← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 10720

أدب المفتي والمستفتي

ابن الصلاح

Полный текст (187 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أيضًا الشيخ أبو العباس أحمد بن الحسين١ المقرئ٢ ببغداد، قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن هبة الله بن عبد السلام٣، قال: أخبرنا الشيخ الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزَأبادي، قال: "سمعت شيخنا القاضي أبا الطيب الطبري، قال: سمعت أبا العباس الخضري، قال: كنت جالسًا عند أبي بكر بن داود٤، فجاءته امرأة فقالت له: ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال أبو بكر: اختلف في ذلك أهل العلم. فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، ويبعث على التطلب٥ والاكتساب. وقال قائلون٦: يؤمر بالإنفاق وإلا يحمل على الطلاق. فلم تفهم المرأة قوله، فأعادت وقالت: رجل له زوجة لا هو ممسكها، ولا هو مطلقها؟ فقال لها: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك وأرشدتك إلى طلبتك، ولست

стр. 107

بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، ولا زوج فأرضي، انصرفي١، قال: فانصرفت المرأة ولم تفهم جوابه٢. قلت: التصحيف شين، فاعلم أن أبا العباس الخضري، هذا هو بخاء معجمة مضمومة، وبضاد معجمة مفتوحة٣. وقوله: تؤمر بالصبر "والاحتساب"٤: في أوله التاء التي للمؤنث. وقوله: يبعث على التطلب٥: في أوله الياء٦ التي هي للمذكر. وقولها: لا هو٧ ممسكها: أي ليس ينفق عليها. ولقد وقع ابن داود بعيدًا عن مناهج المفتين في تعقيده "هذا"] ٨ وتسجيعه وتحبيره من استرشده وتضييعه، وهكذا إذا قال المفتي في موضع الخلاف: يرجع إلى رأي الحاكم. فقد عدل عن نهج الفتوى، ولم يفت أيضًا بشيء، وهو كما إذا استفتي فلم يجب، وقال: استفتوا غيري. وحضرت بالموصل شيخها٩ المفتي أبا حامد محمد بن يونس١٠، وقد استفتي في مسألة فكتب في جوابها: إن فيها خلافًا. فقال بعض من حضر: كيف يعمل المستفتي؟ فقال: يختار له القاضي أحد المذهبين، ثم قال: هذا يبنى على أن العامل إذا

стр. 108

اختلف عليه اجتهاد اثنين فبماذا يعمل١؟ وفيه خلاف مشهور، وهذا غير مستقيم. أما قوله أولا: يختار له الحاكم. فهو فاسد لما ذكرناه، ولأن الحاكم إذا لم يكن أهلا للفتوى، وذلك هو الغالب في زمان من ذكرنا عنه ما ذكرناه، فقد رده إلى رأي من لا رأيَ له، وأحاله على عاجز حاجته في ذلك إلى فتياه كحاجة من استفتاه. وأما قوله ثانيًا: يبنى ذلك على الخلاف فيما إذا اختلف عليه اجتهاد مفتيين في٢ فتواهما فهل يتخير بين فتويهما٣، أو يأخذ بالأخف، وبالأغلظ؟ فهذا فيه إحواج للمستفتي إلى أن يستفتي مرة أخرى ويسأل عن هذا أيضًا لأنه لا يدري أن حكمه التخيير، أو الأخذ بالأخف أو الأغلظ؟ فلم يأت إذن بما يكشف عن عمايته، بل زاده عماية وحيرة، على أن الصحيح في ذلك على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى: إنه يجب عليه الأخذ بقول الأوثق منهما، وإذا قال: فيه خلاف، ولم يعين القائلين لم يتهيأ له فيه، وهذه حالته٤ البحث عن الأوثق من القائلين. والله أعلم.

стр. 109

القول: في كيفية الفتوى وآدابها وفيه مسائل: الأولى: يجب على المفتي حيث يجب عليه الجواب أن يبينه بيانًا مُزيحًا للإشكال، ثم له أن يجيب شفاهًا باللسان، وإذا لم يعلم لسان المستفتي أجزأت ترجمة الواحد لأن طريقه الخبر، وله أن يجيب بالكتابة مع١ ما في الفتوى من الرقاع من الحظر، وكان القاضي أبو حامد المروروذي الإمام فيما بلغنا عنه كثير

стр. 110

الهرب من الفتوى في الرقاع. قال أبو القاسم الصيمري: وليس١ من الأدب للمفتي أن يكون السؤال بخطه، فأما بإملائه وتهذيبه فواسع. وبلغنا عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي ﵀: أنه كان قد يكتب للمستفتي السؤال على ورق من عنده, ثم يكتب الجواب٢، والله أعلم. الثانية: إذا كانت المسألة فيها تفصيل لم يطلق الجواب٣، فإنه خطأ، ثم له أن يستفصل السائل إن حضر ويقيد السؤال في رقعة الاستفتاء ثم يجيب عنه، وهذا أولى وأسلم، وكثيرًا ما نتحراه نحن ونفعله، وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنها الواقع للسائل، ولكن يقول: هذا إذا كان كذا وكذا، وله أن يفصل الأقسام في جوابه، ويذكر حكم كل قسم، وهذا قد كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية، وقال: هذا ذريعة إلى تعليم الناس الفجور، ونحن نكرهه أيضًا لما ذكره: من أنه يفتح للخصوم باب التمحل والاحتيال الباطل، ولأن ازدحام الأقسام بأحكامها على فهم العامي يكاد يضيعه، وإذا لم يجد المفتي من يستفسره في ذلك كان مدفوعًا إلى التفصيل، فليتثبت وليجتهد في استيفاء الأقسام وأحكامها وتحريرها٤. والله أعلم. الثالثة: إذا كان المستفتي بعيد الفهم، فينبغي للمفتي أن يكون رفيقًا به صبورًا عليه، حسن التأني في التفهم منه. والتفهيم له حسن الإقبال عليه٥، لا سيما إذا كان ضعيف الحال، محتسبًا أجر ذلك فإنه جزيل.

стр. 111

أخبرت عن أبي الفتوح عبد الوهاب بن شاه النيسابوري١، قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم القشيري٢، قال: سمعت أبا سعيد الشحام٣، يقول: "رأيت الشيخ الإمام أبا الطيب سهلا الصعلوكي٤ في المنام فقلت: أيها الشيخ. فقال: دع التشييخ. فقلت: وتلك الأحوال التي شاهدتها؟ فقال: لم تغن عنا. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بمسائل كان يسأل٥ عنها العجز"٦. العجز٧: بضم العين والجيم، العجائز. والله أعلم.

стр. 112

الرابعة: ليتأمل رقعة الاستفتاء تأملا شافيًا، كلمة بعد كلمة ولتكن "عنايته"١ بتأمل آخرها أكثر، فإنه في آخرها يكون السؤال، وقد يتقيد الجميع بكلمة "في"٢ آخر الرقعة، ويغفل عنها القارئ لها، وهذا من أهم ما ينبغي أن يراعيه، فإذا مر "فيها"٣ بمشتبه سأل عنه٤ المستفتي، ونقطه وشكله مصلحة لنفسه ونيابة عمن يفتي بعده، وكذا إن رأى لحنًا فاحشًا، أو خطأ يحيل معنى أصلحه٥. قطع بذلك أبو القاسم الصيمري من أئمة أصحابنا في كتابه "في أدب المفتي والمستفتي". وقال الخطيب أبو بكر أحمد بن علي الحافظ: "رأيت القاضي أبا الطيب الطبري يفعل هذا في الرقاع التي ترفع إليه للاستفتاء"٦. قلت٧: ووجهه إلحاق بقبيل المأذون فيه بلسان الحال، فإن الرقعة إنما قدمها صاحبها إليه ليكتب فيها ما يرى وهذا منه، وكذلك إذا رأى بياضًا في أثناء بعض السطور، أو في آخرها، خط عليه وشغله على نحو "ما يفعله"٨ الشاهد في كتب الوثاق ونحوها، لأنه ربما قصد المفتي٩ فكتب١٠ في ذلك البياض بعد فتواه

стр. 113

ما يفسدها١. "كما يلي القاضي أبو حامد المروروذي بمثل ذلك إذ٢ قصد مساءته "بعض الناس"٣ فكتب: ما تقول في رجل مات وخلف ابنة وأختًا لأم؟ ثم ترك بياضًا في آخر السطر موضع كلمة، ثم كتب في أول السطر الذي يليه: وترك ابن عم؟ فأفتى المفتي٤: للبنت النصف، "والباقي"٥ لابن العم. فلما أخذ خطه بذلك ألحق في موضع البياض: وأب. وشنع عليه٦ بذلك"٧. وكان ذلك سبب فتنة ثارت بين طائفتين من رؤساء البصرة٨. والله أعلم. الخامسة: يستحب له أن يقرأ ما في الرقعة على من "بحضرته"٩ ممن هو أهل لذلك، ويشاورهم في الجواب ويباحثهم فيه وإن كانوا دونه وتلامذته، لما في ذلك من البركة والاقتداء برسول الله ﷺ وبالسلف الصالح ﵃. اللهم إلا أن يكون في الرقعة ما لا يحسن إبداؤه، أو ما لعل السائل يؤثر ستره، أو في إشاعته مفسدة لبعض الناس، فينفرد هو بقراءتها وجوابها١٠. والله أعلم١١. السادسة: ينبغي أن يكتب الجواب بخط واضح وسط ليس بالدقيق الخافي،

стр. 114

ولا بالغليظ الجافي، وكذلك١ يتوسط في سطوره "بين"٢ "توسيعها"٣ وتضييقها وتكون عبارته واضحة صحيحة بحيث يفهمها العامة، ولا تزدريها الخاصة، واستحب بعضهم أن لا تتفاوت أقلامه، ولا يختلف خطه خوفًا من التزوير عليه، وكيلا يشتبه خطه. قال الصيمري: وقل ما وجد٤ التزوير على المفتي، وذلك أن الله تعالى حرس أمر الدين٥. وإذا كتب الجواب "أعاد"٦ نظره فيه خوفًا من أن يكون قد أخل بشيء منه٧، والله أعلم. السابعة: إذا كان هو المبتدئ بالإفتاء فيها، فالعادة جارية قديمًا وحديثًا بأن يكتب فتواه في الناحية اليسرى من الورقة؛ لأن ذلك أمكن له، ولو كتب في غيرها فلا عيب عليه، إلا أن يرتفع إلى أعلاها ترفعًا، ولا سيما فوق البسملة. وفيما وجدناه عن أبي القاسم الصيمري: أن كثيرًا من الفقهاء يبدأ في فتواه بأن يقول: الجواب وبالله التوفيق. وحذف ذلك آخرون. قال: ولو عمل فيما طال من المسائل وحذف فيما سوى ذلك لكان وجهًا، ولكن لا يدع أن يختم جوابه بأن يقول: وبالله التوفيق، أو والله الموفق، أو والله أعلم. قال: وكان بعض السلف إذا أفتى يقول: "إن كان هذا٨ صوابًا فمن الله، وإن

стр. 115

كان خطأ فمني"١، قال: وهذا معنى كره في هذا الزمان لأن إضعاف نفس السائل، وإدخال قلبه الشك في الجواب. قال: وليس يقبح منه أن يقول: الجواب عندنا، أو الذي عندنا، أو يقول: الذي نراه، كذا وكذا، لأنه من جملة أصحابه وأرباب مقالته٢. والله أعلم. الثامنة: روي عن مكحول٣، ومالك ﵄: أنهما كانا لا يفتيان حتى يقولا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"٤. ونحن نستحب للمفتي ذلك٥ مع غيره، فليقل إذا أراد الإفتاء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ ٦ ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ الآية٧. ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ٨. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. سبحانك اللهم، وحنانيك

стр. 116

اللهم، اللهم لا تَنسني ولا تُنسني، الحمد لله أفضل الحمد، اللهم صل على محمد وعلى آله وسائر النبيين، والصالحين١، "وسلم"٢، اللهم وفقني واهدني وسددني، واجمع لي بين الصواب والثواب، وأعذني من الخطأ والحرمان آمين. فإن٣ لم يأت بذلك عند كل فتوى، فليأت به عند أول فتيا يفتيها في يومه لما يفتيه في سائر يومه مضيفًا إليه قراءة الفاتحة وآية الكرسي، وما تيسر، فإن من ثابر على ذلك كان حقيقًا بأن يكون موفقًا في فتاويه٤. والله أعلم. التاسعة: بلغنا عن القاضي أبي الحسن الماوردي صاحب كتاب "الحاوي"، قال: إن المفتي عليه أن يختصر جوابه فيكتفي فيه بأن يجوز أو لا يجوز، أو حق أو باطل، ولا يعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرق بين الفتوى والتصنيف، قال: ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرسًا، ولكل مقام مقال٥. وذكر شيخه أبو القاسم الصيمري، عن شيخه القاضي أبي حامد "المرورذي"٦: "أنه كان يختصر في فتواه غاية ما يمكنه، واستفتي في مسألة، قيل في آخرها: أيجوز ذلك أم لا؟ فكانت فتواه: لا، وبالله التوفيق"٧. قلت٨: الاقتصار على لا أو نعم لا يليق بغي العامة، وإنما يحسن بالمفتي الاختصار الذي "لا يخل بالبيان المشترط عليه دون ما يخل به، فلا يدع إطالة"٩ لا يحصل البيان بدونها، فإذا كانت فتياه فيما يوجب القود أو الرجم مثلا فليذكر الشروط

стр. 117

التي يتوقف عليها القود والرجم. وإذا استفتي فيمن قال قولا يكفر به، بأن قال: الصلاة لعب، أو الحج عبث، أو نحو ذلك. فلا يبادر بأن يقول: هذا حلال الدم ويُقتل١. بل يقول: إذا ثبت عليه ذلك بالبينة أو بالإقرار٢، استتابه السلطان، فإن تاب قبلت توبته، وإن أصر ولم يتب قتل وفعل به كذا وكذا، وبالغ في تغليظ أمره، وإن كان الكلام الذي قاله يحتمل أمورًا لا يكفر٣ ببعضها، فلا يطلق جوابه، وله أن يقول: ليسأل عما أراد بقوله، فإن أراد كذا فالجواب كذا، وإن أراد كذا فالحكم فيه كذا، وقد سبق الكلام فيما شأنه التفصيل. وإذا استفتي عما٤ يوجب التعزير، فليذكر قدر ما يعزره به السلطان فيقول: يضرب ما بين كذا إلى كذا ولا يزاد على كذا، خوفًا من أن يضرب بفتواه إذا أطلق القول ما لا يجوز ضربه٥، ذكره الصيمري. قلت: وإذا قال: عليه التعزير بشرطه، أو القصاص بشرطه. فليس بإطلاق، وتقييده بشرطه يبعث من لا يعرف الشرط من ولاة الأمر على٦ السؤال عن شرطه، والبيان٧ أولى. والله أعلم. العاشرة: إذا سئل عن مسألة ميراث، فالعادة غير جارية بأن يشترط في جوابه في الورثة عدم الرق، والكفر والقتل، وغيرها من الموانع، بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق السائل ذكر الأخوة والأخوات والأعمام وبنيهم، فلا بد أن يشترط في الجواب، فيقول: من أبٍ وأم, أو من أبٍ، أو من أم.

стр. 118

وإذا سئل عن مسألة فيها عول كالمنبرية١، وهي: زوجة وأبوان وبنتان. فلا يقل للزوجة الثمن، ولا للزوجة التسع، لأن أحدًا من السلف لم يقله. بل إما أن يقول: للزوجة ثمن عائل، وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهمًا. أو٢ يقول ما قاله أمير المؤمنين علي ﵁: "صار ثُمُنُها تِسعًا"٣، أو يقول٤: لها سهمًا٥ من كذا وكذا، وإذا٦ كان في المذكورين في السؤال من لا يرث أفصح بسقوطه، فقال: وسقط فلان، وإن كان سقوطه في صورة دون صورة، قال: وسقط٧ فلان في هذه المسألة، أو نحو ذلك, وإذا سئل عن أخوة وأخوات، أو بنين وبنات،

стр. 119

فلا ينبغي إلا أن يقول: يقتسمون التركة على كذا وكذا سهمًا، لكل ذكر كذا سهمًا، ولكل أنثى كذا سهمًا، ولا يقل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ ١، فإن ذلك يشكل على العامي، هذا رأي الإمام أبي القاسم الصيمري. ونحن نجد في تعمد العدول عنه حزازة في النفس لكونه٢ لفظ القرآن العظيم، وأنه قل ما يخفى معناه على أحد. وسبيله أن يكون في جواب مسائل المناسخات شديد التحرز والتحفظ، وليقل فيها: لفلان كذا وكذا، من ذلك كذا من٣ ميراثه من فلان، وكذا بميراثه من فلان، وحسن أن يقول في قسمة المواريث: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا٤. والله أعلم. الحادية عشرة٥: ليس للمفتي أن يبني٦ ما يكتبه من جوابه على ما يعلمه٧ من صورة الواقعة المستفتي عنها إذا لم يكن في الرقعة٨ تعرض له، وكذا إذا زاد٩ السائل شفاهًا ما ليس في الرقعة تعرض له ولا له به تعلق، فليس للمفتي أن يكتب جوابه في الرقعة، ولا بأس بأن يضيفه إلى السؤال بخطه، وإن لم يكن من الأدب كون السؤال جميعه بخط المفتي على ما سبق، ولا بأس أيضًا لو كتب بعد جوابه عما في الرقعة: زاد السائل من لفظه كذا وكذا، والجواب عنه كذا وكذا، وإذا كان المكتوب في الرقعة على خلاف الصورة الواقعة وعلم المفتي بذلك، فليفتِ على ما وجد في

стр. 120

الرقعة١، وليقل: هذا إن كان الأمر على ما ذكر. وإن كان كيت وكيت، ويذكر٢ ما علمه من "الصورة"٣، فالحكم كذا وكذا. قلت: وإذا زاد المفتي على جواب المذكور في السؤال ما له به تعلق ويحتاج إلى التنبيه عليه "فذلك حسن، والله أعلم٤. الثانية عشرة٥: لا ينبغي إذا ضاق موضع الفتوى عنها أن يكتب الجواب في رقعة أخرى، خوفًا من الحيلة عليه"٦. ولهذا انبغى أن يكون جوابه موصولا آخر سطر في الرقعة، ولا يدع بينهما فرجة خوفًا من أن يثبت السائل فيها غرضًا "آخر"٧ له ضارًّا، وكذا إذا كان في موضع الجواب ورقة ملزقة٨ كتب على موضع الإلزاق وشغله بشيء، وإذا أجاب على ظهر الرقعة فينبغي أن يكون الجواب في أعلاها لا ذيلها، اللهم إلا أن يبتدئ الجواب في أسفلها متصلا بالاستفتاء فيضيق عليه الموضع فيتمه وراء هذا مما يلي أسفلها ليتصل جوابه، واختار بعضهم أن يكتب٩ على ظهرها ولا يكتب على حاشيتها بطولها، والمختار أن حاشيتها أولى بذلك من ظهرها، والأمر في ذلك قريب١٠. والله أعلم. الثالثة عشرة١١: إذا رأى المفتي رقعة الاستفتاء قد سبق الجواب فيها من ليس أهلا للفتوى، فعن الإمام أبي القاسم الصيمري ﵁: "أنه لا يفتي معه،

стр. 121

لأن فيه تقريرًا لمنكر، بل يضرب على ذلك بإذن صاحب الرقعة، ولو لم يستأذنه في هذا القدر جاز، لكن ليس له احتباس الرقعة إلا بإذن صاحبها، وله انتهار السائل وزجره، وتعريفه قبح ما أتاه، وأنه قد كان واجبًا عليه البحث "عن"١ أهل الفتوى، وطلب من يستحق ذلك، "وإن"٢ رأى فيها اسم من لا يعرفه سأل عنه، فإن لم يعرفه فواسع أن يمتنع من الفتوى معه خوفًا مما قلناه. قال: وكان بعضهم في مثل هذا يكتب على ظهرها, والأولى في هذه المواضع أن يشار على صاحبها بإبدالها، فإن أبى ذلك أجابه شفاهًا"٣. قلت: وإذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم للأهلية، ولم تكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه، وإن غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو "تلبيس"٤ أو غير ذلك، بحيث صار امتناع الأهل من الفتيا معه ضارًّا بالمستفتين٥، فليفتِ معه، فإن ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله٦، والله أعلم. الرابعة عشرة٧: إذا ظهر له أن الجواب على خلاف غرض المستفتي وأنه لا يرضى بكتبه ورقته، فليقتصر على مشافهته بالجواب٨. حدثني الشيخ أبو المظفر عبد الرحيم٩ ابن الحافظ أبي سعد١٠ عبد الكريم

стр. 122

السمعاني بمدينة مرو، والده١ "رحمهما الله"٢، قال: سمعت أبا السعادات المبارك بن الحسين الشاهد٣ بواسط يقول: دخلت على قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغاني٤ وكان معي رقعة فيها مسألة، فسألته الجواب عنها، فأخذ الرقعة وشرع يكتب الجواب، وكنت أدعو له، فقال: المعنى إذا وافق جوابه غرض المستفتي يدعو له، وإذا لم يوافق سكت، ثم قال: غرم شيخنا أبو الحسين ابن القدوري٥ لرجل ورقة أفتى يومًا في مسألة استفتي عنها، فاتفق الجواب على خلاف غرض المستفتي، فقال له: يا شيخ أتلفت ورقتي. قال: فأخرج شيخنا ورقة من عنده، وقال: هاك عوضها. والله أعلم.

стр. 123

الخامسة عشرة١: إذا وجد في رقعة٢ الاستفتاء فتيا غيره، هي خطأ "قطعًا إما"٣ خطأ مطلقًا لمخالفتها الدليل القاطع، وإما خطأ على مذهب من يفتي ذلك الغير على مذهبه قطعًا، فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء تاركًا للتنبيه على "خطتها"٤ إذا لم يكفه ذلك غيره، بل عليه "الضرب"٥ عليها عند تيسره، أو الإبدال وتقطيع٦ الرقعة بإذن صاحبها أو نحو ذلك. وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ، ثم إن كان المخطئ أهلا للفتوى فحسن أن تعاد إليه بإذن صاحبها، وأما إذا وجد فيها فتيا ممن هو أهل للفتوى وهي على خلاف ما يراه هو، غير أنه لا يقطع "بخطئها"٧، فليقصر على أن يكتب جواب نفسه، ولا يتعرض لفتيا غير بتخطئة٨ ولا اعتراض عليه٩. وبلغنا: أن الملك الملقب بجلال الدولة من ملوك الديلم المتسلطين على الخلفاء لما زيد في ألقابه شاها نشاه الأعظم، ملك الملوك، وخطب١٠ له بذلك ببغداد على المنبر، جرى في ذلك ما أحوج إلى استفتاء فقهاء بغداد في جواز ذلك وذلك في سنة تسع وعشرين وأربعمائة، فأفتى غير واحد من أئمة العصر بجواز ذلك منهم:

стр. 124

القاضي الإمام أبو الطيب الطبري، وأبو القاسم الكرخي١، وابن البيضاوي٢، الشافعيون. والقاضي أبو عبد الله الصيمري٣، الحنفي، وأبو محمد التميمي الحنبلي٤، ولم يفت معهم القاضي أبو الحسن الماوردي، فكتب إليه كاتب الخليفة يخصه بالاستفتاء في ذلك، فأفتى بأن ذلك لا يجوز٥، ولقد أصاب في تحريمه

стр. 125

ذلك، وأخطئوا في تجويزه١. فلما وقفوا على جوابه تصدوا لنقضه، وأطال القاضيان أبو "الطيب"٢ الطبري، وأبو عبد الله الصيمري في التشنيع عليه، فأجاب الماوردي عن كلامهما بجواب طويل يذكر فيه أنهما أخطآ من وجوه منها: أنه لا يسوغ لمفت إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة، ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة، فقد يفتي أصحاب الشافعي بما يخالفهم فيه أصحاب أبي حنيفة، فلا يتعرض أحد منهم لرد على صاحبه٤ والله أعلم. السادسة عشرة٥: إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلًا ولم يحضر صاحب الواقعة، فعن القاضي أبي القاسم الصيمري الشافعي: "﵀"٦: "أن له أن يكتب: يزاد في الشرح لنجيب عنه، أو لم أفهم ما فيها٧ فأجيب عنه٨"٩.

стр. 126

وقال بعضهم: لا يكتب شيئًا أصلا. قال: ورأيت بعضهم كتب في مثل هذا: يحضر السائل لنخاطبه شفاهًا١. وإذا اشتملت الرقعة على مسائل فهم بعضها دون بعض، أو فهمها كلها ولم يرد الجواب عن بعضها، أو احتاج في بعضها إلى مطالعة رأيه أو كتبه، سكت عن ذلك البعض "وأجاب"٢ عن البعض الآخر. وعن الصيمري: أنه يقول في جوابه: فأما باقي المسائل فلنا فيه نظر، أو يقول: مطالعة، أو يقول: زيادة تأمل٣. قلت٤: وإذا فهم من٥ السؤال صورة وهو يحتلم غيرها، فلينص عليها في أول جوابه، فيقول: إن كان قد قال: كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا٦، أو ما أشبه هذا، ثم يذكر حكم ذلك. والله أعلم. السابعة عشرة٧: ليس بمنكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصًّا واضحًا مختصرًا مثل أن يسأل عن عدة الآية، فحسن أن يكتب في فتواه: قال الله "تبارك و"٨ تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ ٩. أو يسأل: هل يطهر جلد الميتة "بالدباغ"١٠؟ فيكتب: نعم

стр. 127

يطهر، قال رسول الله ﷺ : "أيما إهاب ١ دبغ فقد طهر" ٢. وأما الأقيسة وشبهها فلا ينبغي له ذكر شيء منها. وفيما وجدناه عن الصيمري قال: لم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد، ولا وجه القياس والاستدلال، اللهم إلا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر قاض فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد، ويلوح بالنكتة التي عليها بنى الجواب، أو يكون غيره قد أفتى فيها بفتوى غلط فيها عنده، فيلوح بالنكتة التي أوجبت خلافه ليقم٣ عذره في مخالفته٤. قلت٥: وكذلك لو كان فيما يفتي به غموض فحسن أن يلوح بحجته، وهذا التفصيل أولى مما سبق قريبًا ذكره عن القاضي الماوردي من إطلاقه القول: بالمنع من تعرضه للاحتجاج, وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: هذا٦ إجماع المسلمين, أو: لا أعلم في هذا خلافًا, أو: فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب, أو: فقد أثم وفسق, أو: على ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر, وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقضيه المصلحة وتوجبه الحال٧، والله أعلم.

стр. 128

الثامنة عشرة١: يجب على المفتي عند اجتماع الرقاع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق، كما يفعله القاضي عند اجتماع الخصوم، وذلك فيما يجب عليه فيه الإفتاء، وعند التساوي، أو الجهل بالسابق يقدم بالقرعة، والصحيح أنه يجوز له تقديم المرأة والمسافر الذي شد رحله، وفي تأخيره تخلفه عن رفقته٢ على من سبقهما، إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يلحق غيرهم من تقديمهم ضرر كبير فيعود بالتقديم٣ إلى السبق٤ أو القرعة، ثم لا يقدم من يقدمه إلا في٥ فتيا واحدة٦، والله أعلم. التاسعة عشرة٧: ليحذر أن يميل في فتياه مع المستفتي أو مع خصمه، ووجوه الميل كثيرة لا تخفى ومنها: أن يكتب في جوابه ما هو له، ويسكت عما هو عليه. وليس له أن يبتدئ في مسائل الدعاوي والبينات بذكر وجوه المخالص منها. وإذا سأله أحدهم وقال: بأي شيء تندفع دعوى كذا وكذا، أو بينة كذا وكذا؟ لم يجبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق، وله أن يسأله عن حاله فيما ادعي عليه، فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع٨. والله أعلم. العشرون: ليس له إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتي بالتفصيل، بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلا، ويأمرهم بأن يقتصروا فيها على الإيمان جملة من غير تفصيل، ويقولوا فيها وفيما ورد من الآيات

стр. 129

والأخبار المتشابهة١: إن الثابت فيها في نفس الأمر كل ما هو اللائق فيها بجلال الله وكماله وتقديسه المطلقين، وذلك هو معتقدنا فيها، وليس "علينا"٢ تفصيله وتعيينه، وليس البحث عنه من شأننا، بل نكل علم تفصيله إلى الله "تبارك و"٢ تعالى، ونصرف عن الخوض فيه قلوبنا وألسنتنا، فهذا ونحوه عند أئمة الفتوى هو الصواب في ذلك، وهو سبيل سلف الأمة، وأئمة المذاهب المعتبرة، وأكابر الفقهاء والصالحين، وهو أصون٤ وأسلم للعامة وأشباههم، ممن يدغل قلبه بالخوض في ذلك، ومن كان منهم اعتقد اعتقادًا باطلا تفصيلا، ففي إلزامه بهذا صرف له عن ذلك الاعتقاد الباطل بما هو أهون وأيسر وأسلم٥. وإذا عزر ولي الأمر من حاد منهم عن هذه الطريقة، فقد تأسى بعمر بن الخطاب ﵁ في تعزيره صبيغ٦ بن عسل٧ الذي كان يسأل عن المتشابهات٨ على ذلك.

стр. 130

والمتكلمون من أصحابنا معترفون بصحة هذه الطريقة، وبأنها أسلم لمن سلمت له، وكان الغزالي منهم في آخر أمره شديد المبالغة في الدعاء والبرهنة عليها١. وذكر شيخه الشيخ أبو المعالي في كتابه "الغياثي": أن الإمام يحرص ما

стр. 131

أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك١. واستفتي الغزالي في كلام الله ﵎ فكان من جوابه: وأما الخوض في أن كلامه تعالى حرف وصوت أو ليس كذلك فهو بدعة٢، وكل من يدعو العوام إلى الخوض في هذا فليس من أئمة الدين٣، وإنما٤ هو من المضلين، ومثاله من يدعو الصبيان الذين لا يعرفون السباحة إلى خوض البحر، ومن يدعو الزمن المقعد إلى السفر في البراري من غير مركوب٥. وقال في "رسالة" له: الصواب للخلق كلهم إلا الشاذ النادر الذي لا تسمح الأعصار إلا بواحد منهم أو اثنتين، سلوك مسلك السلف في الإيمان المرسل، والتصديق المجمل بكل ما أنزله الله تعالى، وأخبر به رسول الله ﷺ ، من غير بحث وتفتيش، والاشتغال بالتقوى٦ ففيه شغل شاغل٧. "وفي كتاب "أدب المفتي والمستفتي" للصيمري أبي القاسم: إن مما أجمع عليه أهل الفتوى٨ أن من كان موسومًا٩ بالفتوى"١٠ في الفقه، لم ينبغ أن يضع

стр. 132

خطة بفتوى في مسألة من الكلام، كالقضاء والقدر، والرؤية، وخلق القرآن، وكان بعضهم لا يستتم قراءة مثل هذه الرقعة١. وحكى أبو عمر ابن عبد البر الفقيه الحافظ الأندلسي: الامتناع من الكلام في كل ذلك عن الفقهاء والعلماء قديمًا وحديثًا من أهل الحديث والفتوى، وقال: إنما خالف ذلك أهل البدع٢. قلت٣: فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض المذكور جاز الجواب تفصيلا، وذلك بأن يكون جوابها مختصرًا مفهومًا، فما ليس له أطراف يتجاذبها المتنازعون، والسؤال عنه صادر من مسترشد خاص منقاد، أو من عامة قليلة التنازع والمماراة، والمفتي ممن ينقادون لفتواه ونحو هذا، وعلى هذا ونحوه يخرج ما جاء عن بعض السلف من بعض الفتوى في بعض المسائل، الكلامية، وذلك منهم قليل نادر٤، والله أعلم٥.

стр. 133

القول في صفة المستفتي وأحكامه وآدابه صفته ... القول في صفة المستفتي وأحكامه وآدابه: أما صفته: فكل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يسأل عنه من الأحكام الشرعية مستفتٍ ومقلد لمن يفتيه١. وحدُّ التقليد في اختيارنا وتحريرنا: قبول قول من يجوز عليه الإصرار على الخطأ بغير حجة على عين ما قبل قوله٢ فيه، ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه تعلم حكمها٣.

стр. 134

وفي أحكامه وآدابه مسائل: "الأولى": اختلفوا في أنه هل يجب عليه البحث والاجتهاد عن أعيان المفتين؟ وليس هذا الخلاف على الإطلاق، فإنه يجب عليه قطعًا البحث الذي يعرف به صلاحية من يستفتيه "للإفتاء"١ إذا لم يكن قد تقدمت معرفته بذلك، ولا يجوز له استفتاء كل من اعتزى إلى٢ العلم، وإن انتصب في منصب التدريس أو غيره من مناصب أهل العلم، بمجرد ذلك٣. ويجوز له استفتاء من تواتر بين الناس أو استفاض فيهم كونه أهلا للفتوى، وعند بعض أصحابنا المتأخرين: إنما يعتمد قوله: أنا أهل للفتوى لا شهرته بذلك والتواتر٧، لأن التواتر لا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس، والشهرة "بين"٤ العامة لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس.

стр. 135

ويجوز له أيضًا استفتاء من أخبر المشهور المذكور عن أهليته، ولا ينبغي أن "يكفي"١ في هذه الأزمان بمجرد تصديه للفتوى واشتهاره بمباشرتها، لا٢ بأهليته لها. وقد أطلق الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيره: أنه يقبل فيه خبر العدل الواحد٣. وينبغي أن يشترط فيه: أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به الملتبس من غيره، ولا يعتمد في ذلك على خبر آحاد٤ العامة، لكثرة٥ ما يتطرق "إليهم"٦ من التلبيس في ذلك٧ إذا عرفت هذا. فإذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز له٨ استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم، والبحث عن الأعلم الأورع الأوثق ليقلده دون غيره؟ فهذا فيه وجهان: "أحدهما"٩: وهو في طريقة العراق منسوب إلى أكثر أصحابنا وهو الصحيح فيها: أنه لا يجب ذلك وله استفتاء من شاء منهم، لأن الجميع أهل، وقد أسقطنا الاجتهاد عن العامي١٠.

стр. 136

"والثاني": يجب عليه ذلك، وهو قول ابن سريج، واختيار القفال المروزي، والصحيح عند صاحبه القاضي حسين١، لأنه٢ يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال، فلم يسقط عنه. والأول أصح، وهو الظاهر٣ من حال الأولين، ولكن متى ما اطلع٤ على الأوثق منهما، فالأظهر أنه يلزمه تقليده دون الآخر، كما وجب تقديم أرجح الدليلين، وأوثق الراويين٥، فعلى هذا يلزمه تقليد الأورع٦ من العالمين، والأعلم من الورعين، فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع، قلد الأعلم على الأصح٧، والله أعلم. "الثانية": في جواز تقليد الميت وجهان: "أحدهما": لا يجوز لأن أهليته زالت بموته، فهو كما لو٨ فسق. والصحيح الذي عليه العمل الجواز، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف، وموت الشاهد قبل الحكم "لا يمنع من الحكم"٩

стр. 137

بشهادته بخلاف الفسق، والقول الأول يجر خبطًا في الأعصار المتأخرة١. "الثالثة": هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ لينظر، إن كان منتسبًا إلى مذهب معين بنينا ذلك على وجهين٢، حكاهما القاضي حسين: في أن العامي هل له مذهب أولا؟ "أحدهما": أنه لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن يعرف الأدلة، فعلى هذا له أن يستفتي من شاء من شافعي، أو٣ حنفي, أو غيرهما٤. "والثاني"٥: وهو الأصح٦ عند القفال المروزي، أن "له مذهبًا"٧ لأنه اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، ورجحه على غيره فعليه الوفاء بموجب اعتقاده ذلك. فإن كان شافعيًّا لم يكن له أن يستفتي حنفيًّا، ولا يخالف إمامه، فقد٨ ذكرنا في المفتي المنتسب ما يجوز له أن يخالف إمامه فيه، وإن لم يكن قد انتسب إلى مذهب معين فينبني ذلك فيه على وجهين ابن برهان: في أن العامي: هل يلزمه٩ أن يتمذهب بمذهب معين؟ يأخذ برخصه وعزائمه؟ أحدهما: لا يلزمه ذلك كما لم١٠ يلزم في عصر أوائل الأمة أن يخص

стр. 138

العامي عالمًا١ معينًا "بتقليده"٢. قلت٣: فعلى هذا هل٤ له أن يستفتي على أي مذهب شاء؟ أو يلزمه أن يبحث حتى يعلم علم مثله أسد المذاهب وأصحها أصلا فيستفتي أهله٥؟ فيه وجهان مذكوران كالوجهين اللذين سبقا في إلزامه بالبحث عن الأعلم، والأوثق من المفتين. "والثاني": يلزمه ذلك، وبه قطع الكيا أبو الحسن، وهو جار "له"٦ في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأرباب سائر العلوم، ووجهه أنه لو جاز له اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعًا هواه، ومتخيرًا بين التحريم والتجويز، وفي ذلك انحلال ربقة٧ التكليف بخلاف العصر الأول، فإنه لم تكن المذاهب الوافية بأحكام الحوادث حينئذ قد مهدت وعرفت، فعلى هذا يلزمه أن يجتهد في اختيار مذهب يقلده على التعيين، وهذا أولى بإيجاب الاجتهاد فيه على العامي مما سبق ذكره في الاسفتاء، ونحن نمهد له طريقًا يسلكه في اجتهاده سهلا، فنقول: أولا: ليس له أن يتبع في ذلك مجرد التشهي، والميل إلى ما وجد عليه أباه، وليس له التمذهب بمذهب أحد من أئمة الصحابة، وغيرهم من الأولين، وإن كانوا

стр. 139

أعلم، وأعلى درجة ممن١ بعدهم، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين٢ العلم وضبط أصوله وفروعه، وليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناخلين٣ لمذاهب الصحابة والتابعين، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعها، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها، كمالك وأبي حنيفة وغيرهما٤. ولما كان الشافعي "﵀"٥ قد تأخر عن هؤلاء الأئمة ونظر في٦

стр. 140

مذاهبهم نحو نظرهم في مذاهب من قبلهم، فسبرها وخبرها وانتقدها، واختار أرجحها، ووجد من قبله قد كفاه مؤنة التصوير والتأصيل فتفرغ للاختيار والترجيح والتنقيح والتكميل، مع كمال آلته وبراعته في العلوم، وترجحه في ذلك على من سبقه، ثم لم يوجد بعده من بلغ محله في ذلك، كان مذهبه أولى المذاهب بالاتباع والتقليد، وهذا مع ما فيه من الإنصاف والسلامة من القدح في أحد من الأئمة جلي واضح، إذا تأمله العامي قاده إلى اختيار مذهب الشافعي والتمذهب به١. والله أعلم. "الرابعة": إذا اختلف عليه فتوى مفتيين، فللأصحاب فيه أوجه٢: أحدهما: أنه يأخذ بأغلظها، فيأخذ بالحظر دون الإباحة، لأنه أحوط، ولأن الحق ثقيل. "والثاني": يأخذ بأخفهما٣، لأنه ﷺ : "بعث بالحنفية٤ السمحة السهلة"٥.

стр. 141

"والثالث": يجتهد في الأوثق١، فيأخذ٢ بفتوى الأعلم الأورع كما سبق شرحه، واختاره السمعاني الكبير، ونص الشافعي على مثله في القبلة٣. "والرابع": يسأل مفتيًا آخر فيعمل بفتوى من يوافقه٤. "والخامس": يتخير فيأخذ بقول أيهما شاء وهو الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي٥، واختاره صاحب "الشامل"٦، فيما إذا تساوى المفتيان في نفسه. والمختار: أن عليه أن يجتهد ويبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض وقد وقع، وليس كما سبق ذكره من الترجيح المختلف فيه عند الاستفتاء، وعند هذا ليبحث عن الأوثق، من المفتيين فيعمل بفتياه، فإنه لم يترجح أحدهما عنده استفتى آخر٧، وعمل بفتوى من وافقه الآخر، فإن تعذر ذلك وكان اختلافهما في الحظر والإباحة، وقبل العمل، اختار جانب الحظر وترك "جانب الإباحة"٨، فإنه أحوط وإن تساويا من كل وجه خيرناه بينهما، وإن أبينا التخيير في غيره، لأنه ضرورة في صورة نادرة. ثم "إنما"٩ نخاطب بما ذكرناه المفتيين، وأما العامي الذي وقع له ذلك

стр. 142

فحكمه أن يسأل عن ذلك ذينك المفتيين أو مفتيًا آخر، وقد أرشدنا المفتي إلى ما يجيبه به في ذلك، فهذا جامع لمحاسن الوجوه المذكورة، ومنصب في قالب التحقيق١. والله أعلم. "الخامسة": قال أبو المظفر السمعاني "﵀"٢: إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه، ويجوز أن يقال: إنه يلزمه إذا أخذ في العمل به. وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحته وحقيته. قال: وهذا أولى الأوجه. قلت٣: لم أجد هذا لغيره، وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين: أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيره بين أن يقبل منه أو من غيره٤، ثم اختار هو: أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين، ويلزمه الأخذ بفتيا من اختاره باجتهاده ولا يجب تخييره. والذي تقتضيه القواعد أن نفصل فنقول: إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد

стр. 143

مفتٍ آخر لزمه الأخذ بفتياه، ولا يتوقف ذلك على التزامه لا بالأخذ١ في العمل به٢ ولا بغيره، ولا يتوقف أيضًا على سكون نفسه إلى صحته في نفس الأمر فإن فرضه التقليد كما عرف، وإن وجد مفت آخر -فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق- لزمه ما أفتاه به٢، بناء على الأصح في تعينه كما سبق، وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه به٤ بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده، ولا يعلم اتفاقهما٥ في٦ الفتوى، فإن وجد الاتفاق أو حكم٧ به٨ عليه حاكم لزمه حينئذ٩. والله أعلم. "السادسة": إذا استفتى فأفتى ثم حدثت١٠ له تلك الحادثة مرة أخرى، فهل يلزمه تجديد السؤال١١؟ فيه وجهان: "أحدهما": يلزمه لجواز تغير رأي المفتي. "والثاني": لا يلزمه وهو الأصح، لأنه قد عرف الحكم والأصل استمرار المفتي عليه، وخصص صاحب "الشامل" الخلاف بما إذا قلد حيا، وقطع فيما إذا كان ذلك خبرًا عن ميت، بأنه لا يلزمه.

стр. 144

ولا يختص ذلك كما قاله، فإن المفتي على مذهب الميت قد١ يتغير٢ جوابه على مذهبه٣، والله أعلم. "السابعة": له أن يستفتي بنفسه، وله أن ينفذ٤ ثقة يقبل خبره ليستفتي له، ويجوز له الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله: إنه خطه، أو كان يعرف خطه ولم يتشكك في كون ذلك الجواب٥ بخطه. والله أعلم. "الثامنة": ينبغي للمستفتي أن يحفظ الأدب مع المفتي ويبجله في خطابه وسؤاله، ونحو ذلك ولا يومئ٦ بيده في وجهه، ولا يقول له: ما تحفظ في كذا وكذا؟ وما مذهب إمامك الشافعي في كذا وكذا٧؟ "ولا يقل"٨ إذا أجابه: هكذا قلت أنا، "أو"٩ كذا وقع لي١٠، ولا يقل له: أفتاني فلان، أو أفتاني غيرك بكذا وكذا. ولا يقل١١ إذا١٢ استفتى في رقعة: إن كان جوابك موافقًا لما أجاب فيها فاكتبه، وإلا فلا تكتب.

стр. 145

ولا يسأله١ وهو قائم، أو مستوفز، أو على حالة ضجر، أو هم به٢، أو غير ذلك مما يشغل القلب. ويبدأ بالأسن الأعلم من المفتيين، وبالأولى٣ فالأولى٤ على ما سبق بيانه. وقال الصيمري: إذا أراد جمع الجوابات في رقعة قدم الأسن والأعلم، وإن أراد إفراد الجوابات في رقاع فلا يبالي بأيهم بدأ٥. والله أعلم. "التاسعة": ينبغي أن تكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي٦ من استيفاء الجواب، فإنه إذا ضاق البياض اختصر فأضر ذلك بالسائل، ولا يدع الدعاء فيها لمن يفتي إما خاصًّا إن خص واحدًا باستفتائه، وإما عامًّا إن استفتى الفقهاء مطلقًا. وكان بعضهم يختار أن يدفع الرقعة إلى المفتي منشورة ولا يحوجه إلى نشرها ويأخذها٧ من يديه إذا أفتى ولا يحوجه إلى طيها٨. وينبغي أن يكون كاتب الاستفتاء ممن يحسن السؤال ويضعه على الغرض، مع إبانة الخط واللفظ، وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف٩، كنحو ما حكي: أن مستفتيا استفتى، ببغداد في رقعة عمن قال: أنت طالق إن؟ ثم أمسك عن ذكر الشرط لأمر
следующие страницы →