← Указатели

Указатели · id 10717

الحطة في ذكر الصحاح الستة

صديق حسن خان

Полный текст (259 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحَدِيث بِالْعَدَالَةِ والضبط وَإِنَّمَا يثبت ذَلِك بِالنَّقْلِ عَن أَعْلَام الدّين بتعديلهم وبراءتهم من الْجرْح والغفلة وَيكون لنا ذَلِك دَلِيلا على الْقبُول أَو التّرْك وَكَذَلِكَ مَرَاتِب هَؤُلَاءِ النقلَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وتفاوتهم فِي ذَلِك وتمييزهم فِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ الْأَسَانِيد تَتَفَاوَت باتصالها وانقطاعها بِأَن يكون الرَّاوِي لم يلق الرَّاوِي الَّذِي نقل عَنهُ وبسلامتها من الْعِلَل الموهنة لَهَا وتنتهي بالتفاوت إِلَى طرفين فَحكم بِقبُول الْأَعْلَى ورد الْأَسْفَل وَيخْتَلف فِي الْمُتَوَسّط بِحَسب الْمَنْقُول عَن أَئِمَّة الشَّأْن وَلَهُم فِي ذَلِك أَلْفَاظ اصْطَلحُوا على وَضعهَا لهَذِهِ الْمَرَاتِب الْمرتبَة مثل الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ والغريب وَغير ذَلِك من ألقابه المتداولة بَينهم وبوبوا على كل وَاحِد مِنْهَا ونقلوا مَا فِيهِ من الْخلاف لأئمة اللِّسَان أَو الْوِفَاق ثمَّ النّظر فِي كَيْفيَّة أَخذ الروَاة بَعضهم عَن بعض بِقِرَاءَة أَو كِتَابَة أَو مناولة أَو إجَازَة وتفاوت رتبها وَمَا للْعُلَمَاء فِي ذَلِك من الْخلاف بِالْقبُولِ وَالرَّدّ ثمَّ أتبعوا ذَلِك بِكَلَام فِي أَلْفَاظ تقع فِي متون الحَدِيث من غَرِيب أَو مُشكل أَو تَصْحِيف أومفترق مِنْهَا أَو مُخْتَلف وَمَا يُنَاسب ذَلِك هَذَا مُعظم مَا ينظر فِيهِ أهل الحَدِيث وغالبه وَقد ألف النَّاس فِي الحَدِيث وَأَكْثرُوا وَمن فحول علمائه وأئمتهم أَبُو عبد الله الْحَاكِم وتآليفه فِيهِ مَشْهُورَة وَهُوَ الَّذِي هذبه وَأظْهر محاسنه وَأشهر كتاب للمتأخرين فِيهِ كتاب أبي عَمْرو بن الصّلاح كَانَ لعهد أَوَائِل الْمِائَة السَّابِعَة وتلاه محيى الدّين النَّوَوِيّ بِمثل ذَلِك والفن شرِيف فِي معزاه لِأَنَّهُ معرفَة مَا يحفظ بِهِ السّنَن المنقولة عَن صَاحب الشَّرِيعَة هَكَذَا فِي كتاب العبر لِابْنِ خلدون الْفَصْل الْخَامِس فِي علم الثقاة والضعفاء من رُوَاة الحَدِيث وَهُوَ من أجل نوع وأفخمه من أَنْوَاع علم أَسمَاء الرِّجَال فَإِنَّهُ الْمرقاة إِلَى معرفَة صِحَة الحَدِيث وسقمه وَإِلَى الِاحْتِيَاط فِي أُمُور الدّين وتمييز مواقع الْغَلَط وَالْخَطَأ فِي بَدْء الأَصْل الْأَعْظَم الَّذِي عَلَيْهِ مبْنى الْإِسْلَام وأساس الشَّرِيعَة وللحفاظ فِيهِ تصانيف كَثِيرَة

стр. 72

مِنْهَا مَا أفرد فِي الثقاة ككتاب الثقاة للْإِمَام الْحَافِظ أبي حَاتِم مُحَمَّد ابْن حَيَّان البستي المتوفي سنة أَربع وَخمسين وثلاثمائة وَكتاب الثقاة مِمَّا لم يَقع فِي الْكتب السِّتَّة للشَّيْخ زين الدّين قَاسم بن قطلوبغا الْحَنَفِيّ المتوفي سنة تسع وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَهُوَ كَبِير فِي أَربع مجلدات وَكتاب الثقاة لخليل بن شاهين وَكتاب الثقاة للعجلي وَمِنْهَا مَا أفرد فِي الضُّعَفَاء ككتاب الضُّعَفَاء للْبُخَارِيّ وَكتاب الضُّعَفَاء للنسائي وَكتاب الضُّعَفَاء لمُحَمد بن عَمْرو الْعقيلِيّ المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وثلاثمائة وَمِنْهَا مَا جمع بَينهمَا كتأريخ البُخَارِيّ وتأريخ ابْن أبي خَيْثَمَة قَالَ ابْن الصّلاح وَمَا أغزر فَوَائده وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم وَقَالَ صَاحب كشف الظنون صنف فِي علم الضُّعَفَاء والمتروكين فِي رُوَاة الحَدِيث الإِمَام مُحَمَّد البُخَارِيّ المتوفي سنة سِتّ وَخمسين وَمِائَتَيْنِ يرويهِ عَنهُ أَبُو بشر مُحَمَّد بن حَمَّاد الدولابي وَأَبُو جَعْفَر شيخ بن سعيد وآدَم بن مُوسَى الْخَبَّازِي وَهُوَ من تصانيفه الْمَوْجُودَة قَالَه ابْن حجر وَالْإِمَام عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد النَّسَائِيّ وَالْإِمَام حسن بن مُحَمَّد الصغائي وَأَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن الْجَوْزِيّ المتوفي سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال أَنه يسْرد الْجرْح ويسكت عَن التوثيق وَقد اخْتَصَرَهُ ثمَّ ذيله كَمَا قَالَ وذيله أَيْضا عَلَاء الدّين مغلطاي ابْن قليج المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وصنف فِيهِ عَلَاء الدّين عَليّ بن عُثْمَان المارديني المتوفي سنة خمس وَسَبْعمائة وصنف فِيهِ مُحَمَّد ابْن حَيَّان البستي وَوضع لَهُ مُقَدّمَة قسم فِيهَا الروَاة إِلَى نَحْو عشْرين قسما ذكره البقاعي فِي حَاشِيَة الألفية

стр. 73

الْفَصْل السَّادِس فِي علم تلفيق الحَدِيث وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن التَّوْفِيق بَين الْأَحَادِيث المتنافية ظَاهرا إِمَّا بتخصيص الْعَام تَارَة أَو بتقييد الْمُطلق أُخْرَى أَو بِالْحملِ على تعدد الْحَادِثَة إِلَى غير ذَلِك من وُجُوه التَّأْوِيل وَكَثِيرًا مَا يُورِدهُ شرَّاح الحَدِيث أثْنَاء شروحهم إِلَّا أَن بَعْضًا من الْعلمَاء قد اعتنى بذلك فدونوه على حِدة ذكره الْمولى أَبُو الْخَيْر من فروع علم الحَدِيث الْفَصْل السَّابِع فِي علم الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن جرح الروَاة وتعديلهم بِأَلْفَاظ مَخْصُوصَة وَعَن مَرَاتِب تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَهَذَا الْعلم من فروع علم رجال الْأَحَادِيث وَلم يذكرهُ أحد من أَصْحَاب الموضوعات مَعَ أَنه فرع عَظِيم وَالْكَلَام فِي الرِّجَال جرحا وتعديلا ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ ثمَّ عَن كثير من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فَمن بعدهمْ وَجوز ذَلِك تورعا وصونا للشريعة لاطعنا فِي النَّاس وكما جَازَ الْجرْح فِي الشُّهُود جَازَ فِي الروَاة والتثبت فِي أَمر الدّين أولى من التثبت فِي الْحُقُوق وَالْأَمْوَال وَبِهِمَا يتَمَيَّز صَحِيح الحَدِيث وضعيفه فَيجب على الْمُتَكَلّم التثبت فيهمَا فقد أَخطَأ غير وَاحِد فِي تجريحهم بِمَا لَا يجرح وَلِهَذَا افترضوا على أنفسهم الْكَلَام فِي ذَلِك قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه وَإِنَّمَا ألزموا أنفسهم الْكَشْف عَن معايب رُوَاة الحَدِيث وناقلي الْأَخْبَار وأفتوا بذلك حِين سئلوا لما فِيهِ من عَظِيم الْحَظ إِذْ الْأَخْبَار فِي أَمر الدّين إِنَّمَا تَأتي بتحليل أَو تَحْرِيم أَو أَمر أَو نهي أَو ترغيب أَو ترهيب فَإِذا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بمعدن الصدْق وَالْأَمَانَة ثمَّ أقدم على الرِّوَايَة عَنهُ من قد عرفه وَلم يبين مَا فِيهِ لغيره مِمَّن جهل مَعْرفَته كَانَ آثِما بِفِعْلِهِ ذَلِك غاشا لعوام الْمُسلمين إِذْ لَا يُؤمن على بعض من سمع تِلْكَ الْأَخْبَار أَن يستعملها أَو يسْتَعْمل بَعْضهَا وأقلها أَو أَكْثَرهَا

стр. 74

أكاذيب لَا أصل لَهَا انْتهى وَأول من عَنى بذلك من الْأَئِمَّة الْحفاظ شُعْبَة ابْن الْحجَّاج ثمَّ تبعه يحيى بن سعيد قَالَ الذَّهَبِيّ فِي ميزَان الِاعْتِدَال أول من جمع ذَلِك الإِمَام يحيى بن سعيد الْقطَّان وَتكلم فِيهِ بعده تلامذته يحيى ابْن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَعَمْرو بن عَليّ الفلاس وَأَبُو خَيْثَمَة زُهَيْر وتلامذتهم كَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي إِسْحَاق الْجوزجَاني وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَالتِّرْمِذِيّ والدولابي والعقيلي وَابْن عدي وَأبي الْفَتْح الْأَزْدِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم إِلَى غير ذَلِك وَفِي كشف الظنون وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ كتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لأبي الْحسن أَحْمد بن عبد الله الْعجلِيّ الْكُوفِي نزيل طرابلس الْمغرب المتوفي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل للْإِمَام الْحَافِظ أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم الرَّازِيّ المتوفي سنة سبع وَعشْرين وثلاثمائة وَهُوَ كتاب كَبِير أَوله الْحَمد لله رب الْعَالمين بِجَمِيعِ محامده كلهَا الخ ذكر فِيهِ أَنه لم يجد سَبِيلا إِلَى معرفَة شَيْء من مَعَاني كتاب الله وَلَا من سنَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا من جِهَة النَّقْل وَالرِّوَايَة وَجب أَن يُمَيّز بَين الْعُدُول الناقلة والرواة وثقاتهم وَأهل الْحِفْظ والثبت والإتقان مِنْهُم وَبَين أهل الْغَفْلَة وَالوهم وَسُوء الْحِفْظ وَالْكذب واختراع الحَدِيث الْكَاذِب وَالْكذب انْتهى والكامل لِابْنِ عدي وَهُوَ أكمل الْكتب فِيهِ وميزان الِاعْتِدَال فِي نقد الرِّجَال للذهبي وَهُوَ أجمع مَا جمع ولسان الْمِيزَان للشَّيْخ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي ولألفاظ التَّعْدِيل مَرَاتِب أَعْلَاهَا ثِقَة أَو متقن أَو ضَابِط أَو حجَّة ثَانِيهَا خير صَدُوق مَأْمُون لَا بَأْس بِهِ وَهَؤُلَاء يكْتب حَدِيثهمْ ثَالِثهَا شيخ وَهَذَا يكْتب حَدِيثه للاعتبار وابعها صَالح الحَدِيث فَيكْتب وَينظر فِيهِ ولألفاظ التجريح أَيْضا مَرَاتِب أدناها لين الحَدِيث يكْتب وَينظر اعْتِبَارا ثَانِيهَا لَيْسَ بِقَوي وَلَيْسَ بِذَاكَ ثَالِثهَا مقارب الحَدِيث أَي رديه رَابِعهَا مَتْرُوك الحَدِيث وَكَذَّاب ووضاع ودجال وواه وواه

стр. 75

بموحدة مَكْسُورَة فميم مَفْتُوحَة وَرَاء مُشَدّدَة أَي قولا وَاحِدًا لَا تردد فِيهِ وَهَؤُلَاء ساقطون لَا يكْتب عَنْهُم قَالَ السَّيِّد الشريف أعرض النَّاس فِي هَذِه الْأَعْصَار عَن مَجْمُوع الشُّرُوط الْمَذْكُورَة واكتفوا من عَدَالَة الرَّاوِي بِأَن يكون مَسْتُورا وَمن ضَبطه بِوُجُود سَمَاعه مثبتا بِخَطِّهِ موثوق بِهِ وَرِوَايَته من أصل مُوَافق لأصل شَيْخه وَذَلِكَ لِأَن الحَدِيث الصَّحِيح وَالْحسن وَغَيرهمَا قد جمعت فِي كتب الْأَئِمَّة فَلَا يذهب شَيْء مِنْهُ عَن جمعهم انْتهى قلت وتفصيله أَن من شَرط الرَّاوِي للْحَدِيث أَن يكون مُسلما عَاقِلا بَالغا سليما من أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمَرْوَة مُكَلّفا عدلا متقنا وَيعرف إتقانه بموافقة الثقاة وَلَا تضر مُخَالفَة النَّادِر وَيقبل الْجرْح ان بَان سَببه للِاخْتِلَاف فِيمَا يُوجب الْجرْح بِخِلَاف التَّعْدِيل فَلَا يشْتَرط والضبط أَن يكون متيقظا حَافِظًا غير مُغفل وَلَا ساه وَلَا شَاك فِي حالتي التَّحَمُّل وَالْأَدَاء فَإِن حدث عَن حفظه يَنْبَغِي أَن يكون حَافِظًا وَإِن حدث عَن كِتَابه يَنْبَغِي أَن يكون ضابطا لَهُ وَإِن حدث بِالْمَعْنَى يَنْبَغِي أَن يكون عَارِفًا بِمَا يخْتل بهَا الْمَعْنى وَلَا يشْتَرط الذُّكُورَة وَلَا الْحُرِّيَّة وَلَا الْعلم بفقهه وغريبه وَلَا الْبَصَر وَلَا الْعدَد وتعرف العلالة بتنصيص عَدْلَيْنِ عَلَيْهِمَا أَو بالاستفاضة وَيعرف الضَّبْط بِأَن يعْتَبر رِوَايَته بروايات الثقاة المعروفين بالضبط فَإِن وافقهم غَالِبا وَكَانَت مُخَالفَته لَهُم نادرة عرف كَونه ضابطا ثبتا كَمَا قَالَ السَّيِّد الشريف رِوَايَة الْعدْل عَمَّن سَمَّاهُ لَا تكون تعديلا وَقيل إِن كَانَت عَادَته أَن لَا يروي إِلَّا عَن عدل كالشيخين فتعديل وَإِلَّا فَلَا وَلَا يقبل مَجْهُول الْعَدَالَة وَكَذَا مَجْهُول الْعين الَّذِي لم تعرفه الْعلمَاء وترفع الْجَهَالَة عِنْد رِوَايَة اثْنَيْنِ مشهورين بِالْعلمِ قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ وَفِي رِوَايَة من أَخذ على الحَدِيث أُجْرَة تردد وَفِي المتساهل فِي سَمَاعه وإسماعه كمن لَا يُبَالِي بِالنَّوْمِ أَو يحدث لَا عَن أصل مصحح أَو كثير السَّهْو فِي رِوَايَته إِن حدث من غير أصل أَو أَكثر الشواذ والمناكير فِي حَدِيثه وَمن غلط فِي حَدِيثه فَبين لَهُ وأصر عنادا وَنَحْوه سَقَطت رِوَايَته انْتهى

стр. 76

قَالَ السَّيِّد الشريف قَالَ ابْن الصّلاح هَذَا إِذا كَانَ على وَجه العناد وَأما إِذا كَانَ على وَجه التنقير فِي الْبَحْث فَلَا انْتهى قَالَ الْقُسْطَلَانِيّ الصَّحَابَة كلهم عدُول وَقبل المستور قوم وَرجحه ابْن الصّلاح وَلَا يقبل حَدِيث مُبْهَم مالم يسم إِذْ شَرط قبُول الْخَبَر عَدَالَة ناقله وَمن أبهم اسْمه لَا تعرف عينه فَكيف تعرف عَدَالَته وَلَا يقبل من بِهِ بِدعَة كفر أَو يَدْعُو إِلَى بِدعَة وَإِلَّا قبل لاحتجاج البُخَارِيّ وَغَيره بِكَثِير من المبتدعين غير الدعاة وَيقبل التائب وَيَنْبَغِي أَن يعرف من اخْتَلَط من الثقاة فِي آخر عمره لفساد عقله وخرفه لتمييز من سمع مِنْهُ قبل ذَلِك فَيقبل حَدِيثه أَو بعده فَيرد وَمن روى عَنهُ مِنْهُم فِي الصَّحِيحَيْنِ مَحْمُول على السَّلامَة وَقد أَعرضُوا عَن اعْتِبَار هَذِه الشُّرُوط فِي زَمَاننَا لإبقاء سلسلة الْإِسْنَاد فَيعْتَبر الْبلُوغ وَالْعقل والستر والاتقان وَنَحْوه وَللسَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير رِسَالَة فِي تَحْقِيق قبُول رِوَايَة المبتدعين وَعدم قبُولهَا علقها على نخبة الْفِكر فِي مصطلح أهل الْأَثر وأجاد وَأفَاد وَلَا بُد مِنْهَا لطَالب التَّحْقِيق والرشاد فَليرْجع إِلَيْهَا الْفَصْل الثَّامِن فِي علم أَسمَاء الرِّجَال أَي رجال الْأَحَادِيث من الصَّحَابَة وتابعيهم والرواة فَإِن الْعلم بهَا نصف الْعلم بِالْحَدِيثِ كَمَا صرح بِهِ الْعِرَاقِيّ فِي شرح الألفية عَن عَليّ ابْن الْمَدِينِيّ لِأَن الحَدِيث سَنَد وَمتْن والسند عبارَة عَن الروَاة فمعرفة أحوالها نصف الْعلم على مَا لَا يخفى فالصحابي من اجْتمع مُؤمنا بسيدنا مُحَمَّد ﷺ فِي الأَرْض فِي حَال نبوته فَخرج بقولنَا مُؤمنا من لقِيه كَافِرًا فَلَيْسَ بِصَاحِب لعداوته وَلَو أسلم بعد ذَلِك كرسول قَيْصر وعبد الله بن صياد إِن لم يكن هُوَ الدَّجَّال وَيُؤْخَذ من قَوْلهم لَقِي النَّبِي ﷺ إِن الْكَلَام مَفْرُوض فِيمَا بعد الْبعْثَة إِذْ وَصفه بِالنُّبُوَّةِ الظَّاهِرَة لَا يكون إِلَّا بعْدهَا فَيخرج من لقِيه قبلهَا فَلَيْسَ

стр. 77

من صحابته وَإِن كَانَ مُؤمنا بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء وَبِأَنَّهُ سيبعث وَإِن توقف فِيهِ الْحَافِظ ابْن حجر وَكَذَا شَيْخه الْعِرَاقِيّ حَيْثُ قَالَ المُرَاد من رَآهُ فِي نبوته أَو أَعم من ذَلِك وَلم أر من تعرض لذَلِك أَي صَرِيحًا لقَوْله بعد ذَلِك وَيدل على أَن المُرَاد من رَآهُ بعد نبوته أَنهم ترجموا فِي الصَّحَابَة لمن ولد للنَّبِي بعد النُّبُوَّة كإبراهيم وَلم يترجموا لمن ولد لَهُ وَمَات قبلهَا كالقاسم أما من مَاتَ على الْإِسْلَام وَلَو تخللت ردته بَين لقِيه مُؤمنا فَهُوَ صَحَابِيّ إِذْ الرِّدَّة إِنَّمَا تحبط الْعَمَل بِالْمَوْتِ عَلَيْهَا كَمَا صَححهُ الرَّافِعِيّ حاكيا لَهُ عَن الشَّافِعِي وَإِن أطلق فِي الْإِسْلَام الإحباط لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر فَأُولَئِك حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَمَا فِي الْقُرْآن من الْإِطْلَاق فِي غير هَذِه الْآيَة مَحْمُول على هَذَا التَّقْيِيد سَوَاء رَجَعَ إِلَى الْإِسْلَام فِي حَال حَيَاته ﷺ كعبد الله بن أبي سرح وَلَو لم يلقه ثَانِيًا أم بعد مَوته كغرة بن أبي هُبَيْرَة والأشعث بن قيس فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّن ارْتَدَّ وَأتي بِهِ إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ فِي خِلَافَته أَسِيرًا فَعَاد إِلَى الْإِسْلَام فَقبله مِنْهُ وزوجه بأخته وَلم يخلف أحد عَن تَخْرِيج أَحَادِيثه فِي المسانيد وَمَشى عَلَيْهِ الْحَافِظ ابْن حجر وَإِن استظهر شَيْخه الْعِرَاقِيّ أَن من أسلم من ردته بعد وَفَاته لَا يكون صحابيا قَالَ الشَّمْس الصفوي وَالظَّاهِر أَنه لَا بُد من التَّمْيِيز لقَوْل الْحَافِظ العلائي فِي تَرْجَمَة عبد الله بن الْحَارِث بن نَوْفَل وَعبد الله بن أبي طَلْحَة الْأنْصَارِيّ كل مِنْهُمَا حنكه النَّبِي ﷺ ودعا لَهُ وَلَا صُحْبَة لَهُ وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا دُخُول غير الْمُمَيز فِي التَّعْرِيف لَيْسَ مرَادا على الْمُخْتَار لَكِن قَالَ الشَّمْس الرَّمْلِيّ يدْخل الصَّغِير وَلَو غير مُمَيّز كمحمد بن أبي بكر فَهُوَ صَحَابِيّ مَعَ أَنه ولد قبل وَفَاته ﷺ بِثَلَاثَة أشهر وَأَيَّام لِأَنَّهُ ﷺ رَآهُ وَمَا اشْتَرَطَهُ بَعضهم من كَونه يعقل عَن النَّبِي ﷺ وَلَو كلمة ضَعِيف انْتهى

стр. 78

وَيُمكن الْجمع بِأَن من اشْترط التَّمْيِيز فَهُوَ بِاعْتِبَار التَّحَمُّل وَمن لم يَشْتَرِطه فَهُوَ بِاعْتِبَار الصُّحْبَة الْمُطلقَة ولإخفاء أَن رُتْبَة من لَازمه وَقَاتل مَعَه أَو قتل تَحت رايته أعظم مِمَّن لم يحضر شَيْئا من ذَلِك وَكَذَلِكَ من ماشاه يَسِيرا أَو رَآهُ على بعد أَو حَال الطفولية وَإِن كَانَ شرف الصُّحْبَة حَاصِلا للْجَمِيع وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر إِن ثَبت أَن النَّبِي ﷺ كشف لَهُ لَيْلَة الْإِسْرَاء عَن جَمِيع من فِي الأَرْض فَرَآهُمْ يَنْبَغِي أَن يعد فِي الصَّحَابَة من كَانَ مُؤمنا فِي حَيَاته وَإِن لم يلقه لحُصُول الرُّؤْيَة من جَانِبه ﷺ لَكِن خَالفه شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا بقوله شُمُول التَّعْرِيف بِمن اجْتمع بِهِ من الْمَلَائِكَة والأنبياء لَيْلَة الْإِسْرَاء لَيْسَ مرَادا لوُقُوعه على وَجه خرق الْعَادة بل الِاجْتِمَاع الْمُتَعَارف بَين النَّاس وَإِن كَانَ رُتْبَة الْكثير من هَؤُلَاءِ فَوق رُتْبَة الصُّحْبَة وَالظَّاهِر أَن شيخ الْإِسْلَام زَكَرِيَّا أَرَادَ بالأنبياء عِيسَى ﵇ لِأَنَّهُ لم يمت أما غَيره من الْأَنْبِيَاء وَلَو إِدْرِيس فَلَا يتَوَهَّم دُخُولهمْ لِأَن رُؤْيَته لَهُم بعد مَوْتهمْ والرؤية بعد الْمَوْت لَا تفِيد الصُّحْبَة كَمَا تقدم وَلم يذكر فِي جمع الْجَوَامِع فِي التَّعْرِيف وَمَات على الْإِسْلَام وَاعْترض عَلَيْهِ بِمن مَاتَ مُرْتَدا وَأجَاب عَنهُ شَارِحه الْمُحَقق الْجلَال الْمحلي بِأَنَّهُ يُسمى قبل الرِّدَّة وَيَكْفِي ذَلِك فِي صِحَة التَّعْرِيف إِذْ لَا يشْتَرط فِيهِ الِاحْتِرَاز عَن الْمنَافِي الْعَارِض وَلذَلِك لم يحْتَرز فِي تَعْرِيف الْمُؤمن عَن الرِّدَّة الْعَارِضَة فِي بعض أَفْرَاده قَالَ وَمن زَاد من متأخري الْمُحدثين كالعراقي وَمَات مُؤمنا للِاحْتِرَاز عَمَّن ذكر أَرَادَ بِهِ مَا يُسمى صحابيا بعد مَوته وَلَا مُطلقًا وَإِلَّا لزمَه أَن لَا يُسمى الشَّخْص صحابيا حَال حَيَاته وَلَا يَقُول بذلك أحد وَإِن كَانَ من أَرَادَ لَيْسَ من شَأْن التَّعْرِيف قَالَ النَّوَوِيّ الصَّحَابِيّ كل مُسلم رأى رَسُول الله ﷺ وَلَو لَحْظَة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي حَده وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد بن حَنْبَل وَأبي عبد الله مُحَمَّد بن اسماعيل البُخَارِيّ فِي صَحِيحه والمحدثين كَافَّة انْتهى وَتثبت

стр. 79

الصحابية بالتواتر والاستفاضة وَيَقُول صَحَابِيّ آخر وبادعائه الصُّحْبَة لَهُ إِن كَانَ عدلا ودعواه مُمكنَة وَقَالَ أَبُو زرْعَة قبض رَسُول الله ﷺ عَن مائَة ألف وَأَرْبَعَة عشر ألفا من الصَّحَابَة مِمَّن روى عَنهُ وَسمع مِنْهُ فَمنهمْ أهل غَزْوَة تَبُوك وهم سَبْعُونَ ألفا وَأهل حجَّة الْوَدَاع وهم أَرْبَعُونَ ألفا وَجعل الْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي لَهُم اثْنَتَيْ عشرَة طَبَقَات مِنْهُم من أسلم بِمَكَّة كالخلفاء الرَّاشِدين ثمَّ أَصْحَاب دَار الندوة ثمَّ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى الْحَبَشَة ثمَّ أَصْحَاب الْعقبَة الأولى ثمَّ أَصْحَاب الْعقبَة الثَّانِيَة ثمَّ الْمُهَاجِرُونَ الواصلون إِلَيْهِ بقبا ثمَّ أهل بدر ثمَّ الَّذين هَاجرُوا بَين بدر وَالْحُدَيْبِيَة ثمَّ أهل بيعَة الرضْوَان ثمَّ الَّذين هَاجرُوا بَين الْحُدَيْبِيَة وَفتح مَكَّة ثمَّ مسلمة الْفَتْح ثمَّ الْأَطْفَال وَالصبيان الزائرون لَهُ ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع وَأما تَرْتِيب فَضلهمْ وَأول من أسلم وأيهم أَكثر حَدِيثا وفتيا وأيهم آخِرهم موتا فَذكره بطول وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَهُوَ مَبْسُوط فِي كتب الْقَوْم على اخْتِلَاف الْعلمَاء فِيهَا كالاستيعاب لِابْنِ عبد الْبر الْمَالِكِي وَكتاب ابْن الْأَثِير وَكتاب الْإِصَابَة فِي معرفَة الصَّحَابَة وَأما صَاحب الصَّحَابِيّ وَهُوَ الْمُسَمّى بالتابعي فَقَالَ الْخَطِيب لَا يَكْفِي فِيهِ اجتماعه بالصحابي من غير إطالة الِاجْتِمَاع نظرا للْعُرْف فِي الصُّحْبَة بِخِلَاف اجْتِمَاع الصَّحَابِيّ من غير إطالة الِاجْتِمَاع بِالنَّبِيِّ ﷺ وَمَشى عَلَيْهِ فِي جمع الْجَوَامِع وَفرق شَارِحه الْمُحَقق الْجلَال الْمحلي بِأَن الِاجْتِمَاع بالمصطفى ﷺ يُؤثر من النُّور القلبي أَضْعَاف مَا يؤثره الِاجْتِمَاع الطَّوِيل بالصحابي وَغَيره من الْأَخْبَار فالأعرابي الجلف بِمُجَرَّد مَا يجْتَمع بالمصطفى ﷺ مُؤمنا ينْطق بالحكمة ببركة طلعته ﷺ وَقَالَ الْحَاكِم يَكْفِي الِاجْتِمَاع وَإِن لم يطلّ وَلم يسمع مِنْهُ وَصَححهُ ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَعَلِيهِ الْعَمَل قَالَ النَّوَوِيّ التَّابِعِيّ وَيُقَال فِيهِ التَّابِع فَهُوَ من لقى الصَّحَابِيّ وَقيل من صَحبه كالخلاف فِي الصَّحَابِيّ والاكتفاء هُنَا بِمُجَرَّد اللِّقَاء أولى نظرا إِلَى مُقْتَضى اللَّفْظَيْنِ انْتهى

стр. 80

وَقَالَ بَعضهم التَّابِعِيّ كل مُسلم صحب صحابيا وَقيل من لقِيه وَهُوَ الْأَظْهر كزين العابدين وَمُحَمّد الباقر وأويس الْقَرنِي وَأما الَّذين كَانُوا فِي زَمَنه ﷺ وأدركوا الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَلم يرَوا النَّبِي ﷺ فهم من كبار التَّابِعين وطبقة الْأَصْحَاب الَّذين عدوا فِي التَّابِعين وطبقة التَّابِعين الَّذين لم يثبت لَهُم السماع من الصَّحَابَة كإبراهيم بن سُوَيْد النَّخعِيّ وطبقة التبع الَّذين لاقوا أَصْحَاب النَّبِي ﷺ كَأبي الزِّنَاد وَهِشَام بن عُرْوَة فَهِيَ مبسوطة فِي كتب أَسمَاء الرِّجَال قَالَ السَّيِّد الشريف الْجِرْجَانِيّ الْبَحْث عَن تفاصيل الْأَسْمَاء والكنى والألقاب والمراتب فِي الْعلم والورع لهاتين المرتبتين أَي الصَّحَابِيّ والتابعي وَمَا بعدهمَا يُفْضِي إِلَى تَطْوِيل انْتهى وَتبع التَّابِع مُسلم رأى تابعيا وَهَذِه طبقَة ثَالِثَة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ ﷺ وَمِنْهَا الإِمَام جَعْفَر الصَّادِق وَأَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت الإِمَام الْأَعْظَم وَمَالك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَابْن جريج بالجيمين وَشعْبَة وَبَعض تلامذتهم كيحيى بن سعيد وعبد الله بن الْمُبَارك وَمُحَمّد بن حسن الشَّيْبَانِيّ وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَغَيرهم وَهَذِه الطَّبَقَات الثَّلَاث هِيَ الْمَشْهُود لَهَا بِالْخَيرِ على لِسَان نبيها ﷺ كَمَا قَالَ خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ الحَدِيث وهم الصَّدْر الأول وَالسَّلَف الصَّالح والمحتج بهم فِي كل بَاب وَعَلَيْهِم الْمعول وبهم المستمسك فِي جَمِيع الْأَحْوَال والأعمال والأخلاق وَالْأَحْكَام عِنْد أولي الْأَلْبَاب وَبِالْجُمْلَةِ الْكتب المصنفة فِي أَسمَاء الرِّجَال على أَنْوَاع كَذَا فِي كشف الظنون مِنْهَا المؤتلف والمختلف لجَماعَة كالدارقطني والخطيب الْبَغْدَادِيّ وَابْن مَاكُولَا وَابْن نقطة وَمن الْمُتَأَخِّرين الذَّهَبِيّ والمزني وَابْن حجر وَغَيرهم وَمِنْهَا الْأَسْمَاء الْمُجَرَّدَة عَن الألقاب والكنى صنف فِيهِ الإِمَام مُسلم وَعلي ابْن الْمَدِينِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن بشر الدولابي وَابْن عبد الْبر لَكِن أحْسنهَا ترتيبا كتاب الإِمَام أبي عبد الله الْحَاكِم وللذهبي المقتنى فِي سرد الكنى وَمِنْهَا الألقاب صنف فِيهِ أَبُو بكر الشِّيرَازِيّ وَأَبُو الْفضل الفلكي سَمَّاهُ مُنْتَهى الْكَمَال وَابْن الْجَوْزِيّ وَمِنْهَا الْمُتَشَابه

стр. 81

صنف فِيهِ الْخَطِيب كتابا سَمَّاهُ تَلْخِيص الْمُتَشَابه ثمَّ ذيله بِمَا قَالَه وَمِنْهَا الْأَسْمَاء الْمُجَرَّدَة عَن الألقاب والكنى صنف فِيهِ أَيْضا غير وَاحِد فمنهنم من جمع التراجم مُطلقًا كَابْن سعد فِي الطَّبَقَات وَابْن حيثمة أَحْمد بن زبير وَالْإِمَام أبي عبد الله البُخَارِيّ فِي تأريخهما وَمِنْهُم من جمع الثِّقَات كَابْن حبَان وَابْن شاهين وَمِنْهُم من جمع الضُّعَفَاء كَابْن عدي وَمِنْهُم من جمع كليهمَا جرحا وتعديلا وَمِنْهُم من جمع رجال البُخَارِيّ وَغَيره من أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة وَالسّنَن إِلَى غير ذَلِك الْفَصْل التَّاسِع فِي علم رجال الْأَحَادِيث أَي رواتها وَيحْتَاج النَّاظر فِيهَا إِلَى معرفَة المواليد والتواريخ والوفيات والأسماء والكنى وَمَعْرِفَة من عرف بالكنية دون اسْمه كَأبي مويهة وَمن عرف بلقبه دون كنيته كَأبي تُرَاب فَإِن كنيته أَبُو الْحسن وَمَعْرِفَة من لَهُ كنيتان أَو أَكثر كَأبي الحامد وَأبي الْوَلِيد لِابْنِ جريج وَأبي بكر وَأبي الْفَتْح لِابْنِ الفراوي وَمَعْرِفَة مختلفي الكنى كَمَا يُقَال فِي زيد بن أُسَامَة أَبُو زيد وأبومحمد وَأَبُو عبد الله وَمن عرف بالكنية وَاخْتلف فِي اسْمه كَأبي بصرة الْغِفَارِيّ واسْمه جميل وَقيل حميل بِالْحَاء الْمُهْملَة وكأبي هُرَيْرَة قيل اسْمه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر وَقيل عبد الله وَمن اخْتلف فِي اسْمه وكنيته كليهمَا كسفينة مولى رَسُول الله ﷺ قيل اسْمه عمر وَقيل صَالح وَقيل مهْرَان وكنيته أَبُو عبد الرَّحْمَن وَقيل أبوالبختري وَمَعْرِفَة من لَيْسَ فِي اسْمه وكنيته اخْتِلَاف كَأبي حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت وَمُحَمّد بن أنس وَمُحَمّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِي وَأحمد بن حَنْبَل وَمن عرف بالكنية وَالِاسْم كَأبي ادريس الْخَولَانِيّ عَائِذ الله بن عبد الله يحْتَاج إِلَى معرفَة الألقاب والمختلف والمؤتلف فِي الْأَسْمَاء والأنساب والتشابه فِي الثَّلَاثَة وَمَعْرِفَة الْأَسْمَاء المفردة وَمَعْرِفَة الموَالِي وَمَعْرِفَة الصِّفَات الْمُخْتَلفَة وَمَعْرِفَة الْأَسْمَاء المبهمة وَمَعْرِفَة الثِّقَات والضعفاء وَمَعْرِفَة من خلط من الثِّقَات لخرفه أَو لذهاب بَصَره أَو غير ذَلِك وَمَعْرِفَة أوطان

стр. 82

الروَاة وبلدانهم وَمَعْرِفَة إِخْوَتهم وتفصيلها فِي الْكتب المبسوطة المصنفة فِيهَا كالطبقات لِابْنِ سعد وَكتاب ابْن الْمَدِينِيّ وَكتاب مُسلم وَكتاب النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم أبي أَحْمد الْحَافِظ وَكتاب ابْن المندي فِي أَسمَاء الروَاة وَكُنَاهُمْ وَكتاب الاكمال لأبي نصر بن مَاكُولَا فِي المؤتلف والمختلف وَكتاب عبد الْغَنِيّ بن سعيد وَكتاب الْخَطِيب فِي معرفَة الْأَسْمَاء المبهمة وَكتاب ابْن حبَان فِي الثِّقَات والضعفاء وَفِي الضُّعَفَاء فَقَط وَكتاب البُخَارِيّ فِي الضُّعَفَاء وَكتاب النَّسَائِيّ والعقيلي فِي الضُّعَفَاء وتاريخ البُخَارِيّ وَابْن أبي حيثمة وَكتاب ابْن سعد فِي معرفَة الأوطان وَكتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل لِابْنِ أبي حَاتِم وَنقل صَاحب كشف الظنون عَن سبط أبي شامة فِي وصف علم التَّارِيخ وذم من عابه وشانه وَقد ألف الْعلمَاء فِي ذَلِك تصانيف كَثِيرَة لَكِن قد اقْتصر كثيرمنهم على ذكر الْحَوَادِث من غير تعرض لذكر الوفيات كتأريخ ابْن جرير ومروج الذَّهَب والكامل وَإِن ذكر اسْم من توفّي فِي تِلْكَ السّنة فَهُوَ عَار عَمَّا لَهُ من المناقب والمحاسن وَمِنْهُم من كتب فِي الوفيات مُجَردا عَن الْحَوَادِث كتأريخ نيسابور للْحَاكِم وتأريخ بَغْدَاد لأبي بكر الْخَطِيب والذيل عَلَيْهِ للسمعاني وَهَذَا وَإِن كَانَ أهم النَّوْعَيْنِ فالفائدة إِنَّمَا تتمّ بِالْجمعِ بَين الفنين وَقد جمع بَينهمَا جمَاعَة من الْحفاظ مِنْهُم أَبُو الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ فِي المنتظم وَأَبُو شامة فِي الروضتين والذيل عَلَيْهِ وصل إِلَى سنة خمس وَسِتِّينَ وَقد ذيل عَلَيْهِ الْحَافِظ علم الدّين البرزالي وَمِمَّنْ جمع بَين النَّوْعَيْنِ أَيْضا الْحَافِظ شمس الدّين الذَّهَبِيّ لَكِن الْغَالِب فِي العبر الوفيات وَجمع بَينهمَا الشَّيْخ عماد الدّين بن كثير فِي الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة وأجود مَا فِيهِ السّير النَّبَوِيَّة وَقد أخل بِذكر خلائق من الْعلمَاء قد يكون من أخل بِذكرِهِ أولى مِمَّن ذكره مَعَ الإسهاب المخل فِيهِ وَفِيه أَوْهَام قبيحة لَا يسامح فِيهَا وَقد صَار الِاعْتِمَاد فِي مصر وَالشَّام فِي نقل التواريخ فِي هَذَا الزَّمَان على هَؤُلَاءِ الْحفاظ الثَّلَاثَة البرزالي والذهبي وَابْن كثير أما تَارِيخ البرزالي فَانْتهى إِلَى آخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَمَات فِي السّنة الْآتِيَة وَأما الذَّهَبِيّ فَانْتهى تَارِيخه إِلَى آخر سنة أَرْبَعِينَ وَسَبْعمائة وَأما ابْن كثير فَالْمَشْهُور أَن تأريخه انْتهى

стр. 83

إِلَى آخر سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ آخر مَا لخصه من تأريخ البرزالي وَكتب حوادث إِلَى قبيل وَفَاته بِسنتَيْنِ وَلما لم يكن من سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة مَا يجمع الْأَمريْنِ على الْوَجْه الأتم شرع شَيخنَا مفتي الشَّام شهَاب الدّين أَحْمد بن يحيى السَّعْدِيّ فِي كِتَابَة ذيل من أول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة على وَجه الِاسْتِيعَاب للحوادث والوفيات فَكتب مِنْهُ سبع سِنِين ثمَّ شرع من أول سنة تسع وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة فَانْتهى إِلَى أثْنَاء ذِي الْقعدَة سنة خمس عشرَة وَثَمَانمِائَة وَذَلِكَ قبل ضعفه ضعفة الْمَوْت غير أَنه سقط مِنْهُ سنة خمس وَسبعين فعدمت وَكَانَ قد أَوْصَانِي أَن أكمل الخرم من أول سنة ثَمَان وَأَرْبَعين إِلَى آخر سنة ثَمَان وَسِتِّينَ فاستخرت الله تَعَالَى فِي تَكْمِيل مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ثمَّ التذييل عَلَيْهِ من حِين وَفَاته ثمَّ رَأَيْت فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَسَبْعمائة فَمَا بعْدهَا إِلَى آخر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين فَوَائِد جمة من حوادث ووفيات قد أهملها شَيخنَا وَيحْتَاج الْكتاب إِلَيْهَا فألحقت كثيرا مِنْهَا فِي الْحَوَادِث وشرعت من أول سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة جَامعا بَين كَلَامه وَتلك الْفَوَائِد على أَن الْجَمِيع فِي الْحَقِيقَة لَهُ انْتهى الْفَصْل الْعَاشِر فِي علم أَحْوَال رُوَاة الحَدِيث من وفياتهم وقبائلهم وأوطانهم وجرحهم وتعديلهم وَغير ذَلِك وَهَذَا الْعلم من فروع علم التأريخ كَمَا يلوح من الْفَصْل التَّاسِع من وَجه وَمن فروع علم الحَدِيث من وَجه وَلَا يخفى أَنه علم أَسمَاء الرِّجَال فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث قلت وَمن شِيمَة الْمُحدثين ذكر الرَّاوِي باسمه وكنيته وَنسبه وصنعته وغرضهم عَن الْمُبَالغَة فِي هَذَا الِاحْتِيَاط الْكَامِل فِي رُوَاة الحَدِيث لِئَلَّا يلتبس بَعضهم بِبَعْض لِأَن الِاسْم الْمَحْض وَكَذَا الكنية الْمَحْضَة قد تشتركان فَلَا يتَحَقَّق تَمْيِيز الرَّاوِي من غَيره إِلَّا بالمبالغة وَقد يشْتَرك اسْم الرواي مَعَ اسْم أَبِيه كَمَا قَالُوا

стр. 84

أَن خَلِيل بن أَحْمد اسْم سِتَّة رجال وَأنس بن مَالك اسْم خَمْسَة رجال وَقد يشْتَرك اسْمه مَعَ اسْم أَبِيه وجده كَمَا قَالُوا أَن أَحْمد بن جَعْفَر اسْم أَرْبَعَة رجال متفقين فِي أسمائهم وَأَسْمَاء آبَائِهِم وجدودهم وَكَذَا أَبُو عمرَان الْخَولَانِيّ اسْم لِرجلَيْنِ أَحدهمَا عبد الْملك ابْن حبيب وَالثَّانِي مُوسَى ابْن سهل وَأَبُو بكر بن عَيَّاش ثَلَاث رجال فتعمق أهل الحَدِيث فِي أَمْثَال هَذِه الْأُمُور لَيْسَ بضائع وَإِنَّمَا غرضهم عَنْهَا مزِيد الِاحْتِيَاط لِئَلَّا يشْتَبه الرَّاوِي الضَّعِيف بالراوي الثِّقَة نعم اتِّفَاقهمَا فِي الْعَدَالَة والوثوق لَا يضر فِي ذَلِك الِاشْتِبَاه وَمَعَ هَذَا لَهُم قَرَائِن وإشارات يتميزون بهَا هَذَا الْقسم أَيْضا كسفيان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة فَإِن التمايز يحصل بَينهم بالشيوخ والتلامذة وَإِن كَانُوا متفقين فِي هَذِه أَيْضا فالتمييز عسير جدا وَهَذِه هِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي يمْتَحن فِيهَا محدثيه الْمُحدث فَإِنَّهُ كَانَ بِالْبَصْرَةِ إمامان فِي فن الحَدِيث يُقَال لَهما حمادان حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم وَحَمَّاد بن سَلمَة فَحَيْثُ كَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَة العارم عَن حَمَّاد فَهُوَ حَمَّاد بن زيد وَحَيْثُ كَانَ الرَّاوِي لَهُ مُوسَى بن اسماعيل التَّبُوذَكِي فَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة ثمَّ عبد الله فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي طبقَة الصَّحَابَة عبد الله ابْن مَسْعُود وَفِي دَرَجَة أَئِمَّة الحَدِيث عبد الله بن الْمُبَارك وَأَبُو جَمْرَة بِالْجِيم وَالرَّاء الْمُهْملَة تلميذ ابْن عَبَّاس وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة والزاء أَيْضا تلميذ لَهُ وَشعْبَة يروي عَن كليهمَا فالاصطلاح أَن شُعْبَة حَيْثُ قَالَ أَبُو جَمْرَة مُطلقًا فَالْمُرَاد بِهِ نصر بن عمرَان وَهُوَ بِالْجِيم وَحَيْثُ قيد النّسَب فَالْمُرَاد أَبُو حَمْزَة بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالله أعلم وَقد يشْتَبه اسْم الرَّاوِي مَعَ اسْم أمه وَيعلم بالخوض والتعمق أَنه اسْم أمه لَا اسْم أَبِيه كَمَا فِي الحَدِيث معَاذ ومعوذ ابْني عفراء فعفراء اسْم أمهما لَا أَبِيهِمَا وَاسم أَبِيهِمَا حَارِث وَجَاء فِي بعض الرِّوَايَات بِلَال بن حمامة وَهُوَ بِلَال بن رَبَاح خَادِم النَّبِي ﷺ وحمامة اسْم أمه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عبد الله بن بُحَيْنَة وَهِي أمه وَاسم أَبِيه مَالك وَاجْتمعَ فِي بعض الْمَوَاضِع فَقَالُوا عبد الله بن مَالك بن بُحَيْنَة ليعلم أَنه صفة لعبد الله لَا لمَالِك وكمحمد بن الْحَنَفِيَّة فَإِن أَبَاهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب وحنفية نِسْبَة إِلَى أمه الَّتِي اسْمهَا خَوْلَة بنت جَعْفَر سيد بني حنيفَة ويمامة وكإسماعيل

стр. 85

ابْن علية فَإِن اسْم أَبِيه ابراهيم وَنسبَة الرجل إِلَى جده كَثِيرَة جدا شائعة فِي محاورة الْعَرَب وَاقعَة فِي كتب الحَدِيث يشْهد بِهِ قَوْله ﷺ أَنا ابْن عبد الْمطلب وَقد ينسبون الرَّاوِي إِلَى جدته نَحْو يعلي ابْن منية اسْم جدته الَّتِي هِيَ أم أَبِيه وَمن هَذَا الْقَبِيل بشر بن الْخَصَاصَة والمنسوبون إِلَى أجدادهم كَثِيرُونَ كَأبي عُبَيْدَة بن الْجراح فَإِن اسْم أَبِيه عبد الله بن الْجراح وَكَانَ جريج واسْمه عبد الملك بن عبد الْعَزِيز بن جريج وكأحمد بن حَنْبَل وَاسم أَبِيه مُحَمَّد بن حَنْبَل وَقد ينْسب إِلَى التبني أَيْضا كمقداد بن الْأسود أَصله مقداد بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة الْكِنْدِيّ لَكِن لما رباه أسود بن عبد يَغُوث الزهدي الْقرشِي تبنيا نسب إِلَيْهِ وكحسن ابْن دِينَار فَإِن أَصله حسن بن وَاصل ودينار زوج أمه هَكَذَا فِي العجالة النافعة للْمولى عبد الْعَزِيز الْمُحدث الدهلوي وفيهَا قَوَاعِد أُخْرَى تتَعَلَّق بِهَذَا الْقسم والكتب المصنفة فِيهِ أَيْضا كَثِيرَة جمعا وفرادى كَمَا سبقت إِلَيْهِ الْإِشَارَة الْفَصْل الْحَادِي عشر فِي علم غَرِيب الحَدِيث وَالْقُرْآن قَالَ أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد الْخطابِيّ رَحمَه الله تَعَالَى الْغَرِيب من الْكَلَام إِنَّمَا هُوَ الغامض الْبعيد من الْفَهم كَمَا أَن الْغَرِيب من النَّاس إِنَّمَا هُوَ الْبعيد عَن الوطن الْمُنْقَطع عَن الْأَهْل والغريب من الْكَلَام يُقَال بِهِ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُرَاد بِهِ أَنه بعيد الْمَعْنى غامضة لَا يتَنَاوَلهُ الْفَهم إِلَّا عَن بعد ومعاناة فكر وَالْوَجْه الآخر أَن يُرَاد بِهِ كَلَام من بَعدت بِهِ الدَّار من شواذ قبائل الْعَرَب فَإِذا وَقعت إِلَيْنَا الْكَلِمَة من كَلَامهم استغربناها انْتهى وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي النِّهَايَة وَقد عرفت أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ أفْصح الْعَرَب لِسَانا حَتَّى قَالَ لَهُ عَليّ ﵁ وَقد سَمعه يُخَاطب

стр. 86

وَفد بني نمر يَا رَسُول الله ﷺ نَحن بَنو أَب وَاحِد ونراك تكلم وُفُود الْعَرَب بِمَا لَا نفهم أَكْثَره فَقَالَ أدبني رَبِّي فَأحْسن تأديبي فَكَانَ ﵊ يُخَاطب الْعَرَب على اخْتِلَاف شعوبهم وقبائلهم بِمَا يفهمونه فَكَانَ الله تَعَالَى قد أعلمهُ مالم يكن يعلم غَيره وَكَانَ أَصْحَابه يعْرفُونَ أَكثر مَا يَقُوله وَمَا جهلوه سَأَلُوهُ عَنهُ فيوضحه لَهُم وَاسْتمرّ عصره إِلَى حِين وَفَاته ﵊ وَجَاء عصر الصَّحَابَة جَارِيا على هَذَا النمط فَكَانَ اللِّسَان الْعَرَبِيّ عِنْدهم صَحِيحا لَا يتداخله الْخلَل إِلَى أَن فتحت الْأَمْصَار وخالط الْعَرَب غير جنسهم فامتزجت الألسن وَنَشَأ بَينهم الْأَوْلَاد فتعلموا من اللِّسَان الْعَرَبِيّ مَا لَا بُد لَهُم فِي الْخطاب وَتركُوا مَا عداهُ وتمادت الْأَيَّام إِلَى أَن انقرض عصر الصَّحَابَة وَجَاء التابعون فسلكوا سبيلهم فَمَا انْقَضى زمانهم إِلَّا وَاللِّسَان الْعَرَبِيّ قد اسْتَحَالَ أعجميا فَلَمَّا أعضل الدَّاء ألهم الله جمَاعَة من أولي المعارف أَن صرفُوا إِلَى هَذَا الشَّأْن طرفا من عنايتهم فشرعوا فِيهِ حراسة لهَذَا الْعلم الشريف فَقيل أول من جمع فِي هَذَا الْفَنّ شَيْئا أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى التَّمِيمِي الْبَصْرِيّ المتوفي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فَجمع كتابا صَغِيرا وَلم تكن قلته لجهلة وَإِنَّمَا ذَلِك لأمرين أَحدهمَا أَن كل مُبْتَدأ بِشَيْء لم يسْبق إِلَيْهِ يكون قَلِيلا ثمَّ يكثر وَالثَّانِي أَن النَّاس كَانَ فيهم يَوْمئِذٍ بَقِيَّة وَعِنْدهم معرفَة فَلم يكن الْجَهْل قد عَم وَله تآليف أخر فِي غَرِيب الْقُرْآن وَقد صنف عبد الْوَاحِد بن أَحْمد المليحي كتابا فِي رده المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وَأَبُو سعيد بن خَالِد الضَّرِير وموفق الدّين عبد اللَّطِيف بن يُوسُف الْبَغْدَادِيّ الْمُتَوفَّى سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة صنفا فِي رد غَرِيب الحَدِيث ثمَّ جمع أَبُو الْحسن نضر بن شُمَيْل الْمَازِني النَّحْوِيّ بعده أَكثر مِنْهُ الْمُتَوفَّى سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ ثمَّ جمع عبد الْملك ابْن قريب الْأَصْمَعِي كتابا أحسن فِيهِ وأجاد وَكَذَلِكَ مُحَمَّد بن المستنير الْمَعْرُوف بقطرب وَغَيره من الْأَئِمَّة جمعُوا أَحَادِيث وَتَكَلَّمُوا على

стр. 87

لغتها فِي أوراق وَلم يكد أحدهم ينْفَرد عَن غير هـ بِكَثِير حَدِيث لم يذكرهُ الآخر ثمَّ جَاءَ أَبُو عبيد الْقَاسِم بن سَلام بعد الْمِائَتَيْنِ فَجمع كِتَابه فَصَارَ هُوَ الْقدْوَة فِي هَذَا الشَّأْن فَإِنَّهُ أفنى فِيهِ عمره حَتَّى لقد قَالَ فِيمَا يرْوى عَنهُ إِنِّي جمعت كتابي هَذَا فِي أَرْبَعِينَ سنة وَرُبمَا كنت أستفيد الْفَائِدَة من الأفواه فأضعها فِي موضعهَا فَكَانَ خُلَاصَة عمري وَبَقِي كِتَابه فِي أَيدي النَّاس يرجعُونَ إِلَيْهِ فِي غَرِيب الحَدِيث وَعَلِيهِ كتاب مُخْتَصر لمحب الدّين أَحْمد بن عبد الله الطَّبَرِيّ المتوفي سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة سَمَّاهُ تقريب المرام فِي غَرِيب الْقَاسِم بن سَلام مبوبا على الْحُرُوف ثمَّ جَاءَ عصر أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَة الدينَوَرِي المتوفي سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ فصنف كِتَابه الْمَشْهُور حذا فِيهِ حَذْو أبي عبيد فجَاء كِتَابه مثل كِتَابه أَو أَكثر أَو أكبر وَقَالَ فِي مقدمته أَرْجُو أَن لَا يكون بَقِي بعد هذَيْن الْكِتَابَيْنِ من غَرِيب الحَدِيث مَا يكون لأحد فِيهِ مقَال وَقد كَانَ فِي زَمَانه الإِمَام إِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ الْحَافِظ وَجمع كِتَابه فِيهِ وَهُوَ كَبِير فِي خمس مجلدات بسط القَوْل فِيهِ واستقصى الْأَحَادِيث بطرِيق أسانيدها وأطاله بِذكر متونها وَإِن لم يكن فِيهَا إِلَّا كلمة وَاحِدَة غَرِيبَة فطال لذَلِك كِتَابه فَترك وهجر وَإِن كَانَ كثير الْفَوَائِد توفّي بِبَغْدَاد سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ ثمَّ صنف النَّاس غير من ذكر مِنْهُم شمر بن حَمْدَوَيْه وَأَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يحي الْمَعْرُوف بثعلب المتوفي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ وَأَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الثمالِي الْمَعْرُوف بالمبرد المتوفي سنة خمس وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَبُو بكر مُحَمَّد بن قَاسم الْأَنْبَارِي المتوفي سنة ثَمَان وَعشْرين وثلاثمائة وَأحمد بن حسن الْكِنْدِيّ وَأَبُو عمر مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد الزَّاهِد صَاحب ثَعْلَب المتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وثلاثمائة وَلم يتم وَأَبُو مُحَمَّد سَلمَة بن عَاصِم النَّحْوِيّ وَأَبُو مَرْوَان عبد الْملك ابْن حبيب الْمَالِكِي المتوفي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَبُو الْقَاسِم مَحْمُود ابْن أبي الْحسن بن الْحُسَيْن النَّيْسَابُورِي الملقب بِبَيَان الْحق وقاسم بن مُحَمَّد الْأَنْبَارِي المتوفي سنة أَربع وثلاثمائة وَأَبُو شُجَاع مُحَمَّد بن عَليّ الدهان الْبَغْدَادِيّ المتوفي سنة تسعين وَخَمْسمِائة وَهُوَ كَبِير فِي سِتَّة عشر

стр. 88

مجلدا وَأَبُو الْفَتْح سليم بن الْعَرَب الرَّازِيّ المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَابْن كيسَان مُحَمَّد بن أَحْمد النَّحْوِيّ المتوفي سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَمُحَمّد بن حبيب الْبَغْدَادِيّ النَّحْوِيّ المتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ وَابْن درسْتوَيْه عبد الله بن جَعْفَر النَّحْوِيّ المتوفي سنة سبع وَأَرْبَعين وثلاثمائة واسماعيل بن عبد الغافر رَاوِي صَحِيح مُسلم المتوفي سنة خمس وَأَرْبَعين وَأَرْبع مائَة وَكتابه جليل الْفَائِدَة مُجَلد مُرَتّب على الْحُرُوف وَاسْتمرّ الْحَال إِلَى عهد الإِمَام أبي سُلَيْمَان أَحْمد بن مُحَمَّد الْخطابِيّ البستي المتوفي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلاثمائة فألف كِتَابه الْمَشْهُور سلك فِيهِ نهج أبي عُبَيْدَة وَابْن قُتَيْبَة فَكَانَت هَذِه الثَّلَاثَة فِيهَا أُمَّهَات الْكتب إِلَّا أَنه لم يكن كتاب صنف مُرَتبا يرجع الْإِنْسَان عِنْد طلبه إِلَّا كتاب الْحَرْبِيّ وَهُوَ على طوله لَا يُوجد إِلَّا بعد تَعب وعناء فَلَمَّا كَانَ زمَان أبي عبيد أَحْمد بن مُحَمَّد الْهَرَوِيّ المتوفي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعمِائَة صَاحب الْأَزْهَرِي وَكَانَ فِي زمن الْخطابِيّ صنف كِتَابه الْمَشْهُور فِي الْجمع بَين غريبي الْقُرْآن والْحَدِيث ورتبه على حُرُوف المعجم على وضع لم يسْبق فِيهِ وَجمع مَا فِي كتب من تقدمه فجَاء جَامعا فِي الْحسن إِلَّا أَنه جَاءَ الحَدِيث مفرقا فِي حُرُوف كَلِمَاته فانتشر فَصَارَ هُوَ الْعُمْدَة فِيهِ وَمَا زَالَ النَّاس بعد يتبعُون أَثَره إِلَى عهد أبي الْقَاسِم مَحْمُود بن عمر الزَّمَخْشَرِيّ فصنف الْفَائِق ورتبه على وضع اخْتَارَهُ مقفى على حُرُوف المعجم وَلَكِن فِي العثور على طلب الحَدِيث مِنْهُ كلفه ومشقة لِأَنَّهُ جمع فِي التقفية بَين إِيرَاد الحَدِيث مسدودا جَمِيعه أوأكثره ثمَّ شرح مَا فِيهِ من غَرِيب فَيَجِيء شرح كل كلمة غَرِيبَة يشْتَمل عَلَيْهَا ذَلِك الحَدِيث فِي حرف وَاحِد فَرد الْكَلِمَة فِي غير حروفها وَإِذا طلبَهَا الْإِنْسَان تَعب حَتَّى يجدهَا فَكَانَ كتاب الْهَرَوِيّ أقرب متناولا وأسهل مأخذا وصنف الْحَافِظ أبوموسى مُحَمَّد بن أبي بكر الْأَصْفَهَانِي فِيهِ مَا فَاتَ الْهَرَوِيّ من غَرِيب الْقُرْآن والْحَدِيث مُنَاسبَة وَفَائِدَة ورتبه كَمَا رتبه ثمَّ قَالَ وَاعْلَم أَنه سَيبقى بعد كتابي أَشْيَاء لم يَقع لي وَلَا وقفت عَلَيْهَا لِأَن كَلَام الْعَرَب لم ينْحَصر وَتُوفِّي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة سَمَّاهُ كتاب الغث كمل بِهِ الغريبين ومعاصره أَبُو الْفرج

стр. 89

عبد الرَّحْمَن بن عَليّ الإِمَام ابْن الْجَوْزِيّ صنف كتابا فِي غَرِيب الحَدِيث نهج فِيهِ طَرِيق الْهَرَوِيّ مُجَردا عَن غَرِيب الْقُرْآن وَكَانَ فَاضلا لكنه يغلب عَلَيْهِ الْوَعْظ وَقَالَ فِيهِ قد فاتهم أَشْيَاء فَرَأَيْت أَن أبذل الوسع فِي جمع غَرِيب الحَدِيث وَأَرْجُو أَن لَا يشذ عني مُهِمّ من ذَلِك قَالَ ابْن الْأَثِير وَلَقَد تتبعت كِتَابه فرأيته مُخْتَصرا من كتاب الْهَرَوِيّ منتزعا من أبوابه شَيْئا فَشَيْئًا وَلم يزدْ عَلَيْهِ إِلَّا الْكَلِمَة الشاذة وَأما أبوموسى فَإِنَّهُ لم يذكر فِي كِتَابه مِمَّا ذكره الْهَرَوِيّ إِلَّا كلمة اضْطر إِلَى ذكرهَا فَإِن كِتَابه يضاهي كتاب الْهَرَوِيّ لِأَن وَضعه اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ الْهَرَوِيّ وَلما وقفت على ذَيْنك الْكِتَابَيْنِ وهما فِي غَايَة الْحسن وَإِذا أَرَادَ أحد كلمة غَرِيبَة يحْتَاج إِلَيْهِمَا وهما كبيران ذَوا مجلدات عدَّة فَرَأَيْت أَن أجمع بَين مَا فيهمَا من غَرِيب الحَدِيث مُجَردا من غَرِيب الْقُرْآن وأضيف إِلَى كل كلمة أُخْتهَا وتمادت بِي الْأَيَّام فَحِينَئِذٍ أمعنت النّظر فِي الْجمع بَين ألفاظهما فوجدتهما على كَثْرَة مَا أودع فيهمَا قد فاتهما الْكثير فَإِنِّي فِي بادئ الْأَمر مرت بذكري كَلِمَات غَرِيبَة من أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم لم يرو شَيْء مِنْهُمَا فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ فَحَيْثُ عرفت نبهت لاعْتِبَار مَا سوى هذَيْن من كتب الحَدِيث فتتبعتها واستقصيت قَدِيما وحديثا فَرَأَيْت فِيهَا من الْغَرِيب كثيرا وأضفت إِلَى مَا عثرت عَلَيْهِ وَأَنا أَقُول كم يكون مَا قد فَاتَنِي من الْكَلِمَات الغريبة تشْتَمل عَلَيْهَا أَحَادِيث رَسُول الله ﷺ وَأَصْحَابه وتابعيهم ذخيرة لغيري انْتهى كَلَام ابْن الْأَثِير مُلَخصا قَالَ صَاحب كشف الظنون وصنف الأرموي بعده كتابا فِي تَتِمَّة كِتَابه وصنف مهذب الدّين ابْن الْحَاجِب عشر مجلدات وتصنيف قَاسم بن ثَابت بن خرم السَّرقسْطِي المتوفي سنة ثَلَاثِينَ وثلاثمائة بسرقسطة كَانَ فِي عصر الْحَرْبِيّ ذَلِك فِي الشرق وَهَذَا فِي الغرب وَلم يطلع أَحدهمَا على مَا وضع الآخر ذكره البقاعي

стр. 90

الْفَصْل الثَّانِي عشر فِي علم شرح الحَدِيث وَهُوَ من فروع علم الحَدِيث اعتنى الْعلمَاء بِجمع حَدِيث الْأَرْبَعين وَشَرحه لما رُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا من السّنة كنت لَهُ شَفِيعًا يَوْم الْقِيَامَة وَفِي رِوَايَة من حمل عني من أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا من السّنة لَقِي الله يَوْم الْقِيَامَة فَقِيها عَالما وَفِي رِوَايَة من تعلم أَرْبَعِينَ حَدِيثا ابْتِغَاء وَجه الله ليعلم بِهِ أمتِي فِي حلالهم وحرامهم حشره الله يَوْم الْقِيَامَة عَالما وَفِي رِوَايَة من حفظ على أمتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثا فِي أَمر دينهَا بَعثه الله تَعَالَى يَوْم الْقيام فِي زمرة الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء وَاتَّفَقُوا على أَنه حَدِيث ضَعِيف وَإِن كثرت طرقه وَقد صنف الْعلمَاء فِي هَذَا الْبَاب مَا لايحصى من المصنفات وَاخْتلفت مقاصدهم فِي جمعهَا وتأليفها وترتيبها فَمنهمْ من اعْتمد على ذكر أَحَادِيث التَّوْحِيد وَإِثْبَات الصِّفَات وَمِنْهُم من قصد ذكر أَحَادِيث الْأَحْكَام وَمِنْهُم من اقْتصر على مَا يتَعَلَّق بالعبادات وَمِنْهُم من اخْتَار حَدِيث المواعظ وَالرَّقَائِق وَمِنْهُم من قصد إِخْرَاج مَا صَحَّ سَنَده وَسلم من الطعْن وَمِنْهُم من قصد مَا على إِسْنَاده وَمِنْهُم من أحب تَخْرِيج مَا طَال مَتنه وَظهر لسامعه حِين يسمعهُ حسنه إِلَى غير ذَلِك وسمى كل وَاحِد مِنْهُم كِتَابه بِكِتَاب الْأَرْبَعين وَالله أعلم هَكَذَا فِي كشف الظنون عَن أسامي الْكتب والفنون قلت وَقد أوردت نبذة مِنْهَا فِي كتابي الْمُسَمّى بجنان الْمُتَّقِينَ وَأما شُرُوح غير الأربعينات فِي علم الحَدِيث على الْأُمَّهَات السِّت وَغَيرهَا فَهِيَ كَثِيرَة جدا وَسَيَأْتِي بَيَانهَا عِنْد ذكر الصِّحَاح السِّتَّة فِي هَذَا الْكتاب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما طَريقَة الشَّرْح وضوابطه فقد أفرده بالتأليف الْمولى رفيع الدّين الدهلوي فِي رسَالَته الْمُسَمَّاة بالتكميل وَكَذَا وَالِده الْمولى ولي الله الْمُحدث

стр. 91

الدهلوي فِي بعض رسائله وظني أَنَّهُمَا منفردان فِي تدوين هَذَا الْعلم فَإِنَّهُ علم لم يسْبق إِلَيْهِ وَمَا يَلِيق ذكره فِي هَذَا الْمقَام تَقْرِيبًا للمرام وتتميما للْكَلَام فَهُوَ أَن أسلوب الشَّرْح على ثَلَاثَة أَقسَام الأول الشَّرْح بقوله كشرح البُخَارِيّ لِابْنِ حجر والكرماني وَنَحْوهمَا وَفِي أَمْثَاله لَا يلْتَزم الْمَتْن وَإِنَّمَا الْمَقْصُود ذكر الْمَوَاضِع المشروحة وَالثَّانِي الشَّرْح يُقَال أَقُول كشرح للمقاصد والطوالع والعضد وَالثَّالِث الشَّرْح مزجا وَيُقَال شرح ممزوج تمزج فِيهِ عبارَة الْمَتْن وَالشَّرْح ثمَّ يمتاز إِمَّا بِالْمِيم والشين وَإِمَّا بِخَط يخطه فَوق الْمَتْن وَهُوَ طَريقَة أَكثر الشُّرَّاح الْمُتَأَخِّرين من الْمُحَقِّقين وَغَيرهم لكنه لَيْسَ بمأمون عَن الْخَلْط والغلط ثمَّ من شَرط الشَّارِح أَن يبْذل النُّصْرَة فِيمَا قد الْتزم شَرحه بِقدر الِاسْتِطَاعَة ويذب عَمَّا قد تكفل إيضاحه بِمَا يذب بِهِ صَاحب تِلْكَ الصِّنَاعَة ليَكُون شارحا غير نَاقص وجارح ومفسرا غير معترض اللَّهُمَّ إِلَّا إِذا عثر على شَيْء لَا يُمكن حمله على وَجه صَحِيح فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَن يُنَبه عَلَيْهِ بتعريض أَو تَصْرِيح متمسكا بذيل الْعدْل والإنصاف متجنبا عَن الغي والاعتساف لِأَن الْإِنْسَان مَحل النسْيَان والقلم لَيْسَ بمعصوم من الطغيان فَكيف بِمن جمع المطالب من محالها المتفرقة وَلَيْسَ كل كتاب ينْقل المُصَنّف عَنهُ سالما من الْعَيْب مَحْفُوظًا لَهُ عَن ظهر الْغَيْب حَتَّى يلام فِي خطائه فَيَنْبَغِي أَن يتأدب عَن تَصْرِيح الطعْن للسلف مُطلقًا ويكنى بِمثل قيل وَظن وَوهم وَاعْترض وَأجِيب وَبَعض الشُّرَّاح والمحشى أَو بعض الشُّرُوح والحواشي وَنَحْو ذَلِك من غير تعْيين كَمَا هُوَ دأب الْفُضَلَاء من الْمُتَأَخِّرين فَإِنَّهُم تأنقوا فِي أسلوب التَّحْرِير وتأدبوا فِي الرَّد والاعتراض على الْمُتَقَدِّمين بأمثال مَا ذكر تَنْزِيها لَهُم عَمَّا يفْسد اعْتِقَاد المبتدئين فيهم وتعظيما لحقهم وَرُبمَا حملُوا هفواتهم على الْغَلَط من الناسخين لَا من الراسخين وَإِن لم يكن ذَلِك قَالُوا لِأَنَّهُ لفرط اهتمامهم بالمباحثة والإفادة لم يفرغوا لتكرير النّظر والإعادة وَأَجَابُوا

стр. 92

عَن لمز بَعضهم بِأَن أَلْفَاظ كَذَا وَكَذَا أَلْفَاظ فلَان بعبارته بقَوْلهمْ إِنَّا لَا نَعْرِف كتابا لَيْسَ فِيهِ ذَلِك فَإِن تصانيف الْمُتَأَخِّرين بل الْمُتَقَدِّمين لَا تَخْلُو عَن مثل ذَلِك إِلَّا لعدم الاقتدار على التَّغْيِير بل حذرا عَن تَضْييع الزَّمَان فِيهِ وَعَن مثالبهم بِأَنَّهُم عزوا إِلَى أنفسهم مَا لَيْسَ لَهُم بِأَنَّهُ إِن اتّفق فَهُوَ من توارد الخواطر كَمَا فِي تعاقب الحوافر على الحوافر هَكَذَا فِي كشف الظنون وَللَّه در صَاحب مشكاة المصابيح حَيْثُ قَالَ فَإِذا وقفت عَلَيْهِ فأنسب الْقُصُور إِلَيّ لقلَّة الدِّرَايَة لَا إِلَى جناب الشَّيْخ رفع الله قدره فِي الدَّاريْنِ حاشا لله من ذَلِك انْتهى الْفَصْل الثَّالِث عشر فِي علم الْأَدْعِيَة والأوراد وَهُوَ علم يبْحَث فِيهِ عَن الْأَدْعِيَة المأثورة والأوراد الْمَشْهُورَة بتصحيحهما وضبطهما وَتَصْحِيح روايتهما وَبَيَان خواصهما وَعدد تكرارهما وأوقات قراءتهما وشرائطهما ومباديه مبينَة فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَالْغَرَض مِنْهُ معرفَة تِلْكَ الْأَدْعِيَة والأوراد على الْوَجْه الْمَذْكُور لينال باستعمالها الْفَوَائِد الدِّينِيَّة والدنيوية ذكره الْمولى أَبُو الْخَيْر من فروع علم الحَدِيث لما كَانَ استمداد هَذَا الْعلم من كتب علم الحَدِيث وَمن الْكتب المصنفة فِيهِ كتاب الْأَذْكَار للنووي والحصن الْحصين للجزري والورد الأفخم والحزب الْأَعْظَم للعلي الْقَارِي الْهَرَوِيّ الملكي رَحِمهم الله تَعَالَى وَغير ذَلِك الْفَصْل الرَّابِع عشر فِي علم طب النَّبِي ﷺ وَفِيه تصانيف لأبي نعيم أَحْمد بن عبد الله الإصبهاني المتوفي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعمِائَة ولجلال الدّين عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر السُّيُوطِيّ المتوفي سنة إِحْدَى عشرَة وَتِسْعمِائَة وَكتب أَبُو الْحسن عَليّ بن مُوسَى الرِّضَا لِلْمَأْمُونِ رِسَالَة مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ والحبيب النَّيْسَابُورِي جمعه أَيْضا وَابْن السّني وَعبد الْملك بن حبيب أَيْضا

стр. 93

الْفَصْل الْخَامِس عشر فِي علم متن الحَدِيث وَهُوَ مَا اكتنف الصلب من الْحَيَوَان فمتن كل شَيْء مَا يتقوم بِهِ ذَلِك فمتن الحَدِيث أَلْفَاظه الَّتِي يتقوم بهَا الْمَعْنى وَله أَقسَام وأنواع أَعْلَاهَا الصَّحِيح وَهُوَ مَا اتَّصل سَنَده بِنَقْل الْعدْل الضَّابِط عَن مثله وَسلم عَن شذوذ وَعلة وتتفاوت دَرَجَات الصَّحِيح بِحَسب قُوَّة شُرُوطه وضعفها وَأول من صنف فِي الصَّحِيح الْمُجَرّد الإِمَام البُخَارِيّ ثمَّ مُسلم وكتابهما أصح الْكتب بعد كتاب الله وَأما قَول الشَّافِعِي مَا أعلم شَيْئا بعد كتاب الله أصح من موطأ مَالك فَقبل وجود الْكِتَابَيْنِ وَأَعْلَى أَقسَام الصَّحِيح مَا اتفقَا عَلَيْهِ ثمَّ مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ ثمَّ مَا انْفَرد بِهِ مُسلم ثمَّ مَا كَانَ على شَرطهمَا وَإِن لم يخرجَاهُ ثمَّ مَا على شَرط البُخَارِيّ ثمَّ مَا على شَرط مُسلم ثمَّ مَا صَححهُ غَيرهمَا من الْأَئِمَّة فَهَذِهِ سَبْعَة أَقسَام وَالْمرَاد بِشَرْط البُخَارِيّ وَمُسلم أَن يكون الرِّجَال متصفين بِالصِّفَاتِ الَّتِي تتصف بهَا رجال البُخَارِيّ وَمُسلم من الضَّبْط وَالْعَدَالَة وَعدم الشذوذ والنكارة والغفلة وَقيل المُرَاد بشرطهما رجالها أنفسهم وَالْكَلَام فِي هَذَا يطول ذكره الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي فِي مُقَدّمَة شرح سفر السَّعَادَة للمجد صَاحب الْقَامُوس ثمَّ مَا حذف سَنَده فيهمَا وَهُوَ كثير فِي تراجم البُخَارِيّ قَلِيل جدا فِي كتاب مُسلم فَمَا كَانَ مِنْهُ بِصِيغَة الْجَزْم نَحْو قَالَ فلَان وَفعل وَأمر وروى وَذكر مَعْرُوفا فَهُوَ حكم بِصِحَّتِهِ

стр. 94

وَمَا رُوِيَ من ذَلِك مَجْهُولا فَلَيْسَ حكما بِصِحَّتِهِ وَلَكِن إِيرَاده فِي كتاب الصَّحِيح مشْعر بِصِحَّة أَصله وَالْقسم الثَّانِي مِنْهَا الْحسن وهوما لَا يكون فِي إِسْنَاده مُتَّهم وَلَا يكون شاذا ويروى من غير وَجه نَحوه وَفِيه أَقْوَال أخر تصدى لذكرها أهل أصُول الحَدِيث وَالْحسن حجَّة كَالصَّحِيحِ وَلذَلِك أدرج فِي الصَّحِيح وَالْحسن إِذا رُوِيَ من وَجه آخر ترقى من الْحسن إِلَى الصَّحِيح لقُوته من الْجِهَتَيْنِ فيعتضد أَحدهمَا بِالْآخرِ ونعني بالترقي أَنه مُلْحق فِي الْقُوَّة بِالصَّحِيحِ لَا أَنه عينه ثمَّ الضَّعِيف وَهُوَ مالم تَجْتَمِع فِيهِ شُرُوط الصَّحِيح وَالْحسن وَيجوز عِنْد الْعلمَاء التساهل فِي أَسَانِيد الضَّعِيف دون الْمَوْضُوع من غير بَيَان ضعفه فِي المواعظ والقصص وفضائل الْأَعْمَال لَا فِي صِفَات الله تَعَالَى وَأَحْكَام الْحَلَال وَالْحرَام قيل كَانَ من مَذْهَب النَّسَائِيّ أَن يخرج عَن كل من لم يجمع على تَركه وَأَبُو داؤد كَانَ يَأْخُذ مأخذه وَيخرج الضَّعِيف إِذا لم يجد فِي الْبَاب غَيره ويرجحه على رَأْي الرِّجَال وَعَن الشّعبِيّ مَا حَدثَك عَن النَّبِي ﷺ هَؤُلَاءِ فَخذ بِهِ وَمَا قَالُوهُ برأيهم فألقه فِي الحش أَي الكنيف وَقَالَ الرَّأْي بِمَنْزِلَة الْميتَة إِذا اضطررت إِلَيْهَا أكلتها وَهنا عدَّة عِبَارَات مِنْهَا مَا يشْتَرك فِيهِ الْأَقْسَام الثَّلَاثَة أَعنِي الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف وَمِنْهَا مَا يخْتَص بالضعيف فَمن الأول الْمسند والمتصل وَالْمَرْفُوع والمعنعن وَالْمُعَلّق والمدرج وَالْمَشْهُور والغريب والعزيز والمسلسل وَالِاعْتِبَار وَمن الثَّانِي الْمَوْقُوف والمقطوع والمرسل والمنقطع والمعضل والشاذ وَالْمُنكر والمعلل

стр. 95

والمدلس والمضطرب والمقلوب والموضوع ولهذه كلهَا تعاريف وتفاصيل ذكرت فِي كتب الْأُصُولِيِّينَ من أهل الحَدِيث لَيْسَ هَذَا مَوْضُوع بسطها الْفَصْل السَّادِس عشر فِي علم رموز الحَدِيث فَإِنَّهُم وضعُوا لأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة عَلامَة ورمزا بالحروف فَجعلُوا للْبُخَارِيّ خَ لِأَن نسبته إِلَى بَلَده أشهرمن اسْمه وكنيته وَلَيْسَ فِي حُرُوف بَاقِي الْأَسْمَاء خاء وَلمُسلم م لِأَن اسْمه اشهر من نسبته وكنيته ولمالك ط لِأَن اشتهار كِتَابه بالموطأ أَكثر وَلِأَن الْمِيم أول حُرُوف اسْمه وَقد أعطوها مُسلما وَبَاقِي حُرُوف مشتبهة بغَيْرهَا وللترمذي ت لِأَن اشتهاره بنسبته أَكثر وَلأبي داؤد د لِأَن كنيته أشهر من اسْمه ونسبته وَالدَّال أشهر حروفها وأبعدها من الِاشْتِبَاه وللنسائي س لِأَن نسبته أشهر من اسْمه وكنيته وَالسِّين أشهر حُرُوف نسبته وَلذَلِك وضعُوا لأَصْحَاب المسانيد بالأفراد والتركيب كَمَا هُوَ مسطور فِي الْجَوَامِع ومعرفتها هِيَ الْعلم بهَا هَذَا مَا ذكره فِي كشف الظنون وللسيوطي فِي جَامعه الصَّغِير رموز أُخْرَى سوى مَا ذكر وَهِي هَذِه خَ للْبُخَارِيّ م لمُسلم ق لَهما د لأبي داؤد ت لِلتِّرْمِذِي ن للنسائي هـ لِابْنِ مَاجَه ع لهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة ٣ لَهُم إِلَّا ابْن مَاجَه حم لِأَحْمَد فِي مُسْنده عَم لِابْنِهِ فِي زوائده ك للْحَاكِم فَإِن كَانَ فِي مُسْتَدْركه أطلق وَإِلَّا بَينه خد للْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب تخ لَهُ فِي التَّارِيخ حب لِابْنِ حبَان فِي صَحِيحه طب للطبراني فِي الْكَبِير طس لَهُ فِي الْأَوْسَط طص لَهُ فِي الصَّغِير ص لسَعِيد بن مَنْصُور فِي سنَنه ش لِابْنِ أبي شيبَة عب لعبد الرَّزَّاق فِي المجامع ع لأبي يعلى فِي مُسْنده قطّ للدارقطني فَإِن كَانَ فِي السّنَن أطلق وَإِلَّا بَينه فر للديلمي فِي مُسْند الفردوس حل لأبي نعيم فِي الْحِلْية هَب للبيهقي فِي شعب

стр. 96

الْإِيمَان هق لَهُ فِي السّنَن عد لِابْنِ عدي فِي الْكَامِل عق للعقيلي فِي الضُّعَفَاء خطّ للخطيب فَإِن كَانَ فِي التَّارِيخ أطلقهُ وَإِلَّا بَينه وعَلى هَذَا الْقيَاس لكل كتاب رموز بَين مصنفوه فِي أَوَائِله الْفَصْل السَّابِع عشر فِي علم وضع الحَدِيث وَهُوَ علم يعرف بِهِ مَوْضُوع الحَدِيث من ثابته وَيعرف حَال الْوَاضِع من حَيْثُ صدقه وَكذبه وَالْغَرَض مِنْهُ تَحْصِيل ملكة التَّمْيِيز بَين الصدْق وَالْكذب والصادق والكاذب وغايته التَّحَرُّز عَن رِوَايَته إِلَّا مَقْرُونا بِبَيَان وَضعه فَإِنَّهُ ﷺ قَالَ من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار نَقله من الصَّحَابَة ﵃ الجم الْغَفِير قيل هم أَرْبَعُونَ وَقيل اثْنَان وَسِتُّونَ وَفِيهِمْ الْعشْرَة المبشرة وَلم يزل الْعدَد على التوالي فِي ازدياد وَقد جمع السَّيِّد مُحَمَّد المرتضى الوَاسِطِيّ البلكرامي نزيل مصر رِسَالَة فِي ضبط الْأَحَادِيث المتواترة مُسَمَّاة باللآلي المتناثرة قَالَ السَّيِّد الشريف وَلَا يحل رِوَايَة الْمَوْضُوع للْعَالم بِحَالهِ فِي أَي معنى كَانَ إِلَّا مَقْرُونا بِبَيَان الْوَضع وَقد ذهبت الكرامية والطائفة المبتدعة إِلَى جَوَاز وضع الحَدِيث فِي التَّرْغِيب والترهيب وَقد صنف ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات مجلدات قَالَ ابْن الصّلاح أودع فِيهَا كثيرا من الْأَحَادِيث الضعيفة مِمَّا لَا دَلِيل على وَضعه وحقها أَن تذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة وللشيخ حسن بن مُحَمَّد الصغاني الدّرّ الْمُلْتَقط فِي تَبْيِين الْغَلَط انْتهى مُلَخصا ثمَّ الحَدِيث لوضعه وَكذب راوية عَلَامَات شَتَّى تعرف بهَا مِنْهَا مَا ذكره الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي العجالة النافعة مَا نَصه بِالْعَرَبِيَّةِ

стр. 97

الأول كَون الرِّوَايَة خلاف التَّارِيخ كَمَا قَالُوا إِن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ فِي حَرْب صفّين كَذَا مَعَ أَنه ﵁ توفّي فِي خلَافَة عُثْمَان وَهَذَا الْقسم يعرف بِأَدْنَى تَأمل وَأَقل تتبع الثَّانِي كَون الرَّاوِي رَافِضِيًّا يروي الحَدِيث فِي مطاعن الصَّحَابَة أَو ناصبيا يرويهِ فِي مطاعن أهل الْبَيْت وعَلى هَذَا الْقيَاس وَحِينَئِذٍ ينظر إِن كَانَ الرَّاوِي مُنْفَردا بذلك الحَدِيث فَحَدِيثه يُنكر وَإِن رَوَاهُ الْآخرُونَ أَيْضا يقبل ثمَّ يتفكر فِي تَأْوِيله وتوجيهه الثَّالِث أَن يروي حَدِيثا يجب مَعْرفَته وَالْعَمَل بِهِ على كَافَّة الْمُكَلّفين وينفرد بروايته فَهِيَ قرينَة قَوِيَّة على كذبه وَوَضعه الرَّابِع أَن يكون حَاله وَالْوَقْت الَّذِي فِيهِ رَوَاهُ قرينَة على كذبه كَمَا اتّفق لغياث بن مَيْمُون فِي مجْلِس الْخَلِيفَة العباسي الْمهْدي فَإِنَّهُ حضر عِنْده وَكَانَ هُوَ مَشْغُولًا بإطارة الحمائم فروى لَهُ هَذَا الحَدِيث لَا سبق إِلَّا فِي خلف أَو نصل أَو جنَاح فَزَاد لفظ الْجنَاح من عِنْده لتطييب نفس الْمهْدي انْتهى قلت وتفصيل هَذِه الْقِصَّة فِي حَيَاة الْحَيَوَان الْكُبْرَى للدميري رح وَهُوَ أَن هَارُون الرشيد كَانَ يُعجبهُ الْحمام واللعب بِهِ فأهدى لَهُ حمام وَعِنْده أَبُو البخْترِي وهب القَاضِي فروى لَهُ بِسَنَدِهِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا سبق إِلَّا فِي خف أَو حافر أَو جنَاح فَزَاد أَو جنَاح وَهِي لَفْظَة وَضعهَا للرشيد فَأعْطَاهُ جَائِزَة سنية فَلَمَّا خرج قَالَ الرشيد تالله لقد علمت أَنه كذب على رَسُول الله ﷺ وَأمر بالحمام فذبح فَقيل وَمَا ذَنْب الْحمام قَالَ من أَجله كذب على رَسُول الله ﷺ فَترك الْعلمَاء حَدِيث أبي البخْترِي لذَلِك وَغَيره من مَوْضُوعَاته فَلم يكتبوا حَدِيثه قَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة وَالشَّيْخ تَقِيّ الدّين

стр. 98

الْقشيرِي فِي الاقتراح وَاضع حَدِيث الْحمام غياث بن ابراهيم وَضعه للمهدي لَا للرشيد انْتهى مُلَخصا الْخَامِس كَون الحَدِيث مُخَالفا لمقْتَضى الْعقل وَالشَّرْع بِحَيْثُ تكذبه الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة كقضاء الْعُمر وَنَحْوه كَحَدِيث لَا تَأْكُلُوا الْبِطِّيخ حَتَّى تذبحوه السَّادِس أَن تكون فِي الحَدِيث قصَّة تتَعَلَّق بِأَمْر حسي وَاقع بِحَيْثُ لَو فرض تحَققه بِالْحَقِيقَةِ لنقله أُلُوف من النَّاس كَمَا يرْوى مثلا أَنهم قتلوا فلَان الْخَطِيب يَوْم الْجُمُعَة على الْمِنْبَر وسلخوا جلده وَلم يروه غَيره وَهُوَ مُنْفَرد بِهِ السَّابِع ركاكة اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا حَيْثُ يروي ألفاظا لَا تنطبق على الْقَوَاعِد الْعَرَبيَّة أَو مَعَاني لَا تناسب شَأْن النُّبُوَّة ووقار الرسَالَة أَو بِالْوُقُوفِ على غلط قَالَ السَّيِّد الشريف كَمَا وَقع لِثَابِت بن مُوسَى الزَّاهِد فِي حَدِيث من كثرت ضلالته بِاللَّيْلِ حسن وَجهه بِالنَّهَارِ قيل كَانَ شيخ يحدث فِي جمَاعَة فَدخل رجل حسن الْوَجْه فَقَالَ الشَّيْخ فِي أثْنَاء حَدِيثه من كثرت الخ فَوَقع لِثَابِت أَنه من الحَدِيث فَرَوَاهُ انْتهى الثَّامِن الإفراط فِي الْوَعيد الشَّديد على الْجنَاح الصَّغِير أَو على الْوَعْد الْعَظِيم على الْعَمَل الْقَلِيل نَحْو من صلى رَكْعَتَيْنِ فَلهُ سَبْعُونَ ألف دَار فِي كل دَار سَبْعُونَ ألف بَيت فِي كل بَيت سَبْعُونَ ألف سَرِير على كل سَرِير سَبْعُونَ ألف جَارِيَة بل أَحَادِيث هَذَا النسق كلهَا تعد مَوْضُوعَة سَوَاء كَانَت فِي بَاب الثَّوَاب أَو بَاب الْعقَاب التَّاسِع ذكر ثَوَاب الْحَج وَالْعمْرَة على الْعَمَل الْقَلِيل الْعَاشِر أَن يَجْعَل عَاملا من العاملين بِالْخَيرِ مَوْعُودًا بِثَوَاب الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ كَمَا يَقُول ثَوَاب سبعين نَبيا وأمثال ذَلِك الْحَادِي عشر بِإِقْرَار وَاضعه كَمَا اتّفق لنوح بن عصمَة فَإِنَّهُ وضع فِي فَضَائِل الْقُرْآن سُورَة فسورة أَحَادِيث وروجها وشهرها كَمَا ذكرت

стр. 99

فِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ فِي آخر كل سُورَة وَلما أَخَذُوهُ وسألوه عَن تَصْحِيح سندها وَمن أَيْن لَهُ هَذِه اعْترف بِوَضْعِهِ لَهَا وَقَالَ إِنِّي رَأَيْت النَّاس قد أَعرضُوا عَن الْقُرْآن وَاشْتَغلُوا بِفقه أبي حنيفَة وَمَغَازِي مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق فَوضعت هَذِه الْأَحَادِيث حسبَة انْتهى قَالَ السَّيِّد الشريف وَقد أَخطَأ الْمُفَسِّرُونَ فِي إيداعها فِي تفاسيرهم إِلَّا من عصمه الله وَمِمَّا أودعوا فِيهَا أَنه قَالَ ﷺ حِين قَرَأَ ﴿وَمَنَاة الثَّالِثَة الْأُخْرَى﴾ تِلْكَ الغرانيق العلى وَأَن شفاعتهن لترتجى وَلَقَد أشبعنا القَوْل فِي إِبْطَاله فِي بَاب سَجْدَة التِّلَاوَة انْتهى قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه مَعَ أَن الْأَخْبَار الصِّحَاح من رِوَايَة الثِّقَات وَأهل القناعة أَكثر من أَن يضْطَر إِلَى نقل من لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مقنع وَلَا أَحسب كثيرا مِمَّن يعرج من النَّاس على مَا وَصفنَا من هَذِه الْأَحَادِيث الضِّعَاف والأسانيد المجهولة ويعتد بروايتها بعد مَعْرفَته بِمَا فِيهَا من التوهن والضعف إِلَّا أَن الَّذِي يحملهُ على رِوَايَتهَا والاعتداد بهَا إِرَادَة التكثير بذلك عِنْد الْعَوام وَلِأَن يُقَال مَا أَكثر مَا جمع فلَان من الحَدِيث وَألف من الْعدَد وَمن ذهب فِي الْعلم هَذَا الْمَذْهَب وسلك هَذَا الطَّرِيق فَلَا نصيب لَهُ فِيهِ وَكَانَ بِأَن يُسمى جَاهِلا أولى من أَن ينْسب إِلَى الْعلم انْتهى ثمَّ قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز وَكَذَلِكَ وضعُوا أَحَادِيث كَثِيرَة فِي التنباك والقليان والقهوة تشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها قلت ولنعم مَا قَالَ الرّبيع بن خَيْثَم التَّابِعِيّ الْكَبِير إِن للْحَدِيث ضوءا كضوء النَّهَار يعرف وظلمة كظلمة اللَّيْل تنكر انْتهى والوضاعون للْحَدِيث كَثِيرُونَ وأغراضهم فِي الْوَضع متنوعة متكثرة مِنْهُم الزَّنَادِقَة وغرضهم مِنْهَا إبِْطَال الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام والتهكم والتمسخر بدين الْإِسْلَام كَابْن الراوندي الْوَاضِع لحَدِيث الباذنجان لما أكل لَهُ فَإِنَّهُ عرض بِهَذَا إِلَى حَدِيث الْقُرْآن لما قريء لَهُ وَمَاء زَمْزَم لما شرب لَهُ وَهَذَا تهكم

стр. 100

بالشريعة واستهزاء بهَا قيل اشتهرت أَرْبَعَة عشر آلَاف حَدِيث من وضع الزَّنَادِقَة قلت وَمِنْهَا مَا أوردهُ الأصوليون من قَوْله إِذا رُوِيَ عني حَدِيث فأعرضوه على كتاب الله فَإِن وَافقه فاقبلوه وَإِن خَالفه فَردُّوهُ قَالَ الْخطابِيّ وَضعته الزَّنَادِقَة ويدفعه قَوْله ﷺ إِنِّي قد أُوتيت الْكتاب وَمَا يعدله ويروى أُوتيت الْكتاب وَمثله مَعَه انْتهى ثمَّ الروافض والنواصب والكرامية من بَين أهل الْبدع والأهواء المرتكبين لهَذَا الْوَضع نصْرَة لمذاهبهم الْبَاطِلَة وطعنا فِي مَذَاهِب مخالفيهم سَابِقُونَ فِي هَذَا الْأَمر على الْفرق الضَّالة الزائغة كلهَا وَلم تبلغهم الْخَوَارِج والمعتزلة فِي هَذَا الْبَاب وَفرْقَة أُخْرَى لم يكن لَهُم علم الحَدِيث وَرَأَوا الْمُحدثين معظمين فِي النَّاس موقرين فِي أَعينهم فَدَخَلُوا فِي عدادهم تكلفا وتمحلا واختاروا هَذِه الصَّنْعَة الشنيعة لأَنْفُسِهِمْ طَمَعا مِنْهُم فِي جاه أهل الحَدِيث وعزهم كَأبي البخْترِي ووهب بن وهب القَاضِي وَسليمَان بن عَمْرو النَّخعِيّ وحسين بن علوان وَإِسْحَاق بن نجيح وَكَانَ غَالب شغلهمْ التَّذْكِير والوعظ فرقة أُخْرَى من أهل الزّهْد وَالْعِبَادَة والديانة سَمِعت فِي الْمَنَام والمعاملة شَيْئا من النَّبِي ﷺ أَو الْأَئِمَّة الْأَطْهَار وَرَوَوْهُ معتمدين على جزم منامهم وَصِحَّة معاملتهم مُبْهما وظنه النَّاس حَدِيثا بَالغا إِلَيْهِم من طَرِيق الظَّاهِر وَاقعا فِي نفس الْأَمر كَائِنا فِي الْحَقِيقَة واتهم بِهَذِهِ الْعلَّة أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَغَيره من المتصوفة الَّذين لم يَكُونُوا عارفين بمذاق الحَدِيث وأسقطت رواياتهم عَن حيّز الِاعْتِبَار فِي الْقَدِيم والْحَدِيث فرقة أُخْرَى وضعت الْأَحَادِيث من غير تعمد وَقصد مِنْهُم أَي سمعُوا كلَاما من صَاحب تجربة أَو صوفي أَو حَكِيم من الْحُكَمَاء السَّابِقين ونسبوه غَفلَة وتوهما إِلَى سيد الْمُرْسلين ظنا مِنْهُم أَن مثل هَذَا الْكَلَام المشحون بالحكمة لَا يصدر إِلَّا من مَعْدن النُّبُوَّة والرسالة وَلَا نِهَايَة لهَذِهِ الطَّائِفَة وَقد ابتلى بِهِ أَكثر الْعَوام وَالله الْمُوفق والعاصم انْتهى

стр. 101

قلت وَفِي الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة بحث ثَالِث فِي ذكر الوضاعين الْمَشْهُورين المكثرين من الْكَذِب على رَسُول الله ﷺ قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ الوضاعون خلق كثير وَمن كبارهم وهب بن وهب يَعْنِي القَاضِي أَبُو البخْترِي قَاضِي الرشيد وَمُحَمّد بن السَّائِب الْكَلْبِيّ وَمُحَمّد بن سعيد الشَّامي المصلوب وَأَبُو دؤاد النَّخعِيّ وَإِسْحَاق بن نجيح السلطي وغياث بن ابراهيم والمغيرة بن سعيد الْكُوفِي وَأحمد ابْن عبد الله الجويباري ومأمون أَحْمد الْهَرَوِيّ وَمُحَمّد بن عكاشة الْكرْمَانِي وَمُحَمّد بن الْقَاسِم الطَّالقَانِي وَمُحَمّد بن زِيَاد الْيَشْكُرِي انْتهى وَقَالَ النَّسَائِيّ والكذابون المعروفون بِالْوَضْعِ أَرْبَعَة ابْن أبي يحيى بِالْمَدِينَةِ والواقدي بِبَغْدَاد وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان بخراسان وَمُحَمّد بن سعيد المصلوب بِالشَّام قيل وضع الجويباري وَابْن عكاشة وَمُحَمّد بن تَمِيم الفاريابي أَكثر من عشرَة آلَاف حَدِيث فخلق الله عُلَمَاء يَذبُّونَ ويوضحون الصَّحِيح ويفضحون الْقَبِيح فهم حراس الأَرْض وفرسان الدّين كثرهم الله تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ إِن من وَقع فِي حَدِيثه الْمَوْضُوع وَالْكذب وَالْقلب أَنْوَاع من غلب عَلَيْهِم الزّهْد فغفلوا عَن الْحِفْظ وَمِنْهُم من ضَاعَت كتبه فَحدث من حفظه فغلط وَمِنْهُم قوم ثِقَات لَكِن اخْتلطت عُقُولهمْ فِي أَوَاخِر أعمارهم وَمِنْهُم من روى الْخَطَأ سَهوا فَلَمَّا تبين لَهُ الصَّوَاب لم يرجع إِلَيْهِ أَنَفَة من أَن ينْسب إِلَى الْغَلَط وَمِنْهُم زنادقة وضعُوا لقصد إِفْسَاد الشَّرِيعَة وإيقاع الشَّك والتلاعب بِالدّينِ قَالَ حَمَّاد بن زيد وضعت الزَّنَادِقَة أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث وَلما أَخذ ابْن أبي العوجاء ليضْرب عُنُقه قَالَ وضعت فِيكُم أَرْبَعَة آلَاف حَدِيث أحرم فِيهَا الْحَلَال وَأحل الْحَرَام وَمِنْهُم من يضع نصْرَة لمذهبه تَابَ رجل من المبتدعة فَجعل يَقُول انْظُرُوا عَمَّن تأخذون هَذَا الحَدِيث فَإنَّا كُنَّا إِذا هوينا أمرا صيرناه حَدِيثا

стр. 102

وَمِنْهُم من يضع حسبَة ترغيبا وترهيبا ومضمون فعلهم أَن الشَّرِيعَة نَاقِصَة تحْتَاج إِلَى تَتِمَّة وَمِنْهُم من أجَاز وضع الْأَسَانِيد لكَلَام حسن وَمِنْهُم من قصد التَّقَرُّب إِلَى السُّلْطَان وَمِنْهُم الْقصاص لأَنهم يروون أَحَادِيث ترقق وتنفق وَفِي الصِّحَاح نقل مثل ذَلِك ثمَّ إِن الْحِفْظ شقّ عَلَيْهِم وتنفق عدم الدّين ويحضرهم جهال وَمَا أَكثر مَا تعرض عَليّ أَحَادِيث فِي مجْلِس الْوَعْظ قد ذكرهَا قصاص الزَّمَان فأردها فيحقدون عَليّ انْتهى وَمن أَسبَاب الْوَضع مَا يَقع مِمَّن لَا دين لَهُ عِنْد المناظرة فِي المجامع من الِاسْتِدْلَال على مَا يَقُوله كَمَا يُطَابق هَوَاهُ تنفيقا لجلاله وتقويما لمقاله واستطالة على خَصمه ومجيبه للغلب وطلبا للرئاسة وفرارا من الفضيحة إِذا ظهر عَلَيْهِ من المناظرة وَمن أَسبَابه تَنْفِيقِ الْمُدَّعِي للْعلم لنَفسِهِ على من يتَكَلَّم عِنْده إِذا عرض الْبَحْث عَن حَدِيث وَوَقع السُّؤَال عَن كَونه صَحِيحا أَو ضَعِيفا أَو مَوْضُوعا فَيَقُول من كَانَ فِي دينه رقّه وَفِي علمه دغل هَذَا الحَدِيث أخرجه فلَان وَصَححهُ فلَان وينسب ذَلِك إِلَى مؤلفات يقل وجودهَا يظْهر للْأمة بِأَنَّهُ قد اطلع على مَا لم يطْلعهَا عَلَيْهِ وَعرف مالم يعرفوه وَرُبمَا لم يكن قد قرع سَمعه ذَلِك اللَّفْظ المسؤول عَنهُ قبل هَذِه الْمرة فَإِن هَذَا نوع من أَنْوَاع الْوَضع وَشعْبَة من شعب الْكَذِب وَقد يسمعهُ من لم يقف على حَقِيقَة حَاله فيعتقد صِحَة ذَلِك وينسب ذَلِك الْكَلَام إِلَى رَسُول الله ﷺ وَيَقُول رَوَاهُ فلَان وَصَححهُ فلَان كَمَا قَالَ ذَلِك المخذول انْتهى قَالَ السَّيِّد الشريف والواضعون للْحَدِيث أَصْنَاف وأعظمهم ضَرَرا من انتسب إِلَى الزّهْد فَوضع احتسابا وَوضعت الزَّنَادِقَة أَيْضا جملا ثمَّ نهضت جهابذة الحَدِيث بكشف عوارها ومحو عارها وَللَّه الْحَمد انْتهى قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه قَالَ يحيى بن سعيد لم نر الصَّالِحين فِي

стр. 103

شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث وَفِي رِوَايَة لم نر أهل الْخَيْر فِي شَيْء أكذب مِنْهُم فِي الحَدِيث قَالَ مُسلم يَقُول يجْرِي الْكَذِب على لسانهم وَلَا يتعمدون الْكَذِب انْتهى قلت والكتب المصنفة فِي ضبط الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة كَثِيرَة وأجمعها وأحسنها الْفَوَائِد الْمَجْمُوعَة للْإِمَام تَاج الْإِسْلَام مُحَمَّد بن عَليّ الشَّوْكَانِيّ قَالَ فِيهِ فَمن كَانَ عِنْده هَذَا الْكتاب فقد كَانَ عِنْده جَمِيع مصنفات المصنفين فِي الموضوعات مَعَ زيادات وقفت عَلَيْهَا فِي كتب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وتراجم رجال الرِّوَايَة وتخريجات المخرجين وتصنيفات الْمُحَقِّقين انْتهى

стр. 104

- الْبَاب الثَّالِث فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث وَذكر الْأَحَادِيث المحتج بهَا فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأنواع ضبط الحَدِيث وَتحمل الحَدِيث وتعريف الْمُحدث وَمَا يتَّصل بذلك وَفِيه فُصُول - الْفَصْل الأول فِي طَبَقَات كتب الحَدِيث اعْلَم أَنه لَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام إِلَّا خبر النَّبِي ﷺ بِخِلَاف الْمصَالح فَإِنَّهَا قد تدْرك بالتجربة وَالنَّظَر الصَّادِق والحدس وَنَحْو ذَلِك وَلَا سَبِيل لنا إِلَى معرفَة أخباره ﷺ إِلَّا تلقي الرِّوَايَات المنتهية إِلَيْهِ بالاتصال والعنعنة سَوَاء كَانَت من لَفظه ﷺ أَو كَانَت أَحَادِيث مَوْقُوفَة قد صحت الرِّوَايَة بهَا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بِحَيْثُ يبعد إقدامهم على الْجَزْم بِمثلِهِ لَوْلَا النَّص وَالْإِشَارَة من الشَّارِع فَمثل ذَلِك رِوَايَة عَنهُ ﷺ دلَالَة وتلقي تِلْكَ الرِّوَايَات لَا سَبِيل إِلَيْهِ فِي يَوْمنَا هَذَا إِلَّا تتبع الْكتب الْمُدَوَّنَة فِي علم الحَدِيث فَإِنَّهُ لَا يُوجد الْيَوْم رِوَايَة يعْتَمد عَلَيْهَا غير مدونة وَكتب الحَدِيث على طَبَقَات مُخْتَلفَة ومنازل متباينة فَوَجَبَ الاعتناء بِمَعْرِِفَة صِفَات كتب الحَدِيث فَنَقُول هِيَ بِاعْتِبَار الصِّحَّة والشهرة على أَربع طَبَقَات وَذَلِكَ لِأَن أَعلَى أَقسَام الحَدِيث مَا ثَبت بالتواتر واجمعت

стр. 105

الْأمة على قبُوله وَالْعَمَل بِهِ ثمَّ مَا استفاض من طرق مُتعَدِّدَة لَا يبْقى مَعهَا شُبْهَة يعْتد بهَا وَاتفقَ على الْعَمَل بِهِ جُمْهُور فُقَهَاء الْأَمْصَار أَو لم يخْتَلف فِيهِ عُلَمَاء الْحَرَمَيْنِ خَاصَّة فَإِن الْحَرَمَيْنِ مَحل الْفُقَهَاء الرَّاشِدين فِي الْقُرُون الأولى ومحط رحال الْعلمَاء طبقَة بعد طبقَة يبعد أَن يسلمُوا مِنْهُم الْخَطَأ الظَّاهِر أَو كَانَ قولا مَشْهُورا مَعْمُولا بِهِ فِي قطر عَظِيم مرويا عَن جمَاعَة عَظِيمَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ثمَّ مَا صَحَّ أَو حسن سَنَده وَشهد بِهِ عُلَمَاء الحَدِيث وَلم يكن قولا متروكا لم يذهب إِلَيْهِ أحد من الْأمة إِمَّا مَا كَانَ ضَعِيفا مَوْضُوعا أَو مُنْقَطِعًا أَو مقلوبا فِي سَنَده أَو مَتنه أَو من رِوَايَة المجاهيل أَو مُخَالفا لما أجمع عَلَيْهِ السّلف طبقَة بعد طبقَة فَلَا سَبِيل إِلَى القَوْل بِهِ فالصحة أَن يشْتَرط مؤلف الْكتاب على نَفسه إِيرَاد مَا صَحَّ أَو حسن غير مقلوب وَلَا شَاذ وَلَا ضَعِيف إِلَّا مَعَ بَيَان حَاله فَإِن إِيرَاد الضَّعِيف مَعَ بَيَان حَاله لَا يقْدَح فِي الْكتاب والشهرة أَن يكون الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِيهَا دَائِرَة على أَلْسِنَة الْمُحدثين قبل تدوينها وَبعد تدوينها فَيكون أَئِمَّة الحَدِيث قبل الْمُؤلف رووها بطرق شَتَّى وأوردوها فِي مسانيدهم ومجاميعهم وَبعد الْمُؤلف اشتغلوا بِرِوَايَة الْكتاب وَحفظه وكشف مشكله وَشرح غَرِيبه وَبَيَان إعرابه وَتَخْرِيج طرق أَحَادِيثه واستنباط فقهها والفحص عَن أَحْوَال رواتها طبقَة بعد طبقَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا حَتَّى لَا يبْقى شَيْء مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ غير مبحوث عَنهُ إِلَّا مَا شَاءَ الله وَيكون نقاد الحَدِيث قبل المُصَنّف وَبعده وافقوه فِي القَوْل بهَا وحكموا بِصِحَّتِهَا وارتضوا رَأْي المُصَنّف فِيهَا وتلقوا كِتَابه بالمدح وَالثنَاء وَيكون أَئِمَّة الْفِقْه لَا يزالون يستنبطون عَنْهَا ويعتمدون عَلَيْهَا ويعتنون بهَا وَيكون الْعَامَّة لَا يخلون عَن اعتقادها وتعظيمها

стр. 106

وَبِالْجُمْلَةِ فَإِذا اجْتمعت هَاتَانِ الخصلتان كملا فِي كتاب كَانَ مي الطَّبَقَة الأولى ثمَّ وَثمّ وَإِن فقدتا رَأْسا لم يكن لَهُ اعْتِبَار وَمَا كَانَ أَعلَى حد فِي الطَّبَقَة الأولى فَإِنَّهُ يصل إِلَى الاستفاضة ثمَّ إِلَى الصِّحَّة القطعية أَعنِي الْقطع الْمَأْخُوذ فِي علم الحَدِيث الْمُفِيد للْعَمَل والطبقة الثَّانِيَة إِلَى الاستفاضة أَو الصِّحَّة القطعية أَو الظنية وَهَكَذَا يزَال الْأَمر فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء فِي ثَلَاثَة كتب الْمُوَطَّأ وصحيح البُخَارِيّ وصحيح مُسلم قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى أصح الْكتب بعد كتاب الله موطأ مَالك وَقد اتّفق أهل الحَدِيث على أَن جَمِيع مَا فِيهِ صَحِيح على رَأْي مَالك وَمن وَافقه وَأما على رَأْي غَيره فَلَيْسَ فِيهِ مُرْسل وَلَا مُنْقَطع إِلَّا قد اتَّصل السَّنَد بِهِ من طرق أُخْرَى فَلَا جرم أَنَّهَا صَحِيحَة من هَذَا الْوَجْه وَقد صنف فِي زمَان مَالك موطآت كَثِيرَة فِي تَخْرِيج أَحَادِيثه وَوصل مُنْقَطِعَة مثل كتاب ابْن أبي ذُؤَيْب وَابْن عُيَيْنَة وَالثَّوْري وَمعمر وَغَيرهم مِمَّن شَارك فِي الشُّيُوخ وَقد رَوَاهُ عَن مَالك بِغَيْر وَاسِط أَكثر من ألف رجل وَقد ضرب النَّاس فِيهِ أكباد الْإِبِل إِلَى مَالك من أقاصي الْبِلَاد كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ ذكره فِي حَدِيثه فَمنهمْ المبرزون من الْفُقَهَاء كالشافعي رَحمَه الله تَعَالَى وَمُحَمّد بن الْحسن وَابْن وهب وَابْن الْقَاسِم وَمِنْهُم نحارير الْمُحدثين كيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعبد الرَّزَّاق وَمِنْهُم الْمُلُوك الْأُمَرَاء كالرشيد وابنيه وَقد اشْتهر فِي عصره حَتَّى بلغ إِلَى جَمِيع ديار الْإِسْلَام ثمَّ لم يَأْتِ زمَان إِلَّا وَهُوَ أَكثر لَهُ شهرة وَأقوى بِهِ عناية وَعَلِيهِ بنى فُقَهَاء الْأَمْصَار مذاهبهم حَتَّى أهل الْعرَاق فِي بعض أَمرهم وَلم يزل الْعلمَاء يخرجُون أَحَادِيثه ويذكرون متابعاته وشواهده ويشرحون غَرِيبه ويضبطون مشكله ويبحثون عَن فقهه ويفتشون عَن رِجَاله إِلَى غَايَة لَيْسَ بعْدهَا غَايَة وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقس كتاب الْمُوَطَّأ بِكِتَاب الْآثَار لمُحَمد والأمالي لأبي يُوسُف تَجِد بَينه وَبَينهمَا بعد المشرقين فَهَل سَمِعت أحدا من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء تعرض لَهما واعتنى بهما

стр. 107

أما الصحيحان فقد اتّفق المحدثون على أَن جَمِيع مَا فيهمَا من الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع صَحِيح بِالْقطعِ وأنهما متواتران إِلَى مصنفيهما وَإنَّهُ كل من يهون أَمرهمَا فَهُوَ مُبْتَدع مُتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ وَإِن شِئْت الْحق الصراح فقسهما بِكِتَاب ابْن أبي شيبَة وَكتاب الطَّحَاوِيّ ومسند الْخَوَارِزْمِيّ وَغَيرهَا تَجِد بَينهَا وَبَينهمَا بعد المشرقين وَقد استدرك الْحَاكِم عَلَيْهِمَا أَحَادِيث هِيَ على شَرطهمَا وَلم يذكراها وَقد تتبعت مَا استدركه فَوَجَدته قد أصَاب من وَجه وَلم يصب من وَجه وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وجد أَحَادِيث مروية عَن رجال الشَّيْخَيْنِ بشرطهما فِي الصِّحَّة والاتصال فاتجه استدراكه عَلَيْهِمَا من هَذَا الْوَجْه وَلَكِن الشَّيْخَيْنِ لَا يذكران إِلَّا حَدِيثا قد تناظر فِيهِ مشايخهما وَأَجْمعُوا على القَوْل بِهِ والتصحيح لَهُ كَمَا أَشَارَ مُسلم حَيْثُ قَالَ لم أذكر هَاهُنَا إِلَّا مَا أَجمعُوا عَلَيْهِ وَجل مَا تفرد بِهِ الْمُسْتَدْرك كالموكى عَلَيْهِ المخفي مَكَانَهُ فِي زمن مشايخهما وَإِن اشْتهر أمره من بعد أَو مَا اخْتلف المحدثون فِي رِجَاله فالشيخان كأساتذتهما كَانَا يعتنيان بالبحث عَن خُصُوص الْأَحَادِيث فِي الْوَصْل والانقطاع وَغير ذَلِك حَتَّى يَتَّضِح الْحَال وَالْحَاكِم يعْتَمد فِي الْأَكْثَر مخرجة من صنائعهم كَقَوْلِه زِيَادَة الثِّقَات مَقْبُولَة وَإِذا اخْتلف النَّاس فِي الْوَصْل والإرسال وَالْوَقْف وَالرَّفْع وَغير ذَلِك فَالَّذِي حفظ الزِّيَادَة حجَّة على من لم يحفظ وَالْحق أَنه كثيرا مَا يدْخل الْخلَل فِي الْحفاظ من قبل رفع الْمَوْقُوف وَوصل المنطقع لَا سِيمَا عِنْد رغبتهم فِي الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع وتنويههم بِهِ فالشيخان لَا يَقُولَانِ بِكَثِير مِمَّا يَقُوله الْحَاكِم وَالله أعلم وَهَذِه الْكتب الثَّلَاثَة الَّتِي اعتني

стр. 108

القَاضِي عِيَاض فِي الْمَشَارِق بضبط مشكلها ورد تصحيفها الطَّبَقَة الثَّانِيَة كتب لم تبلغ مبلغ الْمُوَطَّأ والصحيحين وَلكنهَا تتلوها كَانَ مصنفوها معروفين بالوثوق وَالْعَدَالَة وَالْحِفْظ والتبحر فِي فنون الحَدِيث وَلم يرْضوا فِي كتبهمْ هَذِه بالتساهل فِيمَا اشترطوا على أنفسهم فتلقاها من بعدهمْ بِالْقبُولِ واعتنى بهَا المحدثون وَالْفُقَهَاء طبقَة بعد طبقَة واشتهرت فِيمَا بَين النَّاس وَتعلق بهَا الْقَوْم شرحا لغريبها وفحصا عَن رجالها واستنباطا لفقهها وعَلى تِلْكَ الْأَحَادِيث بِنَاء عَامَّة الْعُلُوم كسنن أبي داؤد وجامع التِّرْمِذِيّ ومجتبى النَّسَائِيّ وَهَذِه الْكتب مَعَ الطَّبَقَة الأولى اعتنى بأحاديثها رزين فِي تَجْرِيد الصِّحَاح وَابْن الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وَكَاد مُسْند أَحْمد يكون من جملَة هَذِه الطَّبَقَة فَإِن الإِمَام أَحْمد جعله أصلا يعرف بِهِ الصَّحِيح والسقيم قَالَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَلَا تقبلوه هَكَذَا فِي حجَّة الله الْبَالِغَة وَقَالَ نجله الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي فِي مُسْند أَحْمد كثير من ضعفاء الْأَحَادِيث لم يبين الإِمَام حَاله لَكِن الضَّعِيف الَّذِي فِيهِ يحسن من كثير حَدِيث مِمَّا يُصَحِّحهُ الْمُتَأَخّرُونَ وَقد جعل عُلَمَاء الحَدِيث وَالْفِقْه الْمسند الْمَذْكُور أسوتهم فِي هَذَا الشَّأْن وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ ركن عَظِيم فِي هَذَا الْفَنّ وَكَذَا يَنْبَغِي عد ابْن مَاجَه فِي هَذِه الطَّبَقَة وَإِن كَانَ بعض أحاديثها فِي غَايَة الضعْف انْتهى وَلم يعد ابْن الْأَثِير ابْن مَاجَه فِي الصِّحَاح وَجعل سادسها الْمُوَطَّأ وَالْحق مَعَه قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة الطَّبَقَة الثَّالِثَة مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البُخَارِيّ وَمُسلم فِي زمانهما وبعدهما جمعت بَين الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف

стр. 109

وَالْمَعْرُوف والغريب والشاذ وَالْمُنكر وَالْخَطَأ وَالصَّوَاب وَالثَّابِت والمقلوب وَلم تشتهر فِي الْعلمَاء ذَلِك الاشتهار وَإِن زَالَ عَنْهَا اسْم النكارة الْمُطلقَة وَلم يتداول مَا تفردت بِهِ الْفُقَهَاء كثير تداول وَلم يتفحص عَن صِحَّتهَا وسقمها المحدثون كثير فحص وَمِنْه مَا لم يَخْدمه لغَوِيّ بشرح وَلَا فَقِيه بتطبيقه بمذاهب السّلف وَلَا مُحدث بِبَيَان مشكلة وَلَا مؤرخ بِذكر أَسمَاء رِجَاله وَلَا أُرِيد الْمُتَأَخِّرين المتعمقين وَإِنَّمَا كَلَامي فِي الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين من أهل الحَدِيث فَهِيَ بَاقِيَة على استتارها واختفائها وخمولها كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرَّزَّاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبَة ومسند عبد بن حميد وَالطَّيَالِسِي وَكتب الْبَيْهَقِيّ والطَّحَاوِي وَالطَّبَرَانِيّ وَكَانَ قصدهم جمع مَا وجدوه لَا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من الْعَمَل انْتهى قلت وَرِجَال هَذِه الْكتب بَعضهم موصوفون بِالْعَدَالَةِ وَبَعْضهمْ مستورون وَبَعْضهمْ مَجْهُول الْحَال وَلِهَذَا لم يكن أَكثر أَحَادِيث هَذِه الْكتب مَعْمُولا بهَا عِنْد الْفُقَهَاء بل انْعَقَد الْإِجْمَاع على خلَافهَا وَبَين هَذِه الْكتب أَيْضا تفَاوت وتفاضل بَعْضهَا أقوى من بعض وَمِنْهَا مُسْند الشَّافِعِي وَسنَن ابْن مَاجَه ومسند الدَّارمِيّ وَسنَن الدَّارَقُطْنِيّ وصحيح ابْن حبَان ومستدرك الْحَاكِم هَكَذَا قَالَ الْمولى عبد الْعَزِيز الدهلوي وَهَذَا تَأْوِيل مَا قَالَه الشَّيْخ عبد الْحق الدهلوي رَحمَه الله تَعَالَى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة لم تَنْحَصِر فِي صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم وَلم يستوعبا الصِّحَاح كلهَا بل هما منحصران فِي الصِّحَاح والصحاح الَّتِي عِنْدهمَا وعَلى شَرطهمَا أَيْضا لم يورداهما فِي كِتَابَيْهِمَا فضلا عَمَّا عِنْد غَيرهمَا قَالَ البُخَارِيّ مَا أوردت فِي كتابي هَذَا إِلَّا مَا صَحَّ وَلَقَد تركت كثيرا من الصِّحَاح وَقَالَ مُسلم الَّذِي أوردت فِي هَذَا الْكتاب من الْأَحَادِيث صَحِيح وَلَا أَقُول أَن مَا تركت ضَعِيف لَا بُد أَن يكون فِي هَذَا التّرْك والإتيان وَجه تَخْصِيص الْإِيرَاد وَالتّرْك إِمَّا من جِهَة الصِّحَّة أَو من جِهَة مَقَاصِد أخر وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله النَّيْسَابُورِي صنف

стр. 110

كتابا سَمَّاهُ الْمُسْتَدْرك يَعْنِي أَن مَا تَركه البُخَارِيّ وَمُسلم من الصِّحَاح أوردهُ فِي هَذَا الْكتاب وتلافى واستدرك بَعْضهَا على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَبَعضهَا على شَرط أَحدهمَا وَبَعضهَا على غير شَرطهمَا وَقَالَ إِن البُخَارِيّ وَمُسلمًا لم يحكما بِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَادِيث صَحِيحَة غير مَا خرجاه فِي هذَيْن الْكِتَابَيْنِ وَقَالَ قد حدث فِي عصرنا هَذَا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أَئِمَّة الدّين بِأَن مَجْمُوع مَا صَحَّ عنْدكُمْ من الْأَحَادِيث لم يبلغ زهاء عشرَة آلَاف وَنقل عَن البُخَارِيّ أَنه قَالَ حفظت من الصِّحَاح مائَة ألف حَدِيث وَمن غير الصِّحَاح مِائَتي ألف وَالظَّاهِر وَالله أعلم أَنه يُرِيد الصَّحِيح على شَرطه ومبلغ مَا أورد فِي هَذَا الْكتاب مَعَ تكْرَار سَبْعَة آلَاف ومائتان وَخمْس وَسَبْعُونَ حَدِيثا وَبعد حذف التّكْرَار أَرْبَعَة آلَاف وَلَقَد صنف الْآخرُونَ من الْأَئِمَّة صحاحا مثل صَحِيح ابْن خُزَيْمَة الَّذِي يُقَال لَهُ إِمَام الْأَئِمَّة وَهُوَ شيخ ابْن حبَان وَقَالَ ابْن حبَان فِي مدحه مَا رَأَيْت على وَجه الأَرْض أحدا أحسن فِي صناعَة السّنَن وأحفظ للألفاظ الصَّحِيحَة مِنْهُ كَانَ السّنَن وَالْأَحَادِيث كلهَا نصب عَيْنَيْهِ وَمثل صَحِيح ابْن حبَان تلميذ ابْن خُزَيْمَة ثِقَة ثَبت فَاضل إِمَام فهام وَقَالَ الْحَاكِم كَانَ ابْن حبَان من أوعية الْعلم واللغة والْحَدِيث والوعظ وَكَانَ من عقلاء الرِّجَال وَمثل صَحِيح الْحَاكِم الْحَافِظ الثِّقَة الْمُسَمّى بالمستدرك وَقد تطرق فِي كِتَابه هَذَا التساهل وَأخذُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان أمكن وَأقوى من الْحَاكِم وَأحسن وألطف فِي الْأَسَانِيد والمتون وَمثل المختارة لِلْحَافِظِ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَهُوَ أَيْضا خرج صحاحا لَيست فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالُوا كِتَابه أحسن من الْمُسْتَدْرك وَمثل صَحِيح بن عوَانَة وَابْن السكن والمنتقى لِابْنِ جارود وَهَذِه الْكتب كلهَا مُخْتَصَّة بالصحاح وَلَكِن جمَاعَة انتقدوا عليهاتعصبا وإنصافا وَفَوق كل ذِي علم عليم انْتهى وَقد أوردت تراجم هَذِه الْكتب وَغَيرهَا فِي جنان الْمُتَّقِينَ فَليعلم قَالَ فِي الْحجَّة الْبَالِغَة والطبقة الرَّابِعَة كتب قصد مصنفوها بعد قُرُون متطاولة جمع مَا لم يُوجد فِي الطبقتين الْأَوليين كَانَت فِي المجاميع وَالْمَسَانِيد المختفية فنوهوا بأمرها وَكَانَت على السّنة من لم يكْتب حَدِيثه المحدثون ككثير
следующие страницы →