّجَال وَمثل صَحِيح الْحَاكِم الْحَافِظ الثِّقَة الْمُسَمّى بالمستدرك وَقد تطرق فِي كِتَابه هَذَا التساهل وَأخذُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان أمكن وَأقوى من الْحَاكِم وَأحسن وألطف فِي الْأَسَانِيد والمتون وَمثل المختارة لِلْحَافِظِ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَهُوَ أَيْضا خرج صحاحا لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالُوا كِتَابه أحسن من الْمُسْتَدْرك وَمثل صَحِيح بن عوَانَة وَابْن السكن والمنتقى لِابْنِ جارود وَهَذِه الْكتب كلهَا مُخْتَصَّة بالصحاح وَلَكِن جمَاعَة انتقدوا عليهاتعصبا وإنصافا وَفَوق كل ذِي علم عليم انْتهى وَقد أوردت تراجم هَذِه الْكتب وَغَيرهَا فِي جنان الْمُتَّقِينَ فَليعلم قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة
والطبقة الرَّابِعَة كتب قصد مصنفوها بعد قُرُون متطاولة جمع مَا لم يُوجد فِي الطبقتين الْأَوليين كَانَت فِي المجاميع وَالْمَسَانِيد المختفية فنوهوا بأمرها وَكَانَت على السّنة من لم يكْتب حَدِيثه المحدثون ككثير
стр. 111
من الوعاظ المتشدقين وَأهل الْأَهْوَاء والضعفاء أَو كَانَت من آثَار الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ أَو من أَخْبَار بني إِسْرَائِيل أَو من كَلَام الْحُكَمَاء والوعاظ خلطها الروَاة بِحَدِيث النَّبِي ﷺ سَهوا أَو عمدا أَو كَانَت من محتملات الْقُرْآن والْحَدِيث الصَّحِيح فرواها بِالْمَعْنَى قوم صَالِحُونَ لَا يعْرفُونَ غوامض الرِّوَايَة فَجعلُوا الْمعَانِي أَحَادِيث مَرْفُوعَة أَو كَانَت مَعَاني مفهومة من إشارات الْكتاب وَالسّنة جعلوها أَحَادِيث مستبدة برأسها عمدا أَو كَانَت جملا شَتَّى فِي أَحَادِيث مُخْتَلفَة جعلوها حَدِيثا وَاحِدًا بنسق وَاحِد ومظنة هَذِه الْأَحَادِيث كتاب الضُّعَفَاء لِابْنِ حبَان وكامل ابْن عدي وَكتب الْخَطِيب وَأبي نعيم والجوزقاني وَابْن عَسَاكِر وَابْن نجار والديلمي وَكَاد مُسْند الْخَوَارِزْمِيّ يكون من هَذِه الطَّبَقَة وَأصْلح هَذِه الطَّبَقَة مَا كَانَ ضَعِيفا مُحْتملا وأسوؤها مَا كَانَ مَوْضُوعا أَو مقلوبا شَدِيدا لنكارة وَهَذِه الطَّبَقَة مَادَّة كتاب الموضوعات لِابْنِ الْجَوْزِيّ انْتهى
قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَأَحَادِيث هَذِه الطَّبَقَة الَّتِي لم يعلم فِي الْقُرُون الأولى إسمها وَلَا رسمها وتصدى الْمُتَأَخّرُونَ لروايتها فَهِيَ لَا تَخْلُو عَن أَمريْن إِمَّا أَن السّلف تفحصوا عَنْهَا وَلم يَجدوا لَهَا أصلا حَتَّى يشتغلوا بروايتها أَو وجدوا لَهَا أصلا وَلَكِن صادفوا فِيهَا قدحا أَو عِلّة مُوجبَة لترك رِوَايَتهَا فتركوها وعَلى كل حَال لَيست هَذِه الْأَحَادِيث صَالِحَة للاعتماد عَلَيْهَا حَتَّى يتَمَسَّك بهَا فِي إِثْبَات عقيدة أَو عمل ولنعم مَا قَالَ بعض الشُّيُوخ فِي أَمْثَال هَذَا شعر
(فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم)
وَقد أضلّ هَذَا الْقسم من الْأَحَادِيث كثيرا من الْمُحدثين عَن نهج الصَّوَاب حَيْثُ اغتروا بِكَثْرَة طرقها الْمَوْجُودَة فِي هَذِه الْكتب وحكموا بتواترها وتمسكوا بهَا فِي مقَام الْقطع وَالْيَقِين وأحدثوا مَذَاهِب تخَالف أَحَادِيث الطبقتين الْأَوليين على ثقتها
والكتب المصنفة فِي أَحَادِيث هَذَا الْقسم كَثِيرَة مِنْهَا مَا ذكر وَمِنْهَا كتاب الضُّعَفَاء للعقيلي وتصانيف الْحَاكِم وتصانيف ابْن
стр. 112
مرْدَوَيْه وتصانيف ابْن شاهين وَتَفْسِير ابْن جرير وفردوس الديلمي بل سَائِر تصانيفه وتصانيف أبي الشَّيْخ وغالب المساهلة وَوضع الْأَحَادِيث فِي بَاب المناقب والمثالب وَالتَّفْسِير وَبَيَان أَسبَاب النُّزُول وَبَاب التأريخ وَذكر أَحْوَال بني إِسْرَائِيل وقصص الْأَنْبِيَاء السَّابِقين وَذكر الْبلدَانِ والأطعمة والأشربة والحيوانات وَفِي الطِّبّ والرقي والعزائم والدعوات وثواب النَّوَافِل أَيْضا وَقعت هَذِه الْحَادِثَة وَقد جعلهَا ابْن الْجَوْزِيّ فِي مَوْضُوعَاته مجروحة مطعونة وَبرهن على وَضعهَا وكذبها وَكتاب تَنْزِيه الشَّرِيعَة يَكْفِي لدفع تِلْكَ الغائلة ثمَّ الْمسَائِل النادرة كإسلام أَبَوي النَّبِي ﷺ وَرِوَايَات الْمسْح على الرجلَيْن عَن ابْن عَبَّاس وأمثالها من النَّوَادِر أَكْثَرهَا تخرج من هَذِه الْكتب حَتَّى أَن غَالب بضَاعَة الشَّيْخ جلال الدّين السُّيُوطِيّ وَرَأس مَاله فِي تصنيف الرسائل ونوادرها هِيَ الْكتب الْمشَار إِلَيْهَا فالاشتغال بأحاديثها واستنباط الْأَحْكَام مِنْهَا لَا طائل تَحْتَهُ وَمَعَ ذَلِك من كَانَت لَهُ رَغْبَة فِي تحقيقها فَعَلَيهِ بميزان الضُّعَفَاء للذهبي ولسان الْمِيزَان لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي وَمجمع الْبحار للشَّيْخ مُحَمَّد طَاهِر الكجراتي يُغني لشرح غريبها وتوجيه عباراتها عَن جَمِيع الْموَاد انْتهى
قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة وَهَهُنَا طبقَة خَامِسَة مِنْهَا مَا اشْتهر على أَلْسِنَة الْفُقَهَاء والصوفية والمؤرخين وَنَحْوهم وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي هَذِه الطَّبَقَات الْأَرْبَع وَمِنْهَا مَا دسه الماجن فِي دينه الْعَالم بِلِسَانِهِ فَأتى بِإِسْنَاد قوي لَا يُمكن الْجرْح فِيهِ كَلَام بليغ لَا يبعد صدوره عَنهُ ﷺ فأثار فِي الْإِسْلَام مُصِيبَة عَظِيمَة لَكِن الجهابذة من أهل الحَدِيث يوردون مثل ذَلِك على المتابعات والشواهد فتهتك الأستار وَيظْهر العوار
أما الطَّبَقَة الأولى وَالثَّانيَِة فعلَيْهِمَا اعْتِمَاد الْمُحدثين وحوم حماها مرتعهم ومسرحهم
وَأما الثَّالِثَة فَلَا يُبَاشِرهَا للْعَمَل عَلَيْهِ وَالْقَوْل بِهِ إِلَّا النحارير الجهابذة الَّذين يحفظون أَسمَاء الرِّجَال وَعلل الْأَحَادِيث نعم رُبمَا يُؤْخَذ مِنْهَا المتابعات والشواهد وَقد جعل الله لكل شَيْء قدرا
وَأما الرَّابِعَة فالاشتغال بجمعها والاستنباط مِنْهَا نوع تعمق من
стр. 113
الْمُتَأَخِّرين وَإِن شِئْت الْحق فطوائف المبتدعين من الروافضة والمعتزلة وَغَيرهم يتمكنون بِأَدْنَى عناية أَن يلخصوا مِنْهَا شَوَاهِد مذاهبهم فالاقتصار بهَا غير صَحِيح فِي معارك الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ وَالله أعلم انْتهى
قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَلما اتَّضَح حَال الطَّبَقَات وترتيب كتب الحَدِيث وتقرر أَن الطَّبَقَة الْعليا فِي هَذَا الْبَاب الْمُوَطَّأ والصحيحان فَلَا بُد من مزِيد اهتمام بتحقيق هَذِه الثَّلَاثَة أَولا وبالبقية من الصِّحَاح السِّتَّة ثَانِيًا وَالظَّن الْغَالِب أَن بعد تَحْقِيق الْمُوَطَّأ وأختيه يفرغ عَن الْأَمر بِنَحْوِ ثلثين فِي تَحْقِيق بَقِيَّة الْأُصُول السِّتَّة بلامين وَلَا يبْقى إِلَّا الْقدر الْيَسِير وَأَيْضًا قَالَ إِن علم الحَدِيث لما كَانَ من قبيل الْخَبَر وَالْخَبَر يحْتَمل الصدْق وَالْكذب فَلَا بُد من تَحْصِيل هَذَا الْعلم من أَمريْن الأول مُلَاحظَة حَال الروَاة وَالثَّانِي الِاحْتِيَاط الْعَظِيم فِي فهم مَعَاني الْأَحَادِيث لِأَن المساهلة فِي الْأَمر الأول توجب التباس الْكَاذِب بالصادق وَعدم الِاحْتِيَاط فِي الثَّانِي توجب اشْتِبَاه المُرَاد بِغَيْر المُرَاد وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَا تحصل الْفَائِدَة الَّتِي ترجى من علم الحَدِيث بل يحصل ضدها الْمُوجب للضلال والإضلال معَاذ الله من ذَلِك
فَالْأَمْر الأول أَعنِي مُلَاحظَة حَال الروَاة المخبرين فَكَانَ لَهُم فِي الصَّدْر الأول من التَّابِعين وتبعهم إِلَى زمن البُخَارِيّ وَمُسلم طَرِيقا آخر حَيْثُ كَانُوا يبحثون عَن أَحْوَال رجال كل بَلْدَة وزمان ويفتشون عَنْهَا فَمَتَى شموا فِي أحد مِنْهُم رَائِحَة الْكَذِب وَسُوء الْحِفْظ وَعدم التدين يقبلُوا حَدِيثه وَمن ثمَّ صنفت دفاتر مبسوطة وَكتب مضبوطة فِي أَحْوَال الرِّجَال وَأما الْيَوْم فحاله على طَرِيق آخر وَلذَلِك وَجب التَّمْيِيز بَين الْكتب الْمُجَرَّدَة الصِّحَاح الْقَابِلَة اللاعتماد وَبَين الْكتب الْوَاجِبَة الرَّد وَالتّرْك لِئَلَّا يَقع الطَّالِب فِي ورطة التَّخْلِيط وَقد فَاتَ هَذَا التَّمْيِيز من كثير من الْمُحدثين الْمُتَأَخِّرين حَتَّى خالفوا فِي رسائلهم جُمْهُور السّلف الصَّالِحين وتمسكوا بِأَحَادِيث الْكتب الَّتِي لَا عِبْرَة بهَا عِنْد الْمُحَقِّقين المبرزين
وَالْأَمر الثَّانِي أَي الِاحْتِيَاط فِي فهم مَعَاني الْأَحَادِيث ف مَشَارِق
стр. 114
الْأَنْوَار للْقَاضِي عِيَاض يَكْفِي لتوضيح مَعَاني الصحيحن والموطأ وجامع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير يُغني عَن الْأُمَّهَات السِّت كلهَا وَمجمع الْبحار يَفِي لتحقيق جَمِيع كتب الحَدِيث من الطَّبَقَات الْأَرْبَع الْمَذْكُورَة وَشرح الشَّيْخ عبد الرؤوف الْمَنَاوِيّ على الْجَامِع الصَّغِير للسيوطي كَاف واف لشرح أَكثر الْأَحَادِيث وَلَكِن كَلَام الشُّرَّاح تنوع فِي شرحهم الْأَحَادِيث وتوجيهاتها كثيرا رطبا ويابسا فَليعلم الطَّالِب رجَالًا عَلَيْهِم الِاعْتِمَاد فِي هَذَا الشَّأْن وعَلى كتبهمْ وتأليفهم التعويل والإيقان
مِنْهُم الإِمَام النَّوَوِيّ شَارِح صَحِيح مُسلم وَالْبَغوِيّ وَكتابه شرح السّنة كَاف فِي فقه الحَدِيث وتوجيه مشكلاته حَتَّى كَاد يحصل مِنْهُ شرح المصابيح والمشكاة كليهمَا والخطابي شَارِح السّنَن لأبي دَاوُد وَهَؤُلَاء هم الشوافع
وَمِنْهُم الطَّحَاوِيّ الْقدْوَة فِي شرح الْأَحَادِيث وَكتابه مَعَاني الْآثَار متمسك للحنفية
وَمِنْهُم ابْن عبد الْبر الْمَالِكِي مقدم هَذِه الْجَمَاعَة وكتاباه الاستذكار والتمهيد تذكرتان عَنهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قَوْلهم هُوَ الْمُعْتَمد عَلَيْهِ وَكَلَامهم هُوَ الْمرجع إِلَيْهِ وَإِلَّا فشراح كتب الحَدِيث كَثِيرُونَ يعسر عد أساميهم وأسامي كتبهمْ وَلكُل مِنْهُم شَأْن آخر وَلَكنهُمْ مَعَ ذَلِك آخذون من أُولَئِكَ الْأَئِمَّة فَإِن تيسرت لأحد كتب هَؤُلَاءِ الْقَوْم ارْتَفَعت حَاجَة الطَّالِب عَن تشويشات الْمُتَأَخِّرين وتكلفاتهم الْبَارِدَة فِي الدّين
وللشيخ ولي الدّين الْمُحدث ﵁ قَوَاعِد عَجِيبَة وفوائد غَرِيبَة لفهم مَعَاني الْأَحَادِيث وَدفع التَّعَارُض من بَينهَا وَكتاب المغيث فِي مُخْتَلف الحَدِيث حسن بسن نموذجا فِي هَذَا الْبَاب وَحُصُول ملكة التَّمْيِيز لأحد مَا بَين صَحِيح الحَدِيث وسقيمه واستقامة الذِّهْن وسلامة الطَّبْع وَعدم الْميل إِلَى الْخَطَأ وَقبُول الصَّوَاب بِقَلِيل التَّنْبِيه والإيماء نعْمَة عظمى ودولة كبرى فَإِن الْعلم ومواده كثير فِي الْعَالم وَإِنَّمَا الْعَزِيز هِيَ الملكة الْمَذْكُورَة فَإِنَّهَا الكبريت الْأَحْمَر شعر
стр. 115
(رسائل إخْوَان الصفاء كَثِيرَة ... وَلَكِن إخْوَان الصفاء قَلِيل)
الْفَصْل الثَّانِي فِي ذكر الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة
الِاحْتِجَاج فِي الْأَحْكَام بالْخبر الصَّحِيح مجمع عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ بالْحسنِ لذاته عِنْد عَامَّة الْعلمَاء وَهُوَ مُلْحق بِالصَّحِيحِ فِي بَاب الِاحْتِجَاج وَإِن كَانَ دونه فِي الْمرتبَة والْحَدِيث الضَّعِيف الَّذِي بلغ بِتَعَدُّد الطّرق مرتبَة الْحسن لغيره أَيْضا مُحْتَج بِهِ وَمَا اشْتهر من أَن الحَدِيث الضَّعِيف مُعْتَبر فِي فَضَائِل الْأَعْمَال لَا فِي غَيرهَا المُرَاد مفرداته لَا مجموعها لِأَنَّهُ دَاخل فِي الْحسن لَا فِي الضَّعِيف صرح بِهِ الْأَئِمَّة
وَقَالَ بَعضهم إِن كَانَ الضَّعِيف من جِهَة سوء حفظ أَو اخْتِلَاط أوتدليس مَعَ وجود الصدْق والديانة يجْبر بِتَعَدُّد الطّرق وَإِن كَانَ من جِهَة إتهام الْكَذِب أَو الشذوذ أَو فحش الْخَطَأ لَا يجْبر بِتَعَدُّد الطّرق والْحَدِيث مَحْكُوم عَلَيْهِ بالضعف ومعمول بِهِ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وعَلى مثل هَذَا يَنْبَغِي أَن يحمل مَا قيل إِن لُحُوق الضَّعِيف بالضعيف لَا يُفِيد قُوَّة وَإِلَّا فَهَذَا القَوْل ظَاهر الْفساد هَكَذَا قَالَ الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي فِي مُقَدّمَة الْمشكاة
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار ذكر الْفُقَهَاء والمحدثون أَنه يجوز وَيسْتَحب الْعَمَل فِي الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب والترهيب بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف مالم يكن مَوْضُوعا وَأما الْأَحْكَام كالحلال وَالْحرَام والمعاملات فَلَا يعْمل فِيهَا إِلَّا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح وَالْحسن إِلَّا أَن يكون فِي احْتِيَاط فِي شَيْء من ذَلِك كَمَا إِذا ورد حَدِيث ضَعِيف بِكَرَاهَة بعض الْبيُوع أَو الْأَنْكِحَة فَإِن الْمُسْتَحبّ أَن يتنزه عَن ذَلِك وَلَكِن لَا يجب وَخَالف ابْن الْعَرَبِيّ الْمَالِكِي فِي ذَلِك فَقَالَ إِن الحَدِيث الضَّعِيف لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا
وَقَالَ السخاوي فِي القَوْل البديع سَمِعت شَيخنَا ابْن حجر مرَارًا يَقُول شَرَائِط الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف ثَلَاثَة
стр. 116
الأول مُتَّفق عَلَيْهِ وهوأن يكون الضعْف غيرشديد كَحَدِيث من انْفَرد من الْكَذَّابين والمتهمين مِمَّن فحش غلطه
وَالثَّانِي أَن يكون مندرجا تَحت أصل عَام فَيخرج مَا يخترع بِحَيْثُ لَا يكون لَهُ أصل أصلا
وَالثَّالِث أَن لَا يعْتَقد عِنْد الْعَمَل ثُبُوته لِئَلَّا ينْسب إِلَى النَّبِي ﷺ مَا لم يقلهُ والأخيران عَن عبد السَّلَام وَابْن دَقِيق الْعِيد وَالْأول نقل العلائي الِاتِّفَاق عَلَيْهِ وَعَن أَحْمد أَنه يعْمل بِهِ إِذا لم يُوجد غَيره وَفِي رِوَايَة عَنهُ ضَعِيف الحَدِيث أحب إِلَيْنَا من رَأْي الرِّجَال
قَالَ الْعَلامَة ابْن الْقيم فِي اعلام الموقعين الأَصْل الرَّابِع الْأَخْذ بالمرسل والْحَدِيث الضَّعِيف إِذا لم يكن فِي الْبَاب شَيْء يَدْفَعهُ وَهُوَ الَّذِي رَجحه على الْقيَاس وَلَيْسَ المُرَاد بالضعيف عِنْده الْبَاطِل وَلَا الْمُنكر وَلَا مَا فِي رِوَايَته مُتَّهم بِحَيْثُ لَا يسوغ الذّهاب إِلَيْهِ فَالْعَمَل بِهِ الحَدِيث الضَّعِيف عِنْده قسم الصَّحِيح وَقسم من أَقسَام الْحسن وَلم يكن يقسم الحَدِيث إِلَى صَحِيح وَحسن والضعيف بل إِلَى صَحِيح ضَعِيف والضعيف عِنْده مَرَاتِب فَإِذا لم يجد فِي الْبَاب أثرا يَدْفَعهُ وَلَا قَول صَاحب وَلَا اجماعا على خِلَافه كَانَ الْعَمَل بِهِ عِنْده أولى من الْقيَاس وَلَيْسَ أحد من الْأَئِمَّة إِلَّا وَهُوَ مُوَافقَة على هَذَا الأَصْل من حَيْثُ الْجُمْلَة فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم أحد إِلَّا وَقد قدم الحَدِيث الضَّعِيف على الْقيَاس
فَقدم أَبُو حنيفَة حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس وَأجْمع أهل الحَدِيث على ضعفه وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس وَأكْثر أهل الحَدِيث يُضعفهُ وَقدم حَدِيث أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام وَهُوَ ضَعِيف باتفاقهم على مَحْض الْقيَاس فَإِن الَّذِي ترَاهُ فِي الْيَوْم الثَّالِث عشر مسَاوٍ فِي الْحَد والحقيقة وَالصّفة لدم الْيَوْم الْعَاشِر وَقدم حَدِيث لَا مهر أقل من عشرَة دَرَاهِم وَأَجْمعُوا على ضعفه بل بُطْلَانه على مَحْض الْقيَاس فَإِن بذل الصَدَاق مُعَاوضَة فِي مُقَابلَة بذل الْبضْع فَمَا تَرَاضيا عَلَيْهِ جَازَ قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا
стр. 117
وَقدم الشَّافِعِي خبر تَحْرِيم صيدوج مَعَ ضعفه على الْقيَاس وَقدم خبر جَوَاز الصَّلَاة بِمَكَّة فِي وَقت النَّهْي مَعَ ضعفه ومخالفته لقياس غَيرهَا من الْبِلَاد وَقدم فِي أحد قوليه حَدِيث من قاء أَو رعف فليوضئ وليبن على صلَاته على الْقيَاس مَعَ ضعف الْخَبَر وارساله وَأما مَالك فَإِنَّهُ يقدم الحَدِيث الْمُرْسل والمنقطع والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس فَإِذا لم يكن عِنْد الإِمَام أَحْمد فِي الْمَسْأَلَة نَص وَلَا قَول الصَّحَابَة أوواحد مِنْهُم وَلَا أثر مُرْسل أَو ضَعِيف عدل إِلَى الأَصْل الْخَامِس وَهُوَ الْقيَاس فَاسْتَعْملهُ للضَّرُورَة وَقد قَالَ فِي كتاب الْخلال سَأَلت الشَّافِعِي عَن الْقيَاس فَقَالَ إِنَّمَا يُصَار إِلَيْهِ عِنْد الضَّرُورَة انْتهى
وَذكر ابْن حزم الْإِجْمَاع على أَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن ضَعِيف الحَدِيث أولى عِنْده من الرَّأْي وَالْقِيَاس إِذا لم يجد فِي الْبَاب غَيره
وَقَالَ الملا عَليّ الْقَارِي إِن أَبَا حنيفَة قدم الحَدِيث وَلَو كَانَ ضَعِيفا على الْقيَاس وَكَذَا اعْتبر الحَدِيث الْمَوْقُوف وَترك الرَّأْي وَكَذَا عمل بالمراسيل انْتهى
وَقَالَ ابْن الْقيم وَأَصْحَاب أبي حنيفَة مجمعون على أَن مَذْهَب أبي حنيفَة أَن ضَعِيف الحَدِيث أولى عِنْده من الْقيَاس والرأي وعَلى ذَلِك بنى مذْهبه فتقديم الحَدِيث الضَّعِيف وآثار الصَّحَابَة على الْقيَاس والرأي قَوْله وَقَول الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَلَيْسَ المُرَاد بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي اصْطِلَاح السّلف هُوَ الضَّعِيف فِي اصْطِلَاح الْمُتَأَخِّرين بل مَا يُسَمِّيه الْمُتَأَخّرُونَ حسنا قد يُسَمِّيه المتقدمون ضَعِيفا انْتهى
فَتحصل أَن فِي الْعَمَل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف ثَلَاثَة مَذَاهِب لَا يعْمل بِهِ مُطلقًا يعْمل بِهِ فِي الْفَضَائِل بِشُرُوطِهِ وَقيد ابْن الصّلاح جَوَاز رِوَايَة الضَّعِيف بِاحْتِمَال صدقه فِي الْبَاطِن وَهل يشْتَرط فِي الِاحْتِمَال أَن يكون قَوِيا أم لَا فِيهِ خلاف وَظَاهر كَلَام مُسلم أَنه إِذا لم يكن قَوِيا لَا يعْتد بِهِ
وللعلامة الدواني فِي أنموذجه على هَذِه الْمَسْأَلَة إِشْكَال أوردهُ على الْقَوْم وحاول الْجَواب عَنهُ بِمَا زَاده إشْكَالًا وَلَيْسَ بِشَيْء وَهُوَ أَنه اتَّفقُوا على
стр. 118
أَنه لَا يعْمل بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف وَلَا يثبت بِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ثمَّ أَنهم ذكرُوا أَنه يجوز بل يسْتَحبّ الْعَمَل بِهِ فِي فَضَائِل الْأَعْمَال كَمَا فِي الْأَذْكَار وَفِيه إِشْكَال لِأَن جَوَاز الْعَمَل واستحبابه من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَإِذا اسْتحبَّ الْعَمَل بِهِ كَانَ ثُبُوت ذَلِك بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف وَهُوَ يُنَافِي مَا تقدم ويناقضه وحاول بَعضهم التَّقَصِّي عَنهُ بِأَن المُرَاد أَنه يجوز رِوَايَته وَهُوَ لَا يرتبط بِمَا قَالُوهُ وَالَّذِي يصلح للتعويل عَلَيْهِ أَن يُقَال إِذا وجد حَدِيث فِي فَضِيلَة عمل من الْأَعْمَال لَا يحْتَمل الْحُرْمَة وَالْكَرَاهَة يجوز الْعَمَل بِهِ رَجَاء للثَّواب فَإِن دَار بَين الْحُرْمَة وَالصَّوَاب فَهُوَ أسهل لِأَن الْمُبَاح يصير بِالنِّيَّةِ مُسْتَحبا فجواز الْعَمَل بِهِ لَيْسَ لأجل الحَدِيث على أَن الْإِبَاحَة أَيْضا من الْأَحْكَام الْخَمْسَة فَالْحق أَن الْجَوَاز مَعْلُوم من خَارج والاستحباب مَعْلُوم من الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة الدَّالَّة على اسْتِحْبَاب الِاحْتِيَاط فِي الدّين فَلم يثبت شَيْء من الْأَحْكَام بِالْحَدِيثِ انْتهى
وَأجَاب عَن ذَلِك الشهَاب الخفاجي فِي نسيم الرياض شرح شِفَاء القَاضِي عِيَاض بِمَا نَصه أَقُول إِذا احطت خَبرا بِمَا تقدم فِي كَلَام السخاوي عرفت أَن مَا قَالَه الْجلَال مُخَالف لكلامهم برمتِهِ وَمَا نَقله من الِاتِّفَاق غير صَحِيح مَعَ مَا سمعته من الْأَقْوَال والاحتمالات الَّتِي أبدأها لَا تفِيد سوى تسويد وَجه القرطاس وَالَّذِي أوقعه فِي الْحيرَة توهمه أَن عدم ثُبُوت الْأَحْكَام بِهِ مُتَّفق عَلَيْهِ وَأَنه يلْزم من الْعَمَل بِهِ فِي الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب أَنه يثبت بِهِ حكم من الْأَحْكَام وَكِلَاهُمَا غير صَحِيح أما الأول فَلِأَن من الْأَئِمَّة من جوز الْعَمَل بِهِ بِشُرُوطِهِ وَقدمه على الْقيَاس وَأما الثَّانِي فَلِأَن ثُبُوت الْفَضَائِل وَالتَّرْغِيب لَا يلْزمه الحكم أَلا ترى أَنه لَو رُوِيَ حَدِيث ضَعِيف فِي ثَوَاب بعض الْأُمُور الثَّابِت استحبابها وَالتَّرْغِيب فِيهِ أَو فِي فَضَائِل بعض الصَّحَابَة أَو الْأَذْكَار المأثورة لم يلْزم مِمَّا ذكر ثُبُوت حكم أصلا وَلَا حَاجَة لتخصيص الْأَحْكَام والأعمال كَمَا توهم للْفرق الظَّاهِر بَين الْأَعْمَال وفضائل الْأَعْمَال وَإِذا ظهر عدم الصَّوَاب لِأَن الْقوس فِي يَد باريها ظهر أَنه لَا إِشْكَال وَلَا خلل وَلَا اختلال انْتهى
стр. 119
قلت وَأما الحَدِيث الْمُرْسل الَّذِي رَوَاهُ التَّابِعِيّ مُطلقًا أَو تَابِعِيّ كَبِير إِلَى النَّبِي ﷺ فَلَا يحْتَج بِهِ الإِمَام الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور وَاحْتج بِهِ أَو حنيفَة وَمَالك وَأحمد فِي الْمَشْهُور عَنهُ فَإِن اعتضد بمجيئه من وَجه آخر مُسْندًا أَو مُرْسلا مِمَّن يقبل عَنهُ الْعلم أَو وَافق قَول الصَّحَابَة وَأفْتى أَكثر الْعلمَاء بِمُقْتَضَاهُ فَإِنَّهُ صَحِيح
قَالَ الشَّافِعِي لَا أقبل مُرْسل غير كبار التَّابِعين إِلَّا بِالشّرطِ الَّذِي وَصفته وَمن ثمَّ احْتج الشَّافِعِي بمراسيل ابْن الْمسيب لِأَنَّهَا وجدت مُسندَة من وُجُوه أخر
قَالَ النَّوَوِيّ إِنَّمَا اخْتلف أَصْحَابنَا المتقدمون فِي معنى قَول الشَّافِعِي إرْسَال ابْن الْمسيب عندنَا حسن على قَوْلَيْنِ أَحدهمَا أَنَّهَا حجَّة عِنْده بِخِلَاف غَيرهَا من الْمَرَاسِيل لِأَنَّهَا وجدت مستندة ثَانِيهمَا أَنَّهَا لَيست بِحجَّة عِنْده بل هِيَ كَغَيْرِهَا من الْمَرَاسِيل وَإِنَّمَا رجح الشَّافِعِي بمرسله وَالتَّرْجِيح بالمرسل جَائِز قَالَ الْخَطِيب وَالصَّوَاب الثَّانِي وَأما الأول فَلَيْسَ بِشَيْء لِأَن فِي مَرَاسِيل سعيد مَا لَا يُوجد بِحَال من وَجه آخر يَصح
فَإِن قيل قَوْلكُم يقبل الْمُرْسل إِذا جَاءَ مُسْندًا من وَجه آخر لَا حَاجَة إِلَى المراسل بل الِاعْتِمَاد حِينَئِذٍ على الحَدِيث الْمسند أُجِيب بِأَنَّهُ بالمسند تَبينا صِحَة الْمُرْسل وصارا دَلِيلين يرجح بهما عِنْد مُعَارضَة دَلِيل وَاحِد وَأما مَرَاسِيل الصَّحَابَة كَابْن عَبَّاس وَغَيره من صغَار الصَّحَابَة عَنهُ ﷺ مِمَّا لم يسمعوه مِنْهُ فَهُوَ حجَّة وَإِذا تعَارض الْوَصْل والإرسال بِأَن اخْتلف الثِّقَات فِي حَدِيث فيرويه بَعضهم مُتَّصِلا وَآخر مُرْسلا كَحَدِيث لَا نِكَاح إِلَّا بولِي رَوَاهُ اسرائيل وَجَمَاعَة عَن أبي اسحاق السبيعِي عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ وَرَوَاهُ الثَّوْريّ وَشعْبَة عَن أبي اسحاق عَن أبي بردة عَن النَّبِي ﷺ فَقيل الحكم للمسند إِذا كَانَ عدلا ضابطا قَالَ الْخَطِيب وَهُوَ الصَّحِيح وَسُئِلَ عَنهُ البُخَارِيّ فَحكم لمن وصل وَقَالَ الزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة وَتقبل زِيَادَة الثِّقَات مُطلقًا على الصَّحِيح
стр. 120
الْفَصْل الثَّالِث فِي ضبط الحَدِيث ودرسه وتحمله
إعلم أَن الضَّبْط الَّذِي يُؤْخَذ فِي صِحَة الحَدِيث كَانَ لَهُ فِي الْأمة المرحومة ثَلَاث أَحْوَال
الأول أَنهم كَانُوا يحفظون الْأَحَادِيث فِي زمن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عَن ظهر غيب ويقتصرون عَلَيْهَا وَكَانَ ضبطهم يَوْمئِذٍ فِي جودة الْحِفْظ فَقَط
الثَّانِي أَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ الْأَحَادِيث فِي زمن تبع التَّابِعين وأوائل الْمُحدثين إِلَى الطبقه السَّابِعَة أَو الثَّامِنَة وَكَانَ ضبط ذَلِك الْوَقْت فِي تَبْيِين الْخط وَالِاحْتِيَاط فِي الثِّقَات والحركات والسكنات وتصوير الْحُرُوف ومقابلتها على أُصُولهَا الصَّحِيحَة وَحفظ الْكتاب عَن الْعَوَارِض الطارئة عَلَيْهِ وَنَحْوهَا
الثَّالِث أَنهم أَي الْحفاظ صنفوا كتبا جمة فِي أَسمَاء الرِّجَال وغريب الحَدِيث وَضبط الْأَلْفَاظ المشكلة وصنفوا شروحا لَهَا حافلة وتعرضوا بِمَا يَلِيق بِهِ التَّعَرُّض والبحث عَن أحوالها
وَأما الْيَوْم فالضبط أَن ينظر الطَّالِب الرَّاغِب فِي تصانيف هَؤُلَاءِ الْأَعْلَام وشروحها ويروي الْأَحَادِيث بحسبها مَعَ الصِّحَّة والإتقان وَمن ثمَّ تساهل أهل الحَدِيث وتسامحوا فِي هَذَا الزَّمَان فِيمَا شدد فِيهِ المتقدمون الْأَعْيَان كَمَا تساهل المتوسطون فِي الْحِفْظ واكتفوا مِنْهُ على الْخط فَقَط وَلِهَذَا شاعت فيهم الوجادة والمنابذة الْمُجَرَّدَة وَنَحْوهَا بِخِلَاف الطَّبَقَات السَّابِقَة فَإِنَّهُم اجتهدوا اجْتِهَادًا تَاما فِي كل من هَذِه الْأُمُور لتكميل هَذَا الشَّأْن فاشتغال الْمُحدث بأحوال رجال السَّنَد بعد تَصْحِيح أساميهم وبتفرقة وثوقهم سِيمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمثلهمَا وبتأويل لفظ لَيْسَ منا من فعل كَذَا وَإِن الله قبل وَجهه وَنَحْوهَا وبالفروع الْفِقْهِيَّة وَبَيَان اخْتِلَاف مَذَاهِب الْفُقَهَاء وبالتوفيق فِي اخْتِلَاف رواياتهم وترجيح بعض الْأَحَادِيث على بَعْضهَا من قبيل الإمعان والتعمق وَكَانَت أَوَائِل هَذِه الْأمة المرحومة مشتغلة بهَا وَإِنَّمَا يَخُوض فِي أَمْثَال هَذِه الْأُمُور الْفُقَهَاء والمتكلمون
стр. 121
قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ وَيسْتَحب الاعتناء بضبط الحَدِيث وتحقيقه لفظا وشكلا وإيضاحا من غير مشق وَلَا تَعْلِيق بِحَيْثُ يُؤمن مَعَه اللّبْس أَو إِنَّمَا يشكل الْمُشكل وَلَا يشْتَغل بتقييد الْوَاضِح وَصوب عِيَاض شكل الْكل للمبتدئ وَغير المعرب وَرَأى بعض مَشَايِخنَا الِاقْتِصَار فِي ضبط البُخَارِيّ على رِوَايَة وَاحِدَة لَا كَمَا يَفْعَله من ينْسَخ البُخَارِيّ من نُسْخَة الْحَافِظ شرف الدّين اليونيني لما يَقع فِي ذَلِك من الْخَلْط الْفَاحِش بِسَبَب عدم التَّمْيِيز ويتأكد ضبط الملبس من الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ نقل مَحْض لَا مدْخل للإفهام فِيهِ كبريد بِضَم الْمُوَحدَة فَإِنَّهُ يشْتَبه بِيَزِيد بالتحتية فضبط ذَلِك أولى لِأَنَّهُ لَيْسَ قبله وَلَا بعده شَيْء يدل عَلَيْهِ وَلَا مدْخل للْقِيَاس بِهِ وليقابل مَا يَكْتُبهُ بِأَصْل شَيْخه أَو بِأَصْل أصل شَيْخه الْمُقَابل بِهِ أصل شَيْخه أَو فرع مُقَابل بِأَصْل السماع وليعن بالتصحيح بِأَن يكْتب صَحَّ على كَلَام صَحَّ رِوَايَة وَمعنى لكَونه عرضة للشَّكّ أَو الْخلاف وَكَذَا بالتضبيب وَيُسمى التمريض بِأَن يمد خطأ أَوله كرأس الصَّاد وَلَا يلصقه بالممدود عَلَيْهِ على ثَابت نقلا فَاسِدا لفظا أَو معنى أَو ضَعِيف أَو نَاقص وَمن النَّاقِص مَوضِع الْإِرْسَال وَيصْلح النِّيَّة فِي التحديث بِحَيْثُ يكون مخلصا لَا يُرِيد بذلك عرضا دنيويا بَعيدا عَن حب الرِّئَاسَة ورعونتها وليقرأ الحَدِيث بِصَوْت حسن فصيح مرتل وَلَا يسْرد سردا لِئَلَّا يلتبس أَو يمْنَع السَّائِل من إِدْرَاك بعضه وَقد تسَامح بعض النَّاس فِي ذَلِك وَصَارَ يعجل استعجالا يمْنَع السَّامع من إِدْرَاك حُرُوف كَثِيرَة بل كَلِمَات وَالله تَعَالَى بمنه وَكَرمه يهدينا سَوَاء السَّبِيل انْتهى
وَأما درس الحَدِيث فَلهُ ثَلَاثَة طرق عِنْد عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ الشريفين
أَولهَا السرد وَهُوَ أَن يَتْلُو الشَّيْخ المستمع أَو الْقَارئ كتابا من كتب هَذَا الْفَنّ من دون تعرض مباحثه اللُّغَوِيَّة والفقهية وَأَسْمَاء الرِّجَال وَنَحْوهَا
وَثَانِيها طَرِيق الْحل والبحث وَهُوَ أَن يتَوَقَّف بعد تِلَاوَة الحَدِيث الْوَاحِد مثلا على لَفظه الْغَرِيب وتراكيبه العويصة وَاسم قَلِيل الْوُقُوع من أَسمَاء الْإِسْنَاد وسؤال ظَاهر الْوُرُود وَالْمَسْأَلَة الْمَنْصُوص عَلَيْهَا وبحلة بِكَلَام متوسط ثمَّ يسْتَمر فِي قِرَاءَة مَا بعْدهَا
стр. 122
وَثَالِثهَا طَرِيق الإمعان وَهُوَ أَن يذكر على كل كلمة مَا لَهَا وَمَا عَلَيْهَا كَمَا يذكر مثلا على كل كلمة غَرِيبَة وتراكيب عويصة شواهدها من كَلَام الشُّعَرَاء وأخوات تِلْكَ الْكَلِمَة وتركيبها فِي الِاشْتِقَاق ومواضع استعمالاتها وَفِي أَسمَاء الرِّجَال حالات قبائلهم وسيرهم وَيخرج الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة على الْمسَائِل الْمَنْصُوص عَلَيْهَا ويقص الْقَصَص العجيبة والحكايات الغريبة بِأَدْنَى مُنَاسبَة وَمَا أشبههَا فَهَذِهِ الطّرق هِيَ المنقولة عَن عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ قَدِيما وحديثا
قَالَ الْمولى ولي الله الدهلوي ومختار الشَّيْخ حسن العجيمي وَالشَّيْخ أَحْمد الْقطَّان وَالشَّيْخ أبي طَاهِر الْكرْدِي هُوَ الطَّرِيق الأول يَعْنِي السرد بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْخَواص المتبحرين ليحصل لَهُم سَماع الحَدِيث وسلسلة رِوَايَته على عجالة ثمَّ إِحَالَة بَقِيَّة المباحث على شروحه لِأَن ضبط الحَدِيث مَدَاره الْيَوْم على تتبع الشُّرُوط والحواشي وبالنسبة إِلَى المبتدئين والمتوسطين الطَّرِيق الثَّانِي يَعْنِي الْبَحْث والحل ليحيطوا بالضروري فِي علم الحَدِيث علما ويستفيدوا مِنْهُ على وَجه التَّحْقِيق دركا وفهما وعَلى هَذَا يسرحون أنظارهم فِي شرح من شُرُوح كتب الحَدِيث غَالِبا ويرجعون إِلَيْهِ أثْنَاء الْبَحْث لحل العضال وَرفع الأشكال وَأما الطَّرِيق الثَّالِث فَهُوَ طَريقَة الْقصاص القاصدين مِنْهُ إِظْهَار الْفضل وَالْعلم لأَنْفُسِهِمْ وَنَحْوهَا وَالله أعلم دون رِوَايَة الحَدِيث وَتَحْصِيل الْعلم
وَأما تحمل الحَدِيث فَيصح قبل الْإِسْلَام وَكَذَا قبل الْبلُوغ فَإِن الْحسن وَالْحُسَيْن وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃ تحملوا قبل الْبلُوغ وَلم يزل النَّاس يسمعُونَ الصّبيان وَاخْتلف فِي الزَّمن الَّذِي يَصح فِيهِ السماع من الصَّبِي قيل خمس سِنِين وَقيل يعْتَبر كل صَغِير بِحَالهِ فَإِذا فهم الْخطاب ورد الْجَواب صححنا سَمَاعه وَإِن كَانَ دون خمس وَإِلَّا لم يَصح ولتحمله طرق
أَعْلَاهَا السماع من لفظ الشَّيْخ سَوَاء قَرَأَ بِنَفسِهِ أَو قَرَأَ غَيره على الشَّيْخ وَهُوَ يسمع وَيَقُول فِيهِ عِنْد الْأَدَاء أخبرنَا والأحوط الإفصاح
стр. 123
فَإِن قَرَأَ بِنَفسِهِ قَالَ قَرَأت على فلَان وَإِلَّا قَالَ قَرَأَ عَليّ فلَان وَأَنا أسمع
وَالثَّانِي الْقِرَاءَة عَلَيْهِ
وَالثَّالِث الْإِجَازَة وَلها أَنْوَاع أَعْلَاهَا إجَازَة معِين لمُعين كأجزتك الصَّحِيح للْبُخَارِيّ مثلا وأجزت فلَانا جَمِيع مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ فهرسي وَنَحْوه وإجازة معِين فِي غير معِين كأجزتك مسموعاتي أَو مروياتي وإجازة الْعُمُوم كأجزت للْمُسلمين أَو لمن أدْرك حَياتِي أَو زماني أَو لأهل الإقليم الْفُلَانِيّ وَيَقُول الْمُحدث بهَا أَنبأَنَا وأنبأني وَالصَّحِيح جَوَاز الرِّوَايَة بِهَذِهِ الْأَقْسَام وإجازة الْمَعْدُوم كأجزت لمن يُولد لفُلَان وَالصَّحِيح الْمَنْع وَلَو قَالَ لفُلَان وَلمن يُولد لَهُ أَو لَك ولعقبك جَازَ كالوقف وَالْإِجَازَة للطفل الَّذِي لم يُمَيّز صَحِيحه لِأَنَّهَا إِبَاحَة وَالْإِبَاحَة تصح للعاقل وَغَيره وإجازة الْمجَاز كأجزت لَك مَا أُجِيز لي وَيسْتَحب الْإِجَازَة إِذا كَانَ الْمُجِيز وَالْمجَاز لَهُ من أهل الْعلم لِأَنَّهَا توسع يحْتَاج اليه أهل الْعلم وَيَنْبَغِي للمجيز أَن يتَلَفَّظ بهَا فَإِن اقْتصر على الْكتاب صحت
وَقَالَ الْقُسْطَلَانِيّ وَشرط صِحَة الْإِجَازَة أَن تكون من عَالم بالمداز وَالْمجَاز لَهُ من أهل الْعلم الْمجَاز بِهِ صناعَة وَعَن ابْن عبد الْبر الصَّحِيح أَن الْإِجَازَة لَا تقبل إِلَّا لماهر بالصناعة حاذق فِيهَا يعرف كَيفَ يَتَنَاوَلهَا وَمَا لَا يشكل إِسْنَاده لكَونه مَعْرُوفا معينا وَإِن لم يكن كَذَلِك لم يُؤمن أَن يحديث الْمجَاز عَن الشَّيْخ بِمَا لَيْسَ من حَدِيثه أَو ينقص من إِسْنَاده الرجل وَالرّجلَيْنِ وَقَالَ ابْن سيد النَّاس أقل مَرَاتِب الْمُجِيز أَن يكون عَالما بِمَعْنى الْإِجَازَة الْعلم الإجمالي من أَنه روى شَيْئا وَأَن معنى إِجَازَته لذَلِك الْغَيْر فِي رِوَايَة ذَلِك الشَّيْء عَنهُ بطرِيق الْإِجَازَة الْمَعْهُودَة إِلَّا الْعلم التفصيلي بِمَا روى وَبِمَا يتَعَلَّق بِأَحْكَام الْإِجَازَة وَهَذَا الْعلم الإجمالي حَاصِل فِيمَا رَأَيْنَاهُ من عوام الروَاة فان انحط راو فِي الْفَهم عَن هَذِه الدرجَة وَلَا إخال أحدا ينحط عَن إِدْرَاك هَذَا إِذا عرف بِهِ فَلَا أَحْسبهُ أَهلا لِأَن يتَحَمَّل عَنهُ باجازة وَلَا سَماع قَالَ وَهَذَا الَّذِي أَشرت إِلَيْهِ من التَّوَسُّع فِي الاجازة هُوَ طَرِيق الْجُمْهُور
стр. 124
قَالَ شَيخنَا وَمَا عداهُ من التَّشْدِيد فَهُوَ منَاف لما جوزت الاجازة لَهُ من بَقَاء السلسلة نعم لَا يشْتَرط التأهل حِين التَّحَمُّل وَلم يقل أحد بِالْأَدَاءِ بِدُونِ شَرط الرِّوَايَة وَعَلِيهِ يحمل قَوْلهم أجزت لَهُ رِوَايَة كَذَا بِشَرْطِهِ وَمِنْه ثُبُوت الْمَرْوِيّ من حَدِيث الْمُجِيز وَقَالَ أَبُو مَرْوَان الطَّيِّبِيّ إِنَّهَا لَا تحْتَاج بِغَيْر مُقَابلَة نُسْخَة بأصول الشَّيْخ وَقَالَ عِيَاض بعد تَصْحِيح رِوَايَات الشَّيْخ ومسموعاته وتحقيقها وَصِحَّة مُطَابقَة كتب الرَّاوِي لَهَا والإعتماد على الْأُصُول المصححة وَكتب بَعضهم لمن علم مِنْهُ التأهيل أجزت لَهُ الرِّوَايَة عَنى وَهُوَ لما علم من اتقانه وَضَبطه غَنِي عَن تقييدي ذَلِك بِشَرْطِهِ انْتهى
الرَّابِع المناولة وأعلاها مَا يقرن بالاجازة وَذَلِكَ بِأَن يدْفع إِلَيْهِ الشَّيْخ أصل سَمَاعه أَو فرعا مُقَابلا بِهِ وَيَقُول هَذَا سَمَاعي أَو روايتي عَن فلَان فاروه عَنى وأجزت لَك رِوَايَته ثمَّ يبقيه فِي يَده تَمْلِيكًا أَو إِلَى أَن ينسخه وَمِنْهَا أَن يناول الطَّالِب الشَّيْخ سَمَاعه فيتأمله وَهُوَ عَارِف متيقظ ثمَّ يناوله الطَّالِب وَيَقُول هُوَ حَدِيثي أَو سَمَاعي فارو عَنى وَيُسمى هَذَا عرض المناولة وَلها أَقسَام أخر
الْخَامِس الْمُكَاتبَة وَهِي أَن يكْتب مسموعه أَو مقرره جَمِيعه أَو بعضه لغَائِب أَو حَاضر بِخَطِّهِ أَو يَأْذَن لَهُ بكتبه لَهُ وَهِي إِمَّا مقترنة بِالْإِجَازَةِ كَأَن يكْتب أجزت لَك ومجردة عَنْهَا وَالصَّحِيح جَوَاز الرِّوَايَة على التَّقْدِيرَيْنِ
السَّادِس الْإِعْلَام وَهُوَ أَن يعلم الشَّيْخ الطَّالِب أَن هَذَا الْكتاب رِوَايَته من غير أَن يَقُول اروه عني وَالأَصَح أَنه لَا يجوز رِوَايَته لاحْتِمَال أَن يكون الشَّيْخ قد عرف فِيهِ خللا فَلَا يَأْذَن فِيهِ
стр. 125
وَقَالَ الْقُسْطَلَانِيّ جوزها كثير من الْفُقَهَاء والأصوليين مِنْهُم ابْن جريج وَابْن الصّباغ
السَّابِع الوجادة من وجد يجد موجد وَهُوَ أَن يقف على كتاب بِخَط شيخ فِيهِ أَحَادِيث لَيْسَ لَهُ رِوَايَة مَا فِيهَا فَلهُ أَن يَقُول وجدت أَو قَرَأت بِخَط فلَان أَو فِي كتاب فلَان بِخَطِّهِ حَدثنَا فلَان يَسُوق بَاقِي الْإِسْنَاد والمتن وَقد اسْتمرّ عَلَيْهِ الْعَمَل قَدِيما وحديثا وَهُوَ من بَاب الْمُرْسل وَفِيه شوب من الإتصال وَاعْلَم أَن قوما شَدَّدُوا فَقَالُوا لَا حجَّة فِيمَا رَوَاهُ حفظا وَقيل يجوز من كِتَابه إِلَّا إِذا خرج من يَده وتشاهل آخَرُونَ وَقَالُوا تجوز الرِّوَايَة من نسخ غير مُقَابلَة بأصولها وَالْحق أَنه إِذا قَامَ فِي التَّحَمُّل والضبط والمقابلة بِمَا تقدم جَازَت الرِّوَايَة عَنهُ وَكَذَا إِن غَابَ الْكتاب إِذا كَانَ الْغَالِب سَلَامَته من تَغْيِير وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ مِمَّن لَا يخفي عَلَيْهِ تغيره غَالِبا انْتهى
الثَّامِن بِأَن يُوصي الرَّاوِي عِنْد مَوته اَوْ سَفَره لشخص بِكِتَاب يرويهِ فجوزه مُحَمَّد بن سِيرِين وَعلله عِيَاض بِأَنَّهُ نوع من الْإِذْن وَالصَّحِيح عدم الْجَوَاز إِلَّا أَن كَانَ لَهُ من الْمُوصي إجَازَة فَتكون رِوَايَته بهَا لَا بِالْوَصِيَّةِ
الْفَصْل الرَّابِع
فِي صفة الْمُحدث وتقصير النَّاس فِي طلب علم الحَدِيث وَمَا يُنَاسِبه
قَالَ أَبُو المظفر مُحَمَّد بن أَحْمد بن حَامِد بن الْفضل البُخَارِيّ لما عزل أَبُو الْعَبَّاس الْوَلِيد بن إِبْرَاهِيم بن زيد الْهَمدَانِي عَن قَضَاء الرّيّ ورد بخاري سنة ثَمَان عشرَة وثلاثمائة لتجديد مَوَدَّة كَانَت بَينه وَبَين أبي الْفضل البلعمي فَنزل جوارنا فَحَمَلَنِي معلمي أَبُو إِبْرَاهِيم اسحاق بن ابراهيم الخلتي اليه فَقَالَ أَسأَلك أَن تحدث هَذَا الصَّبِي عَن مشايخك فَقَالَ مَا لي سَماع قَالَ فَكيف وَأَنت فَقِيه فَمَا هَذَا قَالَ لِأَنِّي لما بلغت مبلغ الرِّجَال تاقت نَفسِي إِلَى معرفَة الحَدِيث وَرِوَايَة الْأَخْبَار وسماعها فقصدت مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ ببخاري صَاحب التأريخ المنظور اليه فِي علم الحَدِيث وأعلمته مرادي وَسَأَلته الإقبال على ذَلِك
стр. 126
فَقَالَ يَا بَين لَا تدخل فِي أَمر إِلَّا بعد معرفَة حُدُوده وَالْوُقُوف على مقاديره فَقلت عرفني رحملك الله تَعَالَى حُدُود مَا قصدتك بِهِ مقادير وَمَا سَأَلتك عَنهُ فَقَالَ لي اعْلَم أَن الرِّجَال لَا يصير مُحدثا كَامِلا فِي حَدِيثه إِلَّا بعد أَن يكْتب أَرْبعا مَعَ أَربع كأربع مثل أَربع فِي أَربع عِنْد أَربع بِأَرْبَع على أَربع لأَرْبَع عَن أَربع لأَرْبَع وكل هَذِه الرباعيات لَا تتمّ إِلَّا بِأَرْبَع مَعَ أَربع فَإِذا تمت لَهُ كلهَا هان عَلَيْهِ أَربع وابتلي بِأَرْبَع فَإِذا صَبر على ذَلِك أكْرمه الله تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَع وأثابه فِي الْآخِرَه بِأَرْبَع قلت فسر لي رَحِمك الله تَعَالَى مَا ذكرت من أَحْوَال هَذَا الرباعيات من قلب صَاف بشرح كَاف طلبا للآجر الوافي
فَقَالَ نعم الْأَرْبَعَة الَّتِي يحْتَاج إِلَى كتبهَا هِيَ أَخْبَار الرَّسُول ﷺ وشرائعه وَالصَّحَابَة ﵃ ومقاديرهم وَالتَّابِعِينَ وأحوالهم وَسَائِر الْعلمَاء وتواريخهم مَعَ أَسمَاء رِجَالهمْ وَكُنَاهُمْ وأمكنتهم وأزمنتهم كالتحميد مَعَ الْخطب وَالدُّعَاء مَعَ التوسل والبسملة مَعَ السُّورَة وَالتَّكْبِير مَعَ الصَّلَوَات مثل المسندات والمرسلات والموقوفات فِي صفره وَفِي إِدْرَاكه وَفِي شبابه وَفِي كهولته عِنْد فَرَاغه وَعند شغله وَعند فقره وَعند غناهُ بالجبال والبحار والبلدان والبراري على الْأَحْجَار والأخزاف والجلود والأكتاف إِلَى الْوَقْت الَّذِي يُمكنهُ نقلهَا إِلَى الأوراق عَمَّن هُوَ فَوْقه عَمَّن هُوَ مثله وَعَمن هُوَ دونه عَن كتاب أَبِيه إِن تَيَقّن أَنه بخطابيه دون غَيره لوجه الله تَعَالَى طلبا لمرضاته وَالْعَمَل بِمَا وَافق كتاب الله مِنْهَا ونشرها بَين طالبيها ومحبيها والتأليف فِي إحْيَاء ذكره بعده ثمَّ لَا تتمّ لَهُ هَذِه الاشياء إِلَّا بِأَرْبَع هِيَ من كسب العَبْد أَعنِي معرفَة الْكِتَابَة واللغة وَالصرْف والنحو مَعَ أَربع هِيَ من إِعْطَاء الله تَعَالَى أَعنِي الْقُدْرَة وَالصِّحَّة والحرص وَالْحِفْظ فَإِذا تمت لَهُ هَذِه الْأَشْيَاء كلهَا هان عَلَيْهِ أَربع الْأَهْل وَالْمَال وَالْولد والوطن وابتلى بِأَرْبَع بشماتة الْأَعْدَاء وملامة الأصدقاء وَطعن الجهلاء وحسد الْعلمَاء فَإِذا صَبر على هَذِه المحن أكْرمه الله فِي الدُّنْيَا بِأَرْبَع بعز القناعة وبؤيبة النَّفس وبدذه الْعلم وبحياة الْأَبَد وأثابه فِي الْآخِرَة بِأَرْبَع بالشفاعة لمن أَرَادَ من إخوانه وبظل الْعَرْش يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله وبسقي من أَرَادَ من حَوْض
стр. 127
نبيه ﷺ وبمجاورة النَّبِيين فِي أَعلَى عليين فقد أعلمتك يَا بني مُجملا مَا سَمِعت من مشايخي مفصلا فِي هَذَا الْبَاب فاقبل الْآن إِلَى مَا قصدت إِلَيْهِ أَو دع فهالني قَوْله فَسكت متفكرا وأطرقت متأدبا
فَلَمَّا رأى ذَلِك مني قَالَ وَإِن لم تطق حمل هَذِه المشاق كلهَا فَعَلَيْك بالفقه يمكنك تعلمه وَأَنت فِي بَيْتك قار سَاكن لَا تحْتَاج إِلَى بعد الآسغر وطي الديار وركوب الْبحار وَهُوَ مَعَ هَذَا ثَمَرَة الحَدِيث وَلَيْسَ ثَوَاب الْفَقِيه دون ثَوَاب الْمُحدث فِي الاخرة وَلَا عزة بِأَقَلّ من عز الْمُحدث
فَلَمَّا سَمِعت ذَلِك نقص عزمي فِي طلب الحَدِيث وَأَقْبَلت على دراسة الْفِقْه وتعلمه إِلَى أَن صرت فِيهِ مُتَقَدما ووقفت مِنْهُ على معرفَة مَا أمكنني من تعلمه بِتَوْفِيق الله تَعَالَى فَلذَلِك لم يكن عِنْدِي مَا أمليه على هَذَا الصَّبِي يَا أَبَا إِبْرَاهِيم فَقَالَ لَهُ أَبُو إِبْرَاهِيم إِن هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد الَّذِي لَا يُوجد عِنْد غَيْرك خير للصَّبِيّ من ألف حَدِيث يجده عِنْد غَيْرك انْتهى
قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ إِن علم الحَدِيث لَا يعلق إِلَّا بِمن قصر نَفسه عَلَيْهِ وَلم يضم غَيره من الْفُنُون اليه قَالَ الشَّافِعِي أَتُرِيدُ أَن تجمع بَين السفقه والْحَدِيث هَيْهَات كَذَا فِي إرشاد الساري
وَذكر المطرزي لأهل الحَدِيث خمس مَرَاتِب أَولهَا الطَّالِب وَهُوَ المبتديء ثمَّ الْمُحدث وَهُوَ من تحمل رِوَايَته واعتنى بدرايته ثمَّ الْحَافِظ وَهُوَ من حفظ ألف حَدِيث متْنا وإسنادا ثمَّ الْحجَّة وَهُوَ من حفظ ثَلَاثمِائَة ألف ثمَّ الْحَاكِم وَهُوَ من أحَاط بِجَمِيعِ الْأَحَادِيث
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم فِي كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل عَن الزُّهْرِيّ أَنه قا لَا يُولد الْحجَّة إِلَّا فِي كل أَرْبَعِينَ سنة وَلَعَلَّ ذَلِك فِي الزَّمن الْمُتَقَدّم وَأما فِي زَمَاننَا هَذَا فَلَا يُولد فِيهِ الْحَافِظ أَيْضا بل الْمُحدث الْكَامِل بل الشَّيْخ الْفَاضِل بل عدم فِيهِ الطَّالِب الصَّادِق والمبتدىء الرَّاغِب أَيْضا وَالْمرَاد بِالْحَافِظِ هَهُنَا الْحَافِظ للْحَدِيث وَإِن لم يكن حَافِظًا لقرآن لِأَن ذَلِك لَيْسَ مرَادا هُنَا وَفِي القَوْل الْجَمِيل ونعني
стр. 128
بالمحدث المشتفل بكتب الحَدِيث بِأَن يكون قَرَأَ لَفظهَا وَفهم مَعْنَاهَا وَعرف صِحَّتهَا وسعمها وَلَو بأخبار حَافظ واستنباط فَقِيه وَكَذَلِكَ بالمفسر المشتفل بشرح غَرِيب كتاب الله وتوجيه مشكله وَلما رُوِيَ عَن السّلف فِي تَفْسِيره انْتهى
قلت وَأما الشَّيْخ فَقَالَ الرَّاغِب أَصله من طعن فِي السن ثمَّ عبروا بِهِ عَن كل أستاذ كَامِل وَلَو كَانَ شَابًّا لِأَن شَأْن الشَّيْخ أَن تكْثر معارفه وتجاربه وَمن زعم أَن المُرَاد هُنَا من هُوَ فِي سنّ يسن فِيهِ التحديث وَهُوَ من نَحْو خمسين إِلَى ثَمَانِينَ فقد أبعد وتكلف وَالْتزم الْمَشْي على القَوْل المزيف لِأَن الصَّحِيح أَن مدَار التحديث على تأهل الْمُحدث حدث البُخَارِيّ وَمَا فِي وَجهه شعر حَتَّى أَنه رد على بعض مشايخه غَلطا وَقع لَهُ فِي سَنَده وَقد حدث مَالك وَهُوَ ابْن سَبْعَة عشر وَالشَّافِعِيّ وَهُوَ فِي حَدَاثَة السن وَالْحق أَن الْكَرَامَة والفضيلة إِنَّمَا هِيَ بِالْعلمِ وَالْعقل دون الْعُمر وَالْكبر فكم من شيخ فِي سنّ يسن فِيهِ التحديث وَهُوَ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَمْيِيز الطّيب من الْخَبيث شعر
(وَعند الشَّيْخ أَجزَاء كبار ... مجلدة وَلَكِن مَا قراها)
وَكم من طِفْل صَغِير يفوق الشَّيْخ الْكَبِير فِي الدِّرَايَة وملكة التَّحْرِير وَالله يخْتَص برحمته من يَشَاء
قَالَ الْمولى أَبُو الْخَيْر رَحمَه الله تَعَالَى إِن قصارى نظر أَبنَاء هَذَا الزَّمَان فِي علم الحَدِيث فِي مَشَارِق الْأَنْوَار فَإِن ترفعت إِلَى مصابيح الْبَغَوِيّ ظنت أَنَّهَا تصل إِلَى دَرَجَة الْمُحدثين وَمَا ذَاك إِلَّا لجهلهم بِالْحَدِيثِ بل لَو حفظهما عَن ظهر قلب وَضم إِلَيْهِمَا من الْمُتُون مثلهمَا لم يكن مُحدثا حَتَّى يلج الْجمل فِي سم الْخياط وَإِنَّمَا الَّذِي يعده أهل الزَّمَان بَالغا إِلَى النِّهَايَة وينادونه مُحدث الْمُحدثين وبخارى الْعَصْر من اشْتغل بِجَامِع الْأُصُول لِابْنِ الْأَثِير مَعَ حفظ عُلُوم الحَدِيث لِابْنِ الصّلاح أَو التَّقْرِيب للنووي إِلَّا أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من رُتْبَة الْمُحدثين
وَإِنَّمَا الْمُحدث من عرف الْأَسَانِيد وَالْمَسَانِيد والعلل وَأَسْمَاء الرِّجَال
стр. 129
والعالي والنازل وَحفظ مَعَ ذَلِك جملَة مستكثرة من الْمُتُون وَسمع الْكتب السِّتَّة ومسند الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَسنَن الْبَيْهَقِيّ ومعجم الطَّبَرَانِيّ وَضم إِلَى هَذَا الْقدر ألف جرم الْأَجْزَاء الحديثية هَذَا أقل فَإِذا سمع مَا ذَكرْنَاهُ وَكتب الطَّبَقَات وَزَاد على الشُّيُوخ وَتكلم فِي الْعِلَل والوفيات والأسانيد كَانَ فِي أول دَرَجَات الْمُحدثين ثمَّ يزِيد الله سُبْحَانَهُ مَا يَشَاء هَذَا ماذكره تَاج الدّين السُّبْكِيّ انْتهى
وَقد ذكر هَذَا فِي وقته وَلَو رأى زَمَاننَا هَذَا الَّذِي ذهب فِيهِ مَاؤُهُ ونضب رواؤه وَكثر جاهلوه وَقل عالموه لقَالَ مَا قَالَ فقد نَبتَت فِي هَذَا الزَّمَان فرقة ذَات سمعة ورياء تَدعِي لأنفسها علم الحَدِيث وَالْقُرْآن وَالْعَمَل بهما على العلات فِي كل شَأْن مَعَ أَنَّهَا لَيست فِي شَيْء من أهل الْعلم وَالْعَمَل والعرفان لجهلها عَن الْعُلُوم الآلية الَّتِي لَا بُد مِنْهَا لطَالب الحَدِيث فِي تَكْمِيل هَذَا الشَّأْن وَبعدهَا من الْفُنُون الْعَالِيَة الَّتِي لَا مندوحة لسالك طَرِيق السّنة عَنْهَا كالصرف والنحو واللغة والمعاني وَالْبَيَان فضلا عَن كمالات أُخْرَى وَأَن تشبهوا بالعلماء ويظهروا فِي زِيّ أهل التَّقْوَى نظم
(تصدر للتدريس كل مهوس ... بليد يُسمى بالفقيه الْمدرس)
(فَحق لأهل الْعلم أَن يتمثلوا ... بِبَيْت قديم شاع فِي كل مجْلِس)
(لقد هزلت حَتَّى بدا من هزالها ... كلاها وَحَتَّى استامها كل مُفلس)
وَلذَلِك تراهم يقتصرون مِنْهَا على النَّقْل ومبانيها وَلَا يصرفون العاينة إِلَى فهم النسة وتدبر مَعَانِيهَا ويظنون أَن ذَلِك يكفيهم وهيهات بل الْمَقْصُود من الحَدِيث فهمه وتدبر مَعَانِيه دون الِاقْتِصَار على مبانيه فَالْأول فِي الحَدِيث السماع ثمَّ الْحِفْظ ثمَّ الْفَهم ثمَّ الْعَمَل ثمَّ النشر وَهَؤُلَاء قد اكتفوا بِالسَّمَاعِ والنشر من دون ثَبت وَفهم وَإِن كَانَ لَا فَائِدَة فِي الِاقْتِصَار عَلَيْهِ والاكتفاء بِهِ فَالْحَدِيث فِي هَذَا الزَّمَان لقِرَاءَة الصّبيان دون أَصْحَاب الإيقان وهم فِي غفلتهم يعمهون
نقل الْغَزالِيّ عَن أبي سُفْيَان أَنه حضر فِي مجْلِس زَائِد بن أَحْمد فَكَانَ أول حَدِيث سَمعه قَوْله ﷺ من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه
стр. 130
مَا لَا يعنيه فَقَامَ وَقَالَ يَكْفِينِي حَتَّى أفرغ مِنْهُ ثمَّ أسمع غَيره فَهَكَذَا يكون سَماع النَّاس الأكياس وَأما هَؤُلَاءِ الجهلة فجل تحديثهم عبارَة عَن اخْتِيَار بعض الْمسَائِل الْمُخْتَلف فِيهَا بَين الْمُجْتَهدين والمحدثين فِي بَاب الطَّاعَات دون الْمُعَامَلَات الدائرة بَينهم كل يَوْم على العلات وَتَمام اتباعهم حِكَايَة خلاف أهل الِاجْتِهَاد مَعَ أهل الحَدِيث الْوَاقِع فِي الْعِبَادَات دون الإرتفاقات وَمن ثمَّ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى مَا انتقده أهل الحَدِيث فِي الْبَاب سَبِيلا وَلَا يعْرفُونَ من فقه السّنة فِي الْمُعَامَلَات شَيْئا قَلِيلا وَكَذَلِكَ لَا يقدرُونَ على اسْتِخْرَاج مَسْأَلَة واستنباط حكم على أسلوب السّنَن وأهليها وَلَا يوفقون للْعَمَل بِمَسْأَلَة حَدِيثِيَّةٌ فِي الإرتفاقات على منهاج ذويها وَكَيف يوفقون لَهُ وهم اكتفوا عَن الْعَمَل بهَا بالدعاوى اللسانية وَعَن اتِّبَاع السّنة بالتسويلات الشيطانية ثمَّ اعتقدوها عين الدّين وَرَضوا أَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف بَين الْمُسلمين وَهَذِه شِيمَة كلهم أَمِيرهمْ وفقيرهم وصحيحهم وسقيمهم فقد اختبرت إيَّاهُم مرَارًا فَمَا وجدت أحدا يرغب فِي طَرِيق الصَّالِحين أَو يسير سيرة الْمُؤمنِينَ بل صادفت جُمْلَتهمْ منهمكين فِي الدُّنْيَا الدنية مستغرقين فِي زخارفها الرَّديئَة جامعين للجاه وَالْمَال طامعين فِيهِ من دون مبالاة الْحَرَام والحلال خلاة الأذهان عَن حلاوة الْإِسْلَام قساة الْقلب بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسلمين كالمردة الطغام شعر
(أملتهم ثمَّ تأملتهم ... فلاح لي أَن لَيْسَ فيهم فلاح)
وَكَيف يفلح قوم يُخَالف قَوْلهم فعلهم وفعلهم قَوْلهم يَقُولُونَ عَن خير الْبَريَّة وهم شَرّ الْبَريَّة إِذا سئلوا عَن شَيْء قَالُوا فِيهِ قولا سديدا وَإِذا قدرُوا على شَيْء لم يبالوا بِهِ بل نالوا مِنْهُ نيلا شَدِيدا نظم
(عجبت من شَيْخي وَمن زهده ... وَذكره النَّار وأهوالها)
يكره أَن يشرب فِي فضَّة ... وَيسْرق الْفضة إِن نالها)
فيا لله الْعجب من أَيْن يسمون أنفسهم بالموحدين المخلصين وَغَيرهم بالمشركين المبتدعين وهم أَشد النَّاس تعصبا وغلوا فِي الدّين قد أَنْفقُوا فِي غير شَيْء نفائس الْأَوْقَات والأنفاس واتعبوا أنفسهم وحيروا من
стр. 131
خَلفهم من النَّاس ضيعوا الْأُصُول فحرموا الْقبُول وأعرضوا عَن الرسَالَة فوقعوا فِي مهامة الْحيرَة والضلالة وَالْمَقْصُود أَن هَؤُلَاءِ الْقَوْم رُؤْيَتهمْ قذاء الْعُيُون وشجى الحلوق وكرب النُّفُوس وَحمى الْأَرْوَاح وغم الصُّدُور وَمرض الْقُلُوب إِن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الْإِنْصَاف وَإِن طلبته مِنْهُ فَأَيْنَ الثريا لأمن يَد الملتمس الوصاف قد انتكست قُلُوبهم وَعمي عَلَيْهِم مطلوبهم رَضوا بالأماني وابتلوا بالحظوظ الفواني وحصلوا على الحرمان وخاضوا بحار الْعلم لَكِن بالدعاوى الْبَاطِلَة وشقاشق الهذيان وَالله مَا ابتلت من وشلة أَقْدَامهم وَلَا زكتْ بِهِ عُقُولهمْ وأحلامهم وَلَا ابْيَضَّتْ بِهِ لياليهم وَلَا أشرقت بنوره أيامهم وَلَا ضحِكت بِالْهدى وَالْحق مِنْهُ وُجُوه الدفاتر إِذْ بَكت بمداد أقلامهم فَمَا هَذَا دين إِن هَذَا إِلَّا فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد كَبِير كَيفَ وَلَو كَانَ لهَؤُلَاء إخلاص فِي القَوْل وَالْعَمَل وحرص على الْعلم النافع عِنْد مَجِيء الْأَجَل وخيفة من الْحَيّ القيوم وحياء من النَّبِي الْمَعْصُوم لزهدوا فِي أوساخ الْأَمْوَال وَلَا ستنكفوا عَن التزي بزِي الصّلاح لصيد الْجُهَّال وَلَا يَأْكُلُوا أبدا مَال الْمُسلم بِالْبَاطِلِ وَلَا يرْضوا بالعاجل عَن الآجل وَلَا يكتفوا من علم الحَدِيث على رسمه وَمن الْعَمَل بِالْكتاب على اسْمه وَلَا يبذلوا نفائس الْأَوْقَات إِلَّا فِي الطَّاعَات وَلَا يصرفوا شرائف الأنفاس فِي غير الْبَاقِيَات الصَّالِحَات وَلَا يصحبوا أهل الدُّنْيَا لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا يرَوا غَيره تَعَالَى للمهام مدارا وَلَا يتقدموا للوعظ والفتيا إِلَّا بِحَقِّهَا وَلَا يجترؤا على نصبهم للإرشاد إِلَّا على وَجههَا كَمَا فعل أهل الحَدِيث من قبلهم وَأَصْحَاب التَّوْحِيد فِي عَهدهم فَأُولَئِك الَّذين يُحَقّق لَهُم الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة والتمسك بهما وَالدُّعَاء إِلَيْهِمَا وهما عَن النَّار جنَّة لَا لهَؤُلَاء النَّفر المتباهين بدعواهم المتلبسين بالرياء والسمعة فِي أولاهم وأخراهم شعر
(نَعُوذ بِاللَّه من أنَاس ... تشيخوا قبل أَن يشيخوا)
(إحدودبوا وانحنوا رِيَاء ... فَاحْذَرْهُمْ إِنَّهُم فخوخ)
لَا ومقلب الْقُلُوب وعلام الغيوب أَن الْمُؤمن الَّذِي يخَاف مقَامه
стр. 132
بَين يَدي الله تَعَالَى لَا يجتريء أبدا مثل ذَلِك الاجتراء وَلَا يرضى سرمدا من نَفسه المنصفة سيرة هَؤُلَاءِ وقانا الله تَعَالَى وَجَمِيع الْمُسلمين عَن ضيغ هَؤُلَاءِ الطّلبَة للدنيا فِي سرادق الدّين وحفظنا وَسَائِر الْمُتَّقِينَ عَن المداهنة والنفاق والوقاحة وصحبة الْجَاهِلين نظم
(قد أَرحْنَا وَاسْتَرَحْنَا ... من غَد ورواح)
(واتصال بأمير ... ووزير ذِي صَلَاح)
(لكفاف وعفاف ... وقنوع وَصَلَاح)
وَهَذَا الدَّاء العضال إِنَّمَا تولد من تعصب الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء بَينهم وَكَثْرَة القيل والقال حَتَّى عَمت بِهِ الْبلوى والجدال فجزى الله تَعَالَى من أعَان الْإِسْلَام وَلَو بِشَطْر كلمة خيرا فَالْحق أَحَق بالإتباع ولمسلك الصَّوَاب اتساع شعر
(وَلَا بُد من شكوى إِلَى ذِي مروة ... يواسيك أَو يسليك أَو يتوجع)
وَلَيْسَ هَذَا بِأول قَارُورَة كسرت فِي الْإِسْلَام فقد قَالَ الْفُلَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي إيقاظ الهمم مَا نَصه وَمن جملَة أَسبَاب تسليط الفرنج على بِلَاد الْمغرب والتتر على بِلَاد الْمشرق كَثْرَة التَّعَب والتفرق والفتن بَينهم فِي الْمذَاهب وَغَيرهَا وكل ذَلِك من اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى انْتهى
وَكَانَ خُرُوج التتار على بني الْعَبَّاس سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَمثله وَقع فِي الْهِنْد سنة ثَلَاث وَسبعين بعد ألف وَمِائَتَيْنِ من قبل اخْتلَافهمْ وتكفيرهم فِيمَا بَينهم وهم إِلَى الْآن فِي سكرتهم يعمهون
قَالَ صَاحب الْإِنْصَاف وفتنة هَذَا الْجِدَال وَالْخلاف قريبَة من الْفِتْنَة الأولى حِين تشاجروا إِلَى الْملك وانتصر كل رجل لصَاحبه فَكَمَا أعقبت تِلْكَ ملكا عَضُوضًا ووقائع صماء عمياء فَكَذَلِك عقبت هَذِه جهلا واختلاطا وشكوكا وهماما لَهَا من إرجاء ونشأت من بعدهمْ قُرُون على التَّقْلِيد الصّرْف لَا يميزون الْحق من الْبَاطِل وَلَا الْجِدَال من الاستنباط
стр. 133
فالفقيه يَوْمئِذٍ هُوَ الثرثار المتشدق الَّذِي حفظ أَقْوَال الْفُقَهَاء قويها وضعيفها من غير تَمْيِيز وسددها بشقشقة شدقية والمحدث من عد الْأَحَادِيث صحيحها وسقيمها بِقُوَّة لحييْهِ وَلَا أَقُول ذَلِك مطردا كليا فَإِن لله طَائِفَة من عباده لَا يضرهم من خذلهم وهم حجَّة الله فِي أرضه وَإِن قلوا وَلم يَأْتِ قرن بعد ذَلِك إِلَّا وَهُوَ أَكثر فتْنَة وأوفر تقليدا وَأَشد انتزاعا للأمانة من صُدُور النَّاس حَتَّى اطمأنوا بترك الْخَوْض فِي الدّين وَبِأَن يَقُولُوا إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة وَإِنَّا على آثَارهم لمقتدون وَإِلَى الله المشتكى انْتهى
وَمن جملَة أَسبَاب قلَّة علم الحَدِيث كَثْرَة الْعُلُوم الفلسفية اليونانية وانهماك النَّاس فِيهَا كَمَا أبان عَنْهَا أَبُو مُحَمَّد الدمياطي حِين كثر ذَلِك فِي عصره بِمصْر وَغَيرهَا من الْأَمْصَار وأصر النَّاس عَلَيْهَا أَشد الْإِصْرَار وَمن الْأَمر الْمُنكر عَلَيْهِم والنكر الْمَعْرُوف لديهم تدرسهم لعلم الفضول وتشاغلهم بالمعقول عَن الْمَنْقُول فِي إكبابهم على علم الْمنطق واعتقادهم أَن من لَا يُحسنهُ لَا يحسن أَن ينْطق فليت شعري هَل قَرَأَهُ الشَّافِعِي وَمَالك أَو هُوَ إضاء لأبي حنيفَة المسالك وَهل يُعلمهُ أَحْمد بن حَنْبَل أَو كَانَ الثَّوْريّ على تعلمه قد أقبل وَهل اسْتَعَانَ بِهِ إِيَاس فِي ذكائه أَو بلغ بِهِ عَمْرو مَا بلغ من دهائه أَو تمرس بِهِ قس وسحبان ولولاه لما أفْصح بِهِ أَحدهمَا وَلَا أبان أَتَرَى عقول الْقَوْم كليلة إِذْ لم تشحذ على مُسِنَّة أَتَرَى فطنتهم عليلة إِذا لم تكرم فِي أجنة كلا هِيَ أشرف من أَن تقيد فِي سجنه وأشف من أَن يستحوذ عَلَيْهَا طَارق جنَّة بِاللَّه لقد غرق الْقَوْم فِيمَا لَا يعنيهم وأظهروا بالإفتقار إِلَى مَا لَا يغنيهم بل يتعبهم إِلَى السامات والشيطان يعدهم ويمنيهم أما أَنه قد كَانَ أحاد من أهل الْعلم ينظرُونَ فِيهِ غير مجاهرين ويطالعونه لَا متظاهرين لِأَن أقل افاته أَن يكون شغلا بِمَا لَا يُغني الْإِنْسَان وَإِظْهَار تحوج إِلَى مَا أغْنى عَنهُ الرب المنان وَأما هَؤُلَاءِ فقد جَعَلُوهُ من أكبر الْمُهِمَّات واتخذوه عدَّة للثوابت وَالْمُسلمَات فهم يكثرون فِيهِ الأوضاع وَينْفق كل وَاحِد مِنْهُم فِي تَحْصِيله الْعُمر المضاع ويحهم أما سمعُوا قَول دَاعِي الهذي لمن أمه حِين رأى عمر قد كتب التَّوْرَاة فِي لوح وضمه فَغَضب وَقَالَ مفهما لِلْحَافِظِ الواعي
стр. 134
لَو كَانَ مُوسَى حَيا لما وَسعه إِلَّا اتباعي فَلم يوسعه عذرا فِي الْكتاب الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نورا فَمَا ظَنك بِمَا وَضعه المتخبطون فِي ظلام الشَّك وافتروا فِيهِ كذبا وزورا فيا لله للعقول المنحرفة غرقت فِي بحار ضلال الفلسفة نظم
(وَمَا الْعلم إِلَّا فِي كتاب وَسنة ... وَمَا الْجَهْل إِلَّا فِي كَلَام ومنطق)
(وَمَا الْخَيْر إِلَّا فِي سكُوت بحسبة ... وَمَا الشَّرّ إِلَّا فِي كَلَام ومنطق)
وَيُؤَيّد ذَلِك مَا قَالَ الإِمَام النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم حثا على عُلُوم الحَدِيث وأهم أَنْوَاع الْعُلُوم تَحْقِيق معرفَة الْأَحَادِيث النبويات أعنى معرفَة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها ومتصلها ومرسلها ومنقطعها ومضلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها ومتواترها وآحادها وأفرادها ومعروفها وشاذها ومنكرها ومعللها ومدرجها وناسخها منسوخها وخاصها وعامها ومجملها ومبينها ومختلفها وَغير ذَلِك من أَنْوَاعهَا المعروفات وَمَعْرِفَة علم الْأَسَانِيد أَعنِي معرفَة حَال رجالها وصفاتها الْمُعْتَبرَة وَضبط أسمائهم وأنسابهم ومواليدهم ووفياتهم وَغير ذَلِك من الصِّفَات وَمَعْرِفَة التَّدْلِيس والمدلسين وطرق الِاعْتِبَار والمتابعات وَمَعْرِفَة حكم اخْتِلَاف الروَاة فِي الْأَسَانِيد والمتون والوصل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَالْقطع والإنقطاع وزيادات الثِّقَات وَمَعْرِفَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ واتباعهم وَاتِّبَاع اتباعهم وَمن بعدهمْ وَغير مَا ذكرته عَن علومها المشتهرات وَدَلِيل مَا ذكرته أَن شرعنا مَبْنِيّ على الْكتاب
стр. 135
الْعَزِيز وَالسّنَن المرويات وعَلى السّنَن مدَار أَكثر الْأَحْكَام الفقهيات فَإِن أَكثر الْآيَات الفروعيات مجملات وبيانها فِي السّنَن المحكمات وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَن من شَرط الْمُجْتَهد من القَاضِي والمفتي أَن يكون عَالما بالأحاديث الحكميات فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ من أجل الْعُلُوم الراجحات وَأفضل أَنْوَاع الْخَيْر وآكد القربات وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَهُوَ مُشْتَمل على مَا ذكرنَا من بَيَان حَال أفضل الْمَخْلُوقَات وَلَقَد كَانَ أَكثر اشْتِغَال الْعلمَاء بِالْحَدِيثِ فِي الْأَعْصَار الخاليات حَتَّى لقد كَانَ يجمع فِي مجْلِس الحَدِيث من الطالبين أُلُوف متكاثرات فتناقض ذَلِك وضعفت الهمم فَلم تبْق إِلَّا آثَار من آثَارهم قليلات وَالله الْمُسْتَعَان على هَذِه الْمُصِيبَة وَغَيرهَا من البليات
وَقد جَاءَ فِي فضل إحْيَاء السّنَن المماتات أَحَادِيث كَثِيرَة معروفات مشهورات فَيَنْبَغِي الاعتناء بِعلم الحَدِيث والتحريص عَلَيْهِ لما ذكرنَا من الدلالات ولكونه أَيْضا من النَّصِيحَة لله تَعَالَى وَكتابه وَرَسُوله ﷺ وللأئمة وللمسلمين وَالْمُسلمَات وَذَلِكَ هُوَ الدّين كَمَا صَحَّ عَن سيد البريات وَلَقَد أحسن الْقَائِل أَن من جمع أدوات الحَدِيث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات وَذَلِكَ لِكَثْرَة الْفَوَائِد البارزات الكامنات وهوجدير بذلك فَإِنَّهُ كَلَام أفْصح الْخلق وَمن أعْطى جَوَامِع الْكَلِمَات ﷺ صلوَات متضاعفات
الْفَصْل الْخَامِس فِي قلَّة علم الحَدِيث بِأَرْض الْهِنْد وَمَا يُنَاسِبهَا
إعلم أَن الْهِنْد لم يكن بهَا علم الحَدِيث مُنْذُ فتحهَا أهل الْإِسْلَام بل كَانَ غَرِيبا كالكبريت الْأَحْمَر وعديما كعنقاء مغرب فِي الْخَبَر وَإِنَّمَا صناعَة أَهلهَا من قديم الْعَهْد وَالزَّمَان فنون الفلسفة وَحِكْمَة اليونان والإضراب عَن عُلُوم السّنة وَالْقُرْآن إِلَّا مَا يذكر من الْفِقْه على الْقلَّة وَلذَلِك تراهم إِلَى الْآن عارين عَن ذَلِك متحلين بِمَا هُنَاكَ وعمدة بضاعتهم الْيَوْم هِيَ الْفِقْه الْحَنَفِيّ على طَرِيق التَّقْلِيد دون التَّحْقِيق إِلَّا مَا شَاءَ الله تَعَالَى فِي أَفْرَاد مِنْهُم وَلأَجل هَذَا يتوارثه أَوَّلهمْ عَن آخِرهم ويتناقله كابرهم عَن كابرهم حَتَّى كثرت فيهم الْفَتَاوَى وَالرِّوَايَات وعمت الْبلوى بتعامل هَذِه التقليدات وَتركت النُّصُوص المحكمات وهجرت سنَن سيد البريات ورفض عرض الْفِقْه على الحَدِيث وتطبيق المجتهدات بالسنن ودرج على ذَلِك زمَان كثير حَتَّى من الله تَعَالَى على الْهِنْد بإفاضة هَذَا الْعلم على بعض علمائها كالشيخ عبد الْحق بن سيف الدّين التّرْك الدهلوي الْمُتَوفَّى سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وَألف وأمثالهم وَهُوَ أول من جَاءَ بِهِ فِي هَذَا الإقليم وأفاضه على سكانه فِي أحسن تَقْوِيم ثمَّ تصدى لَهُ وَلَده الشَّيْخ نور الْحق الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاث وَسبعين وَألف وَكَذَلِكَ بعض تلامذته على الْقلَّة وَمن سنّ سنة حَسَنَة فَلهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا كَمَا اتّفق عَلَيْهِ أهل الْملَّة وتحديث هَؤُلَاءِ أهل الصّلاح وَإِن كَانَ على طَرِيق الْفُقَهَاء المقلدة الصراح دون المخدثين المبرزين المتبعين الإقحاح وَلَكِن مَعَ ذَلِك لَا يَخْلُو عَن كثير فَائِدَة فِي الدّين وعظيم عَائِدَة بِالْمُسْلِمين جزاهم الله تَعَالَى عَن الْمُسلمين خير الْجَزَاء وأفاض عَلَيْهِم رَحمته السحاء
ثمَّ جَاءَ الله من بعدهمْ بالشيخ الْأَجَل والمحدث الْأَكْمَل نَاطِق هَذِه الدورة وحكيمها وفائق تِلْكَ الطَّبَقَة وزعيمها الشَّيْخ ولي الله بن عبد الرَّحِيم الدهلوي الْمُتَوفَّى سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَة وَألف وَكَذَا بأولاده الأمجاد وَأَوْلَاد أَوْلَاده أولي الْإِرْشَاد المشمرين لنشر هَذَا الْعلم عَن سَاق الْجد وَالِاجْتِهَاد فَعَاد بهم علم الحَدِيث غضا طريا بَعْدَمَا كَانَ شَيْئا فريا وَقد نفع الله بهم وبعلومهم كثيرا من عباده الْمُؤمنِينَ وَنفى بسعيهم المشكور من فتن الْإِشْرَاك والبدع ومحدثات الْأُمُور فِي الدّين مَا لَيْسَ بخاف على أحد من الْعَالمين فَهَؤُلَاءِ الْكِرَام قد رجحوا علم السّنة على غَيرهَا من الْعُلُوم وَجعلُوا الْفِقْه كالتابع لَهُ والمحكوم وَجَاء تحديثهم حَيْثُ يرتضيه أهل الرِّوَايَة ويبغيه أَصْحَاب الدِّرَايَة شهِدت بذلك كتبهمْ وفتاواهم ونطقت بِهِ زبرهم ووصاياهم وَمن كَانَ يرتاب فِي ذَلِك فَليرْجع إِلَى مَا هُنَالك فعلى الْهِنْد وَأَهْلهَا شكرهم مَا دَامَت الْهِنْد وَأَهْلهَا شعر
стр. 136
(من زار بابك لم تَبْرَح جوارحه ... تروي أَحَادِيث مَا أوليت من منن)
(فالعين عَن قُرَّة والكف عَن وصلَة ... وَالْقلب عَن جَابر والسمع عَن حسن)
ثمَّ الْيَوْم لم يبْق فِي تِلْكَ الْعِصَابَة أَيْضا من يرجع فِي الحَدِيث إِلَيْهِ أويعول فِي أَمر الدّين عَلَيْهِ بيد ثنائهم الْجَلِيل وَذكرهمْ الْجَمِيل شعر
(وَلَا شَيْء يَدُوم فَكُن حَدِيثا ... جميل الذّكر فالدنيا حَدِيث)
وَأما إتقان هَذَا الْعلم فِي غَيرهم من بيُوت الْهِنْد فَلم أحط بِهِ خَبرا وَلَا سَمِعت لَهُ ذكرا وَلَكِن النَّاس الْيَوْم قد غلوا فِي أَمرهم وتفوهوا فِي شَأْنهمْ بِمَا لَا يَلِيق بهم فلنذكر هَهُنَا من طريقتهم مَا تتضح بِهِ حَقِيقَة الْأَمر وَهُوَ هَذَا أَن الشاه ولي الله الْمُحدث الدهلوي قد بنى طَرِيقَته على عرض المجتهدات على السّنة وَالْكتاب وتطبيق الفقهيات بهما فِي كل بَاب وَقبُول مَا يوافقهما من ذَلِك ورد مَا لَا يوافقهما كَائِنا مَا كَانَ وَمن كَانَ وَهَذَا هُوَ الْحق الَّذِي لَا محيص عَنهُ وَلَا مصير إِلَّا إِلَيْهِ وَكَذَا ابْن ابْنه الْمولى مُحَمَّد اسماعيل الشَّهِيد اقتفى أثر جده فِي قَوْله وَفعله جَمِيعًا وتمم مَا ابتدأه جده وَأدّى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَبَقِي مَا كَانَ لَهُ وَالله تَعَالَى مجازيه على صوالح الْأَعْمَال وقواطع الْأَقْوَال وصحاح الْأَحْوَال وَلم يكن ليخترع طَرِيقا جَدِيدا فِي الْإِسْلَام كَمَا يزْعم الْجُهَّال وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لبشر أَن يؤتيه الله الْكتاب وَالْحكم والنبوة ثمَّ يَقُول للنَّاس كونُوا عبادا لي من دون الله وَلَكِن كونُوا ربانيين بِمَا كُنْتُم تعلمُونَ الْكتاب وَبِمَا كُنْتُم تدرسون﴾
وَطَرِيقه هَذَا كُله مَذْهَب حَنَفِيّ وشرعة حقة مضى عَلَيْهَا السّلف وَالْخلف الصلحاء من الْعَجم وَالْعرب العرباء وَلم يخْتَلف فِيهِ اثْنَان مِمَّن
стр. 137
قلبه مطمئن بِالْإِيمَان كَمَا لَا يخفى على من مارس كتب الدّين وَصَحب أهل الإيقان كَيفَ وَقد ثَبت فِي مَحَله أَن الرجل الْعَامِل بظواهر الْكتاب وواضحات السّنة أَو بقول إِمَام آخر غير إِمَامه الَّذِي يقلده لَا يخرج عَن كَونه متمذهبا بِمذهب إِمَامه كَمَا يَعْتَقِدهُ جهلة المتفقهة ويتفوه بِهِ الْفُقَهَاء المتقشفة من أهل الزَّمَان المحرومين عَن حلاوة الْإِيمَان وَهُوَ رَحمَه الله تَعَالَى أَحْيَا كثيرا من السّنَن المماتات وأمات عَظِيما من الْإِشْرَاك والمحدثات حَتَّى نَالَ دَرَجَة الشَّهَادَة الْعليا وفاز من بَين أقرانهم بالقدح الْمُعَلَّى وَبلغ مُنْتَهى أمه وأقصى أَجله
قَالَ الإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ فِي القَوْل الْمُفِيد فِي حكم التَّقْلِيد وَإِذا تقرر أَن الْمُحدث لهَذِهِ الْمَرَاتِب والمبتدع لهَذِهِ التقليدات هم جهلة المقلدة فقد عرفت مِمَّا تقرر فِي الْأُصُول أَنه لَا اعْتِدَاد بهم فِي الْإِجْمَاع وَأَن الْمُعْتَبر فِي الأجماع إِنَّمَا هم المجتهدون وَحِينَئِذٍ لم يقل بِهَذِهِ التقليدات عَالم من الْعلمَاء الْمُجْتَهدين أما قبل حدوثها فَظَاهر وَأما بعد حدوثها فَمَا سمعنَا عَن مُجْتَهد من الْمُجْتَهدين أَنه سوغ صَنِيع هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين فرقوا دين الله وخالفوا بَين الْمُسلمين بل أكَابِر الْعلمَاء بَين مُنكر لَهَا وَسَاكِت عَنْهَا سُكُون تقية لمخافة ضَرَرا وفوات نفع كَمَا يكون مثل ذَلِك كثيرا سِيمَا من عُلَمَاء السوء وكل عَالم يعقل أَنه لَو صرخَ عَالم من عُلَمَاء الْإِسْلَام الْمُجْتَهدين فِي مَدِينَة من مَدَائِن الْإِسْلَام فِي أَي مَحل كَانَ بِأَن التَّقْلِيد بِدعَة محدثة لَا يجوز الإستمرار عَلَيْهِ وَلَا الِاعْتِدَاد بِهِ لقام عَلَيْهِ أَكثر أَهلهَا إِن لم يقم عَلَيْهِ كلهم وأنزلوا بِهِ من الإهانة والإضرار بِمَالِه وبدنه وَعرضه مَا لَا يَلِيق بِمن هُوَ دونه هَذَا إِذا سلم من الْقَتْل على يَد أول جَاهِل من هَؤُلَاءِ المقلدة من يعضدهم من جِهَة الْمُلُوك والأجناد فَإِن طبائع الْجَاهِلين لعلم الشَّرِيعَة مُتَقَارِبَة وهم من أَعدَاء أهل الْعلم وَلِهَذَا طبقت هَذِه الْبِدْعَة جَمِيع الْبِلَاد الإسلامية وَصَارَت شَامِلَة لكل فَرد من أَفْرَاد الْمُسلمين فالجاهل يعْتَقد أَن الدّين مَا زَالَ هَكَذَا وَلنْ يزَال إِلَى الْمَحْشَر وَلَا يعرف مَعْرُوفا وَلَا يُنكر مُنْكرا وَهَكَذَا من كَانَ من المشتغلين بِعلم التَّقْلِيد وَأَنه كالجاهل بل أقبح مِنْهُ لِأَنَّهُ على جَهله وَإِقْرَاره على بدعتة
стр. 138
وتحسينها فِي عُيُون أهل الْجَهْل بالازدراء بالعلماء الْمُحَقِّقين العارفين بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله ويصول عَلَيْهِم ويحول وينسبهم إِلَى الابتداع وَمُخَالفَة الْأَئِمَّة والتنقيص من شَأْنهمْ فَيسمع مِنْهُ الْمُلُوك وَمن يتَصَرَّف بالنيابة عَنْهُم من أعوانهم فيصدقونه ويذعنون لقَوْله إِذْ هُوَ مجانس لَهُم فِي كَونه جَاهِلا وَإِن كَانَ يعرف مسَائِل قد قلد فِيهَا غَيره لَا يدْرِي أَهِي حق أم بَاطِل وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ قَاضِيا أَو مفتيا فَإِن الْعَاميّ لَا ينظر إِلَى أهل الْعلم بِعَين مُمَيزَة بَين من هُوَ عَالم على الْحَقِيقَة وَمن هُوَ جَاهِل وَبَين من هُوَ مقصر وَمن هُوَ كَامِل لِأَنَّهُ لَا يعرف الْفضل إِلَّا أهل الْفضل وَأما الْجَاهِل فَإِنَّمَا يسْتَدلّ على الْعلم بالمناصب والقرب من الْمَمْلُوك واجتماع المتدرسين من المقلدين وتحرير الْفَتَاوَى للمتخاصمين وَهَذِه الْأُمُور إِنَّمَا يقوم بهَا رُؤُوس هَؤُلَاءِ المقلدة فِي الْغَالِب كَمَا يعلم ذَلِك كل عَالم بأحوال النَّاس فِي قديم الزَّمن وَحَدِيثه وَهَذَا يعرفهُ الْإِنْسَان بِالْمُشَاهَدَةِ لأهل عصره وبمطالعة كتب التأريخ الحاكية لما كَانَ عَلَيْهِ من قبله وَأما الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ المجتهدون فالغالب على أَكْثَرهم الخمول لِأَنَّهُ لما كثر التَّفَاوُت بَينهم وَبَين أهل الْجَهْل كَانُوا متقاعدين لَا يرغب هَذَا فِي هَذَا وَلَا هَذَا فِي هَذَا نظم
(ومنزلة الْفَقِيه من السَّفِيه ... كمنزلة السَّفِيه من الْفَقِيه)
(فَهَذَا زاهد فِي حق هَذَا ... وَهَذَا فِيهِ أزهد مِنْهُ فِيهِ)
وَمِمَّا يَدْعُو الْعَامَّة إِلَى مهاجرة أكَابِر الْعلمَاء ومقاطعتهم أَنهم يجدونهم غير راغبين فِي علم التَّقْلِيد الَّذِي هُوَ رَأس مَال فقهائهم وقضاتهم والمفتين مِنْهُم بل يجدونهم مشتغلين بعلوم الِاجْتِهَاد وَهِي عِنْد هَؤُلَاءِ المقلدة لَيست من الْعُلُوم النافعة بل الْعُلُوم النافعة عِنْدهم هِيَ الَّتِي يتعجلون نَفعهَا بِقَبض جرايات التدريس وَأُجْرَة الْفَتَاوَى ومفردات الْقَضَاء فالغالب على هَؤُلَاءِ التعصب المفرط على عُلَمَاء الِاجْتِهَاد ورميهم بِكُل حجر
стр. 139
ومدر وإلهام الْعَامَّة بِأَنَّهُم مخالفون لإِمَام الْمَذْهَب الَّذِي قد ضَاقَتْ أذهانهم عَن تصور عَظِيم قدره وامتلأت قُلُوبهم عَن هيبته حَتَّى تقرر عِنْدهم أَنه فِي دَرَجَة لم تبلغها الصَّحَابَة فضلا عَن من بعدهمْ وَهَذَا وَإِن لم يصرحوا بِهِ فَهُوَ مِمَّا تكنه صُدُورهمْ وَلَا ينْطق بِهِ لسانهم فَمَعَ مَا قد صَار عِنْدهم من هَذَا الِاعْتِقَاد فِي ذَلِك الإِمَام إِذا بَلغهُمْ أَن أحدا من عُلَمَاء الِاجْتِهَاد الْمَوْجُودين يُخَالف فِي مَسْأَلَة من الْمسَائِل كَانَ هَذَا الْمُخَالف قد ارْتكب أمرا شنيئا وَخَالف عِنْدهم شَيْئا قَطْعِيا وَأَخْطَأ خطأ لَا يكفره شَيْء وَإِن اسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ بِالْآيَاتِ القرآنية وَالْأَحَادِيث المتواترة لم يقبل مِنْهُ ذَلِك وَلَا يرفع لما جَاءَ بِهِ رَأْسا كَائِنا من كَانَ وَلَا يزالون منقصين لَهُ بِهَذِهِ الْمُخَالفَة انتقاصا شَدِيدا على وَجه لَا يستحلونه من الفسقة وَلَا من أهل الْبدع الْمَشْهُورَة كالخوارج وَالرَّوَافِض ويبغضونه بغضا شَدِيدا فَوق مَا يبغضونه أهل الذِّمَّة من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن أنكر هَذَا فَهُوَ غير مُحَقّق لأحوال هَؤُلَاءِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ عِنْدهم ضال مضل وَلَا ذَنْب لَهُ إِلَّا أَنه عمل بِكِتَاب الله أَو سنة رَسُوله ﷺ واقتدى بعلماء الْإِسْلَام فِي أَن الْوَاجِب على كل مُسلم تَقْدِيم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ على قَول كل عَالم كَائِنا من كَانَ وَمن المصرحين بِهَذِهِ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة فَإِنَّهُ صَحَّ عَن كل وَاحِد مِنْهُم هَذَا الْمَعْنى من طرق متجددة انْتهى كَلَام الشَّوْكَانِيّ رَحمَه الله تَعَالَى وَمن أنكر الْإِجْمَال هان عَلَيْهِ التَّفْصِيل
وَأما الشَّيْخ مُحَمَّد صَاحب نجد فلنذكر من حَدِيثه مَا يشفي العليل ويروي الغليل فَنَقُول هُوَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن سُلَيْمَان بن عَليّ بن أَحْمد بن رَاشد بن يزِيد بن مُحَمَّد بن يزِيد بن مشرف هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف من نسبه وَيذكر أَنه من مُضر ثمَّ بني تَمِيم وَالله بِهِ عليم ولد سنة خَمْسَة عشر بعد الْمِائَة وَالْألف بالعينية من بِلَاد نجد وَنَشَأ بهَا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأخذ عَن أَبِيه وهم بَيت فقه حنابلة ثمَّ حج وَقصد الْمَدِينَة وَلَقي بهَا شَيخا عَالما من أهل نجد اسْمه عبد الله بن ابراهيم قد لَقِي أَبَا الْمَوَاهِب البعلي الدِّمَشْقِي وَأخذ عَنهُ وانتقل مَعَ أَبِيه إِلَى حريملا من نجد أَيْضا وَلما مَاتَ أَبوهُ رَجَعَ إِلَى العينية وَأَرَادَ نشر الدعْوَة فَرضِي أهل العينية بذلك ثمَّ خرج عَنْهَا بِسَبَب إِلَى الدرعية وأطاعه أميرها مُحَمَّد بن سعود من آل
стр. 140
مقرن وَيذكر أَنهم من بني حنيفَة ثمَّ من ربيعَة وَالله أعلم وَهَذَا فِي حُدُود سنة تسع وَخمسين بعد الْمِائَة وَالْألف وانتشرت دَعوته فِي نجد وشرق بِلَاد الْعَرَب إِلَى عمان وَلم يخرج عَنْهَا إِلَى الْحجاز واليمن إِلَّا فِي حُدُود الْمِائَتَيْنِ وَالْألف وَتُوفِّي سنة سِتّ بعد الْمِائَتَيْنِ وَالْألف
قَالَ الشَّيْخ شَيخنَا الشريف مُحَمَّد بن نَاصِر الْحَازِمِي فِي فتح المنان وَهُوَ رجل عَالم مُتبع الْغَالِب عَلَيْهِ فِي نَفسه الأتباع ورسائله مَعْرُوفَة
وَقد بنى الشَّيْخ مُحَمَّد الْمَذْكُور طَرِيقَته على اتِّبَاع ابْن تَيْمِية وَابْن الْقيم وَأخذ من أقوالهما أطرافا بِحَسب مَا وَقع لَهُ من الِاطِّلَاع والإشراف وَقد أحيت دَعوته بَعْضًا من الشَّرِيعَة وأماتت كثيرا من الْبَاطِل فِي نجد والحجاز واليمن ﵀ وجزاه أحسن مَا عمل بِهِ إِنَّه ولي ذَلِك والقادر عَلَيْهِ
وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام ابْن تَيْمِية وَأَهله بَيت علم حنابلة يتوارثه خَلفهم عَن سلفهم وَهُوَ من أعاظم حفاظ الْقرن السَّابِع وأفضلهم وَالشَّيْخ شمس الدّين هُوَ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الإِمَام قيم الجوزية الدرعي الْحَنْبَلِيّ الْحَافِظ المُصَنّف وهما إمامان عالمان عاملان ثقتان تقيان من أفضل عُلَمَاء الْحَنَابِلَة وَأَحَدهمَا يتبع الآخر وانفردا بأقوال واختيارات أنصفا فِي بَعْضهَا وَالله يحب الْإِنْصَاف وامتحنا بِسَبَب بَعْضهَا وَبِالْجُمْلَةِ فقد تعبا لأنفسهما وأديا مَا كَانَ عَلَيْهِمَا وَبَقِي مَا كَانَ لَهما وَلم يتعبد أحد من الْخلق باتباعهما وَلَا بِالْعَمَلِ بأقوالهما وأفعالهما وَلَا غَيرهمَا مِمَّن قبلهمَا أَو بعدهمَا وَإِنَّمَا المتعبد بِهِ مَا جَاءَ عَن خَاتم النَّبِيين ﷺ من وَحي متلو أوغير متلو من قَول أَو فعل أَو تَقْرِير وَفِي ذَلِك مَا يَكْفِي المتبع ﴿مَا فرطنا فِي الْكتاب من شَيْء﴾ وَلم يحوج الله الْخلق إِلَى أحد بعد الْكتاب وَالسّنة نظم
(فثبتنا الله الْكَرِيم بِدِينِهِ ... سَوَاء سَبِيل الْمُصْطَفى المتثبت)
(وَمن ظن أَن الْأَمر لَيْسَ بممكن ... وَأَن وَلَيْسَ إِلَّا اتِّبَاع لفرقة)
стр. 141
(فأحباره أربابه دون ربه ... وقبلته لَيست إِلَيْهِ بِوَجْهِهِ)
(وَقد كرر الله الْحَلِيم منبها ... بتيسيره الْقُرْآن فِي غير مرّة)
(وَسنة خير الْمُرْسلين علومها ... مسهلة للأخذ فِي كل بَلْدَة) انْتهى مُلَخصا
وَقد أثنى عَلَيْهِمَا الشَّيْخ الْمُحدث عبد الْحق الدهلوي والشاه ولي الله الْمُحدث فِي تآليفهما وذكراهما بِخَير وَمَا أحقهما بِاتِّبَاع الْحق الْحقيق بالاتباع وَتَحْقِيق الصدْق وَالصَّوَاب النائي عَن وُجُوه الابتداع كَيفَ وهما لَا يَقُولَانِ شَيْئا إِلَّا وَمَعَهُ دَلِيله من السّنة وَالْكتاب وَهَذِه هِيَ السجية الرضية لأولي الْأَلْبَاب وَإِنَّمَا الْمُعْتَرض عَلَيْهِمَا بعيد عَن الْإِنْصَاف قريب من التعصب والإعتساف لَيْسَ لَهُ من الْعلم خلاق وَمَا لَهُ بِأَهْل التَّقْوَى وَالْحق من وفَاق أَو جَاهِل معاند أَو مبغض حَاسِد وكل من لَهُ إطلاع على أَحْوَال هَؤُلَاءِ الْكِرَام وعثور على تاليف أُولَئِكَ الْأَعْلَام وَلَا يتفوه أبدا بأمثال هَذَا الْكَلَام الناشيء عَن الطعْن والملام وَهَكَذَا الِاعْتِقَاد فِي جملَة الْعلمَاء من دون تَخْصِيص أحد من الْفُضَلَاء الصلحاء وَإِنَّمَا الْمُصَاب من حرم طَرِيق الْحق وَالصَّوَاب وَإِن شِئْت الْحق الصَّرِيح وَالْقَوْل الصَّحِيح
فَاعْلَم أَن الْمُحدثين وَمن يسْلك مسلكهم هم المجددون للدّين فِي الْحَقِيقَة لَا غَيرهم وَعَلَيْهِم تنطبق صفة المجددين الْوَارِدَة فِي الحَدِيث دون من سواهُم كَمَا قَالَ صَاحب التفهيمات وَأقرب النَّاس إِلَى المجددية المحدثون القدماء كالبخاري وَمُسلم وأشباههم وَلما تمت بِي دورة الْحِكْمَة ألبسني الله تَعَالَى خلعة المجددية فَعلمت علم الْجمع بَين المختلفات وَعلمت أَن الرَّأْي فِي الشَّرِيعَة تَحْرِيف وَفِي الْقَضَاء مكرمَة وَأَشَارَ إِلَى رَسُول الله ﷺ إِشَارَة روحانية أَن مُرَاد الْحق فِيك أَن يجمع شملا من شَمل الْأمة المرحومة بك انْتهى
وَقد وَقع كَمَا قَالَ وَللَّه الْحَمد وَيُؤَيّد هَذَا حَدِيث إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يحمل هَذَا الْعلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَتَأْويل الْجَاهِلين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْمدْخل مُرْسلا وَهَذَا النَّفْي أَمر
стр. 142
لَا يُشَاهد فِي غير أهل الحَدِيث كَمَا هُوَ الظَّاهِر على المطلع الْعَارِف بأحوالهم قَدِيما وحديثا
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يبْعَث لهَذِهِ الْأمة على رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ صَاحب التفهيمات المجدد رجل رزقه الله حظا من علم الْقُرْآن والْحَدِيث ثمَّ ألبس لِبَاس السكينَة فَجعل يضع التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم وَالْوُجُوب وَالْكَرَاهَة والاستحباب وَالْإِبَاحَة موضعهَا وينقح الشَّرِيعَة عَن الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة وأقيسة القائسين وَعَن كل إفراط وتفريط فِي الدّين ثمَّ أظمأ الله أكبادا إِلَيْهِ فَأخذُوا عَنهُ الْعلم وَالْفرق بَينه وَبَين الْوَصِيّ أَنه متعلم من ظَاهر الْعلم وَالْوَصِيّ أَخذ حَظه من شرح رَسُول الله ﷺ ثمَّ وفْق بِظَاهِر الْعلم وَعِنْدنَا أَن الْمِائَة تخمين لَا تعْيين وَيعْتَبر الْمِائَة من وَفَاته ﷺ انْتهى
وَسبب ذَلِك انخرام الْعلمَاء غَالِبا على رَأس كل مائَة سنة واندراس السّنَن وَظُهُور الْبدع فَيحْتَاج إِلَى تَجْدِيد الدّين للْأمة المرحومة بإحياء مَا اندرس من الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب وَالْأَمر بمقتضاهما فالمبعوث على رَأس الْمِائَة والمجدد للدّين لَا بُد أَن يكون عَالما بالعلوم الدِّينِيَّة الظَّاهِرَة والباطنة ناصرا للسّنة قامعا للبدعة
وَالْمرَاد بِرَأْس الْمِائَة أَولهَا من الْهِجْرَة فَيَأْتِي الله من الْخلف بعوض من السّلف إِمَّا وَاحِدًا ومتعددا فِي مَكَان وَاحِد أَو أمكنة مُتعَدِّدَة كَمَا وَقع فِي رَأس هَذِه الْمِائَة الْحَاضِرَة وَقبلهَا بِقَلِيل زمَان فِي الْهِنْد وَالْعرب وَغَيرهَا من الْبلدَانِ وهم أَمْثَال الشاه ولي الله الْمُحدث الدهلوي وَالْمولى مُحَمَّد إِسْمَاعِيل الشَّهِيد وَالشَّيْخ مُحَمَّد فاخر الْإِلَه آبادي وَالشَّيْخ مُحَمَّد حَيَاة السندي الْمدنِي الْمُتَوفَّى سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَألف وَالسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير اليمني وَالْإِمَام مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ وَالشَّيْخ صَالح بن عمر الْفُلَانِيّ وَالسَّيِّد مُحَمَّد بن نَاصِر الجازمي وَمن حذا حذوهم من الأقاصي والأداني فَأُولَئِك فرسَان هَذَا الميدان وَمن لَهُم فِي السباحة يدان فَمن يَسْتَطِيع أَن ينقص طريقهم فِي هَذَا الشَّأْن أَو يسبقهم يَوْم الرِّهَان
стр. 143
جزاهم الله تَعَالَى على صنيعهم عَنَّا وَعَن جَمِيع الْمُسلمين جَزَاء وفَاقا وسقاهم من الرَّحِيق الْمَخْتُوم كأسا دهاقا ورقنا وَجَمِيع المتبعين اتِّبَاع طريقهم الْحق وسلوك منهاجهم الصدْق على وَجه الْإِنْصَاف وجنبنا وَجُمْلَة الْمُسلمين عَن الزيغ والزلل والتعصب والتقشف والضلالة والإعتساف وَالله ولي التَّوْفِيق وَقد بدا لي أَن أختم هَذَا الْفَصْل المستطاب بِذكر قصيدة بديعة نظمها الْمولى الإِمَام تَاج الْمُسلمين وَالْإِسْلَام مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير رَحمَه الْقَدِير فِي الْحَث على الْعَمَل بِالسنةِ وَالْكتاب تتميما للْكَلَام وتقريعا للطغام وَللَّه دره وعَلى الله أجره فقد أَتَى فِيهَا بالعجب العجاب وَأدْخل جنَّات الْفَوَائِد من كل بَاب وَهِي هَذِه القصيدة
(أما آن عَمَّا أَنْت فِيهِ متاب ... وَهل لَك من بعد البعاد إياب)
(تقضت بك الْأَعْمَار فِي غير طَاعَة ... سوى عمل ترضاه وَهُوَ سراب)
(فللعمل الْإِخْلَاص شَرط إِذا أَتَى ... وَقد وافقته سنة وَكتاب)
(وَقد صين عَن كل ابتداع وَكَيف ذَا ... وَقد طبق الْآفَاق مِنْهُ عباب)
(طَغى المَاء من بَحر ابتداع على الورى ... فَلم ينج مِنْهُ مركب وركاب)
(وطوفان نوح كَانَ فِي الْفلك أَهله ... فأنجاهم والكافرون تباب)
(فَأنى لنا فلك يطير وليته ... يطير بِنَا عَمَّا نرَاهُ غراب)
(وَأَيْنَ إِلَى أَيْن المطار وَكلهَا ... على ظهرهَا يَأْتِيك مِنْهُ عُجاب)
(نسائل من دَار الْبِلَاد سياحة ... عَسى بَلْدَة فِيهَا هدى وصواب)
(فيخبر كل عَن عجائب مَا رأى ... وَلَيْسَ لأَهْلهَا يكون متاب)
(لأَنهم عدوا قبائح فعلهم ... محَاسِن يُرْجَى عِنْدهن ثَوَاب)
(كقوم عُرَاة فِي ذرى مصر مَا علا ... على عَورَة مِنْهُم هُنَاكَ ثِيَاب)
(ويدورون فِيهَا كاشفي عوارتهم ... تَوَاتر هَذَا لَا يُقَال كَذَّاب)
(يعدونهم فِي مصرهم فضلاؤهم ... دعاؤهم فِيمَا يرَوْنَ مجاب)
(وَفِي كل مصر مثل مصر وَإِنَّمَا ... لكل مُسَمّى والجميع ذياب)
(ترى الدّين مثل الشَّاة قد وَثَبت لَهُ ... ذياب وَمَا عَنهُ لَهُنَّ ذهَاب)
стр. 144
(فقد مزقته بعد كل ممزق ... فَلم تبْق مِنْهُ جثة وإهاب)
(وَلَيْسَ اغتراب الدّين إِلَّا كَمَا ترى ... فَهَل بعد هَذَا الإغتراب إياب)
(فيا غربَة هَل ترتجى مِنْك أوبة ... فَيجْبر من هَذَا البعاد مصاب)
(فَلم يبْق للراجي سَلامَة دينه ... سوى عزلة فِيهَا الجليس كتاب)
(كتاب حوى كل الْعُلُوم وَكلما ... حواه من الْعلم الشريف صَوَاب)
(فَإِن رمت تَارِيخا رَأَيْت عجائبا ... ترى آدما إِذْ كَانَ وَهُوَ تُرَاب)
(ولاقيت هابيلا قَتِيل شقيقه ... يواريه لما أَن رَآهُ غراب)
(وتنتظر نوحًا وَهُوَ الْفلك إِذْ طَغى ... على الأَرْض من مَاء السَّمَاء عباب)
(وَإِن شِئْت كل الْأَنْبِيَاء وَقَوْلهمْ ... وَمَا قَالَ كل مِنْهُم وَأَجَابُوا)
(ترى كل مَا تهوى وَفِي الْقَوْم مُؤمن ... وَأَكْثَرهم قد كذبوه وخابوا
(وجنات عدن حورها وَنَعِيمهَا ... وَنَارًا بهَا للْمُشْرِكين عَذَاب)
(فَتلك لأرباب التقاء وَهَذِه ... لكل شقي قد حواه عِقَاب)
(وَإِن ترد الْوَعْظ الَّذِي إِن عقلته ... فَإِن دموع الْعين عَنهُ جَوَاب)
(تَجدهُ وَمَا تهواه من أَي مشرب ... فللروح مِنْهُ مطعم وشراب)
(وَإِن رمت إبراز الْأَدِلَّة فِي الَّذِي ... تُرِيدُ فَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ تجاب)
(تدل على التَّوْحِيد فِيهِ قواطع ... بهَا قطعت للملحدين رِقَاب)
(وَمَا مطلب إِلَّا وَفِيه دَلِيله ... وَلَيْسَ عَلَيْهِ للذكي حجاب)
(وَفِيه الدَّوَاء من كل دَاء فثق بِهِ ... فوَاللَّه مَا عَنهُ يَنُوب كتاب)
(وَفِي رقية الصحب اللديغ قَضِيَّة ... وقدرها الْمُخْتَار حِين أَصَابُوا)
(وَلَكِن سكان البسيطة أَصْبحُوا ... كَأَنَّهُمْ عَمَّا حواه غضاب)
(فَلَا يطْلبُونَ الْحق مِنْهُ وَإِنَّمَا ... يَقُولُونَ من يتلوه فَهُوَ مثاب)
(فَإِن جَاءَهُم فِيهِ الدَّلِيل مُوَافقا ... لما كَانَ للآبا إِلَيْهِ ذهَاب)
стр. 145
(رضوه وَإِلَّا قيل هَذَا مأول ... ويركب للتأويل فِيهِ صعاب)
(ترَاهُ أَسِيرًا كل حبر يَقُودهُ ... إِلَى مَذْهَب قد قَرّرته صِحَاب)
(أتعرض عَنهُ عَن رياض أريضة ... وتعتاض جهلا بالرياض مضاب)
(يُرِيك صراطا مُسْتَقِيمًا وَغَيره ... مفاوز جهل كلهَا وشعاب)
(تزيد على مر الجديدين جدة ... فألفاظه مهما تَلَوت عَذَاب)
(وآياته فِي كل حِين طرية ... وتبلغ أقْصَى الْعُمر وَهِي كعاب)
(فَفِيهِ هدى للْعَالمين وَرَحْمَة ... وَفِيه عُلُوم جمة وثواب)
(فَكل كَلَام غَيره القشر لَا سوى ... وَذَا كُله عِنْد اللبيب لباب)
(دعوا كل قَول غَيره وَسوى الَّذِي ... أَتَى عَن ٠ رَسُول الله فَهُوَ صَوَاب)
(وعضوا عَلَيْهِ بالنواجذ واصبروا ... عَلَيْهِ وَلَو لم يبْق فِي الْفَم نَاب)
(تروا كل مَا ترجون من أَي مطلب ... إِذا كَانَ فِيكُم همة وطلاب)
(أطيلوا على السَّبع الطوَال وفوقكم ... تدر عَلَيْكُم بالعلوم سَحَاب)
(وَكم من فُصُول فِي الْمفصل قدحوت ... أصولا إِلَيْهَا للذكي مآب)
(وَمَا كَانَ فِي عصر الرَّسُول وَصَحبه ... سواهُ لهدي الْعَالمين كتاب)
(تَلا فصلت لما أَتَاهُ مجادل ... فَأبْلسَ حَتَّى لَا يكون جَوَاب)
(أقرّ بِأَن القَوْل فِيهِ طلاوة ... ويعلو وَلَا يَعْلُو عَلَيْهِ خطاب)
(وَأدبر عَنهُ هائما فِي ضَلَالَة ... يدبر مَاذَا فِي الْأَنَام يعاب)
(وَقَالَ ابْن عَم الْمُصْطَفى لَيْسَ عندنَا ... سواهُ وَإِلَّا مَا حواه قرَاب)
(وَإِلَّا الَّذِي أعطَاهُ فهما إلهه ... بآياته فاسئل عساك تجاب)
следующие страницы →